← Акыда

Акыда · id 37802

شرح العقيدة الواسطية - عبد الرحيم السلمي

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (493 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الجمع بين دراسة القدر ونهي النبي ﷺ عن الخوض فيه السؤال كيف يجمع بين نهي النبي ﷺ الصحابة عن الحديث في القدر وبين الدروس التي تلقى في مسائل القدر؟ الجواب نهي النبي ﷺ للصحابة عن الحديث في القدر ليس نهياً عن الحديث الصحيح فيه، وإنما نهاهم عندما وجدهم يضربون كتاب الله بعضه ببعض، فهذا ينزع بآية وهذا ينزع بآية، فغضب؛ لأنه رآهم يبحثون في القدر بغير المنهج الشرعي، فغضب عليهم ونهاهم عن هذا النوع من البحث فانتهوا، وإلا فإن أحاديث القدر كثيرة. هذا أولاً. وثانياً: الحديث عن القدر يزيد في الإيمان؛ لأنه ركن من أركان الإيمان، ولا يمكن أن ينهى النبي ﷺ عن الحديث في ركن من أركان الإيمان. فالمقصود بالنهي هو النهي عن الكلام الباطل والمنهج المنحرف في الحديث في هذا الموضوع.

стр. 422

درجة ثبوت سؤال عمر ربه تعالى كتابته في ديوان السعداء ومحوه من ديوان الأشقياء إن كان شقياً السؤال هل مقولة عمر ﵁ صحيحة: اللهم إن كنت كتبتني شقياً فامحني واكتبني سعيداً؟ الجواب لا أظن أن مثل هذا يثبت عن عمر؛ لأن هذا من الاعتداء في الدعاء. والدعاء الصحيح هو: اللهم اكتبني سعيداً.

стр. 423

انتفاء وصف الفساد عن الإرادة المخلوقة في العبد السؤال أليس الله هو الذي خلق الإرادة للعبد، فإذا كانت هذه الإرادة فاسدة فإنها تؤدي إلى عمل المعاصي؟ الجواب الله خلق الإرادة للعبد، والإرادة من حيث هي إرادة ليست فاسدة؛ لأن كل مولود يولد على الفطرة كما في الحديث. فهو أول ما يولد لا تكون الإرادة عنده فاسدة. وإنما هو يرغب في الشر أو في الخير بإرادته، فليست الإرادة فاسدة إلا عندما يفسدها هو برغبته، أو يفسدها غيره فيطيعه، كأن يفسدها أبوه فيطيعه، أو يفسدها صديقه فيطيعه. وإلا فإن الإنسان مختار، والاختيار فيه ظاهر. وبهذا نجمع بين الإيمان بعلم الله السابق وكتابته للأقدار وبين اختيار الإنسان وأنه ليس مكرهاً.

стр. 424

كيفية نزول القرآن السؤال كيف نزل القرآن؟ وهل نزل من الله مباشرة أم عن طريق جبريل إلى الرسول ﷺ ؟ الجواب القرآن تكلم الله به فسمعه منه جبريل فبلغه للرسول ﷺ ، ونقل له كلام الله .

стр. 425

كيفية التصبر عند نزول المصائب إذا لم تحتمل السؤال إذا أصابتنا مصيبة فكيف نصبر أنفسنا إذا لم نتحملها؟ الجواب إنما الحلم بالتحلم والصبر بالتصبر، والإنسان يحاول ويجتهد أن يصبر نفسه ويدربها على الصبر، ويعلم أن جزعه هذا لا يفيد، وإنما يضر نفسه ولا ينفعها، وحينئذ يشعر بالراحة.

стр. 426

الحكمة من كتابة الملائكة للحسنات والسيئات مع سبق كتابتها في اللوح المحفوظ السؤال ما الحكمة من جعل الملائكة يكتبون الحسنات والسيئات وهي مكتوبة في اللوح المحفوظ؟ الجواب الله أعلم بالحكمة. وليس كل خبر أخبر به الله لا بد أن نعرف حكمته. وهو له حكمة قطعاً لكن قد لا نعلمها، وعدم العلم بالشيء لا يعني عدم وجوده. وليس هناك نص معين في الحكمة من ذلك. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 427

العقيدة الواسطية [١٩] تحتل مسائل الإيمان مكانة عظيمة بين أبواب العقيدة, لما وقع فيه من الخلاف بين أهل السنة ومن ناوأهم من الفرق الضالة, ومن جملة مسائله حقيقته عند أهل السنة في كونه قولا وعملا, يشمل تصديق القلب وعمله وقول اللسان وعمل الجوارح, وقد ضل فيه الخوارج غلوًا, والمرجئة تفريطًا, فنشأ عن ضلالهم آثار خطيرة في حياة المسلمين تجاه التعامل مع المنكرات والمعاصي الصادرة من أهل القبلة.

стр. 428

الإيمان في عقيدة أهل السنة والجماعة

стр. 429

أهمية باب الإيمان بين أبواب العقيدة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه وسنتهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. أما بعد: فيعتبر موضوع الإيمان من أهم موضوعات العقيدة، بل من أعظم الموضوعات الأساسية في حياة المسلمين قديماً وحديثاً، وهو كذلك من المسائل التي وقع فيها الاختلاف والتفرق في حياة الأمة، وترتب عليه الكثير من المشكلات والاختلافات والتفرق. وقد ألف السلف الصالح رضوان الله عليهم تصانيف مفردة في الإيمان، وممن ألف في ذلك: أبو عبيد القاسم بن سلام، وابن أبي شيبة، وأبو يعلى الحنبلي، والعدني، وللإمام أحمد ﵀ كتاباً اسمه (الإيمان) ما يزال مخطوطاً، وهو في (٢٠٠) ورقة تقريباً، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ له كتاب الإيمان الكبير، والإيمان الأوسط. وموضوعات الإيمان موضوعات حساسة وخطيرة؛ لأنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بقضايا التكفير، ولهذا كانت مسألة الإيمان أول مسألة وقع فيها الخلاف في حياة المسلمين، ووقع بينهم التفرق بعد مقتل عثمان بن عفان ﵁، فقد خرجت الخوارج وكفرت المسلمين بالذنوب، ثم ظهرت المرجئة -كرد فعل للخوارج- فأخرجت العمل من حقيقة الإيمان، وأهل السنة وسط بين هؤلاء جميعاً. والطريقة التي سنتبعها في بيان هذا الباب هي: أننا سنتحدث أولاً: عن عقيدة أهل السنة في الإيمان مفصلة، ثم نتحدث عن عقائد الفرق الضالة، ثم نبين الآثار المترتبة على هذا الاختلاف والتفرق.

стр. 430

حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة وقد اتفقت كلمة أهل السنة والجماعة على أن الإيمان قول وعمل. وقد حكى الإجماع على ذلك عدد من الأئمة، منهم: الإمام الشافعي والبغوي وأبو عمر بن عبد البر والإمام أحمد، وغيرهم من الأئمة المتقدمين رحمهم الله تعالى. يقول البخاري رحمه الله تعالى: حدثت عن ألف عالم في الأمصار كلهم يقول: الإيمان قول وعمل، وسماهم. وعامة كتب أهل السنة في العقيدة يعقد فيها باب خاص بالإيمان، مثل: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، والشريعة للآجري، والإبانة لـ ابن بطة، وغيرها من كتب العقيدة الكبيرة، وكذلك في كتب السنة مثل صحيح البخاري؛ فإنه أفرد الإيمان بباب مستقل، وكذلك مسلم وأصحاب السنن لهم كتب في الإيمان ضمن كتابهم الصحيح أو السنن.

стр. 431

معنى قول السلف: (الإيمان قول وعمل) ومعنى قول السلف: الإيمان قول وعمل، يعني: أن الإيمان مشتمل على هذه الحقيقة المركبة من القول والعمل، والقول يراد به: قول اللسان وقول القلب. فأما قول القلب: فهو تصديقه بما أخبر الله به، وبما أخبر به رسوله ﷺ . وأما قول اللسان: فهو يشمل قول لا إله إلا الله، والذكر، وقراءة القرآن، والدعوة إلى الله ، إلى آخر تلك العبادات المتعلقة باللسان. وأما العمل: فإنه يشمل عمل القلب، وعمل الجوارح: فأما عمل القلب فهو خشية الله، محبة الله، الخوف من الله، التوكل على الله، الإنابة، التوحيد، الإخلاص، المراقبة، اليقين، القبول، الرضا، وهكذا سائر الأعمال القلبية التي تكون في القلب، فهذه تسمى: أعمال القلب. وأما عمل الجوارح فهو يشمل الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وهكذا سائر الأعمال التي تكون بالبدن. إذاً: هذه هي حقيقة الإيمان، مركبة من القول والعمل، والقول يشمل قول القلب وقول اللسان، والعمل يشمل عمل القلب وعمل اللسان. وإذا أردنا أن نقسم حقيقة الإيمان على الجوارح نجد أنها اشتملت على ثلاثة جوارح: على جارحة اللسان: قول اللسان. وعلى جارحة القلب: قول القلب وعمل القلب. وعلى بقية الجوارح عموماً. ولهذا عبر بعض السلف الصالح رضوان الله عليهم عن حقيقة الإيمان وعن تعريف الإيمان بأنه: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان. وعبر بعضهم فقال: هو قول وعمل ونية. وقال بعضهم: هو قول وعمل ونية واتباع للسنة. والحقيقة أن هذه العبارات ليست مختلفة اختلاف تضاد، وإنما هو اختلاف تنوع، وهو مثل إخبار الصادقين عن حادثة معينة رأوها جميعاً، هذا يعبر بتعبير، وذاك يعتبر بتعبير آخر، والثالث يعبر بتعبير ثالث، لكنها جميعاً تتفق في المعنى. إذاً: الإيمان حقيقة مركبة تشمل الدين كله، وتشمل الإسلام كله، وتشمل العبودية لله كلها، فلا يخرج من الدين شيء ليس من الإيمان، فكل ما شرعه الله مما يتعلق بالعبادات القولية أو القلبية أو التي تتعلق بالجوارح من الإيمان، ولهذا لما أراد السلف أن يعبروا عن الدين كله عبروا بأنشطة الإنسان، وهي متكونة من القول والعمل، فقالوا: قول وعمل. وأصح وأدق تعريف من تعاريف السلف هو قولهم: الإيمان قول وعمل، وتفصيله على النحو السابق. وقد يقول قائل: لماذا قالوا: قول وعمل ونية؟ ولماذا قالوا: قول وعمل ونية واتباع للسنة؟ نقول: الذين قالوا: إن الإيمان هو قول وعمل ونية؛ خشوا ألا يفهم من قولهم: (عمل) عمل القلب، ومن قولهم: (قول) قول القلب؛ لأن الذهن قد ينصرف عند سماع (قول) إلى اللسان، وعندما يقال (عمل) ينصرف لعمل الجوارح، فأرادوا التأكيد على عمل القلب، فقالوا: ونية، هذا من جهة. ومن جهة ثانية؛ فإن الأعمال إذا كانت على غير السنة فإنها لا تكون من الإيمان، أرأيتم البدع التي يبتدعها الناس هل هي من الإيمان؟ لا، ليست من الإيمان، مثل: الطواف حول القبور، والذبح لها، والذكر الجماعي، والاحتفالات البدعية، والأعياد المبتدعة ونحو ذلك، كل هذه الأعمال ليست من الإيمان في شيء، وليست من حقيقة الإيمان.

