Полный текст (493 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
الخلاف في رؤية المنافقين والكفار ربهم في عرصات يوم القيامة
وقد اختلف أهل العلم في رؤية الكفار والمنافقين لله يوم القيامة، وأما في الجنة فلا يمكن أن يروه؛ لأنه لا يدخل الجنة كافر ولا منافق.
فالجنة متفق على أنه لا يراه فيها إلا المؤمنون وأما في عرصات يوم القيامة في المحشر فقد اختلف أهل العلم: هل الكفار والمنافقون يرون الله يوم القيامة أو لا؟ وأما المؤمنون فإنه متفق عليه بين أهل السنة أيضاً أنهم يرونه يوم القيامة، وهذا الخلاف هو خلاف فقهي أيضاً، كمسألة رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا، وهو خلاف لا يترتب عليه قطيعة ولا معاداة ولا خلاف شديد.
وقد اختلف أهل البحرين في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مسألة رؤية الكفار لربهم يوم القيامة.
واختلفوا فيها اختلافاً شديداً وصارت بينهم قطيعة وبغضاء، حتى إنهم كادوا يقتتلون بالسيوف، فأرسلوا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية يستفتونه في ذلك؟ فكتب لهم رسالة فيها، وهي مطبوعة ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام التي جمعها ابن قاسم في المجلد السادس، بعنوان: رسالة إلى أهل البحرين في رؤية الكفار لربهم يوم القيامة.
وقد تحدث شيخ الإسلام ﵀ في هذه الرسالة عن كيفية التعامل مع الخلافات؟ وقال ﵀: إن الخلافات التي تحصل في مسائل الدين تنقسم إلى قسمين: * خلافات يترتب عليها الكفر أو البدعة وهذه هي الخلافات التي يكون فيها حرب بين أهل السنة وأهل البدعة، ونحن نتكلم على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والصوفية من هذا الباب.
وخلافات يحتملها الاجتهاد، مثل الخلاف في المسائل الفقهية، فالعلماء كما نلاحظ يختلفون في الإفتاء.
ومن الخلاف الذي يحتمل الاجتهاد: الخلاف في هذه المسائل، وكتب لهم رسالة علمهم فيها كيفية التأدب مع هذه المسائل؟ وقال: إن هذه المسائل من فروع المسائل، التي لا يترتب عليها كفر ولا بدعة، وقد اختلف فيها علماء السنة، ورأى بعضهم أن الكفار قد يرون الله يوم القيامة، وذكر شيخ الإسلام في هذه الرسالة الأمور التي اتفق عليها المختلفون، والأمور التي اختلفوا فيها.
فالمختلفون في رؤية الكفار لله يوم القيامة ونفيها متفقون على عدة أمور: * أولاً: اتفقوا على أن هذه الرؤية ليست رؤية لذة ونعيم وراحة وطمأنينة، بل إنهم يقولون: إنها رؤية عذاب؛ لأن الله يريهم نفسه ثم يحتجب عنهم، وفي ذلك أشد أنواع العذاب، هكذا قالوا.
* ثانياً: اتفقوا أيضاً على أنهم بعد الانتهاء من الحشر لا يرون الله ، وإنما يكونون من أهل الجحيم، والعياذ بالله.
واختلفوا هل يرونه بأعينهم في الحشر، حتى ولو كان في هذا عذاب لهم؟ واختلافهم مبني على فهم الأدلة، فقد ورد في حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ما ظاهره أن الله يأتي الناس يوم القيامة فيرونه، يعني: يراه الكفار والمنافقون والمؤمنون، وهذه النصوص التي ظاهرها أنهم يرونه أشكلت على الذين أثبتوا رؤية الكفار لله يوم القيامة، وبناءً على هذا قلنا: إن هذه المسألة ليست من المسائل التي يعنّف فيها المخالف، ولا من المسائل التي تعتبر من أصول الدين.
ومثل هذه المسائل: كرؤية الله بالقلب، أو كرؤية الله في الدنيا لا تعرض لعامة الناس الذين لا يفقهون العلم ولا يدرون ما هو، وإنما تعرض لطلاب العلم الذين يدرسون العلم ويتفهمون معانيه، وإذا أشكل على أحدهم شيء سأل؛ لأن الله يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، فهذه المسائل لا تعرض للعامة، بحيث أنها تضطرهم إلى الإنكار وإلى التشنيع.
والصحيح في مسألة رؤية الكفار لربهم يوم القيامة: أنهم لا يرون الله يوم القيامة، ويدل على ذلك قول الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].
ومما يدل على ذلك أيضاً: أن الرؤية سماها الله زيادة ومزيداً، فقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦].
وقال: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]، فلو أن الكفار والمنافقين يرون الله يوم القيامة لما كان لاختصاص المؤمنين بالمزيد معنى، فلما اختص المؤمنين بالمزيد دل هذا على أنهم لا يرونه، وأوضح ما يدل على أنهم لا يرونه عموم قول الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].
стр. 317
المعتقد في رؤية النساء لله في الجنة
ومن المسائل التي يبحثها أهل العلم في مسألة الرؤية أيضاً: مسألة: هل النساء يرين الله في الجنة إذا دخلنها أولاً؟ والصحيح من أقوال أهل العلم هو: أن النساء يرين الله في الجنة، والدليل على ذلك عموم النصوص؛ فإن النصوص التي في إثبات الرؤية مثل: قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]، وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، تدل على دخول المؤمنات في الجنة في هذه الرؤية؛ لأن العموم يشملهن.
وقد يقول قائل: إن قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس:٢٦]، الذين: صيغة مذكر، فلا تدخل النساء فيها؟ فنقول: إن مسألة دخول النساء في عموم النصوص الواردة بصيغة الذكور، مسألة معروفة ومشهورة عند أهل العلم، وهناك نصوص تدل على دخولهن في العموم، ومن ذلك قول الله عن مريم في سورة التحريم: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم:١٢].
والقانتين: جمع مذكر سالم لقانت، فجعلها داخلة في عموم جمع المذكر السالم، فلو قيل: إن القانتين جمع مذكر سالم، فكيف يدخل المؤنث فيه؟! قلنا: هذا هو ما دل عليه النص، والقرآن جاء بلغة العرب، كما قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]، فهذا يدل على أن المؤمنات يدخلن في النصوص التي جاءت بصيغ المذكر، كقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، ونحو ذلك من النصوص.
стр. 318
الأسئلة
стр. 319
انتفاء الإحاطة بالله في رؤيته
السؤال
هل قول الله : ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] يعني: أننا نرى وجه الله فقط، ولا نرى غير الوجه؟
الجواب
نحن لا نتصور صفات الله أصلاً، ولا نعرف ماهيتها، ولا نتصور أنه على شكل الإنسان، وهو سبحانه له وجه ويدان، ولا نعرف الكيفية، وصفاته ليست مثل صفات الخلق، وإنما تختلف، وأما معنى قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فمعناه: أنه لا يمكن أن تحيط به، فالأبصار يمكن أن تدرك إنساناً، ولكن الله لا يمكن أن تحيط به من كل مكان.
مثل علمنا بالله ، فنحن نعلم أن لله صفات وأسماءً، ولكن لا نحيط به علماً، فكذلك إذا رأينا الله، وسنراه حقيقة، ولكن لا نحيط به رؤية، ولا نتخيل تكييفاً لذلك؛ فإن تخيل التكييف خطأ وباطل.
