Полный текст (493 стр.). Показаны 456–493 · переход к 461.
стр. 456
المفاضلة بين علي وعثمان رضي الله تعالى عنهما
يقول شيخ الإسلام: [وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة - يعني: في الخلافة - مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على أبي بكر وعمر أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان وسكتوا وربعوا بـ علي، وقدم قوم علياً، وقوم توقفوا].
إذاً: في مسألة أفضلية علي على عثمان أو عثمان على علي أربعة أقوال: القول الأول وهو الصحيح: تفضيل عثمان على علي بن أبي طالب ﵄.
والقول الثاني: أنهم كانوا يفضلون فيقولون: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم يسكتون.
والقول الثالث: أنهم كانوا يقولون: أفضل الصحابة هم أبو بكر ثم عمر ثم علي ثم عثمان.
والقول الرابع: التوقف في المسألة، يقولون: أبو بكر ثم عمر ثم يتوقفون في أيهما أفضل عثمان أم علي.
يقول: [لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان على علي].
وهذا يدل على أن الواسطية دقيقة الألفاظ، فقد بين أن مسألة تقديم علي على عثمان نوعان: الأولى: تقديم في الأفضلية، وهذا محل خلاف، وليست من مسائل الأصول التي يضلل فيها المخالف، وإن كان الراجح: هو تقديم عثمان على علي.
الثانية: مسألة الخلافة والبيعة: ولا شك أن عثمان بن عفان متقدم على علي فيها، وهذا التقدم يصح أن يكون دليلاً على من قدم عثمان على علي في الأفضلية؛ لأنه لا يمكن أن يكون المفضول خليفة والفاضل موجوداً؛ لأن هذه خلافة راشدة أخبر عنها النبي ﷺ .
يقول: [وإن كانت هذه المسألة -مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي].
ولا شك أن هذه من الدقة عند شيخ الإسلام ﵀.
يقول: [ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله].
يعني: من طعن في خلافة أبي بكر، أو في خلافة عمر، أو في خلافة عثمان، أو في خلافة علي فهو ضال مضل، وهو أجهل من حمار أهله.
стр. 457
براءة أهل السنة من طريقة الروافض والنواصب تجاه الصحابة
ثم يقول: [ويتبرءون من طريقة الروافض].
الروافض: جمع رافضي، والرافضة سموا رافضة؛ لأنهم رفضوا زيداً بن علي بن الحسين عندما تولى الشيخين، فإنه عندما فضل أبا بكر وعمر على علي قالت له الرافضة: إما أن تقدم علياً وتفضله على الشيخين وإلا تركناك، فتركوه فقال: رفضتموني، فسموا: رافضة.
يقول: [الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم].
والشيعة المعاصرون يكفرون أصحاب النبي ﷺ ، وإذا كفروهم فطبيعي أن يسبوهم ويشتموهم، ويتهموهم بأي أمر من الأمور؛ لأنه ليس بعد اتهامهم بالكفر مصيبة أكبر منها.
والحقيقة: أن طريقة الشيعة طريقة خطيرة جداً؛ لأننا إذا كفرنا أصحاب الرسول ﷺ وهم نقلة الشريعة والأخبار عن الرسول ﷺ ؛ فحينئذ لا يثبت عندنا حديث، فأحاديث أبي هريرة كلها باطلة عندهم، وأحاديث عائشة مثلها، وأحاديث أنس وابن عباس وابن عمر وغيرهم من الصحابة جميعاً كلها باطلة غير صحيحة.
إذاً: لن يبقى من السنة إلا مجموعة أحاديث قليلة رواها علي بن أبي طالب، أو المسور بن مخرمة أو سلمان الفارسي، وهم تقريباً خمسة من الصحابة الذين لا يسبونهم، وهذا كما قال أهل العلم في حقيقته: طي لبساط الشريعة، يعني: لا يصبح هناك شريعة؛ لأن الآثار جميعاً غير مقبولة عند هؤلاء.
يقول: [ويتبرءون أيضاً من طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل].
والنواصب: جمع ناصبي، وهم من ناصبوا علياً بن أبي طالب وذريته العداء، كـ الحجاج بن يوسف الثقفي ومسلم بن عقبة الذي كان قائداً له عندما قاتل أهل مكة، وكان السلف يسمونه: مسرفاً، وغيرهم من عمال بني أمية، وبعض الأمويين ممن كان ضد أهل البيت وناصبهم العداء.
стр. 458
اعتقاد أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة
يقول: [ويمسكون عما شجر بين الصحابة].
الخلاف الذي وقع بين الصحابة عندما اقتتلوا بعد عثمان بن عفان ﵁ خلاف اجتهادي، فبعد قتل عثمان بن عفان ﵁ انقسم الناس إلى ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: هم طائفة الخلافة، وهم علي بن أبي طالب ﵁ ومن معه، وهؤلاء قالوا: ننتظر حتى يهدأ الناس ثم نتتبع قتلة عثمان ونقتلهم جميعاً.
والطائفة الثانية: هم أهل الشام معاوية بن أبي سفيان ﵁ ومن معه، وهؤلاء قالوا: لا بد من قتل هؤلاء الذين قتلوا عثمان الآن.
والطائفة الثالثة: هم الذين أمسكوا عن الفتنة.
والممسكون عن الفتنة أنواع: فبعضهم: أمسك عن الفتنة وهم عامة الصحابة كـ سعد بن أبي وقاص ﵁ وغيره من الصحابة؛ لأنهم يحفظون أخباراً عن النبي ﷺ أنها ستقع فتنة، وأن الممسك عنها هو صاحب الحق.
وبعضهم: أمسك لأنه لم يعرف وجه الحق في المسألة، كأهل الثغور الذين كانوا على الحدود والمشاركين في الجهاد في سبيل الله.
وبعضهم: أمسك لأنه لم يعرف الحق لكنه وقع في بدعة، وهي قوله: إن الطائفتين مخطئتان.
والصحيح في هذه المسألة هو: أن أصحاب النبي ﷺ جميعاً أهل خير وصدق، والفتنة التي وقعت عندهم وقعت باجتهاد، والاجتهاد يقول عنه النبي ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر).
ونحن نعتقد أن المصيب في هذه الفتنة هو علي بن أبي طالب ﵁، وأن أهل الشام معاوية بن أبي سفيان ﵁ وعمرو بن العاص ﵁ ومن معهم أخطئوا في هذه الفتنة، لكن ما عندهم من الفضل والخير والجهاد مع النبي ﷺ ومن الصحبة تمسح هذا الخطأ إن لم يكونوا مأجورين فيه؛ لأن المجتهد إذا كان مصيباً فله أجران، وإذا كان مخطئاً فله أجر، فهو ليس بآثم أصلاً.
ولو فرضنا أن بعضهم وقع في الإثم؛ فإن ما وقعوا فيه من الإثم أقل بكثير جداً من فضائلهم وحسناتهم، والله يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤].
يعني: لو فرضنا أنهم وقعوا في خطأ وزلة فإن الحسنات تذهب هذه السيئة، والصحابة ليسوا بمعصومين من الخطأ، وقد يقع بعضهم في الكبائر، وقد وقع بعضهم في الزنا، لكن ما عندهم من فضل الصحبة والجهاد والصدق ونصرة الدين وإقامته ومحبة الرسول ﷺ ؛ لا يقف معه خطأ أبداً.
والميزان الحقيقي الصحيح هو: أن الصحبة لا يقف دونها خطأ، والواجب فيما شجر بين الصحابة: الإمساك وترك الخوض فيه، وخصوصاً العامة ومن لا علم عنده، لا سيما وقد روي في هذه الأحداث كثير من الأخبار الموضوعة والمكذوبة والتي هي من الكذب المحض، ولهذا استغل المستشرقون وأذنابهم من المستغربين هذه الحادثة استغلالاً بشعاً؛ فإنهم اعتمدوا في كثير من أخبار في هذه الفتنة على روايات وضعتها الشيعة، وعلى أخبار موضوعة ومكذوبة، وأصبحوا يتحدثون عن الفتنة التي وقعت بين الصحابة كأنها قضية سياسية معاصرة، فتجد مثلاً بعض المستشرقين يتحدث عن الفتنة فيقول: انقسم الصحابة إلى ثلاثة أحزاب: الحزب الأول: حزب المحافظين.
الحزب الثاني: حزب اليسار.
الحزب الثالث: حزب المتوقفين عن الموضوع.
وتقدم حزب اليمين خطوتين وتراجع حزب كذا، وهكذا يتعامل مع المسألة كأنه يتعامل مع حدث سياسي في الديمقراطية الأمريكية، وجهل أن الصحابة رضوان الله عليهم الدين تربوا على يد الرسول ﷺ ما عرفوا الخبث، ولا الغدر، ولا الخيانة، وإذا وقع عند بعضهم خطأ؛ فإنه يقع باجتهاد وبنصح لله ولرسوله وللمسلمين.