стр. 432

أدلة شمول الإيمان لقول القلب أولاً: قول القلب -الذي هو تصديقه-: الدليل عليه هو قول الله : ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] ففي هذه الآية تحديد لمحل الإيمان. ويقول الله : ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:٧] فدل على أن هناك ارتباطاً بين الإيمان وبين القلب، فقوله: ((وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ)) يعني: زين الإيمان في قلوبكم. وقال: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾ [المجادلة:٢٢]. وقال عن المكره الذي ينطق بكلمة الكفر: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]. ولو رجعنا إلى مادة (قلب) في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن لوجدنا أن كثيراً من الأعمال علقت بالقلب، مثل: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] ونحو ذلك من الأعمال المتعلقة بالقلب، مما يدل على كثرة الأعمال القلبية التي فرضها الله على العباد، هذا ما يتعلق بقول القلب. إذاً: من سقط عنده هذا الركن من أركان الإيمان هل يكون مسلماً؟ لا يكون مسلماً أبداً بإجماع المسلمين؛ لأن ضد قول القلب: التكذيب، ولا يكون مكذباً إلا المنافق، حتى المرجئة الذين قالوا: إن الإيمان هو التصديق القلبي فقط، قالوا: من ترك قول القلب -وهو التصديق القلبي- فهو كافر، وكذلك الخوارج، وكذلك أهل السنة قالوا: بأن من ترك قول القلب فهو منافق كافر خارج عن الإسلام.

стр. 433

أدلة شمول الإيمان لقول اللسان ثانياً: قول اللسان: والدليل على أن قول اللسان من الإيمان: قول الله : ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا﴾ [البقرة:١٣٧]، ما هو الذي آمنتم به؟ القول، فالله أمرهم أن يقولوا: (آمنا)، ولو قالوا: (آمنا) فإن النتيجة هي: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا﴾ [البقرة:١٣٧]، وهذا دليل على أن القول من الإيمان. ومما يدل على ذلك أيضاً: قول الله : ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر:٨٤ - ٨٥]، وما هو الإيمان الذي آمنوا به؟ قولهم: آمنا، فقال: ((فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ))، فسمى قولهم: ((آمَنَّا بِاللَّهِ)): إيماناً. ومما يدل على ذلك: حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين: (الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها قول لا إله إلا الله -هذا هو محل الشاهد- وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان). ويقول النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا) أمر الله النبي ﷺ بمقاتلة الناس: (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله) والشهادة: تتضمن الإخبار، والإخبار لا يكون إلا باللسان. ومما يدل على أن قول اللسان من الإيمان: قول النبي ﷺ : (من قال: لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه دخل الجنة) رواه ابن مندة. وأيضاً في الحديث الآخر: (من قال: لا إله إلا الله مستيقناً بها غير شاك دخل الجنة). وفي الحديث الآخر بدل (مستيقناً) قال: (صدقاً)، وهذا يدل على أن قول لا إله إلا الله من الإيمان. إذاً: لو أن إنساناً ترك قول اللسان هل يكون كافراً؟ نقول: قول اللسان منه ما يكون تركه لا شيء فيه، مثل: أذكار النوم والاستيقاظ منه، هذه ليست واجبة، فلو تركها فلا شيء عليه، ومن القول ما يكون تركه إثماً، لكنه لا يصل إلى الكفر، مثل: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو مستطيع له، ومن القول: ما يكون تركه كفراً مخرجاً عن الإسلام، وهو الشهادتان؛ فمن لم ينطق بهما لا يكون مسلماً، والدليل على ذلك: الأحاديث السابقة، ومنها قوله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله)، وهذا يدل على أن الشهادة باللسان ركن أساسي في الإيمان، يزول الإيمان بزواله. والدليل الثاني: ما رواه البخاري عن المسيب بن حزن -وهو أبو سعيد بن المسيب -: أن النبي ﷺ جاء إلى عمه أبي طالب فقال له: (يا عم! قل: لا إله إلا الله. كلمة أحاج لك بها عند الله)، فمات ولم يقلها، فأصبح مخلداً في النار، مع أنه مصدق بقلبه أن دين محمد من خير أديان البرية ديناً، كما قال ذلك في قصيدته. فلابد إذاً: من النطق بلا إله إلا الله محمد رسول الله، حتى يكون مسلماً. وهل النطق يكفي؟ نقول: لا، لابد أن تضاف إليه الأركان الأخرى، هذا أولاً. ثانياً: لابد أن يكون هذا النطق لإنشاء الالتزام بالدين، ومعنى إنشاء الالتزام بالدين: أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهو مصدق بدين الإسلام، ويريد أن يعمل به، لكن لنفترض أنه قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، قولاً مجرداً بلا عمل أو اعتقاد، هل ينفعه ذلك؟ لا، لابد أن يقولها وهو يريد الالتزام بدين الله .

стр. 434

أدلة شمول الإيمان لعمل القلب ثالثاً: عمل القلب، وعمل القلب يدخل فيه التوكل على الله ، فالله يقول: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، فجعل التوكل شرطاً في الإيمان، وهكذا أنواع متعددة من أعمال القلب هي شرط في الإيمان، ولهذا ورد في حديث الشفاعة أن النبي ﷺ قال: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال ذرة من إيمان) ومعنى: (في قلبه مثقال ذرة من إيمان) يعني: عمل القلب، فإذا زال عمل القلب هل يكفر الإنسان؟ نقول: إذا زال جزء منه؛ فإنه بحسب ما زال منه، فقد يزول جزء بسيط فلا يكفر، لكن إذا زال كل عمل القلب فإنه يكفر؛ لأنه لا يتصور أن يوجد مسلم لا يحب الله، ولا يخاف من الله، ولا يتوكل على الله، ولا يرجو الله، ولا ينيب إلى الله، وهكذا سائر أعمال القلب الكثيرة إذا زالت منه كلها فهو كافر بالله رب العالمين، ولهذا كان أقل أهل الجنة، وهم آخر من يخرج من النار -وهم الجهنميون- صفتهم: (من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال ذرة من إيمان) ويعرفون بمواطن السجود، وهذا يدل على أن الصلاة ركن أساسي من أركان الإيمان.

стр. 435

أدلة شمول الإيمان لعمل الجوارح رابعاً: عمل الجوارح: والدليل على أن عمل الجوارح من الإيمان: قول الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]. وورد في حديث الشعب أنه قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق -وهذا عمل- والحياء شعبة من الإيمان)، والله يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس؛ لأنهم صلوا في البداية إلى بيت المقدس، ثم حولت القبلة، وتحدث بعض الناس عن أن الصلوات التي صلوها لبيت المقدس باطلة، فأنزل الله قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] فسمى الصلاة: إيماناً، والصلاة عمل من أعمال الجوارح. ويقول النبي ﷺ : (الطهور شطر الإيمان) رواه مسلم. ويقول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن). وهذا يدل على أن ترك الزنا من الإيمان، والترك من العمل، كما قال الله : ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩]، فعبر عن ترك التناهي بالفعل، قال: ((كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ)) يعني: يتركون التناهي، ((كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)) يعني: لبئس ما كانوا يفعلونه من ترك التناهي، فسمى ترك التناهي فعلاً، فترك الزنا فعل وعمل أدخل في الإيمان، قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) إذاً: من ترك الزنا صار مؤمناً، وهكذا أحاديث كثيرة تدل على أن من ترك الكبائر فهو مؤمن. وكذلك قول النبي ﷺ : (لا إيمان لمن لا أمانة له). وقوله: (من غشنا فليس منا). ويقول النبي ﷺ : (حسن العهد من الإيمان) كما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الإيمان. إذاً: الإيمان حقيقة مركبة من القول والعمل، والقول: يشتمل على قول القلب وهو: تصديقه، وقول اللسان: وهو النطق بالشهادتين، وما يتبع ذلك من قراءة القرآن والذكر ونحو ذلك، والعمل يشتمل على عمل القلب، وهو خشية الله، والتوكل على الله، ومحبة الله، والرجاء لله ونحو ذلك، وأيضاً: عمل الجوارح، مثل: الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة.

