Полный текст (204 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
كتاب التوحيد [١]
توحيد الإلهية هو إفراد الله تعالى بالعبادة والكفر بما يعبد سواه، وهذا هو معنى لا إله إلا الله المتضمنة لنفي عبادة غير الله وإثبات العبادة له سبحانه، وهذان الركنان (النفي والإثبات) لا يتحقق التوحيد بدونهما، وقد جاءت النصوص مبينة فضل توحيد الألوهية وأهميته، ومنزلة محققيه وفلاحهم ونجاتهم وفوزهم في الدنيا والآخرة.
стр. 2
طرق شرح كتاب التوحيد
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وارزقنا الإخلاص في القول والعمل، إنك على كل شيء قدير.
أما بعد: فإن الدرس الذي سنبدأ فيه -بإذن الله تعالى- هو درس في (كتاب التوحيد) للشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وهذا الكتاب من الكتب المتميزة في شرح قضايا توحيد الألوهية شرحاً مفصلاً ودقيقاً إلى درجة كبيرة، وهذا الكتاب يمكن أن يشرح شرحاً طويلاً، ويستغرق سنوات طويلة، ويمكن أن يختصر شرحه في أسابيع بحسب طريقة الشرح، وطريقة العرض والمناقشة.
والطول والقصر في الدروس راجعان إلى الطريقة التي يتم بها الدرس، فيمكن أن تكون هناك طريقة متوسعة، بحيث يشرح فيها كل ما يتعلق بالآية أو الحديث أو المسائل التي ذكرها الشيخ، ويفصل في ذلك كثيراً، ويمكن أن يختصر ذلك، فيكون الشرح بطريقة التقعيد والتأسيس، ولهذا شرح الكتاب بهاتين الطريقتين: فشرحه بالطريقة الأولى الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتابه المشهور: (تيسير العزيز الحميد)، لكنه لم يكمل هذا الشرح، حيث قتل شهيداً -رحمه الله تعالى- على يد إبراهيم بن محمد علي باشا المتعصرن الذي جاء إلى نجد في تلك الفترة، وأتم هذا الشرح وأكمله عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتابه المشهور (فتح المجيد).
وفي هذه الطريقة الأولى -طريقة التوسع والتطويل- قد تذكر مسائل كثيرة لا صلة لها في موضوع التوحيد؛ لتضمن النص القرآني أو الحديث النبوي لها، أو المسألة التي أشار إليها الشيخ.
وهناك الشرح المختصر الذي يمكن أن يقتصر فيه على مسائل توحيد الألوهية بشكل مباشر، وبشكل منظم، وكان من أفضل هذه الشروح شرح الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتاب (القول السديد في شرح كتاب التوحيد)، وهو كتاب مشهور ومطبوع، شرح فيه كتاب التوحيد شرحاً مختصراً جداً، حيث يأتي إلى الباب ويذكر فيه الكلام الأساسي الذي من أجله عقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ الباب.
والطريقة التي سنتبعها في الشرح بإذن الله تعالى هي أننا سنأخذ الأبواب الموجودة في كتاب التوحيد -وهي ستة وستون باباً- ونجعلها على شكل محاور وموضوعات أساسية، وهذه الموضوعات الأساسية يمكن تطويلها، ويمكن ضم بعضها إلى بعض، وقد جعلناها ثمانية محاور، وكل محور يوجد فيه عشرة أبواب أو أقل.
وهذه الطريقة في الدراسة يمكن أن نسميها الطريقة الموضوعية؛ لأنه ليس الهدف من دراسة الكتاب هو الوقوف على كل لفظة وشرحها، والحديث عنها بشكل مفصل، وإنما المقصود بيان الهدف الأساسي الذي أراد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن يوصله إلى الناس من خلال كتابه هذا الذي هو (كتاب التوحيد).
والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لم يؤلف هذا الكتاب في مجلس واحد، وإنما ألفه في فترات متعددة، حيث كان يستعرض القرآن والأحاديث النبوية، ويجمع كل ما يتعلق بتوحيد الألوهية من الآيات والأحاديث، وبعد سنوات اجتمعت لديه مجموعة كبيرة من الآيات، ومجموعة كبيرة من الأحاديث، فصنفها على شكل أبواب، مثل طريقة العلماء السابقين، كطريقة الإمام البخاري ﵀ في صحيحه، فخرجت هذه الأبواب الموجودة، إلا أن كل كتاب يكون للمبوب له نظرة في تبويبه، وقد تكون هناك نظرة أخرى لغيره فيها، ولهذا اجتهدنا في هذه الطريقة التي هي محاولة تقسيم الكتاب على شكل محاور، ومناقشة هذه المحاور، ثم استعراض الكتاب، ثم استعراض هذه الأبواب، والتعليق عليها بشكل مختصر.
стр. 3
تقسيم التوحيد
المحور الأول الذي سنبدأ به -إن شاء الله تعالى- هو توحيد الألوهية، مفهومه، وأهميته، وفضله، وحماية الرسول ﷺ له، فالكلام هو فيما يتعلق بتوحيد الألوهية في ذاته من ناحية تعريف هذا التوحيد وتفسيره، ومن ناحية أهمية هذا التوحيد، ومن ناحية فضل هذا التوحيد، ومن ناحية حماية النبي ﷺ له.
وهذا المحور قد استغرق قرابة سبعة أبواب سنتحدث عنها إن شاء الله بالتفصيل، وهناك محاور تتعلق بالشرك وأنواعه سنأخذها بالتفصيل، وهناك محاور أخرى سنأخذها بشكل متتال إن شاء الله تعالى.
إن توحيد الألوهية هو نوع من أنواع التوحيد، والتوحيد ينقسم بحسب الاعتبار الذي ينظر إليه المقسم، فإذا جاء إلى التوحيد باعتبار الموحِّد قسمه إلى قسمين: توحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد القصد والطلب، أو التوحيد العلمي الخبري، والتوحيد الإرادي الطلبي.
وإذا جاء إلى التوحيد باعتبار جهة الموحد وجده ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، فإذا عرفنا الجهة التي ينظر من خلالها إلى التوحيد نفهم سبب التقسيم عند أهل العلم، واختلاف التقسيم عند أهل العلم؛ إذ إننا نجد بعض العلماء يقسمه إلى ثلاثة أقسام، وبعضهم يقسمه إلى قسمين، والحقيقة هي أن التقسيم عمل فني أكثر من كونه معنوياً، حيث ينظرون إلى المعاني ثم يقسمونها، ولهذا يقسمون الواجب في أصول الفقه إلى قسمين: واجب عيني، وواجب كفائي، ثم يقسمونه إلى واجب موسع، وواجب مضيق، وهكذا في عامة العلوم الأخرى.
ونحن سنشرح هذه الأنواع الثلاثة بناءً على التقسيم المشهور، وهو التقسيم باعتبار الموحَّد، وهو الله ، فينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
أما توحيد الربوبية فهو توحيد الله وإفراده بالخلق والرزق والتدبير.
وأما توحيد الألوهية فهو إفراد الله بالعبادة والتأله.
وتوحيد الأسماء والصفات: هو إفراد الله بالأسماء الحسنى والصفات العليا، التي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله ﷺ .
وهذا التقسيم لأنواع التوحيد الثلاثة مبني على الاستقراء، وذلك أن العلماء نظروا في النصوص الشرعية واستقرءوها فوجدوا أن التوحيد فيها ينقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة.
стр. 4
توحيد الربوبية
أما توحيد الربوبية فمثاله قول الله : ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤].
ووجه الاستدلال بهذه الآية هو أنه قدم ما حقه التأخير لفائدة؛ إذ إن أصل الجملة في تركيبتها: (الخلق والأمر له) فقدم الجار والمجرور لفائدة بلاغية، وهي إفادة الحصر والقصر والاختصاص، وهذا هو معنى التوحيد.
والخلق معروف، وأما الأمر فينقسم إلى قسمين: أمر كوني، وأمر شرعي.
فأما الأمر الكوني فهو موافق لمعنى الخلق، وأما الأمر الشرعي فهو التشريع الذي هو إحلال الحلال وتحريم الحرام، وهو حق خالص لله .
стр. 5
توحيد الألوهية
وأما توحيد الألوهية فهو إفراد الله بالعبادة؛ لأن الله يقول: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦].
وأخبر تعالى عن دعوة الرسل بأنه كلما جاء رسول يدعو قومه قال لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، وهذا هو معنى (لا إله إلا الله) كما سيأتي معنا مفصلاً.
ووجه الحصر والاختصاص والقصر في كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) هو الجمع بين الإثبات والنفي والاستثناء، والاستثناء هنا يدل على الحصر في المستثنى، وهو الله تعالى، وهذا يدل على أن الألوهية الحقة مستثناة لما بعد أداة الاستثناء (إلا)، وهو الله .
стр. 6
توحيد الأسماء والصفات
أما توحيد الأسماء والصفات فقد بينه الله بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وهذا أيضاً يفيد الحصر بنفس الطريقة التي أفادها الحصر في توحيد الربوبية، حيث قدم الجار والمجرور، وتقديم الجار والمجرور يراد به إفادة الحصر والاختصاص.
ولكل واحد من الأنواع الثلاثة أمثلة كثيرة غير ما ذكرنا.
стр. 7
مفهوم توحيد الألوهية
أما توحيد الألوهية فهو إفراد الله بالعبادة، ومعنى العبادة يبينه ابن تيمية ﵀ في رسالته (العبودية) بقوله: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
والعبادة مأخوذة من التعبد، يقال: طريق معبد: إذا ذللته الأقدام بالسير عليه، فالتعبد في اللغة مأخوذ من الذل والخضوع، وزاد الشرع فيه المحبة أيضاً، فأصبحت العبادة في الاصطلاح الشرعي يراد بها تمام الذل والخضوع مع كمال المحبة، فإذا حصل هذان فإن العمل يكون عبادة، فإذا صرفت لله فهي توحيد، وإذا صرفت لغيره فهي شرك وتنديد.
стр. 8
مفهوم توحيد الألوهية عند أهل السنة
ومفهوم العبادة واضح عند أهل السنة، لكن هناك طوائف -مثل القبوريين- يخالفون في مفهوم العبادة، فيجعلون العبادة إفراد الله بالخلق، مع أن الألوهية مشتقة من الإله، والإله بإجماع النحاة وإجماع المفسرين معناه (المعبود)، و (إله) فعال بمعنى (مفعول)، أي: مألوه، ومعنى (مألوه) معبود بالمحبة والتوكل والرضا والخوف والإنابة والرغبة والرهبة، وما إلى ذلك من أنواع العبادات، ولهذا يقول الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] قال قتادة -كما روى ابن جرير الطبري -: معبود في السماء ومعبود في الأرض.