ولهذا أقول: تعامل هؤلاء مع هذه الحادثة ومع غيرها من الحوادث كحادثة خلافة أبي بكر الصديق ﵁ عامل قبيح جداً، فإنهم صوروهم على أنهم أحزاب سياسية، وأنهم يسعون للوصول إلى الحكم، وأن كل طائفة من هذه الطوائف تراوغ وتحاول، ثم اجتهدوا في البحث في كتب التاريخ -خصوصاً الموضوعات التي كان يضعها الشيعة- واستخدموها استخداماً قبيحاً جداً في تشويه صورة الصحابة رضوان الله عليهم.
وهكذا من يعتمد في دراساته ومؤلفاته على المستشرقين يقع في نفس الخطأ، مثل الدكتور علي سامي النشار وغيره من الأساتذة الذين كتبوا في هذه الأحداث وقعوا في الخطأ، لأنهم يعتمدون على المستشرقين، والمستشرقون يعتمدون على روايات الشيعة في هذه المسألة، وقد صنف الشيعة في الجمل وصفين كتباً كثيرة جداً.
ومن المصنفين ورواة الشيعة المشاهير: أبو مخنف وهو لوط بن يحيى، وقد قال عنه بعض السلف: إن الواقدي -وهو من رواة السير ومتروك في الحديث- خير من ملء الأرض من مثل أبي مخنف، لأن أبا مخنف وضاع كذاب شيعي
стр. 459
معتقد أهل السنة في المروي في مساوئ الصحابة وما صدر عنهم من الزلل
يقول: [ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز الذنوب عليهم في الجملة].
لكن إجماع الصحابة معصوم، أي: أن أفراد الصحابة غير معصومين، لكن الإجماع معصوم ولا شك.
والدليل على عصمته: هو قول الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء:١١٥] فاعتبر سبيل المؤمنين، وأن اتباع غيره ضلال يوجب العقوبة، ويوجب أن يكون من أهل جهنم.
يقول: [ولهم من السوابق -يعني: السابقة في الإسلام- والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم.
وقد ثبت بقول الرسول ﷺ أنهم خير القرون].
وهذا ثابت في صحيح مسلم: أن النبي ﷺ قال: (خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
قال: [وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهباً ممن بعدهم، كما دل عليه الحديث السابق المتفق عليه.
ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ وهم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف في الأمور التي كانوا فيها مجتهدين، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور؟!].
وهذا واضح، فإن للصحابة من الفضل والسابقة والمكانة ما يستحق به مغفرة ذنوبهم إن وقعوا فيها.
[ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغفور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما من الله عليهم به من الفضائل علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله].
ولهذا اهتم العلماء بجمع تاريخ الصحابة، فألف ابن الأثير كتاب (أسد الغابة في معرفة الصحابة) وألف أبو نعيم وابن مندة كتباً في معرفة الصحابة، وألف الحافظ ابن حجر (الإصابة في معرفة الصحابة) وكل من تكلم عن تاريخ المسلمين يبدأه بالصحابة وتاريخهم وفضلهم، والذي يقرأ فيه يتعجب من عبادتهم وتقواهم وإخلاصهم لله ، وخوفهم من الله ، وحرصهم وبذلهم، وجهادهم مع النبي ﷺ في أوقات متعبة ومضنية، ومع ذلك كانوا أشد الناس ثباتاً.
стр. 460
محبة أهل السنة لآل بيت رسول الله ﷺ
يقول: [ويحبون -يعني: أهل السنة- أهل بيت رسول الله ﷺ ].
وأهل البيت يدخل فيهم أزواج النبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣].
فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب:٣٣] جاء في سياق الحديث عن نساء النبي ﷺ ؛ فهن من أولى من دخل في آل بيته ﷺ .
وأيضاً: من آل البيت جماعات آخرين وردت فيهم رواية في صحيح مسلم من حديث الحصين بن سبرة أنه قال لـ زيد بن أرقم: ومن أهل بيته يا زيد؟ يعني: من أهل بيت الرسول ﷺ ، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده.
قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، يعني: آل الحسن وآل الحسين وآل محمد بن الحنفية وآل عقيل، وهو عقيل بن أبي طالب أخو علي بن أبي طالب ابن عم النبي ﷺ .
وآل جعفر: وهو جعفر بن أبي طالب أيضاً ابن عم النبي ﷺ .
وآل عباس: والعباس هو ابن عبد المطلب عم النبي ﷺ .
فكل هؤلاء حرام عليهم الصدقة.
إذاً: آل البيت يشمل أزواج النبي ﷺ ، وآل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، يشمل هؤلاء جميعاً ومن جاء من بعدهم من نسلهم.
وآل البيت لهم أحكام فقهية تحدث عنها أهل العلم في أماكنها، ومنها: أن الصدقة محرمة عليهم، وأن لهم حقاً في بيت مال المسلمين.
يقول: [ويحبون أهل بيت النبي ﷺ ].
وتخصيصه أهل البيت؛ لأن أهل البيت بالذات لهم ثلاثة أمور تجلب محبتهم: الأمر الأول: الإيمان.
والأمر الثاني: الصحبة.
والأمر الثالث: لأنه من آل بيت النبي ﷺ .
ومحبة آل بيت النبي ﷺ أمر معتبر شرعاً، ولهذا ثبت عن النبي ﷺ أنه قال للصحابة: (أذكركم الله في أهل بيتي).
يقول: [ويحبون أهل بيت النبي ﷺ ، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خم].
وغدير خم هذا غدير قريب من الجحفة، قريب من منطقة رابغ بين مكة والمدينة، وقال النبي ﷺ هذا القول عندما رجع من حجة الوداع في الثامن عشر من ذي الحجة، لما جاء إلى غدير خم قال للصحابة رضوان الله عليهم: (أذكركم الله في أهل بيتي) وهذه وصية واضحة.
وقال أيضاً للعباس عمه، وقد اشتكى إليه بعض قريش من بني هاشم، فقال: (والذي نفسي بيده! لا يؤمنوا حتى يحبوكم لله ولقرابتي) وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود الطيالسي، ورواه أيضاً الإمام أحمد في فضائل الصحابة، وفي إسناده ضعف، ويمكن مراجعة كلام محقق فضائل الصحابة على هذا الحديث.
وقال ﵊: (إن الله اصطفى بني إسماعيل من العرب، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) وهذا حديث صحيح رواه مسلم.
стр. 461
تولي أهل السنة أزواج النبي ﷺ
يقول: [ويتولون أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين، كما قال الله : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦] إلى آخر الآية].
فأزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين، ولا يجوز أن يتزوجهن أحد بعده ﷺ كما دلت عليه أيضاً آية في سورة الأحزاب.
أيضاً: أمهات المؤمنين هم من آل بيت النبي ﷺ .
[ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة].
وقد ثبت أنهن أزواجه في الدنيا، وكذلك أزواجه في الآخرة، ولهذا قال النبي ﷺ لـ عائشة: (أنتِ زوجي في الجنة).
[خصوصاً خديجة ﵂ أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية].
ولا شك أن خديجة ﵂ لها منزلة عظيمة، فقد ثبت في الحديث عن النبي ﷺ : (أن جبريل نزل من السماء وقال: بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب).
ولا شك أن النبي ﷺ كان يذكر خديجة كثيراً لزوجاته، وخديجة ﵂ عاضدته في بداية دعوته، فهي التي أخذته عندما جاءه الناموس إلى ورقة بن نوفل.
أما الصديقة بنت الصديق عائشة ﵂ فهي التي قال فيها النبي ﷺ : (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)، وقال النبي ﷺ في فضل خديجة: (كمل من النساء ثلاث: آسية) التي كانت زوجة فرعون وهي مؤمنة، (ومريم ابنة عمران وخديجة ﵂.
وهناك مسألة يذكرها بعض أهل العلم وهي: هل الأفضل خديجة أم عائشة؟ وهل الأفضل عائشة أم فاطمة ﵂؟ والتحقيق في هذه المسألة: أنه لا يصح التفضيل بإطلاق، وإنما هذه أفضل باعتبار، وتلك أفضل باعتبار آخر، ويمكن مراجعة كلام ابن القيم ﵀ على هذه المسألة في بدائع الفوائد، فقد وضع قاعدة ممتازة في مسألة التفضيل، وأن التفضيل بعضه يكون مطلقاً، وبعضه يكون مقيداً باعتبار.
نكتفي بهذا، وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما فيه خيرنا جميعاً.
