Полный текст (493 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
حكم الإخبار عن الله بأنه موجود
السؤال
هل كلمة (موجود) تقتضي أن يكون الشيء الموجود في حيز من المكان والزمان، ونحن نعلم يقيناً أن الله قائم بذاته لا يحتاج إلى زمان ولا إلى مكان، فهل يليق بجلاله أن نقول: إن الله موجود، أم أن هناك لفظاً آخر، ويجب أن نستخدم غير هذا اللفظ؟
الجواب
لا شك أن الله هو الأول قبل الزمان والمكان، وهو الآخر ، لكن لا يعني هذا أنه لا يقال: موجود، يمكن أن يخبر عنه بأنه موجود، لكن ليس من أسمائه الموجود؛ لأن أسماءه حسنى، ولفظ الوجود ليس فيه معنى حسن زائد على مجرد وجود الشيء.
стр. 72
تفاضل الصفات ودلالته
السؤال
هل يكون التفضيل في الصفات والآيات من خبر الرسول ﷺ فقط؟
الجواب
صفات الله متفاضلة من حيث معانيها كما سبقت الأدلة على هذا، لكن لا يعني هذا أن الصفة المفضولة نقص، بل هي صفة كمال، وهي حسنى بلغت الغاية في الحسن، لكن تلك الصفة بلغت أعلى منها، فليس في هذا أي نقص لصفات الله .
стр. 73
حكم الخروج من المسجد بعد الأذان
السؤال
ما حكم الخروج من المسجد بعد الأذان؟
الجواب
ورد في خبر عن أبي هريرة ﵁: أنه رأى رجلاً خرج من المسجد، فقال: لقد عصى أبا القاسم.
стр. 74
حكم إثبات الصفات بالعقل
السؤال
هل هناك صفات لله تثبت بالعقل فقط؟
الجواب
لا يمكن أن تكون هناك صفة تثبت في العقل فقط ولم ينص عليها القرآن أبداً، لكن نحن عندما نستدل على بعض الصفات بالعقل هو من باب دلالة القرآن عليها فقط، ولسنا بحاجة إلى أن نستدل على صفات الله بالعقل، وإنما نحن مؤمنون بكلام الله .
стр. 75
حكم تفسير الإله بالحاكم في كلمة التوحيد
السؤال
هل يصح أن تفسر لا إله إلا الله، بأن معناها: لا حاكم إلا الله؟
الجواب
إذا كان يقصد لا حاكم إلا الله، يعني: أن الأمر بيد الله ، وأن الحكم بيد الله فيجوز، فإن الحكم لله ؛ لأن الحكم نوع من أنواع العبادة يجب أن يكون خاصاً لله ، ولهذا أخبر الله أن الحكم له فقط: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]، فدل على أن الحكم من العبادة، فلاحظوا معنى الحكم والعبادة، الحكم نوع من أنواع العبادة، كما أن الذل والخضوع نوع آخر، فالحكم ليس خارجاً عن العبادة.
стр. 76
الجمع بين تفسير الكرسي بأنه موضع القدمين والخبر عن صفة الكرسي بالنسبة إلى العرش
السؤال
أشكل كلامك عن الكرسي، فكيف أجمع بين أنه موضع القدم لله وبين كلام الرسول ﷺ ؟
الجواب
كلام الرسول ﷺ هو: (ما الكرسي -يقارن- في العرش -يعني: في مقابل العرش- إلا كحلقة ألقيت في فلاة)، يعني: الكرسي بالنسبة للعرش مثل الحلقة التي ألقيت في صحراء، ولا يقصد أن الكرسي داخل العرش، فلا يفهم هذا الفهم.
стр. 77
أصل تأويل غير أهل السنة الإله بالمبدع
السؤال
كيف حول غير أهل السنة معنى الإله إلى الإبداع والاختراع، أي: ما هو أصل تأويلهم؟
الجواب
يقولون: إله فعال، وفعال في اللغة العربية تأتي بمعنى فاعل وبمعنى مفعول، وإله إذا جاءت بمعنى مفعول يعني: مألوه، فهم قالوا: إله بمعنى فاعل، يعني: خالق، والحقيقة أن اللغة لا تعضدهم، وكذلك الشريعة.
стр. 78
مصادر أخذ صفات الله
السؤال
كيف يمكن أخذ صفات الله ؟
الجواب
تؤخذ صفات الله أولاً: من أسمائه، وثانياً: من كلام الله ، وكلام الرسول ﷺ الذي فيه بيان لصفاته أو أفعاله، فإن الأفعال جزء من الصفات.
стр. 79
الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية
السؤال
ما الفرق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية؟
الجواب
الصفات الذاتية غير متعلقة بمشيئة الله ، وإنما لم يزل متصفاً بها دائماً، وأما الفعلية، فهي المتعلقة بمشيئة الله ، وقد يعبر عنها العلماء فيقولون: الصفات الذاتية هي التي لا تنفك عن الله ، والصفات الفعلية ما تعلقت بمشيئة الله تعالى.
стр. 80
حكم ترتيب الطلاب في صفوف الصلاة بحسب ترتيب صفوف الدراسة
السؤال
مدرس يقول: بأنهم يرتبون الفصول الدراسية على الصفوف الأولى في الصلاة، فمثلاً الصف الثالث في المقدمة، والصف الثاني يليه وهكذا، يقول: هل في هذا حرج؟
الجواب
إذا كان في هذا ضبط للطلاب فليس فيه حرج، لكن الأفضل هو حث الطلاب على الصف الأول، ثم إذا أردتم إقامة الصلاة ترتبون البقية الباقية غير المنظمة بالطريقة التي ترونها، لكن تربيتهم على الاهتمام بالصف الأول أفضل وأحسن، وأقوم في تربيتهم.
هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 81
العقيدة الواسطية [٤]
أثنى الله تعالى على نفسه في كتابه الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلا, ومن جملة ذلك وصفه تعالى لنفسه في آية سورة الحديد بكونه الأول والآخر والظاهر والباطن, وكل ذلك مما يدل على صفات كماله ونعوت جماله, كما فسره النبي ﷺ وبينه, ومن جملته وصفه تعالى نفسه بصفة العلم الشامل لكل شيء, وما تضمنته هذه الآية العظيمة هو ما يعتقده أهل السنة خلافًا للمنحرفين من الفلاسفة ونحوهم.
стр. 82
ما تضمنه قوله تعالى: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن) من صفات الله
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣].
هذه الآية تشتمل على خمس صفات: الصفة الأولى: الأولية، الصفة الثانية: الآخرية، الصفة الثالثة: الظاهرية، الصفة الرابعة: الباطنية، الصفة الخامسة: العلم.
стр. 83
معنى اسم الله تعالى (الأول) وما يؤخذ منه من الصفات
قوله تعالى: ((هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ))، هذه من أسماء الله ، وأحسن تفسير لها هو ما ثبت عن النبي ﷺ فيما رواه مسلم أنه قال: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء).
فهذا الحديث مفسر للآية، فاسم الله الأول يؤخذ منه صفة الأولية، وقد سبق أن قررنا قاعدة مشهورة عند أهل العلم وهي: أن كل اسم من أسماء الله متضمن لصفة من الصفات.