هذا هو ما يتعلق بمفهوم توحيد الألوهية، وقد يعبر عن توحيد الألوهية بتوحيد العبادة، وهو تعبير آخر، فتوحيد الإلهية: نظر فيه إلى جانب الإله، وتوحيد العبادة ينظر فيه إلى جانب العبد، فتوحيد الألوهية يعني: توحيد التأله لله ، وتوحيد العبادة يعني: توحيد فعل العبد -الذي هو عبادته- لله ، وسيأتي معنا عند قراءتنا للنصوص كيف يكون الربط بين مفهوم (لا إله إلا الله) وبين النصوص التي تدل على العبادة.
وبعض العلماء يقسم توحيد الألوهية إلى قسمين: توحيد التنسك أو النسك، وتوحيد الطاعة والتشريع، والحقيقة هي أن القسمين عبادة لله ، فالنسك والتنسك مثل: الذبح، والخضوع، والذل، والمحبة، والخوف ونحو ذلك من أفعال العبد، فهي تنسك وهي تعبد في ذات الوقت.
والطاعة والتشريع أيضاً من العبادة، ولهذا يقول الله : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠] فسمى الحكم عبادة.
و (لا إله إلا الله) هي كلمة مركبة من جملتين: الجملة الأولى: هي جملة النفي (لا إله)، والجملة الثانية: هي جملة الإثبات (إلا الله)، فأما الجملة الأولى التي هي جملة النفي (لا إله) فمعناها: لا معبود ولا مربوب ولا مشرع ولا محبوب محبة تأله بحق إلا الله ، فيجب أن يعبد وحده دون شريك، فهي تتضمن أمرين: الأمر الأول: إيجابي، وهو التعبد لله ، بمعنى: صرف العبادة له، وهذا مأخوذ من الإثبات.
والأمر الثاني: سلبي، وهو البراءة من كل معبود غير الله ، وقد يسمى الطاغوت، وقد يسمى الشرك، وقد يسمى الكفر، وقد يسمى النفاق، وكل معبود ومألوه تصرف له العبادة غير الله يجب بغضه وكرهه والبراءة منه، كما سيأتي معنا تفصيلاً، وهذا هو مفهوم الألوهية.
стр. 9
مفهوم توحيد الألوهية عند القبوريين
أما القبوريون فإنهم يرون أن الألوهية مشتقة من الإله، و (إله) على وزن فعال بمعنى (فاعل) أي: (آله) بمعنى: خالق، فهم يفسرون توحيد الألوهية بأنه توحيد الربوبية، فيجعلون توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية بمعنى واحد لا يفرقون بينهما، ويقولون: التفريق بينهما خطأ كبير، وبناءً على هذا جعلوا الشرك منحصراً في الربوبية فقط، فمن نسب الخلق لغير الله ، أو نسب التدبير لغير الله ؛ فإنهم يعتبرونه مشركاً، أما لو صرف الخوف والمحبة وأنواع المرادات لغير الله فإنهم لا يعتبرونه مشركاً، ومن هنا وقعت الخصومة الكبرى بين أهل السنة من جهة، وبين القبوريين من جهة أخرى، فأعمال عباد القبور عند القبور -مثل: الطواف حول القبر، والذبح لصاحب القبر، والنذر، والاستغاثة، ودعاء صاحب القبر ونحو ذلك -نرى أنها شرك أكبر؛ لأنها صرف للعبادة لغير الله ، أما هم فإنهم لا يرونها شركاً؛ لأنهم يقولون: إن هؤلاء لا ينسبون الخلق لغير الله، فقلنا لهم: وإذا كانوا لا ينسبون الخلق لغير الله فهل يعني هذا أنهم من الموحدين؟ فقالوا: نعم؛ لأن التوحيد هو إثبات أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت.
أما نحن فنقول: التوحيد ليس هو إثبات أن الله هو الخالق والرازق والمحيي والمميت فقط، بل هو أيضاً إفراد الله بالعبادة، ولهذا كان المشركون يعرفون أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت ولم ينفعهم ذلك، يقول الله : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] فأثبت لهم شيئاً من الإيمان، لكنه لا ينفعهم، قال ابن عباس في هذا الإيمان الذي لا ينفعهم: إذا سألت أحدهم: من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ قال: الله، فهذا لا ينفعه؛ لأنه سبحانه قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦].
ومن هنا لما جاءهم النبي ﷺ قال لهم: قولوا: لا إله إلا الله، وهم يعترفون بأن الله الخالق والرازق والمحيي والمميت، فلم يقولوا ذلك موافقة له؛ لأنهم عرفوا حقيقة دين الرسول ﷺ فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ﴾ [ص:٥] يعني: المعبودات ﴿إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥].
وعندما نوقشوا في كونهم يعبدون الآلهة وهي أصنام قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] فصرحوا بلفظ العبادة فقالوا: ((مَا نَعْبُدُهُمْ))، فلم ينسبوا إليهم الخلق والرزق والإحياء والإماتة كما يظن القبوريون، وإنما عبدوهم من دون الله .
فحقيقة توحيد الألوهية هي صرف العبادة لله، والموحدون يتفاوتون في توحيد الألوهية، فبعضهم عنده أصل التوحيد، ولكن عنده ذنوب ومعاص تقلل من توحيده، وبعضهم توحيده تام كامل؛ لإتيانه بأصول العبادات والواجبات والمستحبات، ولهذا سيأتي معنا أن التوحيد ينقسم إلى قسمين: توحيد تام يكون لصاحبه الأمن والاهتداء التام، وتوحيد ناقص يكون لصاحبه أصل الأمن والاهتداء، ولكن ليس له الأمن التام، فقد يخاف، ولكن مرده إلى الأمن بإذن الله تعالى.
стр. 10
باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، وقول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧]].
عقد المؤلف هذا الباب ليبين أن ترك الشرك ركن أساسي في توحيد الألوهية؛ لأن الآية تخبر عن المشركين الذين يعبدون الصالحين، حيث قال تعالى: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ)) يعني: يدعونهم.
فالمقصود بقوله: ((أُوْلَئِكَ)) الإشارة إلى من يدعوهم المشركون، ((يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ)) يعني: من الأنبياء والصالحين المعبودين من دون الله .
فترك الشرك والبراءة منه داخل في أساس الدين وفي أصل الدين، فلو أن إنساناً قال: أنا أعبد الله، لكن لا أتبرأ من الشرك، ولا أقر بأن المشرك يكون من أهل جهنم، فإنه لا يعتبر موحداً.
ولهذا فإن الدعاوى الموجودة في هذا العصر التي يرددها بعض الناس، حيث يقولون: إن اليهود والنصارى ليسوا كفاراً، وإننا نحن وإياهم نلتقي في الملة الإبراهيمية، وإننا جميعاً من أهل الجنة، وإن الإسلام طريق إلى الله، واليهودية طريق إلى الله، والنصرانية طريق إلى الله، هذه الدعاوى كفر أكبر، وقائلها لم يحقق أصل الدين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٨]].
قال المفسرون في قوله تعالى: ((وَجَعَلَهَا كَلِمَةً)) قالوا: الكلمة هي (لا إله إلا الله)؛ لأن هذه الآية مطابقة لمعنى (لا إله إلا الله)، فقوله: ((إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ)) يطابق (لا إله)، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف:٢٧] يطابق: (إلا الله).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]].
هذه الآية أيضاً مطابقة لمعنى لا إله إلا الله، فقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] يعني: أشركوا مع الله الأحبار -وهم علماء اليهود- والرهبان، -وهم عباد النصارى- حيث اتخذوهم أرباباً؛ لأنهم يحلون لهم الحرام فيتبعونهم، ويحرمون عليهم الحلال فيتبعونهم، فقال النبي ﷺ : (فتلك عبادتهم)، وهذا هو معنى قول الله : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠].
ولم يكتف المؤلف ﵀ بالآية الأولى في الدلالة على مطابقة كلمة التوحيد لدعوة إبراهيم ﵇ لأن الذي جاء في الآية الأولى آية الزخرف، -وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف:٢٦] هو صنف من أصناف العبادة، وهذا صنف آخر، وهو الحكم والتشريع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]].
هذه الآية فيها بيان للمحبة ووقوع الشرك فيها، وسيعقد الشيخ لها باباً مستقلاً بإذن الله تعالى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله ].
قوله: (من قال: لا إله إلا الله) هذا هو الجانب الإيجابي، وهو فعل العمل الصالح، يعني أن قول (لا إله إلا الله) والصلاة والصيام والمحبة والخوف كل ذلك ينبغي أن يُصرف لله ، وهذا موافق لقوله: (إلا الله).
وأما الجانب السلبي الآخر فهو قوله: (وكفر بما يعبد من دون الله)، فقد جعل الكفر بما يعبد من دون الله داخلاً في أصل الدين، حتى إنه لا يقبل إسلام الشخص إذا لم يكفر بما يعبد من دون الله؛ لأنه قال: (حرم ماله ودمه وحسابه على الله).
فهذا الباب المقصود به بيان حقيقة توحيد الألوهية، وتفسير شهادة أن لا إله إلا الله، وأنها مركبة من ركنين أساسيين: الركن الأول: النفي، ومعناه: نفي الأرباب ونفي الأنداد ونفي الطواغيت ونفي الآلهة.
الركن الثاني: إثبات العبادة لله وحده .
стр. 11
أهمية توحيد الألوهية
لهذا المحور الذي سنتحدث عنه أهمية كبيرة جداً؛ لأن الإنسان إذا عرف توحيد الألوهية علم أنه هو حقيقة الإسلام، ثم إذا أراد أن يتحدث عن أهمية الإسلام فإنه يجد شيئاً كثيراً، ولكننا سنحصر أنفسنا فيما ذكره الشيخ.
فقد ذكر الشيخ مجموعة من الأمور التي تدل على أهمية التوحيد: الأمر الأول: الحكمة أن من خلق الجن والإنس هي تحقيق توحيد الألوهية، فالله ما خلق الناس في هذه الدنيا إلا ليوحدوه ويفردوه بالعبادة ، والعبادة لا تصح إلا بهذا التوحيد، وهذا مذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
الأمر الثاني: أن توحيد الألوهية هو حقيقة دعوة الرسل، فالرسل ﵈ حين جاءوا لدعوة أقوامهم جاءوهم بالدعوة إلى توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الألوهية هو أصل الإسلام، فإذا آمن به الشخص؛ فلابد من أن يؤمن بتوحيد الربوبية معه، ولابد من أن يؤمن بتوحيد الأسماء والصفات معه أيضاً.
يقول الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، فقوله تعالى: ((أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ)) موافق للإثبات في (إلا الله)، ((وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)) موافق للنفي في (لا إله)، ويمكن أن نستعرض القرآن ونستخرج منه كثيراً من الأمثلة بهذه الطريقة.
