← Акыда

Акыда · id 37802

شرح العقيدة الواسطية - عبد الرحيم السلمي

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (493 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

نقد تعليلات الرازي لعدم قبوله لأحاديث الآحاد في باب العقائد وقد تكلم الرازي في كتابه أساس التقديس -وهو من الأشاعرة- عن مسألة أخبار الآحاد وقال: إنها غير مقبولة في العقيدة, وعلل لذلك بتعليلات يقشعر لها جلد المسلم, فقال: إن أخبار الآحاد لا تقبل في العقيدة، لأن الثقة -أولاً- مرتفعة عن الصحابة؛ لأنهم تقاتلوا فيما بينهم، وكل شخص منهم قتل الثاني. قال: والسبب الثاني: هو أن الزنادقة وضعوا أحاديث، ولسلامة قلوب المحدثين -يعني: لغفلتهم- قبلوها وزعم أن أحاديث البخاري ومسلم فيها أحاديث من وضع الزنادقة, وهذا لجهله. وزعم أموراً أخرى لا أستحل نقلها. والسبب في الوصول إلى هذا المستوى المنحط في التعامل مع سنة النبي ﷺ ؛ هو عدم تقدير الرسول ﷺ , وهم لا يرجون لله وقاراً في الحقيقة, لو كانوا يرجون لله وقاراً لما عللوا بهذه التعليلات الفاسدة الباطلة, في الوقت الذي يقبلون فيه كلام الأخطل في قوله: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا فقبل قول الأخطل وهو نصراني, ولم يثبت عنه, ولم ينقل نقلاً متواتراً، وهو مخالف للغة, وفيه روايات متعددة, فقبل كلامه لأنه يوافق هواه, ورد أحاديث الرسول ﷺ ؛ لأنها لم توافق هواه، وهذا هو الضلال بعينه. وهكذا الإنسان إذا اشرب قلبه بالبدعة يصل إلى هذه الطريقة ويتخبط ويضل وينحرف ويقول المقالات العظيمة المخالفة لشرع الله التي هي في بعض الأحيان قد تخرجه من الدين، والعياذ بالله. ولهذا فلنحذر غاية الحذر من الهوى الذي يصل بالإنسان إلى هذه الطريقة وإلى هذا المستوى المنحط, وهذا من مصادر الاستدلال التي يخالفنا فيها الأشاعرة, فكيف يقول مثلاً الدكتور يوسف القرضاوي وغيره -من الذين لا يعرفون حقيقة الخلاف بين أهل السنة الأشاعرة-: إن الأشاعرة من أهل السنة؟! وكيف يكونون من أهل السنة وهم يخالفوننا في الأدلة؟! فنحن نعتبر أخبار الآحاد أدلة صحيحة عن العقيدة وهم لا يعتبرونها, فكل أحاديث الصحيحين غير مقبولة عندهم في العقيدة, وكذلك بقية أحاديث الكتب الستة غير مقبولة في العقيدة عندهم, فالخلاف بيننا وبينهم خلاف منهجي وجذري, وليس خلافاً سطحياً وبسيطاً كما يظن بعض هؤلاء الذين لم يتعلموا العلم من أصوله الصحيحة, ولم يدركوا هذه المسائل, وإنما أخذوها بشكل عاطفي, مثل: الدكتور القرضاوي وغيره من الذين يقولون: إن الأشاعرة من أهل السنة, فهم لم يدرسوا كتب الأشاعرة ولا يعرفونها, ولا يعرفون الخلاف بين أهل السنة والأشاعرة، ولا يدركون ما هو, ولم يقرءوا كتب ابن تيمية ﵀, ولا كتب السلف السابقين، ولم يدرسوا العلم دراسة تفصيلية, وإنما درسوا دراسات سطحية، ثم يتربعون على عرش الإفتاء والتوجيه للناس, ويأتون بهذه المقالات العجيبة الغريبة, مع أن الخلاف بيننا وبين الأشاعرة خلاف جذري كما نلاحظ في مصادر الاستدلال, وفي منطلقات الإنسان في معرفته لصفات الله ولأسمائه ولأحكام العقيدة. فإذاً: أخبار الآحاد مقبولة، ومن أراد الأدلة على ذلك فليراجع كتاب أخبار الآحاد من صحيح البخاري ففيه عشرون حديثاً استدل بها البخاري ﵀ على قبول أخبار الآحاد وعدم ردها. وأن ردها من البدع المنحرفة.

стр. 282

ذكر بعض أحاديث الصفات

стр. 283

حديث صفة النزول إلى السماء الدنيا قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن ذلك مثل قوله ﷺ : (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) متفق عليه]. هذا هو حديث النزول، وقد شرحه شيخ الإسلام ابن تيمية شرحاً طويلاً, وهو مطبوع ضمن مجموع الفتاوى التي جمعها الشيخ ابن قاسم، وطبع مستقلاً بتحقيق الخميس، وهو شرح عظيم طويل, أكثر فيه من الحديث عن الصفات الاختيارية والخلاف فيها.

стр. 284

حديث صفة الفرح قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله ﷺ : (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم براحلته)، الحديث متفق عليه]. وهذا حديث طويل، وتكملته: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن التائب من أحدكم ضلت عنه راحلته وهو في أرض فلاة، فنام تحت شجرة وهو يظن الهلاك, فلما قام وجدها بين يديه، فقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) , وهو حديث يدل على إثبات صفة الفرح لله . وصفة النزول صفة فعلية اختيارية, وكذلك صفة الفرح صفة فعلية اختيارية, وقد وردت صفة الفرح باسم آخر، وهي: البشبشة, فقد ثبت عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله له كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم)، وهو حديث صحيح رواه ابن ماجة في سننه، والإمام أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه وصححه ووافقه الذهبي، وكذلك رواه ابن خزيمة، وصححه الشيخ الألباني، وهذا اللفظ هو لفظ ابن ماجة ﵀، ورواه الإمام أحمد في مسنده بلفظ آخر: (لا يتوضأ أحدكم فيحسن الوضوء)، إلى آخر الحديث، (إلا تبشبش الله له) وهذا الحديث صححه الأستاذ أحمد شاكر رحمه الله تعالى.

стр. 285

حديث صفة الضحك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله ﷺ : (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة) متفق عليه]. وهذا قد ورد مفسراً في نفس الحديث, فإنه قال: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخلان الجنة, يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل ثم يتوب، -يعني: القاتل- ثم يقتل في سبيل الله)، يعني: يلتقي المسلمون والكفار فيقتل رجل من الكفار رجلاً من المسلمين ثم يسلم هذا الكافر ثم يقاتل في سبيل الله ويقتل, فيجتمعان في الجنة القاتل والمقتول, فيقول النبي ﷺ : (يضحك الله إلى رجلين) , ففي هذا إثبات صفة الضحك لله، وهي صفة فعلية ثابتة لله كما يليق بجلاله، وقد بوب في إثبات الضحك ابن خزيمة ﵀ في كتاب التوحيد والآجري في كتاب الشريعة، وابن أبي عاصم في كتاب السنة.