стр. 436

حكم ترك شيء من الإيمان فإن قيل: هل من ترك شيئاً من الإيمان، ولو جزءاً بسيطاً يكفر؟ ف الجواب لا يكفر إذا ترك جزءاً بسيطاً، وذلك بحسب المتروك. والمتروك ثلاثة أنواع: النوع الأول: مندوب ومستحب لا إثم في تركه. والنوع الثاني: واجب يأثم صاحبه، لكنه غير خارج من الإسلام. النوع الثالث: ترك يخرج الإنسان من الإسلام، ويكون صاحبه كافراً. إذاً: المتروكات من الإيمان ثلاثة أنواع: الأول: ترك لا يعاقب الإنسان عليه، وهو ترك المستحب المندوب. والثاني: هو ترك الواجب وهذا يعاقب عليه، لكنه لا يخرج من الإسلام. والثالث: ترك يخرج من الإسلام، ويكون صاحبه كافراً. ترك المندوب مثل: السنن الرواتب والتسبيح، وذكر الله في كل مكان، فهذه من النوافل، ولو أن الإنسان تركها لا يعتبر آثماً. وترك الواجب مثل: ترك بر الوالدين، والجهاد في سبيل الله، والصيام، على قول من لم يكفر تارك الصيام. وأما الترك المخرج من الإسلام فهو أنواع: النوع الأول: من ترك الإيمان كله، يعني: من ترك التصديق، وقول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح، فهذا كافر لاشك في كفره. والثاني: من ترك تصديق القلب، وهذا كافر بإجماع الطوائف؛ حتى عند المرجئة. الثالث: من ترك الشهادتين من قول اللسان، فهذا أيضاً كافر خارج عن الإسلام كما دلت عليه الأحاديث السابقة. الرابع: من ترك عمل القلب بالكلية، فهذا كافر؛ حتى لو كان مصدقاً، يعني: من ترك عمل القلب لوحده حتى لو كان مصدقاً، وحتى لو كان يقول: لا إله إلا الله بلسانه، وحتى لو كان يصلي ويصوم، ما دام أنه ترك عمل القلب بالكلية، فإنه يكون كافراً. الخامس: من ترك عمل الجوارح بالكلية، لا يصلي، ولا يصوم، ولا يحج، ولا يزكي، ولا يعمل من أعمال الإسلام الظاهرة شيئاً، فهذا لاشك أنه كافر بإجماع السلف الصالح رضوان الله عليهم.

стр. 437

التلازم المتين بين عمل القلب وعمل الجوارح هناك تلازم قوي بين عمل القلب وعمل الجوارح، فعمل القلب هو: أصل الإيمان في القلب، وإذا وجد عمل القلب فلابد أن يوجد عمل الجوارح مباشرةً، والاتصال بينهما اتصال ثابت شرعاً وواقعاً. أما من الناحية الشرعية: فالنبي ﷺ يقول: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) فبين أن العلاقة بين القلب والجوارح علاقة تامة. بمعنى: أنه إذا لم يوجد شيء من عمل القلب، فلا يمكن أن يوجد شيء من عمل الجوارح، وإذا وجد شيء من عمل القلب، فإنه يوجد على قدره شيء من عمل الجوارح، فمن وجد في قلبه شيء من محبة الله، وشيء من الخوف من الله ، وشيء من التوكل على الله ؛ فإنه سيوجد مقابله عمل من الجوارح، فلا يتصور أبداً أن يكون عمل القلب موجوداً، وليس هناك عمل للجوارح بالمرة، ولا يتصور أيضاً وجود عمل الجوارح بدون عمل القلب بالمرة إلا في حالة المنافق، ففي الحالة العادية لا يمكن أن يوجد أحدهما دون الآخر. فإذا تصورنا إنساناً عنده عمل من أعمال القلب فإننا نقول: في الحالة الطبيعية لابد أن يوجد عمل الجوارح مباشرةً، ولا يمكن أن يوجد إيمان وتقوى لله وقدرة على العمل ثم لا يحصل العمل؛ لأن العمل يتكون من الإرادة التامة، والقدرة الكاملة، فينتج العمل مباشرة، يعني: ما دامت المحبة موجودة لله، والخوف كذلك فلابد أن يحصل شيء من العمل، ولا يمكن أن يفقد العمل بالكلية. وكذلك في الحالة الطبيعية إذا كان يعمل في الظاهر، فهذا مباشرةً يدل على وجود إيمان في الباطن، ويمكن أن يوجد لدى إنسان عمل في الظاهر، وليس عنده عمل في الباطن مثل: المنافق، ويمكن للإنسان أن يكون عنده عمل في الباطن، وليس عنده عمل في الظاهر في حالة المكره، وإن كان الإكراه لا يمكن أن يتصور أن يحيط بالإنسان من كل وجه؛ لأنه يمكن أن يسبح الله من غير تنبه المكرهين له، ويمكن أن يذكر الله من غير أن ينتبه المكرهين له. الشاهد هو: أن العلاقة علاقة تامة، ومطردة وقوية، وبهذه الطريقة تعلمون أن قضية الإيمان قضية حية في واقع المسلمين، وليست قضية نظريات مجردة يعتقدها الإنسان في قلبه ثم لا يعمل بها.

стр. 438

عقائد الفرق الضالة في حقيقة الإيمان بعد أن عرفنا حقيقة الإيمان عند أهل السنة وبينا أدلته، نتطرق إلى عقائد الفرق الضالة في هذا الموضوع، وسنركز الحديث عن المرجئة؛ لأن خطرها عظيم وكبير، وانتسب إليها عدد كبير ممن يظن نفسه على السنة.

стр. 439

عقيدة الخوارج في الإيمان وخطرها الخوارج يعرفون الإيمان كما يعرفه أهل السنة، ويقولون: الإيمان قول وعمل، لكنهم يرون أن ترك جزء من العمل أياً كان نوع هذا الجزء يخرج الإنسان من الإسلام، فلو أنه ارتكب كبيرة من الكبائر كفر عندهم، ولو أنه ترك واجباً من الواجبات وتكون كبيرة في حقه يكفر أيضاً، وهذا ما خالفهم فيه السلف، فإن الكبائر لا يكفر أصحابها عندهم. ومن الأدلة على أن الكبائر لا يكفر صاحبها: قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فهذه الآية يبين الله فيها أن ما دون الشرك فهو قد يغفر لصاحبه، لكن الشرك لا يغفر، ولا يمكن أن تصنف الكبائر ضمن الشرك؛ لأنها ليست شركاً، والدليل على أنها ليست شركاً: أن النبي ﷺ عندما عد أكبر الكبائر فصل الشرك عن الزنا والخمر وغيرها من الذنوب الأخرى، ومن المعلوم أن الكبائر ليس فيها شيء من الشرك، هذا الدليل الأول. الدليل الثاني: أحاديث الشفاعة، وقد نقل ابن الوزير اليماني ﵀ في كتابه: إيثار الحق على الخلق: أن أحاديث الشفاعة التي فيها أن أصحاب الكبائر لا يخلدون متواترة، ومنها: أن النبي ﷺ قال: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، ومن كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان) فمن كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان -وهو عمل القلب-، وقال: لا إله إلا الله، يخرج من النار. فإن قيل: أين عمل الجوارح؟ قلنا: عمل الجوارح أخذناه من التلازم بين إيمان القلب وعمل الجوارح، فإن قوله: (مثقال ذرة من الإيمان) يدل على وجوب أن يكون له مقتضى وثمرة، وهي العمل، ولهذا ورد في أحاديث الشفاعة: أن الجهنميين من أهل الصلاة (يعرفون بمواطن السجود)، وهذا يدل على أنهم كانوا يصلون، فإذا كانوا يصلون فلابد أنهم قرءوا القرآن؛ لأن الفاتحة من القرآن وهم يصلون بها، وحينئذ يكون قد حصل لديهم مجموعة من أعمال الجوارح كانوا بها من المسلمين، ولو لم يوجد عندهم قول اللسان، لم يكونوا مسلمين، ولو لم يوجد عندهم عمل القلب، لم يكونوا مسلمين، ولو لم يوجد عندهم عمل الجوارح فإنهم لا يكونون مسلمين أيضاً. وأحاديث الشفاعة تدل على بطلان معتقد الخوارج؛ لأن الخوارج يعتقدون أن الزاني والسارق وشارب الخمر مخلد في النار، وهذا باطل؛ لأن أهل الكبائر يخرجون من النار، ولو كانوا كفاراً لما خرجوا؛ لأن الجنة محرمة على الكفار، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (أتاني جبريل وبشرني أن من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قال أبو ذر: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق)، وهذا يدل على أن أصحاب الكبائر يعذبون على قدر ذنوبهم، ثم يعودون إلى الجنة بعد ذلك؛ لأنهم لم يشركوا بالله شيئاً. والحقيقة: أن خطر الخوارج كبير، فقد تجد إنساناً يتحرج من الصلاة خلف المسلمين، ويقول: لعل هذا الإمام غير مسلم، مع أن الأصل في الناس: السلامة، فتصلي خلف المسلمين ما دام لم يظهر منهم الكفر، وبعضهم يرى أن المحكومين بغير ما أنزل الله كلهم كفار، وهذا لاشك أنه ضلال مبين والعياذ بالله؛ لأن المحكومين بغير الشريعة أصناف: منهم: من رضي وتابع على علم، فهذا كافر. ومنهم: من لم يرض ولم يتابع، فهذا ليس بكافر، والبلدان الإسلامية حكمت بغير ما أنزل الله مع أن فيها علماء وصالحين وأتقياء، لكن ليس لهم حول ولا قوة، بل إن الصحابة عندما كانوا في مكة حكموا بغير ما أنزل الله، ولم يكفرهم أحد. وبعضهم يقول: لابد أن يبين البراءة من الحاكم بغير ما أنزل الله، فيقال: إن التبيين ليس شرطاً في الإيمان حتى ترتب عليه الكفر؛ لأن التبيين قد يراه شخص ولا يراه آخر، وحينئذ قد يكفره من لم يسمع التبيين، وهؤلاء ليس لهم ولاية على المسلمين حتى يقولوا: هذا تبين منه أنه يكفر بالطاغوت، وهذا لم يتبين منه، ولهذا وجد من هؤلاء الجهال من كفر أهل العلم والصالحين والأخيار من الناس؛ لأنهم ليسوا على طريقته، وليسوا على منهجه، ولهذا يجب الحذر من مثل هذه الأفكار الضالة، والخوارج منطلقهم الأول هو الخوض في الحكم بغير ما أنزل الله، ثم يبدءون في تكفير الناس بدون بينة ولا علم. والواجب: هو أن يتعلم الإنسان العلم النافع حتى يكون على بصيرة، وحتى يعرف الكافر الحقيقي من المؤمن الحقيقي، وبهذا يكون على بينة وبصيرة.

