← Акыда

Акыда · id 37803

شرح كتاب التوحيد - عبد الرحيم السلمي

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (204 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الرقى وأقسامها وأحكامها الرقى: هي التعاويذ والأدعية التي يقرؤها الإنسان على نفسه أو على غيره لدفع المرض أو لرفعه، مثل قراءة شيء من القرآن على مريض بالسحر أو العين، أو بأي نوع من أنواع المرض، وكذلك التعاويذ التي يأتي بها الإنسان ليبتعد عن الأمراض قبل وقوعها. والرقية تنقسم إلى قسمين: رقية شرعية ورقية شركية. فالرقية الشرعية: هي التي تكون بالقرآن الكريم وبأحاديث النبي ﷺ ، وبالكلام الصحيح الواضح، فإذا كان هناك أدعية صحيحة واضحة مبينة ليس فيها تكلف، فإنها تعتبر من الرقى الشرعية، ولهذا ورد في حديث عوف بن مالك الأشجعي أنه قال: قال الرسول ﷺ : (اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً) وكان عند أهل الجاهلية رقىً يرقون بها، فلما سئل عنها النبي ﷺ قال: (اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً). وكان عند اليهود والنصارى رقى في التوراة والإنجيل، وبعض هذه الرقى صحيح؛ ففي الموطأ بسند صحيح أن أبا بكر دخل على عائشة ﵂ وعندها يهودية ترقيها فقال: (ارقيها بكتاب الله) يعني: بالتوراة. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري: وهذا يدل على أن الرقى والأدوية الموجودة في التوراة والإنجيل لم يلحقها التحريف؛ لأنها لو حرفت لفسدت، فهم يعرفون ذلك، فهم لم يحرفوا إلا العقائد والأحكام، أما هذه الرقى فلم يحرفوها، فالرقى ليست توقيفية، بل يمكن فيها الاجتهاد من حيث ألفاظ الرقية إذا كانت صحيحة من حيث المعاني، ولهذا يشترط أن تكون باللغة العربية الواضحة المبينة البينة، أما الرقى بالألفاظ الأعجمية والمجهولة والرموز والأحرف والأرقام ونحو ذلك مما يستعمله بعض الكهنة والمشعوذين والسحرة، فلا يجوز أبداً أن يرقي الإنسان بها أو أن يجعل غيره يرقيه بها. وأما الرقى الشركية فتنقسم إلى قسمين: رقى شرك أكبر، ورقى شرك أصغر. ورقى الشرك الأكبر نوعان: النوع الأول: الرقية التي تتضمن استغاثة بغير الله، أو دعوة لغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ، فهذا شرك أكبر، وسيأتي معنا موضوع خاص يتعلق بدعاء غير الله . النوع الثاني: أن يعتمد الإنسان على الرقية اعتماداً تاماً من كل وجه، فهذا شرك أكبر في الربوبية. أما من اعتقد أنها سبب من الأسباب فحكم ذلك بحسب نوع الرقية، فإن كانت رقية شرعية فلا شيء فيها، وإن كانت غير شرعية فإنه بحسب ما فيها من الكلام كما سبق أن بينا.

стр. 37

التمائم وأحكامها التمائم: جمع تميمة، والتميمة هي التعاليق التي تعلق، سواءٌ على الرقبة أو في اليد أو في القدم أو في أي مكان، وهذه التمائم من الشرك، وسيأتي معنا في حديث صريح وصفها بالشرك، وتكون من الشرك الأكبر إذا اعتمد الإنسان عليها اعتماداً تاماً، أما إذا اعتبر أنها سبب من الأسباب فذلك شرك أصغر؛ لأنه اعتبر شيئاً من الأشياء سبباً وهو ليس بسبب لا شرعاً ولا قدراً، فهذه الخيوط من التمائم ليست دواءً معروفاً عند الأطباء، وفي نفس الوقت ليست دواءً مشروعاً؛ إذ يشرعها الله ولم يشرعها رسول الله ﷺ ، فهي من الشرك الأصغر. والفارق بين الشرك الأكبر والأصغر فيما يتعلق بالتمائم هو اعتماد القلب، فإذا اعتمد عليها اعتماداً تاماً شاملاً فهذا شرك أكبر، وإذا لم يعتمد عليها بل اعتبر أنها سبب وأن الشافي هو الله ، فهذا شرك أصغر؛ لأنه جعل شيئاً من الأشياء من الأسباب وهو ليس من الأسباب شرعاً ولا قدراً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه. وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨]. وعن عمران بن حصين ﵄: أن النبي ﷺ رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: (ما هذا؟ قال: من الواهنة، فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنًا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً)، رواه أحمد بسند لا بأس به. وله عن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعاً: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له)]. ومن التمائم حجارة يأخذونها من البحر يعلقونها على رقابهم أو على رقاب دوابهم يتقون بها العين. والحديث الأول -حديث عمران بن الحصين - فيه إشكال كبير عند العلماء في قوله: (فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً)، فإن ظاهر الحديث أنه كافر كفراً أكبر، ولكن يبدو -والله تعالى أعلم- أن هذا الحديث ليس صحيحاً، بل هو حديث ضعيف رواه الإمام أحمد وابن ماجة والحاكم، وفي إسناده فضالة بن المبارك، وهو ضعيف؛ لأنه مدلس قبيح التدليس، وقد عنعن. أما الحديث الثاني -وهو قوله: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له) - ففي سنده ضعف أيضاً، وقد رواه الإمام أحمد وغيره، وإن كان بعض أهل العلم قد صححه، مثل المنذري والمناوي، وذكر الحافظ ﵀ في: (تعجيل المنفعة) أن رجاله موثقون، فالحديث فيه خلاف من حيث صحته وضعفه، ولكن الرواية التي بعده رواية صحيحة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي رواية: (من تعلق تميمة فقد أشرك)]. وهذا يدل على أن التمائم من الشرك، وتكون شركاً أصغر أو شركاً أكبر بحسب ما يكون بقلب صاحبها، فإن اعتقد أن هذه التميمة تنفع وتضر من دون الله ، أو مع الله فهذا شرك أكبر، وإن اعتبرها سبباً من الأسباب فهذا شرك أصغر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولـ ابن أبي حاتم عن حذيفة أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى، فقطعه وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]].