стр. 462
الأسئلة
стр. 463
الضلال المتأخرون من آل البيت وما يتناولهم من أحكام آل البيت
السؤال
هل من ضل عن سنة النبي ﷺ من آل بيته المتأخرين يدخلون في العموم، وتنطبق عليهم أحكام آل البيت؟
الجواب
لا.
المقصود من آمن وكان من الصالحين.
стр. 464
مراجع في الاطلاع على الفتنة بين الصحابة
السؤال
ما هو أفضل كتاب وضح فتنة الصحابة ﵃ حتى يستطيع طالب العلم الرد على من يثير مثل هذه الفتن؟
الجواب
لا أوصي طلاب العلم بالقراءة في هذا الموضوع، لكن من الكتب التي ألفت في هذا الموضوع كتاب: (فتنة الصحابة) في مجلدين رسالة دكتوراه لـ محمد آل مخزون، وأيضاً كتاب (مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري) للدكتور يحيى اليحيى، هذه من أفضل الكتب.
وأما الأشرطة التي انتشرت للسويدان في هذا الموضوع فهي أشرطة سيئة، ولا ينبغي ترويجها ولا توزيعها.
стр. 465
الموقف من إثبات الصحبة لجبريل ﵇ وبعض الأنبياء
السؤال
هل جبريل ﵇ صحابي؟ وكذلك موسى وإبراهيم؟
الجواب
أما موسى وإبراهيم فقد توفوا قبل مبعث النبي ﷺ ، وأما جبريل فقد ناقش هذه المسألة بعض أهل العلم واعتبره بعضهم من الصحابة، لكن الصحيح أن عيسى نبي وفضل النبوة أعظم من فضل الصحبة كما تعلمون.
стр. 466
ثبوت رتبة الصحبة لبعض الجن
السؤال
هل من الجن صحابة؟
الجواب
نعم.
هناك من الجن صحابة التقوا بالنبي ﷺ ، ومن المؤكد.
أن لهم أسماء لا نعرفها.
стр. 467
أول من آمن بالنبي ﷺ
السؤال
يقول: من أول من آمن به ﵇ هل ورقة أم علي؟
الجواب
أول من آمن به أبو بكر الصديق ﵁ من الرجال، وعلي من الصبيان، وورقة بن نوفل آمن بالنبي ﷺ .
стр. 468
حكم القراءة في الكتب المتضمنة مرويات مكذوبة على الصحابة
السؤال
كلما قرأت في كتب السير والتاريخ عما حصل بين الإمام علي ﵁ ومعاوية بن أبي سفيان انقبض قلبي وتضايقت، وأحسست أن فعل معاوية لم يكن للدين وإنما كان للدنيا؟
الجواب
هذه مشكلة؛ لأن البعض يعتمد على روايات غير صحيحة، وتنقبض نفسه بدون فائدة؛ لأن الرواية أصلاً كذب، يعني: تخيل لو أن إنساناً أخبرك عن شخص تحبه بخبر كذب، ثم تقبض نفسك، فما فائدة هذا الانقباض؟ تكره الإنسان على خبر كذب ليس صحيحاً؟ ولهذا ينبغي للإنسان أن يتقي الله، وألا يقرأ في هذه الكتب التي تذكر مثالب الصحابة.
стр. 469
مادة كتاب نضرة النعيم
السؤال
هل كتاب نضرة النعيم يتحدث عن الصحابة؟ ومن مؤلفه؟
الجواب
نضرة النعيم لا يتحدث عن الصحابة، بل يأتي إلى مسألة من المسائل بالذات في أخلاق الرسول ﷺ ، أو الصدق ثم ينقل آيات وأحاديث وأقوال في هذه المسألة تصلح كمادة علمية للذي يريد أن يكتب أو يخطب.
стр. 470
حكم ذكر أخطاء الصحابة للاستفادة
السؤال
هل يجوز ذكر أخطاء الصحابة رضوان الله عليهم بقصد الاستفادة؟
الجواب
لا، الإنسان يستفيد من أخطائه هو ولا يحتاج أن يدرس أخطاء غيره حتى يستفيد، ادرس فضلهم حتى تصير مثلهم، كقيام الليل، وقراءة القرآن، والصوم، وطلب العلم، والجهاد في سبيل الله، والبراءة من الكفار، وموالاة المؤمنين والصدق فيها، هذه من أعظم الأمور التي نحن بحاجة إليها.
стр. 471
حكم من يطعن في معاوية ﵁
السؤال
ما حكم من يطعن في معاوية ﵁ ويردد أحداث الفتنة؟
الجواب
الذي يطعن في معاوية ﵁ منحرف ضال، كيف يطعن في معاوية ﵁ وهو الصحابي الجليل؟! أما كونه اجتهد وأخطأ في اجتهاده فله أجر في هذا، وإن وقع عنده خطأ فخطؤه ليس بشيء عند حسناته وفضله، ولهذا كان الذي يسب معاوية ﵁ منحرفاً ضالاً.
стр. 472
الجمع بين تخطئة مناوئي علي ولزوم الإمساك عما شجر بين الصحابة ﵃
السؤال
هل إذا قلنا: إن معاوية أخطأ، هل قولنا هذا يعارض الإمساك عن الكلام في هذه الفتنة التي أرشد إليها في السنة؟
الجواب
لا يلزم أن يكون هذا من عدم الإمساك، يعني: نحن عندما نتحدث عن موضوع الفتنة، إما أن نتكلم عنها بشكل موسع أو مفصل ونطول فيها، أو يكون موضوع حديث دائم ومستمر، هذا هو الذي يجب الإمساك عنه، لكن عندما يذكر الموضوع بشكل مجمل، ونتحدث عن الموضوع بشكل عام؛ فإننا نقول: إن علياً ﵁ هو المصيب، وأهل الشام أخطئوا في هذا، وليس في هذا قدح ولا عيب، وإنما هو خطأ إما يكون لهم أجر فيه إذا كانوا مجتهدين -وهذا هو الواقع- أو إذا وقع منهم خطأ وزلة فإنها تكون بسيطة عند فضلهم ومنزلتهم.
стр. 473
حكم الشهادة بالجنة لأحد الصالحين
السؤال
قرأت كلاماً للشيخ محمد العثيمين على أن شيخ الإسلام يرى أن الأمة إذا تواطأت على الشهادة بصلاح أحد نشهد له بالجنة؛ فهل هذا الكلام صحيح؟
الجواب
مسألة الشهادة بالجنة فيها أقوال متعددة لأهل السنة، لكن الشهادة اليقينية للشخص بأنه من أهل الجنة لا نشهد إلا لمن شهد له رسول الله ﷺ ، لكن بعض فضلاء الأمة الذين كان لهم جهاد عظيم، بعض العلماء يرى أن القول بأنهم من أهل الجنة وارد، ويستدل عليه بقول النبي ﷺ عندما أتي بجنازة أثنوا عليها خيراً فقال: (وجبت) وعندما أتوا بجنازة أخرى فأثنوا عليها شراً فقال: (وجبت) وبقول النبي ﷺ : (أنتم شهداء الله في أرضه).
ويمكن مراجعة كلام ابن أبي العز الحنفي ﵀ في شرح العقيدة الطحاوية، فقد ذكر الأقوال، ورجح أنه لا نشهد لأحد على وجه اليقين إلا بما شهد به النبي ﷺ لأنه من علم الغيب الذي لا يدركه الإنسان.
стр. 474
إيضاح الآثار المروية عن عمر في اعتبار الخلافة أمرًا اجتهاديًا قد يليه غير عثمان
السؤال
هناك أحاديث تبين أن أمر الخلافة أمر اجتهادي، وأقصد بذلك ما بعد الشيخين، وقد قال عمر: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لوليته، ولو كان أبو عبيدة ولو كان ثالثاً وهكذا.
فهل هذا يدل على أنه أمر اجتهادي؟
الجواب
لا، لا يدل على أنه أمر اجتهادي، فـ عمر بن الخطاب ﵁ كان يتذكر الصحابة رضوان الله عليهم وما فيهم من الفضل، ويقول: لو كان ثم فلان لوليته.
وهذا حديث نفس وليس أمراً مقطوعاً، متى صار الأمر مقطوعاً؟ لما تولى عثمان وأن علي بن أبي طالب هو الخليفة بعده، وهذا ما أجمعت عليه الأمة، حيث أجمعت على عثمان، ثم أجمعت على علي بعده، وإجماع الأمة معتبر كما هو معلوم.
أما حديث النفس الذي حصل عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فلا يدل على أن هذا الأمر اجتهاد؛ لأن الحجة هي بعد حصول الخلافة وصار إجماعاً.