стр. 320
الموقف من قول: (طمس بصري في بصيرتي فرأيت الله)
السؤال
ما صحة هذا القول، وهل هو من حديث رسول الله: طُمس بصري في بصيرتي فرأيت الله؟
الجواب
مثل هذه الكلمات الغامضة نستعمل معها ما نستعمل مع المصطلحات، فنسأل عن مقصود صاحبها، فإذا كان يقصد معنىً صحيحاً قلنا: هذا معنىً صحيح، ولكن استعمل له أسلوباً واضحاً، وإذا كان المعنى باطلاً رددناه، وإذا كان المعنى مختلطاً بين الصحيح والباطل صححنا الحق وأبطلنا الباطل، ومنعناه من هذا الكلام المجمل المحتمل للحق والباطل، فقوله: طمس بصري في بصيرتي فرأيت الله، معنى مجمل له عدة معان.
стр. 321
دلالة قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق) على رؤية ساق الله يوم القيامة
السؤال
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢]، ألا تدل هذه الآية على رؤية ساق الله يوم القيامة؟
الجواب
بلى، هذه الآية مع حديث أبي سعيد الخدري تدل على رؤية ساق الله يوم القيامة، كما يليق بجلاله، بدون أن يتخيل الإنسان ساقاً معينة، أو صورة معينة؛ لأن هذا التخيل باطل.
стр. 322
حقيقة رؤية الله تعالى في الدنيا
السؤال
عندما كنت صغيراً رأيت الله تعالى، فهل هذا من الشيطان أم هو حقيقة؟
الجواب
هذا كلام مجمل، فإذا كنت تقصد بالعين المجردة فهذا شيطان، وأما إذا كنت تقصد في النوم فقد يكون هذا من ضرب المثل الذي أشرنا إليه، والأمثال التي تضرب في النوم أو في القلب ليست هي الله حقيقة.
стр. 323
نظرة في كتاب (رؤية الله) للدكتور أحمد الحمد
السؤال
ما رأيك في كتاب (رؤية الله) للدكتور أحمد الحمد؟
الجواب
كتاب رؤية الله للدكتور أحمد الحمد لا بأس به في الجملة، والكاتب من أهل السنة ومعروف، ولكن كثيراً من المسائل تحتاج إلى تحرير أكثر.
стр. 324
معنى المكاشفة
السؤال
ما معنى مصطلح المكاشفة؟
الجواب
كلمة مكاشفة وكشف يمكن أن يكون معناها صحيح، ويمكن أن يكون معناها باطل، والصوفية يستخدمونها بالمعنى الباطل، وأما المعنى الصحيح للكشف فهو: اكتشاف الشيء الجديد، وقد يكون هذا الكشف علمياً، وقد يكون عملياً.
стр. 325
العقيدة الواسطية [١٥]
الوسطية مطلب شرعي وصفة محبوبة اصطفى الله تعالى لها هذه الأمة, وقوامها وحقيقتها العدل واتباع النصوص, وقد حظي أهل السنة باستحقاق هذا الوصف العظيم في العمل والاعتقاد, فهم في صفات الله تعالى وسط بين المعطلة والمشبهة, وفي أفعال العباد وسط بين الجبرية والقدرية, وفي الوعيد وسط بين المرجئة والوعيدية, وفي الصحابة الكرام وسط بين الروافض والخوارج, وفي غير ذلك من أبواب العلم والعمل.
стр. 326
أهمية موضوع الصفات
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى آتاه اليقين.
أما بعد: فإن باب الصفات من أطول أبواب العقيدة، وهو باب مهم؛ لأنه يتعلق بالله ، ولأن أهل البدع والضلالة خاضوا فيه بالباطل، وانحرفوا فيه عن جادة السلف الصالح رضوان الله عليهم.
فمن هنا كان للحديث فيه أهمية عظيمة ومكانة ومنزلة رفيعة.
ومن جهة أخرى: فإن لصفات الله آثاراً تربوية وإيمانية تتعلق بحياة الإنسان، ولهذا فالحديث عنها مهم وله أهمية قصوى.
стр. 327
مفهوم الوسطية
وهذا الباب منطلقه هو قول الله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣].
فقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، هذا خبر وأمر فهو خبر من جهة بيان حال الصحابة رضوان الله عليهم وتزكية منهجهم، وأمر لمن يأتي بعدهم بأن يلتزم بهذا المنهج الوسط.
стр. 328
معاني الوسطية
والوسطية لها ثلاثة معانٍ: العدل والخير والتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط.
أما العدل فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب التفسير، في تفسير سورة البقرة، في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، عن أبي سعيد الخدري ﵁ وفي آخره: أن الرسول ﷺ قال: (الوسط: العدل).
وأما الخيرية فإن الوسط في لغة العرب: تطلق على الخير فإذا قيل: هذا أوسط القوم، يعني: أعقلهم وأكثرهم معرفةً وإدراكاً، ومن ذلك قول الله : ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم:٢٨]، في قصة أهل البستان الذي أحرقه الله في سورة القلم، قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم:٢٨].
والمقصود: بأوسطهم: يعني: أعقلهم وأخيرهم وأحسنهم وأفضلهم، وكوننا أمةً وسطاً، يعني: من خير الأمم فنحن من ناحية التاريخ آخر الأمم ومن ناحية الخيرية خير الأمم.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا) أي: نحن الآخرون زمناً، والأولون مكانةً يوم القيامة.
وأول زمرة تدخل الجنة هم من هذه الأمة وروي أنهم: المهاجرون فيدخلونها ويتمتعون فيها قبل الناس بأربعين سنة كما روي ذلك في بعض الأحاديث المرفوعة.
وأما كوننا خير أمة، فهذا كما قال الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، تفسر قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] والقرآن كما تعلمون يفسر بعضه بعضاً وأفضل التفسير هو تفسير القرآن بالقرآن؛ لأن الله أعلم بمراد نفسه .
وأما المعنى الثالث وهو: الوسط، بمعنى: المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وقد رجحه بعض أهل العلم، فمن رجحه من المتقدمين ابن جرير الطبري في تفسيره لهذه الآية، ومن المتأخرين: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذا الكتاب.
стр. 329
بيان ما ناله أهل السنة من مضامين الوسطية
والحقيقة: أن كون هذه الأمة أمةً وسطاً يشمل ذلك كله فأهل السنة هم أعدل الناس، وهم أهل العدل وأهل الميزان المستقيم والصراط غير المعوج، وعامة الفرق الضالة ليس عندهم عدل فتجدهم يكفر ويفسق بعضهم بعضاً بالهوى، ولمجرد المخالفة الشخصية، بينما أهل السنة والجماعة لا يتبعون أهواءهم، وإنما يتبعون الدليل والسنة وطريقة الرسول ﷺ ، وهذا هو الذي ميزهم عن كثير من الفرق الضالة المنحرفة، فنجد أن المعتزلة مثلاً: كما يقول: أبو المظفر السمعاني ﵀ في كتابه الانتصار لأهل الحديث: (إن ميزة أهل السنة: الجماعة، وميزة أهل البدع: الفرقة والاختلاف) ويقول الشاطبي ﵀ في كتابه الاعتصام: (والتفرق من أخس أوصاف المبتدعة) ويذكر أن البغداديين من المعتزلة يكفرون البصريين، والبصريون يكفرون البغداديين وأن الرجل يكفر أباه، والأب يكفر ابنه، فـ أبو علي الجبائي يكفر أتباع أبي هاشم، وأتباع أبي هاشم يكفرون أتباع أبي علي، والذي يحكم بينهم بالعدل هم أهل السنة والجماعة.