стр. 38

باب ما جاء في الرقى والتمائم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في الرقى والتمائم. في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري ﵁ أنه: (كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسولاً أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قطعت)]. سبق أن بينا أنهم كانوا يجعلون القلائد على الجمال والدواب وعلى الأطفال وعلى أنفسهم يتقون بها العين، وهنا مسألة لا بد من التنبيه عليها، وهي أن التمائم تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: تمائم ليس في حكمها خلاف، وهي التمائم التي تكون من الأحجار أو الودع أو الخيوط ونحو ذلك، ويدخل في ذلك ما يضعه بعض الناس في سياراتهم مثل العرائس ونحوها يتقون بها العين، وبعضهم قد يجعل في درج غرفة النوم شيئاً من الأشياء يظن أنه يدفع عنه العين، فكل هذه من التمائم ولو اختلفت صورها وأشكالها؛ لأن حقيقتها واحدة. القسم الثاني: تعليق القرآن، وهو مختلف فيه، فلو أن إنساناً علق في رقبته مصحفاً يتقي به العين، أو من أجل أن يزيل عنه مرضاً به؛ فهذه المسألة وقع فيها خلاف بين السلف رضوان الله عليهم، فمنهم من جوزها وأباحها؛ لأن القرآن مما يستشفى به، والصحيح من أقوال أهل العلم -وهو مذهب ابن مسعود وابن عباس ﵄ منع ذلك؛ لأن أحاديث النبي ﷺ في التمائم عامة، ولأن النبي ﷺ لم يعرف عنه أنه شرع للناس أن يعلقوا هذه التمائم من القرآن، ولأن القرآن أنزله الله للتدبر ولم ينزله للتعلق، ولأنه إذا وضع في رقبة الإنسان أو في رقبة دابة من الدواب؛ فإن هذا مدعاة للاستهانة به، ولأن الشفاء المقصود بالقرآن هو بتلاوته وقراءته والرقية به، وليس المقصود تعليقه، وقد بين النبي ﷺ كيفية الاستشفاء به ووضحه ﵊. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك). رواه أحمد وأبو داود]. هذا واضح في أن الرقى منها ما يكون شركاً، وهناك أحاديث كثيرة تدل على أن الرقى منها ما يكون شرعياً، ومنها أن النبي ﷺ رقى ورقي، ومنها أنه قال: (اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً) فقسم الرقى إلى قسمين: قسم لا بأس به، وقسم به بأس، وهو الشرك. وأما التولة فهي نوع من أنواع السحر وهو سحر العطف؛ إذ السحر ينقسم إلى قسمين: صرف وعطف، فالعطف هو جمع بعض القلوب على بعض، والصرف صرف بعضها عن بعض، والتولة: اسم لسحر العطف الذي يحبب بعض الناس إلى بعضهم، وقد فسره الشيخ بذلك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن عبد الله بن عكيم مرفوعاً: (من تعلق شيئاً وكل إليه). رواه أحمد والترمذي]. وأحاديث ابن مسعود وحديث عبد الله بن عكيم كلها صحيحة محتج بها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [التمائم: شيء يعلق على الأولاد من العين، لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁]. لأنه في حديث بريدة بن الحصيب (أن النبي ﷺ رخص في الرقى من العين والحمى)، والحمى: هي لدغة العقرب أو الحية التي يكون فيها السم، بل إنه ﵊ رخص فيما هو أوسع من ذلك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [التولة: شيء يضعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته. وروى أحمد عن رويفع قال: قال لي رسول الله ﷺ : (يا رويفع! لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وتراً، أو استنجى برجيع دابة أو عظم؛ فإن محمداً بريء منه)]. وهذا حديث صحيح، وموطن الشاهد منه قوله: (أو تقلد وتراً) يعني: لدفع العين أو رفع البلاء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن سعيد بن جبير ﵁ قال: من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة. رواه وكيع. وله عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن]. إبراهيم هو النخعي، وهو من فقهاء الكوفة، وقوله: (كانوا) يعني أصحاب ابن مسعود ﵁.