стр. 440

عقيدة المرجئة في الإيمان الإرجاء هو: إخراج العمل عن مسمى الإيمان؛ فإن المرجئة قالوا: إن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان. والمرجئة أصناف متعددة، بعضهم من الغلاة، وبعضهم أقل غلواً، لكنهم جميعاً داخل دائرة واحدة، وغلاة المرجئة هم الجهمية الذين يقولون: إن الإيمان هو المعرفة، فإذا عرف الله، وعرف رسول الله ﷺ فهو مسلم حتى لو لم يصدق، وهذا لاشك أنه كفر مبين، فإن إبليس يعرف الله ، وقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]. وفرعون كفر ظاهراً وهو في الحقيقة يعرف الله؛ لأن الله يقول: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]. وقال الله كما قال موسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]. وأبو طالب قال له النبي ﷺ : (يا عم! قل: لا إله إلا الله. كلمة أحاج لك بها عند الله) فقال للنبي: هو على ملة عبد المطلب، فكفر مع أنه كان يعلن للناس ويقول: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا الطائفة الأولى: الغلاة من المرجئة وهم الجهمية، وهؤلاء كفرهم السلف مثل ابن المبارك وغيره. الطائفة الثانية من المرجئة قالوا: إن الإيمان هو التصديق، وأخرجوا ثلاثة أشياء: أخرجوا قول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح، وهؤلاء هم الأشاعرة والماتريدية، وهم الضالون في هذه المسائل. الطائفة الثالثة من المرجئة: الذين قالوا: الإيمان هو تصديق القلب، وقول اللسان، وعمل القلب بدون عمل الجوارح، وهؤلاء أيضاً: من الضالين في هذه المسألة، وهم وإن كانوا أقل غلواً وأقل بدعة من أولئك لكنهم في دائرة البدعة، فإن من أخرج عمل الجوارح عن حقيقة الإيمان مرجئ. تنبيه: المرجئة لا يقولون: إن عمل الجوارح والقلب ليس من الإيمان، بمعنى: أنها ليست من أحكام الدين بالكلية، فهذا لا يقوله أحد، حتى الذي يقول هذا كافر لا يمكن أن يقوله، لكنهم يقولون: عمل القلب وعمل الجوارح وقول اللسان من الإيمان، لكن لا يترتب عليه كفر، فإذا ترك قول اللسان فهو مثل الذي يفعل معصية، وإذا ترك عمل القلب فهو مثل الذي يفعل معصية، وإذا ترك عمل الجوارح فهو مثل الذي يفعل معصية، ولهذا يصرح الأشاعرة بأن من ترك قول وعمل القلب واللسان وعمل الجوارح أنه يعذب في النار، لكنهم لا يعتقدون أنه كافر في الدنيا ويخلد في النار. وكذلك الذي يقول: إن أعمال الجوارح ليست من الإيمان، لا يقول: إن الصلاة والصيام والحج ليست من الدين، هذا لا يقوله مسلم، لكنهم يقولون: إن من ترك عمل الجوارح بأكملها فإنه لا يكفر، لكنه يعتبر عاص من العاصين، وهذا خطأ كبير، فإن من ترك قول اللسان وعمل القلب وعمل الجوارح بالكلية فهذا كافر بالله رب العالمين يقام عليه حد الردة في الدنيا، وأحكام الكفر في الدنيا، ويكون في الآخرة من المخلدين في النار.

стр. 441

الآثار المترتبة على الإرجاء أما الآثار المترتبة على قضية الإرجاء فكيرة جداً منها: أولاً: تهوين أعمال القلب والجوارح، فإنه أصبح كثير من الناس يتهاونون في هذه المسائل، وليست -في نظره- من المسائل الكبيرة، وبهذا انتشر الفسوق في حياة المسلمين في ظل الإرجاء، وانتشرت المعاصي، والدعارة، وانتشرت الذنوب والمعاصي؛ لأنهم لا يعتقدون أن هذه الأعمال من الإيمان. ثانياً: أن الأشاعرة أخرجوا عمل القلب وعمل الجوارح من الإيمان، وعمل القلب وعمل الجوارح هو نفسه توحيد الألوهية، يعني: إذا قابلنا بين التوحيد والإيمان نجد أن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وتوحيد الألوهية قول وعمل، فنجد أن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات يدخل في القول، وتوحيد الألوهية يدخل في العمل. معنى هذا: أن الأشاعرة والماتريدية عندما قالوا: إن العمل ليس من الإيمان: أن توحيد الألوهية ليس من الإيمان أيضاً. ويترتب على هذا: أنهم يرون أن الطواف بالقبور ليس شركاً، وأن الذبح لغير الله ليس شركاً، وأن الاستغاثة بغير الله، مثل مدد يا عبد القادر! أو: مدد يا حسين! أو طلب تفريج الكروب، ومغفرة الذنوب من الرسول ﷺ ، لا يعتبرونها من الشرك المخرج من الإسلام. والخلاف العميق الذي وقع بين أهل السنة وبين الأشاعرة: أن الأشاعرة أدخلوا عباد القبور ضمن الموحدين والمسلمين، وأهل السنة أخرجوهم، فاختلفنا نحن والمرجئة على طائفة كبيرة من الذين يطوفون حول القبور ويذبحون لها، هذا من جهة. من جهة ثانية: يأتي شخص ويغير أحكام الله في مسألة التشريع العام، ويشرع للناس حكماً جديداً، هذا في حكم أهل السنة كافر خارج عن الإسلام؛ لأنه بدل الدين، وكفر بالله رب العالمين، واتخذ المبدل والمشرع إلهاً من دون الله ؛ لأن التأله معناه: التنسك والتعبد والطاعة لله، ولهذا يقول الله عن الرسل أنهم قالوا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]. ما معنى قوله: ((أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ))؟ يعني: تنسكوا لله، وتعبدوا لله، وأطيعوا الله، فالطاعة داخلة في حقيقة الدين، ولذا كان من يطيع غير الله طاعة مطلقة -كطاعتهم في التشريع- كافراً بالله رب العالمين. إذاً: اختلفنا نحن والأشاعرة والماتريدية في طائفة ثانية، وهم: المبدلون لأحكام الله المغيرون لشريعته، الذين يأتون بقانون بريطاني، أو فرنسي، أو أي قانون من القوانين ويجعلونها مهيمنة على الناس، فهؤلاء ليسوا بمسلمين عندنا، أما عند هؤلاء فهم مسلمون. إذاً: الخلاف عميق وكبير وقوي، ولهذا صارت مجادلات كبيرة بين أهل السنة من جهة، وبين الأشاعرة من جهة أخرى. والأشاعرة يسمون أهل السنة خوارج؛ لأنهم يعتقدون أنهم يكفرون الناس بدون دليل أو بينة، ولما ظهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقال: إن الطواف حول القبور، والذبح لها، والنذر لغير الله، والسحرة والكهنة والمشغوذين كفار، قالوا: إذاً أنتم من الخوارج، فما استطاعوا أن يفرقوا بين منهج السنة الصحيح وبين الخوارج، فالخوارج يكفرون بالكبائر، وهؤلاء يكفرون بالمكفرات الحقيقية، مثل: عبادة غير الله ، ولهذا وقعت الخصومة الكبيرة بين أهل السنة وبين المرجئة في واقع المجتمع والحياة. مثال هذا: محمد علوي المالكي، هذا رجل خرافي صوفي، وهو أشعري من جهة أخرى، ففي كتابه: (مفاهيم يجب أن تصحح) له، تجد أنه يرى أن اتخاذ وسيلة بينه وبين الله يستغيث به، ويدعوه من دون الله، ويطلب منه المدد ونحو ذلك، أن هذا ليس من الشرك في شيء، وعندما رد عليه الشيخ صالح آل الشيخ بكتاب: (هذه مفاهيمنا) بين لنا أن هذا المنهج الباطل تسويغ للشرك، ودعوة إلى الشرك، فمعنى هذا: أننا لو تركنا المجال أمام محمد علوي المالكي فسيجعلنا جميعاً نستغيث بالرسول، وحينئذ سنصبح كفاراً جميعاً، ولن يصبح هناك فرق بيننا وبين اليهود والنصارى إذا استغثنا بغير الله، وإذا ذبحنا لغيره؛ لأن اليهود والنصارى كفروا من جهة، ونحن سوف نكفر من جهة أخرى، وحينئذ تضيع حقائق الدين، وتضيع عقائد المسلمين بسبب هذه الفتنة العظيمة، وركنها الأساسي هو الإرجاء. كذلك قالت المرجئة: من سب الله أو سب الرسول ﷺ فإنه لابد أن يعتقد أن سب الله ورسوله حلال، فإذا اعتقد ذلك فهذا معناه أنه مكذب، لكن إذا لم يعتقد فهو غير مكذب، ولهذا انتشر سب الله وسب الرسول ﷺ في كثير من المجتمعات التي كان دعاة الإرجاء يملئونها، وأصبح الإنسان يسب الدين ويسب الله عندما يغضب على زوجته وولده. ولو قيل لهؤلاء الناس: إن سب الله وسب الرسول ﷺ كفر مبين يوجب القتل في الدنيا، هل يتجرءون عليه؟ لو تربى الأطفال وهم صغار على أن هذا من الكفر، هل يمكن أن يسبوا؟! لا يمكن أبداً. وهكذا أصبح السحرة عند محمد علوي المالكي

