← Акыда

Акыда · id 37802

شرح العقيدة الواسطية - عبد الرحيم السلمي

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (493 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الأدلة القرآنية على ثبوت عذاب القبر ونعيمه وعذاب القبر ونعيمه يثبته أهل السنة والجماعة لثبوت الأدلة فيه. وقد أنكره الخوارج والمعتزلة، فقالوا: ليس في القبر نعيم ولا عذاب. واستدل أهل السنة على ثبوت عذاب القبر ونعيمه من القرآن الكريم بما يأتي: قال الله : ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]. وهذا النص واضح بأن النار التي يعرضون عليها قبل يوم القيامة. ولهذا قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]. فهذه النار التي يعذبون فيها ويعرضون عليها غدواً وعشياً هي قبل يوم القيامة. وليس هناك نار يعرضون عليها إلا في القبور وبعد الموت. ولهذا وردت آثار عن السلف الصالح رضوان الله عليهم في أن أرواح آل فرعون في طيور سود تعذب. وظاهر الآية واضح في إثبات عذاب القبر. وقال الله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]. فهذه الآية تدل على عذاب القبر؛ لأنه لما سئل الرسول ﷺ عن القبر وبين أن الناس تمتحن فيه قرأ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]. ولهذا أجمع المفسرون على أن هذه الآية ورادة في عذاب القبر ونعيمه. وقال الله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام:٩٣]، إلى آخر الآية. وهذه الآية من الآيات التي استدل بها الإمام البخاري ﵀ على إثبات عذاب القبر. فقد عقد باباً في كتاب الجنائز باب: عذاب القبر. وسرد مجموعة من الآيات منها هذه الآية، وجعلها دليلاً على إثبات عذاب القبر. ووجه الدلالة من هذه الآية من ناحيتين: الناحية الأولى هي: أن الله يقول: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام:٩٣]، يعني: في أثناء الاحتضار. ((وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ)) يعني: يستعدون لها بالضرب. وذلك أن روح المنافق والكافر إذا أراد الملائكة أن يخرجوها تتفرق في بدنه فلا يجمعونها إلا بالضرب، يضربونها من هنا وهناك، ثم يجمعون هذه الروح ويخرجونها. فإذا كان الميت يعذب في غمرات الموت بسبب فسوقه وكفره؛ فإنه يعذب في قبره من باب أولى. وهذا الوجه أفاده الشيخ حافظ حكمي في كتابه معارج القبول. والوجه الثاني: هو أن هذه الآية فسرت بآية أخرى في سورة محمد، وهي قول الله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٧]. فقالوا: إن الضرب على الوجوه والأدبار من الملائكة للفاسقين والكافرين يكون بعد الموت وقبل الدفن. ووجه الدلالة حينئذ هو: أنه إذا كان الميت يعذب قبل دفنه فبعد دفنه من باب أولى. وهذا أفاده الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري في كلامه على هذه الآية. وقال الله : ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١]. والمرتان الواردتان في الآية ليس المقصود بهما الآخرة. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١]. فعندنا في هذه الآية ثلاثة أنواع من العذاب: العذاب الأول، والعذاب الثاني، والعذاب الثالث يكون في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١]. فأخبرت الآية أنه يعذبهم مرتين ثم بعدها يردون إلى العذاب العظيم. والعذاب العظيم يكون في الآخرة يوم القيامة. وأما المرتان فقال المفسرون فيها: إنهما عذاب في الدنيا وعذاب في القبر. وقد روى ابن أبي حاتم والطبري عن ابن عباس ﵁ أنه قال: العذاب الأول في الدنيا، والعذب الثاني في القبر. وروي عن غيره أنه قال: العذاب الأول بالجوع والقتل، والعذاب الثاني في القبر. ولهذا قال الحافظ ابن جرير الطبري المفسر المشهور: إن كل الآثار الواردة في تفسير المرتين متفقة على أن الثاني منهما عذاب القبر، واختلفوا في الأول. فبعضهم على أنه في الدنيا بشكل عام، وبعضهم يجعلها بالقتل والسبي، وبعضهم يجعلها بالجوع والفقر، وما إلى ذلك. وكلها تجمع على أن العذاب الأول في الدنيا، والعذاب الثاني يكون في القبر. وهذا دليل صريح واضح على أن الناس يعذبون في قبورهم.

стр. 352

الأحاديث النبوية الدالة على عذاب القبر ونعيمه وأما في السنة فقد ثبتت الأحاديث في ذلك عن النبي ﷺ عن أكثر من اثنين وثلاثين صحابياً. منهم عمر بن الخطاب، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وابن عباس. ففي حديث ابن عباس المشهور في الصحيحين: (عندما مر النبي ﷺ بقبرين وقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الثاني فكان يمشي بين الناس بالنميمة). وروي أيضاً عن البراء بن عازب، وعن عدد كبير من الصحابة. وقد ساق هذه الأحاديث مفصلة الشيخ حافظ حكمي في كتابه معارج القبول عن هؤلاء الثلاثين جميعاً. وهي جميعاً متفقة على أن الناس يعذبون أو ينعمون في قبورهم. ولهذا قال الشيخ حافظ حكمي في كتابه معارج القبول: بأن أحاديث عذاب القبر ونعيمه بلغت حد التواتر المعنوي. والتواتر هو: نقل جماعة عن جماعة يستحيل في العادة أن يتواطئوا على الكذب، وأسندوه إلى شيء محسوس. وهنا قد نقل جماعة كثيرة عن جماعة كثيرة، وأسندوه إلى شيء محسوس، وهو قول النبي ﷺ وإخباره. والتواتر ينقسم إلى قسمين: تواتر لفظي. وتواتر معنوي. فأما التواتر اللفظي فهو: أن يتواتر حديث بلفظ معين. كقوله ﷺ : (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار). وأما التواتر المعنوي فهو: أن ترد مجموعة أحاديث بأوجه مختلفة، وكلها تدل على معنى واحد. ومن التواتر المعنوي مثلاً المسح على الخفين، ورؤية الله يوم القيامة، وأحاديث النزول، وأحاديث العلو، وأحاديث عذاب القبر ونعيمه.

стр. 353

المنكرون لعذاب القبر ونعيمه وأنكر الخوارج والمعتزلة عذاب القبر ونعيمه. وقالوا: إن الناس لا يعذبون في قبورهم. ومن الجهمية الذين أنكروا عذاب القبر ونعيمه بشر بن غياث المريسي المشهور الذي رد عليه السلف. فقد رد عليه عثمان بن سعيد الدارمي. وليس هو صاحب السنن بل صاحب السنن هو عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي. وأما عثمان فهو المصنف في العقائد، وله كتاب: الرد على الجهمية، وكتاب رد عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد. فالشاهد: أن الخوارج والمعتزلة نفوا عذاب القبر ونعيمه. وكذلك العقلانيون عموماً لا يثبتون عذاب القبر ونعيمه.