ولهذا أمرنا الله بالعدل دائماً، وأمثلة العدل في السنة النبوية وفي سيرة الرسول ﷺ كثيرة جداً حتى مع اليهود والنصارى والمخالفين؛ لأن الظلم محرم حتى مع الكفار، فالظلم محرم في ذاته وقبيح حتى مع الكفار ونحن أمة العدل، ولا يجوز للإنسان أن يظلم أحداً، ولا يجوز للمسلم إذا كره فرقةً من الفرق أن يكيل لها الاتهامات.
ونحن نكرههم بحق ولا نكرههم بباطل وهوى، إلا أنه لا يجوز لنا أن نكيل لهم الاتهامات وبعض الناس إذا غضب يكيل الاتهامات، جزافاً ويرميها رمياً، وليس هذا هو منهاج السلف الصالح رضوان الله عليهم، وإنما منهجهم هو التحري والدقة فيما ينسب إلى الأشخاص، ونقد من وقع منهم في البدعة، ومعرفة حجم البدعة التي وقع فيها، وإعطاؤها حقها، وعدم المبالغة أو النقصان فيها، فهذا هو الميزان العادل، فمثلاً: لا يأتي إنسان إلى بدعة مثل: الذكر الجماعي فيجعله أم المصائب جميعاً، ويكفر من يقع فيه فهذا لا يجوز؛ لأن هذه البدعة لا توصل إلى الكفر، وإن كانت بدعة ولكنها لا توصل إلى الكفر.
وكذلك لا يجوز له أن يأتي إلى بدعة الشيعة الذين يسبون أبا بكر وعمر، ويكفرونهما ويلعنونهما، ويحجون إلى القبور، ويستغيثون بأهلها فيهون من شأنها ويقلل من الخلاف مع الشيعة، ويقول: إن خلافنا مع الشيعة هو خلاف فرعي، كخلاف الحنابلة مع الشافعية، فهذا باطل لا يجوز.
فينبغي على الإنسان أن يكون قواماً بالقسط، وصاحب ميزان معتدل وصحيح ودقيق، وأن يكون بعيداً عن كيل الاتهامات لكل أحد، حتى ولو كان مبتدعاً؛ فإن البدعة نفسها درجات، فهناك بدعة مكفرة، وبدعة غير مكفرة.
الواقعون في البدعة أنواع: نوع يدعو إلى بدعته ومتشبث بها.
ونوع لا يدعو إلى بدعته.
لكل واحد حالة ونمط من التعامل يختلف على النمط الآخر، وهكذا ينبغي للإنسان أن يكون عادلاً.
стр. 330
رد دعوى دخول أهل البدع في الوسطية بعموم الخطاب
قد يقول قائل: إن قول الله فيها: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] خطاب عام يشمل المسلمين جميعاً، فيدخل فيه أهل البدع؛ لأن أهل البدع ليسوا كفاراً، فكيف يقال: إنهم ليسوا وسطاً؟ والجواب على هذا بسيط وهو أن نقول: إن هذه الآية خوطب بها أصحاب النبي ﷺ ، قبل أن يقع التفرق والاختلاف فلما وقع التفرق والاختلاف أتينا إلى هذه الآية فوجدنا أن أسعد الناس بأن يكون وسطاً هم: أهل السنة والجماعة أتباع الصحابة.
وأما أهل البدع فإنهم انحرفوا عن منهج الصحابة وعن الوسطية التي وصف الله بها منهج الصحابة.
قال المؤلف ﵀: [فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك -يعني: يؤمنون بهذه الوسطية- كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه العزيز، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل هم الوسط في الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم].
وهنا نلاحظ أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرجح أن معنى الوسطية هو: التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط.
وقوله عن أهل السنة بأنهم الفرقة الناجية، وصفوا بأنهم فرقة ناجية من أمرين: الأمر الأول: من التفرق.
والأمر الثاني: من النار التي توعد الله بها الفرق المخالفة للصراط المستقيم.
стр. 331
حقيقة الوسطية
والوصف بالوسطية ليس معناه: أن الإنسان ينظر في طرائق الناس ومناهجهم ثم يتخذ وسطاً من عنده، ويقول: هذا هو الوسط، أي: في النصف.
فلا يأتي إلى الوسط بين هذا المنهج وبين هذا المنهج، ويقول: هذا أحسن شيء فأتبعه.
وإنما المقصود بالوسطية هنا: إخبار الله بأن هذه الأمة لما اتبعت الصراط المستقيم -وهو كلام الله ، وكلام الرسول ﷺ صارت أمةً وسطاً بذلك.
فالوسطية في اتباع النصوص وليست في النظر إلى مذاهب الناس واختيار مكان معين منها بالهوى، وبعض الناس مثلاً يقول: لا بد أن تكون وسطاً مع الكفار، فلا تصير متشدداً مثل الذين يريدون جهاد الكفار، ولا تصير متساهلاً مثل الذين يوالون أعداء الله، وإنما كن وسطاً، يعني: لا تجاهدهم ولا توالهم، وإنما تبقى بينك وبينهم علاقات ومودة طيبة، وهذا الاختيار باطل، لأنه ليس وسطاً، وإنما هو انحراف، فليست الوسطية اختيار الإنسان للمكان الذي يريد بين الأهواء والآراء، وإنما هي اتباع ما أمر به الله وأمر به رسوله ﷺ ، فمعنى الآية: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، يعني: أنكم لما اتبعتم الطريق المستقيم واتبعتم الوحي الرباني صرتم وسطاً، واتباع الوحي يجعل الإنسان وسطاً، فإذا انحرف عنه فلا يكون وسطاً، وإنما يكون إما في طرف الإفراط، أو في طرف التفريط.
стр. 332
صور من وسطية أهل السنة في العقائد بين الفرق المنحرفة
стр. 333
وسطية أهل السنة في صفات الله تعالى بين المعطلة والمشبهة
قال المؤلف ﵀: [فهم وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة].
فأهل السنة والجماعة يثبتون أسماء الله وصفاته، وينفون عنها مشابهة المخلوق وهذا وسط.
والمشبهة والممثلة أفرطوا في الإثبات، فأوصلهم هذا الإفراط إلى التشبيه والتمثيل فقالوا: إن يد الله كأيدينا، وعين الله كأعيننا، وأن الله يتكلم كما نتكلم، وإنه مثلنا تماماً، ولهم كلام شنيع في هذا الموضوع، وأول فرقة من فرق المشبهة الذين شبهوا الله بخلقه هم الشيعة، وكان هشام بن الحكم الرافضي مشبهاً مشهوراً، ثم بعد ذلك ترك الشيعة التشبيه وتأثروا بمناهج المعتزلة، وصاروا ينفون صفات الله كالمعتزلة، ومن يراجع كتاب التوحيد لـ ابن بابويه القمي -وهو من أئمة الشيعة المشاهير- يجد أنه كان على منهج المعتزلة تماماً.
وأما الفئة الأخرى -وهم الجهمية- فقد فرطوا، فلم يثبتوا شيئاً، ولهذا يقول السلف: الجهمي يعبد عدماً والمشبه يعبد صنماً، ولما قيل لـ جهم بن صفوان: ما هو إلهك؟ قال: هو هذا الهواء بدون اسم ولا صفة.