стр. 475
عدم تحقق الكفر في فعل حاطب ﵁
السؤال
هل كانت غزوة بدر مانعاً لكفر حاطب بن أبي بلتعة؟
الجواب
حاطب بن أبي بلتعة ما كفر حتى تكون غزوة بدر مانعة له، حاطب بن أبي بلتعة وقع في عمل كفري، لكن لم تتحقق فيه شروط الكفر حتى يكفر؛ لأنه كان متأولاً معذوراً، يعني: ظن أن هذا العمل الذي يعمله ليس كفراً، واجتهد في هذا الظن، وتأول فيه، فقال النبي ﷺ ذلك خصوصاً أيضاً مع كونه شهد بدراً، وهذا مما يدل على إخلاصه وصدقه ومحبته للمؤمنين، لأن المكفر هو: إعانة الكفار على المؤمنين، ولكن هذا المكفر ليس واقعاً في حاطب.
إذاً: ظاهر العمل أنه كفر، لكن حقيقته ليست كفراً، لماذا؟ لأن حقيقة الرجل أنه ليس محباً للكافرين أصلاً، بل هو يجاهد الكافرين ويقاتلهم بالسيف، وربما جرح وصبر على ذلك، وهو مهاجر من مكة إلى المدينة، ولهذا حاطب ليس محباً للكافرين.
إذاً: العمل الذي عمله كيف يفسر؟ يفسر بما قاله هو، وأنه أراد أن تكون هذه يداً عندهم، فلا يعتدوا على أمواله التي بمكة.
إذاً: فـ حاطب أصلاً ما وقع في الكفر.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 476
العقيدة الواسطية [٢١]
من أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء, سواء أكانت في العلوم والمكاشفات أم في القدرة والتأثيرات, مع اعتقاد أنها ليست كمعجزات الأنبياء, ولا كدجل المشعوذين والسحرة, وأنها لا تصح إذا عادت على أحكام الشريعة بالإسقاط, إيمانًا بما ثبت بها من الأخبار, وصح عن الأخيار, خلافًا لنفاتها من المعتزلة والغلاة فيها من الصوفية, ومن أصولهم كذلك التزام أصل اتباع آثار رسول الله وسبيل السابقين الأولين, واستمساكهم بسنة النبي ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وغير ذلك من الأصول العظيمة.
стр. 477
كرامات الأولياء
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
أما بعد: يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء].
стр. 478
المقصود بالأولياء
الأولياء جمع ولي، والولي هو: الطائع لله المتقي له، يقول الله : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣]، فقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] تفسير وتبيين لقوله : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢].
إذاً الأولياء المعنيون في كلامنا هذا هم أهل التقوى وأهل الإيمان، ممن جمع بين أمرين: الأمر الأول: صحة الاعتقاد، والأمر الثاني: صحة العمل، فليس من أولياء الله من كان صاحب عقيدة باطلة وفاسدة، وكذلك ليس من أولياء الله من كان فاسد الأخلاق أو مرتكباً للنواهي ومفرطاً في الأوامر.
إذاًَ الأولياء المقصودون هنا هم: أهل السنة والجماعة فعلاً وحقيقة، وليس انتساباً ورسماً فقط، فالفاسق والعاصي والمبتدع لا يدخلون في الأولياء.
стр. 479
المقصود بالكرامات
والمقصود بالكرامات: جمع كرامة، والكرامة هي: أمر خارق للطبيعة والعادة يقع على يد ولي من أولياء الله في العلم أو العمل، ويكون لأغراض متعددة.
стр. 480
عقيدة أهل السنة في كرامات الأولياء
وموضوع كرامات الأولياء بحثه العلماء في موضوع العقائد لوجود بعض الضالين في هذا الباب، فقد ضلت في كرامات الأولياء طائفتان: الطائفة الأولى أنكرت، والطائفة الثانية غلت، فأما الطائفة التي أنكرت فهي المعتزلة، وأما الطائفة التي غلت فهي الصوفية، وسيأتي الحديث عنهما بإذن الله.
أما عقيدة أهل السنة في كرامات الأولياء فهم يعتقدون أن كرامات الأولياء جارية على أيدي أولياء الله ، وهي أمور خارقة للعادة والطبيعة والجبلة، وهي داخلة ضمن معجزات الأنبياء، ومعنى قولنا: داخلة ضمن معجزات الأنبياء يعني: أن هذه الكرامات تدل على صحة وصدق الأنبياء، فلو لم يكن مصدقاً بالأنبياء ومؤمناً بحقيقة دينهم لما صح أن يكون ولياً، ثم لما صدق بصحة الأنبياء أجرى الله على يديه هذه الكرامات، إذاً فهذه الكرامات فرع من معجزات الأنبياء، ولهذا قال بعض العلماء أن النبي ﷺ حصلت له جميع معجزات الأنبياء، وذكر بعض أهل العلم ممن شرح العقيدة الواسطية نماذج لبعض المعجزات التي صارت للأنبياء ولم تعرف عن النبي ﷺ في ذاته، مثل: إلقاء إبراهيم ﵇ في النار، فإن النبي ﷺ لم يلق في النار، لكن قلنا: إن كل معجزة من معجزات الأنبياء فقد أجراها الله معجزة لرسوله ﷺ سواء كانت منه هو ﷺ أو وقعت كرامة لأحد الأولياء من المسلمين المتبعين له ﵊، فمعجزة إبراهيم ﵇ عندما ألقي في النار حصلت كرامة لـ عبد الله بن ثوب المكنى بـ أبي مسلم الخولاني فإنه ألقي في النار، والذي ألقاه الأسود العنسي، فلم يحترق، ومعجزة انفلاق البحر لموسى ﵇ حتى جرى على اليبس حصلت للعلاء بن الحضرمي، فإنه دعا الله وخاض في الماء حتى قطع النهر ولم يغرق أحد لا من الخيل ولا من الرجال، وهكذا العديد من النماذج المتعددة والتي نجد من خلالها أنه لم تكن المعجزة في فعل النبي ﷺ أو قوله وإنما كانت في ولي من أولياء الله المصدقين به، فلما كانت هذه المعجزة في أحد الأولياء ممن صدق بنبوة النبي كان ذلك أيضاً معجزة له ﷺ ؛ لأنه لو لم يكن هذا الولي مصدقاً بنبوة الرسول ﷺ لما أجرى الله هذه الكرامة له.
وهذا ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في النبوات وقد بينها ووضحها.
стр. 481
الفرق بين كرامات الأولياء ومعجزات الأنبياء
ولا يعني هذا أن كرامات الأولياء مثل معجزات الأنبياء، فإن معجزات الأنبياء أقوى وأظهر وأوضح من كرامات الأولياء، من حيث الفعل ذاته هي واحدة، لكن معجزات الأنبياء أقوى، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى نجد أن المعجزات التي صار فيها تحدٍ للكفار لم تحصل للأولياء، فمثلاً: القرآن معجزة للرسول ﷺ لم يحصل لأحد من الأولياء، وهكذا النار التي ألقي فيها إبراهيم، فهي وإن ألقي أبو مسلم الخولاني في النار ولم يحترق إلا أنها ليست مثلها، فهي أقل منها حجماً وقوة، وأيضاً بقية المعجزات الأخرى وإن توافقت في الصورة إلا أن معجزة النبي أقوى، وهذا الفرق الأول.
الفرق الثاني: هو أن كرامة الولي ليست مصحوبة بادعاء النبوة، بينما معجزة النبي فيها دعوى النبوة وهي دعوى صادقة.
ومن جهة ثانية: لو أن الولي ادعى النبوة لما صار ولياً، ولما صار العمل الذي جاء على يده كرامة خارقة، وإنما يكون سحراً أو كهانة أو أي أمر آخر.
стр. 482
الفرق بين الكرامة والسحر والشعوذة
وهناك مسألة أخرى يبحثها أهل العلم وهي: ما هو الفرق بين كرامة الولي وشعوذة الساحر والكاهن، فإن الساحر يعمل أعمالاً في ظاهرها خرق للعادة، والكاهن يدعي علوماً في ظاهرها خرق للعادة، فما هو الفرق بين كرامة الولي وبين سحر الساحر وكهانة الكاهن؟ الفرق بينهما: أولاً: هو أن الكرامة ليست علماً يتعلم مثل السحر والكهانة.