الأمر الثالث: أن توحيد الألوهية هو أول أمر أمر الله به، يقول الله : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣]، فقوله: (وقضى) معناه: أمر ووصى، فأول أمر من الأوامر الشرعية أمر الله به هو توحيد الألوهية، وهذا يدل على أهميته وفضله.
يقول الله : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦] في سياق جملة من الحقوق، فجعل توحيد الإلهية أول حق من الحقوق.
الأمر الرابع: أن الشرك هو أعظم محرم، فإذا كان التوحيد هو أعظم أمر أمر الله به، فالشرك الذي هو عكسه هو أعظم محرم في نفس الوقت، يقول الله : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام:١٥١]، ولهذا قال ابن مسعود ﵁ عن هذه الآية: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام:١٥١] إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣].
وهذه الآيات تسمى آيات الوصايا العشر، وقد بدأها الله بالتحذير من الشرك الذي هو رأس المحرمات.
الأمر الخامس: أن التوحيد حق لله ، وهذا وارد في حديث معاذ بن جبل ﵁ عندما قال: (كنت رديف النبي ﷺ على حمار فقال لي: يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً)، وهذا هو توحيد الألوهية، فقوله: (أن يعبدوه) بمعنى: (إلا الله)، (ولا يشركوا به شيئاً) بمعنى: (لا إله)، فهو نفس معنى (لا إله إلا الله).
ثم قال ﷺ : (وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً.
قلت: أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا).
إذاً: يمكن أن نبرز أهمية توحيد الألوهية باعتبار أنه لا يمكن أن يثبت للإنسان اسم الإسلام ووصفه وحقوق الإسلام إلا إذا جاء بتوحيد الألوهية، وأما إذا لم يأت بتوحيد الألوهية فإنه لا يثبت له شيء من أوصاف الإسلام؛ لما جاء في الحديث: (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله) يعني أن من لم يحقق ذلك فدمه حلال وماله حلال؛ لأنه ليس من المسلمين، وهذا يدل على أهمية توحيد الألوهية.
стр. 12
فضل توحيد الألوهية
قسم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ الحديث عن فضل توحيد الإلهية إلى قسمين: الأول: الحديث عن فضله بشكل عام، فقد بوب له باباً وقال: [باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب].
الثاني: فضل من حققه، يعني: من جاء بحقيقته، وبوب له باباً خاصاً سماه (باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب).
إذاً: فباب فضل التوحيد، وباب من حقق التوحيد يجتمعان في نقطة واحدة، وهي فضل التوحيد عموماً، فالأول: فضل عام، والثاني: فضل خاص لفئة معينة، وهي التي جاءت بتحقيق التوحيد.
стр. 13
حصول الأمن والاهتداء
أما فضل التوحيد فقد جاء فيه بأنواع من الفضل يمكن أن نلخصها في الأمور الآتية: الأمر الأول: أن التوحيد سبب في الأمن والاهتداء، وهذا الفضل أخذناه من آية الأنعام التي ذكرها، وهي قول الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، فقوله: ((الَّذِينَ آمَنُوا)) يعني: وحدوا، والتوحيد والإيمان بمعنى واحد، ((وَلَمْ يَلْبِسُوا)) يعني: لم يخلطوا، ((إِيمَانَهُمْ)) يعني: توحيدهم، ((بِظُلْمٍ)) يعني: بشرك.
وعرفنا أن الظلم هنا المقصود به الشرك بما ثبت في حديث ابن مسعود ﵁ أنه لما نزلت هذه الآية قال الصحابة رضوان الله عليهم: (أينا لم يظلم نفسه يا رسول الله؟ قال: ليس الظلم الذي تظنون، ألم تقرءوا قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]).
إذاً: فترك الشرك والإتيان بالتوحيد سبب في الأمن والاهتداء في الدنيا والآخرة.
والأمن والاهتداء ينقسم كل منهما إلى تام وناقص كما ينقسم التوحيد، فالأمن التام يكون لصاحب التوحيد التام، والأمن الناقص يكون لصاحب التوحيد الناقص، والأمن التام هو ألا يدخل صاحبه النار أبداً، ولا يمسه شيء من النار، ومعنى الأمن الناقص أنه قد يعذب في النار ويحصل له الخوف، لكنه لا يخلد فيها، ولهذا قد يعبر بعض العلماء -مثل ابن تيمية ﵀ في كلامه عن هذه الآية بالأمن المطلق ومطلق الأمن، والأمن المطلق هو الأمن التام، والاهتداء المطلق هو الاهتداء التام، ومطلق الأمن ومطلق الاهتداء يراد به أصل الأمن وأصل الاهتداء، فقد يخالط الأمن خوف كما يخالط التوحيد شيء من الذنوب والمعاصي، لكن أصل الأمن والاهتداء موجود.
стр. 14
الصيرورة إلى الجنة
الأمر الثاني: أن التوحيد أن الموحد مصيره إلى الجنة ولو حصل له شيء من العذاب، وهذه قاعدة من قواعد أهل السنة، وهي أن الموحد الذي مات على التوحيد فلم يقع في شيء من الكفر لابد من أن يكون من أهل الجنة عند الله ، ولو حصل له شيء من العذاب أو مسه شيء من العذاب؛ لحديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) يعني: ولو كان عنده شيء من العمل المحرم أو شيء من العمل الناقص، فإن الله سيدخله الجنة، ونهايته إلى الجنة.
وتوحيد الإلهية الكائن في هذا الحديث مذكور في بدايته في قوله: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله).
стр. 15
أن التوحيد لا يعدله شيء
الأمر الثالث: أن التوحيد لا يعدله شيء؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قال موسى: يا رب! علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله، قال: يا رب! كل عبادك يقولون هذا، قال: يا موسى، لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، و (لا إله إلا الله) في كفة، مالت بهن (لا إله إلا الله)) رواه ابن حبان والحاكم وصححه، وهذا الحديث فيه ضعف؛ لأن في إسناده دراجاً أبا السمح، وهو ضعيف، ولكن له شاهد في مسند الإمام أحمد في قصة لنوح ﵇ مشابهة لهذه الرواية، فتكون شاهداً له لهذا الحديث، ويرتقي إلى درجة الحسن، فهو من المحتج به.
стр. 16
تكفير الذنوب ومحوها
الأمر الرابع: أن التوحيد يكفر الذنوب ويمحوها، وذَكَر له شاهداً عند الترمذي من حديث أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (قال الله تعالى: يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة) يعني: لو أتيتني بما يقارب الأرض خطايا ثم جئتني بعيداً عن الشرك؛ فإن هذه الذنوب تغفر بفضل توحيد الألوهية؛ لمكانته وأهميته.
وتوحيد الألوهية له فضائل أخرى كثيرة تتعلق بالنفس، وتتعلق بالمجتمع، وتتعلق بالحياة كلها، ولكن الشيخ لم يزد على هذه الفضائل التي أشار إليها، ولو رجعت إلى (القول السديد) لوجدت مجموعة أخرى من الفضائل التي أشار إليها المؤلف بشكل مختصر.
стр. 17
فضل من حقق التوحيد
النوع الثاني من أنواع الفضائل التي أشار إليها هو فضل من حقق التوحيد، وأن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، ومعنى (حقق التوحيد): خلصه وصفاه من الشرك والبدع والمعاصي؛ إذ الشرك والبدع والمعاصي تنقص وتضعف التوحيد، فمن صفّى توحيده من الشرك الأكبر والأصغر، والبدع القولية والعملية، والمكفرة وغير المكفرة، والكبائر والصغائر من المعاصي؛ فإنه يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب.
ثم ذكر دليلاً على ذلك، وهو خبر إبراهيم ﵇، يقول الله : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل:١٢٠ - ١٢١].
فهذه مجموعة من الأعمال قام بها إبراهيم، منها: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠] يعني: إماماً، والإمام لا يكون إماماً إلا إذا حقق تمام الصبر وتمام اليقين؛ لأن الله يقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤].
ومنها: أنه حنيف، والحنيف هو المنحرف عن الشرك.
ومنها: أنه لم يك من المشركين، وهذه كلها تدل على تمام التوحيد عنده.
ومنها: أنه كان قانتاً لله، والقنوت هو دوام الطاعة والاستمرار عليها.
ومنها: قوله تعالى: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل:١٢١] فهذه خمسة أعمال قام بها إبراهيم، فكانت النتيجة خمس فضائل: الأولى: أنه اجتباه، أي: اصطفاه.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل:١٢١].
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [النحل:١٢٢]، والمقصود بالحسنة التي آتاه الله إياها في الدنيا: الذكر الحسن.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل:١٢٢] يعني: من أهل الجنة.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل:١٢٣] يعني أنه متبوع لتمام إمامته.
وأما الآية الثانية التي جاء بها في المحققين للتوحيد فهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٥٩] وهذه الآية قبلها وبعدها آيات في هذا الموضوع، وهي قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧ - ٦١].
فهذه هي أعلى درجات توحيد الألوهية.
ثم ساق حديثاً طويلاً في قصة السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وأن السبب في تفضيلهم ودخولهم الجنة بغير حساب ولا عذاب هو تمام التوحيد؛ لأنه ﷺ لما ذكر أوصافهم قال: (هم الذين لا يسترقون) يعني: لا يطلبون الرقية، والرقية سيأتي الحديث عنها إن شاء الله، (ولا يكتوون، ولا يتطيرون) يعني: لا يتشاءمون بالطيور أو غيرها، (وعلى ربهم يتوكلون)، وهذا يدل على أنهم من أهل التوحيد التام الكامل ولهذا كانوا من الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.
стр. 18
حماية النبي ﷺ لجناب التوحيد
إن النبي ﷺ لتعظيمه لتوحيد الألوهية، ولمكانة توحيد الألوهية -إذ هو أساس الدين وأصله- فقد حمى ما حوله، ولهذا حذر من أفعال قد توقع فيما ينقض أو يُنقص كمال توحيد الألوهية، وحذر من أقوال قد توقع أيضاً فيما ينقض التوحيد، ولهذا بوب الشيخ في حماية المصطفى لجناب التوحيد بابين: الباب الأول: في بداية الكتاب، وهو الباب الكائن برقم (٢١).
والباب الثاني: في آخر الكتاب، وهو الباب الكائن برقم (٦٥).
وبعض الناس قد يقول لماذا بوب الشيخ بابين؟ ألا يكفي باب واحد؟ والجواب هو أن الباب الأول في حماية المصطفى لجناب التوحيد من الأعمال التي قد تخدش فيه.
والباب الثاني في الأقوال، وهناك فرق بين الأعمال والأقوال.