стр. 39

التبرك وأقسامه وأحكامه والنوع الثالث من أنواع الشرك الأصغر هو: التبرك، والمقصود بالتبرك: طلب البركة، وطلب البركة منه شيء مشروع، فإن الشرع قد كشف عن مواطن وأماكن وأشخاص وأقوام مباركين، فماء زمزم مبارك، وبلاد الشام مباركة، والحرم مبارك، وهناك أمور كثيرة مباركة بين النبي ﷺ أن فيها بركة، وبين كيفية استعمال البركة الموجودة فيها. وهناك نوع ثان من التبرك، وهو التبرك المذموم، وهو أن يتبرك الإنسان بأحجار أو بأشجار، أو يتبرك بأشخاص، أو يتبرك بفضلات إنسان، كالتبرك بما بقي من مائه أو ما بقي من أكله أو لبسه أو نحو ذلك، وكل ذلك من الشرك الأصغر. إذاً: يمكن تقسيم التبرك إلى قسمين: تبرك محمود، وتبرك مذموم فالتبرك المحمود: يشترط فيه عدة شروط. الشرط الأول: أن يدل دليل صحيح صريح على أن هذا الأمر فيه بركة. الشرط الثاني: أن يكون التبرك به بنفس الطريقة المشروعة التي شرعها الرسول ﷺ ، فماء زمزم يكون التبرك به بشربه والتضلع منه، فلو أن إنساناً أخذ ماء زمزم ليداوي به الجروح فإنا نقول له: أخطأت الطريق هنا. وبلاد الشام مباركة، والحرم مبارك، فلو أن إنساناً جاء إلى الحرم وقال: هذا مبارك، وبدأ يتمسح بأشجاره وأحجاره ويأكل من ترابه ويعمل نحو هذه الأعمال التي لم ترد في الشرع، فإنا نقول له: قد أخطأت، فإن الحرم مبارك، والبركة التي تكون فيه هي بكثرة الطواف بالطريقة المشروعة التي بينها النبي ﷺ . والنوع الثاني: التبرك الممنوع، وينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ادعاء البركة في أماكن لم يدل الدليل الشرعي على أنها مباركة، فبعض الناس يأتي إلى قبر من القبور وينصب عليه قبةً كبيرةً ويجعل له مدخلاً ومخرجاً، ويجلس فيه ويقول: هذه روضة من رياض الجنة، وهذا المكان مبارك، فهذا ابتدع بدعة من عنده، فإن أماكن القبور لم يدل دليل صحيح صريح على أنها أماكن مباركة، فلا بد من أن يدل دليل صحيح على أن هذا الأمر مبارك؛ لأن البركة أمر موجود في العين المباركة لا يمكن أن يكشف عنه إلا من خلقه، وهو الله ، وذلك إما بكلام منه في القرآن أو بكلام من النبي ﷺ ؛ لأن كلام النبي ﷺ وحي، أما ادعاء البركة بدون دليل فهو من الشرك. القسم الثاني: التبرك ببعض الأماكن المباركة بغير الطريقة الشرعية، مثل الذي يأتي ويتمسح بمقام إبراهيم، أو يأتي ويتمسح بسواري الحرم، أو يذهب إلى بيت المقدس ويتمسح به ونحو ذلك، مع أن هذه أماكن مباركة دل الدليل على أنها مباركة، لكنه تبرك بها بشكل غير مشروع فهذا من الشرك الأصغر. والتبرك قد يكون شركاً أكبر إذا أوصلك اعتقاد البركة في الشيء إلى عبادته، فالذي جعل كفار قريش يعبدون مناة واللات والعزى ونحو ذلك هو التبرك، واللات كان رجلاً صالحاً يلت السويق للحجاج ويطعمهم ويسقيهم، وكان رجلاً فاضلاً، فلما مات عكفوا على قبره فتبركوا به، ووصل التبرك به إلى درجة أنهم أصبحوا يعبدونه من دون الله، ويظنون أنه يرفع عبادتهم إلى الله ، فوقعوا في الشرك، وهذا هو -أيضاً- فعل قوم نوح، كما قال الله : ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣]، فهذه أسماء لرجال صالحين كانوا في قوم نوح ماتوا في شهر واحد، فصوروا على صورهم على هيئة تماثيل، ثم بعد أن نسي العلم وزال عبدوا من دون الله . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما. وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٢]. جاء الشيخ بهذه الآية مع أنها في شرك المشركين المخرج من الملة؛ لأن السبب الذي جعلهم يعبدونها من دون الله هو التبرك، فالتبرك قد يصل إلى الشرك الأكبر إذا أوصل صاحبه إلى عبادة المبارك، وقد يصل إلى الشرك الأصغر إذا كان وسيلة، كما بينا في الفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط]. يعني: يعلقون أسلحتهم بها لأجل البركة. قال: [فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : (الله أكبر! إنها السنن، قلتم -والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨]، لتركبن سنن من كان قبلكم) رواه الترمذي وصححه]. فهؤلاء قوم من المشركين كانوا يتبركون بشجرة ينوطون به

стр. 40

الذبح وما يحرم منه ومن أنواع الشرك الأصغر: الذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله ، فلو أن مذبحاً تذبح فيه الهدايا والقرابين ونحو ذلك، وكان هذا المذبح مخصصاً للقرابين التي تذبح لغير الله ، كان تذبح للأولياء أو تذبح للجن والشياطين، فلا يجوز للمسلم أن يأتي ويذبح لله فيها، مع أنه ذبح لله وليس لغير الله، ولكن ذلك وسيلة إلى الشرك الأكبر، وقد سبق أن ضبطنا الشرك الأصغر بأنه هو الذي يكون وسيلة إلى الشرك الأكبر، والذبح عبادة مصروفة لله، لكن لما كان في مكان يذبح فيه لغير الله صار وسيلة من وسائل الشرك، فانطبق عليه حكم الشرك الأصغر، كما هو الحال في الغلو والتطير ونحو ذلك مما سيأتي بيانه في وسائل الشرك.

стр. 41

باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله قال المؤلف ﵀: [باب: لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله. وقوله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة:١٠٨]]. قول الله تعالى: ((لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا)) هذا في قصة مسجد الضرار الذي بناه المنافقون، من أجل أن يضاهوا به مسجد قباء، فنهاه الله أن يقوم فيه أبداً؛ لأن الموضع الذي يعبد فيه غير الله أو لا يكون خالصاً لله لا يصح الجلوس فيه والبقاء فيه، فالشاهد من هذه الآية للباب هو من جهة كون هذا المكان بني لغير الله ، وليس فيه ما يتعلق بالذبح، فهو من باب الاستدلال بجهة عامة وليست جهة خاصة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: (نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة، فسأل النبي ﷺ فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، فقال رسول الله ﷺ : أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم). رواه أبو داود، وإسناده على شرطهما. بوانة: موطن في الطريق للخارج من المدينة إلى تبوك، وهو موجود الآن بهذا الاسم. وهذا الحديث يدل على المنع من عبادة الله في المكان الذي يعبد فيه غير الله ؛ لأن ذلك ذريعة لعبادة غير الله، ووسيلة وطريق يفضي إليها، وهذا الحديث يدل على باب عظيم، وهو باب سد الذرائع، فهذا الباب باب عظيم يجهله كثير من الناس، وفي نفس الوقت يستغربون من مواقف بعض الصالحين وبعض أهل العلم الذين يقفون من بعض التصرفات ومن بعض الأعمال موقفاً قوياً، فيتعجبون من هذا التصرف مع أن الشيء ليس حراماً في الظاهر، والسبب هو أن الشيء إذا كان وسيلةً وطريقةً إلى محرم فإنه لا يجوز أبداً بأي حال من الأحوال، فأي وسيلة من وسائل الاختلاط تكون محرمة، وأي وسيلة من وسائل عبادة غير الله تكون محرمة، وأي وسيلة من وسائل الشر بأي وجه من الوجوه تكون محرمة، فالحديث مع النساء -مثلاً- فيما لا داعي إليه محرم؛ لأنه طريق سيوصل إلى الحرام، ولهذا نهى النبي ﷺ عن الحديث مع النساء، ويحمل نهيه على ما لا داعي إليه، أما إذا كان هناك داع فإنه يصح الحديث، كما حصل منه ﵊. وهكذا أشياء كثيرة جداً لم تحرم لذاتها، وإنما لأنها طريق مفض إلى الحرام، وهذه القاعدة يجهلها كثير من الناس ولا يعرفها، ولهذا قد يتعجب من بعض آراء وأفكار ومناهج بعض المصلحين وبعض الدعاة في بعض التصرفات والأقوال والأعمال.