стр. 286

حديث صفة العجب قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك، يعلم أن فرجكم قريب) حديث حسن]. وهذا الحديث في إثبات صفة العجب لله . والصفات السابقة: صفة النزول، وصفة الفرح، وصفة الضحك وردت في السنة ولم تأت في القرآن, إلا أن صفة النزول تدل عليها صفة المجيء والإتيان في القرآن؛ لأن الله يجيء ويأتي يوم القيامة للناس وهم في المحشر، والمحشر يكون في الأرض ويكون موطنهم بلاد الشام, فهي تدل على صفة النزول، ولكن لفظ النزول لم يأت في القرآن. وأما صفة الفرح فلم ترد إلا في السنة، وصفة الضحك كذلك لم ترد إلا في السنة, وأما صفة العجب فقد وردت في القرآن في آيتين, الآية الأولى: هي قول الله : ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢]، قرأها حمزة والكسائي وقراء الكوفة: (بل عجبتُ) بالضم على أنها تاء المتكلم، (ويسخرون) وقرأها بقية القراء: (بل عجبتَ ويسخرون)، ولما تغيرت الحركة تغير المعنى في القراءتين، فعلى قراءة: (بل عجبتُ) على أنها تاء المتكلم يكون العجب صفة لله ، وقراءة: (بل عجبتَ) على أنها تاء المخاطب تكون صفة العجب للرسول ﷺ ، وكلاهما قراءتان ثابتتان ومعنيان صحيحان ثابتان, وأيضاً يدل على ذلك قول الله : ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد:٥]. فقوله: ((وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ))، فسرها قتادة كما روى ابن جرير الطبري في تفسيره، بأن قال: ((وَإِنْ تَعْجَبْ)) يعني: أنت يا محمد! ((فَعَجَبٌ))، يعني: فعجب الرحمن من قولهم. وأيضاً هذا الحديث الذي هو قوله: (عجب ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره) وهو قطعة من حديث طويل لـ أبي رزين، والحديث الطويل. وقد اختلف العلماء في صحته فقد رواه الإمام أحمد في مسنده، وابن أبي عاصم في السنة، وضعفه الشيخ ناصر الألباني رحمه الله تعالى. وثبت في صحيح البخاري: أن النبي ﷺ قال: (عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل)، يعني: يجرون إلى الجنة جراً، وهذا ثابت في الصحيح. فصفة العجب ثابتة لله بالقرآن وبالسنة، ولأن المصنف لم يورد إلا هذا الحديث؛ أشكل هذا عند بعض الناس في صفة العجب، والصحيح: أنها ثابتة لله بالقرآن وبصحيح السنة، حتى لو لم يثبت حديث أبي رزين المشهور، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يحسن هذا الحديث، فإنه قال عنه: حديث حسن.

стр. 287

حديث صفة القدم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله ﷺ : (لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها رجله)، وفي رواية: (عليها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط قط) متفق عليه]. وقط قط معناها: حسبي حسبي، يعني: يكفيني. والقدم صفة ذاتية ثابتة لله , وهما قدمان، كما ثبت أن الكرسي موضع قدمي الرب.

стр. 288

حديث إثبات الصوت لله تعالى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (يقول تعالى: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك. فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار) متفق عليه. وقوله: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه وليس بينه وبينه ترجمان)]. وهذان الحديثان في صفة الكلام، وحديث: (يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك! فينادي بصوت)، فيه: إثبات الصوت لله كما يليق بجلاله، وقد ورد في بعض الأحاديث: (أن الصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب).

стр. 289

العقيدة الواسطية [١٣] من جملة ما يعتقده أهل السنة والجماعة ويسألون ربهم أن يمن به عليهم رؤية الله ﵎ يوم القيامة, وهي مسألة عقدية نطق بإثباتها صريح الكتاب ومتواتر السنة, وأينعت ثمار الإيمان بها في قلوب الموحدين, وصنف فيها الأئمة والعلماء وكتبوا, وضل عن الإيمان بها منكروها من المعتزلة ومن وافقهم, مستمسكين بالواهي من استنتاجات العقول التي لا يجوز نصبها خصمًا لأدلة الشرع الصريحة الصحيحة.

стр. 290

إثبات رؤية الله يوم القيامة بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. أما بعد: فموضوع رؤية الله يوم القيامة فيه مسائل: مسألة رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وهي أطول مسألة في هذا الموضوع. ومسألة رؤية الله يوم القيامة، يعني: قبل دخول الجنة. ومسألة هل الكفار والمنافقين يرون الله في عرصات القيامة أم لا يرونه؟ ومسألة رؤية النساء لله ؟ ومسألة رؤية الله في الدنيا؟ ورؤية الله في المنام، ونحو ذلك من المسائل. قال المؤلف ﵀: [وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣]، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]. وهذا الباب في كتاب الله كثير. من تدبر القرآن طالباً للهدى منه تبين له طريق الحق]. هذه جملة من الآيات التي ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى للاستدلال على رؤية الله يوم القيامة.

стр. 291

طرق العلماء في الكلام على صفة الرؤية في مصنفاتهم وموضوع الرؤية تحدث عنه العلماء في مصنفاتهم بطريقتين: الطريقة الأولى: أن يفردوا له مصنفاً خاصاً ويكون هذا المصنف جميعه في باب الرؤية. والطريقة الثانية: أن يتكلموا عن موضوع رؤية الله ضمن باب من أبوب متعددة في العقيدة. وموضوع الرؤية يوجد في كل كتب الاعتقاد، سواءً القديمة أو المتأخرة مثل: الشريعة للآجري، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، والسنة لـ عبد الله بن الإمام أحمد، وغيرها من مصنفات العقيدة القديمة الطويلة، وكذلك كتب العقيدة المتأخرة مثل هذا الكتاب، ومثل: لمعة الاعتقاد، وغيرها من كتب العقيدة، فكلها يوجد فيها فصل أو باب في الحديث عن رؤية الله . وأما الكتب التي أفردت موضوع الرؤية بالتصنيف فهي: كتاب الرؤية للإمام أحمد ﵀. ذكر ذلك ابنه عبد الله في كتابه السنة، وأنه قرأه عليه، غير أنني لم أجد هذا الكتاب ولم أطلع عليه لا مخطوطاً ولا مطبوعاً. والكتاب الثاني هو: كتاب الرؤية لـ ابن أبي داود السجستاني، وهذا الكتاب أيضاً لا أعلم وجوده، وولكن يذكره أهل العلم، ونقل ابن القيم ﵀ في حادي الأرواح، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى عن هذا الكتاب. وكتاب: رؤية الله ﵎ لـ ابن النحاس، وابن النحاس هذا توفي في سنة ٤١٦، وهذا الكتاب طبع في الهند في الدار العلمية في لاهو بتحقيق محفوظ السلفي. والكتاب الرابع: الرؤية لـ ابن الأعرابي. وهذا الكتاب مخطوط، وتوجد منه نسخة في المكتبة الظاهرية في دمشق. والكتاب الخامس: كتاب التصديق بالنظر إلى الله ﵎ في الآخرة للآجري. وهذا الكتاب طبع بهذا العنوان مستقلاً. وهو في الحقيقة جزء من كتاب الشريعة للآجري، وقد طبع كتاب الشريعة في بداية الأمر بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي في جزء واحد صغير، ثم طبع بعد ذلك في ستة أجزاء بتحقيق الدكتور عبد الله الدميجي، وقد ذكر وحقق أن هذه الرسالة جزء من الشريعة للآجري. وكذلك لـ أبي نعيم كتاب في الرؤية. ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ولم أطلع عليه. وأيضاً للبيهقي ﵀: كتاب في الرؤية. ذكره الذهبي في ترجمته في تذكرة الحفاظ. وأيضاً لم أطلع على هذا الكتاب مخطوطاً ولا مطبوعاً. ومن أكبر الكتب في الرؤية: كتاب الرؤية للدارقطني ﵀، وقد صنفه على طريقة المحدثين، وذكر فيه ٢٨٦ رواية تقريباً بالمكرر. وقد بحث شيخ الإسلام ﵀ موضوع الرؤية في أماكن متعددة من كتبه ورسائله، وتكلم عن موضوع الرؤية ابن القيم ﵀ كلاماً طويلاً في كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، وقد أطال الكلام في موضوع رؤية الله ، وفصّل فيها كثيراً، رحمه الله تعالى.