стр. 442

عقيدة أهل السنة في عصاة أهل القبلة قال: [وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية]. وهذا أيضاً مما اتفق عليه أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد وينقص. [وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة]. وأهل القبلة هم الذين قالوا: لا إله إلا الله، وصلوا، لا يكفرونهم بالكبائر، لكن إذا ارتكب أحد من أهل القبلة كفراً يخرج عن الإسلام كفروه إذا وجدت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع. وقد نسبوا إلى القبلة؛ لأنهم من أهل الصلاة، وهذا يدل على أن من لم يصل لا يعتبر من أهل القبلة، وعلى أن تارك الصلاة ليس من أهل القبلة، يقول النبي ﷺ : (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم) أي: في الظاهر، فلو أن رجلاً صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، ثم طاف بقبر لا يعتبر مسلماً إذا أقيمت عليه الحجة. قال: (لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما يفعله الخوارج)، فإن الخوارج يكفرون بالكبائر، ويستدلون على ذلك بقول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن). ويقولون: النبي ﷺ بين أن الزاني في زناه لا يكون مؤمناً، نقول: نعم. لا يكون مؤمناً كامل الإيمان؛ لأن الإيمان فيه كمال وفيه أصل، فهو ليس بمؤمن كامل الإيمان، لكن أصل إيمانه موجود. لو أن إنساناً مات على الزنا، أو مات وهو مخمور فإنه يعاقب على ذنبه إذا شاء الله ، ثم يدخل الجنة إذا كان عنده أصل الإسلام وأصل الإيمان. ومشكلة أهل البدع في الاستدلال: أنهم يأخذون طرفاً من النصوص ويتركون أطرافاً، فتجد أحدهم يأخذ حديثاً واحداً، ولا يعرف عن عشرات الأحاديث الأخرى. يقول: (كما يفعله الخوارج) بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، حتى لو كان الإنسان عاصياً فأخوة الدين ثابتة، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨]. قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة:١٧٨] المقصود: بأخيه هنا: القاتل، والضمير في أخيه يرجع إلى ولي الدم، وهو ولي المقتول، فاعتبر القاتل أخاً لولي المقتول وللمقتول أيضاً؛ لأنهم جميعاً مسلمين، لكن القاتل عاص، ويعاقب على عصيانه إذا شاء الله . وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩]، فوصفهم بالإيمان مع أنه قال: ((اقْتَتَلُوا)). ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]. ويقول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] يعني: وصفهم بالإيمان مع وجود الشحناء والبغضاء والاقتتال بينهم. قال: [ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار كما تقول المعتزلة]. المعتزلة يقولون: من فعل الكبيرة في الدنيا فهو في منزلة بين المنزلتين، لا نسميه مسلماً، ولا نسميه كافراً، وهذه بدعة جديدة، أما حاله في الآخرة فقد وافقوا الخوارج؛ لأنهم يعتقدون أنه مخلد في النار، لكن أهل السنة لا يسلبون الفاسق الملي الإسلام، والفاسق الملي معناه: المسلم العاصي، فاسق يعني: عنده عصيان، الملي: يعني: الذي على ملة الإسلام لم يكفر، ولم يخرج عن الإسلام، فهذا لا يسلبونه الإسلام، يعني: لا يجعلونه كافراً بفسوقه، ولا يخلدونه في النار كما تفعل المعتزلة والخوارج الذين اتفقوا في شيء واختلفوا في شيء، فاتفقوا على أن يخلدوه في النار، واختلفوا في حاله في الدنيا، أما حاله في الدنيا فقد اتفقوا من جهة، واختلفوا من جهة: اتفقوا من جهة أنه مسلوب الإيمان، فالخوارج لا يعتقدون أنه مؤمن؛ لأنه عندهم كافر، والمعتزلة لا يعتقدون أنه مؤمن؛ لأنه في منزلة بين المنزلتين. يقول الله : ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] جاءت مطلقة، يعني: حتى لو كان عندها شيء من العصيان. وقال: [وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق]. وعندنا الإيمان المطلق ومطلق الإيمان، فما الفرق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق؟ مطلق الإيمان يعني: وجود أصل الإيمان، والإيمان المطلق يعني: الإيمان الكامل، فالفاسق عنده مطلق الإيمان، ليس عنده الإيمان المطلق؛ لأن الإيمان المطلق لا يكون إلا عند من وحد لله ، وآمن وترك الذنوب والمعاصي، لكن من كانت عنده ذنوب ومعاص فإن عنده مطلق الإيمان وليس عنده الإيمان المطلق، ولهذا يقول: وقد لا يدخل -يعني: الفاسق الملي- في اسم الإيمان المطلق، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢]، هؤ

стр. 443

الأسئلة

стр. 444

حكم تارك الصلاة وكيفية معاملته السؤال ما حكم من يترك الصلاة حيناً ويصلي حيناً، وهل يعتبر من المسلمين أم لا؟ وكيف يتعامل معه إن كان من الأقارب؟ الجواب اتفق السلف رضوان الله عليهم وأجمعوا على أن ترك الصلاة كفر، ثم اختلفوا متى يكون كافراً؟ هل هو عند الترك المطلق، أو عند مطلق الترك، يعني: هل يكون بترك فرض أو فرضين، أو يكون بالترك نهائياً. قال بالأول بعضهم، وقال بالثاني: آخرون، والتحقيق في هذه المسألة هو: أن من ترك الصلاة حتى سمي تاركاً وصح عليه لفظ الترك فقد كفر، يعني: من يمر عليه شهران، ثلاثة، أو أربعة أشهر، فهذا يتحقق فيه اسم الترك إذا لم يصل فرضاً فيها، وحينئذ يكون كافراً، هذا بالنسبة للحكم. أما بالنسبة للتعامل فهو ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: التعامل الدعوي، فالتعامل الدعوي حتى مع الكافر، ينبغي أن نعامله بلطف من أجل أن نكسبه ونستميل قلبه إلى الإيمان، سواء كان تاركاً للصلاة، أو شارباً للخمر، أو صاحب ذنوب ومعاص كثيرة، وأن نجذبه بإحسان، لكن النوع الثاني من التعامل، هو: التعامل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعني: لو أن إنساناً له أخت عند شخص لا يصلي بالمرة، فهذا لابد أن يسحب أخته؛ لأنها إذا بقيت عنده فستكون معاشرته لها بالحرام؛ لأن التارك للصلاة بالمرة ليس بمؤمن، بل هو كافر، والله يقول: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]، فلا يجوز حينئذ أن تبقى عنده أبداً. إذاً: هناك فرق بين التعامل في حالة التعامل نفسها، مثلاً: رجل لا يصلي بالمرة، وتعرف أنه لا يصلي، ثم مات فلا تصل عليه، وإذا كنت تغسل الموتى فلا تغسله، وإذا كان قريباً لك فتمتنع من الإرث؛ لأنه ليس بمسلم إذا تيقنت أنه كافر، لكن لا يستعجل الإنسان في هذه الأمور، بل ينبغي أن يكون متريثاً، ودقيقاً فيها؛ لأنه يترتب عليها كثير من المشكلات.

стр. 445

الفرق بين المشرك والكافر السؤال ما الفرق بين المشرك والكافر؟ الجواب هو نفسه الفرق بين الشرك والكفر، وهما بابان لحقيقة واحدة، فالشرك: هو عبادة يصرفها الإنسان لغير الله مع الله، والكفر جحود لما أوجب الله عليه. نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 446

العقيدة الواسطية [٢٠] للصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم مكانتهم العظيمة في الإسلام, فهم حملة لوائه, وناشروه في الأقطار, ولذا كانت لهم منزلتهم في قلوب أهل السنة اعتقادًا يدينون الله تعالى به, فيرون وجوب سلامة صدورهم لأصحاب النبي ﷺ , ويعتقدون فضلهم على غيرهم, وتفاضل مراتبهم, والشهادة بالجنة لمن شهد له الرسول ﷺ بذلك, وتفاضل الأربعة الخلفاء, والبراءة من طريقة الرافضة والخوارج تجاههم, والإمساك عما شجر بينهم, وغير ذلك مما يعتقدونه بشأنهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

стр. 447

مسائل وأحكام في عقيدة أهل السنة في الصحابة إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. أما بعد: فسبب دخول باب الصحابة في أبواب العقيدة أنه وجد من الضالين المنحرفين عن سواء السبيل من طعن فيهم، وتكلم عليهم، ونقص من قدرهم، أو من رفع بعضهم فوق منزلته الشرعية التي يجب أن ينزله إياه. وهذا الباب يوجد في مصنفات أهل العلم في العقائد مثل: أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، والشريعة للآجري، والإبانة لـ ابن بطة، وغيرها من مصنفات أهل العلم في العقائد. وقد أفرد له البخاري ﵀ في صحيحه كتاباً مستقلاً سماه: كتاب المناقب، وكذلك الإمام مسلم في صحيحه أفرد له كتاباً سماه: كتاب الفضائل، وأورد فيه فضائل الصحابة رضوان الله عليهم. والإمام ابن ماجة القزويني رحمه الله تعالى جعله ضمن كتاب السنة في كتابه السنن. أما الترمذي ﵀؛ فإنه أفرد له كتاباً سماه: المناقب أيضاً. وقد صنف أهل العلم قديماً وحديثاً مصنفات مستقلة في موضوع الصحابة، ومن أشهرها كتاب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى الذي سماه: فضائل الصحابة. والصحابة رضوان الله عليهم جم غفير، يقول أبو زرعة الرازي: إن عدد الذين رأوا رسول الله ﷺ ورووا عنه وسمعوه يتجاوزون المائة ألف، فقد خطب النبي ﷺ في حجة الوداع بما يقارب المائة ألف، وقد رأوه ﷺ ، واجتمعوا به، واستمعوا إلى خطبته عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

стр. 448

تعريف الصحابي التعريف الدقيق والحد المنضبط للصحابي هو: كل من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك. والمقصود باسم الإشارة (ذلك) يعني: مات على الإيمان. وقولنا: من لقي النبي ﷺ ، يشمل الرجال والنساء، ويشمل كذلك من رآه بنظره، ومن سمعه بأذنه كالأعمى، ولهذا لفظة: (من لقي) أدق من لفظة: (من رأى). وقولنا: (وهو مؤمن به) يخرج من لقيه من الكفار، كعمه أبي لهب، أو أبو جهل، أو غيرهم من الكفار الذين التقوا برسول الله ﷺ ولم يسلموا، ومنهم اليهوديان اللذان التقيا مع النبي ﷺ ، فقالا له: (نشهد أنك رسول الله، فقال لهما رسول الله ﷺ : وما يمنعكما أن تتبعاني؟ قالا: تقتلنا يهود) فرجعوا ولم يؤمنوا، فهؤلاء وإن رأوا رسول الله ﷺ ، وشهدوا بأنه نبي مرسل من الله ، إلا أنهم ليسوا من الصحابة؛ لأنهم لم يؤمنوا به. وقولنا: (ومات على ذلك) يخرج به من لقي رسول الله ﷺ وهو مؤمن، ثم ارتد عن الإيمان، كبعض الذين التقوا برسول الله ﷺ وارتدوا وقاتلهم الصحابة وقتلوا، كـ مسيلمة الكذاب وغيره من المرتدين.