والجهمية هم أتباع الجهم بن صفوان، وكان ظهوره في القرن الثاني الهجري، ولم يكن معروفاً بالعلم، ولا جلس في حلقاته، ولا درسه على أصوله الصحيحة، وقد التقى بطائفة من الهنود يسمون: السمنية، وكانوا ينكرون الأمور الغيبية ويثبتون الحسيات، فلما التقى بهم ناقشهم في الله فقالوا له: أين ربك؟ هل هو شيء رأيته؟ قال: لا قالوا له: فهل شممته أو ذقته أو لمسته؟ قال: لا قالوا: إذاً ليس هناك شيء، فجلس في بيته أربعين يوماً لا يصلي، ثم خرج على الناس وقال: إن ربي هو هذا الهواء ليس له اسم ولا صفة، فلما هلك جهم جاء بعده بشر المريسي، ثم جاء بعدهما ابن أبي دؤاد الذي تزعم فتنة خلق القرآن، وكان من المعتزلة، فأصبحت الجهمية كما يقول العلماء ثلاث درجات: الجهمية الأولى: وهم أتباع جهم بن صفوان وهؤلاء ينفون أسماء الله وصفاته بالكلية بجميع أنواعها.
والجهمية الثانية: وهم المعتزلة وهؤلاء يثبتون أسماء الله وينفون صفاته، ويجعلون أسماء الله أعلاماً محضة ليس لها أي دلالة.
والجهمية الثالثة: وهم الأشاعرة والماتريدية فالأشاعرة جهمية؛ لأنهم ينفون صفات الله الخبرية والاختيارية ولا يثبتون إلا سبع صفات فقط ويسمونها: صفات المعاني.
وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتاباً سماه: بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، رد فيه على الأشاعرة، فقد رد فيه على الرازي، وهو أحد أئمة الأشاعرة المتأخرين في كتابه: أساس التقديس، فسمى شيخ الإسلام الأشاعرة جهمية.
وكل من عطل الصفات سواءً عطلها جميعها أو بعضها فهو من الجهمية.
والجهمية يتفاوتون ما بين غال كـ جهم بن صفوان الأول، وأقل غلواً كالأشاعرة.
стр. 334
وسطية أهل السنة في أفعال العباد بين الجبرية والقدرية
قال المؤلف ﵀: [وهم وسط في باب أفعال الله تعالى بين القدرية والجبرية].
والجبرية: هم الذين يقولون: إن العبد مجبور على فعل نفسه، وأنه كالريشة في مهب الريح، وأنه ليس مختاراً في أفعاله التي يقوم بها، وإنما هي أفعال الله ألزم العباد بها، فيرون أن كفر العبد وعصيانه معذور فيهما؛ لأنهما ليسا باختياره ورغبته، وإنما هو مجبور من الله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
وهؤلاء الجبرية هم: جهمية؛ لأن جهم بن صفوان ضل في أكثر من باب في العقيدة، فقد ضل في الأسماء والصفات، فنفى أسماء الله وصفاته جميعاً، وضل كذلك في القدر فاعتقد الجبر، وقال: إن العبد مجبور على فعل نفسه.
ومن الجبرية كذلك الأشاعرة، فإنهم يقولون: إن العبد كاسب لفعله، وأنه ليس له فعل في الحقيقة، ويمثلون لاقتران فعل الله بفعل العبد: بحال رجل قوي يحمل صخرةً كبيرة وهذه الصخرة الكبيرة يستطيع حملها وحده، فلو جاء رجل آخر ووضع يده معه، فإن هذا الرجل الآخر لو رفع يده لاستطاع الأول أن يحملها، ولكنه شاركه فسمي حاملاً للحجر.
فيقولون: إن الله خلق فعل العبد، والعبد سيفعل هذا الفعل شاء أم أبى، وقد سمي هذا العبد فاعلاً؛ لأن الفعل وقع منه، فسموه كسباً، وهم في الحقيقة لا يثبتون فعلاً للعبد.
والإيجي من الأشاعرة يقول في كتابه المواقف من علم الكلام: الجبرية نوعان: جبرية خالصة، وهم الجهمية الأولى، وجبرية متوسطة وهم: الأشاعرة.
قال المؤلف ﵀ [وهم وسط في باب أفعال الله تعالى بين القدرية والجبرية].
والقدرية قالوا: إن الله ليس له أي علاقة -لا من قريب ولا من بعيد- في أفعال العباد، وأن العباد يخلقون أفعالهم كما يشتهون والله لا يعلم بفعل العبد إلا بعد أن يقع، وهذا لاشك أنه ضلال مبين والقدرية معتزلة والمعتزلة ضلوا في بابين من أبواب العقيدة أو أكثر.
الباب الأول: باب الصفات.
والباب الثاني: باب القدر.
فالعلماء سموهم قدرية؛ لأنهم ضلوا في هذا الباب، وإلا فهم معتزلة في الحقيقة.
والحق: هو منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، وهو كالآتي: إن الله خالق لكل شيء، ولا يحدث شيء في الكون إلا وقد علمه الله قبل أن يحدث ثم أراده ثم خلقه بعد ذلك.
ويثبتون: أن للعبد فعلاً، وأن هذا الفعل بمشيئته وإرادته واختياره ويفسرون ذلك: بأن الله خلق للعبد إرادة يختار بها ما يشاء، فإذا أراد العبد إرادة معينة خلقها الله له، فكان الفعل، فأصبح الفعل من خلق الله، وبإرادة العبد في نفس الوقت، فإذا كان أمام العبد أمران: فعل، أو ترك، فإنه يختار ما يشاء، فهو قادر على الفعل ومستطيع له قبل أن يفعله وهو كذلك قادر على الترك بمحض الإرادة التي خلقها الله له فإذا فعل الفعل أو تركه، فالفعل الذي فعله وقع باختياره وإرادته من غير إكراه، وفي نفس الوقت هذا الفعل الذي فعله ليس من خلق العبد.
стр. 335
وسطية أهل السنة في الوعيد بين المرجئة والخوارج والمعتزلة
قال المؤلف ﵀: [وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم].
فقوله: [وفي باب وعيد الله]، يعني: الآيات والأحاديث التي وردت في وعيد أهل الكبائر والذنوب، وفي وعيد الكفار ونحوهم فأهل السنة يقولون: إن هذه الآيات والأحاديث على حقيقتها وإن العبد إذا فعل ذنباً من هذه الذنوب أو ارتكب معصيةً من المعاصي فهو مهدد بالنار، ثم إذا شاء الله أنفذ وعيده، وإذا شاء عفا عن عبده، ويستدلون على ذلك بقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فهو يغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ويستدلون بالشفاعة أيضاً فإن الشفاعة من أنواعها: أن الله يعفو عن أهل الكبائر الذين استحقوا النار، وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (إن لكل نبي دعوة مستجابة وادخرت دعوتي شفاعةً لأهل الكبائر من أمتي) وهذا يدل على أن أهل الكبائر يوم القيامة مع كونهم متوعدون بالنار، إلا أن الله قد يعفو عنهم.
وأما المرجئة فإنهم يقولون: إن العبد لو فعل الكبائر فإنها لا تؤثر على إيمانه، وإيمانه تام صحيح ولا يعذب ويقولون: لا يضر مع المعصية طاعة، ولا يضر مع الطاعة والإيمان معصية.