стр. 292

الأدلة من القرآن على رؤية الله يوم القيامة

стр. 293

آية سورة القيامة وهذه الأدلة التي ذكرها الشيخ هي قول الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] فالأولى ناضره بالضاد بدون ألف، والثانية بالظاء بألف، فقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢]، من النضرة، وهي: البهاء والجمال. ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] والمقصود بالنظر هنا نظر العين، وذلك: أن مادة (نظر) إما أن تتعدى بنفسها، وإذا تعدت بنفسها فإنها تكون حينئذ بمعنى: الانتظار، كقول الله : ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣]، وكقوله تعالى: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس:٤٩]، وكقوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:٣٥]. والفعل ينقسم إلى قسمين: لازم، ومتعد. والفعل اللازم هو: الذي يكتفي بفاعله. والفعل المتعدي هو: الذي يطلب مفعولاً. والفعل المتعدي ينقسم إلى قسمين: متعد بنفسه، وهو: الذي يطلب المفعول بنفسه، بدون صلة. متعد بصلة، وهو: الذي يتعدى إلى مفعوله بحرف من حروف الجر. فإذا تعدى الفعل (نظر) بنفسه فيكون النظر بمعنى: الانتظار، كما في قوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣]، أي: انتظرونا، وقوله: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً﴾ [يس:٤٩]، يعني: ما ينتظرون إلا صيحة، وقوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:٣٥]، يعني: منتظرة بم يرجع المرسلون. وإذا تعدى فإما أن يتعدى بحرف (في)، وإما أن يتعدى بحرف (إلى)، فإذا تعدى بحرف (في) فيكون معنى النظر: التفكر والاعتبار والاتعاظ، كقول الله : ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥]، يعني: أولم يعتبروا ويتفكروا في ملكوت السماوات والأرض. وأما إذا تعدت (بإلى) فإنها تكون نصاً في الرؤية بالعين، كقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧]، وكيفية النظر إلى خلق الإبل لا يتم إلا إذا نظر الإنسان إليها بعينه، وكذلك قوله تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام:٩٩]، يعني: انظروا بأعينكم، وكقوله أيضاً في قصة الرجل الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه: ﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة:٢٥٩]، ومعنى النظر هنا: النظر بالعين. ويزيد التأكيد على أن النظر في هذه الآية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] بالعين هو: أن النظر جاء متعدياً (بإلى)، وهو نص في رؤية العين، ثم إنه أضيف إلى الوجه، وليس في الوجه ما يمكن أن ينظر به إلا العين، فعلم من هذا أن قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، يعني: إلى ربها ناظرة بعيونها. فالمؤمنون يرون الله يوم القيامة بعيونهم التي في رؤوسهم. وبعض المبتدعة يقول: إن النظر في هذه الآية معناه: الإدراك العقلي والشعور النفسي والفكري فقط، وأنه لا يمكن أن يرى الله بالعين التي في الرأس مع هذه التأكيدات التي تدل على أن الآية المقصود بها النظر بالعين التي تكون في الرأس.

стр. 294

آية سورة المطففين ثم قوله تعالى: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣]، هذه الآية ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مستدلاً بها على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة. وأكثر المفسرين إذا جاءوا إلى هذه الآية: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣]، يقولون: ينظرون إلى ما أعطاهم الله من النعم والبهاء والخير. وقال بعض المفسرين: ينظرون إلى أهل النار وهم يعذبون في النار، فيزدادون بهذا فرحاً إلى فرحهم، بأنهم ليسوا من هؤلاء، وأن الله قد أنعم عليهم بهذه الجنة. وذكر ابن كثير ﵀ زيادة على ذلك: أنهم ينظرون إلى الله ، فيكون الاستدلال بهذه الآية من جهة العموم؛ فإن الآية في قوله: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٢ - ٢٣]، يعني: ينظرون إلى النعيم، وإلى الله، وإلى أهل النار وهم يعذبون، وإلى أنفسهم، ونحو ذلك.

стр. 295

آية سورة يونس قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، فقوله: ((لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا))، يعني كما قال ابن عباس: للذين قالوا: لا إله إلا الله، وبعضهم قال: للذين فعلوا الواجبات وتركوا المحرمات. والمقصود: للذين أحسنوا في حياتهم بتقوى الله . والحسنى على وزن فعلى، وهي التي بلغت الغاية في الحسن، والمراد بها: الجنة. وقوله: ((وَزِيَادَةٌ))، هذه الزيادة جاءت مفسرة عن النبي ﷺ في صحيح مسلم من حديث صهيب وغيره أن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله ﵎: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة، وتنجينا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم . ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]) وهذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه. ففسر النبي ﷺ الزيادة في هذا الحديث بأنه رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وهذا هو مقتضى المعنى. وبعض أهل البدع الذين قالوا: إن معنى الزيادة هنا: زيادة النعيم، يقال لهم: إن صيغة الحسنى صيغة تدل على المبالغة في الحسن. فمعنى الحسنى: الشيء الذي بلغ الغاية في الحسن، وإذا بلغ الغاية في الحسن فالزيادة عليه تدل على أنه لم يبلغ الغاية، فتصبح الصيغة صيغة ضعيفة وليست صيغة صحيحة، وحينئذ يكون التركيب القرآني تركيب غير سليم، وهذا ما يدل على أن تفسيرهم باطل؛ لأن القرآن قرآن مبين، وأنزل بلسان عربي مبين كما أخبر الله ، فلما أخبر أن للذين أحسنوا الحسنى، يعني: الجنة التي بلغت الغاية في الحسن وزيادة. دل هذا على أن الزيادة هذه غير الحسنى التي أعطوا إياها، فيدل على أن الزيادة: رؤية الله النقل والعقل. فأما النقل: فهو ما رواه مسلم من حديث صهيب، وقد سبق. وأما العقل: فهو أيضاً كما سبق تقريره من أنه لو كانت الزيادة تعني: الزيادة في النعيم لما كان للتعبير بالحسنى معنى. فلما عبر بالحسنى عن الجنة وهي التي بلغت الغاية في الحسن، ودل هذا على أن الزيادة ليست زيادة في النعيم الذي يكون في الجنة.

стр. 296

آية سورة (ق) قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]. ولم يرد عن النبي ﷺ في الحديث: أنه فسر المزيد في هذه الآية في سورة ق بأنه النظر إلى وجه الله . وإنما قال العلماء: إن هذه الآية تشبه تلك الآية، ولا فرق بينهما، فإن الآية السابقة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس:٢٦] تشبه قوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ [ق:٣٥]. وهي مطلقة فلهم ما يشاءون وما يشتهون من النعيم، ثم قال في تلك: ((وَزِيَادَةٌ))، وقال في آية ق ((مَزِيدٌ)) فدل على أن الزيادة هي المزيد هنا.