стр. 354

الرد على استدلال منكري عذاب القبر بآية سورة الدخان ٍوقد استدل الخوارج والمعتزلة على إنكارهم لعذاب القبر ونعيمه بثلاثة أدلة: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦] فقالوا: معنى هذا: أنهم إذا كانوا يعذبون في قبورهم فسيذوقون أكثر من موتة. وهذا مخالف للآية. والجواب على هذا بسيط وسهل وهو: أن هذه الآية وردت في أهل الجنة، وليس في أهل القبور. ولهذا فطريقة أهل البدع دائماً هي: أنهم يأتون بالنصوص ويضعونها في غير موضعها ويشبهون على الناس بذلك. فينبغي على الدعاة إلى الله أن يميزوا ويفصلوا.

стр. 355

الرد على استدلال منكري عذاب القبر بآية سورة فاطر ومما استدلوا به قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢]. فقالوا: إن الله نفى أن يكون أحد يسمع من في القبور. ولو كان أهل القبور أحياء ويعذبون وينعمون لسمعوا. وهذا المعنى باطل؛ لأنه لا يلزم من وجود الحياة وجود السمع. فبعض الأحيان قد ينام النائم بجانبك وتتكلم أنت مع شخص آخر وهو لا يسمع مع أنه حي قطعاً. وبعض الأحيان لا يسمع الإنسان لبعد مكانه. فمثلاً: من يعيش الآن في المغرب الإسلامي لا يسمع كلامنا الذي نتكلمه. فعدم السماع ليس دليلاً على عدم الحياة. والله لما خلق الخلق وخلق الحياة الدنيا جعل لها طبيعة خاصة بها، وجعل للبرزخ طبيعة خاصة به، وجعل للحياة الآخرة طبيعة خاصة بها. وجعل بين هذه الثلاث فروقاً وحواجز. ومسألة هل الأموات في قبورهم يسمعون أو لا يسمعون مسألة مشهورة عند أهل العلم، اختلف فيها أهل العلم بناءً على الأدلة الواردة فيها. وقد كان اختلاف السلف رضوان الله عليهم في هذه المسألة اختلافاً بسيطاً لا يترتب عليه ما رتبه عليه أهل البدع، وذلك لوجود أدلة تنفي السماع وأخرى تثبته؛ ولهذا أعدل الأقوال في هذه المسألة هو ألا يقال: إنهم يسمعون مطلقاً، أو لا يسمعون مطلقاً. وإنما يقال: إنهم يسمعون في ما ورد النص فيه بأنهم يسمعونه، كرد السلام مثلاً، وكأهل قليب بدر لما وقف عليهم النبي ﷺ وقال: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً. قالوا: يا رسول الله! تكلم جيفاً قد بليت؟ قال: ما أنتم بأسمع لكلامي منهم، لكنهم لا يجيبون). ووردت أيضاً بعض الأحاديث التي تدل على أن بعض الموتى يسمعون. ولكن هذا لا يعني أن هذا السماع سماع مطلق. وهذا هو الصحيح من كلام أهل العلم. ثم جاء أهل البدع ورتبوا على هذه المسألة أمرين: الأمر الأول: أن بعضهم أنكر عذاب القبر ونعيمه؛ لظنهم بأنهم لا يسمعون. وليس في هذا أي وجه لنفي عذاب القبر. وإذا افترض أنهم لا يسمعون فهذا لا يعني أنهم لا يعذبون في قبورهم، فقد يكون بيننا وبينهم حاجز فلا يسمعون، كحاجز البعد مثلاً، وهكذا. وجاءت طائفة أخرى من أهل البدع أثبتوا أنهم يسمعون ورتبوا على ذلك أنه يستغاث بهم، ويدعون من دون الله، فاصبحوا يقولون: مدد يا فلان، أو يقولون: إن فلاناً يشفع لنا عند الله . ونحو ذلك من الشركيات. وليس بين هذا وذاك أي ارتباط. فإنهم إذا سمعوا في قبورهم فهذا لا يعني بالضرورة أنهم لا بد أن يدعوا ويستغاث بهم!! بل لو كانوا أحياءً في الدنيا لما جاز أن يدعوا فكيف إذا كانوا أمواتاً في القبور؟!! فإذا قيل: إنه في قبره له علاقة بالدار الآخرة، قلنا: وإذا كان له علاقة بالدار الآخرة فلا يلزم من هذا أن يُستغاث به ويطلب منه المدد، ونحو ذلك؛ لأن هذا من الشرك.