والدليل هو: قول الله : ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، ووجه الدلالة من هذه الآية على أن كل اسم من أسماء الله مشتمل على صفة: أن الحسنى هي البالغة الغاية في الحسن، ولا يمكن أن تبلغ الغاية في الحسن إلا إذا كان لها معان حسنة ومدلولات عظيمة، فلو كانت أسماء مجردة لا معاني لها، وأعلاماً محضة؛ فإنها لا تكون حسنة ولا توصف بالحسن، فلما وصفت بالحسن علمنا أن هذه الأسماء تتضمن معان وصفات، فإذا جئنا نطبقها على آية الحديد: ((هُوَ الأَوَّلُ)) نأخذ من اسمه الأول صفة الأولية، ومعناه كما فسره الرسول ﷺ في الحديث: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء) ففسره بأنه الذي لا شيء قبله، ومعنى الأول: الذي لا يوجد له بداية يبتدئ منها.
стр. 84
خطأ أهل الكلام في تسمية الله بالقديم
وأهل الكلام جعلوا لله اسماً وهو القديم، وهذا الاسم الذي يرددونه دائماً: القديم والأزلي لا يصح أن يكون اسماً لله ؛ لأن القِدم نوعان: قدم مطلق وقدم نسبي، فالقدم المطلق هو الذي ليس له بداية، وهذا هو معنى الأول، وأما القدم النسبي فإنه الذي مضى عليه زمن طويل في القدم، ولهذا يقول الله : ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩] يعني: من طول المكث وطول الزمان.
وهناك قاعدة ذكرها ابن القيم ﵀ في بدائع الفوائد: أن الصفة التي تنقسم إلى معنيين أحدهما حسن والآخر غير حسن فإنه لا يصح أن تطلق على الله ، ولهذا لا يصح أن يسمى الله بالقديم، وإن كان يصح أن يخبر عنه بالقديم والأزلي، وسبق أن باب أسماء الله وصفاته توقيفي، وأما باب الإخبار عنه فإنه يصح بكل معنى صحيح عن الله ، بشرط أن يكون هذا المعنى قد دلت عليه الأدلة.
إذاً: الأول هو الذي ليس قبله شيء، وليس له بداية .
стр. 85
معنى أسماء الله: الآخر والظاهر والباطن
((وَالآخِرُ)) هو الذي ليس بعده شيء، وليست له نهاية هذا من جهة الزمان.
قوله: (وأنت الظاهر فليس فوقك شيء)، وهذا يدل على صفة العلو، وسيأتي الحديث عن صفة العلو في حديث مستقل.
(وأنت الباطن فليس دونك شيء)، ومعنى الباطن: القريب من كل شيء في علمه وقدرته ، وسيأتي أيضاً الكلام بإذن الله تعالى عن صفة القرب لله .
ونلاحظ أن هذه الأسماء الأربعة زمانية ومكانية، فأما الزمانية فهي: الأول والآخر، وأما المكانية فهي: الظاهر والباطن.
стр. 86
ضلال الفلاسفة ومن وافقهم في قولهم بقدم العالم
لا توجد طائفة من الطوائف تنكر أن الله هو الأول، لكن يوجد من الطوائف من يجعل مع الله من مخلوقاته قريناً له في الأولية، فيشرك في هذه الصفة، وهم الفلاسفة -قبحهم الله- الذين يقولون بقدم العالم، فإنهم يقولون: إن الإله علة موجبة تقتضي معلوله، فلما كان الإله لا أول له ولا بداية، وهو علة موجبة تقتضي معلولها، كان معلولها أيضاً لا بداية له، فاعتقدوا أن هذا الخلق قديم أزلي أول، كما أن الله هو الأول، ويقولون: إنها نتجت عن الله وصدرت عنه صدور المعلول عن علته بدون إرادة، ولهذا كفرهم السلف رضوان الله عليهم.
وممن يقول بهذا القول: ابن سينا -قبحه الله- وهو من الفلاسفة، فإن الفلاسفة ينقسمون إلى قسمين: الفلاسفة اليونانيون، والفلاسفة الإسلاميون، وهم ليسوا بمسلمين، لكن ينسبونهم إلى الإسلام؛ لأنهم ينتسبون إليه.
فالفلاسفة اليونانيون هم أرسطو وأفلاطون وبعضهم من الأطباء مثل أبقراط وجالينوس وغيرهم من الفلاسفة المتقدمين، وقد تكلموا عن شيء سموه الميتافيزيقيا، وهو ما وراء الطبيعة.
والفلاسفة كانوا يتكلمون عن الكون والإله بالظن، وليس عندهم أدلة من الرسل الكرام، ولذا فإن الفلاسفة لم يتبعوا نبياً من الأنبياء، وإنما أرادوا التوصل إلى الإله بمجرد عقولهم، فاخترعوا هذه المقولات التي من ضمنها أن هذا العالم قديم قدم الإله الذي صدر عنه، وهذا كفر بالله رب العالمين؛ لأن الأولية المطلقة هي لله .
ثم إنهم جعلوا في العالم نفس خصائص الإله، وهذا شرك بكل الاعتبارات شرك في الربوبية، وشرك في الألوهية، وشرك في الأسماء والصفات، ولهذا قابلهم المشتغلون بعلم الكلام فقالوا: إن الحوادث لها أول، ويقصدون بالحوادث: المخلوقات التي حدثت بعد أن لم تكن موجودة، فقالوا: إن لها بداية ولها منشأ، وقالوا: إن الله قبل أن يخلق هذه المخلوقات كان معطلاً عن العمل ثم عمل، فجاءوا ببدعة جديدة، وهكذا أهل البدعة يردون البدعة ببدعة مثلها.
لما ظهرت الخوارج وكفروا أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن سار على نهجهم ظهر الإرجاء كرد فعل للخوارج، وهكذا لما ظهرت القدرية الذين يمحون القدر جاءت الجبرية كرد فعل لهم فجعلوا العبد كالريشة في مهب الريح.
ولما ظهرت المعطلة الذين ينفون الصفات ظهر من المثبتة من يشبه الله بخلقه، وهكذا أهل البدع يبنون عقائدهم على ردود الأفعال، ولا يميزون العقائد بالنصوص الشرعية كما هي طريقة أهل السنة والاتباع.
أقول: لما جاء الفلاسفة بهذه المقالة الكفرية، وهي: أن العالم أول مع الله ، وأنه قديم مع الله ؛ ظهر أهل الكلام كرد فعل للفلاسفة، وقالوا: إن الحوادث لها أول، فلما قيل: إذا كانت الحوادث لها أول هل الله كان يعمل قبل هذه الحوادث؟ قالوا: ما كان يعمل قبل هذه الحوادث، وهو معطل عن الفعل والعياذ بالله، وهذا لا شك أنه ضلال وانحراف.
والصحيح: أن الله هو الأول ليس له بداية، وهو فعال لما يريد، فهو ليست له بداية، وهو يخلق في أي وقت، ولم تتعطل صفاته كما يزعم أهل الكلام.
ولا يعني هذا أن العالم قديم؛ لأنه مخلوق، ولا يمكن للمخلوق أن يكون مثل الخالق، وأولئك سووا بين المخلوق والخالق، فلاشك أنهم كفار.
وقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في شرح هذه القضية في منهاج السنة النبوية.
стр. 87
الفرق بين آخرية الله وآخرية الجنة وأهلها
(وهو الآخر فليس بعده شيء)، ومع أن الجنة والنار تبقيان ولا تفنيان، ومع أن العباد في الجنة يبقون ولا يفنون، لكن آخرية الرب تختلف عن آخرية الجنة، وآخرية العباد الذين فيها.