فأما الباب الأول فهو (باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ لجناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك، وهذا الباب أيضاً يدخل في أهمية التوحيد ومكانته ومنزلته، ولذا نلحظ أن هذه المجموعة من الأبواب متفرقة في أماكن متعددة، ومع ذلك يصلح أن ينظمها سلك واحد، وهو مفهوم توحيد الألوهية وما يتعلق به من الفضائل والحماية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد، وسده كل طريق يوصل إلى الشرك، وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]].
هذه الآية تدل على حرص النبي ﷺ على أمته، فقوله تعالى: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ) يعني: يصعب عليه (مَا عَنِتُّمْ) أي: مشاقتكم وعنتكم، فـ (ما) هنا مصدرية، فتكون هي والفعل الذي بعدها مؤولان بالمصدر، بمعنى: عزيز عليه عنتكم.
والعنت: هو المشقة، ((حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)).
فإذا كان النبي ﷺ حريصاً على الناس في أمورهم المعيشية؛ فإن حرصه عليهم في تاج الإسلام -وهو التوحيد- أشد وأعظم، وستأتي نماذج من ذلك.
قال المؤلف ﵀: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات.
وعن علي بن الحسين: (أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال: ألا أحدثك حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ ؟! قال: لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي؛ فإن تسليمكم يبلغني حيث كنتم) رواه في المختارة].
هذا الحديث يدل على حماية النبي ﷺ لجناب التوحيد، حيث يقول ﵊: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً).
وهذا القول يحتمل معنيين: الأول: لا تدفنوا الموتى فيها.
والمعنى الثاني: لا تجعلوها مثل المقبرة التي لا يصلى فيها، وكلا المعنيين يدلان على حرص النبي ﷺ على تطهير جناب التوحيد من أي خدش فيه، فأما على المعنى الأول -وهو: النهي عن دفن الموتى في البيوت- فإن دفن الموتى في البيوت نوع من أنواع الغلو، وهو يفضي إلى التعظيم، ولهذا نلحظ في تاريخ المسلمين أن أكثر من أن يصنع هذا هم السلاطين والوجهاء، وأصحاب الأماكن العالية، فقد يبني أحدهم قصراً ويجعله مقبرة لنفسه، وهذا يضفي شيئاً من التعظيم على القبر الذي يدفن فيه.
وقد يقول قائل: لماذا دفن النبي ﷺ في بيته مع أنه نهى عن ذلك؟! فنقول: هذا من خصائصه، والدليل على كونه من خصائصه هو حديث أبي بكر الصديق ﵁ عندما اختلفوا في مكان دفنه، فأخبرهم أنه سمع النبي ﷺ يقول: (ما من نبي يقبض إلا يدفن حيث قبض) يعني: يكون محل دفنه هو المكان الذي يقبض فيه ويموت فيه.
وقوله: (ولا تجعلوا قبري عيداً) العيد: هو الشيء المعتاد، فهو يتضمن معنى التكرار والإعادة، ولهذا سمي بذلك عيد الأضحى وعيد الفطر لأنهما يعودان كل سنة.
فقوله: (لا تجعلوا قبري عيداً) أي: لا تجعلوا زيارة قبري مثل العيد تعاودونه في كل سنة، أو في كل شهر، أو في كل فرض، أو في كل يوم، أو نحو ذلك، فمن اتخذ زيارة قبر النبي ﷺ عيداً منتظماً؛ فإنه يدخل في عموم نهيه، وهذا نص صريح على بدعة الزيارة الرجبية التي اعتادها كثير من الناس، والزيارة الرجبية هي أنهم يزورون قبر النبي ﷺ في كل رجب، فهذه بدعة؛ لأنهم جعلوا زيارته في رجب عيداً يعتادونه، وهي بدعة ومنكر.
وهناك كثير من الناس يعترض علينا عندما نذكر أنواعاً من الزيارات البدعية أو التصرفات البدعية في التعامل مع النبي ﷺ بأننا لا نحب النبي ﷺ ، وهذا باطل وفاسد، فإن أهل التوحيد هم من أشد الناس محبة وتعظيماً للنبي ص
стр. 19
طرق دراسة التوحيد والإيمان
إن طريقة دراسة العلماء لتوحيد الألوهية هي مثل طريقة دراسة كتاب الإيمان، وذلك أنهم يدرسون الإيمان والتوحيد بطريقتين: الطريقة الأولى: طريقة التأصيل أو التصحيح.
الطريقة الثانية: طريقة التعميق.
ومعنى طريقة التصحيح: أن يصحح مفهوم التوحيد، ويصحح ما حوله من المفاهيم؛ حتى لا يقع فيها غبش ولا يقع فيها إشكال، ويحفظ للأمة دينها إلى قيام الساعة، فيعرف الإنسان ما هو توحيد مما هو شرك، ويميز الإنسان الإيمان عن الكفر، فهذه الطريقة تسمى طريقة التصحيح، وذلك لأن المفاهيم الشرعية -كالإيمان، وتوحيد الألوهية وغيرهما- دخل فيها غبش كثير بسبب الفرق الضالة، فاحتاج أهل السنة إلى أن يصححوا المفاهيم الشرعية للرد على الفرق الضالة، ولبيان المعتقد الصحيح من واقع الكتاب والسنة.
وهذه الطريقة الأولى هي الطريقة التي نسير عليها في شرحنا هنا.
وأما طريقة التعميق فهي: تربية القلب والتطبيق الفعلي لتوحيد الألوهية والإيمان، وذلك التطبيق منازل عظيمة، ولذلك ألف ابن القيم ﵀ (مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين) يعني: في منازل العبودية، ومنازل العبودية هي نفسها منازل توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية هو نفسه توحيد العبودية، فأدخل فيها التوكل على الله، والمحبة، والرجاء، والصدق مع الله، والإخلاص، والتوكل والإنابة ونحو ذلك من المنازل العظيمة من منازل الإيمان التي تشرح الصدر وتنير العقل، وتنير للإنسان طريقه، وتجعله في أعلى درجات الإيمان.
وهذه الطريقة الثانية هي التي تربى عليها أصحاب النبي ﷺ قبل ظهور الفرق الضالة التي غيرت المفاهيم الشرعية، مثل: مفهوم توحيد الألوهية، أو مفهوم توحيد الأسماء والصفات، أو مفهوم الإيمان، فالصحابة رضوان الله عليهم ما كانوا يدرسون الإيمان بأنه قول وعمل يزيد وينقص، وغير ذلك من التعريفات التي نقرؤها في متون العقيدة، وإنما كانوا يطبقون ذلك عملياً في حياتهم.
ودليل ذلك أن لقيط بن صبرة جاء إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : (إن الله يضحك من قنوط عباده وقرب غِيَرِهِ) فلم يكتف لقيط بن صبرة إثبات صفة الضحك فقط، بل قال: (يا رسول الله! أو يضحك الرب؟! قال: نعم.
قال: لن نعدم من رب يضحك خيراً) يعني أن الرب الذي يضحك لن نعدم منه الخير، فاستفاد منه عبادة قلبية، وهي الرجاء، والرجاء سيدفعه إلى المحبة، وهكذا منازل الإيمان يقرب بعضها من بعض.
فانظر كيف استفاد من توحيد الأسماء والصفات في رفعة الإيمان القلبي، ولهذا كان لابد من التنبه لهذه القضية، وبيان أن الدراسة تكون بطريقتين: طريقة التصحيح، وطريقة التعميق، ونحن بحاجة إلى دراسة التوحيد والإيمان بهاتين الطريقتين، ولا يصح الاكتفاء بواحدة دون الأخرى.
стр. 20
الدعوة إلى توحيد الألوهية
إن الدعوة إلى توحيد الألوهية هي حقيقة دعوة الرسل، فالرسل جميعاً يدعون إلى توحيد الألوهية، يقول الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].
فعبادة الله واجتناب الطاغوت هما مفهوم (لا إله إلا الله)، وهو توحيد الألوهية، وهذا يدل على أن التوحيد هو أول أمر يجب أن يبدأ به الإنسان في الدعوة إلى الله ، وينبغي على الداعي إلى الله أن تكون العقيدة هي محور دعوته، وأن يربط كل قضايا دعوته بالعقيدة؛ لأن العقيدة هي أساس الدين، ولهذا لما أرسل النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)، وفي بعض الألفاظ: (إلى أن يوحدوا الله).
وهذا يدل على أن أول واجب يجب على الناس هو توحيد الله، وأول ما يجب أن ندعو إليه هو العقيدة والتوحيد.
وبهذا يتضح لنا فساد كثير من المناهج الضالة، ومن ذلك فساد حوار الأديان أو حوار الحضارات، وحوار الحضارات هو نفسه حوار الأديان؛ إلا أن كلمة (الأديان) حينما كانت حساسة جاء وابدلا عنها بكلمة الحضارات، والحضارات المقصود بها الطريقة التي تكون متبعة في الغالب لدين من الأديان؛ إذ الأديان ليست طريقة واحدة، وإنما هي طرق متعددة.
فمن الناس من يدعو إلى توحيد الأديان، فلا ينكر بعضهم على بعض، ولا يكفر بعضهم بعضاً، وهذه الدعوة بهذا المفهوم هي شرك وكفر؛ لأن ترك تكفير أهل الكتاب من الكفر، هذا النوع الأول.
ومن الناس من يدعو إلى حوار الأديان، كما يحصل لكثير من الدعاة إلى الله ، فيقولون: نحن ندعو إلى حوار الأديان، ويقولون: نحن نكفرهم، وإنما نسكت عن القضايا الخلافية، ونبحث في القضايا المشتركة فيما بيننا.
ومن القضايا المشتركة -مثلاً-: القضاء على الفقر والمخدرات، والتعاون على رفع الظلم عن المظلومين وعن الشعوب المضطهدة، وهكذا.
وأما القضايا التي يكون فيها خلاف بيننا وبين اليهود أو بيننا وبين النصارى فهذه لا نثيرها؛ لأنا إذا أثرناها سيصبح هناك خلاف.
فما هو حكم هذا النوع من أنواع الحوار؟ نقول: هذا بدعة؛ لأن النبي ﷺ والأنبياء من قبله كان بينهم وبين أقوامهم حوار، فقد كان النبي ﷺ يأتي إلى قومه ويحاورهم، فكيف كان حوار النبي ﷺ مع قومه ومع أهل الأديان، وحوار الأنبياء السابقين مع أهل الأديان؟ لقد كان عن طريق دعوتهم إلى التوحيد، فقد كان الرسل يأتون إلى أقوامهم ويقولون لهم: ما أنتم عليه شرك أكبر، والواجب هو أن تسلموا لهذا الدين.
ثم يقومون بإثبات هذا الدين بالأدلة التفصيلية وإبطال دينهم بالأدلة التفصيلية.