стр. 356

الرد على استدلال منكري عذاب القبر بانتفاء حركة الميت الدليل الثالث الذي استدلوا به: أن الإنسان إذا مات ودفن فإنه يبقى سنيناً طويلة لا يتحرك. وقال بعض الفلاسفة: إن الزئبق هو أشد المواد حركة إذا وُجد ما يحركه. وعندما يوضع الزئبق على بدن الميت فإن هذا الميت لا يتحرك. وبناءً عليه فإن الزئبق سيبقى في نفس المكان سنيناً طويلة. ولو كان يعذب في قبره كما ورد في الحديث: من أنه يسأل ويضرب ويصيح ويوسع له قبره ويأتيه من روحها وريحانها ويضحك ويتحرك لتحرك هذا الزئبق الذي عليه. وهذا القول قول فاسد من حيث العقل؛ لأن هذا الكلام الذي نقوله عن عذاب القبر ونعيمه وعن الغيبيات جاءنا من الصادق المصدوق ﷺ . والرسول ﷺ ثبت صدقه عندنا بما لا يدع مجالاً للشك. فقد ثبت صدق الرسول ﷺ بشكل لا نظير له. ومن ذلك: أن الوحي الذي جاء به الرسول ونسبه إلى الله يدل على صدقه بشكل مؤكد، حيث أنه أخبر فيه عن مغيبات ستقع فوقعت. وأخبر فيه عن أمور في طبيعة البشر فثبت بالدليل العلمي الآن أنها صحيحة. وأيضاً: معجزات النبي ﷺ وآياته التي جاء بها مثل انشقاق القمر نصفين، ونبع الماء من بين أصابعه. وفي ذات الوقت فالرسول ﷺ ليست طبيعته كطبيعة السحرة والكهنة. وقد يقول قائل مثلاً: انفلاق القمر نصفين يفعله السحرة والكهنة، فنقول: السحرة والكهنة لهم طبيعة خاصة، فتجد فيهم الكذب والوسوسة والحمق، وغيرها من الأمور، بينما هذه الأشياء ليست موجودة في الرسول ﷺ . فالرسول ﷺ إنسان مستقيم الفطرة والطبع، ولم يحفظ عليه خطأ، أو تصرف غير طبيعي، وإنما كانت تصرفاته جميعاً طبيعية، وكانت أخلاقه كريمة، وكان صادقاً لا يكذب. ومع هذا جاء بهذا الوحي العجيب الخارق، فلا يصح عقلاً أن يكون غير صادق. والدليل على هذا قصة هرقل في حديث ابن عباس الطويل لما أرسل إليه النبي ﷺ كتاباً مع عمرو بن أمية الضمري، وفيه: (من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى، اسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن كفرت فإن عليك إثم الأريسيين ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران:٦٤]). فلما وصلته هذه الرسالة قال: اطلبوا لي أحداً من العرب في بلاد الشام، فجيء له بـ أبي سفيان ومجموعة -يصلون إلى العشرين- من أهل مكة. فقال: من أقربكم نسباً من هذا الرجل الذي يدعي أنه نبي؟ قال أبو سفيان: أنا. قال: تقدم. فتقدم. ثم قال له: إن سائلك عن هذا الرجل فإن كذب فكذبوه. فسأله أسئلة شاملة لأحوال الرجل من كل جهاته. فسأله عن دعوة النبي، وعن طبيعته الشخصية، وعن علاقته بهم، وعن تاريخه. فسأله: هل يكذب؟ قال: لا قال: هل يغدر؟ قال: لا وهذه الأسئلة عن الطباع الشخصية. وسأله عن التاريخ وعن الواقع الموجود، فقال: هل هناك من آبائه من ملك؟ قال: لا. قال: هل هناك أحد منكم جاء بهذه الدعوة قبله؟ قال: لا. وسأله أيضاً عن دعوته، فقال: بماذا يأمركم؟ قال: يأمرنا بأن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، وبالصبر والصدق والعفاف، والبعد عن الزنا والكذب. ثم استدل من هذا كله أنه نبي. ولهذا قال: إنه لنبي، وإن كان ما تقولون حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين. ولو ظننت أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولغسلت عن قدميه وشربت مرقتها. فقد عرف أنه نبي. لأن أحواله تدل على نبوته. وإذا ثبتت النبوة للرسول ﷺ فيلزمنا الإيمان بها وتصديقها. وأركان النبوة أربعة: تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع. كما ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀. ويمكن أن ترد هذه الأربع إلى ثلاثة: التصديق والاتباع والانقياد. فالتصديق يعني: لخبره. والاتباع يعني: لمنهجه وطريقته. والانقياد يعني: لأمره من جهة الفعل، ولنهيه من جهة الترك.

стр. 357

كيفية إقامة الحجة على منكر عذاب القبر ونعيمه ومن ينكر عذاب القبر ونعيمه لا يخلو من حالين: الحال الأول: أن يكون من المسلمين أو ممن ينتسب إلى الإسلام. والحال الثاني: أن يكون من غير المسلمين. فإذا كان من المسلمين فنقول له: إذا أقررت بنبوة النبي فلا بد أن تلتزم بما أخبر به. وقد أخبر النبي ﷺ بوجود عذاب القبر ونعيمه. وقبل ذلك أخبر القرآن الكريم به. وأما إذا كان كافراً لا يؤمن بالنبوة ولا يؤمن بالله فنثبت له أولاً صدق النبي. والأدلة على صدقه كثيرة جداً. فإذا أثبتنا له صدقه بحيث لا يكون هناك مجال للشك في صدقه فنقول: إن هذا الصادق أخبر بعذاب القبر ونعيمه فيلزمنا الالتزام بما أخبر به وتصديقه.

стр. 358

منكرو اليوم الآخر والبعث

стр. 359

المشركون وأما بالنسبة لليوم الآخر بشكل عام فالمنكرون له هم المشركون. كما قال الله : ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧]. وكقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨]. إلى آخر الآيات. فقد كان كفار المشركين ينكرون البعث، حتى أنهم كانوا يقولون: أموت ثم بعث ثم حشر حديث خرافة يا أم عمرو يعني: إن الحياة بعد الموت وحشر الناس حديث خرافة. وأصل كلمة حديث خرافة عند العرب أن رجلاً كان يسمى خرافة زعم أنه أخذته الجن ثم جاء إلى الناس يحدثهم بغرائب وعجائب، فأصبح كلامه مثلاً فيقال: هذا حديثه حديث خرافة يعني: أن حديثه هذا فيه غرائب كحديث خرافة الذي زعم أنه أخذته الجن. ولهذا كانوا يقولون: حديث خرافة يا أم عمرو وكانوا يقولون: ما هي إلا أرحام تدفع -يعني: للدنيا- وأرض تبلع -يعني: في القبور- ولا يهلكنا إلا الدهر. وكانوا ينكرون أن يبعث الناس لرب العالمين يوم القيامة.

стр. 360

الفلاسفة والباطنية وقد أنكر اليوم الآخر الفلاسفة والباطنية. أما الفلاسفة فمثل ابن سيناء والفارابي ونحوهما كانوا ينكرون بعث الأجساد ويقولون: إن الأجساد لا تبعث يوم القيامة؛ لأنها تفتت وتصبح ذرات تتكون منها مخلوقات أخرى، فلا تعود مرة أخرى. وقد كفر أهل العلم الفلاسفة لثلاثة أمور: الأمر الأول: بأنهم قالوا بقدم العالم. والأمر الثاني: قالوا بإنكار علم الله بالجزئيات. والأمر الثالث: أنكروا البعث الجسماني. وقالوا: إنما هو للأرواح فقط. ويفسر الفلاسفة عذاب الآخرة للأرواح بقولهم: إن الروح بعد أن يموت الجسد ويتفرق إذا كانت منعمة انتقلت إلى شخصية منعمة ومبسوطة في الدنيا، وإذا كانت معذبة كأن يكون صاحبها قد ظلم الناس في الدنيا انتقلت إلى شخص فقير معذب. وأما الباطنية فيفسرون البعث والقيامة بأنه انتقال روح الشخص المعذب إلى روح كلب أو خنزير مثلاً، أو حيوان معذب يطرد ويؤذى ويجرح ونحو ذلك. ويعتقدون أن الشخصية المنعمة تنتقل إلى حيوان آخر ينعم ويعتنى به ويغسل ويكون له من أحسن ما يكون. ويقولون: الروح هي الروح هنا وهناك، سواء كانت في جسد إنسان أو كانت في جسد حيوان فهي هي. وحينئذ تعذب هناك أو تنعم هناك، ولا شك أن هذا كفر بالله رب العالمين.

стр. 361

الأسئلة

стр. 362

المراد بالشهداء الذين لا يفتنون في قبورهم السؤال هل المقصود بالشهداء الذين لا يفتنون في القبور: هم الذين يقاتلون في سبيل الله فقط، أم يتعداهم إلى بقية أصناف الشهداء كفريق البحر مثلاً؟ الجواب المقصود بالشهداء هم الذين يقتلون في سبيل الله، وهذا ظاهر النص؛ فإن النبي ﷺ قال: (كفى ببارقة السيوف)، وبارقة السيوف هو: الجهاد.