ووجه الاختلاف: أولاً: أن الله هو الآخر، وهو كامل في آخريته، وأما الجنة ومن في الجنة فإن آخريتهم مخلوقة بفعل الله ، وأنتم تعلمون أن هناك فرقاً بين الخالق والمخلوق.
هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: فإن آخريتهم ناقصة بما يتضمنه المخلوق من النقص المعتاد المعروف، فإنه ناقص حتى ولو كان ليس له نهاية كما هو حال الجنة وحال من فيها.
وبهذا يتضح أن الله ليس كمثله شيء، وأنه الأول ولا بداية له، وأنه الآخر ولا نهاية له ، وهذا من كماله ، ومن كمال صفاته.
стр. 88
إثبات صفة العلم وبيان أدلتها وما يتعلق بها
أما قوله: ((وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ))، فهذه هي صفة العلم، وقد ذكر الشيخ مجموعة من الآيات تدل على هذه الصفة، منها قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢]، ومنها: قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ:٢]، ومنها: قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]، وأيضاً قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢].
فهذه الآيات وغيرها الكثير في القرآن الكريم تدل على صفة العلم لله ، والله اسمه العليم، والعالم، والعلام.
والعليم ورد في القرآن أكثر من مائة وخمسين مرة، وأسماؤه: العليم والعالم والعلام تتضمن صفة العلم له .
стр. 89
الأدلة العقلية على إثبات صفة العلم
ويدل على صفة العلم العقل والشرع، وقد بين الشرع كيفية الاستدلال العقلي على هذه الصفة العظيمة، وهي صفة ذاتية عقلية لا تنفك عن الله ، وليست متعلقة بالمشيئة، وعقلية لدلالة العقل عليها، وقد بين الشرع كيفية الاستدلال العقلي عليها.
مثال ذلك: قول الله : ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فهذه الآية تدل دلالة عقلية على أن الله عليم، ووجه الدلالة من هذه الآية هو أن الله خلق الخلق، وهذا أمر متفق عليه، ولا يمكن أبداً أن يخلق الخلق إلا بعلم؛ لأن الخلق تقدير وترتيب للمخلوقات وترتيب لأجزاء المخلوق، ولا يمكن أن يكون هذا إلا عن علم.
ولهذا لو قيل: إن إنساناً صنع سيارة وهو لا يعرفها، أو ليس له علم بها، أو وهو جاهل لا يعرف شيئاً.
لما صُدَّق هذا، فكيف يركب السيارة وينظمها ويجعلها بهذه الطريقة وهو لا يعلم شيئاً؟ فلهذا المخلوقات الموجودة في الكون دليل واضح على علم الله .
ومن جهة أخرى: فإن الخلق لا يكون إلا عن إرادة، والإرادة مستلزمة للعلم؛ لأنه لا يريد الخلق إلا عالم به.
ومن هنا يتضح أن الشرع استعمل أدلة عقلية صحيحة ليس فيها شيء من اللوازم الباطلة، أو العقائد الفاسدة، كما هي أدلة المشتغلين بعلم الكلام؛ فإن المشتغلين بعلم الكلام استدلوا بأدلة غير الأدلة القرآنية، ولهذا لما استدلوا بها ألزمهم الخصوم بلوازم؛ فلما التزموها أضرت بالعقيدة إضراراً كبيراً، وصار منها نفي الصفات الفعلية، وصار منها القول بفناء الجنة والنار.
إذاً: الشرع استخدم الدليل العقلي على هذه الصفة، وهذه الصفة واضحة ليست بحاجة إلى استدلال، فلا يمكن أن يكون إلهاً ورباً وخالقاً ومدبراً إلا وهو عالم.
وقد سبق أن من المناهج الشرعية في الاستدلال العقلي: الاستدلال بنقيض الشيء، ونقيض العلم هو الجهل، ولا يمكن أن يوصف الإله بأنه جاهل، ولهذا لما ناقش بعض العلماء بشر المريسي وقالوا له: هل تثبت العلم؟ قال: أقول لا يجهل.
قالوا له: إما أن تثبت العلم وإما أن تنفيه.
وأهل البدع يعظمون النفي، مع أن المنهج الشرعي الإثبات المفصل لأسماء الله وصفاته، والنفي المجمل المتضمن لكمال الضد.
стр. 90
الأدلة السمعية على إثبات صفة العلم
والأدلة النقلية الشرعية على صفة العلم ثلاثة أنواع: النوع الأول: ما يدل على علم الله الشامل الواسع لكل شيء.
من أمثلة هذا النوع: قول الله : ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه:٩٨]، فهذا يشمل الماضي والمستقبل، ويشمل أفعال العباد ومفعولاتهم، ويشمل جميع المخلوقات، عالم الغيب والشهادة.
وكذلك من الأمثلة: قول الله : ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]، وهذه في الدلالة على العلم أصرح، كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرحه على صحيح البخاري في كتاب التوحيد، وهو آخر كتاب من كتب صحيح البخاري، لما جاء عند هذه الآية: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]، قال: هذه أصرح في الدلالة على علم الله من الآية التي قبلها؛ وذلك لوجود النفي والإثبات فيها، وهو يدل على الاختصاص، كما سبق أن أشرنا أن النفي والإثبات يدل على الاختصاص.
ومما يدل على هذا النوع أيضاً: قول الله : ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]، فعلم الله محيط بكل شيء لا يخفى عليه خافية .
يلاحظ في قول الله : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، أن هذه الأشياء جميعاً من مخلوقات الله، ومن الطبيعي أن الخالق يعلم تفصيلات مخلوقاته.
النوع الثاني: ما يدل على علمه بما سيكون قبل أن يكون.
هناك أدلة تدل على أن الله يعلم الشيء قبل أن يكون، ولهذا من قواعد أهل السنة: أن الله يعلم ما كان وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.
يعني: حتى المستحيل يعلمه الله .
يقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان:٣٤]، وكذلك أفعال العباد، ومن منهم يدخل الجنة، ومن منهم يدخل النار، وجميع ذلك في علم الله .
جاء في صحيح البخاري ومسلم عن عمران بن حصين ﵁: (أن رجلاً قال للنبي ﷺ : يا رسول الله! الله يعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم.
قال: ففيم يعمل العاملون؟ فقال رسول الله ﷺ : كل ميسر لما خلق له).
وهذا من الأمور المستقبلية، وهو يعلم أفعال العباد على التفصيل ، وهذه من الأمور المستقبلية.
النوع الثالث: ما يدل على علمه بالشيء بعد وجوده.
مثال ذلك: قول الله : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]، وهذا يدل على أن الله يعلم الشيء بعد وجوده بعلم ثان غير العلم الأول.
стр. 91
الفرق بين علم الله بالأشياء قبل وجودها وعلمه بها بعد وجودها
علم الله للأشياء يكون قبل وجودها وبعد وجودها؛ فهل علمه بالأشياء بعد وجودها هو نفسه علمه بالأشياء قبل وجودها، أم أنهما علمان اثنان؟ الحق في هذه المسألة هو: أن الله يعلم الشيء قبل وقوعه، وهو يعلمه على حقيقته تماماً، فإذا وقع علمه بعلم ثان؛ لأنه رآه أو سمعه كما قال: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]، فالله يعلم الشيء قبل أن يكون، ثم يعلمه بعد ذلك بعلم ثان، ويمكن أن نذكر عبارة لـ شيخ الإسلام ﵀ في كتابه الرد على المنطقيين، يقول رحمه الله تعالى: [وقد ذكر الله علمه بما سيكون بعد أن يكون في بضعة عشر موضعاً في القرآن، مع إخباره في مواضع أكثر من ذلك أنه يعلم ما يكون قبل أن يكون، وقد أخبر في القرآن من المستقبلات التي لم تكن بعد ما شاء الله، بل أخبر بذلك نبيه ﷺ وغير نبيه ﴿لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، بل هو سبحانه يعلم ما كان وما يكون، وما لو كان كيف يكون، كقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]، فهم لم يردوا، ومع هذا علم أنهم لو ردوا لعادوا.