أما حوار الأديان الموجود الآن فهو بدعة؛ لأنه يجتمع فيه مجموعة من القساوسة ومجموعة من المسلمين في مكان واحد، ولا يقول المسلمون للقساوسة أسلموا، ولا يقولون لهم: هذا الدين خير لكم، ونحن نثبت لكم بالبراهين والأدلة أن الإسلام دين صحيح وأن دين النصرانية فاسد، بل يتواصون بترك ذلك، ويقولون: لا نريد أن نثير الخلاف فيما بيننا، فأنتم لكم خصائص دينكم، ونحن لنا خصائص ديننا، وأنتم ترون ديننا باطلاً، ونحن نرى دينكم باطلاً، ولكننا لا نريد النقاش في هذا الموضوع؛ لأن هذا الموضوع يفرق بيننا، ونحن لا نريد أن نتفرق، بل نريد أن نجتمع، فيتناقشون في دفع الفقر، فيقولون: هناك بلاد فقيرة، فلنتعاون على أن ندفع الفقر الموجود فيها، أو يقولون: هناك شعوب مضطهدة نريد أن ندافع عنها.
والمسلمون الذين يشاركون في حوار الأديان عندما يدخلون فيها يكون هدفهم هو تحريك النصارى لإنكار عمل اليهود في فلسطين، ومع هذا ما استطاعوا أن يصنعوا شيئاً، وربما أنكرت مجموعة منهم، ومجموعة لم تنكر.
ومن أهداف أولئك المحاورين من المسلمين ما يعبرون عنه بقولهم: إننا نعيش في مرحلة استضعاف، وما دام أننا نعيش في مرحلة استضعاف فمن الخطأ الكبير أن يكون بيننا وبين الحضارات الأخرى -مثل: الحضارة الغربية- صدام، فهذا لا يمكن؛ لأننا لا نستطيع الصدام.
ولهذا فإن الذين يدعون إلى حوار الحضارات يجرون في ركب الحضارة القوية ويتابعونها، ويقولون: نحن لا نريد الصراع بين الحضارات.
مع أن الحقيقة هي أن الصراع مستمر بين الحق والباطل، سواءٌ أكان هذا الحق ديناً أم حضارة وسواء أكان الباطل ديناً أم حضارة، فلابد من الصراع.
والواجب هو الالتزام بالحق والدفاع عنه، ودعوة الناس إليه، بأن نقول لهم: ندعوكم إلى هذا الدين بالبراهين ولترك ما أنتم عليه من الدين؛ لأن فيه فساداً.
وبهذه الطريقة نستطيع أن ندخل معهم في الدعوة، أما أن نسكت عن القضايا الخلافية فلا؛ لأن النبي ﷺ عندما جاء إلى كفار قريش لم يسكت عن القضايا الخلافية، مثل عبادة الأصنام، ومثل عدم تصديق النبوة الجديدة، ولم يقل: علينا أن نجتمع ليصير بيننا وبينك
стр. 21
الأسئلة
стр. 22
الجمع بين كون مآل مرتكب الكبيرة إلى الجنة وما جاء من النصوص في خلوده في النار
السؤال
ذكرتم أن صاحب التوحيد مصيره إلى الجنة، فما قولكم في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]، وقول النبي ﷺ : (من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها)؟
الجواب
هناك قاعدة من القواعد في الاستدلال، وهي أن أي مسألة من المسائل لابد من جمع الأدلة فيها، فقول الله : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] هو في مسألة قتل المسلم لأخيه المسلم، لكن هناك آيات أخرى اعتبرت القاتل مسلماً، منها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة:١٧٨] فوصفه بالأخوة في الدين، ولو كان كافراً مخلداً في النار لما كان أخاً في الدين.
ثم إن من الأحكام المجمع عليها في مسألة القتل أن ولي الدم يجوز أن يعفو عن القاتل، ولو كان كافراً خالداً في النار لما جاز العفو عنه، ولقتل بسبب الردة والكفر لو كان القتل في ذاته كفراً، وكذلك في سورة الحجرات يقول الله : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩] فوصفهما بالإيمان مع وجود الاقتتال بينهما، فكل هذا يدل على أن القتل ليس كفراً مخرجاً من الملة، بل هو من الذنوب والمعاصي.
وأما قوله تعالى: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] فإن الخلود نوعان: الأول: خلود أبدي، وهذا لا يكون إلا للكافر الذي ليس بمسلم.
الثاني: طول المكث، ولهذا عندما يسمون شخصاً باسم خالد هل يقصدون أنه خالد فعلاً لا يموت؟! لا، فهم يعرفون أنه سيموت، ولكن يتمنون له طول الحياة، ولهذا سموه بهذا الاسم، وهذا أمر سائغ في لغة العرب ولا إشكال فيه، وهكذا يفهم حديث: (من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها).
стр. 23
الرد على المستدل بثبوت الإسلام للناطق بكلمة التوحيد على الإصرار على المعاصي
السؤال
يستدل بعض الناس بحديث: (من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله) على إصرارهم على فعل المعاصي، فكيف نرد على ذلك؟
الجواب
ليس في الحديث أي دليل يدل على الإصرار على المعاصي؛ لأنه قال: (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله) يريد الكفر بالشرك، أما الذنوب والمعاصي فقد وردت نصوص كثيرة تدل على أن الإنسان إذا فعلها ولم يتب فإنه تحت مشيئة الله ، فإن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.
стр. 24
وجه دفن أبي بكر وعمر في بيت عائشة مع النهي عن جعل البيوت قبوراً
السؤال
كيف دفن أبو بكر وعمر في بيت النبي ﷺ وهو من خصائصه؟
الجواب
الخصيصة التي للنبي ﷺ هي كونه دفن في بيته، فبعد أن دفن في بيته خرجت عائشة ﵂ من هذا البيت، فأصبح مكاناً غير مسكون، فلم يعد بيتاً، فدفن فيه أبو بكر وعمر باعتبار أنهما من أصحاب النبي ﷺ ولمكانتهما منه، ولفظ حديث النهي: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً)، وحجرة عائشة ﵂ بعد أن دفن فيها النبي ﷺ لم تعد بيتاً لـ عائشة، ولا بيتاً -أيضاً- لـ أبي بكر، ولا بيتاً لـ عمر، فلا يشملها النهي.
стр. 25
نظرة في كتاب (القول المفيد على كتاب التوحيد)
السؤال
ما رأيكم في كتاب (القول المفيد على كتاب التوحيد)؟
الجواب
هو كتاب جيد، ولكنه شرح كتاب التوحيد بالطريقة الأولى، وهي طريقة التفصيل والتطويل.
стр. 26
الفرق بين الأمن المطلق ومطلق الأمن
السؤال
ما الفرق بين الأمن المطلق، ومطلق الأمن؟
الجواب
الأمن المطلق هو الأمن التام، ومطلق الأمن هو أصل الأمن، كما تقول: مطلق العموم والعموم المطلق، والعموم المطلق هو العموم التام، ومطلق العموم هو أصل العموم، وهكذا في غير هذا المثال.
стр. 27
حكم تبليغ السلام للرسول
السؤال
نسمع بعض الناس يقول لغيره: إذا ذهبت إلى المدينة فبلغ سلامي للرسول ﷺ ، فما حكم ذلك؟
الجواب
هذا جاهل؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن الإنسان إذا سلم عليه في أي مكان فإن سلامه يبلغه حيث كان.
стр. 28
حكم الوقوف عند قبر القريب للدعاء له
السؤال
عند زيارتي للقبور لإحياء السنة هل يجوز لي أن أقف بجوار قبر والدي لأدعو له؟
الجواب
نعم يجوز أن تقف بجواره وأن تدعو له.
стр. 29
حكم تارك الصلاة والصيام مع نطقه بالشهادتين ودعواه الإسلام
السؤال
ما رأيكم فيمن يقول: (لا إله إلا الله) ولكنه لا يصلي ولا يصوم، ويقول: إنه مسلم؟
الجواب
لا يكفي قول (لا إله إلا الله) بدون الالتزام بشروطها ومقتضياتها، فلا إله إلا الله لها شروط ومقتضيات من حققها كان موحداً، ومن لم يحققها فإنه لا يكون موحداً، منها أنه يشترط في (لا إله إلا الله) أن يقولها صاحبها وهو مخلص يبتغي بذلك وجه الله، وأن يكفر بالطاغوت، وأن يقولها عن يقين، وأن يلتزم بها، ولهذا جاء في قصة اليهوديين اللذين أتيا إلى النبي ﷺ أنهما قالا: (نشهد أنك رسول الله فقال: ما يمنعكما أن تتبعاني؟ فقالا: تقتلنا يهود)، فتركا الالتزام بها، ولم يكن قولهما: (نشهد أنك رسول الله) مفيداً لهما بأي حال من الأحوال؛ لأنه لابد من الالتزام والانقياد لكلمة التوحيد، ولهذا فإن هرقل عظيم الروم عندما جاءه كتاب النبي ﷺ عرف أنه رسول الله ﷺ ، وقال: (والله لو خلصت إليه لغسلت عن قدميه وشربت ماءهما) وكان يعرف أنه رسول الله، ولهذا جمع أساقفته في (دسكرة) واحدة وخرج عليهم من شرفة، ونصحهم بأن يلتزموا بالإسلام، ولكنهم اتجهوا إلى الأبواب فوجدوها مغلقة، فقال: ردوهم علي، ثم قال: إنما كنت أختبر التزامكم بدينكم.
أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 30
كتاب التوحيد [٢]
الشرك بالله تعالى أعظم الظلم، ومنه الأكبر المخرج من الملة، والأصغر الموقع لصاحبه في خطر عظيم، وقد جاءت النصوص بالتحذير منهما وبيان خطرهما على الدين، وبأن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان، وهذا مما يدعو إلى الخوف من الوقوع فيهما أو في بعض أنواعهما كالرقى الشركية والتمائم والتوله، والطيرة، وغير ذلك من أنواع الشرك.
стр. 31
الشرك في الألوهية
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد: فهذا هو الدرس الثاني من الدروس التي في شرح كتاب التوحيد للشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وقد ذكرت أننا سنقسمها على ثمانية دروس، وسنأخذ في كل درس الأبواب ذات الموضوع الواحد المتشابه التي تُكَوِّن وحدة موضوعية واحدة في كل درس بإذن الله تعالى، ولا مانع من أن نملي هذه الموضوعات والأبواب على شكل أرقام.
فالدرس الأول: في توحيد الألوهية حقيقته وأهميته وفضله، والدعوة إليه، وحماية جنابه.
وفيه الأبواب ذات الأرقام التالية: ١، ٢، ٤، ٥، ٢١، ٦٥.
الدرس الثاني: في الشرك في الألوهية وبعض أنواع الشرك الأصغر.
وسيستغرق -إن شاء الله تعالى- هذا الدرس الأبواب التالية: ١، ٦، ٧، ٨، ١٠، ١٩، ٣٥، ٣٦.