стр. 42

باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟! في الصحيح عن عائشة ﵂: (أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح -أو العبد الصالح- بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) فهؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل]. هذا الباب يشبه الباب الذي قبله، فالذي قبله كان في الذبح، وهذا الباب عام فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، يعني: جاء إلى قبر رجل صالح وصلى عنده لله، أو دعا عنده لله، أو بدأ يقرأ القرآن عنده لله ، فهذا لا يجوز؛ لأنه وسيلة إلى الشرك، فإذا كان النهي عن عبادة الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده من دون الله؟! فلا شك في أن النهي سيكون أكبر، فهذا الباب يشبه الباب الذي قبله، والفرق بينهما أن الأول في الذبح وهذا عام في العبادات كلها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهما عنها قالت: (لما نُزِل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أُبرز قبره، غير أنه خُشي أن يتخذ مسجداً) أخرجاه]. وموطن الشاهد من الحديث هو قوله: (اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يعني: جعلوا المكان الذي يقبر فيه النبي مسجداً للصلاة، فلو كانت الصلاة لله فإنها تجوز؛ لأنها وسيلة من وسائل الشرك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولـ مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك). وموطن الشاهد هنا هو نفسه موطن الشاهد من الحديث السابق. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقد نهى عنه في آخر حياته ثم إنه لعن -وهو في السياق- من فعله، والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يبن مسجد]. قوله: [وهو في السياق] يعني: في سياق الموت. والمعنى أنه لو جاء إلى مقبرةً ليس فيها مسجد، وأنشأ الصلاة عندها فإنه تشمله هذه الأحاديث جميعاً، فكيف إذا بنى مسجداً وأصبح مكاناً يعهد للتعبد؟! فلا شك فإن ذلك سيكون أشد، ويكون انطباق الحديث عليه أصرح. قال: [وهو معنى قولها: (خشي أن يتخذ مسجداً). فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجداً، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجداً كما قال ﷺ : (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً). ولـ أحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد). ورواه أبو حاتم في صحيحه]. هذه النصوص كلها تدل على أن اتخاذ القبور مساجد وأماكن للصلاة من الوسائل التي توصل إلى الشرك الأكبر، وهي من الشرك الأصغر، وهي تدل على قاعدة عظيمة من قواعد الشرع، وهي قاعدة سد الذريعة.

стр. 43

باب ما جاء في الرياء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في الرياء. وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]. وعن أبي هريرة مرفوعاً: قال الله تعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)، رواه مسلم]. وهذا دليل صريح وواضح على أن العمل الذي يكون فيه الرياء يكون باطلاً؛ لأنه تعالى قال: (تركته وشركه)، فلو راءى تركه ورياءه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن أبي سعيد مرفوعاً: (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الشرك الخفي: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته، لما يرى من نظر رجل) رواه أحمد]. بقي من أنواع الشرك الأصغر باب عقده المصنف خاص بالرياء، والرياء هو أصرح صورة من صور الشرك الأصغر؛ لأنه ورد في الحديث مصرحاً عندما قال النبي ﷺ : (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء)، وهذا صريح في اعتبار الرياء من الشرك الأصغر. والرياء: هو أن يعمل الإنسان العمل لغير الله ، فيزين الإنسان صلاته لنظر شخص من الأشخاص إليه، وهذا العمل من الشرك الأصغر، ويكون الرياء كفراً مخرجاً عن الملة بالكلية عندما يراءني بأصل إسلامه، فإذا جعل أصل إسلامه رياءً وفإنه يكون حينئذ منافقاً، أما إذا كان أصل الإسلام لله وهو مسلم لله ، لكن حصل له الرياء في بعض أعماله فهذا شرك أصغر، قد يكون شركاً أكبر بحسب العمل الذي يقع فيه الرياء، فإذا أنشأ العمل من أجل الناس فهذا من الشرك الأصغر، وإذا قصد به الإنسان نفسه فإنه يكون تعبداً لغير الله، فلو أن إنساناً قام فدفعه إلى الصلاة رؤية شخص وكانت الصلاة لله فهذا شرك أصغر؛ لأنه لم يصرف عبادة من العبادات لغير الله ، لكن الصلاة باطلة كلها ولا يقبل منها شيء؛ لأن الدافع هو مدح فلان أو المراءاة لفلان، أما إذا بدأ الصلاة لله ، ثم طرأ عليه الرياء، فإما أن يغلب عليه ويستحسنه ويرتاح له، وإما أن يدفعه عن نفسه، فإن دفعه عن نفسه وجاهد نفسه فإن صلاته صحيحة، وأما إذا استرسل معه واستمر معه فلا تخلو العبادة من نوعين: النوع الأول: أن تكون هذه العبادة مما لا يتجزأ، مثل الصلاة، فتكون باطلة. النوع الثاني: أن تكون العبادة مما يتجزأ، فما كان فيه مخلصاً فعمله صحيح، وما طرأ عليه الرياء فهو فاسد. وذلك مثل صلاة التراويح، فقد يصلي الإنسان ركعتين بإخلاص لله تعالى، ثم صلى ركعتين فيرائي فيهما، فتبطل الركعتان اللتان راءى فيهما، وأما الركعتان اللتان أخلص فيهما فهما مقبولتان، مع أن الجميع يُسمى صلاة التراويح. ومثل صلة الأرحام، فعندما يزور الإنسان أحد أقاربه مخلصاً لله يكون عمله مقبولاً، فإن زار بعد ذلك مباشرة أحدهم وطرأ عليه الرياء وارتاح له واستمر معه فزيارته الثانية باطلة وغير مقبولة. فهذا هو المقصود بالعبادة التي تتجزأ والعبادة التي لا تتجزأ.