وثانياً: أحوال الأولياء تختلف عن أحوال السحرة والكهنة، فإن أحوال الأولياء هي الصدق والعمل الصالح والبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله والإيمان الحق لله وما إلى ذلك من الأعمال الفاضلة الصالحة الكثيرة التي تدل على صلاح صاحبها، بينما الساحر معروف أنه كذاب وأنه أثيم وأنه دجال وأنه يكذب على الناس وأنه يتعامل بوسائل منحرفة إذاً حالة الساحر تختلف عن حالة الولي، فما يحصل عند الساحر من خوارق العادات يدل حاله على أنه ساحر، وأما الولي فإنه صادق، آمر بالمعروف وناه عن المنكر، تقي ويصلي لله دائماً، مؤمن وصاحب عقيدة صحيحة، وإذا حصل لصاحب هذه الأعمال شيء خارق للعادة فإنه يكون كرامة ولا يصح أن يقال عنها سحراً.
والكرامة ليست أمراً يطلب، وإنما هي هبة من الله ، ولا تدل على أفضلية من أجراها الله على يده، كما قال ابن تيمية ﵀: إن الكرامات في جيل التابعين ومن بعد جيل التابعين أكثر من جيل الصحابة؛ لأن الكرامة - في بعض الأحيان - يكون من مقاصدها تثبيت صاحبها، ومن هنا فإن الصحابة رضوان الله عليهم كان تعلقهم بالوحي ونظرهم إليه كافياً في تثبيتهم على الإيمان، بينما احتاج من جاء بعدهم إلى الكرامة، ومع هذا لا يقال: إن التابعين أفضل من الصحابة، فليس كل من يحصل منه كرامة يدل على أنه أفضل ممن لم يحصل منه الكرامة إذا اجتمعوا في الولاية.
стр. 483
انتفاء صحة الكرامة المنافية لأحكام الشريعة
وهناك أمر آخر ينبغي الاهتمام به وهو: أن كرامات الولي ينبغي أن تكون في حدود الشريعة، فلو أن إنساناً جاء وزعم كرامة من الكرامات وهي مخالفة للشريعة، فإنه لا يقال: إن هذه كرامة، لأن الكرامة هي التي تكون في حدود الشريعة، فدعاوى بعض الصوفية أن من كراماتهم سقوط التكاليف يجاب عليها أن التكاليف لا تسقط عن أحد حتى الموت، فالأنبياء وهم الأنبياء لم تسقط عنهم التكاليف، فهذه ليست كرامة، إنما هي غواية.
وهكذا لو قال إنسان: إن من كرامات هذا الإنسان أنه يبارك لكل متزوج، بمعنى: أنه يجامع زوجته ويفتض بكارتها قبله حتى يباركها، وهذه من كراماته وخصوصياته، وهذا زنا، وليست من الكرامات، فإن الكرامات لا تكون مخالفة لأحكام الشرع.
стр. 484
ذكر بعض ما ثبت خبره من الكرامات
ليس هناك دليل يقول: إن هذه كرامة، وإنما حكى الله كرامات متعددة وقعت لأوليائه، فمثلاً: قصة أصحاب الكهف، وقصة الخضر مع موسى ﵇، وقصة ذي القرنين، وقصة دخول زكريا ﵇ على مريم ووجود الرزق عندها، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧] قال المفسرون: إنه كان يدخل عليها في الصيف فيجد عندها فاكهة الشتاء، ويدخل عليها في الشتاء فيجد عندها فاكهة الصيف، وقيل: إنه كان يجد عندها فاكهة ليست من الفواكه المعتادة في البلد، وكذلك كرامة الذي جاء بعرش بلقيس إلى سليمان ﵇ قبل أن يرتد إليه طرفه، وقد قيل: إنه نبي، وقيل إنه ولي، وعلى كل حال فإذا كان ولياً فهذه من كراماته، وإن لم يكن ولياً فللعفاريت من الجن الذين أعطاهم الله القوة أن يأتوا بالعرش من اليمن إلى بلاد الشام قبل أن يقوم من مقامه، وهذا دليل على الكرامة أيضاً.
وأيضاً من الكرامات الواردة في السنة ما ذكر في كتاب الأنبياء من صحيح البخاري في باب ما ذكر عن بني إسرائيل، فإن النبي ﷺ ذكر مجموعة أحاديث هي من الكرامات.
ومن الكرامات التي وردت في أحاديث الرسول ﷺ : قصة جريج العابد وكان من الأمم السابقة والذي جاءته أمه وهو يصلي في صومعته، وقالت: يا جريج! أنا أمك، كلمني -وكان في صلاته- فقال في نفسه: رب! أمي أم صلاتي، فرجح صلاته، فنادته مرة أخرى وكان في صلاته أيضاً فرجح الصلاة على أن يكلم أمه، فدعت عليه، قالت: اللهم! إن هذا عبدك جريج جئت فطلبت منه أن يكلمني فلم يكلمن، اللهم! لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، فزنى راعٍ من الرعاة ببغية من القرية فحملت منه ثم ولدت، فقيل لها: ممن هذا؟ قالت: من الراهب الذي في الصومعة، فجاءوا ومعهم الفئوس وأرادوا تحطيم صومعته فنادوه وكان في صلاته فلم يخرج، فبدءوا يحطمون فيها فخرج إليهم، وسمع كلام البغية فتبسم ثم وضع يده على ناصية الطفل وقال: من أبوك يا غلام؟! فقال: أبي فلان الراعي!! والعادة أن الغلام لا ينطق، وهذه من كرامات الأولياء.
ومن كرامات الأولياء التي وردت في الأحاديث عن النبي ﷺ : قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، فسقطت على باب الغار صخرة كبيرة سدت باب الغار، فدعوا الله بأعمالهم الصالحة ثم فتحت هذه الصخرة.
وهناك نماذج كثيرة، منها: قصة الأبرص والأقرع والأعمى عندما جاءهم الملك وامتحنهم.
ونماذج متعددة أخرى.
ومن الكرامات التي حدثت لجيل الصحابة: كرامة أسيد بن حضير عندما كان يقرأ القرآن، فجاءته السكينة ونزلت عليه وهو يقرأ القرآن كما في صحيح البخاري.
ومنها أيضاً: قصة العلاء بن الحضرمي عندما مشى على النهر.
ومنها: قصة أبي بكر الصديق ﵁ عندما علم أن ما في بطن زوجته أنثى، وسيأتي معنا الإشارة إلى هذا.
стр. 485
كتب مصنفة في الكرامات
وممن أفرد موضوع كرامات الأولياء بالتصنيف من علماء السلف: اللالكائي ﵀، فإن له كتاباً من جزء في كرامات أولياء الله تعالى، حققه الدكتور أحمد سعد حمدان، وألحقه بكتاب: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة.
وأيضاً ممن ألف: ابن تيمية ﵀، فقد أشار إلى موضوع كرامات الأولياء في كتابين من كتبه، الكتاب الأول هو: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، والكتاب الثاني هو: كتاب النبوات، وكلامه في الكتاب الأول أكثر من كلامه في الكتاب الثاني، وغيرها من مصنفاته رحمه الله تعالى.
стр. 486
أقسام الكرامات
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ومن أصول أهل السنة: التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات].
قوله: في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات يدل على أن الكرامات تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: في العلوم والمكاشفات.
والقسم الثاني: في القدرة والتأثيرات.
ويمكن أن نقسمها إلى قسمين: القسم الأول هو: القسم العلمي، والقسم الثاني هو: القسم العملي.
فأما قوله: في أنواع العلوم: فيمثلون لهذا بقصة أبي بكر الصديق ﵁ التي سبقت.
وأما قوله: المكاشفات: فيمثلون لها بقصة عمر بن الخطاب ﵁، فإنه كان على المنبر يوماً من الأيام، فصاح قائلاً: يا سارية! الجبل، يا سارية! الجبل، يا سارية! الجبل، وكان سارية أحد قادة عمر في العراق، وتبعد المدينة عن العراق بمفازات كبيرة جداً، فكشف لـ عمر أن سارية قد حوصر من العدو، وأن نجاته تكون بالجبل، فنادى عمر على منبره فانتقل الصوت إلى سارية فسمعه، يقول سارية: فسمعت عمر بن الخطاب ﵁ يصيح قائلاً: يا سارية! الجبل، فانحزت إلى الجبل، فانتصر بذلك على عدوه، وهذا حديث صحيح صححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في كتابه: سلسلة الأحاديث الصحيحة.
وأما القدرة والتأثيرات: فهو على نحو ما سبق أن أشرنا إليه في قصة العلاء بن الحضرمي، وأيضاً في قصة سعد بن أبي وقاص، فإنه سار على ماء دجلة حتى قطع النهر من دون أن يغرق.
стр. 487
إنكار المعتزلة للكرامات والرد عليهم
المنكرون للكرامات هم: المعتزلة، فقد أنكروا وجود الكرامات، وأنكروا السحر كذلك وقالوا: لو وجد السحر والكرامة لما كان لمعجزات الأنبياء معنى، ولا شك أن قولهم باطل؛ فإن الكرامة ثابتة في القرآن والسنة وفي الواقع العملي، ولا يعني وجود الكرامة على يد الولي أن المعجزة لا تكون على يد النبي، فقد سبق أن فرقنا بينهما وقلنا: إن آيات الأنبياء الكبرى لا تقع لأحد من الأولياء، مثل: القرآن مثلاً وانشقاق القمر وغيرها، وهي لا تَقع لأحد من الأولياء، هذا أولاً.