стр. 363

فتنة الأعلى منزلة من الشهيد في القبر السؤال الصديقون أعلى مرتبة من الشهداء؛ فهل يفتنون؟ الجواب من كان أعلى مرتبة من الشهداء كالصديقين فيرى بعض أهل العلم: أنهم لا يفتنون. ويرى آخرون أنهم يدخلون في العموم.

стр. 364

المراد بقوله تعالى في الحديث القدسي: (وما ترددت) وقوله: (وأنا الدهر) السؤال ما هي القاعدة في مثل هذه الأحاديث، وما هو تفسيرها: (وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبد مؤمن يكره الموت وأكره مساءته)، رواه ابن أبي عاصم في السنة، وقال شيخ الإسلام في الفتاوى: رواه البخاري. وحديث: (يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر)؟ وهل هي مثل بقية أحاديث الصفات؟ وهل يستخرج منها أسماء الله تعالى؟ الجواب أما الحديث الأول، وهو قوله: (ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبد مؤمن). فليس المقصود بالتردد هنا التردد في الإرادة، وإنما المقصود به كما فسره في الحديث: أنه يكره الموت وأكره مساءته. يعني: أن صورة الحال هي صورة تردد، وإلا فإن الله لا يوصف بالتردد الذي يوصف به العباد، وهو عدم الإقدام على الفعل للجهل به وبعاقبته. فهذا لا يمكن أن ينسب لله . وإنما المقصود بالتردد هو: أن هذا العبد يحبه الله، وهذا العبد يكره الموت، والله إذا أحب عبداً كره ما يكره. ولكن سابق قضاء الله هو أن يموت. ففيها أمران: سابق قضاء الله . والأمر الثاني: أن الله يكره ما يكرهه العبد. فهذه هي صورة التردد، ثم الله يمضي قضائه السابق. فليس التردد الوارد في الحديث هو التردد الذي يحصل عند الناس؛ لأن الإنسان في بعض الأحيان مثلاً يتردد في شراء الشيء أو تركه؛ للجهل بقيمته، والله عالم بكل شيء . وحينئذ فالقاعدة في هذا الموضوع هي: أن ترد الأحاديث المشكلة إلى الأحاديث المحكمة الواضحة. وثبوت العلم لله واضح لا إشكال فيه، وثبوت إرادته وفعله لا إشكال فيه أيضاً. فإذا ورد حديث ظاهره أنه مناقض لصفة العلم فلا بد أن يفسر بما يوافق هذه الصفة، وأن يفهم من السياق العام في هذا النص. فمثلاً: هذا الحديث واضح مشروح في نفس الحديث. قال فيه: (يكره الموت وأنا أكره مساءته). فهو مفسر في هذا الحديث. ومثله: حديث الدهر، قال: (يسب ابن آدم الدهر، وأنا الدهر أقلب الليل والنهار). ففسر معنى قوله: (وأنا الدهر)، يعني: وأنا خالق الدهر؛ لأن الله ليس هو الدهر قطعاً. وإنما الدهر الليل والنهار الذي نعيش فيه. ولا يقول عاقل عرف الآيات والأحاديث الواردة في تميز الله عن خلقه، وما ثبت له من الصفات والأسماء العلى: إن الله هو نفسه حقيقة الدهر. وإذا تصورنا أن هذا الحديث يدل على هذا المعنى فإننا نفسره على تقدير حذف مضاف، وهذا معتاد في لغة العرب، ومن الأمثلة على ذلك: قول الله : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف:٨٢]، والجمال لا تسأل، فلا يأتي شخص يترك الناس ويسأل الجمال ويقول: هذا هو المفهوم من ظاهر النص؛ لأن العير المقصود به القافلة التي يوجد فيها ناس يوجهونها. وهذا هو المقصود. والقرية هي التي يوجد فيها أشخاص يعيشون فيها، ونحو ذلك. وهذا يدل عليه السياق. قال: (وأنا الدهر أقلب الليل والنهار) يعني: وأنا خالق الدهر؛ يعني: كيف يسب الدهر وأنا خالقه؟ فلا يصح أن يسبه أحد وأنا خالقه. وقوله: (أقلب الليل والنهار)، شرح لقوله: (وأنا الدهر). فمثل هذه النصوص يرجع فيها إلى كلام أهل العلم ولا يستعجل في تفسيرها. وفي كتاب القواعد المثلى للشيخ محمد بن صالح العثيمين، قاعدة في هذا الموضوع وضحها وذكر أمثلة كثيرة عليها، وبينها بياناً شافياً، فجزاه الله خيراً.

стр. 365

ما يسأل عنه أفراد الأمم السابقة في قبورهم السؤال هل فتنة الأمم السابقة تكون في السؤال عن الرب والدين والنبي محمد ﷺ ؟ الجواب تكون عن الرب والدين وعن نبيهم الذي أرسله الله لهم.

стр. 366

سؤال القبر وشموله للمتعلم والجاهل السؤال هل الامتحان يشمل المسلم المتعلم والجاهل؟ الجواب يقول الله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] يعني: سواءً كان جاهلاً أو متعلماً، فهذه لا يحتاج لها علم. وهي من العقائد الأساسية الطبيعية العادية. وهل أحد من المسلمين لا يعرف أن الرب هو الله؟ فلو جهل ذلك لكان غير مسلم أصلاً. وكذلك الدين، والإسلام والنبوة. وهذه الثلاثة فصلها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب الأصول الثلاثة. والأصول الثلاثة هي: معرفة العبد ربه، ونبيه ودينه ففصلها الشيخ محمد بن عبد الوهاب تفصيلاً بيناً في الأصول الثلاثة.

стр. 367

الرد على المنكرين لحياة البرزخ بدعوى انتفاء حركة أجساد الموتى السؤال كيف نرد على العقلانيين في قولهم: إن الأجساد لا تتحرك؟ الجواب الغيبيات لا يصح أن تحاكم إلى الحسيات. بل لا بد فيها من التصديق الجازم بخبر الرسول ﷺ . فإذا كان الإنسان مؤمناً بالنبوة فلا شك أنه سيصدقها حتى ولو لم ير بعينه. وهناك ردود تفصيلية أخرى ذكرها بعض أهل العلم وهي: أنه لا يلزم من عدم الحركة الآن في الدنيا عدم ما يترتب عليها من العذاب. فالنائم مثلاً: يحلم بأحلام مزعجة ومؤذية، ويشعر أنه مطارد وأنه سيقتل، وهو نائم لا يتحرك. ثم إذا استيقظ أخبر الناس بذلك وهم لم يروا شيئاً يدل على هذا. فالشاهد: أن العمدة الأساسية في الرد هو أن نقول: هل تثبتون النبوة أو لا؟ فإن أثبتوا النبوة لزمهم الإقرار مباشرة؛ فكيف يكذبون النبي الذي أخبر بذلك؟ وإذا كانوا لا يثبتون النبوة فيقال لهم: نبوة النبي ثابتة بالأدلة، وهي كذا وكذا وما يتبع ذلك.