وإن العبد مهما أذنب من الذنوب فإنه لا يعذب أبداً.
وهذا القول لا شك أنه قول كفري.
والمرجئة درجات وليسوا درجةً واحدة، فمنهم: غلاة المرجئة كالجهمية، وهؤلاء لا شك أنهم ليسوا بمسلمين، وقد كفرهم السلف رضوان الله عليهم.
وأما من دونهم وهم الأشاعرة فإنهم يقولون: إن العبد إذا فعل المعصية فقد يعذبه الله ولكنهم يقولون في الإيمان: إنه مجرد التصديق القلبي، ولا يترتب على ترك العمل كفر يؤاخذ به العبد في الدنيا أو الآخرة.
والوعيدية طائفتان: الخوارج والمعتزلة، وسموا وعيدية؛ لأنهم يرون أن أهل الكبائر كفار فترى الخوارج أنهم كفار في الدنيا، وفي الآخرة مخلدون في النار بينما يرى المعتزلة أنهم في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، وفي الآخرة مخلدون في النار وهذا لا شك أنه باطل، فإن الله يعفو عن أهل الكبائر الذين تابوا وهم يقولون: إن الله لا يمكن أن يعفو عن أصحاب الذنوب ويمنعون ذلك وينكرون الشفاعة.
стр. 336
وسطية أهل السنة في الإيمان بين الخوارج والمعتزلة وبين المرجئة
قال المؤلف ﵀: [وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية].
إن المرجئة إذا عمل الإنسان معصية أعطوه اسم الإيمان، مع فعله المعصية، ويقولون: هو مؤمن مع أن الرسول ﷺ صرح بأنه ليس بمؤمن، فقد قال ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)، وهم يقولون: هو مؤمن أثناء الزنا، وأثناء السرقة، وهذه مخالفة صريحة لقول النبي ﷺ .
كما أنهم يقولون: إن الإيمان هو مجرد التصديق.
وأما الحرورية والمعتزلة فإنهم يكفرون أصحاب الكبائر ويعتقدون أنهم من المخلدين في النار يوم القيامة.
فأما تكفيرهم لأصحاب الكبائر فالخوارج يصرحون بالتكفير، والمعتزلة يقولون: إنهم في منزلة بين المنزلتين فليسوا بمسلمين ولا كفار، وإنما هم في منزلة بين المنزلتين ويتعامل معهم كما يتعامل مع الكفار، فهم في الأخير يلتزمون قول الخوارج، ولا يسمونه كافراً، فالمعتزلة والخوارج يتفقون في الحقائق والأحكام ويختلفون في الأسماء، ففي أحكام الدنيا يطبقون عليهم أحكام الكفر، ولا يسمونهم كفاراً، وفي أحكام الآخرة فيطبقون عليهم أحكام الكفار، ويقولون: إنهم مخلدون.
стр. 337
وسطية أهل السنة في الصحابة بين الرافضة والخوارج
قال المؤلف ﵀: [وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج].
الرافضة: هم غلاة الشيعة، وسموا رافضةً لأنهم كما تروي كتب الملل والنحل جاءوا إلى زيد بن علي وهو من أهل البيت وأرادوا الخروج معه على بني أمية فقالوا: لابد أن تتبرأ من الشيخين -يعني: من أبي بكر وعمر - قال: لا أتبرأ منهما، فقالوا: إذاً: لا نخرج معك، فقال: رفضتموني فسموا رافضة والرافضة لهم أسماء، فيسمون الرافضة، ويسمون الإثني عشرية؛ لأنهم يرون أن الأئمة اثنا عشر إماماً من نسل علي بن أبي طالب، ولما توفي الإمام الحادي عشر عندهم وهو الحسن العسكري وليس له ولد قالوا: إن له ولد كان يربيه بعض أجداده دخل السرداب، وسيخرج في آخر الزمان، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً من قبل، وهو مهدي الرافضة الذي ينتظرونه في سامرا ولجئوا إلى هذا عندما أحرجهم الناس بأن الإمامة قد انقطعت.
ويسمون الإمامية، والسبب في تسميتهم الإمامية هو: أن أعظم أصول الدين عندهم: الإمامة، فهي أعظم من الشهادتين، والإمامة عندهم: تعتبر من أركان الدين الأساسية.
ومن عقائد الرافضة الإمامية الإثني عشرية في أصحاب النبي ﷺ : أنهم يكفرونهم جميعاً إلا علي بن أبي طالب، وفاطمة، وأبناء علي بن أبي طالب، وبعض الصحابة: كـ سلمان، والمقداد بن الأسود وغيرهم.
وبضد هؤلاء الخوارج، فإنهم كفروا علي بن أبي طالب في الوقت الذي تعتبره الشيعة إلهاً، فهناك فرق شاسع بين الطائفتين، فطائفة تعتبره من أعظم الصالحين الأتقياء، وهو: خليفة النبي ﷺ ، وأن الناس ظلموه في حين أن الخوارج يكفرونه، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، وكلاهما من الضالين.
والحق هو: أن علي بن أبي طالب ﵁ أحد الأئمة الأربعة، وأحد المبشرين بالجنة، ومن الصحابة الفضلاء وله مناقب عظيمة وجليلة وفي نفس الوقت: لا نقول إنه أفضل من أبي بكر وعمر، ولا نوصله إلى ما أوصله إليه الرافضة الضلال فنحن وسط بين هؤلاء وهؤلاء وهذه هي الوسطية.
стр. 338
الأسئلة
стр. 339
حكم الأشاعرة
السؤال
إذا كان الأشاعرة جهمية وجبرية ومرجئة فما المانع من تكفيرهم، أو تكفير مقولاتهم؟
الجواب
الأشاعرة بإجماع المسلمين ليسوا كفاراً، وأما تسميتنا لهم جهمية، فهو لوجود شعبة من شعب التجهم عندهم، فهم ليسوا جهمية خالصة، وإنما عندهم شعبة من شعب التجهم، وكذلك عندما نسميهم جبرية ومرجئة فذلك لوجود شعبة من شعب الجبر والإرجاء عندهم، ولا يعني هذا تكفيرهم فهم من أهل البدع، وليسوا كفاراً.
стр. 340
الفرق بين القدرية والجبرية
السؤال
ما الفرق بين القدرية والجبرية؟
الجواب
كالفرق بين المشرق والمغرب، فالمشرق في جهة والمغرب في جهة، فالقدرية تنكر القدر تماماً ولا تثبته أبداً، والجبرية ترى أن القدر معناه: جبر العبد.
فهم اختلفوا في أفعال العباد فالقدرية يرون أن العبد حر فيها وليس لله عليه فيها سلطان، وهو يخلق الفعل بنفسه، ولهذا سماهم السلف مشبهة الأفعال، وأولئك يقولون: ليس له أدنى عمل يقوم به، وإنما هو مجبور، مثل: الحركة الاضطرارية، ومثل: الريشة في مهب الريح.