وثانياً: أن الولي لا يكون ولياً إلا إذا صدق بالنبي، فكرامة الولي فرع عن معجزة النبي كما سبق أن أشرنا، فليس هناك تعارض بينهما.
ثم إن حال الولي يختلف عن حال النبي، فالولي وإن كان صالحاً إلا أنه يعترف أنه ليس بنبي، ولو ادعى النبوة لما صار ولياً ولما جرت على يده الكرامة.
стр. 488
غلو الصوفية في الكرامات
أما الذين يغلون فيها فهم الصوفية، فهم يغلون في الكرامات غلواً فاحشاً إلى درجة أن بعضهم تعلم السحر من أجل إيجاد هذه الكرامات على يديه وعلى أيادي أتباعه، وممن اشتهر بهذا أصحاب الطريقة الرفاعية، فإنهم يتعلمون السحر من أجل أن يظهروا الخوارق، فإذا أظهروا خوارق العادات اعتقدوا أن هذه كرامة من الله ، وقد سبق أن أشرنا إلى أن الصوفية يرون أن العبودية توحيد الربوبية فقط، وأن الألوهية التي هي إفراد العبادة لله ليست قسماً من أقسام التوحيد، فاعتبروا أن الطواف حول القبور والذبح لها والاستغاثة بغير الله ليست شركاً، فلو أن إنساناً استغاث بالأولياء أو استغاث بالجن والشياطين ونحو ذلك فليس مشركاً شركاً مخرجاً من الملة في فهمهم، وبالتالي انتشر السحر على يد الصوفية انتشاراً كبيراً في حياة المسلمين، وأصبح أقطاب السحرة ذاتهم أقطاب الصوفية في نفس الوقت، ولهذا أصبحت بعض القنوات الفضائية في هذه الأيام تجري تحقيقات ومقابلات وتنقل تقارير عن بعض أمثال هؤلاء، وتأتي بصور حية لهؤلاء الذين يبتلعون العقارب والحيات ويضعون السيوف في حلوقهم حتى تنتهي، ويشربون السم، ويدخل أحدهم في تابوت مليء بالسكاكين ويغلق عليه ثم يخرج كما هو، ويقولون: إن هذه من الكرامات! وهو لا شك أنه من السحر ومن الشعوذة، خصوصاً أن كثيراً من هؤلاء لا يرجو لله وقاراً، ولا يعظمون الله وليسوا من أهل العلم ولا من أهل الدين؛ بل لأنهم انتسبوا إلى الطريقة الرفاعية فبدأت هذه الكرامات تنهال عليهم من كل جانب، ولا شك أن هذا من الفجور ومن السحر، بل من الكفر المخرج عن الإسلام؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢] أي: أنه ليس له نصيب.
وفي كتاب: جامع كرامات الأولياء لـ يوسف بن إسماعيل النبهاني، وهو أحد الصوفية المتقدمين الذين كانوا في القرن الماضي وفي زمن الدولة العثمانية من الأشياء العجيبة، ومثاله كتاب طبقات الصوفية للشعراني، ومثل هذه الكتب تحكي الكرامات الغريبة، فبعضهم يقع في الزنا ويسمي هذا كرامة! وبعضهم ينام مع الكلاب والدواب والخنازير في أماكنها ويسمي هذا كرامة! وبعضهم يأتي مبيته ومسراه ورجوعه إلى الأماكن القذرة والوسخة ويقولون: إن هؤلاء من كبار الأقطاب! وهذا ما يكون في الجانب العملي.
وأما في الجانب العلمي فإنهم يدعون من الكرامات ما لا يخطر على بال، فيدعون أنهم يعلمون الغيب، ويدعون أنهم يعلمون الظاهر والباطن، وأنهم يعلمون كل شيء دون العرش، وأنهم يشرعون للناس، وأن الشرائع التي يقولونها هي ملزمة لهم كما أن القرآن ملزم للناس! ونحو ذلك من الأكاذيب والدجل والكفر المبين.
стр. 489
التزام أهل السنة باتباع آثار رسول الله ﷺ باطناً وظاهراً
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ثم من طريقة أهل السنة والجماعة: اتباع آثار رسول الله ﷺ باطناً وظاهراً].
(اتباع آثار الرسول ﷺ مثل: محبة الله، والخوف من الله والتوكل على الله ونحو ذلك من الأعمال القلبية الباطنة وهي من أعظم الإيمان.
وظاهراً أي: اتباع السنة الظاهرة، مثل: إطلاق اللحية، وتقصير الثياب، والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله، والصلاة مع المسلمين، وحضور الصف الأول، والزكاة، وكثرة قراءة القرآن، والتسبيح، والإتيان بالأوامر ونحو ذلك من أعمال الظاهر.
فتجد أن أهل السنة من يلتزمون بهذا وذاك.
وقد انحرفت طوائف عن فهم السنة في هذا الموضوع، فنجد مثلاً أن طائفة تركز على أعمال القلوب، وتقول: أهم شيء هو محبة الله والخوف من الله وغيرها من الأعمال القلبية، وتسمي الأعمال الظاهرية قشوراً، وأنها ليست مهمة، فهي قشور ظاهرية.
وهذا باطل، فقد كان أصحاب النبي ﷺ حريصين على التشبه به في صلاته مثلاً: كوضع اليدين على الصدر وغيرها.
فكانوا يتشبهون به طريقة الصلاة، إلى درجة أنهم حفظوا كل شيء في صلاته وفي صيامه وفي سكونه وفي حركته وفي حجه ﷺ ، والتزموا بما جاء عن الرسول الكريم في ظاهرهم وباطنهم، فالذين يقولون: إن الالتزام بأحكام الإسلام إنما هو من الاهتمام بالقشور أخطئوا خطأً كبيراً وعظيماً وخالفوا منهج أهل السنة في هذا الموضوع.
واعتقدت طائفة أخرى عكس اعتقاد الطائفة السابقة فأصبحوا يهتمون بالظاهر ويهملون الباطن، فتجد أنهم يهتمون بإطلاق اللحية وبتقصير الثياب، والصلاة بالنعال ونحو ذلك من الأعمال الظاهرة ويهملون الباطن إهمالاً كبيراً، وهذا أيضاً من الخطأ، فلا بد من التوازن والانضباط في شخصية المسلم والداعية إلى الله ، ولا بد أن يهتم بالأمرين جميعاً، وأصحاب الباطن الذين يتكلمون عن الاهتمام بالباطن لو اهتموا بالباطن حقيقة لنتج عن ذلك الاهتمام بالظاهر، لكن لوجود شبهة عندهم في عدم الاهتمام بالظاهر أصبحوا يقصرون فيه تقصيراً عظيماً، ولهذا كان من منهج أهل السنة اتباع آثار النبي ﷺ في كل شيء في الظاهر وفي الباطن، فلا يصح أن يقال: إن الاهتمام بالظاهر من القشور، ويقال: إنكم أزعجتم الناس بالاهتمام بالظاهر وأشغلتم الناس باللحية وبتقصير الثياب، والناس أحوج ما تكون إلى الاهتمام الباطن، وهذا من الخطأ فإنه يجعل دين الله يعارض بعضه بعضاً، مع عدم وجود أي معارضة، فدين الله دين واحد وليس هناك معارضة فيه، فليس الاهتمام بالباطن معارضاً للاهتمام بالظاهر، وليس الاهتمام بالظاهر معارضاً للاهتمام بالباطن، بل لا بد أن يكون الجميع على وفق سنة النبي ﷺ .
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار].
ولهذا من خالف طريقة الصحابة ومن خالف منهجهم هو ليس منهم، وبالتالي لا يكون من أهل السنة والجماعة.
فلم يُحفظ أبداً ولم يدّعِ أحد ممن يوثق بدعواه أن الصحابة رضوان الله عليهم تورطوا في الفرق التي افترقت عن جماعة المسلمين كالخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة والجهمية والأشاعرة والصوفية فلا يعرف أبداً أن أحداً الصحابة رضوان الله عليهم كان متورطاً في إحدى هذه الفرق، ولا ينسب إلى الصحابة ما نسبه إليهم ذلك الدكتور علي سامي النشار وغيره من الكتاب الذين يكتبون في العقائد وكل ما نسبوا إلى الصحابة من الإرجاء فكلامهم باطل وفاسد، فالصحابة كانوا أعظم الناس التزاماً بالعلم والعمل والجهاد.