وهذا الأبواب سنمر عليها -إن شاء الله- في هذا الدرس، وهي في الحديث عن موضوع الشرك في الألوهية وبعض أنواع الشرك الأصغر.
الدرس الثالث: في أسباب الشرك وبطلانه، وسيكون في الأبواب ذوات الأرقام التالية: ١٤، ١٥، ١٧، ١٨، ٢٠، ٢٧، ٦٠.
الدرس الرابع سيكون عن الأعمال الشركية في توحيد الألوهية، وموضوع الأعمال الشركية في توحيد الألوهية له أبواب كثيرة في كتاب التوحيد، ولهذا سنتحدث عنه في درسين بإذن الله تعالى: ففي الدرس الأول سنتحدث في الأبواب ذوات الأرقام التالية: ٩، ١١، ١٢، ١٣، ٢٣، ٢٤، ٢٥، ٢٦، ٢٨، ٢٩.
وفي الدرس الثاني سيكون في الأبواب ذوات الأرقام التالية: ٢٣،٣٠، ٣١، ٣٧، ٣٨، ٥٠.
والدرس السادس سيكون -إن شاء الله تعالى- في موضوع الشرك في الربوبية والقدر والأسماء والصفات، وسيكون في الأبواب ذوات الأرقام التالية: ٣٣، ٣٤، ٤٠، ٤٨، ٥٨، ٥٩، ٦٣، ٦٤، ٦٥.
والدرس السابع سيكون عن القبوريين وشبهاتهم، وهذا الدرس سيكون في بابين فقط، في الباب السابع عشر، والباب الثاني والعشرين، وفي هذا الدرس -إن شاء الله تعالى- سنلخص مقاصد كتاب كشف الشبهات للشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.
وأما القدر فهو تابع للربوبية؛ لأنه يتعلق بأفعال الله سبحانه تعالى، وهو الباب رقم: ٤٠.
والدرس الثامن هو في شرك الألفاظ، وهذا الدرس يستغرق الأبواب ذوات الأرقام التالية: ٤١، ٤٣، ٤٤، ٤٥، ٤٦، ٤٧، ٤٩، ٥٠، ٥١، ٥٢، ٥٣، ٥٤، ٥٥، ٥٦، ٥٧، ٦١، ٦٢.
فهذه الأبواب جميعاً موضوعها واحد، وهو شرك الألفاظ.
وبهذه الطريقة سننتهي -إن شاء الله تعالى- من كتاب التوحيد كله من الناحية الموضوعية، ولن نأخذ الكتاب بالترتيب؛ لأنه في بعض الأحيان قد يأتي باب ثم يأتي باب آخر في نفس الموضوع بعد عدة مواضيع، مثل حماية المصطفى لجناب التوحيد، فقد تكرر مرتين، وقد بينا السبب في تكرير الإمام له مرتين.
وأما الموضوع الذي سنتحدث عنه في هذا الدرس -إن شاء الله تعالى- فهو الشرك في الألوهية وبعض أنواع الشرك الأصغر.
الشرك: هو أن تجعل لله سبحانه شريكاً في شيء من خصائصه، وقد حذر الله منه تحذيراً كبيراً في القرآن، وترتبت عليه أحكام عظيمة في الدنيا وأحكام عظيمة في الآخرة، فمن الأحكام التي تترتب عليه في الدنيا: انتفاء الأخوة، وانتفاء الولاء، ووجوب البراءة، ووجوب الجهاد عندما تتحقق أسبابه، وعدم جواز النكاح، وعدم الإرث؛ لأن المسلم لا يرث الكافر، والكافر لا يرث المسلم، وغير ذلك أحكام كثيرة تتعلق بالعلاقة بين المسلم والكافر، وهذه أمور نعيشها ونلحظها.
فالمشرك لا تنطبق عليه أحكام المسلم في الدنيا، وليس له شيء من حقوق المسلم في الدنيا، وأما في الآخرة فإنه يكون خالداً مخلداً في نار جهنم، ولا يمكن أن يدخل الجنة أبداً.
стр. 32
أقسام الشرك
الشرك عند العلماء ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الشرك الأكبر، وهذا هو الذي بينا ترتب الأحكام الشرعية عليه.
القسم الثاني: الشرك الأصغر.
والفرق بينهما من عدة جهات: الجهة الأولى: أن المشرك شركاً أكبر غير مسلم، وأما المشرك شركاً أصغر فإنه مسلم.
الجهة الثانية: أن أحكام الإسلام تنطبق على المشرك شركاً أصغر، ولا تنطبق على المشرك شركاً أكبر.
الجهة الثالثة: أن المشرك شركاً أكبر لا يدخل الجنة ولا يجد ريحها أبداً، ويكون مخلداً في نار جهنم، وأما المشرك شركاً أصغر فإن مصيره -وإن عذب في النار- إلى الجنة.
стр. 33
الأسباب الداعية إلى الخوف من الشرك
وقد بوب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في التحذير من الشرك باباً خاصاً سماه: (الخوف من الشرك)، بين فيه رحمه الله تعالى أن الأنبياء مع فضلهم ومكانتهم وقدرهم كانوا يخافون من الشرك، فغيرهم من باب أولى.
والأسباب التي تجعل الإنسان يخاف من الشرك عدة، منها قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فمن كان مشركاً ومات على الشرك ولم يتب، فإن الله لا يغفر له أبداً ويكون مخلداً في نار جهنم.
أما الذنوب التي هي أقل من الشرك فإنها تحت مشيئة الله ، فإن شاء عذب صاحبها وإن شاء غفر له، ويرجع في آخر أمره إلى الجنة إذا كان موحداً.
وقال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥]، فهو يدعو الله أن يبعده هو وأولاده عن الشرك، حيث قال: ((وَاجْنُبْنِي)) يعني: باعدني ((وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ))، فكان إبراهيم يخاف على نفسه الشرك، مع أن إبراهيم هو أبو الأنبياء وهو إمام الموحدين، وهو الذي كسر الأصنام واجتهد في محو الشرك علماً وعملاً، علماً بالحجة وبيان التوحيد ورفض الشرك، وعملاً بتكسير الأصنام بيده في قصة مشهورة في القرآن وفي كتب التفسير.
وفي الحديث: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه، فقال: الرياء)، وهذا حديث حسن.
وهو يدل على أهمية الخوف من الشرك حتى ولو كان شركاً أصغر، لا يخرج صاحبه من الملة؛ لأنه جاء في أثر عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: [لئن أحلف بالله كاذباً خير لي من أن أحلف بغيره صادقاً] ويقصد بذلك أن الشرك الأصغر أشد عند الله من كبائر الذنوب، فهو يرى أنه أشد من اليمين الغموس، وهي من الكبائر التي تغمس صاحبها في نار جهنم.
وفي هذا الحديث دليل على أن الشرك الأصغر مصطلح موجود في كلام النبي ﷺ ، وأن الإتيان بكلمة (الأصغر) في وصف الشرك ليس مسألة اجتهادية من العلماء، وإنما هي مسألة منصوص عليها في كلام النبي ﷺ .
وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار) رواه البخاري.
ولـ مسلم عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار)، وفي هذين الحديثين توكيد على ما أشرنا إليه من انقسام الناس إلى قسمين: قسم مسلم ولو وقع في شيء من الشرك الأصغر، فمصيره إلى الجنة.
وقسم آخر هو المشرك شركاً أكبر، فهذا سيكون من أهل النار ولن يدخل الجنة أبداً.
وكل هذه النصوص تدل على الحذر من الشرك والتخويف منه، ووجوب الخوف منه على الإنسان حتى ولو كان وقد ولد في بيئة إسلامية، ولهذا بوب العلماء باباً بعنوان: [باب ما جاء في أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان]، وعبادة الأصنام هي من أبعد ما يتخيله الإنسان من صور الشرك، وقد يقع الإنسان في أنواع متعددة من شرك الإرادة أو شرك التشريع أو شرك المحبة أو شرك الخوف أو نحو ذلك من أنواع الشرك التي سيأتي بيانها بالتفصيل، أما شرك الأصنام فإنه واضح، ومعركة النبي ﷺ مع كفار قريش إنما كانت في هذا الموضوع، فيبعد في العادة أن يرجع أحد من المسلمين فيعبد الأصنام، ولكن هذا يدل على أن الفتن تكثر في آخر الزمان، وأن الناس يضعف فيهم العلم، ويقل فيهم الدعاة والمجددون والمصلحون، وأن الشرك ينتشر فيهم بشكل كبير، وسيأتي معنا في الحديث عن النبي ﷺ أنه: (لن تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دوس حول ذي الخلصة) وهو صنم مشهور من أصنام الجاهلية، ولهذا ينبغي للإنسان أن يحذر من الشرك غاية الحذر، وأن لا يزكي نفسه ولا يزكي أتباعه وأصحابه وأهل بلده بأنهم بعيدون عن الشرك، فنحن أحوج ما نكون إلى أن ننقي أنفسنا وضمائرنا من الشرك، فهذا هو الغرض الذي عقد الشيخ من أجله هذا الباب العظيم، وهو باب الخوف من الشرك.
стр. 34
ضوابط الشرك الأكبر والأصغر
ويمكن للإنسان أن يميز الشرك الأكبر من الشرك الأصغر، فضابط الشرك الأكبر هو: صرف العبادة لغير الله ، فإذا كانت هناك عبادة لله فصرفت لغيره كان ذلك الصرف هو الشرك الأكبر المخرج من الملة، والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وهي كل ذل وخضوع ومحبة واستقامة للمعبود، وهي كل ما أمر الله به أمر إيجاب أو أمر استحباب، فإذا أردت أن تعرف العبادة فانظر في القرآن، فأي شيء أمر الله به فهو عبادة، سواءٌ أكان أمراً على سبيل الوجوب أم على سبيل الاستحباب، فيدخل في ذلك المحبة، ويدخل في ذلك الولاء، ويدخل في ذلك الخوف، ويدخل في ذلك الاعتماد والتوكل، ويدخل في ذلك الطواف، ويدخل في ذلك الذبح والنسك، وأنواع متعددة من العبادات، حتى إن حلق الرأس يمكن أن يفعل على سبيل التعبد، فنحن نحلق رءوسنا بعد رمي الجمار تعبداً لله ، فهذا عبادة، وكل نوع من الأنواع التي أشرنا إليها ينقسم إلى قسم عادي لا ارتباط له بالعبادة، وقسم عبادي، وهذا سيأتي تفصيله في أنواع الشرك والأعمال الشركية في توحيد الألوهية.