стр. 368

حكم الاستغاثة بصفات الله تعالى السؤال في الحديث المشهور: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث)، كيف تكون الاستغاثة بصفة من صفات الله تعالى؟ الجواب الاستغاثة بصفة من صفات الله جائزة، وهي مثل الاستعاذة بكلماته كما في الحديث: (أعوذ بكلمات الله التامات).

стр. 369

معنى قول النبي ﷺ : (وما يعذبان في كبير) السؤال يقول: هل قوله: (وما يعذبان في كبير)، يعني: أن النميمة ليست كبيرة؟ الجواب لا. وإنما المعنى: لا يعذبان في عمل كبير يشق عليهم عمله. ولهذا ورد في بعض الألفاظ: (ما يعذبان في كبير، بلى، إنه كبير)، يعني: كبير من جهة الإثم. وقوله: (ما يعذبان في كبير)، يعني: أنه من جهة العمل بسيط يمكن التحرز منه.

стр. 370

الرد على مثبت عذاب القبر ونعيمه للأرواح دون الأجساد السؤال ألا يمكن الرد على العقلانيين في إنكارهم لعذاب القبر في قولهم بمسألة الزئبق: بأن العذاب هو عذاب الأرواح لا عذاب الأجسام؛ لأن الأجسام تبلى وتكون تراباً؟ الجواب لا؛ لأن الذي يعذب في القبر الأجسام والأرواح أيضاً. وهناك قاعدة ذكرها أهل العلم في علاقة الروح بالجسد بالنسبة للحياة في الدنيا والبرزخ. ففي الحياة الدنيا العمل مبني على الجسد والروح تابعة له. أما في القبر فالعكس. فالروح هي الأصل والجسد تابع لها. فالعذاب يكون على الروح والجسد في القبر. وهذا هو قول جمهور أهل العلم وهو الصحيح الذي عليه العمدة.

стр. 371

الجمع بين عقيدة أهل السنة في عدم في تكفير القاتل وقوله تعالى: (ومن يقتل مؤمناً) السؤال كيف نجمع بين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] وبين قول المؤلف: إن عقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا يكفر القاتل؟ الجواب قصد المؤلف هنا: أنه لا يكفر مرتكب الكبيرة. ويقول أهل العلم في تفسيرهم لهذه الآية: إن الخلود نوعان: خلود بمعنى: طول المكث. وخلود بمعنى: التأبيد. فالوارد في هذه الآية معناه: طول المكث. فمعنى الآية: أنه من طول مكثه في النار - والعياذ بالله - وهذا يشبه الذي يكون خالداً في النار.

стр. 372

مدة عذاب القبر السؤال هل عذاب القبر دائم أم لا؟ الجواب بالنسبة للكفار فعذاب القبر عليهم دائماً، وبالنسبة لعذاب المسلمين فهو بحسب أعمالهم، فيعذبون بقدر ذنوبهم، ثم ينعمون بعد ذلك.

стр. 373

العذاب بالنار وحصوله بعد عذاب القبر السؤال المؤمن العاصي قد يعذب في قبره، فهل يعذب مرة ثانية في جهنم، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام:١٦٠]؟ الجواب الله عادل. فإذا عذب عبده في قبره بمقدار ذنوبه جميعاً فلا يعذبه في الآخرة مرة أخرى، وإذا عذبه في قبره ببعض الذنوب فيعذبه في الآخرة ببعضها الآخر. وقد لا يعذب في قبره ويعذب في الآخرة بجميع ذنوبه. ولكنه لا ينعم قبل ذلك. وهذا كله راجع إلى حكمة الله وإرادته .

стр. 374

كيفية تفسير نزول الله مع اختلاف وقت ثلث الليل الآخر بين البلدان السؤال يتفاوت ثلث الليل من دولة إلى دولة أو من منطقة إلى منطقة، فكيف يكون نزول الله؟ الجواب من عقيدة أهل السنة أنهم لا يسألون عن كيفية الصفات؛ لأن كيفية الصفات لا نعلمها أصلاً؛ لأننا لم نرها ولم يخبرنا الرسول بكيفيتها. فنحن نؤمن بيد الله ولا نعرف كيفيتها، ونؤمن بقدم الله ولا نعرف كيفيته، ونؤمن بعيني الله ولا نعرف كيفيتها، ونؤمن بصوت الله وكلامه ولا نعرف كيفيته. فالكيفية غير معلومة لدينا. وهذا الإنسان الذي تخيل هذه الشبهة كان أساس مشكلته أنه يريد أن يعرف الكيفية. ولهذا إذا قطع الطمع في معرفة الكيفية فإنه يزول عنه الإشكال. ونحن لا ندري كيف ينزل. وإنما نؤمن أنه ينزل مع اختلاف الليالي واختلاف المناطق. ولكن إذا تخيلت أنه ينزل ويطلع مثل الإنسان فتكون قد شبهت الله بخلقه، وهذا لا يجوز. فلا يجوز لنا أن نتصور كيفية صفات الله. فالرسول ﷺ لم يخبرنا عن كيفية صفات الله ونحن لم نرها؛ لأنها من الغيب. وصفات الله لها كيفية لا نعرفها، والله أعلم بها. وإنما نثبتها؛ لأن القرآن أخبرنا أن لله صفات، وبين أن هذه الصفة غير هذه الصفة، فعلم الله غير يد الله غير قدم الله وهكذا. وأما تحديدها وطبيعتها فلا نعرفها؛ لأنها من الغيبيات. ولا يجوز التفكير فيها؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. فخير للإنسان ألا يفكر في هذا الأمر فهو مضيعة للوقت، ومأثم أيضاً على الإنسان.

стр. 375

العقيدة الواسطية [١٧] يتصل بالإيمان باليوم الآخر الإيمان بالبعث والمعاد, فهو مما يجب على المكلف اعتقاده وتصديقه, كما ثبتت بكيفيته النصوص المتظافرة, وكذلك الإيمان بالموازين, ونشر صحف الأعمال, والحساب, والحوض, وغير ذلك من أمور اليوم الآخر.