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [واتباع وصية النبي ﷺ حيث قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) والنواجذ هي: الأضراس، (وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة)].
ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد، ولهذا سموا: أهل السنة والجماعة، وقد سبق أن تحدثنا عن مفهوم أهل السنة والجماعة، وبينا أن طريقتهم هي الالتزام بالسنة والجماعة.
стр. 490
بيان سبب تسمية أهل السنة والجماعة بهذا الاسم
وسموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع، ولهذا تجد أن أهل السنة يحرصون على جماعة المسلمين وعلى ائتلاف قلوبهم، ويبتعدون عن الفرقة.
وقد يقول قائل: كيف تردون على الفرق الضالة وأنتم تدعون أنكم تسعون إلى وحدة جماعة المسلمين؟ فنقول: إن من السعي إلى وحدة جماعة المسلمين رد العدوان والباطل عنها، ومن الباطل: هدم الفرق الضالة، فليس المقصود عندما نقول: إنهم سموا الجماعة الحرص على الجماعة أياً كانت، وبأي طريقة، فلو قال إنسان: نريد أن نحرص على جماعة النوع الإنساني، فنجمع كل الناس بكل أديانهم، فهذا مجنون؛ لأن اليهود لن يتنازلوا عن يهوديتهم، ولا المسلمين عن إسلامهم، ولا النصارى عن نصرانيتهم، ودعواه هذا كفر جديد جاء به وهو جمع الأديان.
وكذلك الذي يقول: نريد أن نجمع الفرق الضالة مع جماعة أهل السنة والجماعة.
فهذا يريد أن يجمع الحق مع الباطل، والله يقول: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٤٢].
والجماعة التي ندعو إليها ونحرص عليها هي جماعة أهل السنة، فهذه الجماعة ليست جماعة عضوية، أي: مجتمعين في بلد واحد ولهم حزب واحد، فهي ليست كذلك، وإنما هي جماعة وصفية، بمعنى: أن جماعتهم جماعة أوصاف، من تحققت فيه هذه الأوصاف فإنه منهم، سواء تعرف عليهم أو لم يتعرف عليهم، وسواءً كان من بلاد العرب الأخرى، أو من بلاد المسلمين الأخرى، أو من أي مكان آخر في الأرض وسواء كان رجلاً أو امرأة، أو كان عالماً أو غير عالم، وسواءً كان متخصصاً في العقيدة والعلوم الشرعية أو كان متخصصاً في الحاسب الآلي أو الهندسة أو الطب أو في أي مجال من المجالات، فإذا وجدت فيه الصفات والمقاييس الأساسية التي عند أهل السنة فهو من أهل السنة، ولا يخرج الإنسان عن وصف أهل السنة والجماعة إلا بالابتداع.
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [وسموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع، وضده الفرقة، وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسماً لنفس القوم المجتمعين].
ولا يجوز أن يحصل هناك فرقة بين أهل السنة، وقد تحصل لكنها لا يجوز أن تكون، فقد يغضب بعض المسلمين على بعض، ويحصل بينهم اقتتال ومشكلات مثلاً، وكل هذا لا يجوز، فأهل السنة يجب أن يجتمعوا مع بعضهم ما دام أنهم من أهل السنة، ولا يصح أبداً أن يختلفوا من أجل اجتهاد سائغ شرعاً أو من أجل خلاف شخصي.
فالخلاف الشخصي لا يجوز أن يفرق جماعة أهل السنة، والاجتهاد الشرعي الذي استكمل شروطه الشرعية لا يجوز أن يفرق أهل السنة أبداً كذلك، وإذا ابتدع أحد خرج من أهل السنة ولا يهمنا الاجتماع معه، لكن أهل السنة أنفسهم لا يجوز أبداً أن يتفرقوا بسبب الخلافات الشخصية أو بسبب اجتهادات سائغة شرعاً، وأهل البدع الذين فارقوا السنة لا يجوز الاجتماع معهم وإقرارهم على الباطل، وإنما يجب توجيه الدعوة إليهم ونصيحتهم لعلهم ينتهون عما هم عليه من الباطل.
стр. 491
الإجماع المنضبط أصل معتمد عند أهل السنة
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [والإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين].
الإجماع موضوع متعلق بأصول الفقه ويمكن أن يراجع في كتب أصول الفقه، وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة.
فإذا أردتم أن تزنوا فكراً أو عقيدة أو منهجاً، فإن الميزان هو القرآن والسنة، وإجماع الصحابة.
والدليل على أن إجماع الصحابة وسنتهم ومنهاجهم وطريقتهم معتبرة قول الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] وهذا يدل على أن سبيل المؤمنين معتبر.
وأما من السنة: فقوله: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، وقوله ﷺ : (لا تجتمع أمتي على ضلالة) وهذا الحديث حسنه الشيخ الألباني في تعليقه على كتاب السنة لـ ابن أبي عاصم ﵏ جميعاً.
ثم ضبط المصنف الإجماع؛ لأنه نقلت كلمة عن الإمام أحمد وهي قوله: من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريه لعل الناس اختلفوا.
وهذه الكلمة ليست على إطلاقها، بمعنى: أنه لا يوجد إجماع أبداً، وإنما المقصود: النهي عن التوسع فيه لعدم وجود المخالف عند الشخص نفسه، أي: أنك لا تجد مخالفاً فتقول: أجمع على ذلك المسلمون، فهذا خطأ.
ولهذا أراد ابن تيمية رحمه الله تعالى أن يضبط الإجماع، فقال: [والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح - يعني: الصحابة وأصحاب القرون الثلاثة الأولى المفضلة أي: التابعين وأتباعهم فقط- إذ بعدهم كثر الخلاف وانتشر في الأمة] فما يدري الإنسان لعل عالماً يكون مخالفاً لما عليه الآخرون.
والإجماع ما زال سارياً في الأمور العصرية، فمثلاً: بناء الدور الثاني في المسعى، فقد أجمع أهل العلم على جواز السعي في الدور الثاني ولم يخالف في هذا إلا عالم واحد وهو الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى، وهكذا نجد نماذج معاصرة يمكن أن يصح فيها الإجماع خصوصاً مع وجود الاتصال والمواصلات في هذا الزمان، ولهذا تكونت المجامع الفقهية منها: المجمع الفقهي الإسلامي الموجود في منظمة المؤتمر الإسلامي، ومجمع الفقه الإسلامي الموجود في رابطة العالم الإسلامي، وهذه المجامع أقل ما يقال فيها: إنها تحكي اجتهاداً جماعياً، والاجتهاد الجماعي لا شك أنه أفضل من الاجتهاد الفردي.
стр. 492
اكتمال منهج أهل السنة في جمعه بين المعرفة النظرية وأعمال الجوارح والقلوب
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ثم هم -يعني أهل السنة- مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر].
لا بد من الإشارة إلى نقطة مهمة جداً وهي: أنه مرت فترة على المشتغلين بالدعوة الإسلامية والعمل وبالبحوث الإسلامية، مرت فترة صوّر كثير من هؤلاء أن منهج أهل السنة والجماعة هو منهج خاص بالعقائد النظرية، فإذا قيل عند هؤلاء: منهج أهل السنة والجماعة، تبادر إلى ذهنهم مباشرة: عقيدتهم في الأسماء والصفات عقيدتهم في القدر عقيدتهم في الإيمان، وانتهى الموضوع عند هذا الحد، وانحرف بسبب هذا التصور طائفتان متقابلتان: الطائفة الأولى انحرفت عندما ظنت أن منهج أهل السنة والجماعة هو منهج نظري محصور في أبواب نظرية معينة في العقيدة فذهبوا يطلبون بقية أمور الدين من غير منهج أهل السنة، وقالوا: إن أهل السنة ليس عندهم شيء من أعمال القلوب والإيمان والتقوى والإخلاص، فاتجهوا نحو التصوف، وأرادوا إشباع هذه الحاجة بالتصوف، ولهذا تجد هذه الطائفة تقول: نحن منهجنا أو دعوتنا دعوة سلفية وطريقتنا طريقة صوفية، فيجمعون بين دعوة سلفية أي: على طريقة أهل السنة والجماعة، وطريقة صوفية، وقالوا: دعوتنا دعوة السلف في مسائل نظرية، فأنا في الأسماء والصفات أوافق السلف، وفي القدر واليوم الآخر موافق للسلف، وهكذا لكن أعمال القلوب يتصور أن السلف ليس لديهم منهج في هذا الموضوع، فاتجه نحو التصوف لتكملة هذا الجانب، مثل موضوع الدعوة إلى الله ، حيث ظن أن السلف الصالح ليس عندهم منهجاً متكاملاً في الدعوة إلى الله سبحانه، فاتجه إلى اختراع مناهج جديدة في الدعوة إلى الله ، ولهذا ظهر من يطالب بجمع الطوائف جميعاً بحجة أننا في زمن انكسرت فيه شوكة المسلمين العامة، فنحتاج إلى جمع الطوائف جميعاً لا على عقيدة أهل السنة، بل نجمعهم جميعاً ونترك الخلافات فيما بين هذه الطوائف، ولهذا يطالبون دائماً أن نسكت عن الخوارج وعن الشيعة، وعن المرجئة، وعن الجهمية، وأن نسكت عن الأشاعرة، وأن نسكت عن الصوفية، ويقولون: لا تتكلموا في هذه الأمور، فإنكم بذلك فرقتم المسلمين وشققتم صفوفهم، وهذا باطل؛ لأن جمع الناس بهذه الطريقة غير ممكن شرعاً وعقلاً، أما من ناحية الشرع فلأن الله نهى عن لبس الحق بالباطل، وهؤلاء على الباطل، فكيف نلبسهم بالحق ونجمعهم مع أهل الحق ونسكت عن تبيين الحق وعن الرد على الباطل؟! فهو مخالف لشرع الله وقد سبق أن أشرنا إلى نماذج من مخالفة هذا الرأي لشرع الله .