стр. 341
الموقف من المفتين بإباحة الغناء
السؤال
كتب أحد الجهال الذين يتكلمون فيما لا يعلمون مقالاً يستحل فيه الغناء، ويعتقد أنه حلال فما حكمه؟
الجواب
انتشر في هذا الزمان بعض المفسدين الذين لا هم لهم إلا إباحة الشهوات، والتلاعب بدين الله ، وأصبحت أحكام الله يتلاعب بها بعض الناس السفهاء والمفسدين الذين ليسوا من أهل العلم لا من قريب ولا من بعيد، وليسوا حتى من أهل المعرفة العادية وإلى الله المشتكى، فهذا زمان الفتن الذي أخبر النبي ﷺ عنه بأن في آخر الزمان: (ينطق فيهم الرويبضة) والرويبضة كما فسره العلماء: هو الرجل التافه الذي يتكلم في الأمور العامة، فهذا الذي يستبيح الغناء وأمثاله من الذين لم يعرفوا رائحة العلم لا من قريب ولا من بعيد، وهم من الرويبضات الذين يعبثون في دين الله ، ويتلاعبون به، ومثل هؤلاء لا يلتفت إليهم.
стр. 342
حكم الفرق المخالفة في أبواب العقيدة
السؤال
هل هذه الفرق مخلدة في النار؟
الجواب
تختلف، وليست على درجة واحدة.
стр. 343
نظرة في قول المرجئة: (لا ينفع مع الكفر طاعة)
السؤال
هل قول المرجئة: إنه لا ينفع مع الكفر طاعة، كلام صحيح؟
الجواب
إذا كان المقصود بالطاعة أعمال الفروع فالكلام صحيح، فلو كان الإنسان كافراً وصلى وصام فإنها لا تنفعه هذه الطاعة، وإذا كان المقصود بالطاعة أصل الدين فلاشك أن أصل الدين يزيل الكفر.
стр. 344
العقيدة الواسطية [١٦]
من أركان الإيمان وأصوله العظيمة الإيمان باليوم الآخر, الذي جعله الله تعالى معادًا للعباد للجزاء والحساب, وإنما أنكره من لا يؤمن بالله تعالى من المشركين الدهريين والفلاسفة والباطنية, ويتصل بالإيمان بهذا الركن الركين الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وفتنة الناس في قبورهم, وغير ذلك من المسائل الثابتة في النصوص.
стр. 345
الإيمان باليوم الآخر
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
أما بعد: فالإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، ففي حديث جبريل الطويل الذي رواه عمر بن الخطاب ﵁ عندما أخبر أنه جاء رجل إلى النبي ﷺ ثم ذكر أنه سأله على الإيمان؟ فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره).
فالإيمان باليوم الآخر ركن أساسي من أركان الإيمان.
وهو يتضمن الإيمان بما بعد الموت.
فيشمل الإيمان بفتنة الناس في قبورهم وعذاب القبر ونعيمه، ويشمل - كذلك - القيامة والحشر والبعث والحساب والحوض والميزان وما يلحق بذلك من الجنة والنار.
وحياة الناس تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الحياة الدنيا.
والحياة البرزخية.
والحياة الأخروية.
فأما الحياة الدنيا فهي مدار الأمر والنهي والتكليف، وهي التي يعيش فيها الناس منذ ولادتهم الأولى إلى الموت.
وأما البرزخ فيبدأ من موت الإنسان إلى أن يبعث الله من في القبور ويحشرهم في مكان واحد، ثم بعد ذلك يبدأ اليوم الآخر الذي يشمل جميع الناس.
والدليل على وجود الحياة الدنيا: عيشنا فيها الآن.
والدليل على وجود البرزخ: قول الله : ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].
فهذا يدل على أن هذه الحياة المشار إليه في الآية حياة متوسطة بين الحياة الدنيا وبين الحياة الأخرى، كما دل على ذلك قوله: ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].
والحياة الدنيا هي التي فيها التكليف.
وأما حياة البرزخ والحياة الأخروية فليس فيها تكليف، وإنما فيها الجزاء والحساب.
стр. 346
وجوب الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه
قال المؤلف ﵀: [ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه.
فأما الفتنة: فإن الناس يمتحنون في قبورهم فيقال للرجل: من ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فيقول المؤمن: ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد ﷺ نبيي.
وأما المرتاب فيقول: هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته.
فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق.
ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى].
فلا شك أن الناس يفتنون في قبورهم.
والدليل على ذلك ما ثبت عن النبي ﷺ من قوله: (إن الناس يفتنون في قبورهم مثل فتنة الدجال)، أو قال: (قريباً من فتنة الدجال).
وقد بين النبي ﷺ طبيعة هذه الفتنة كما في حديث البراء بن عازب الذي رواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن البراء بن عازب ﵁ في حديث طويل، وفيه: أن المؤمن يسأل عن ربه فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله.
ويقال له: وما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام.
فيقال له: ومن نبيك؟ فيقول: نبيي محمد ﷺ ، ففتنة الناس في قبورهم ثابتة.
стр. 347
بيان أصناف الذين لا يفتنون في القبر
وقد بحث العلماء مسألة: هل كل الناس يمتحنون؟ لأن كلمة الناس عامة تشمل الأنبياء والشهداء والصالحين، وتشمل الكفار والمنافقين، وتشمل أشياء كثيرة.
فأما الشهداء فورد فيهم نص عن النبي ﷺ حيث قال النبي ﷺ : (كفى ببارقة السيوف على رؤوسهم فتنة)، يعني: أن قتالهم في سبيل الله وبريق السيوف الذي واجهوه وقتلهم في سبيل الله يرفع عنهم الفتنة في القبر.
وهذا حديث صحيح صححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في كتابه: أحكام الجنائز.
فالشهداء لا يمتحنون في قبورهم، ولا يأتيهم ملكان يسألانهم عن الرب وعن النبي وعن الإسلام.
وأما الأنبياء فلا يمتحنون في قبورهم.
والدليل على ذلك أمران: الأمر الأول: هو أن الأنبياء أولى من الشهداء.
فإذا كان الشهداء لا يمتحنون في قبورهم فالأنبياء أولى منهم؛ لأن فضل النبوة أعلى من فضل الشهادة.
وإذا كان فضل الشهادة مانعاً من الفتنة في القبور ففضل النبوة أولى.
وثانياً: أن الإنسان يسأل في قبره عن النبوة والأنبياء، فيقال له: من نبيك؟ وهذا يدل على أن المسئول عنه عظيم.
وإذا كان يسأل عن الأنبياء فلا شك أن هذا يدل على أنهم لا يسألون في قبورهم، وإنما ينعمون مباشرة.
ويفتن بقية الناس المسلم والكافر، وهو الصحيح الذي عليه أهل السنة من أن الفتنة في القبور تكون على المسلمين وعلى الكفار.
ويدل عليه حديث البراء بن عازب الطويل، والذي صنف فيه الذين يسألون ويفتنون في قبورهم.
قال: (فأما المؤمن)، ثم قال: (وأما المنافق)، وفي بعض الألفاظ: (والكافر).
وهذا يدل على أن المؤمن يسأل ويفتن.
وكذلك فيه دليل على أن الكافر أيضاً يسأل ويفتن، وكذلك المنافق؛ لأن هؤلاء جميعاً ورد النص فيهم في حديث البراء بن عازب، وكذلك دل على هذا عموم الأدلة التي بين النبي ﷺ فيها أن هذه الأمة تفتن في قبورها.
وكلمة الأمة تشمل أمة الاستجابة وأمة الدعوة.
فالكفار يفتنون على الصحيح.
وهذا ما رجحه ابن القيم ﵀ في كتابه الروح.
وكتاب الروح عمدة في هذا الباب؛ لأنه اشتمل على كثير من الأحاديث الواردة في قضية البرزخ وتعلق الروح بالبدن فيها وما يتبع ذلك من مسائل.