стр. 297

رد اعتراض المعتزلة على تفسير المزيد في سورة (ق) بالرؤية وقد اعترض بعض أهل البدع وهو القاضي عبد الجبار في شرحه للأصول الخمسة وهو من المعتزلة على تفسير المزيد بالرؤية، وقال: إن المزيد لا يكون إلا من جنس ما زيد عليه، ولو كان المزيد هنا رؤية الله لبطلت هذه القاعدة؛ فدل هذا على أن الزيادة هي: زيادة النعيم على ما أعطوا سابقاً. واستدلوا على ذلك بأن قولنا مثلاً: سأعطيك عشرة آصع من الحنطة وزيادة، يعني وزيادة: صاع مثلاً أو صاعين على تلك العشرة. فلا بد أن يكون المزيد من جنس المزيد عليه. وهذا الكلام باطل، وقد رد عليه بعض أهل العلم وقال: إن المزيد يكون من جنس المزيد عليه إذا كان المزيد عليه مقدراً أو محدداً، فحينئذٍ يدل على أن الزيادة من جنسه، وأما إذا لم يكن مقدراً ومحدداً كقولك: لأعطينك حنطة وزيادة فإن الزيادة لا تكون من جنس المزيد عليه، ولو كانت من جنسها لما كان هناك مبرر لهذه الزيادة. فلو قلت لشخص مثلاً: سأعطيك ذهباً وزيادة، فإن هذا الشخص لن يفهم أن هذه الزيادة زيادة ذهب؛ لأن الذهب الذي ستعطيه إياه أصلاً غير مقدر، فهو أعلى شرط ممكن، فإذا قلت: وزيادة فليس لها مبرر. ولكن إذا قدرت الشيء وحددته فقلت له مثلاً: سأعطيك عشرين مثقالاً من الذهب وزيادة، يعني: وزيادة على العشرين. وعلى هذا فقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس:٢٦]، لما لم تكن الحسنى مقدرة بعدد معين دل هذا على أن الزيادة غير المزيد عليه. ولو كانت الجنة مقدرة ومحددة فقيل: وزيادة، لكانت هذه الزيادة زيادة من جنس المزيد عليه وهو النعيم في الجنة. ولكن الجنة ليس لها قدر محدد، وإنما هي نعيم دائم مقيم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. وحينئذ يبطل اعتراض القاضي عبد الجبار ويبطله ما هو أصرح وأوضح من هذا، وهو تفسير النبي ﷺ للزيادة: بأنها رؤية الله يوم القيامة.

стр. 298

مفهوم آية سورة المطففين قول الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]. وهذه الآية في سورة المطففين تدل على أن الكفار يحجبون عن رؤية الله يوم القيامة؛ لأنهم من أهل الجحيم، وقد استدل الشافعي رحمه الله تعالى بهذه الآية من جهة المفهوم بأن أهل النعيم يرون الله ، وقال: إنه لما حجب نفسه عنهم في مقام التعذيب، دل على أنهم يرونه في مقام التكريم والعطاء. وهذا استدلال واضح وقوي بالمفهوم، والاستدلال في الاعتقاد يمكن أن يكون بالمنطوق وبالمفهوم، كما يكون بالقول وبالفعل وبالتقرير، وأنه يمكن الاستدلال على قواعد الاعتقاد بهذه جميعاً.

стр. 299

آية سورة الإنسان قول الله : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان:٢٠]، وفي قراءة: ((ومَلِكاً كبيراً)) وهي قراءة صحيحة فيصبح معنى الآية: ((وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ))، يعني: هناك، فثم اسم إشارة ((رَأَيْتَ نَعِيمًا))، وهذا هو الجنة، ((وَمَلِكاً كَبِيرًا))، يعني: الله ، فهو الملك ، مالك كل شيء، ففيه إثبات رؤية الله يوم القيامة.

стр. 300

الأدلة من السنة على رؤية الله يوم القيامة وأما الأدلة من السنة فقد ساق الشيخ الحديث المشهور في رؤية الله ، وقد ذكر العلماء: أنه قد تواتر عن الرسول ﷺ إخباره برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، فأحاديث الرؤية ليست من الآحاد، بل هي متواترة يستحيل في العادة التواطؤ على الكذب فيها. قال المؤلف ﵀: [قال ﵊: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا). متفق عليه]. وهذا الحديث وغيره من أحاديث الرؤية رواها أكثر من عشرين صحابياً. وهذا الحديث رواه جرير بن عبد الله البجلي وهو في صحيح البخاري، وروي أيضاً عن أبي هريرة وعن غيره من أصحاب النبي ﷺ . وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما. وجاء في لفظ آخر: (إنكم سترون ربكم عياناً)، وهي لفظة صحيحة رواها البخاري عن جرير بن عبد الله البجلي. فقوله: (عياناً)، توكيد لرؤية الله بالبصر، وقد قدح القاضي عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة في مرويات السنة بعدة أمور وكان منها: أن هذه أخبار آحاد لا تقبل في العقيدة. ومما يبطل هذا الكلام: أن هذه النصوص ليست من أخبار الآحاد، ثم إنه لو كانت خبر آحاد فهي مقبولة في العقيدة.

стр. 301

الفرق المنكرة للرؤية وقد ضل في موضوع الرؤية فرقتان من الفرق الضالة:

стр. 302

إنكار المعتزلة للرؤية والرد عليهم * أما الفرقة الأولى: فهم المعتزلة المحرومون. فقد قالوا: إن الله لا يرى يوم القيامة بالعين. وأولوا جميع الآيات وجميع الأحاديث الواردة في رؤية الله بالمعرفة وأن المراد بهذه الآيات والأحاديث زيادة المعرفة والإكثار منها وهو مشهور عن المعتزلة. والمعتزلة في الحقيقة لم يستدلوا بالأدلة الشرعية على إنكار رؤية الله ، وإنما كان منطلقهم في الاستدلال على إنكار رؤية الله منطلق عقلي محض. فقالوا: إذا كان الله يرى فمعنى هذا أنه في جهة، ولا يكون في جهة إلا ما كان جسماً منقسماً. وهذه الألفاظ لا بد أن يستفصل عن معناها، فإذا كانت معانٍ صحيحة قبلت، وإذا كانت معانٍ باطلة ردت، وإذا كانت مشتملة على معنى صحيح ومعنى باطل قبل الصحيح ورد الباطل. وهذه الاصطلاحات متأخرة ظهرت بعد الاصطلاحات الشرعية، وأراد بها أصحابها أنواعاً من العقائد التي تشتمل على الحق والباطل. فهم مثلاً يقولون: إن إثبات العلو لله، وإثبات رؤيته يلزم منه أن يكون الله في جهة. ونحن نقول: ماذا تريدون من كلمة جهة؟ فإذا كنتم تريدون من كلمة جهة أن الله في جهة العلو، وأن المؤمنين يرونه يوم القيامة ولا يحيطون برؤيتهم له إحاطة تامة، كما قال الله : ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] فهذا معنى حق أثبته الشرع، فلا عبرة بنفيكم. وإن كنتم تقصدون بالجهة: أن الله في جهة، يعني: أنه محصور في جهة فهذا معنى باطل لا نقول به. وإنما نقول: إن الله في جهة العلو، وهو يرى يوم القيامة بالأبصار. فلما رأى المعتزلة أن أهل السنة أصحاب عقيدة صحيحة، وأن منطلقهم النصوص بدءوا يتلمسون في النصوص ما يحاولون أن يستدلوا به على إنكار الرؤية، وهذه طريقة أهل البدع. فأهل البدع يقررون العقيدة أولاً كما يشاءون، ثم بعد ذلك يحاولون يأخذوا من النصوص ما يظنون أنه يوافق عقيدتهم ويستدلون بها، ويتركون الواضحات البينات. فجاءوا إلى قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فقالوا: إن معناها: أنه لا يرى. وهذا كلام باطل؛ لأن الله في هذه الآية لم ينف الرؤية وإنما نفى الإدراك. والإدراك معناه: الإحاطة. ونحن لا نقول: إن الله نراه يوم القيامة ونحيط به، وإنما نقول: نراه ولا نحيط به كما فسرتموها بالعلم، فإن علمه لا يحاط به، كما قال الله : ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ومعنى هذا إذاً: أننا لا نعرف الله ، لأننا لا نحيط به علماً، وهذا إلزام لهم. وإلا فالمعنى الصحيح لهذه الآية: أن الله نفى عن العباد أن يدركوه، فلا يمكن للعبد أن يدرك الله حتى مع نظره إليه. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في التدمرية عند حديثه عن القدر المشترك بين صفات الله وصفات خلقه: أن الله يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] فهذه الآية فيها إثبات للرؤية؛ لأنه قال: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] وهذا يدل على أنها تراه. فنفى الإدراك ففيه تضمين لإثبات الرؤية. فيكون هذا دليل إضافياً إلى تلك الأدلة التي تدل على رؤية الله يوم القيامة.