стр. 449

مسائل متعلقة بتعريف الصحابي وهناك مسائل يذكرها أهل العلم في تعريف الصحابي: المسألة الأولى: هل عيسى ﵇ يعتبر من الصحابة؟ الواقع أن عيسى ﵇ ينطبق عليه حد الصحابي، فقد لقي رسول الله ﷺ في السماء عندما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء، وهو مؤمن به، وهو لم يمت بعد، وسينزل في آخر الزمان، ثم يموت وهو مؤمن بالرسول ﷺ ولهذا ذكره بعض من ترجم لأصحاب النبي ﷺ . المسألة الثانية: هل النساء يدخلن في تعريف الصحابي؟ نعم. النساء يدخلن في تعريف الصحابي كما هو واضح في التعريف، فـ (مَن) مِن ألفاظ العموم التي تشمل الرجال والنساء. المسألة الثالثة: من ارتد ثم عاد إلى الإسلام بعد ذلك، كـ الأشعث بن قيس هل هو داخل في الصحابي؟ نقول: نعم. داخل في حد الصحابي، وهو ينطبق عليه أنه لقي النبي وهو مؤمن، ثم مات على الإيمان، لأنه بعد ردته آمن مرة أخرى. المسألة الرابعة: ما هو الدليل على أن من لقي الرسول ﷺ ولو مرة واحدة أنه من الصحابة؟ يعني: النبي ﷺ عندما حج وحج معه مائة ألف، ما الدليل على أن هؤلاء من الصحابة؟ الدليل على هذا: أن النبي ﷺ أمر عائشة ﵂ بأن تأمر أبا بكر أن يصلي بالناس، فراجعته في ذلك، وقالت له: إن أبا بكر رجل رقيق، وإذا وقف مكانك لا يملك نفسه من البكاء، فقال النبي ﷺ : (إنكن صويحبات يوسف، مرن أبا بكر فليصل بالناس) فسمى من لقي يوسف ﵇ من النسوة اللاتي قطعن أيديهن، وهن لم يلتقين به إلا مرة واحدة صويحبات، وهذا دليل واضح على أن من لقي إنساناً مرة واحدة فإنه يسمى صاحبه لغة. المسألة الخامسة: أن الصحابة ليسوا على مرتبة واحدة في الفضل؛ فمن رأى رسول الله ﷺ مرة واحدة ليس كمن عاش مع النبي ﷺ وجاهد معه وبذل، وليس كمن رافقه كـ أبي بكر الصديق ودافع عنه، واجتهد في نصرة الدين معه، ليسوا على درجة واحدة.

стр. 450

سلامة قلوب أهل السنة وألسنتهم للصحابة رضي الله تعالى عنهم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: [ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ]. ممن يتفق مع أهل السنة والجماعة من الطوائف في باب الصحابة: الأشاعرة والماتريدية؛ ولهذا يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه منهاج السنة النبوية: أن لفظة (أهل السنة) تطلق ويراد بها ما يطلقه العامة، والعامة تطلق أهل السنة فيما يقابل الشيعة الروافض الذين يشتمون أصحاب النبي ﷺ ، وبهذا المعنى يكون الأشاعرة من أهل السنة وهو الإطلاق الذي تطلقه العامة، وهذا إطلاق عرفي؛ لأن الأشاعرة وأهل السنة والماتريدية اتفقوا على مخالفة الشيعة في هذه المسألة من مسائل العقيدة، فسموا هؤلاء الطوائف أهل السنة، وهذا اصطلاح عرفي تطلقه العامة لا ينبني عليه مدح ولا ذم إلا في موافقتهم للسنة فإنهم يمدحون في ذلك. والإطلاق الثاني هو: أن أهل السنة هم الذين يقابلون أهل البدعة، وحينئذ فلا يدخل الأشاعرة، ولا تدخل الماتريدية في هذا التعريف، فإن أهل السنة هم أهل السنة المحضة الخلص الصافين من الابتداع، والأشاعرة عندهم بدع عقائدية علمية وعملية في مثل باب الصفات والإيمان والقدر وغيرها. يقول: [ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]]. هذه الآية جاءت بعد آيتين في موضوع الصحابة، وهي في موضوع الفيء. الآية الأولى في المهاجرين: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر:٨] إلى آخر الآية. والآية الثانية في الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ [الحشر:٩]، والمقصود بالدار: المدينة. والآية الثالثة هي في أهل السنة الذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر:١٠] يعني: جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠]، وقد أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية فائدة فقهية، وهي: أن الشيعة ومن سب أصحاب النبي ﷺ ليس له شيء في الفيء، فإن الله قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر:٨] ثم قال في الآية التي بعدها: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾ [الحشر:٩] يعني: لهم نصيب في الفيء، ثم قال في الآية الثالثة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] والشيعة ليسوا من المهاجرين، وليسوا من الأنصار، وليسوا من الطائفة التي تقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠]؛ لأنهم يتكلمون في أصحاب الرسول ﷺ .

стр. 451

اعتقاد أهل السنة فضل الصحابة على غيرهم يقول: [وطاعة النبي ﷺ في قوله]. طاعة هنا معطوفة على قوله: (سلامة قلوبهم) يعني: ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب الرسول ﷺ ، ومن أصولهم أيضاً: [طاعة النبي ﷺ في قوله: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)]. هذا الحديث حديث صحيح رواه البخاري ومسلم. يقول النبي ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق) يعني: في سبيل الله. (مثل أحد) وهو الجبل المعروف في المدينة. (ذهباً) يعني: تصدق بأغلى أنواع الأثمان. (ما بلغ) يعني: في الأجر والمكانة عند الله . (مد أحدهم) يعني: ما بلغ مثل ما يتصدق به الواحد من الصحابة بمقدار المد، وهو ربع الصاع (ولا نصيفه). وهنا تلاحظون مقابلة بين رجل من الصحابة ورجل من المؤمنين من غير الصحابة، هذا الرجل من المؤمنين تصدق بمثل أحد ذهباً في سبيل الله، وذاك الرجل من الصحابة تصدق بمقدار المد من الطعام، كيف عرفنا أن المقصود بالمد هنا الطعام؟ لأن المد من المكيلات، والذهب من الموزونات، ولا يمكن أن يقصد بالمد هنا مد الذهب، وإنما المقصود به مد الطعام؛ لأنه لو كان المقصود به مد الذهب لجعله من الموزونات. وما الفائدة أن يكون من المطعوم أو من الذهب؟ الفائدة: أن هذا المتصدق من غير الصحابة تصدق بما هو أكثر حجماً، وأجود نوعاً، والصحابي تصدق بما هو أقل حجماً وكماً وأقل نوعاً، ومع هذا فضل مد الصحابي على مثل الجبل من الذهب الذي يتصدق به من بعده. ولهذا صدقة الصحابة أفضل من صدقة غيرهم، وهذا يدل على أن فضل الصحابة أكبر من فضل غيرهم، فهل يصح أن يسب مثل هؤلاء الفضلاء؟!

стр. 452

اعتقاد أهل السنة تفاضل مراتب الصحابة يقول: [ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم]. وقد سبق أن أشرنا إلى أن أهل العلم رووا فضائلهم في الصحيحين والسنن، وجعلها بعضهم من العقيدة كما فعل الإمام ابن ماجة القزويني رحمه الله تعالى في سننه المعروفة بسنن ابن ماجة حيث جعلها في كتاب السنة؛ لأن علاقة فضائل الصحابة بالعقيدة علاقة قوية. يقول: [ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم، ويفضلون من أنفق من قبل الفتح -وهو صلح الحديبية- وقاتل على من أنفق من بعد وقاتل]. لا شك أن الصحابة ليسوا على مرتبة واحدة في الفضل، وإنما هم على مراتب، فمن أسلم قبل صلح الحديبية أفضل ممن أسلم بعد صلح الحديبية. الدليل على هذا: قول الله : ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد:١٠]. هذه الآية فيها تقرير واضح لفضل من أنفق من قبل الفتح وقاتل على من أنفق من بعد الفتح وقاتل. والدليل على أن الفتح هو صلح الحديبية: قول الله : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:٢٧]. وقد أنزل الله في هذه الحادثة -صلح الحديبية- سورة كاملة وهي سورة الفتح وبدأها بقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١] فسمي صلح الحديبية فتحاً. وقد يقول قائل: كيف يسمى صلح الحديبية فتحاً مع أنه صلح اتفاق مع الكفار على شروط، وقد رأى بعض الصحابة رضوان الله عليهم أن في هذه الشروط تقليلاً لهيبة المسلمين، وتعظيماً لقوة الكافرين، ومع هذا سمي فتحاً؟ نقول: كان ذلك فتحاً بإذن الله وبأمره، وذلك أن هذه الفترة التي عاهد النبي ﷺ فيها الكفار كانت من أعظم الفترات التي أسلم فيها عدد كبير من الصحابة رضوان الله عليهم، فقد جاء النبي ﷺ وهو في صلح الحديبية بألف وأربعمائة وحصل الصلح، ودخل مكة فاتحاً بعشرة آلاف، وهذا يدل على الفتح العظيم الذي حصل بهذا الصلح. إذاً: الصحابة الذين أسلموا قبل صلح الحديبية أفضل من الصحابة الذين أسلموا بعد صلح الحديبية. يقول: [ويقدمون المهاجرين على الأنصار]. لأن المهاجرين أسلموا قبل الأنصار، ولأنهم جمعوا بين خصلتي الهجرة والنصرة، أما الأنصار فلهم خصلة النصرة. يقول: [ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر - وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر -: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)]. هذا حديث رواه البخاري ورواه مسلم في قصة حاطب بن أبي بلتعة عندما كتب رسالة إلى أهل مكة يخبرهم فيها بأن النبي ﷺ قادم إليهم، فجاء الوحي إلى النبي ﷺ بذلك، فأرسل علياً بن أبي طالب ومعه آخر وقال: ستجدون امرأة في مكان كذا وكذا معها كتاب من حاطب إلى أهل مكة فجاءوا إلى المكان المعين، فوجدوا هذه المرأة وطلبوا منها الكتاب فرفضت، فهددها علي بن أبي طالب ﵁ أنها إن لم تأت بالكتاب فإنه سيعريها من ملابسها، فلما رأت منه العزم أخرجت الكتاب. فلما جيء بالكتاب إلى النبي ﷺ قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنق هذا المنافق، وهذا يدل على أن موالاة الكفار من النفاق، ولم ينكر عليه النبي ﷺ في كون هذا العمل من النفاق، لكنه سأل المعين وهو حاطب - قائلاً: ما حملك على ذلك؟! فتأول حاطب وهذا يدل على أن الإنسان إذا تلبس بالكفر فإنه لا يلزم أن يكون كافراً مباشرة، ولا بد من توفر الشروط وانتفاء الموانع، ومن ذلك: التأول؛ فإن حاطباً تأول، حيث كان له مال في مكة، وليس له أحد يحمي ماله في مكة، وخشي أن يتلاعب به الكفار، فقال: يا رسول الله! إن لأصحابك من يحمي أموالهم في مكة، وليس لي أحد يحمي مالي في مكة، ثم قال النبي ﷺ لـ عمر: (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر -وحاطب منهم- فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). وقد عد ابن سعد في الطبقات الكبرى أسماء الثلاثمائة والأربعة عشر في كتابه؛ لأنه أفرد للبدريين طبقة خاصة لفضلهم. أما قوله: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، فليس فيه دعوة إلى فعل المعاصي، ويمكن مراجعة كلام ابن القيم ﵀ في الفوائد لمعرفة هذه القضية. يقول: [وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة]. هذه البيعة حصلت في صلح الحديبية؛ فإن الصح