стр. 348
فتنة الأمم السابقة في قبورها
وأما الأمم السابقة فقد ورد في الحديث عن النبي ﷺ أن هذه الأمة تمتحن في قبورها.
وورد في الحديث أيضاً عن النبي ﷺ : (أنه كان على بغلة فحادت عن الطريق حتى كادت تسقطه، فقال النبي ﷺ : إن يهود يمتحنون في قبورهم).
وثبت أيضاً في صحيح البخاري: (أن يهودية جاءت إلى عائشة ﵂ وقالت لها: استعيذي بالله من عذاب القبر، فسألت النبي ﷺ وقالت: هل في القبر عذاب؟ فقال: نعم، عذاب القبر حق.
فما زال ﷺ يستعيذ بالله من عذاب القبر طيلة ذلك اليوم).
أعاذنا الله وإياكم من عذاب القبر.
والنصوص الواردة في الامتحان عامة تشمل الأمم جميعاً.
وإن كانت الأدلة لم ترد إلا في هذه الأمة وفي اليهود.
ولكن عموم الأدلة تشمل عموم الناس.
إذاً: فقول الشيخ: (الناس) ليس على عمومه، فالأنبياء والشهداء لا يمتحنون في قبورهم.
стр. 349
ذكر الخلاف في اسمي الملكين اللذين يمتحنان الناس في القبور
والذي يمتحن الناس في قبورهم: ملكان، هذان الملكان اختلف أهل العلم في اسميهما: هل لهما اسم أو ليس لهما اسم؟ والخلاف في ذلك مبني على أمرين: الأمر الأول: على ثبوت الحديث في هذا.
والأمر الثاني: على استنكار بعض أهل العلم لتسمية الملائكة بالمنكر والنكير.
فأما الحديث الوارد في هذا: فقد ثبت عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح كما رواه الترمذي وابن أبي عاصم في السنة والآجري في الشريعة: أن النبي ﷺ قال: (إن الميت إذا مات جاءه ملكان في قبره أحدهما المنكر والآخر النكير فيسألانه).
فسماهم النبي ﷺ بهذين الاسمين: وهذا الحديث حديث ثابت صحيح.
وأما استنكار بعض أهل العلم لتسميتهما بالمنكر والنكير فلا شك أنه إذا ورد الحديث في هذا وثبت فلا يرد هذا الإشكال أبداً؛ لأنه من كلام النبي ﷺ ، ولا يصح الاعتراض على كلام النبي ﷺ .
كما يمكن أن نجيب عن هذا الإشكال بأنهما ليسا منكراً ونكيراً في ذاتهما، وإنما عند الشخص الذي يفتنانه، وقد يكون منكراً بمعنى: مخيفاً.
ولهذا ورد في صفتهما في الحديث: إنهما أسودان أزرقان.
ولا شك أن هذه الصورة مخيفة للإنسان.
стр. 350
ضمة القبر
وقد ورد عن النبي ﷺ في حديث وفاة سعد بن معاذ أنه قال: (إن للقبر ضمة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ).
وضمة القبر ليست من العذاب، وإنما هي صفة للقبر.
وقد ذكر بعض أهل العلم أنها فترة، وما يلحق بذلك من الكسل ونحو ذلك.
فليست من العذاب، ولا يعني هذا أن كل الناس يعذبون كما يفهم من ظاهر كلام المؤلف.
стр. 351
الأدلة القرآنية على ثبوت عذاب القبر ونعيمه
وعذاب القبر ونعيمه يثبته أهل السنة والجماعة لثبوت الأدلة فيه.
وقد أنكره الخوارج والمعتزلة، فقالوا: ليس في القبر نعيم ولا عذاب.
واستدل أهل السنة على ثبوت عذاب القبر ونعيمه من القرآن الكريم بما يأتي: قال الله : ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].
وهذا النص واضح بأن النار التي يعرضون عليها قبل يوم القيامة.
ولهذا قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].
فهذه النار التي يعذبون فيها ويعرضون عليها غدواً وعشياً هي قبل يوم القيامة.
وليس هناك نار يعرضون عليها إلا في القبور وبعد الموت.
ولهذا وردت آثار عن السلف الصالح رضوان الله عليهم في أن أرواح آل فرعون في طيور سود تعذب.
وظاهر الآية واضح في إثبات عذاب القبر.
وقال الله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧].
فهذه الآية تدل على عذاب القبر؛ لأنه لما سئل الرسول ﷺ عن القبر وبين أن الناس تمتحن فيه قرأ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧].
ولهذا أجمع المفسرون على أن هذه الآية ورادة في عذاب القبر ونعيمه.
وقال الله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام:٩٣]، إلى آخر الآية.
وهذه الآية من الآيات التي استدل بها الإمام البخاري ﵀ على إثبات عذاب القبر.
فقد عقد باباً في كتاب الجنائز باب: عذاب القبر.
وسرد مجموعة من الآيات منها هذه الآية، وجعلها دليلاً على إثبات عذاب القبر.
ووجه الدلالة من هذه الآية من ناحيتين: الناحية الأولى هي: أن الله يقول: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام:٩٣]، يعني: في أثناء الاحتضار.
((وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ)) يعني: يستعدون لها بالضرب.
وذلك أن روح المنافق والكافر إذا أراد الملائكة أن يخرجوها تتفرق في بدنه فلا يجمعونها إلا بالضرب، يضربونها من هنا وهناك، ثم يجمعون هذه الروح ويخرجونها.
فإذا كان الميت يعذب في غمرات الموت بسبب فسوقه وكفره؛ فإنه يعذب في قبره من باب أولى.
وهذا الوجه أفاده الشيخ حافظ حكمي في كتابه معارج القبول.
والوجه الثاني: هو أن هذه الآية فسرت بآية أخرى في سورة محمد، وهي قول الله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٧].
فقالوا: إن الضرب على الوجوه والأدبار من الملائكة للفاسقين والكافرين يكون بعد الموت وقبل الدفن.
ووجه الدلالة حينئذ هو: أنه إذا كان الميت يعذب قبل دفنه فبعد دفنه من باب أولى.
وهذا أفاده الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري في كلامه على هذه الآية.
وقال الله : ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١].
والمرتان الواردتان في الآية ليس المقصود بهما الآخرة.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١].
فعندنا في هذه الآية ثلاثة أنواع من العذاب: العذاب الأول، والعذاب الثاني، والعذاب الثالث يكون في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١].
فأخبرت الآية أنه يعذبهم مرتين ثم بعدها يردون إلى العذاب العظيم.
والعذاب العظيم يكون في الآخرة يوم القيامة.
وأما المرتان فقال المفسرون فيها: إنهما عذاب في الدنيا وعذاب في القبر.
وقد روى ابن أبي حاتم والطبري عن ابن عباس ﵁ أنه قال: العذاب الأول في الدنيا، والعذب الثاني في القبر.
وروي عن غيره أنه قال: العذاب الأول بالجوع والقتل، والعذاب الثاني في القبر.
ولهذا قال الحافظ ابن جرير الطبري المفسر المشهور: إن كل الآثار الواردة في تفسير المرتين متفقة على أن الثاني منهما عذاب القبر، واختلفوا في الأول.
فبعضهم على أنه في الدنيا بشكل عام، وبعضهم يجعلها بالقتل والسبي، وبعضهم يجعلها بالجوع والفقر، وما إلى ذلك.