стр. 303

إنكار الأشاعرة للرؤية وتأويلهم لها الطائفة الثانية المنحرفة في باب الرؤية هم: الأشاعرة. والأشاعرة في كثير من الأحيان يأتون بشعارات يتفقون مع أهل السنة فيها، لكنهم عند التحقيق يختلفون عن منهج السلف رضوان الله عليهم. فهم يقولون مثلاً: نحن نقول: بإثبات الرؤية، وأن الله يرى يوم القيامة. ويقررون هذا في مصنفاتهم بشكل واضح، ولكنهم يفسرونها بمزيد الانكشاف العلمي، ومعنى هذا: أن الرؤية هي علم عندهم، وهي مزيد معرفة بالله فقط. وهذه العلم غير الرؤية كما هو معلوم؛ لأن الإنسان يمكن أن يعلم شيئاً ولا يراه بعينه، ونحن في الدنيا نعلم وجود الله ونعلم صفاته ولم نره بأعيننا. فهم عندما جاءوا إلى الرؤية في قوله ﷺ : (إنكم سترون ربكم)، قالوا: هذا يعني: ستعلمون ربكم. فوافقوا المعتزلة في الحقيقة وخالفوهم في الشعار. فإذا سمعت أشعرياً يقول: إننا نثبت رؤية الله ، فقل له: هل تثبت رؤية الله بالعين؟ فسيقول لك حينئذ: إنه مزيد انكشاف، وبعضهم كـ الغزالي في إحياء علوم الدين يقول: إن الله يخلق في عين العبد رؤية له، وهو في الحقيقة لم ير الله ؛ وذلك لأنهم ينفون الجهة. ويقولون: الله ليس في جهة. ولهذا يقول العلماء عنهم: من أثبت الرؤية ونفى الجهة فقد أضحك الناس على عقله، والأشاعرة لا يقولون: إن الله في السماء، وإنما يقولون: هو في كل مكان. أو يقولون: لا خارج العالم ولا داخله، ولا في العلو، فكيف يُرى من كانت هذه صفته؟! ولهذا لما جاءوا إلى الرؤية قالوا: إن الرؤية معناها مزيد انكشاف علمي. أو يقولون كما قال الغزالي: إن الله يخلق في نظر العبد شيئاً من مخلوقاته تسمى الرؤية، وهذه طريقة عجيبة في التعامل مع النصوص، وهذا لا شك أنه باطل؛ فإن النصوص الشرعية أثبتت أن الله يُرى يوم القيامة بالعين المجردة التي هي عين الإنسان، وليس في هذا إحاطة ولا إدراك أبداً. فهؤلاء محجبون محرومون يموت الواحد منهم وهو لا يعتقد أنه يرى الله فهم في أشد الحرمان والعياذ بالله.

стр. 304

ثمرات الإيمان برؤية الله تعالى يوم القيامة وأما الفائدة التربوية والسلوكية والإيمانية لرؤية الله فهي: أن إثبات رؤية الله تورث في القلب محبة لله ، والشوق إلى لقائه، والتمني لهذه الرؤية، بل إن الإنسان إذا علم أن لذة النظر إلى الله تفوق كل لذة، حتى في الجنة -مع أن نعيم الجنة لا يوصف بمقاييس نعيم الدنيا- هان في نظرهم كل نعيم. ولهذا أعلى المؤمنين منزلة من يرى الله في كل يوم مرتين، وهذا يناله الإنسان بكثرة العمل، وكثرة تطبيق ما أمر الله ، واجتناب ما نهى الله عنه، والحرص على ذلك، وبذل الجهد في العمل الصالح. ومما يوصل إلى رؤية الله يوم القيامة العقيدة الصحيحة التي تتضمن إثبات رؤية الله يوم القيامة، وهو الذي يحكم بيننا وبين هؤلاء المبتدعة الضالين يوم القيامة، عندما تجتمع الخصوم بين يدي الله ، وفي ذلك اليوم تحق الحقائق فيرى المؤمنون ربهم يوم القيامة. نسأل الله أن يجعلنا ممن يراه في جنات عدن، إنه على كل شيء قدير.

стр. 305

الأسئلة

стр. 306

حكم الفرق الضالة في العقيدة السؤال هل الفرق الضالة كفار؟ الجواب الفرق الضالة بحسب البدعة التي ضلوا فيها، فإن كانت بدعهم كفرية -كبدع الإسماعيلية والقرامطة والشيعة- فيُكفرون، وأما إذا كانت البدع أقل من ذلك -كبدع الأشاعرة مثلاً- فليسوا كفاراً، فإن الأشاعرة بإجماع العلماء ليسوا كفاراً، حتى ولو كانت عندهم بدع وانحرافات.

стр. 307

حكم الأشاعرة السؤال الأشاعرة الذين ينفون رؤية الله ، هل هم كفار؟ الجواب لا، ليسوا كفاراً، وإنما هم أهل بدع. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 308

العقيدة الواسطية [١٤] يتصل بالإيمان برؤية الله تعالى يوم القيامة مسائل عقدية عديدة, ومن جملتها: حكم إنكار رؤية الله تعالى يوم القيامة, وما يعتقد في رؤية الله تعالى في الدنيا بالعين الباصرة, لا سيما ما وقع للنبي ﷺ , ورؤيته تعالى بعين القلب, ورؤيته تعالى في المنام, ورؤية الكافرين والمنافقين ربهم يوم القيامة, وغير ذلك من مسائل الرؤية.

стр. 309

حكم إنكار رؤية الله يوم القيامة بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. أما بعد: فإن إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة وفي الدار الآخرة من المسائل التي اتفق عليها أهل العلم، وأجمعوا عليها، وهي كذلك مما دل عليه القرآن الكريم، وتواترت النصوص الشرعية وأحاديث النبي ﷺ فيها. وإنكار رؤية الله يوم القيامة أو في الدار الآخرة كفر مخرج عن الإسلام، فإذا كان صاحب هذا الإنكار جاهلاً فيعلم وتبين له الأدلة وتوضح من كتاب الله ومن سنة النبي ﷺ ، فإن أبى ورفض وأعرض كفر وخرج من الإسلام؛ لأنه أنكر ما أجمع عليه أهل الإسلام، وما دل عليه القرآن الكريم وتواتر في السنة النبوية، وإنكار ذلك تكذيب للوحيين، وهو كفر يخرج عن الإسلام، كما نص على ذلك أهل العلم.

стр. 310

معتقد أهل السنة في رؤية الله تعالى بالعين في الدنيا ومن المسائل التي بحثها العلماء فيما يتعلق بالرؤية: رؤية الله في الدنيا بالعين. فرؤية الإنسان لله في الدنيا بعيني رأسه غير حاصلة بالنسبة لعامة المسلمين والمؤمنين. وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن الله لا يُرى في الدنيا بالعين واستدلوا على ذلك من القرآن ومن السنة. فمما جاء في القرآن: قول الله : ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، فهذه الآية تدل على أن الله لا يُرى في الدنيا بالعين التي تكون في الرأس. ووجه الدلالة من ذلك: أن موسى طلب الرؤية في الدنيا، عندما كلمه ربه فطمع في رؤيته، فطلب هذا الطلب، وهذا يدل على أن الله يمكن أن يرى، وهي من الأدلة التي استدل بها أهل السنة على: أن الله يمكن أن يرى وقد قال الله : ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]. فبين أنه لا يراه الإنسان في الدنيا بالعين الحقيقية، قال تعالى: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف:١٤٣]. ومما يدل على ذلك أيضاً: ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (إن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت)، فقوله: (حتى يموت)، يعني: في الدنيا، فلن يرى الإنسان الله في الدنيا بعينه حتى يموت، وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه. وهذه المسألة مما اتفق عليها أهل السنة والجماعة، وخالف فيها الصوفية، فإنهم قالوا: إنه يمكن أن يرى الله في الدنيا، ولهم حكايات وقصص يروونها في كتبهم على أنها من الكرامات، وأن بعض أوليائهم رأوا الله ، وهذه كلها من الخرافات والأباطيل التي يرويها الصوفية في العادة.