стр. 453

شهادة أهل السنة بالجنة لمن شهد لهم الرسول ﷺ من الصحابة يقول: [ويشهدون -يعني: أهل السنة- بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ ]. فمن شهد له رسول الله ﷺ له بالجنة يشهدون له بالجنة يقيناً لا تردد فيه، أما غيرهم من العلماء والصالحين والفضلاء فإننا نرجو لهم الجنة، لكن لا نشهد يقيناً بها لأحد إلا لمن شهد له رسول الله ﷺ يقيناً بها كالعشرة وهم معروفون، وسموا بالعشرة لأنهم جمعوا في حديث واحد رواه أبو داود. ومنهم ثابت بن قيس بن شماس وهو صحابي جليل تأثر من قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١]، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات:٣]، وقبلها بين أن من رفع صوته فإنه يكاد أن يحبط عمله، وكان رجلاً ذا صوت مرتفع، فخشي أن يكون ممن شملته هذه الآية، فبقي في بيته لا يشهد صلاة الجماعة، فأرسل إليه النبي ﷺ ، فأخبره بما يظن، فبشره النبي ﷺ بالجنة. يقول: [وغيرهم]. وغيرهم كثير كأمهات المؤمنين مثلاً، وورقة بن نوفل؛ فإن النبي ﷺ يقول: (لا تسبوا ورقة، فإني رأيت له جنة أو جنتين). وأيضاً: كأصحاب الشجرة وأهل بدر فإنهم يدخلون في هذا، وغيرهم ممن شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، ومنهم بلال بن رباح وغيره.

стр. 454

اعتقاد أهل السنة تفاضل الأربعة بحسب ترتيب خلافتهم يقول: [ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وغيره: من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويثلثون بـ عثمان، ويربعون بـ علي ﵃ كما دلت الآثار]. قوله: (يثلثون) يعني: يجعلون عثمان ثالثاً. وقوله: (يربعون) يعني: يجعلون علياً بن أبي طالب رابعاً. ولا شك أن أهل السنة أجمعوا على أن أفضل الصحابة على الإطلاق أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب ﵁. أما عثمان وعلي بن أبي طالب فإن أكثر أهل السنة على أن عثمان أفضل من علي بن أبي طالب ﵁، ووجد من أهل السنة من قال بأن علياً أفضل من عثمان، فيجعلون الترتيب كالآتي: أفضل الصحابة أبو بكر ثم عمر ثم علي ثم عثمان في الفضل. أما في الخلافة والبيعة فإنهم مجمعون على أن الخلفاء بالترتيب التالي: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. إذاً: الخلاف الواقع بين أهل السنة في أول الأمر هو في أفضيلة علي على عثمان، وليس في كونه أولى بالخلافة منه؛ لأنهم متفقون على أن عثمان أولى بالخلافة من علي بن أبي طالب ﵁. وهذا الاتفاق يدل على ضعف قول من فضل علياً بن أبي طالب على عثمان ﵃ أجمعين، فإذا كان عثمان أولى بالخلافة منه، وقد بويع بالخلافة، ورضيه علي وسائر الصحابة، وعليه أهل السنة من بعدهم، فهو أيضاً يدل على فضله عليه، وليس في فضل أحدهم على الآخر منقصة للآخر، بل هو فاضل ولكنه أمام الآخر يعد مفضولاً.

стр. 455

الآثار الدالة على تفاضل الأربعة وقوله: (وقد دلت على ذلك الآثار) والآثار في هذا الموضوع كثيرة جداً، منها: ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵁ أنه قال: كنا في زمن النبي ﷺ -يعني: والنبي يقر هذا- لا نعدل بـ أبي بكر أحداً، ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم. وقد صرح علي بن أبي طالب ﵁ أكثر من مرة على المنبر في الكوفة: أن أفضل أصحاب النبي ﷺ هم أبو بكر وعمر، وقد سأله ابنه محمد بن الحنفية وقال له: من أفضل أصحاب النبي ﷺ ؟ قال له: أبو بكر، ثم قال له ابنه: ثم من؟ قال: ثم عمر، يقول محمد: فخشيت أن أقول: ثم من؟ فيقول: عثمان. وهذا يدل على قوة رأي من فضل عثمان على علي ﵃ أجمعين. يقول محمد الحنفية: فقلت له: ثم أنت؟ فقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين. ويقول شريك بن عبد الله القاضي، وقد كان من محبي علي بن أبي طالب ﵁، يقول: سمعت علياً بن أبي طالب يقول على أعواد منبر الكوفة، أفضل أصحاب النبي ﷺ أبو بكر وعمر. وهذا يدل على أن من فضل علياً بن أبي طالب على أبي بكر وعمر فهو ضال مبتدع بمخالفته لأقوال النبي ﷺ ، ولما تواتر عن الصحابة رضوان الله عليهم في هذا الأمر، والمخالف للإجماع ضال، لقول الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥].

стр. 456

المفاضلة بين علي وعثمان رضي الله تعالى عنهما يقول شيخ الإسلام: [وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة - يعني: في الخلافة - مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على أبي بكر وعمر أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان وسكتوا وربعوا بـ علي، وقدم قوم علياً، وقوم توقفوا]. إذاً: في مسألة أفضلية علي على عثمان أو عثمان على علي أربعة أقوال: القول الأول وهو الصحيح: تفضيل عثمان على علي بن أبي طالب ﵄. والقول الثاني: أنهم كانوا يفضلون فيقولون: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم يسكتون. والقول الثالث: أنهم كانوا يقولون: أفضل الصحابة هم أبو بكر ثم عمر ثم علي ثم عثمان. والقول الرابع: التوقف في المسألة، يقولون: أبو بكر ثم عمر ثم يتوقفون في أيهما أفضل عثمان أم علي. يقول: [لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان على علي]. وهذا يدل على أن الواسطية دقيقة الألفاظ، فقد بين أن مسألة تقديم علي على عثمان نوعان: الأولى: تقديم في الأفضلية، وهذا محل خلاف، وليست من مسائل الأصول التي يضلل فيها المخالف، وإن كان الراجح: هو تقديم عثمان على علي. الثانية: مسألة الخلافة والبيعة: ولا شك أن عثمان بن عفان متقدم على علي فيها، وهذا التقدم يصح أن يكون دليلاً على من قدم عثمان على علي في الأفضلية؛ لأنه لا يمكن أن يكون المفضول خليفة والفاضل موجوداً؛ لأن هذه خلافة راشدة أخبر عنها النبي ﷺ . يقول: [وإن كانت هذه المسألة -مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي]. ولا شك أن هذه من الدقة عند شيخ الإسلام ﵀. يقول: [ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله]. يعني: من طعن في خلافة أبي بكر، أو في خلافة عمر، أو في خلافة عثمان، أو في خلافة علي فهو ضال مضل، وهو أجهل من حمار أهله.

стр. 457

براءة أهل السنة من طريقة الروافض والنواصب تجاه الصحابة ثم يقول: [ويتبرءون من طريقة الروافض]. الروافض: جمع رافضي، والرافضة سموا رافضة؛ لأنهم رفضوا زيداً بن علي بن الحسين عندما تولى الشيخين، فإنه عندما فضل أبا بكر وعمر على علي قالت له الرافضة: إما أن تقدم علياً وتفضله على الشيخين وإلا تركناك، فتركوه فقال: رفضتموني، فسموا: رافضة. يقول: [الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم]. والشيعة المعاصرون يكفرون أصحاب النبي ﷺ ، وإذا كفروهم فطبيعي أن يسبوهم ويشتموهم، ويتهموهم بأي أمر من الأمور؛ لأنه ليس بعد اتهامهم بالكفر مصيبة أكبر منها. والحقيقة: أن طريقة الشيعة طريقة خطيرة جداً؛ لأننا إذا كفرنا أصحاب الرسول ﷺ وهم نقلة الشريعة والأخبار عن الرسول ﷺ ؛ فحينئذ لا يثبت عندنا حديث، فأحاديث أبي هريرة كلها باطلة عندهم، وأحاديث عائشة مثلها، وأحاديث أنس وابن عباس وابن عمر وغيرهم من الصحابة جميعاً كلها باطلة غير صحيحة. إذاً: لن يبقى من السنة إلا مجموعة أحاديث قليلة رواها علي بن أبي طالب، أو المسور بن مخرمة أو سلمان الفارسي، وهم تقريباً خمسة من الصحابة الذين لا يسبونهم، وهذا كما قال أهل العلم في حقيقته: طي لبساط الشريعة، يعني: لا يصبح هناك شريعة؛ لأن الآثار جميعاً غير مقبولة عند هؤلاء. يقول: [ويتبرءون أيضاً من طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل]. والنواصب: جمع ناصبي، وهم من ناصبوا علياً بن أبي طالب وذريته العداء، كـ الحجاج بن يوسف الثقفي ومسلم بن عقبة الذي كان قائداً له عندما قاتل أهل مكة، وكان السلف يسمونه: مسرفاً، وغيرهم من عمال بني أمية، وبعض الأمويين ممن كان ضد أهل البيت وناصبهم العداء.