ومن جهة أنه غير ممكن واقعاً، فهؤلاء لو استمروا وقد استمروا في الدعوة إلى هذه الفكرة مدة ستين سنة تقريباً وهم يشتغلون في جمع الطوائف فما توصلوا إلى نتيجة، ولم يجمعوا أحداً، وإنما كونوا رأياً جديداً وهو: إرادة جمع الطوائف، فلم يجمعوا أهل السنة مع الخوارج وإنما بقي الخوارج على معتقداتهم، وبقيت الشيعة والمرجئة على معتقداتهم وبقي أهل السنة على سنتهم، ولم يجمعوا أحداً، وهذا دليل على بطلان هذه الفكرة واقعاً عملياً.
وأنا أتوقع بل أؤكد أن السبب عند الذين دعوا إلى هذه الفكرة هو أنهم يتصورون أن منهج أهل السنة هو منهج نظري تجريدي، ولهذا دائماً تجد هؤلاء مثلاً يقولون: لماذا لا تتكلمون مع الناس في مسائل أعمال القلوب؟ فهم يتصورون دائماً أن أهل السنة والمشتغلين بالدعوة إلى العقيدة الصحيحة أنهم يدعون إلى عقائد نظرية فقط، وأما أعمال القلوب والدعوة إلى الله فيتصورون أن أهل السنة ليس لديهم منهج متكامل، ولهذا وجد في واقع المسلمين في حياتنا وفي أماكننا التي نعيش فيها دعاة عندهم هذا الانفصام، فتجد أنه على عقيدة أهل السنة في الأسماء والصفات وفي القدر، لكنه في أعمال القلوب يتجه نحو التصوف، فتجد أنه يذهب إلى شيخ يدرس على يديه التصوف، ويبدأ يشتغل معه التصوف ويعتقد أن هذا هو المنهج الصحيح، بل إنهم يشجعون طلابهم ويشجعون من يعرفون لهذه الطريقة وهذا المنهج، وهذا لا شك أنه منهج منحرف في التربية، فليس هذا بصحيح، فأهل السنة أصحاب منهج كامل في العقائد النظرية، وفي الأخلاق، وفي أعمال القلوب وتزكية النفوس، وأصحاب منهج كامل في الدعوة إلى الله، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي السياسة الشرعية، وفي كل أمر من أمور الدين، ولهذا يعتبر منهج أهل السنة هو منهج الإسلام الصحيح وبهذه الطريقة سنفهم الإسلام بشكل صحيح، أما إذا ظن البعض أن منهج السلف هو عبارة عن قضايا نظرية حينئذ سيتجهون إلى الباطل في بقية الأمور، وهذه هي الطائفة الأولى التي انحرفت بسبب هذه الفكرة.
وانحرفت طائفة أخرى بسبب الفكرة ذاتها، لكنها ضد الأولى فأقروا ضمنياً - وإن لم يقروا حقيقة بشكل علني - أن عقيدة أهل السنة هي عقيدة لتصحيح العقائد النظرية الخاطئة التي وقعت فيها الفرق الضالة، ثم لما ظنوا أن هذا هو منهج أهل السنة اكتفوا به، ولهذا أهملوا أعمال القلوب وتزكية النفوس، وأهملوا حسن الأخلاق والآداب وكرائم الصفات، وأهملوا الدعوة إلى الله بشكل متنوع وبشكل قوي بحيث أنهم
стр. 493
منهج أهل السنة تجاه المنكر ومسلكهم في التعامل مع المسلمين
يقول المصنف رحمه الله تعالى في وصف أهل السنة والجماعة: [ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر].
لا يسكتون عن المنكرات، ويتميز أهل السنة دائماً بالصدق، فبعض الناس ينتسب إلى السنة وهو ينكر منكراً في مكان ويقر نفس المنكر في مكان آخر، وهذا خطأ، فتجد أنه ينكر على العامة مثلاً الزنا، لكن إذا وقع فيه شخص كبير شريف له مكانة في الناس لا ينكر عليه، مع أن العمل هو العمل نفسه، وهكذا في بقية الأمور الأخرى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء].
يعني: الأمراء الذين يقيمون الشريعة في الناس، أبراراً كانوا أم فجاراً، وحتى لو كان الحاكم فاسقاً وفاجراً، كأن يكون يشرب الخمر ويزني، فما دام أنه لم يقع في الكفر المخرج عن الإسلام فإنه يطاع فيما أمر الله به، أما إذا أمر بمعصية فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
قال: [ويحافظون على الجماعات]، يعني: يحافظون على الجماعات في المساجد، وهناك بعض طوائف التكفير تهجر الجماعات وتشكك في الأئمة وتقول: إن بعض الأئمة قد يكون عنده عقيدة فاسدة، وهذه كلها ليست من طريقة أهل السنة.
قال: [ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه)] ولهذا تجد أنهم يحرصون على الأخوة، ويجتهدون على لمّ صفوف أهل السنة، ويحافظون عليها، ويبتعدون عن الأخلاق التي تكون سبباً في سوء الصحبة أو العشرة ونحو ذلك.
قال: [وقول النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، ويأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمر القضاء، ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)].
ولهذا لا يصح أن يكون الإنسان طالب علم وصاحب علم كثير وهو سيئ الأخلاق، وسيئ التعامل مع المسلمين، فهذا لا يصح أبداً، فلا بد من الخلق الحسن وهي من صفات أهل السنة.
قال: [ويندبون إلى أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين وصلة الأرحام وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق، بحق وبغير حق، ويأمرون بمعالي الأمور وينهون عن سفسافها، وكل ما يقولونه ويفعلونه من هذا وغيره فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة.
وطريقتهم هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمداً ﷺ ، لكن لما أخبر النبي ﷺ أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وفي حديث عنه أنه قال: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص من الشوب -يعني: من القدح مثلاً أو الخطأ والزلل- هم أهل السنة والجماعة، وفيهم -يعني في أهل السنة- الصديقون والشهداء والصالحون].
يعني: وفيهم أيضاً: العامي وفيهم المتعلم، وفيهم المتخصص في أحكام الشريعة، وفيهم غير المتخصص، وقد نقل النووي أن فيهم الفقهاء والنحويون واللغويون والمؤرخون وهكذا.
قال: [ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، وأولو المناقب المأثورة والفضائل المذكورة، وفيهم الأبدال].
والأبدال: جمع بدل، وقيل: أن المقصود بالأبدال هم الصالحون الذين يأتي بعضهم بدل بعض عندما يموتون، ويروى في الأبدال أحاديث كلها ضعيفة موضوعة لا تصح، والأبدال لهم اصطلاح خاص عند الصوفية، وهو اصطلاح باطل، وهو أن لهم تأثيراً في تحريك الأرض وتدبير شئون الخلق، لكن هذا ليس مقصود الشيخ، وإنما المقصود بالأبدال أي: الأولياء الذين يأتي بعضهم بدل بعض، وليس المقصود اصطلاح الصوفية.
قال: [وفيهم أئمة الدين الذين أجمع المسلمون على هدايتهم، وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة)].
قد سبق الحديث عن هذه الأمور جميعاً.
قال ﵀: [نسأل الله أن يجعلنا منهم وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً].
وبهذا نكون قد انتهينا من شرح كتاب العقيدة الواسطية.
أسأل الله أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يعيذنا من شر الأقوال والأعمال إنه على كل شيء قدير.