стр. 311

الخلاف في رؤية الرسول ﷺ ربه في الدنيا بعينه وأما بالنسبة لنبينا محمد ﷺ فقد اختلف أهل السنة في رؤيته لربه في الدنيا بعينيه حقيقة، فروي عن ابن عباس أنه قال: (إن النبي ﷺ رأى ربه). وروي عن أبي ذر أنه سأل النبي ﷺ : (هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه؟!). وروي عن بعض الصحابة أنهم أنكروا أن يكون رسول الله ﷺ رأى ربه بعينيه التي في رأسه، ومنهم عائشة ﵂ عندما سئلت: هل رأى رسول الله ﷺ ربه بعينيه؟ فقالت: لقد وقف شعري مما قلت، أو قالت -كما في رواية أخرى-: من زعم أن محمداً ﷺ رأى ربه في الدنيا فقد أعظم على الله الفرية. يعني: الكذبة. والتحقيق في هذه المسألة هو: أن النبي ﷺ لم ير ربه بعينيه التي في رأسه على الصحيح، وما روي عن ابن عباس من إثبات رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا بعينيه روي مطلقاً ومقيداً، فالرواية المطلقة قوله: (إن النبي ﷺ رأى ربه)، وأما المقيدة فقوله: (إنه رآه بقلبه). والقاعدة هي: أنه إذا وردت نصوص مطلقة ونصوص مقيدة، فإنه يحمل المطلق على المقيد. فيكون معنى رأى ربه بهذا الإطلاق: رأى ربه بقلبه، كما في الرواية المقيدة. فالصحيح في هذه المسألة هو: أن النبي ﷺ لم ير الله بعينيه في الدنيا. وما روي عن ابن عباس فيها يحمل المطلق فيه على المقيد، وهذا هو تحرير شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لهذه المسألة، وهو تحرير رائع وممتاز، وفيه جمع للأقوال، فيصبح حينئذ الخلاف في هذه المسألة خلافاً لفظياً، وإذا وجد خلاف حقيقي في هذه المسألة فهو من الخلاف الذي يعذر الإنسان فيه. والخلاف ينقسم إلى قسمين: خلاف تنوع، وخلاف تضاد. وخلاف التضاد ينقسم إلى قسمين: خلاف تبنى عليه الموالاة والمعاداة: مثل الخلاف في أصول العقائد، وما أجمع عليه أهل السنة. وخلاف يعذر صاحبه ويؤجر عليه إذا كان مخطئاً أجراً واحداً، أو يكون له أجران إذا كان مصيباً، كما في قاعدة: المجتهد المخطئ والمصيب، وهي معروفة.

стр. 312

المعتقد في رؤية الله بالقلب وأما مسألة رؤية الله بالقلب في الدنيا، فقد صح عنه ﷺ أنه رأى ربه بقلبه، وهو ثابت عن ابن عباس كما في صحيح مسلم أنه قال: (رأى رسول الله ﷺ ربه بقلبه). وفي صحيح مسلم أيضاً عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (رآه بفؤاده مرتين). وأما الرواية التي فيها: (أن النبي ﷺ رأى ربه مرتين، مرة ببصرة ومرة بفؤاده)، فلا تصح، وهي معارضة لما ثبت في صحيح مسلم: (أنه رأى ربه بفؤاده مرتين). ومعنى رؤية النبي ﷺ لربه بقلبه: أن الله جعل في قلبه بصراً يرى ربه به حقيقة، وهذا ما ذكره شراح هذا الحديث. وأما رؤية المؤمنين لربهم في الدنيا: فإن الصحابة والتابعين والأمة من بعدهم على جواز رؤية المؤمنين لربهم بقلوبهم، وأنها جائزة وواقعة، وأنها ليست لكل أحد، وإنما تكون لبعض الناس، وهذه الرؤية تكون بالقلب لبعض المؤمنين، وهي ليست رؤية لذات الرب وصفاته حقيقة، وليس المرئي بقلب الإنسان هو نفسه الرب تعالى، ولهذا تختلف الرؤية القلبية عن بعض المؤمنين من شخص لآخر. وقد بحث هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأشار إليها عند حديثه عن الكشوفات في المجلد الخامس من الفتاوى صفحة (٢٥١)، فقال: [ومن رأى الله في المنام فإنه يراه في صورة من الصور بحسب حال الرائي، إن كان صالحاً رآه في صورة حسنه، ولهذا رآه النبي ﷺ في أحسن صورة، والمشاهدات التي قد تحصل لبعض العارفين -يعني: الأولياء والصادقين- في اليقظة كقول ابن عمر لـ ابن الزبير لما خطب إليه ابنته في الطواف: أتحدثني في النساء ونحن نتراءى الله في طوافنا؟! وأمثال ذلك، إنما يتعلق بالمثال العلمي المشهود، لكن رؤية النبي ﷺ لربه فيها كلام ليس هذا موضعه، فإن ابن عباس قال: رآه بفؤاده مرتين. فالنبي ﷺ مخصوص بما لم يشركه فيه غيره، وهذا المثال العلمي يتنوع في القلوب بحسب المعرفة بالله والمحبة له تنوعاً لا ينحصر]. فمقصود شيخ الإسلام ﵀: أن الإنسان عندما يكون مؤمناً بالله إيماناً عظيماً، ويكون قلبه قريباً من الله فإنه يشعر في قلبه بقرب عظيم من الله ، ويوضح ذلك حديث جبريل الطويل الثابت في الصحيحين: فإنه لما سأله عن الإحسان؟ قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه)، المقصود: رؤية القلب، يعني: استحضار مراقبة الله وعظمته، وأسمائه وصفاته في القلب استحضاراً عظيماً، يشبه الرؤية الحقيقية بالعين. وليس هو رؤية حقيقية ولكنه يشبهه، وهذه تحصل عند خواص المؤمنين الذين يعملون الصالحات، ويجتهدون في تطبيق الأوامر الشرعية، ويحذرون من المناهي، حتى يرتفع إيمانهم إلى درجات عالية جداً، فيحصل عندهم هذا الشعور، وهذه الرؤية القلبية، وليست هي رؤية حقيقية لصفات الله ، بل الله له المثل الأعلى في السماوات والأرض، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. يقول شيخ الإسلام: [وهذا المثال العلمي يتنوع في القلوب بحسب المعرفة بالله]. يعني: هو عبارة عن مثل، وأن الإنسان عندما يعبد الله كأنه يراه، ويشعر بقرب عظيم من الله إلى درجة أن تنكشف في قلبه معرفته بربه، فيحصل لقلبه مثال، فهذا المثال هو مثال علمي، وليس مثالاً حقيقياً يراه بعينه. وهذا المثال العلمي هو نوع من القرب ونوع من الإحسان الذي يكون في قلب الإنسان. قال شيخ الإسلام ﵀: [بل الخلق في إيمانهم بالله وكتابه ورسوله متنوعون، فلكل منهم في قلبه للكتاب والرسول مثال علمي بحسب معرفته، مع اشتراكهم في الإيمان بالله وبكتابه وبرسوله، فهم متنوعون في ذلك متفاضلون، وكذلك إيمانهم بالمعاد والجنة والنار، وغير ذلك من أمور الغيب، وكذلك ما يخبر به الناس بعضهم بعضاً من أمور الغيب هو كذلك، بل يشاهدون الأمور ويسمعون الأصوات، وهم متنوعون في الرؤية والسماع، فالواحد منهم يتبين له من حال المشهود ما لم يتبين للآخر، حتى قد يختلفون ويثبت هذا ما لم يثبته الآخر. فكيف فيما أُخبِروا به من الغيب؟!!]. فهذه الرؤية التي نثبتها ليست رؤية حقيقية لذات الله وصفاته.