стр. 44

خطر إرادة الدنيا بالعمل الصالح والباب الذي بعد ذلك من أنواع الشرك الأصغر هو إرادة الإنسان بعمله الدنيا، وقد اختلف أهل العلم في الفرق بين الرياء وإرادة الإنسان بعمله الدنيا، فبعضهم جعل إرادة الإنسان بعمله الدنيا هي الرياء نفسه، مثل الحسن البصري وغيره. وبعضهم فرق بينهما، والصحيح هو التفريق، وأصح نوع من أنواع التفريق هو القول: بأن إرادة الإنسان بعمله الدنيا عامة والرياء إرادة خاصة، وكل ذلك فعل لغير الله ، لكن إرادة الدنيا عامة، فقد يريد الإنسان منفعة مالية، وقد يريد منفعةً دنيويةً، وقد يتعلق بشيء من الشهوات لا بالمدح والثناء، أما الرياء فمتعلق بالمدح والثناء، والأحكام التي سبقت في موضوع الرياء هي -أيضاً- منطبقة على إرادة الإنسان بعمله الدنيا، فتكون إرادة الإنسان بعمله الدنيا شركاً أكبر مخرجاً عن الملة إذا كان أصل الإسلام يريد الإنسان به الدنيا، ويكون حينئذ من جملة المنافقين، أما إذا كان أصل إسلامه يريد به وجه الله والدار الآخرة، وعمل بعض الأعمال لأجل الدنيا؛ فإنه يحكم عليه بحسب هذا العمل وبحسب درجة إرادة الدنيا فيه، كما سبق في الرياء، فإن كان بدأ بالعمل من أصله يريد به الدنيا فهو مردود، وكل الآيات والأحاديث التي جاءت في بطلان العمل إذا كان شركاً يستدل بها على بطلان إرادة الإنسان بعمله الدنيا، مثل قوله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨]، وقول الله : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]، والحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك)، وغيرها من النصوص التي تدل على بطلان الشرك، وهي -أيضاً- تدل على بطلان الرياء؛ لأنه من الشرك، وتدل على بطلان إرادة الإنسان بعمله الدنيا؛ لأنها من الشرك، فإذا كان أصل العمل مراداً به الدنيا فهو باطل، وإذا كان أصل العمل مراداً به وجه الله ، ثم طرأ عليه إرادة الدنيا فهو بحسب حال العامل، وإن دفع هذه الإرادة وجاهد نفسه فعبادته مقبولة، وإن لم يدفعها وغلبت عليه فإنه يحكم بالبطلان بحسب نوع العبادة، فإذا كانت تتجزأ فإنه يقبل منها العمل الخالص، وأما غير الخالص فلا يقبل، وإذا كانت لا تتجزأ فإنها لا تكون مقبولة، على نحو ما فصلناه في موضوع الرياء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا. وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥]]. هذه الآية فيمن أراد الدنيا بأصل إسلامه، أو غلبت عليه إرادة الدنيا حتى أصبحت هي كل شيء بدل الدين، فهذا لا شك في أنه ليس بمسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع)]. هذا الحديث فيه كثير من الفوائد, ومما يتعلق بموضوعنا هنا أن النبي ﷺ سمى من أراد الدنيا -ومثله من أراد المال- عبداً، فقال: تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة وعبد الخميلة، وهذا بحسب درجة العبودية التي عنده على نحو ما سبق تفصيله، وقد قسم الناس في هذا الحديث إلى قسمين: قسم تعيس: وهو من أراد بعمله الدنيا. وقسم له الطوبى، و (طوبى) في الأحاديث الواردة قيل: إنها الجنة، وقيل: هي شجرة عظيمة في الجنة. فهذا ما يتعلق بالكلام في الشرك في الألوهية، وبعض أنواع الشرك الأصغر.

стр. 45

الأسئلة

стр. 46

حكم الشرك الأصغر في الآخرة السؤال هل توزن أعمال صاحب الشرك الأصغر أم أنه يعذب على قدر شركه ثم يدخل الجنة؟ الجواب الشرك الأصغر فيه خلاف بين أهل العلم هل هو داخل في قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، أم أنه داخل في قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] على قولين مشهورين لأهل العلم، ويبدو أنه داخل في عموم قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]؛ لعموم هذه الآية.

стр. 47

ما يدعو به الإنسان ربه للنجاة من الشرك السؤال هل هذا الدعاء صحيح: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً فيما أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه؟ الجواب نعم هذا الدعاء صحيح، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.