وكلها تجمع على أن العذاب الأول في الدنيا، والعذاب الثاني يكون في القبر.
وهذا دليل صريح واضح على أن الناس يعذبون في قبورهم.
стр. 352
الأحاديث النبوية الدالة على عذاب القبر ونعيمه
وأما في السنة فقد ثبتت الأحاديث في ذلك عن النبي ﷺ عن أكثر من اثنين وثلاثين صحابياً.
منهم عمر بن الخطاب، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وابن عباس.
ففي حديث ابن عباس المشهور في الصحيحين: (عندما مر النبي ﷺ بقبرين وقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الثاني فكان يمشي بين الناس بالنميمة).
وروي أيضاً عن البراء بن عازب، وعن عدد كبير من الصحابة.
وقد ساق هذه الأحاديث مفصلة الشيخ حافظ حكمي في كتابه معارج القبول عن هؤلاء الثلاثين جميعاً.
وهي جميعاً متفقة على أن الناس يعذبون أو ينعمون في قبورهم.
ولهذا قال الشيخ حافظ حكمي في كتابه معارج القبول: بأن أحاديث عذاب القبر ونعيمه بلغت حد التواتر المعنوي.
والتواتر هو: نقل جماعة عن جماعة يستحيل في العادة أن يتواطئوا على الكذب، وأسندوه إلى شيء محسوس.
وهنا قد نقل جماعة كثيرة عن جماعة كثيرة، وأسندوه إلى شيء محسوس، وهو قول النبي ﷺ وإخباره.
والتواتر ينقسم إلى قسمين: تواتر لفظي.
وتواتر معنوي.
فأما التواتر اللفظي فهو: أن يتواتر حديث بلفظ معين.
كقوله ﷺ : (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).
وأما التواتر المعنوي فهو: أن ترد مجموعة أحاديث بأوجه مختلفة، وكلها تدل على معنى واحد.
ومن التواتر المعنوي مثلاً المسح على الخفين، ورؤية الله يوم القيامة، وأحاديث النزول، وأحاديث العلو، وأحاديث عذاب القبر ونعيمه.
стр. 353
المنكرون لعذاب القبر ونعيمه
وأنكر الخوارج والمعتزلة عذاب القبر ونعيمه.
وقالوا: إن الناس لا يعذبون في قبورهم.
ومن الجهمية الذين أنكروا عذاب القبر ونعيمه بشر بن غياث المريسي المشهور الذي رد عليه السلف.
فقد رد عليه عثمان بن سعيد الدارمي.
وليس هو صاحب السنن بل صاحب السنن هو عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي.
وأما عثمان فهو المصنف في العقائد، وله كتاب: الرد على الجهمية، وكتاب رد عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد.
فالشاهد: أن الخوارج والمعتزلة نفوا عذاب القبر ونعيمه.
وكذلك العقلانيون عموماً لا يثبتون عذاب القبر ونعيمه.
стр. 354
الرد على استدلال منكري عذاب القبر بآية سورة الدخان
ٍوقد استدل الخوارج والمعتزلة على إنكارهم لعذاب القبر ونعيمه بثلاثة أدلة: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦] فقالوا: معنى هذا: أنهم إذا كانوا يعذبون في قبورهم فسيذوقون أكثر من موتة.
وهذا مخالف للآية.
والجواب على هذا بسيط وسهل وهو: أن هذه الآية وردت في أهل الجنة، وليس في أهل القبور.
ولهذا فطريقة أهل البدع دائماً هي: أنهم يأتون بالنصوص ويضعونها في غير موضعها ويشبهون على الناس بذلك.
فينبغي على الدعاة إلى الله أن يميزوا ويفصلوا.
стр. 355
الرد على استدلال منكري عذاب القبر بآية سورة فاطر
ومما استدلوا به قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢].
فقالوا: إن الله نفى أن يكون أحد يسمع من في القبور.
ولو كان أهل القبور أحياء ويعذبون وينعمون لسمعوا.
وهذا المعنى باطل؛ لأنه لا يلزم من وجود الحياة وجود السمع.
فبعض الأحيان قد ينام النائم بجانبك وتتكلم أنت مع شخص آخر وهو لا يسمع مع أنه حي قطعاً.
وبعض الأحيان لا يسمع الإنسان لبعد مكانه.
فمثلاً: من يعيش الآن في المغرب الإسلامي لا يسمع كلامنا الذي نتكلمه.
فعدم السماع ليس دليلاً على عدم الحياة.
والله لما خلق الخلق وخلق الحياة الدنيا جعل لها طبيعة خاصة بها، وجعل للبرزخ طبيعة خاصة به، وجعل للحياة الآخرة طبيعة خاصة بها.
وجعل بين هذه الثلاث فروقاً وحواجز.
ومسألة هل الأموات في قبورهم يسمعون أو لا يسمعون مسألة مشهورة عند أهل العلم، اختلف فيها أهل العلم بناءً على الأدلة الواردة فيها.
وقد كان اختلاف السلف رضوان الله عليهم في هذه المسألة اختلافاً بسيطاً لا يترتب عليه ما رتبه عليه أهل البدع، وذلك لوجود أدلة تنفي السماع وأخرى تثبته؛ ولهذا أعدل الأقوال في هذه المسألة هو ألا يقال: إنهم يسمعون مطلقاً، أو لا يسمعون مطلقاً.
وإنما يقال: إنهم يسمعون في ما ورد النص فيه بأنهم يسمعونه، كرد السلام مثلاً، وكأهل قليب بدر لما وقف عليهم النبي ﷺ وقال: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً.
قالوا: يا رسول الله! تكلم جيفاً قد بليت؟ قال: ما أنتم بأسمع لكلامي منهم، لكنهم لا يجيبون).
ووردت أيضاً بعض الأحاديث التي تدل على أن بعض الموتى يسمعون.
ولكن هذا لا يعني أن هذا السماع سماع مطلق.
وهذا هو الصحيح من كلام أهل العلم.
ثم جاء أهل البدع ورتبوا على هذه المسألة أمرين: الأمر الأول: أن بعضهم أنكر عذاب القبر ونعيمه؛ لظنهم بأنهم لا يسمعون.
وليس في هذا أي وجه لنفي عذاب القبر.
وإذا افترض أنهم لا يسمعون فهذا لا يعني أنهم لا يعذبون في قبورهم، فقد يكون بيننا وبينهم حاجز فلا يسمعون، كحاجز البعد مثلاً، وهكذا.
وجاءت طائفة أخرى من أهل البدع أثبتوا أنهم يسمعون ورتبوا على ذلك أنه يستغاث بهم، ويدعون من دون الله، فاصبحوا يقولون: مدد يا فلان، أو يقولون: إن فلاناً يشفع لنا عند الله .
ونحو ذلك من الشركيات.
وليس بين هذا وذاك أي ارتباط.
فإنهم إذا سمعوا في قبورهم فهذا لا يعني بالضرورة أنهم لا بد أن يدعوا ويستغاث بهم!! بل لو كانوا أحياءً في الدنيا لما جاز أن يدعوا فكيف إذا كانوا أمواتاً في القبور؟!! فإذا قيل: إنه في قبره له علاقة بالدار الآخرة، قلنا: وإذا كان له علاقة بالدار الآخرة فلا يلزم من هذا أن يُستغاث به ويطلب منه المدد، ونحو ذلك؛ لأن هذا من الشرك.
следующие страницы →