стр. 313

خلاف الصوفية لأهل السنة في دعوى رؤيتهم لله تعالى بقلوبهم على الحقيقة وهذه المسألة يخالفنا فيها الصوفية، فالصوفية يقولون: إننا نثبت رؤية الله بالقلب حقيقة. ويقولون: إنهم يرون بقلوبهم صفات الله على الحقيقة. وهذا لا شك أنه كلام باطل؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم:٢٧]. ويقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].

стр. 314

المعتقد في رؤية الله في المنام وأما مسألة رؤية الله في المنام، وهل يمكن للإنسان أن يرى الله في المنام؟ فقد اتفق الصحابة والتابعون على جواز ذلك ووقوعه، وقد وقع ذلك للرسول ﷺ ، كما في حديث اختصام الملأ الأعلى، ففي حديث اختصام الملأ الأعلى قال النبي ﷺ : (رأيت ربي في أحسن صورة). والرواية التي توضح أن الرؤية منامية هي رواية معاذ بن جبل، فهذا الحديث رواه عن النبي ﷺ أكثر من صحابي، وفيه كلام كثير لأهل العلم في صحته. والصحيح: أن هذا الحديث صحيح وثابت عن النبي ﷺ ، ومن أراد التطويل والاستزادة في هذا الموضوع ومراجعة أقوال أهل العلم فيه فليراجع كتاب ابن رجب الحنبلي ﵀ في شرح هذا الحديث، بتحقيق الأستاذ جاسم الفهيد الدوسري، فقد أطال في تخريجه إطالة كبيرة. ورواية معاذ بن جبل هي أنه قال: (احتبس لنا رسول الله ﷺ ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعاً فَثَوّبَ بالصلاة، فصلى رسول الله ﷺ وتجوز في صلاته، فلما سلّم دعا بصوته فقال لنا: على مصافكم كما أنتم، ثم انفتل إلينا فقال: أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة: إني قمت من الليل فتوضأت فصليت ما قُدِّر لي، فنعست فاستَثقَلتُ، أو فاستُثقِلتُ فإذا أنا بربي ﵎ في أحسن صورة، فقال: يا محمد! قلت: ربِ لبيك، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟) إلى آخر الحديث، وهو حديث طويل وفي قوله: (فنعست)، وقوله: (استُثقِلت، أو استَثقَلت)، وقوله: (رأيت ربي في أحسن صورة)، ما يدل على أن هذه الرؤية رؤية منامية، والرؤية المنامية قريبة من الرؤية القلبية، والإنسان بحسب طاعته وخوفه من الله وتقواه وإيمانه وإخلاصه وإحسانه قد يرى في النوم صوراً وأحوالاً، وهذه الصور والأحوال ليست هي حقيقة ذات الله وصفاته؛ لأن الله كما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]. وكما قال: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم:٢٧]، وهذه الرؤى والأحوال التي يراها وهو نائم تعبر عن إيمانه، ويشعر في قلبه وهو نائم أن هذا هو ربه، وليس هو الله حقيقة، ونحن نعلم أن الإنسان في النوم وكِّل به ملك من الملائكة يضرب له الأمثال، فما يراه الإنسان في منامه هي عبارة عن أمثال تُضرب له، ولهذا كان تعبير الرؤى مقبولاً، وقد أفرد البخاري ﵀ في صحيحه كتاب: تعبير الرؤى، وقد عبّر النبي ﷺ كثيراً من المنامات لأصحابه، وهو القائل: (رأيت في النوم أن الناس يُعرضون عليّ وعليهم قمص، ورأيت عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، قالوا: بم عبّرت ذلك؟ قال: عبّرته بالدين). فهذا مثال يُضرب للإنسان وهو نائم بمعنى من المعاني، وقد يكون في بعض الأحيان أضغاث أحلام، فالإنسان كما ثبت عن النبي ﷺ وكِّل به ملك وشيطان، وللملك لمّة وللشيطان لمّة، سواء في حال يقظته، أو في حال منامه، فما كان من الرؤى التي لها معنى صحيح ودلالة صحيحة فهي من الملك، وهي عبارة عن ضرب أمثال، وما كان من أضغاث الأحلام فهي من الأحلام. ولهذا ليس كل ما يراه النائم تكون رؤيا ولها تعبير، فقد يكون أضغاث أحلام، وقد يكون المنام في بعض الأحيان له معنى وتعبير. فالإنسان في نومه لا يرى حقيقة الله وحقيقة صفاته، وإنما يضرب له المثل ويشعر في قلبه أن هذا هو الله، ويراه في صور مختلفة، وقد يرى فلان بن فلان صورة، ولا يرى فلاناً، وليس بالضرورة أن كل إنسان يُضرب له هذا المثل، وقد ينقل عن بعض العلماء أنه قال: رأيت الله في المنام فقمت وقال لي، فليس المقصود بهذا أنه رأى الله بذاته وصفاته حقيقة؛ فالله ليس كمثله شيء، وإنما رأى شيئاً في المنام في صورة معينة ضربها له الملك بحسب إيمانه، فيشعر في قلبه أنها الله، وليست هي الله حقيقة. فينبغي ملاحظة هذه القضية، فالنائم مثلاً يرى في نومه أنه يتكلم ويصيح ويُضرب أو يَضرِب ويفعل الفعل ويقوم ويتنقل ويسافر ويهاجر ويأتي هنا وهناك، وهو في الحقيقة لم يتكلم، بل لسانه صامت ولم يسمع شيئاً بإذنه الحقيقية، وإنما هي ضرب أمثال. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى في المجلد الثالث صفحة (٣٩٠): [وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحاً لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يشبه إيمانه، ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة ولها تعبير وتأويل، لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق]. فمثلاً: في كتاب (مناقب الإمام أحمد) لـ ابن الجوزي يذكر الإمام أحمد فيه: أنه رأى ربه في المنام، وقد يستعظم هذه المسألة بعض الناس و

стр. 315

موضع الرؤية الحقيقية بالعين الباصرة والرؤية بالعين الحقيقية تكون بعد الموت وفي مكانين: المكان الأول: يوم القيامة. والمكان الثاني: في الجنة. وقد ثبتت في ذلك أحاديث صحيحة، ويمكن مراجعتها في صحيح البخاري، كتاب: التوحيد كحديث أبي هريرة وفيه: (قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: نعم، سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته). ثم ساق حديثاً طويلاً فيه الكلام على الحشر والشفاعة. وكذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁ بهذا المعنى. وهي أحاديث طويلة في صحيح البخاري.