стр. 48

المراد بالعصرانيين السؤال تذكر في دروسك بكثرة كلمة (العصرانيين)، فما المقصود بهم؟ الجواب العصرانيون: هم طائفة من المنتسبين إلى الدعوة الإسلامية وإلى الإسلام أثر عليهم ضغط الواقع الذي يعيشون فيه تأثيراً سلبياً، بحيث إنهم أصبحوا يؤولون النصوص الشرعية بسبب ضغط الواقع الذي يعيشون فيه، ومفهوم العصرانية يدخل فيه دعاة العلمانية؛ لأن العصرانية هي دعوة نشأت في الأديان الثلاثة الكبرى عند اليهود وعند النصارى وعند المسلمين، وأساس الفكرة التي عند هؤلاء جميعاً هو أن الواقع المعاصر المتطور لا يصلح لفهم النصوص الشرعية كما كان يفهمها السابقون، ولا بد من تطوير وتطويع هذه النصوص حتى توافق الواقع وتكون مناسبة له، ثم تاهوا في كيفية تطويعها، فطائفة منهم انسلخوا من الدين وقالوا: إن الدين هو عبادة في المسجد فقط، وأما بقية الحياة فلا علاقة لها بالدين، ونحن نبنيها بمقتضى العقل، وهؤلاء هم العلمانيون ودعاة التنوير كما يسمونهم. وطائفة أخرى أنكروا على هؤلاء العلمانيين وقالوا: الدين شامل لكل شيء، لكن قضايا المرأة وقضايا الفنون وقضايا التعامل مع الكفار لهم فيها آراء غريبة عن آراء الجيل الأول وعن إجماع الجيل الأول، فهم يبيحون السفور، ويبيحون الفنون، ويختلفون في ذلك، فمنهم من يغلو، ومنهم من يكون دون ذلك، فبعضهم عنده غلو في هذا، وبعضهم أقل من بعض، فبعضهم يبيح التصاوير والمتاحف المشهورة ويبيح الموسيقى بكل أنواعها وصورها، ولهذا قد يشجع وجود بعض أنواع الموسيقى الغريبة؛ لأنها تهذب النفس وتهذب الضمير برأيه، وهناك كتاب للأستاذ محمد حامد الناصر عن العصرانيين بين التجديد والتغريب.

стр. 49

حكم اعتقاد كون الحجر الأسود أو الركن اليماني شفاء للأبدان السؤال شخص استلم الحجر الأسود واستلم الركن اليماني من الكعبة المشرفة وقال: فيه شفاء للأبدان، فما حكم ذلك؟ الجواب استلام الحجر الأسود ورد عن النبي ﷺ ، واستلام الحجر الأسود بصفات متعددة: منها استلامه بيده، ومنها تقبيله، ومنها الإشارة إليه، ومنها استلامه بمحجن وتقبيل المحجن، وأما الركن اليماني فقد ورد أنه مسحه ولم يرد أنه قبله، ولم يرد أنه قبل يده عندما مسحه، فيجب الاكتفاء بسنة النبي ﷺ . وأما اعتقاد أنه شفاء للأبدان فهذا اعتقاد فاسد يرده كلام عمر بن الخطاب عندما قبله وقال: [والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت ﷺ يقبلك ما قبلتك].

стр. 50

حكم استعمال الأسورة والحلقات المغناطيسية لعلاج أمراض المفاصل والروماتيزم السؤال هناك أسورة أو حلقه مغناطيسية تباع لعلاج أمراض المفاصل والروماتيزم، فما حكمها؟ الجواب إذا ثبت طبياً أن هذا المغناطيس له أثر على العظام فلا بأس، ويكون دواءً عادياً، لكن المنهي عنه هو الخيوط التي لا نفع فيها ولا فائدة فيها بأي وجه من الوجوه.

стр. 51

حكم كتابة اسم الزوجة في الخاتم خشية سحر الصرف السؤال هل يحرم وضع الخاتم في يدي إذا كتب فيه اسم زوجتي لدفع السحر الذي يفرق بيني وبينها؟ الجواب هذا لا يجوز؛ لأن السحر طريقة علاجه تكون بالرقى والتعاويذ الشرعية، ولم يرد أن النبي ﷺ كان يعالج الناس بخيوط أو خواتم توضع في أيديهم ويكتب فيها اسم الزوجة، فهذه طريقة داخلة فيما سبق أن أشرنا إليه.

стр. 52

حكم اتخاذ الخيط في اليد للزينة السؤال بعض الناس يعلق في يده خيطاً ولا يقصد به شيئاً ولكن للزينة؟ الجواب هذا ليس فيه إشكال، ولكن لم يعهد أن الخيط يتخذ زينة.

стр. 53

حكم وضع حرز عند المسجد للطفل المولود بقصد حبه للصلاة السؤال ما حكم وضع حرز للطفل المولود بعد الولادة عند المسجد بقصد حبه للصلاة، أو عند المدرسة بقصد حب المدرسة؟ الجواب هذا من الخرافات، وهو من التفاؤل والتشاؤم الذي لا دليل عليه.

стр. 54

حكم وضع خيط الزينة السؤال ما حكم وضع خيط الزينة؟ الجواب إذا كان خيط الزينة فيه تشبه بالكفار فإن النهي يكون من باب النهي عن التشبة بالكفار، لكن لا يعتبر تميمة إذا كان لا يعتقد فيه، وهي عادات قبيحة اعتادها بعض الناس؛ لأن الخيط لم يعرف منذ قديم الزمان أنه يستخدم للزينة.

стр. 55

حكم طلب البركة من المرء مزاحاً السؤال كثر من الشباب الملتزمين -هداهم الله- قول بعضهم لبعض: تبرك بفلان؛ فإنه رجل طيب، من باب المزاح، فما حكم ذلك؟ الجواب هم لا يقصدون البركة، لكن المزاح إذا تجاوز حده لا يكون محموداً.

стр. 56

حكم التبرك بأستار الكعبة السؤال هل التبرك بأستار الكعبة من جوانبها مشروع؟ الجواب هذا ليس بمشروع، ولهذا لما جاء معاوية بن أبي سفيان وتبرك بجميع أركان الكعبة نهاه ابن عباس ﵁، وبين أن النبي ﷺ لم يستلم من الكعبة إلا الحجر الأسود والركن اليماني.