فإنه يمكنك أن تذهب إلى الحلاق وتحلق رأسك لأنك تريد النظافة، وربما يكون شعرك فيه مشكلة أو مرض، فتحلق رأسك، وهذا ليس عبادة، ولكن حلق الرأس بعد أداء العمرة عبادة، وحلق القبوريين لرءوسهم بعد الطواف بالقبر عبادة، يفعلونه تشبهاً بالعمرة التي تفعل في المكان المشروع، وهو البيت الحرام، وهذا لا يصح فعله؛ لأنه صرف للعبادة لغير الله .
إذاً: ضابط الشرك الأكبر فهو: صرف العبادة لغير الله ، وإذا سئلت عن أي مسألة من المسائل ليس فيها صرف للعبادة لغير الله فلا يجوز أن تحكم بأنها شرك، وإذا وجدت عبادة صريحة واضحة صرفت لغير الله فهذا شرك لا شك فيه.
والعبادة هي الذل والخضوع مع المحبة للمعبود.
وللشرك الأصغر ضابطان: الضابط الأول: أنه كل ما ثبت بنص شرعي أنه شرك، ولكن دلت الدلائل على أنه غير مخرج من الملة، فهناك نصوص شرعية وصفت مجموعة من الأعمال أو الأقوال أو الإرادات بأنها شرك، وفي المقابل نصوص شرعية أخرى بينت أن هذه الأعمال لا تخرج عن الملة ولا تخرج عن دائرة الإسلام.
وسيأتي معنا في أمثلة الشرك الأصغر ما يؤكد هذه القضية ويدلل عليها بإذن الله تعالى.
الضابط الآخر: أن الشرك الأصغر هو كل قول أو عمل أو إرادة ليس من العبادة، ولكن يتوسل به إلى الشرك الأكبر، مثل الغلو، فالغلو في حد ذاته ليس شركاً؛ فمن الممكن أن يأتي إنسان ويعظم النبي ﷺ تعظيماً شركياً، ويمكن أن يعظمه تعظيماً غير شركي، فعندما يتوسل أحد بجاه النبي ﷺ ويقول: اللهم إني أتوسل إليك بجاه محمد ﷺ ، فهذا غلو وبدعة، وليس من السنة في شيء.
وهناك نوع آخر من التوسل، كأن يقول: يا رسول الله! اغفر ذنبي، فهذا شرك.
فكلاهما غلو، ولكن أحدهما أصغر والثاني أكبر، وسيأتي معنا بيان ذلك في الأمثلة.
فالشرك الأكبر هو صرف العبادة لغير الله ، والشرك الأصغر منه الأمور التي تعتبر وسائل وطرقاً إلى الشرك الأكبر، وليست شركاً أكبر محضاً ولا صرفاً لعبادة لغير الله، لكنها طرق توصل إليه، وهذا الضابط ذكره الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في شرحه القول السديد، وهو من أجمل الضوابط وأنفعها لطالب العلم.
стр. 35
دلائل معرفة الشرك الأصغر
وهناك مجموعة من الدلائل التي يمكن أن نعرف بها الشرك الأصغر لنميزه، وليكون واضحاً لنا، ومن ذلك: الأمر الأول: التصريح بأن العمل شرك أصغر، مثل تصريح النبي ﷺ عندما قال: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر: الرياء)، فهذا تصريح بأنه شرك أصغر، ويشبه هذا إرادة الإنسان بعمله الدنيا.
الأمر الثاني: عدم ترتب حد الردة عليه، فقد كان يحصل الشرك الأصغر في زمن النبي ﷺ ولا يرتب النبي ﷺ عليه حد الردة، ويدل لذلك أن النبي ﷺ قال: (الرقى والتمائم والتولة شرك)، والتمائم لبسها بعض الصحابة في زمن الرسول ﷺ وأنكر عليهم ذلك، وأمر بأن تقطع الأوتار التي تعلق في رقاب الإبل، ولم يرتب أحكام الردة والكفر المخرج من الملة على أفعال هؤلاء وتصرفاتهم، فهذا يدل على أن هذا المشرك ليس شركاً مخرجاً عن الملة، بل هو شرك أصغر.
الأمر الثالث: أن يأتي لفظ الشرك منكراً، كقوله ﷺ : (الرقى والتمائم والتولة شرك)، فلم يقل ﷺ : إن الرقى هي الشرك؛ لأن الشرك عندما يكون معرفاً بـ (أل) فإنه يدل على أنه الشرك المعهود، وهو الأكبر، كقوله ﷺ : (بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة)، فهنا عرف الشرك بـ (أل)، فهذا يدل دلالةً صريحةً على أن الشرك المعني هنا هو الشرك الأكبر، بينما قال ﷺ في الشرك الأصغر: (الرقى والتمائم والتولة شرك)، فجاءت كلمة (شرك) نكرة ليس فيها (أل)، وهذا يدل على أن ذلك شرك أصغر.
الأمر الرابع: فهم الصحابة للنصوص معتبر، فإذا فهم الصحابة من نص من النصوص الشرك فيه ليس مخرجاً من الملة؛ فهذا يدل على أنه شرك أصغر، وسيأتي بيانه -إن شاء الله- معنا في باب الطيرة؛ لأن النبي ﷺ قال: (الطيرة شرك)، قال بعض الصحابة: وما منا إلا ويقع في شيء من ذلك، ولكن يغلبه الإنسان بالتوكل.
فهذه مجموعة من القواعد والضوابط في موضوع الشرك الأصغر، أما أنواع الشرك الأصغر فهي كثيرة جداً وقد ذكر الشيخ الرقى الشركية وذكر التمائم وذكر التبرك وذكر الطيرة، وذكر الحلف بغير الله، ونحو ذلك من الأمور التي هي من الشرك الأصغر.
стр. 36
الرقى وأقسامها وأحكامها
الرقى: هي التعاويذ والأدعية التي يقرؤها الإنسان على نفسه أو على غيره لدفع المرض أو لرفعه، مثل قراءة شيء من القرآن على مريض بالسحر أو العين، أو بأي نوع من أنواع المرض، وكذلك التعاويذ التي يأتي بها الإنسان ليبتعد عن الأمراض قبل وقوعها.
والرقية تنقسم إلى قسمين: رقية شرعية ورقية شركية.
فالرقية الشرعية: هي التي تكون بالقرآن الكريم وبأحاديث النبي ﷺ ، وبالكلام الصحيح الواضح، فإذا كان هناك أدعية صحيحة واضحة مبينة ليس فيها تكلف، فإنها تعتبر من الرقى الشرعية، ولهذا ورد في حديث عوف بن مالك الأشجعي أنه قال: قال الرسول ﷺ : (اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً) وكان عند أهل الجاهلية رقىً يرقون بها، فلما سئل عنها النبي ﷺ قال: (اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً).
وكان عند اليهود والنصارى رقى في التوراة والإنجيل، وبعض هذه الرقى صحيح؛ ففي الموطأ بسند صحيح أن أبا بكر دخل على عائشة ﵂ وعندها يهودية ترقيها فقال: (ارقيها بكتاب الله) يعني: بالتوراة.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري: وهذا يدل على أن الرقى والأدوية الموجودة في التوراة والإنجيل لم يلحقها التحريف؛ لأنها لو حرفت لفسدت، فهم يعرفون ذلك، فهم لم يحرفوا إلا العقائد والأحكام، أما هذه الرقى فلم يحرفوها، فالرقى ليست توقيفية، بل يمكن فيها الاجتهاد من حيث ألفاظ الرقية إذا كانت صحيحة من حيث المعاني، ولهذا يشترط أن تكون باللغة العربية الواضحة المبينة البينة، أما الرقى بالألفاظ الأعجمية والمجهولة والرموز والأحرف والأرقام ونحو ذلك مما يستعمله بعض الكهنة والمشعوذين والسحرة، فلا يجوز أبداً أن يرقي الإنسان بها أو أن يجعل غيره يرقيه بها.
وأما الرقى الشركية فتنقسم إلى قسمين: رقى شرك أكبر، ورقى شرك أصغر.
ورقى الشرك الأكبر نوعان: النوع الأول: الرقية التي تتضمن استغاثة بغير الله، أو دعوة لغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ، فهذا شرك أكبر، وسيأتي معنا موضوع خاص يتعلق بدعاء غير الله .
النوع الثاني: أن يعتمد الإنسان على الرقية اعتماداً تاماً من كل وجه، فهذا شرك أكبر في الربوبية.
أما من اعتقد أنها سبب من الأسباب فحكم ذلك بحسب نوع الرقية، فإن كانت رقية شرعية فلا شيء فيها، وإن كانت غير شرعية فإنه بحسب ما فيها من الكلام كما سبق أن بينا.
стр. 37
التمائم وأحكامها
التمائم: جمع تميمة، والتميمة هي التعاليق التي تعلق، سواءٌ على الرقبة أو في اليد أو في القدم أو في أي مكان، وهذه التمائم من الشرك، وسيأتي معنا في حديث صريح وصفها بالشرك، وتكون من الشرك الأكبر إذا اعتمد الإنسان عليها اعتماداً تاماً، أما إذا اعتبر أنها سبب من الأسباب فذلك شرك أصغر؛ لأنه اعتبر شيئاً من الأشياء سبباً وهو ليس بسبب لا شرعاً ولا قدراً، فهذه الخيوط من التمائم ليست دواءً معروفاً عند الأطباء، وفي نفس الوقت ليست دواءً مشروعاً؛ إذ يشرعها الله ولم يشرعها رسول الله ﷺ ، فهي من الشرك الأصغر.
والفارق بين الشرك الأكبر والأصغر فيما يتعلق بالتمائم هو اعتماد القلب، فإذا اعتمد عليها اعتماداً تاماً شاملاً فهذا شرك أكبر، وإذا لم يعتمد عليها بل اعتبر أنها سبب وأن الشافي هو الله ، فهذا شرك أصغر؛ لأنه جعل شيئاً من الأشياء من الأسباب وهو ليس من الأسباب شرعاً ولا قدراً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه.
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨].
وعن عمران بن حصين ﵄: أن النبي ﷺ رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: (ما هذا؟ قال: من الواهنة، فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنًا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً)، رواه أحمد بسند لا بأس به.
وله عن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعاً: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له)].
ومن التمائم حجارة يأخذونها من البحر يعلقونها على رقابهم أو على رقاب دوابهم يتقون بها العين.
والحديث الأول -حديث عمران بن الحصين - فيه إشكال كبير عند العلماء في قوله: (فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً)، فإن ظاهر الحديث أنه كافر كفراً أكبر، ولكن يبدو -والله تعالى أعلم- أن هذا الحديث ليس صحيحاً، بل هو حديث ضعيف رواه الإمام أحمد وابن ماجة والحاكم، وفي إسناده فضالة بن المبارك، وهو ضعيف؛ لأنه مدلس قبيح التدليس، وقد عنعن.