стр. 316

الخلاف في رؤية المنافقين والكفار ربهم في عرصات يوم القيامة وقد اختلف أهل العلم في رؤية الكفار والمنافقين لله يوم القيامة، وأما في الجنة فلا يمكن أن يروه؛ لأنه لا يدخل الجنة كافر ولا منافق. فالجنة متفق على أنه لا يراه فيها إلا المؤمنون وأما في عرصات يوم القيامة في المحشر فقد اختلف أهل العلم: هل الكفار والمنافقون يرون الله يوم القيامة أو لا؟ وأما المؤمنون فإنه متفق عليه بين أهل السنة أيضاً أنهم يرونه يوم القيامة، وهذا الخلاف هو خلاف فقهي أيضاً، كمسألة رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا، وهو خلاف لا يترتب عليه قطيعة ولا معاداة ولا خلاف شديد. وقد اختلف أهل البحرين في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مسألة رؤية الكفار لربهم يوم القيامة. واختلفوا فيها اختلافاً شديداً وصارت بينهم قطيعة وبغضاء، حتى إنهم كادوا يقتتلون بالسيوف، فأرسلوا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية يستفتونه في ذلك؟ فكتب لهم رسالة فيها، وهي مطبوعة ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام التي جمعها ابن قاسم في المجلد السادس، بعنوان: رسالة إلى أهل البحرين في رؤية الكفار لربهم يوم القيامة. وقد تحدث شيخ الإسلام ﵀ في هذه الرسالة عن كيفية التعامل مع الخلافات؟ وقال ﵀: إن الخلافات التي تحصل في مسائل الدين تنقسم إلى قسمين: * خلافات يترتب عليها الكفر أو البدعة وهذه هي الخلافات التي يكون فيها حرب بين أهل السنة وأهل البدعة، ونحن نتكلم على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والصوفية من هذا الباب. وخلافات يحتملها الاجتهاد، مثل الخلاف في المسائل الفقهية، فالعلماء كما نلاحظ يختلفون في الإفتاء. ومن الخلاف الذي يحتمل الاجتهاد: الخلاف في هذه المسائل، وكتب لهم رسالة علمهم فيها كيفية التأدب مع هذه المسائل؟ وقال: إن هذه المسائل من فروع المسائل، التي لا يترتب عليها كفر ولا بدعة، وقد اختلف فيها علماء السنة، ورأى بعضهم أن الكفار قد يرون الله يوم القيامة، وذكر شيخ الإسلام في هذه الرسالة الأمور التي اتفق عليها المختلفون، والأمور التي اختلفوا فيها. فالمختلفون في رؤية الكفار لله يوم القيامة ونفيها متفقون على عدة أمور: * أولاً: اتفقوا على أن هذه الرؤية ليست رؤية لذة ونعيم وراحة وطمأنينة، بل إنهم يقولون: إنها رؤية عذاب؛ لأن الله يريهم نفسه ثم يحتجب عنهم، وفي ذلك أشد أنواع العذاب، هكذا قالوا. * ثانياً: اتفقوا أيضاً على أنهم بعد الانتهاء من الحشر لا يرون الله ، وإنما يكونون من أهل الجحيم، والعياذ بالله. واختلفوا هل يرونه بأعينهم في الحشر، حتى ولو كان في هذا عذاب لهم؟ واختلافهم مبني على فهم الأدلة، فقد ورد في حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ما ظاهره أن الله يأتي الناس يوم القيامة فيرونه، يعني: يراه الكفار والمنافقون والمؤمنون، وهذه النصوص التي ظاهرها أنهم يرونه أشكلت على الذين أثبتوا رؤية الكفار لله يوم القيامة، وبناءً على هذا قلنا: إن هذه المسألة ليست من المسائل التي يعنّف فيها المخالف، ولا من المسائل التي تعتبر من أصول الدين. ومثل هذه المسائل: كرؤية الله بالقلب، أو كرؤية الله في الدنيا لا تعرض لعامة الناس الذين لا يفقهون العلم ولا يدرون ما هو، وإنما تعرض لطلاب العلم الذين يدرسون العلم ويتفهمون معانيه، وإذا أشكل على أحدهم شيء سأل؛ لأن الله يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، فهذه المسائل لا تعرض للعامة، بحيث أنها تضطرهم إلى الإنكار وإلى التشنيع. والصحيح في مسألة رؤية الكفار لربهم يوم القيامة: أنهم لا يرون الله يوم القيامة، ويدل على ذلك قول الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]. ومما يدل على ذلك أيضاً: أن الرؤية سماها الله زيادة ومزيداً، فقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]. وقال: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]، فلو أن الكفار والمنافقين يرون الله يوم القيامة لما كان لاختصاص المؤمنين بالمزيد معنى، فلما اختص المؤمنين بالمزيد دل هذا على أنهم لا يرونه، وأوضح ما يدل على أنهم لا يرونه عموم قول الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].

стр. 317

المعتقد في رؤية النساء لله في الجنة ومن المسائل التي يبحثها أهل العلم في مسألة الرؤية أيضاً: مسألة: هل النساء يرين الله في الجنة إذا دخلنها أولاً؟ والصحيح من أقوال أهل العلم هو: أن النساء يرين الله في الجنة، والدليل على ذلك عموم النصوص؛ فإن النصوص التي في إثبات الرؤية مثل: قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]، وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، تدل على دخول المؤمنات في الجنة في هذه الرؤية؛ لأن العموم يشملهن. وقد يقول قائل: إن قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس:٢٦]، الذين: صيغة مذكر، فلا تدخل النساء فيها؟ فنقول: إن مسألة دخول النساء في عموم النصوص الواردة بصيغة الذكور، مسألة معروفة ومشهورة عند أهل العلم، وهناك نصوص تدل على دخولهن في العموم، ومن ذلك قول الله عن مريم في سورة التحريم: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم:١٢]. والقانتين: جمع مذكر سالم لقانت، فجعلها داخلة في عموم جمع المذكر السالم، فلو قيل: إن القانتين جمع مذكر سالم، فكيف يدخل المؤنث فيه؟! قلنا: هذا هو ما دل عليه النص، والقرآن جاء بلغة العرب، كما قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]، فهذا يدل على أن المؤمنات يدخلن في النصوص التي جاءت بصيغ المذكر، كقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، ونحو ذلك من النصوص.

стр. 318

الأسئلة

стр. 319

انتفاء الإحاطة بالله في رؤيته السؤال هل قول الله : ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] يعني: أننا نرى وجه الله فقط، ولا نرى غير الوجه؟ الجواب نحن لا نتصور صفات الله أصلاً، ولا نعرف ماهيتها، ولا نتصور أنه على شكل الإنسان، وهو سبحانه له وجه ويدان، ولا نعرف الكيفية، وصفاته ليست مثل صفات الخلق، وإنما تختلف، وأما معنى قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فمعناه: أنه لا يمكن أن تحيط به، فالأبصار يمكن أن تدرك إنساناً، ولكن الله لا يمكن أن تحيط به من كل مكان. مثل علمنا بالله ، فنحن نعلم أن لله صفات وأسماءً، ولكن لا نحيط به علماً، فكذلك إذا رأينا الله، وسنراه حقيقة، ولكن لا نحيط به رؤية، ولا نتخيل تكييفاً لذلك؛ فإن تخيل التكييف خطأ وباطل.

стр. 320

الموقف من قول: (طمس بصري في بصيرتي فرأيت الله) السؤال ما صحة هذا القول، وهل هو من حديث رسول الله: طُمس بصري في بصيرتي فرأيت الله؟ الجواب مثل هذه الكلمات الغامضة نستعمل معها ما نستعمل مع المصطلحات، فنسأل عن مقصود صاحبها، فإذا كان يقصد معنىً صحيحاً قلنا: هذا معنىً صحيح، ولكن استعمل له أسلوباً واضحاً، وإذا كان المعنى باطلاً رددناه، وإذا كان المعنى مختلطاً بين الصحيح والباطل صححنا الحق وأبطلنا الباطل، ومنعناه من هذا الكلام المجمل المحتمل للحق والباطل، فقوله: طمس بصري في بصيرتي فرأيت الله، معنى مجمل له عدة معان.
следующие страницы →