стр. 57

قطع عمر بن الخطاب شجرة بيعة الرضوان السؤال ما صحة ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه منع من كان يأتي إلى الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان؟ الجواب نعم منعهم عندما كانوا يجتمعون فيها، بل إنه قطعها. أما إتيان ابن عمر ﵁ إلى الأماكن التي كان النبي ﷺ يصلي فيها فليس مقصوده التبرك بها بقدر ما هو تطبيق سنة النبي ﷺ ، وقد كان ابن عمر يجتهد في اتباع هديه في كل شيء، ومع ذلك أنكر عليه بعض الصحابة رضوان الله عليهم.

стр. 58

كيفية التداوي المشروع بماء زمزم السؤال ذكرت أن التداوي للجرح بماء زمزم ليس مشروعاً، كيف ذلك، وفي الحديث: (ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم)؟ الجواب أنا لم أقل لا يتداوى به مطلقاً بأي طريقة، ولكن يتداوى به عن طريق الشرب، فيشرب ماء زمزم وينوي به الشفاء لمرضه، أما أن يضع الماء على الجرح فهذا غير وارد في سنة النبي ﷺ .

стр. 59

عموم البركة في ماء زمزم السؤال هل البركة تكون في ماء زمزم في الحرم المكي فقط؟ الجواب النصوص عامة، والنبي ﷺ يقول: (ماء زمزم لما شرب له) فالبركة عامة ليس فيها تخصيص بالحرم فقط.

стр. 60

أثر ترك السنن على التوحيد السؤال هل ترك بعض السنن ينقص كمال التوحيد، وما حكم من علم بعلم ولم يعمل به؟ الجواب أي نقص في العبادة ينقص من توحيد الإنسان، ولكن ليس معنى ذلك أنه آثم، فلا تترتب العقوبة على ترك شيء من السنن، أما أنه ينقص قدره وينقص توحيده التام الكامل فلا شك في ذلك، ولاشك في أنه لا يستوي مع من يأتي بالواجبات والسنن جميعاً.

стр. 61

بيان معنى الشرك الخفي السؤال ما هو الشرك الخفي؟ وهل هو من أنواع الشرك؟ الجواب الشرك الخفي هو الذي يكون فيه خفاء وبعضهم يجعله من الشرك الأصغر، وبعضهم يجعله وصفاً عاماً يدخل فيه الأكبر والأصغر.

стр. 62

حكم الغش السؤال هل الغش في البيع والاختبارات نوع من أنواع الشرك الأكبر، لحديث: (من غشنا فليس منا)؟ الجواب الغش ليس شركاً أكبر؛ لأن قوله ﷺ : (فليس منا) ليس قصده به أنه لا يكون مسلماً، وقد وردت أحاديث كثيرة فيها نفي الإيمان، مثل قوله: (لا يؤمن) و (ليس منا) ولكن لا يقصد بها التكفير، وإنما يقصد بها بيان تحريم هذا الأمر، ولهذا فإن الرجل الذي وجده النبي ﷺ قد وضع الجيد من الطعام في الأعلى الذي أصابه البلل في الأسفل لم يستتبه النبي ﷺ ، ولم يرتب عليه أحكام الكفر.

стр. 63

كتاب التوحيد [٣] لقد جاءت نصوص الوحيين بإرساء قواعد التوحيد وإبطال الشرك بأدلة متنوعة تفيد القطع ببطلان عبادة ما عبد من دون الله تعالى، وتأكيد لإبطال الشرك جاءت النصوص بمنع كل الأسباب والوسائل الموصلة إليه، كالغلو في الصالحين، وفي قبورهم، وكالتطير والتشاؤم، ونحو ذلك، في جملة من المسائل الخطيرة التي ينبغي للمسلم أن يكون على بينة فيها.

стр. 64

إثبات التوحيد وإبطال الشرك الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الشرك قد أبطله الله في القرآن، وأثبت الله توحيد الألوهية بالطرق المقنعة التي تخاطب العقل وتخاطب فطرة الإنسان. ويمكن أن نحصر الأدلة التي جاءت لإثبات توحيد الألوهية وإبطال الشرك في نوعين: النوع الأول: أدلة جاءت بإثبات التوحيد بذكر استحقاق الله للعبادة. والنوع الثاني: إثبات التوحيد عن طريق إبطال الشرك. فتوحيد الألوهية -وهو إفراد الله بالعبادة- بينه الله في القرآن بياناً كافياً وشافياً وواضحاً. وقد استدل بالأدلة العقلية على إثبات توحيد الألوهية وعلى إبطال الشرك، فإذا سئلت: ما هو الدليل على توحيد الألوهية وإفراد الله بالعبادة؟ فإنه يمكنك أن تجعل الدليل على إفراد الله بالعبادة وتوحيد الألوهية على نوعين: النوع الأول: إثبات التفرد باستحقاق الله للعبادة، فأنت تثبت في هذه الزاوية أن الله متفرد في كونه هو المستحق وحده للعبادة دون غيره، وقد استخدم في هذا النوع صور متعددة في إثبات هذا المطلب المهم من مطالب توحيد الألوهية. النوع الثاني: في إثبات توحيد الألوهية: إبطال الشرك، فإبطال الشرك يستلزم إثبات التوحيد ولا بد؛ لأنه إذا أبطل الله معبودات المشركين مثل الأصنام أو الأولياء أو الأنبياء أو الملائكة أو الجن أو غيرهم، إذا أبطل الله عبادة هؤلاء؛ فإن هذا يدل بالتضمن على إفراد الله بالعبادة؛ لأنه هو وحده المستحق للعبادة. ولهذا سنذكر مجموعة من الأبواب التي ذكرها الشيخ في مجال إبطال شرك المشركين، فهو لم يتعرض ﵀ بالتفصيل لإثبات إفراد الله بالعبادة، أو لإثبات إفراد استحقاق الله للعبادة، لم يتعرض لهذه القضية بالتفصيل، لكنه تعرض لقضية بالغة الأهمية، وهي إبطال الشرك، وإبطال الشرك يستلزم إفراد الله بالعبادة. وسنلحظ أن الأدلة التي ذكرها الشيخ مما جاء في القرآن أدلة تخاطب العقل، وهذا يدل على أن القرآن مليء بالأدلة العقلية. وهذه قضية مهمة جداً ينبغي أن نتنبه لها وأن نعتني بها، وهي أن القرآن الكريم هو كلام الله ، والله هو الذي خلق الإنسان، وهو العليم به، كما قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] فهو أعلم بحال العبد وبطبيعة العبد وبما يصلح العبد، ولذا أورد الأدلة المقنعة على أن الله واحد في ربوبيته، وعلى أنه واحد في ألوهيته، وعلى أنه واحد في أسمائه وصفاته . وجاء بالأدلة العقلية -أيضاً- في القرآن على النبوات، وجاء بالأدلة العقلية على البعث والنشور. فالقرآن مليء بالأدلة العقلية التي تدل على هذه المحاور المهمة في العقائد، فالأدلة العقلية القرآنية الموجودة في القرآن تدل على التوحيد، وتدل على النبوات، وتدل على المعاد، وهذه الأمور الثلاثة هي أصول العقائد.