بل وقد يعلم بعض عباده بما شاء أن يعلمه من هذا وهذا وهذا ﴿لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة:١٤٣]، وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]، وقال: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران:١٤٠] مع أنه يعرفهم قبل حدوث المعركة، ولكن قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران:١٤٠] يعني وجود الفعل بعد ذلك.
وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٦] مع أنه يعلم المؤمنين قبل التقاء الجمعين ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران:١٦٧] مع أنه يعلمهم قبل التقاء الجمعين، وقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة:١٦]، وقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف:١٢]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣] مع أنه يعلم الصادقين من الكاذبين قبل هذه الفتنة التي قال تعالى عنها: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٣] إلى قوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:١١]، وقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١] هو يعلم المجاهدين والصابرين قبل الابتلاء، ومع ذلك قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]، وغير ذلك من المواضع.
وروي عن ابن عباس في قوله: إلا لنعلم.
أي: لنرى، وروي: لنميز، وهكذا قال عامة المفسرين: إلا لنرى ونميز، وكذلك قال جماعة من أهل العلم قالوا: لنعلمه موجوداً واقعاً بعد أن كان قد علم أنه سيكون].
وهذا يوضح هذه القضية: أن علم الله بالشيء قبل أن يكون وهو معدوم، غير علمه بالشيء بعد أن يكون وهو موجود.
ولهذا يقول: وكذلك قال جماعة من أهل العلم: لنعلمه موجوداً واقعاً بعد أن كان قد علم أنه سيكون.
ولفظ بعضهم قال: العلم على منزلتين: علم بالشيء قبل وجوده، وعلم به بعد وجوده، والحكم للعلم به بعد وجوده؛ لأنه يوجب الثواب والعقاب.
فمثلاً: يعلم الله أن فلان بن فلان سيعصي الله ، ثم يموت على معصية الله، ثم يدخله النار، هذا العلم قبل أن يوجد، فإذا وجد العبد، وفعل الفعل، ومات عليه؛ علمه أيضاً بعد وجوده، فالعلم الأول قبل وجوده والعلم الثاني بعد وجوده، والثواب والعقاب يترتب على الشيء بعد الوجود وليس قبل الوج
стр. 92
شمولية علم الله تعالى
علم الله شامل وعام للأشياء جميعاً، فهو يعلم كل شيء بما في ذلك أفعال العباد، ولهذا كان الإيمان بالعلم من مراتب القدر، فإن للقدر أربع مراتب: الأولى: إثبات علم الله الشامل بكل شيء، ومن ذلك أفعال العباد.
المرتبة الثانية: كتابة ذلك في اللوح المحفوظ.
الثالثة: مشيئة الله وإرادته العامة.
الرابعة: الخلق العام لكل شيء بما في ذلك أفعال العباد، فعلمه شامل لكل شيء.
هذا من مراتب الإيمان بالقدر؛ لأن من الضالين في باب العلم القدرية الذين نفوا علم الله بالأشياء.
ولهذا يقول الشافعي ﵀ وغير واحد من السلف: ناظروا القدرية بالعلم؛ فإن أجابوا -يعني: أقروا بالعلم- خصموا، وإن أنكروا كفروا.
إن أجابوا وقالوا: نعم، الله عالم بكل شيء قبل أن يكون خصموا؛ لأنه مادام أنه عالم بكل شيء، فقد كتب هذا العلم، وليس في الكتابة زيادة، إنما هي مقتضى علمه ، وهو خلق ما علم ، ولم يجبر أحداً على ذلك، فقالوا: خاصموهم بالعلم فإن أجابوا خصموا، وإن أنكروا كفروا.
فعلم الله إذاً شامل لكل شيء بما في ذلك أفعال العباد، فالله يعلم قبل أن يوجد أي شيء من مخلوقاته؛ فإنه لا يغيب عنه شيء، ويعلم كل شيء مهما دق وصغر، أو مهما عظم وكبر، أو مهما خفي؛ فالله علمه واسع لكل شيء، بكل ما لكلمة (كل) من أفراد، فليس هناك شيء لا يعلمه الله أبداً، فهو يعلمه قبل أن يوجده ، فلما أوجده علمه أيضاً، بمعنى: أوجده وقد علمه بهذا الوجود.
стр. 93
الطوائف المنحرفة في صفة العلم
وهناك طائفة من الطوائف منحرفة في هذا الباب، مع أن صفة علم الله من أوضح الصفات الشرعية التي أخبر عنها القرآن الكريم ومنهم الفلاسفة، مثل: ابن سينا الذي يقول: إن الله لا يعلم الجزئيات وإنما يعلم الكليات، فهو يعلم أن هناك إنساناً، لكن أفراد الإنسان فلان وفلان وفلان وفلان لا يعرفها، ويعلم أن هناك حيواناً، لكن أفرادها وأنواعها لا يعرفها.
ويقولون: يعلم أن هناك مخلوقات لكن أفراد المخلوقات لا يعرفها، ويقولون: يعرف الأشياء الكلية العامة لكن الأفراد والجزئيات لا يعلمها، وقد كفرهم العلماء بذلك.
وكفرهم أبو حامد الغزالي في كتاب تهافت الفلاسفة بثلاثة أشياء: أولاً: بهذه المقالة التي سبقت، وهي: إنكار علم الله بالجزئيات، فقالوا: إن الله لا يعلم الجزئيات، وإنما يعلم الكليات، فهم كفار بهذا السبب.
ثانياً: إنكار المعاد الجسماني، فهم يقولون: إن الناس لا يبعثون يوم القيامة بأجسامهم، وإنما يكون العذاب على أرواحهم فقط، وينكرون أن الجسد إذا تحلل يعود مرة أخرى، فهم مثل كفار قريش.
ثالثاً: قولهم إن النبوة تكتسب، يعني: يمكن للإنسان أن يكتسبها بالتمرين والرياضة الروحية، فيعتقدون أن الشخص لو روض نفسه على عزائم الأمور، ومعالي الأشياء لأمكنه أن يصير نبياً، وأن النبوة مثل الأخلاق التي عند الناس، عندما يدرب نفسه على الصدق وكظم الغيظ أو نحو ذلك.
هذا لا شك أنه كفر مخرج عن الملة.
ورد على الغزالي أحد الفلاسفة وهو ابن رشد في كتاب سماه تهافت التهافت، وكلام ابن رشد في تهافت التهافت باطل.
الطائفة الثانية المنحرفة في علم الله : الرافضة: فإن الرافضة من أعجب الطوائف، فعندهم غرائب؛ فمن ذلك: أن الشيعة الرافضة يعتقدون أن أسماء الله وصفاته هي أئمتهم، فمثلاً: يروي الكليني في أصول الكافي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: أنا الأول والآخر والظاهر والباطن، وأنا وجه الله، وعلم الله وإرادة الله.
وهم يكذبون في هذا على علي بن أبي طالب.