стр. 376

مسائل في الإيمان باليوم الآخر

стр. 377

الخلاف في استمرار عذاب القبر إلى البعث بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. أما بعد: فممن بحث موضوع اليوم الآخر الإمام القرطبي ﵀ في كتابه (التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة)، وأيضاً الشيخ حافظ حكمي في المجلد الثاني من كتابه (معارج القبول)، فقد بحثا موضوع القيامة الكبرى بحثاً مفصلاً، وذكرا كثيراً من آيات التحدي وغيرها في هذه المسألة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم بعد هذه الفتنة -يعني: فتنة القبر- إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى]. في هذا المقطع مسألتان، المسألة الأولى هي مسألة: هل عذاب القبر ونعيمه مستمر إلى القيامة الكبرى أم أنه ينقطع؟ والحقيقة: أن عذاب الكفار مستمر كما هو معلوم، وأما المسلمين ممن لم يكفروا بالله فيعذبون بقدر أعمالهم وبقدر ما يقدر الله عليهم من العذاب، وعذابهم ليس مستمراً، كما قال بعض الشراح، وقال بعضهم: إن عذاب الكفار ليس مستمراً، وبالتالي يكون عذاب المسلمين أولى من ذلك، ولا يكون مستمراً، واستدل على ذلك بقوله : ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، ففي هذه الآية إشارة إلى أن الكفار يُعرضون على النار مرتين في اليوم، وقت الغدو، ووقت العشي، ووقت الغدو بعد الفجر، والعشي آخر النهار بعد العصر، وفهم منها بعضهم: أن المقصود من قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦]، يعني: باستمرار، والحقيقة أن هذه الآية تشير فعلاً إلى أن الكفار لا يستمر عذابهم في القبر بشكل دائم؛ ولهذا جاء في قوله عنهم: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢] فإن بعض العلماء فهم من هذه الآية أن عذاب الكفار في القبر ليس مستمراً، وعلى كل حال ليس هناك كبير إشكال في كونه مستمراً أو غير مستمر، وهذا الأمر عائد إلى الله إن شاء عذبهم عذاباً مستمراً، وإن شاء لم يُدم عليهم العذاب، ولكنهم لا ينعمون باتفاق؛ لأن الكافر لا يمكن أن ينعم أبداً.

стр. 378

القيامة الكبرى والقيامة الصغرى والمسألة الثانية: هي في قوله: القيامة الكبرى، فإن الوصف بقوله: الكبرى دليل على أن هناك قيامة صغرى، وهذا صحيح، فإن القيامة تنقسم إلى قسمين: قيامة صغرى، وقيامة كبرى. أما القيامة الصغرى: فهي قيامة الإنسان نفسه، ويكون ذلك بموته، فإن الإنسان إذا مات (قامت قيامته)، كما قال النبي ﷺ . والقيامة الكبرى: هي قيامة الناس جميعاً، فإنهم يقومون لرب العالمين .

стр. 379

الإيمان بالبعث قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فتعاد الأرواح إلى الأجساد، وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه، وعلى لسان رسوله، وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلاً]. وقيام الناس من قبورهم: هو البعث. والبعث متفق عليه بين المسلمين، وليس هناك خلاف بين المسلمين على وقوعه، وكذلك وافق اليهود والنصارى المسلمين في ذلك، فهم يعتقدون أن الناس يبعثون من قبورهم ويحاسبون.

стр. 380

إنكار الكفار الوثنيين للبعث وخالف في البعث طوائف: منهم الكفار الوثنيون، مثل: كفار قريش؛ فإنهم كانوا لا يعترفون بالبعث، بل كانوا يقولون: موت ثم بعث ثم حشر حديث خرافة يا أم عمرو ولهذا يقول الله عنهم: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧]، وكانوا يقولون: إن لحوم الناس تتفرق، وعظامهم تتفتت، وحينئذ يصبحون ممزقي الأوصال ويكونون تراباً، فكيف يعودون مرة أخرى؟ والحقيقة: أنه يمكن الاستدلال عليهم بالعودة بما يعترفون به من أن الخلق الأول هو خلق الله للناس، كما قال الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، فهم يعترفون بأن الله هو الخالق الذي خلق الخلق ، فإذا كان الله هو الذي خلق الخلق فهو قادر على إعادته؛ لأن الإعادة أسهل من البدء. ولهذا استعمل مع المنكرين دليلاً عقلياً بقدرته ، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩] فهذا برهان عقلي كاف لقطع حجة المنازعة لو أنه فكّر وتأمل.

стр. 381

إنكار الفلاسفة والباطنية للبعث والطائفة الثانية المنكرة هي: الفلاسفة، والفلاسفة كفّرهم علماء أهل السنة لثلاثة أشياء: كفّروهم بقولهم بقدم العالم، وبإنكار علم الله في الجزئيات، وبإنكار المعاد الجسماني، حيث قالوا: إن الأجساد لا تعود مرة أخرى، ووافق الفلاسفة من المنتسبين إلى الإسلام كذباً وزوراً الباطنية، أمثال النصيريين والدروز والإسماعيليين، فالإسماعيليون -الذين هم البهرة وغيرهم- وافقوا الفلاسفة في إنكار البعث للإنسان. ثم اختلفوا في تفسير البعث فقال بعضهم: إن البعث يكون للأرواح، وهذه الدنيا لا تتغير، ولا تزول ولا تذهب، وإنما هو انتقال للروح من بدن إلى بدن آخر، فيعتقدون أن الأرواح محدودة، والأبدان كثيرة، وروحك أنت الآن كانت روحاً لبدن سابق، فإن كان البدن السابق عاصياً فإن روحه توضع في جسد معذّب، سواء كان إنساناً أو حيواناً، وفي عقائدهم: أن الكافر غير المؤمن تنتقل روحه إلى كلب معذّب مريض بالقروح وبالجروح، مطرود يجوع ويعطش ويذهب ويشقى، وأما الذي كان صادقاً وطيباً وصاحب أخلاق حسنة فإن روحه تنتقل إلى ملك معظّم في الأجيال القادمة، فإذا اشتهى شيئاً وأراده حصل له كما أراد. فهم يعتقدون أن هذه الدنيا لا تتغير وأن الناس إذا دفنوا لا يبعثون يوم القيامة من جديد، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيهم: إنهم أكفر من اليهود والنصارى.

стр. 382

عقيدة المسلمين في البعث وكيفيته وأما عقيدة المسلمين: فهي الإيمان بالبعث كما أخبر تعالى في سورة التكوير بما يحدث لهذا العالم من تغيره وتبديله بعالم آخر. ثم ينزل الله مطراً مثل مني الرجال -كما جاء في الحديث- فينبت الناس من قبورهم، كما تخرج النبتة الصغيرة من الأرض، فإذا خرجوا اجتمعوا في مكان واحد.