стр. 458

اعتقاد أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة يقول: [ويمسكون عما شجر بين الصحابة]. الخلاف الذي وقع بين الصحابة عندما اقتتلوا بعد عثمان بن عفان ﵁ خلاف اجتهادي، فبعد قتل عثمان بن عفان ﵁ انقسم الناس إلى ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: هم طائفة الخلافة، وهم علي بن أبي طالب ﵁ ومن معه، وهؤلاء قالوا: ننتظر حتى يهدأ الناس ثم نتتبع قتلة عثمان ونقتلهم جميعاً. والطائفة الثانية: هم أهل الشام معاوية بن أبي سفيان ﵁ ومن معه، وهؤلاء قالوا: لا بد من قتل هؤلاء الذين قتلوا عثمان الآن. والطائفة الثالثة: هم الذين أمسكوا عن الفتنة. والممسكون عن الفتنة أنواع: فبعضهم: أمسك عن الفتنة وهم عامة الصحابة كـ سعد بن أبي وقاص ﵁ وغيره من الصحابة؛ لأنهم يحفظون أخباراً عن النبي ﷺ أنها ستقع فتنة، وأن الممسك عنها هو صاحب الحق. وبعضهم: أمسك لأنه لم يعرف وجه الحق في المسألة، كأهل الثغور الذين كانوا على الحدود والمشاركين في الجهاد في سبيل الله. وبعضهم: أمسك لأنه لم يعرف الحق لكنه وقع في بدعة، وهي قوله: إن الطائفتين مخطئتان. والصحيح في هذه المسألة هو: أن أصحاب النبي ﷺ جميعاً أهل خير وصدق، والفتنة التي وقعت عندهم وقعت باجتهاد، والاجتهاد يقول عنه النبي ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر). ونحن نعتقد أن المصيب في هذه الفتنة هو علي بن أبي طالب ﵁، وأن أهل الشام معاوية بن أبي سفيان ﵁ وعمرو بن العاص ﵁ ومن معهم أخطئوا في هذه الفتنة، لكن ما عندهم من الفضل والخير والجهاد مع النبي ﷺ ومن الصحبة تمسح هذا الخطأ إن لم يكونوا مأجورين فيه؛ لأن المجتهد إذا كان مصيباً فله أجران، وإذا كان مخطئاً فله أجر، فهو ليس بآثم أصلاً. ولو فرضنا أن بعضهم وقع في الإثم؛ فإن ما وقعوا فيه من الإثم أقل بكثير جداً من فضائلهم وحسناتهم، والله يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]. يعني: لو فرضنا أنهم وقعوا في خطأ وزلة فإن الحسنات تذهب هذه السيئة، والصحابة ليسوا بمعصومين من الخطأ، وقد يقع بعضهم في الكبائر، وقد وقع بعضهم في الزنا، لكن ما عندهم من فضل الصحبة والجهاد والصدق ونصرة الدين وإقامته ومحبة الرسول ﷺ ؛ لا يقف معه خطأ أبداً. والميزان الحقيقي الصحيح هو: أن الصحبة لا يقف دونها خطأ، والواجب فيما شجر بين الصحابة: الإمساك وترك الخوض فيه، وخصوصاً العامة ومن لا علم عنده، لا سيما وقد روي في هذه الأحداث كثير من الأخبار الموضوعة والمكذوبة والتي هي من الكذب المحض، ولهذا استغل المستشرقون وأذنابهم من المستغربين هذه الحادثة استغلالاً بشعاً؛ فإنهم اعتمدوا في كثير من أخبار في هذه الفتنة على روايات وضعتها الشيعة، وعلى أخبار موضوعة ومكذوبة، وأصبحوا يتحدثون عن الفتنة التي وقعت بين الصحابة كأنها قضية سياسية معاصرة، فتجد مثلاً بعض المستشرقين يتحدث عن الفتنة فيقول: انقسم الصحابة إلى ثلاثة أحزاب: الحزب الأول: حزب المحافظين. الحزب الثاني: حزب اليسار. الحزب الثالث: حزب المتوقفين عن الموضوع. وتقدم حزب اليمين خطوتين وتراجع حزب كذا، وهكذا يتعامل مع المسألة كأنه يتعامل مع حدث سياسي في الديمقراطية الأمريكية، وجهل أن الصحابة رضوان الله عليهم الدين تربوا على يد الرسول ﷺ ما عرفوا الخبث، ولا الغدر، ولا الخيانة، وإذا وقع عند بعضهم خطأ؛ فإنه يقع باجتهاد وبنصح لله ولرسوله وللمسلمين. ولهذا أقول: تعامل هؤلاء مع هذه الحادثة ومع غيرها من الحوادث كحادثة خلافة أبي بكر الصديق ﵁ عامل قبيح جداً، فإنهم صوروهم على أنهم أحزاب سياسية، وأنهم يسعون للوصول إلى الحكم، وأن كل طائفة من هذه الطوائف تراوغ وتحاول، ثم اجتهدوا في البحث في كتب التاريخ -خصوصاً الموضوعات التي كان يضعها الشيعة- واستخدموها استخداماً قبيحاً جداً في تشويه صورة الصحابة رضوان الله عليهم. وهكذا من يعتمد في دراساته ومؤلفاته على المستشرقين يقع في نفس الخطأ، مثل الدكتور علي سامي النشار وغيره من الأساتذة الذين كتبوا في هذه الأحداث وقعوا في الخطأ، لأنهم يعتمدون على المستشرقين، والمستشرقون يعتمدون على روايات الشيعة في هذه المسألة، وقد صنف الشيعة في الجمل وصفين كتباً كثيرة جداً. ومن المصنفين ورواة الشيعة المشاهير: أبو مخنف وهو لوط بن يحيى، وقد قال عنه بعض السلف: إن الواقدي -وهو من رواة السير ومتروك في الحديث- خير من ملء الأرض من مثل أبي مخنف، لأن أبا مخنف وضاع كذاب شيعي

стр. 459

معتقد أهل السنة في المروي في مساوئ الصحابة وما صدر عنهم من الزلل يقول: [ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز الذنوب عليهم في الجملة]. لكن إجماع الصحابة معصوم، أي: أن أفراد الصحابة غير معصومين، لكن الإجماع معصوم ولا شك. والدليل على عصمته: هو قول الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء:١١٥] فاعتبر سبيل المؤمنين، وأن اتباع غيره ضلال يوجب العقوبة، ويوجب أن يكون من أهل جهنم. يقول: [ولهم من السوابق -يعني: السابقة في الإسلام- والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم. وقد ثبت بقول الرسول ﷺ أنهم خير القرون]. وهذا ثابت في صحيح مسلم: أن النبي ﷺ قال: (خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم). قال: [وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهباً ممن بعدهم، كما دل عليه الحديث السابق المتفق عليه. ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ وهم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف في الأمور التي كانوا فيها مجتهدين، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور؟!]. وهذا واضح، فإن للصحابة من الفضل والسابقة والمكانة ما يستحق به مغفرة ذنوبهم إن وقعوا فيها. [ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغفور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما من الله عليهم به من الفضائل علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله]. ولهذا اهتم العلماء بجمع تاريخ الصحابة، فألف ابن الأثير كتاب (أسد الغابة في معرفة الصحابة) وألف أبو نعيم وابن مندة كتباً في معرفة الصحابة، وألف الحافظ ابن حجر (الإصابة في معرفة الصحابة) وكل من تكلم عن تاريخ المسلمين يبدأه بالصحابة وتاريخهم وفضلهم، والذي يقرأ فيه يتعجب من عبادتهم وتقواهم وإخلاصهم لله ، وخوفهم من الله ، وحرصهم وبذلهم، وجهادهم مع النبي ﷺ في أوقات متعبة ومضنية، ومع ذلك كانوا أشد الناس ثباتاً.

стр. 460

محبة أهل السنة لآل بيت رسول الله ﷺ يقول: [ويحبون -يعني: أهل السنة- أهل بيت رسول الله ﷺ ]. وأهل البيت يدخل فيهم أزواج النبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]. فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب:٣٣] جاء في سياق الحديث عن نساء النبي ﷺ ؛ فهن من أولى من دخل في آل بيته ﷺ . وأيضاً: من آل البيت جماعات آخرين وردت فيهم رواية في صحيح مسلم من حديث الحصين بن سبرة أنه قال لـ زيد بن أرقم: ومن أهل بيته يا زيد؟ يعني: من أهل بيت الرسول ﷺ ، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، يعني: آل الحسن وآل الحسين وآل محمد بن الحنفية وآل عقيل، وهو عقيل بن أبي طالب أخو علي بن أبي طالب ابن عم النبي ﷺ . وآل جعفر: وهو جعفر بن أبي طالب أيضاً ابن عم النبي ﷺ . وآل عباس: والعباس هو ابن عبد المطلب عم النبي ﷺ . فكل هؤلاء حرام عليهم الصدقة. إذاً: آل البيت يشمل أزواج النبي ﷺ ، وآل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، يشمل هؤلاء جميعاً ومن جاء من بعدهم من نسلهم. وآل البيت لهم أحكام فقهية تحدث عنها أهل العلم في أماكنها، ومنها: أن الصدقة محرمة عليهم، وأن لهم حقاً في بيت مال المسلمين. يقول: [ويحبون أهل بيت النبي ﷺ ]. وتخصيصه أهل البيت؛ لأن أهل البيت بالذات لهم ثلاثة أمور تجلب محبتهم: الأمر الأول: الإيمان. والأمر الثاني: الصحبة. والأمر الثالث: لأنه من آل بيت النبي ﷺ . ومحبة آل بيت النبي ﷺ أمر معتبر شرعاً، ولهذا ثبت عن النبي ﷺ أنه قال للصحابة: (أذكركم الله في أهل بيتي). يقول: [ويحبون أهل بيت النبي ﷺ ، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خم]. وغدير خم هذا غدير قريب من الجحفة، قريب من منطقة رابغ بين مكة والمدينة، وقال النبي ﷺ هذا القول عندما رجع من حجة الوداع في الثامن عشر من ذي الحجة، لما جاء إلى غدير خم قال للصحابة رضوان الله عليهم: (أذكركم الله في أهل بيتي) وهذه وصية واضحة. وقال أيضاً للعباس عمه، وقد اشتكى إليه بعض قريش من بني هاشم، فقال: (والذي نفسي بيده! لا يؤمنوا حتى يحبوكم لله ولقرابتي) وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود الطيالسي، ورواه أيضاً الإمام أحمد في فضائل الصحابة، وفي إسناده ضعف، ويمكن مراجعة كلام محقق فضائل الصحابة على هذا الحديث. وقال ﵊: (إن الله اصطفى بني إسماعيل من العرب، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) وهذا حديث صحيح رواه مسلم.
следующие страницы →