وكذلك يروون عن أبي عبد الله جعفر الصادق -وهم يكذبون عليه أيضاً- بعض هذا، وهذه من غرائب البدع أنهم يعتبرون صفات الله هي أئمتهم، وهذا موجود في أصول الكافي وبحار الأنوار للمجلسي.
وأنتم تعلمون أن الرافضة من أضل الطوائف عن سواء السبيل.
الطائفة الثالثة: القدرية الأوائل فهم ينكرون علم الله بأفعال العباد، ويقولون: إن الله لا يعلم أفعال العباد قبل أن يفعلوها، فإذا فعلوها علمها، أما قبل أن يفعلوها فهو لا يعلمها، ولا يدري ماذا سيعملون.
ومن هؤلاء: معبد الجهني، فقد جاء في قصة حديث جبريل الطويل: أن يحيى بن يعمر انطلق هو وحميد بن عبد الرحمن حاجين إلى مكة فقالا: لعلنا نلقى بعض أصحاب النبي ﷺ فنسأله عن هؤلاء -يعني: عن القدرية الذين ظهروا في البصرة- فلقوا عبد الله بن عمر فاكتنفاه، فسأل يحيى بن يعمر وقال: إنه ظهر عندنا قوم ينتسبون إلى العلم، ويقولون إن الأمر أنف -يعني: أفعال العباد التي يترتب عليها الثواب والعقاب مستأنفة لا يعلمها الله فغضب عبد الله بن عمر وقال: أخبروا من لقيتموه بأنني منهم بريء وأنهم مني برآء حتى يؤمنوا بالقدر، فإن أحدهم لو أنفق مثل أحد ذهباً لا يقبله الله منه حتى يؤمن بالقدر.
ثم ذكر لهم حديث جبريل عندما جاء إلى النبي ﷺ وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان وأشراط الساعة.
وهذا يدل على تكفير ابن عمر ﵁ لهؤلاء القدرية الغلاة، وهكذا كفرهم الأئمة كـ الشافعي وأحمد وغيرهم من العلماء.
وهذه الطائفة انقرضت كما صرح بذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري؛ فإنه عند شرحه لحديث جبريل عندما ذكر القدر، وذكر الطائفة التي أنكرت علم الله ، نص على أنها انقرضت وانتهت قبل زمن الحافظ رحمه الله تعالى، ولم يبق من القدرية إلا المعتزلة الذين سيأتي الحديث عنهم عند حديثنا عن القدر.
الطائفة الرابعة: المعتزلة: فإن المعتزلة لا يثبتون صفة العلم، بل يقولون: إن الله عالم، فإذا قيل لهم: عالم بعلم؟ قالوا: لا عالم بلا علم، أو يقولون: عالم بعلم هو ذاته.
وهذا هو أصلهم في نفي صفات الله جميعاً، وإثباتهم لأسماء الله على أنها أعلاماً محضة لا صفات فيها.
الطائفة الخامسة والسادسة: الأشاعرة والماتريدية، مع أن هذه الصفة في الظاهر مما يثبتها الأشاعرة، فهم يدندنون على أنهم يثبتون سبع صفات يسمونها صفات المعاني، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر.
وعند التحقيق فهم لا يثبتون إلا أسماء هذه الصفات، وأما حقائقها ومفهومه
стр. 94
الآثار التربوية والسلوكية لأسماء الله وصفاته
لكل صفة من صفات الله آثار تربوية وسلوكية على أخلاق الإنسان وآدابه، ويستطيع الإنسان أن يربي نفسه من خلال هذه الصفة.
فمثلاً عندما يؤمن الإنسان بأن الله عليم، وعندما يتمكن هذا الإيمان من قلبه؛ فإنه سيورث في قلبه مقام المراقبة، وهو مقام عظيم جداً من مقامات الإيمان، فإذا علم العبد أن الله يعلم أفعاله، وأنه عليم بذات الصدور، وأنه يعلم السر وأخفى، وأنه يعلم كل شيء؛ فإنه يعلم أنه مهما استتر بمعصيته فإن الله يراه، ومطلع عليه.
والواجب أن يستحي الإنسان من ربه، فالله عظيم وكبير ، ولو أراد أن يذهب العباد بكلمة واحدة لأذهبهم جميعاً.
ولهذا ينبغي على الإنسان أن يأخذ من صفات الله آثاراً تربوية يستفيد منها لنفسه وفي أخلاقه وآدابه.
وقد سبق أن منهج دراسة العقيدة على نوعين: الأول: منهج تصحيح الاعتقاد، وهو تصفيته من شوائب البدع وشوائب الانحرافات الفكرية، والإيمان بالله تعالى كما آمن به رسول الله ﷺ وأصحابه.
والثاني: منهج تعميق العقيدة في النفوس، وذلك بالاستفادة من موضوعات العقائد في الأخلاق والآداب والصفات والدعوة إلى الله ونحو ذلك.
فمن فوائد الإيمان بأن الله عليم: أن يعلم الإنسان أن الله مطلع على فعل الفساق والفجار والكفار، وما يقومون به من إيذاء للمؤمنين، ويعلم العبد أن الله مطلع عليه، وأنه غير مهمل له، وأنه يراه، وأنه يرى فعله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومجاهدة مثل هؤلاء، والدعوة إلى الله ؛ فإيمانه بهذه الصفة يبعثه على النشاط في الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعبادة لله ، ولهذا فإن للإيمان بصفات الله آثار عظيمة جداً في النفوس.
وقد سبق أن أشرت إلى قصة لقيط بن صبرة لما جاء إلى النبي ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : (يضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره.
فقال لقيط: يا رسول الله! أو يضحك الرب؟ -ما كان يعلم أنه يضحك- قال: نعم.
قال: لن نعدم من رب يضحك خيراً)، يعني: الخير لن نعدمه من الرب الذي يضحك، وسيرحمنا وسيعطينا الخير.
هذا مسلك تربوي أخلاقي من هذه الصفة العظيمة وهي صفة الضحك.
أسأل الله أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح.
стр. 95
الأسئلة
стр. 96
الفرق بين علم الله قبل وقوع الشيء وبعد وقوعه
السؤال
ما الفرق بين علم الله قبل وقوع الشيء وبعد وقوعه؟
الجواب
معناهما وموضوعهما واحد، ولكن العلم بالشيء قبل وقوعه يعني أنه يعلمه وهو معدوم، وعلمه بالشيء بعد وقوعه يعني أنه يعلمه وهو موجود، وهناك فرق بين المعدوم والموجود، وبالتالي يكون هناك فرق بين علمه بالشيء وهو معدوم وبين علمه بالشيء وهو موجود، هذا هو الفرق.
أما الغيب والشهادة فهما مصطلح شرعي يراد به الغيب عن العباد، ويقسمونه إلى غيب مطلق وغيب نسبي، فالغيب الشرعي بالنسبة لله شهادة، فلا يصح استخدام مثل هذا المصطلح، لكن يقال: علمه بالشيء قبل وقوعه وعلمه بالشيء بعد وقوعه.
وسبق ذكر الأدلة من كتاب الرد على المنطقيين.
وبعض الأحيان لا يكون هناك ثواب وعقاب متعلق بأفعال العباد، مثلاً: زلزال سيحصل لأمة من الأمم، قبل الزلزال يعلم الله أنه سيحصل، وبعد أن يحصل يعلم أنه حصل.
هذا هو الفرق.