أما الحديث الثاني -وهو قوله: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له) - ففي سنده ضعف أيضاً، وقد رواه الإمام أحمد وغيره، وإن كان بعض أهل العلم قد صححه، مثل المنذري والمناوي، وذكر الحافظ ﵀ في: (تعجيل المنفعة) أن رجاله موثقون، فالحديث فيه خلاف من حيث صحته وضعفه، ولكن الرواية التي بعده رواية صحيحة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي رواية: (من تعلق تميمة فقد أشرك)].
وهذا يدل على أن التمائم من الشرك، وتكون شركاً أصغر أو شركاً أكبر بحسب ما يكون بقلب صاحبها، فإن اعتقد أن هذه التميمة تنفع وتضر من دون الله ، أو مع الله فهذا شرك أكبر، وإن اعتبرها سبباً من الأسباب فهذا شرك أصغر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولـ ابن أبي حاتم عن حذيفة أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى، فقطعه وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]].
стр. 38
باب ما جاء في الرقى والتمائم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في الرقى والتمائم.
في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري ﵁ أنه: (كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسولاً أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قطعت)].
سبق أن بينا أنهم كانوا يجعلون القلائد على الجمال والدواب وعلى الأطفال وعلى أنفسهم يتقون بها العين، وهنا مسألة لا بد من التنبيه عليها، وهي أن التمائم تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: تمائم ليس في حكمها خلاف، وهي التمائم التي تكون من الأحجار أو الودع أو الخيوط ونحو ذلك، ويدخل في ذلك ما يضعه بعض الناس في سياراتهم مثل العرائس ونحوها يتقون بها العين، وبعضهم قد يجعل في درج غرفة النوم شيئاً من الأشياء يظن أنه يدفع عنه العين، فكل هذه من التمائم ولو اختلفت صورها وأشكالها؛ لأن حقيقتها واحدة.
القسم الثاني: تعليق القرآن، وهو مختلف فيه، فلو أن إنساناً علق في رقبته مصحفاً يتقي به العين، أو من أجل أن يزيل عنه مرضاً به؛ فهذه المسألة وقع فيها خلاف بين السلف رضوان الله عليهم، فمنهم من جوزها وأباحها؛ لأن القرآن مما يستشفى به، والصحيح من أقوال أهل العلم -وهو مذهب ابن مسعود وابن عباس ﵄ منع ذلك؛ لأن أحاديث النبي ﷺ في التمائم عامة، ولأن النبي ﷺ لم يعرف عنه أنه شرع للناس أن يعلقوا هذه التمائم من القرآن، ولأن القرآن أنزله الله للتدبر ولم ينزله للتعلق، ولأنه إذا وضع في رقبة الإنسان أو في رقبة دابة من الدواب؛ فإن هذا مدعاة للاستهانة به، ولأن الشفاء المقصود بالقرآن هو بتلاوته وقراءته والرقية به، وليس المقصود تعليقه، وقد بين النبي ﷺ كيفية الاستشفاء به ووضحه ﵊.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك).
رواه أحمد وأبو داود].
هذا واضح في أن الرقى منها ما يكون شركاً، وهناك أحاديث كثيرة تدل على أن الرقى منها ما يكون شرعياً، ومنها أن النبي ﷺ رقى ورقي، ومنها أنه قال: (اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً) فقسم الرقى إلى قسمين: قسم لا بأس به، وقسم به بأس، وهو الشرك.
وأما التولة فهي نوع من أنواع السحر وهو سحر العطف؛ إذ السحر ينقسم إلى قسمين: صرف وعطف، فالعطف هو جمع بعض القلوب على بعض، والصرف صرف بعضها عن بعض، والتولة: اسم لسحر العطف الذي يحبب بعض الناس إلى بعضهم، وقد فسره الشيخ بذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن عبد الله بن عكيم مرفوعاً: (من تعلق شيئاً وكل إليه).
رواه أحمد والترمذي].
وأحاديث ابن مسعود وحديث عبد الله بن عكيم كلها صحيحة محتج بها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [التمائم: شيء يعلق على الأولاد من العين، لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁].
لأنه في حديث بريدة بن الحصيب (أن النبي ﷺ رخص في الرقى من العين والحمى)، والحمى: هي لدغة العقرب أو الحية التي يكون فيها السم، بل إنه ﵊ رخص فيما هو أوسع من ذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [التولة: شيء يضعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته.
وروى أحمد عن رويفع قال: قال لي رسول الله ﷺ : (يا رويفع! لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وتراً، أو استنجى برجيع دابة أو عظم؛ فإن محمداً بريء منه)].
وهذا حديث صحيح، وموطن الشاهد منه قوله: (أو تقلد وتراً) يعني: لدفع العين أو رفع البلاء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن سعيد بن جبير ﵁ قال: من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة.
رواه وكيع.
وله عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن].
إبراهيم هو النخعي، وهو من فقهاء الكوفة، وقوله: (كانوا) يعني أصحاب ابن مسعود ﵁.
стр. 39
التبرك وأقسامه وأحكامه
والنوع الثالث من أنواع الشرك الأصغر هو: التبرك، والمقصود بالتبرك: طلب البركة، وطلب البركة منه شيء مشروع، فإن الشرع قد كشف عن مواطن وأماكن وأشخاص وأقوام مباركين، فماء زمزم مبارك، وبلاد الشام مباركة، والحرم مبارك، وهناك أمور كثيرة مباركة بين النبي ﷺ أن فيها بركة، وبين كيفية استعمال البركة الموجودة فيها.
وهناك نوع ثان من التبرك، وهو التبرك المذموم، وهو أن يتبرك الإنسان بأحجار أو بأشجار، أو يتبرك بأشخاص، أو يتبرك بفضلات إنسان، كالتبرك بما بقي من مائه أو ما بقي من أكله أو لبسه أو نحو ذلك، وكل ذلك من الشرك الأصغر.
إذاً: يمكن تقسيم التبرك إلى قسمين: تبرك محمود، وتبرك مذموم فالتبرك المحمود: يشترط فيه عدة شروط.
الشرط الأول: أن يدل دليل صحيح صريح على أن هذا الأمر فيه بركة.
الشرط الثاني: أن يكون التبرك به بنفس الطريقة المشروعة التي شرعها الرسول ﷺ ، فماء زمزم يكون التبرك به بشربه والتضلع منه، فلو أن إنساناً أخذ ماء زمزم ليداوي به الجروح فإنا نقول له: أخطأت الطريق هنا.
وبلاد الشام مباركة، والحرم مبارك، فلو أن إنساناً جاء إلى الحرم وقال: هذا مبارك، وبدأ يتمسح بأشجاره وأحجاره ويأكل من ترابه ويعمل نحو هذه الأعمال التي لم ترد في الشرع، فإنا نقول له: قد أخطأت، فإن الحرم مبارك، والبركة التي تكون فيه هي بكثرة الطواف بالطريقة المشروعة التي بينها النبي ﷺ .
والنوع الثاني: التبرك الممنوع، وينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ادعاء البركة في أماكن لم يدل الدليل الشرعي على أنها مباركة، فبعض الناس يأتي إلى قبر من القبور وينصب عليه قبةً كبيرةً ويجعل له مدخلاً ومخرجاً، ويجلس فيه ويقول: هذه روضة من رياض الجنة، وهذا المكان مبارك، فهذا ابتدع بدعة من عنده، فإن أماكن القبور لم يدل دليل صحيح صريح على أنها أماكن مباركة، فلا بد من أن يدل دليل صحيح على أن هذا الأمر مبارك؛ لأن البركة أمر موجود في العين المباركة لا يمكن أن يكشف عنه إلا من خلقه، وهو الله ، وذلك إما بكلام منه في القرآن أو بكلام من النبي ﷺ ؛ لأن كلام النبي ﷺ وحي، أما ادعاء البركة بدون دليل فهو من الشرك.
القسم الثاني: التبرك ببعض الأماكن المباركة بغير الطريقة الشرعية، مثل الذي يأتي ويتمسح بمقام إبراهيم، أو يأتي ويتمسح بسواري الحرم، أو يذهب إلى بيت المقدس ويتمسح به ونحو ذلك، مع أن هذه أماكن مباركة دل الدليل على أنها مباركة، لكنه تبرك بها بشكل غير مشروع فهذا من الشرك الأصغر.
والتبرك قد يكون شركاً أكبر إذا أوصلك اعتقاد البركة في الشيء إلى عبادته، فالذي جعل كفار قريش يعبدون مناة واللات والعزى ونحو ذلك هو التبرك، واللات كان رجلاً صالحاً يلت السويق للحجاج ويطعمهم ويسقيهم، وكان رجلاً فاضلاً، فلما مات عكفوا على قبره فتبركوا به، ووصل التبرك به إلى درجة أنهم أصبحوا يعبدونه من دون الله، ويظنون أنه يرفع عبادتهم إلى الله ، فوقعوا في الشرك، وهذا هو -أيضاً- فعل قوم نوح، كما قال الله : ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣]، فهذه أسماء لرجال صالحين كانوا في قوم نوح ماتوا في شهر واحد، فصوروا على صورهم على هيئة تماثيل، ثم بعد أن نسي العلم وزال عبدوا من دون الله .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما.
وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٢].
جاء الشيخ بهذه الآية مع أنها في شرك المشركين المخرج من الملة؛ لأن السبب الذي جعلهم يعبدونها من دون الله هو التبرك، فالتبرك قد يصل إلى الشرك الأكبر إذا أوصل صاحبه إلى عبادة المبارك، وقد يصل إلى الشرك الأصغر إذا كان وسيلة، كما بينا في الفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط].
يعني: يعلقون أسلحتهم بها لأجل البركة.
قال: [فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : (الله أكبر! إنها السنن، قلتم -والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨]، لتركبن سنن من كان قبلكم) رواه الترمذي وصححه].
فهؤلاء قوم من المشركين كانوا يتبركون بشجرة ينوطون به
стр. 40
الذبح وما يحرم منه
ومن أنواع الشرك الأصغر: الذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله ، فلو أن مذبحاً تذبح فيه الهدايا والقرابين ونحو ذلك، وكان هذا المذبح مخصصاً للقرابين التي تذبح لغير الله ، كان تذبح للأولياء أو تذبح للجن والشياطين، فلا يجوز للمسلم أن يأتي ويذبح لله فيها، مع أنه ذبح لله وليس لغير الله، ولكن ذلك وسيلة إلى الشرك الأكبر، وقد سبق أن ضبطنا الشرك الأصغر بأنه هو الذي يكون وسيلة إلى الشرك الأكبر، والذبح عبادة مصروفة لله، لكن لما كان في مكان يذبح فيه لغير الله صار وسيلة من وسائل الشرك، فانطبق عليه حكم الشرك الأصغر، كما هو الحال في الغلو والتطير ونحو ذلك مما سيأتي بيانه في وسائل الشرك.
следующие страницы →