стр. 383

أرض المحشر وأرض الحشر هي بلاد الشام، وقد بين الله في سورة الحشر أن بني النضير طردوا من المدينة إلى أول الحشر، وقال المفسرون: إن أول الحشر بلاد الشام، فإنه لما خرج بنو النضير من المدينة ذهبوا إلى أرض الحشر، وهي بلاد الشام. فإن قيل: كيف تتسع بلاد الشام لهذه الجموع الكثيرة المجموعة من الأعصار المختلفة منذ زمن آدم إلى قيام الساعة؟ فنقول: إن الأرض تتغير وتتبدل ويمدها الله ، فتدك الجبال، وتصبح قاعاً صفصفاً، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، كما أخبر الله ، فيجتمع الناس في هذا المكان عراة، ليس عليهم لباس، وحفاة: ليسوا منتعلين، وغرلاً: ليسوا مختونين كما كانوا من قبل، ويجتمع الرجال والنساء، قالت عائشة للنبي ﷺ : ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: (الأمر أعظم من أن ينظر بعضهم إلى بعض) وتدنو منهم الشمس قدر ميل، وسواء كان هذا الميل في السماء ميل المسافة، أو كان ميل المكحلة، فالمقصود: أن الشمس تكون قريبة جداً من الخلق. والإنسان في أثناء قراءته عن أحوال الآخرة لابد أن يضع في عقله أن أحوال الآخرة ليست كأحوال الدنيا، ولا تقاس بمقياس الدنيا، وعلماء الفلك اليوم يقولون: إن الشمس لو تقدّمت أمتاراً لأصبحت الأرض جمرة ملتهبة، أو ربما اختفت من شدة الحرارة، ولو تأخرت قليلاً لأصبحت الأرض جليداً واحداً من شدة البرودة. وفي يوم القيامة تدنو الشمس حتى تصير قدر ميل ولا تضر، يعني: لا تحرق أجساد العباد، وإنما يجلسون في هذا المكان خمسين ألف سنة كما أخبر الله على هذه الحال، في مكان ضيق كثير الزحام، وهذا هو الحشر، ويصيبهم العرق فبعضهم يلجمه إلجاماً، وبعضهم يبلغ العرق منه إلى كعبيه، وبعضهم إلى ركبتيه، وبعضهم إلى حقويه، كما أشار النبي ﷺ إلى ذلك. فإن قيل: كيف أن العرق يلجم بعضهم، ويصيب بعضهم إلى قدر الركبة، وبعضهم أقل من ذلك، وهم في مكان واحد؟ وهل يكون مثلاً الذين يلجمهم العرق في مكان، وغيرهم في مكان آخر؟ فنقول: الله أعلم، فإن أمور الآخرة لا تقاس بمقياس الدنيا.

стр. 384

نصب الموازين يوم القيامة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فتنصب الموازين]. والموازين: جمع ميزان، والميزان: الآلة التي يوزن بها. والموازين عند الله توزن فيها أعمال العباد، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن هذا الميزان له كفتان، وذلك في حديث صاحب البطاقة الذي يأتي على رءوس الخلائق فينشر له تسع وتسعون سجلاً كلها ذنوب ومعاص، وتوضع في كفة، ثم يقال: هل عملت خيراً؟ فيقول: لا. فيقال: بلى، إن لك خيراً عندنا، فتخرج له بطاقة مكتوب فيها: لا إله إلا الله، فتوضع في الكفة الأخرى فتطيش هذه الصحائف، وينجو هذا الإنسان، وهذا يدل على أن هذا الميزان له كفتان، وأن الأعمال توزن، كما قال الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. والعمل يوزن كما قال النبي ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان) فأعمال العباد توزن، وكذلك صحفهم توزن، كما في حديث صاحب البطاقة، وكذلك السمين، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (يؤتى بالرجل السمين يوم القيامة من أهل النار فيوضع في كفة الميزان فلا يزن عند الله جناح بعوضة) وهذا هو ما أخبر الله به في قوله: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]. وليس بالضرورة أن يوزن كل الناس، ولكن بعضهم يوزنون. وأنكر المعتزلة وزن الأعمال، وقالوا: كيف توزن الأعمال مع أنها أعراض وليست أجساماً؟ وهذا يدل على ضلالهم، فإن الشرع لا يعترض عليه بالعقل، فإن الله يجعل هذه الأعمال أجساماً ثم توزن بعد ذلك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فتنصب الموازين، فتوزن بها أعمال العباد، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣]، وتنشر الدواوين]. الدواوين: جمع ديوان، وهو الكتاب المدون، والإنسان يكتب عليه كل شيء كما قال الله : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، فيكتب عليه كل شيء، ويجده يوم القيامة، وتنشر هذه الدواوين يوم القيامة.

стр. 385

أصناف الناس في أخذ صحائف الأعمال قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وتنشر الدواوين -وهي صحائف الأعمال- فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره]. والشيخ هنا صنف الناس ثلاثة أصناف: فالأول: آخذ كتابه بيمينه، والثاني: بشماله، والثالث: من وراء ظهره، والحقيقة أنها تعود إلى صنفين: آخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره؛ لأن الذي يأخذ كتابه بشماله فإنه يأخذه بشماله من وراء ظهره. فأصناف الناس يوم القيامة تعود إلى صنفين: مؤمن وجبت له الجنة، وكافر وجبت له النار، والمنافق يكون تبعاً للكافر؛ لأنه في الدرك الأسفل من النار، وحينئذ فالكافر يأخذ صحيفته بشماله من وراء ظهره، والمؤمن يأخذها بيمينه. قال المؤلف ﵀: [كما قال : ((وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ)). والمراد بالطائر: العمل الذي طار منه، فالإنسان إذا عمل عملاً طار منه، سواء خيراً أو شراً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤]]. وقد أخبر الله أن البعض يأخذ كتابه بيمينه، والبعض يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره في سورة الانشقاق كما تعلمون. قال: [ويحاسب الله الخلائق] كما في سورة الانشقاق.