والحاجة التي دعت للكلام في هذا الموضوع هو ورود بعض الآيات التي استدل بها الفلاسفة استدلالاً باطلاً ووجهها الأشاعرة توجيهاً باطلاً، فاحتجنا للحديث عنها فقط، وإلا فإن المسألة واضحة أن علم الله شامل للشيء قبل وقوعه وبعد وقوعه، لكن احتجنا لهذا التمييز وهذا التفريق لوجود منحرفين فيه، وإلا فمن المعلوم عندنا جميعاً أن علم الله شامل للأشياء قبل أن توجد وبعد أن توجد، والأشياء التي لم توجد لو جدت كيف يكون حالها، مثل قول الله : ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ [الأنعام:٢٨]، لن يردوا أصلاً، لكن لو ردوا لعادوا، فالمفترض يعلمه الله .
ونحن أشرنا لهذه المسألة لوجود من وجَّه هذه المسائل توجيهاً باطلاً، مثل الأشاعرة الذين يقولون: إن علم الله واحد قديم ليس له تعلق بالمخلوقات، وإن كانت المخلوقات تتغير في ذاتها، فالتغير يكون في المخلوقات ولا تعلق لها بعلم الله ، وأصله ناشئ عن شبهة عقلية انحرفوا بها في أكثر من صفة وليس في مجرد صفة علم الله ، فهم انحرفوا في جميع الصفات الفعلية.
стр. 97
الفرق بين القديم والأزلي
السؤال
ما الفرق بين قولنا قديم وأزلي؟
الجواب
متقاربان في المعنى.
стр. 98
معنى دلالة الاسم على معناه بالمطابقة وعلى الذات بالتضمن وعلى الصفة الأخرى بالالتزام
السؤال
ما معنى قول العلماء: للاسم من أسمائه تعالى ثلاث دلالات: دلالة بالمطابقة، ودلالة على الذات بالتضمن، وعلى الصفة الأخرى بالالتزام، مع المثال؟
الجواب
نأخذ المثال في اسم الله العليم؛ فإن العليم يدل على اسمه العليم، وهذه هي دلالة المطابقة، ويدل على ذاته الموصوفة بالعلم بدلالة التضمن، وهو فرد من أفراد المطابقة، وعلى الصفة الأخرى وهي الحياة بالالتزام، فإنه لا يمكن أن يكون عليماً وهو غير حي، والالتزام خارج المسألة نفسها، لكن يلزم منها عندما أثبتنا أنه عليم أنه حي؛ لأنه لا يمكن أن يكون العليم غير حي.
стр. 99
وجه الفرق بين آخرية الله تعالى وآخرية الجنة
السؤال
هل يعني قولك: إن آخرية الجنة ليست كآخرية الله أن الجنة لها آخرية ثم تنتهي؟
الجواب
لا، فهي لا تنتهي، لكن قد يقول قائل: ما هو الفرق إذا كانت آخرية الجنة لا تنتهي، والله ليس له نهاية، فما هو الفرق؟ الفرق أن هذا خالق وهذا مخلوق، والفرق بين الخالق والمخلوق واضح، الخالق بصفاته الكاملة التامة، والمخلوق بصفات العجز والنقص الموجودة فيه.
стр. 100
شروح العقيدة الواسطية
السؤال
يريد الأخ أن أدله على كتاب في شرح العقيدة الواسطية؟
الجواب
هناك كتب كثيرة منها كتاب الشيخ محمد بن عثيمين ﵀، وهناك أيضاً كتاب للشيخ صالح الفوزان شرح فيه العقيدة الواسطية، وكتاب للشيخ زيد بن فياض اسمه الروضة الندية، وأيضاً كتب أخرى سبق أن أشرت إليها.
стр. 101
وجوب العمل على العبد مع سبق كتابة السعادة والشقاوة
السؤال
الإنسان إن كان قد قدر الله عز جل وكتب له أنه في الجنة أو في النار فلماذا العمل؟
الجواب
كما قال النبي ﷺ : (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، لكن أنت الآن ما تعلم ماذا كتب لك، لعله كتب لك أن تكون سعيداً، فلماذا لا تعمل بالسعادة؟ اعمل بالسعادة، بعض الناس الذين يتركون العمل بالشرع ويحتجون بالقدر، يقول لك: احتمال أني مكتوب شقي، وكيف تعلم؟ كيف علمت ذلك؟ قال: لأني أنا الآن أمارس المحرمات.
هل أنت تمارسها عن رغبة، أم مجبور عليها؟ يعني: هل تتصورون أحداً لا يريد المعصية وتأتيه الملائكة وتجره إليها جراً؟! فهو مختار.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
стр. 102
العقيدة الواسطية [٥]
من صفات الله تعالى العظيمة صفة الحكم الثابتة في كثير من نصوص الكتاب والسنة بمعنييها الكوني والشرعي, المتضمنة توحيد الله تعالى في الأحكام وإبطال حاكمية غيره, ويتصل بهذه الصفة صفة أخرى عظيمة هي صفة الحكمة في الخلق والإيجاد والتشريع, ودلائلها لا تحصى كثرة في آيات الله تعالى الكونية ونصوص الوحي, كما أن من صفاته تعالى صفتي السمع والبصر, اللتين دلت عليهما نصوص متواترة متوافرة.
стр. 103
آيات في إثبات صفات الله تعالى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين.
أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى في ضمن سياقه للآيات: [وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢]، وقوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨]].
ثم ساق جملة من الآيات في صفة العلم، ثم قال: [وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨]].
стр. 104
إثبات صفتي الحكمة والحكم
هذه الأدلة التي ساقها الشيخ يؤخذ منها مجموعة من الصفات، أولاً: صفة الحكمة والحكم، فقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢] الحكيم اسم من أسماء الله تعالى، وهو يتضمن ثلاث صفات: الصفة الأولى: أنه الحاكم، وفعيل بلغة العرب تأتي بمعنى فاعل.
والصفة الثانية: أنه المحكم لكل شيء، وأيضاً من المعروف أن فعيل في لغة العرب تأتي بمعنى مفعل.
والصفة الثالثة: الحكمة، وهذا مأخوذ من اسمه الحكيم، وقد سبق أن الأسماء يؤخذ منها صفات لله .
ويمكن أن نتحدث عن صفتين منها، الأولى: صفة الحكم، والصفة الثانية: صفة الحكمة، وأما صفة الإحكام فقد أشرنا إلى شيء منها عند حديثنا عن صفة العلم، وسيأتي مزيد الحديث عنها بإذن الله تعالى عند الحديث عن صفة الخلق لله .
стр. 105
أدلة صفة الحكم لله تعالى وأقسامها
فأما صفة الحكم لله فقد دلت عليها أدلة كثيرة، يقول الله : ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام:١١٤]، ويقول الله : ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف:٨٧].
والحكم ينقسم إلى قسمين: وكذلك الحال في الإرادة والقضاء والأمر، جميع هذه المصطلحات الشرعية تنقسم إلى قسمين.
فالحكم ينقسم إلى قسمين: حكم شرعي، وحكم كوني، ولهذا عندما يتحدث علماء أصول الفقه عن الأحكام الشرعية يقسمونها إلى قسمين: أحكام تكليفية، وأحكام وضعية، الأحكام الشرعية تأتي من الله ، وهو الذي يشرع للناس الأحكام، ولا يمكن أن يشرع الله شيئاً للناس إلا وفيه مصلحة وخير عظيم لهم.