стр. 386

كيفية حساب المؤمنين والكفار يوم القيامة قال: [ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه، كما وصف ذلك في الكتاب والسنة، وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنه لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم وتحصى، فيوقفون عليها ويقررون بها]. والحساب ينقسم إلى قسمين: حساب المسلمين، ولفظ المسلمين يشمل المؤمنين الصادقين، ويشمل أيضاً الفساق ممن لم يرتفع عنهم اسم الإسلام، وحساب الكفار. فأما حساب المسلمين فإنه نقاش وليس فيه محاسبة، وإنما يأذن الله لكل عبد مسلم ويقرره بذنوبه ويقول: هل تعرف ذنب يوم كذا؟ وذنب كذا يوم كذا وكذا؟ ثم يعفو عنه الله ويدخله الجنة، ولا ينجو ويخرج من هذا الحساب إلا السبعون ألفاً الذين في حديث ابن عباس، وفيه: (مع كل ألف)، وفي رواية: (مع كل واحد سبعون ألفاً)، هؤلاء يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب ولا عذاب. وأما حساب الكفار فليس حساب نقاش، وإنما هو بيان لأعمالهم، وليس وزناً لهم، ولا تعداداً للحسنات وللسيئات؛ لأنهم لا حسنات لهم، بل أعمالهم باطلة، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨] فهم ليست لهم أعمال صالحة، ولكن حسابهم تقرير لأعمالهم ولذنوبهم حتى يعلموا، ومن أنكر منهم شهد عليه بدنه، ثم يساقون إلى جهنم وبئس المصير. ومسألة الفرق بين حساب المسلمين وبين حساب الكفار اختلف فيها العلماء، هل الكفار يحاسبون أم لا؟ فبعضهم نفى الحساب بإطلاق، وبعضهم أثبته بإطلاق. فمن نفاه بإطلاق فقد أخطأ، كما أخطأ من أثبته بإطلاق، وكلام ابن تيمية ﵀ هنا كلام دقيق محرر. قال المؤلف ﵀: [وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته]. لأنهم ليس لهم حسنات حتى توزن حسناتهم وسيئاتهم، وإنما هذا الحساب للمسلمين؛ لأن لهم حسنات. قال: [فإنه لا حسنات لهم]. يعني: الكفار. قال: [ولكن تعد أعمالهم وتحصى، فيوقفون عليها]. وعد أعمالهم السيئة وإيقافهم عليها سماه بعض أهل العلم: حساباً، وسماه البعض الآخر: غير حساب، والحقيقة: أن من جعل معنى الحساب: تعداد الأعمال فقط، فإنه قال: إن الكفار يحاسبون، ومن جعل الحساب: الموازنة بين الحسنات والسيئات قال: الكفار لا يحاسبون.

стр. 387

الحوض المورود قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي عرصات القيامة]. العرصات: جمع عرصة، والعرصة: هي المكان الفسيح بين المباني، وعرصات القيامة: يعني: المواقف التي تكون يوم القيامة. قال المؤلف ﵀: [وفي عرصات القيامة: الحوض المورود]. والحوض ورد وصفه في السنة النبوية بأنه: حوض كبير يكون يوم المحشر، طوله: مسيرة شهر وأكثر، يعني: بالإبل، ولونه: أبيض من اللبن، وطعمه: أحلى من العسل، وعليه أكواب كعدد نجوم السماء، وفي بعض الروايات: أن هذه الأكواب كنجوم السماء. وفي هذا اللفظ الثاني زيادة معنى، وهي: أنها منيرة وجميلة وتشبه نجوم السماء من حيث الجمال والهيئة الحسنة، وهذا الحوض من شرب منه لا يظمأ أبداً. والذي لا يرده صنفان: الكفار، وأهل البدع، فأهل البدع لا يردون الحوض؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (أنا فرطكم على الحوض)، ثم قال: (إنه يذاد عنه بأقوام)، يقول: (أعرفهم) ومعرفته لهم، يعني: أنهم من المسلمين قال: فأقول: (أصحابي! أصحابي!)، وفي لفظ: (أصيحابي! أصيحابي!) فيقال: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك). والإحداث هو: العمل بأحكام الشرع على غير طريقة المرسلين. وأهل العلم يسوقون هذا الحديث في ذم أهل البدع، وهذا يدل أيضاً على أن الحوض قد يرد عنه طوائف من أهل البدع مع أنهم من المسلمين وليسوا من الكفار. وفي حديث أبي ذر عن النبي ﷺ أنه قال: (إن لكل نبي حوضاً). وقد اختلف أهل الحديث في صحة هذا الحديث، وقد رواه ابن أبي عاصم، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى بمجموع الطرق، وهو عنده حسن أو صحيح.

стр. 388

العقيدة الواسطية [١٨] الإيمان بالقدر وما يتضمنه من المراتب وغيرها من جملة أركان الإيمان التي لا يتم الإيمان بدونها, وقد نطقت به آيات من الكثرة بمكان, وأبانته أحاديث كثيرة رواها عدة من الصحابة الكرام, منهم أبو هريرة وعبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وعمران بن حصين وغيرهم رضي الله تعالى عنهم, وصنف فيه الأئمة والعلماء, وإنما ضل فيه الجبرية والقدرية لانحرافهم عن دلائل النصوص والتسليم لها.

стр. 389

الإيمان بالقدر وأدلة وجوبه إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. أما بعد: فالإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان يزول الإيمان بزواله. وقد دل على الإيمان به الكتاب والسنة. فأما الكتاب فقول الله : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]. وأما من السنة فالأحاديث كثيرة، ومن أجمعها حديث جبريل الذي رواه عمر بن الخطاب ﵁ عندما جاء جبريل إلى النبي ﷺ فسأله عن الإيمان فقال: (فالإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره).

стр. 390

كتب مصنفة في موضوع القدر وقد ترجم البخاري في صحيحه كتاب القدر، وكذلك في صحيح مسلم، وعند أصحاب السنن. وقد أفرد أهل العلم لموضوع القدر مصنفات مستقلة. ومن أقدم هذه المصنفات -المطبوعة الآن- كتاب القدر والأحاديث الواردة فيه، لـ عبد الله بن وهب القرشي تلميذ الإمام مالك المشهور المتوفى سنة (١٩٧). ويروى أن للإمام مالك رحمه الله تعالى كتاباً في القدر، ذكر ذلك القاضي عياض وذكره الذهبي رحمه الله تعالى. ويذكر بعض الباحثين: أن أغلب كتاب ابن وهب في القدر من رواية مالك. ولعله هو كتاب القدر وزاد عليه عبد الله بن وهب روايات أخرى. وممن ألف في القدر مفرداً من السلف أبو بكر الفريابي ﵀ المتوفى سنة (٣٠١هـ)، وكتابه اسمه القدر وهو مطبوع. وألف أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رسائل متعددة في القدر منها رسالة: أقوم ما قيل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل، وهي مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى. وأيضاً طبعت ضمن جامع الرسائل والمسائل التي طبعها الشيخ محمد رشيد رضا في مطبعة المنار. ومن كتبه أيضاً: كتاب الاحتجاج بالقدر على المعاصي. وهو كتاب أيضاً مطبوع ضمن مجموعة الرسائل والمسائل. ومن كتبه أيضاً: قصيدة له تائية يرد فيها على أحد أهل الذمة الذين احتجوا بالقدر على كفرهم، فرد عليه بقصيدة تائية شرحها الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في كتاب مستقل وهو مطبوع أيضاً. وأيضاً ممن أفرد موضوع القدر ابن القيم ﵀ في كتاب سماه: شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل. وهناك كتب متعددة طبعت مؤخراً في القضاء والقدر. من أشهر هذه الكتب كتاب: القضاء والقدر للدكتور فاروق الدسوقي في ثلاثة مجلدات. وكتاب: القضاء والقدر للدكتور عبد الرحمن المحمود. والأخير من أفضل الكتب المؤلفة في هذا الموضوع.
следующие страницы →