ويمثل هذا النوع -الحكم الشرعي- قول الله : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠] فالحكم هنا هو شرع الله ودينه، وما أمر الله به من الأوامر الشرعية، وهذه الأوامر متعلقة بحياة الإنسان العملية، والاعتقادية، والسياسية، والمالية، وبالعلاقات الشخصية، كما قال الله : ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، ويقول الله في سورة الممتحنة بعد أن ذكر جملة من الأحكام، قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة:١٠].
فهذا هو القسم الأول من الحكم وهو الحكم الشرعي، والحكم الشرعي هنا موافق لما يحبه الله ويرضاه، والعباد قد يفعلون ما أمر الله به وقد لا يفعلون، وهذا سيأتي الحديث عنه -إن شاء الله- مفصلاً في الكلام على القضاء والقدر.
أما النوع الثاني من الحكم فهو: الحكم الكوني، يقول الله عن أحد إخوة يوسف أنه قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف:٨٠]، ويقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١].
وهذا الحكم هنا موافق لصفة الخلق والإبداع ونحو ذلك.
стр. 106
آثار الإيمان بصفة الحكم لله تعالى
ولهذه الصفة -وهي أن الله هو الحكم، وأنه يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، وأن الحكم لله لها آثار عظيمة جداً متعلقة بالعبادة: فمن ذلك: أن الحكم لله وحده لا شريك له، فلا يجوز للإنسان أن يشرك مع الله حكماً آخر، ولهذا يقول الله : ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦]، الله له الحكم، وهو الذي يشرع للناس، فلا يصح أن يشرك أحد مع الله شريكاً في حكمه، والآية السابقة التي ذكرناها وهي قول الله : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠] تدل على هذا المعنى، فإن العبادة حق خالص لله ، فقد جاء في حديث معاذ بن جبل ﵁ عندما كان رديفاً للنبي ﷺ على حمار، أن رسول الله ﷺ : (أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم.
قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً).
إذاً: إخلاص العبادة حق لله ، والحكم من العبادات، كما يدل على ذلك قول الله : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]، فهذا دليل على أن الحكم من هذه العبادات التي أمر الله أن لا يشرك فيه معه أحد غيره.
فالذين يظنون أن السياسة لا علاقة لها بالدين ظنهم باطل، فإن السياسة الشرعية نوع من أنواع العبادة لله ، وأما السياسة الباطلة فتارة تكون شركية، وتارة تكون معصية وفسوقاً، وتارة تكون بدعة إذا كانت مخالفة لشرع الله ، وكل بحسب ما يعمل الإنسان.
ولهذا كان الدين جزءاً من أجزاء السياسة، وهي داخلة في عموم قول الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
فالذين يظنون من الدعاة إلى الله أنه لا علاقة للدعوة بالسياسة، أو لا علاقة للدين بالسياسة فهؤلاء يظنون خطئاً، وأخطئوا خطئاً كبيراً جداً في فهمهم لحقيقة الدين، فإن الدين شامل لحياة الإنسان كلها، شامل لأمواله، لعلاقاته، لسياساته، لأموره العامة والخاصة، ولكل أوضاعه، وهذا هو معنى قول الله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] على أحد التفسيرين في الآية، وقد علم رسول الله ﷺ الأمة كل شيء حتى الخراءة، عندما يذهب الإنسان إلى الخلاء علمه ﷺ ماذا يعمل؟ وكيف يفعل؟ وماذا يقول؟ ماذا يقول عند نومه؟ وماذا يقول إذا استيقظ؟ وعلم الإنسان كيف ينظف فاه بالسواك عندما يأتي إلى الصلاة، وشدد في ذلك ﷺ حتى أنه قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).
هل تظنون أن النبي ﷺ علَّم الناس هذا الأمر وترك أمورهم العامة، وما معنى الغزوات إذاً التي فعلها رسول الله ﷺ ؟ وما معنى الجهاد في سبيل الله الذي شرعه الله وحث عليه؟ وما معنى البراءة من المشركين ومعاداتهم؟ وما معنى أحكام الجزية واسترقاق الأسرى؟ ما معنى هذه الأحكام الشرعية الواضحة لو كان هذا الجانب ليس من دين الله ، لاشك أن أي إنسان يعرف أحكام الله ، وأن الله أمر بالحكم بالشريعة، وأمر بالجهاد في سبيل الله، وأمر بالإغلاظ على المشركين وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣]، أي إنسان يدرك هذه الأشياء جميعاً يعلم أن الله ما أهمل السياسة، وإنما بين فيها الأحكام، وبين فيها رسول الله ﷺ الأحكام من قوله وفعله، وأمر الله أن يكون الحكم له وحده لا شريك له.
ومن أشمل ما صدر في هذا الموضوع كتاب الدكتور عبد الرحمن المحمود: الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه، وهو من أنفع الكتب وأنفسها وأجودها في جمع مسائل هذا الباب، وفي ترتيبها، وفي صحة الرأي فيها.
ويقول الله : ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]، والحصر يدل على الاختصاص، ويقول الله : ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢]، ويقول الله : ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، ولهذا حكم الله يجب اتباعه في كل شيء، سواء في أمور العقائد أو الأعمال العامة أو الخاصة، لابد أن يتبع الإنسان حكم الله .
стр. 107
إثبات صفة الحكمة لله تعالى
الصفة الثانية المتعلقة باسم الله الحكيم: صفة الحكمة، والحكمة صفة من صفات الله ، فالله ما شرع أمراً من الأوامر، وما خلق شيئاً من المخلوقات إلا لحكمة عظيمة وغاية حميدة، وهذه الحكمة التي خلق الله لها الخلق مأخوذة من كثير من النصوص الشرعية، وكذلك يدل عليها اسم الله: الحكيم.
وقد صنف العلماء في هذا الباب مصنفات، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية له كتاب يسمى: (أقوم ما قيل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل)، وهو موجود ضمن مجموع الفتاوى في المجلد الثامن، وكذلك موجود ضمن مجموعة الرسائل والمسائل التي حققها الشيخ محمد رشيد رضا في مجلدين.
وممن ألف في هذا الباب أيضاً: ابن القيم ﵀ فله كتاب اسمه: (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل).
وممن ألف أيضاً: الشيخ محمد بن ربيع المدخلي له كتاب اسمه: (الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى).
وهناك رسائل كثيرة متعلقة بهذا الباب، لكن هذه من أبرز هذه الرسائل.
стр. 108
أدلة وصيغ إثبات صفة الحكمة في نصوص القرآن الكريم
أفرد ابن القيم ﵀ في كتابه (شفاء العليل) فصلاً طويلاً في الاستدلال على حكمة الله ، وهو الفصل الثاني والعشرون، وقد ظن بعض المحققين أن ابن القيم ﵀ نسي هذا الفضل؛ لأنه في مقدمة شفاء العليل بين الأبواب التي سيتحدث عنها فذكر الباب الثاني والعشرين، وأنه تحدث فيه عن حكمة الرب وأدلة إثباتها، لكنه حصل خلط في بعض النسخ، وأضيف هذا الباب إلى الباب الذي قبله، فظنوا أنه نسيه رحمه الله تعالى وهو لم ينسه، وإنما حصل الخطأ في بعض النسخ الخطية.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: الباب الثاني والعشرون في إثبات حكمة الرب تعالى في خلقه وأمره، وذكر الغايات المطلوبة له بذلك، والعواقب الحميدة التي يفعل لأجلها ويأمر لأجلها.
ثم ذكر الأدلة التي تدل على حكمة الله ، وميزة هذا الفصل: أنه وزع هذه الأدلة التي حصرها وجعلها على شكل أنواع، في كل نوع من الأنواع مجموعة من الأدلة.
فمثلاً يقول: النوع الأول: التصريح بلفظ الحكمة وما تصرف منها، كقوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [القمر:٥]، وكقوله: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء:١١٣]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة:٢٦٩].
النوع الثاني: إخباره أنه فعل كذا لكذا، يعني: الإتيان بلام التعليل، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة:٩٧]، وموطن الشاهد قوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا﴾ [المائدة:٩٧].
وقوله أيضاً: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢].
ومن ذلك أيضاً: قول الله : ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٩] إلى آخر الآيات التي ذكرها.
وفرق أيضاً في هذا النوع بين لام التعليل ولام العاقبة، فإن لام التعليل هو فعل الشيء لعلة معينة، لكن لام العاقبة، مثل قول الله : ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:٨] يعني: آل فرعون ما التقطوه من أجل أن يكون لهم عدواً وحزناً، لكن المقصود باللام هنا العاقبة، وبين ذلك، قال: فإن ما بعد اللام في هذا ليس هو الغاية المطلوبة، ولكن لما كان الفعل منتهياً إليه، وكانت عاقبة الفعل، دخلت عليه لام التعليل، وهي في الحقيقة لام العاقبة.
ثم ذكر أنواعاً أخرى قال: النوع السادس: ذكر ما هو من صرائح التعليل وهو من (أجل)، كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ [المائدة:٣٢] وهذا صريح في أن الله فعل هذا الفعل من أجل ذلك.
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢].
قال: النوع الثاني: ذكر الحكم الكوني أو الشرعي عقيب الوصف المناسب له، فتارة يذكر (بأن)، وتارة يقرن (بالفاء)، وتارة يذكر مجرداً، فالأول كقوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩ - ٩٠]، وهكذا ذكر مجموعة كثيرة.
النوع العاشر: إخباره عن الحكم والغايات التي جعلها في خلقه وأمره؛ كقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢]، وذكر مجموعة كثيرة من الأنواع التي فيها إثبات حكمة الله ، وأن الله يخلق الشيء لحكمة.
стр. 109
دلالة العقل والقياس على حكمة الله تعالى في الخلق والتشريع
ثم إن خلق الله للشيء لحكمة لا شك أنه يدل عليه العقل أيضاً، فإنه لا يمكن أبداً أن يخلق الله الخلق بدون أن يكون لهذا الخلق حكمة وغاية حميدة؛ فإن الإنسان العاقل عندما يفعل الفعل يسأل: لماذا فعلت هذا الفعل؟ فإذا فعله لحكمة مُدِح، وإذا فعله لغير حكمة ذم، فإذا كان هذا في المخلوق وهو مخلوق، فالخالق أولى بذلك وأعظم، كما هو معلوم من قياس الأولى.
إذاً: حكمة الله ثابتة ولا شك فيها من ناحية العقل والشرع، والأدلة القرآنية مليئة بذلك، ولهذا كان من الأدلة الشرعية الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فالقياس دليل من الأدلة الشرعية وهو دليل معتبر، والقياس المراد به هو قياس الفرع الذي يراد أن يحكم فيه على أصل محكوم فيه سابقاً؛ لوجود علة بينهما، وهذه العلة صحيحة وواضحة، والقياس دليل من الأدلة الشرعية اتفق عليه أهل العلم جميعاً، ولم يخالف فيه إلا الظاهرية، واعتبرت مخالفة الظاهرية في القياس من البدع التي عندهم، ومنها أيضاً: إنكار مفهوم المخالفة والموافقة.
ابن حزم مثلاً يرى: أن الله عندما قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] إلى قوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣].
فهو هنا نهي عن التأفف، ومفهوم الموافقة: النهي عن الضرب؛ لأنه أعظم وأشد، فيقول ابن حزم ﵀: لا يمكن أخذ النهي عن الضرب من هذه الآية؛ لأن هذه الآية غاية ما فيها النهي عن التأفف، ولاشك أن هذا خطأ كبير في فهم النصوص، ولهذا نص شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على أن هذه من بدع الظاهرية.
إذاً: القياس دليل مبني على العلة، وهذا دليل على أن الله يشرع أحكامه لحكم وعلل حميدة ومفيدة، ولهذا فإن الذين أنكروا الحكمة والتعليل تورطوا في فهم للقياس، وكما أنهم يتحدثون في علم الكلام كذلك منهم يتحدثون هنا في أصول الفقه.
стр. 110
بيان ما تتضمنه الحكمة المثبتة عند أهل السنة
ومعنى حكمة الله وحقيقتها أنها تتضمن معنيين: المعنى الأول: حكمة تعود على الرب يحبها ويرضاها.
والثاني: حكمة تعود على العبد فيها منفعة له ونعمة يفرح بها، ويتلذذ بها، وينشرح صدره لها.
هذه هي الحكمة التي يثبتها أهل السنة، فالله عندما خلق الخلق وشرع الشرائع والأوامر فإنه خلقهم لحكمة، وقبل أن يخلقهم علم هذه الحكمة، وخلق الخلق لها، وكذلك قبل أن يشرع الشرائع شرعها لحكمة ، هذه الحكمة التي في المخلوقات والمأمورات تعود إلى الله وعباده، فأما معنى عودها إلى الله فمعناه: أنه خلقها ، وهو يعلم المصلحة المترتبة عليه، وهو يحب ما أمر به ، وله في خلقه أيضاً حكمة عظيمة؛ حتى المخلوقات التي ظاهرها أنها ضرر وشر، ولهذا جاء في الدعاء المعروف: (والشر ليس إليك)، ومعنى الشر ليس إليك مع وجود بعض المخلوقات الشريرة في الحياة: أن الشر لا يعود إلى فعل الله ، وإنما يعود إلى مفعوله، يعني مخلوقه، وهو ما خلق شيئاً من الخلق -حتى إبليس- إلا لحكمة عظيمة ومصلحة متعلقة بالخلق.
فمثلاً: إبليس خلقه الله ابتلاء واختباراً للناس حتى يرى من يصدق المرسلين، ويتبع كلامه ، ويعصي عدوه، ويجاهده، ويصبر على هذا الجهاد، بل قد يترتب عليه أنه يموت في هذا السبيل، وهذه لا شك أنها من أعظم الحكم وأجل الغايات، بل فيها من ظهور أسماء الله وصفاته الشيء الكثير.
ففيها مثلاً: ظهور صفة العفو والمغفرة للعباد المخطئين.
وفيها أيضاً: ظهور صفة التجاوز والمسامحة.
وأيضاً: ظهور صفة المعية الخاصة لعباده المؤمنين، فكل ما خلق الله من خلق فإنه خلقه لحكمة تعود عليه من جهة، وتعود على الخلق من جهة أخرى.
ولهذا تحدث ابن القيم ﵀ كثيراً في هذا الكتاب -شفاء العليل- عن هذه القضية، حتى المخلوقات الشريرة المعروفة فإنها لحكمة عظيمة وهدف كبير، وقد بينا طرفاً من هذه الحكمة من أكبر الشر وهو إبليس عليه لعنة الله، وأما المأمورات فليس فيها شر؛ لأن مأمورات الله كلها مصالح ومنافع للعباد علمها من علمها، وجهلها من جهلها.
إذاً: حكمة الله تكون في خلقه وأمره.
следующие страницы →