стр. 65

إثبات توحيد الألوهية بالأدلة العقلية أما مسألة إثبات توحيد الألوهية بالأدلة العقلية وأن الله هو وحده المتفرد باستحقاق العبادة فقد جاء ذلك من خلال دلالتين: الدلالة الأولى: دلالة الربوبية على الألوهية. والدلالة الثانية: دلالة الكمال والأسماء الحسنى والصفات العليا على توحيد الألوهية. أما النوع الأول -وهو الاستدلال بتوحيد الربوبية على كونه إلهاً- فهو واضح جداً، وهو أن الله هو الخالق، والرازق، والمحيي، والمميت وحده، وأنه مالك لكل شيء، وأنه المدبر لكل شيء، فهذا هو المستحق أن يعبد. ولو عرضت على عقلك قولك: هل المستحق للعبادة والتعظيم هو الذي يدبر ويخلق ويرزق والذي بيده كل شيء، أم الفقير المسكين الذي ليس بيده شيء؟ فإنك ستقول حالاً: المستحق للعبادة هو هذا الموصوف بهذه الصفات العظيمة، والذي له الربوبية، ولهذا يقول الله : ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، ويقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]، فاستدل بكونه الخالق على كونه هو المعبود ، ولهذا أدلة نماذج كثيرة غير هذه الأدلة. النوع الثاني: دلالة الكمال، فكونه كونه هو المتفرد بالكمال يدل على أنه هو المستحق وحده للعبادة دون شريك، وأوضح ما يدل على ذلك آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] فهو سبحانه يذكر صفاته، وأنه هو وحده المستحق للعبادة، ولهذا كانت أعظم آية في كتاب الله.

стр. 66

إبطال الشرك أما إبطال الشرك فجاء من طريقين: الطريقة الأولى: تجريد الشركاء والآلهة المعبودة من دون الله من صفات الربوبية، وهذا الإبطال عكس لذاك الإثبات، فعندنا موضوع إثبات استحقاق الله للعبادة، وهذا الموضوع الاستدلال بتوحيد الربوبية على أن الله هو المستحق للعبادة. وأما في موضوع الإبطال فإننا نجد الشركاء ليسوا أرباباً، فهذا يدل على بطلان كونهم آلهة. والاستدلال الثاني هو الاستدلال بكون الله هو الكامل كمالاً مطلقاً، والاستدلال بتوحيد الأسماء والصفات على كونه منفرداً بالألوهية والعبودية، فيستدل بعكسه على إبطال الشرك، فنقول: كون الآلهة ناقصة وعاجزة وليس لها صفات الكمال يدل على أن عبادتها باطلة. قال المؤلف ﵀: [باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:١٩١ - ١٩٢]]. وجعلها عنواناً للباب ليبين أن الآلهة التي تعبد من دون الله آلهة باطلة لا تستحق العبادة. والدليل على أنها لا تستحق العبادة هو قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ [الأعراف:١٩١] فهم -أولاً- لا يخلقون شيئاً. ثانياً: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف:١٩١] فكيف يُعبد المخلوق والمخلوق لا يُعَبد؟! ثالثاً: ﴿وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ [الأعراف:١٩٢] فهذه الآلهة لا تستطيع أن تنصر من يعبدها إذا نزل به البلاد. رابعاً: ﴿وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٢]، فهذه الآلهة لا تنصر نفسها، فهي لا تملك أسس استحقاق العبادة، وهي الملك المطلق، والتدبير المطلق، فهذه الآلهة ليست آلهة مستحقة للعبادة بل هي آلهة باطلة، ودليل البطلان في قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف:١٩١] فهذا استفهام إنكاري يتضمن النفي، يعني: لا يصح أن يشركوا. وقوله تعالى: ﴿وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٢] يعني: لو أنها دمرت فإنها لا تستطيع أن تواجه من يدمرها، ولهذا كسرها إبراهيم ﵇ وعلق الفاسق على الصنم الكبير، فلما جاءوا إليه قالوا: من فعل هذا بآلهتنا؟ فقال: بل فعله كبيرهم هذا. ثم قال لهم: اسألوهم إن كانوا ينطقون. يعني: كيف تكون آلهة وهي لا تستطيع أن تدفع الضر عن نفسها، وإذا كانت لا تستطيع أن تدفع الضر عن نفسها فمن باب أولى ألا تستطيع أن تجلبه لغيرها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٣ - ١٤]]. هذه الآية تدل على بطلان الشرك بنفس الطريقة السابقة التي ذكرناها، حيث يخاطب الله المشركين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣] فنفى عنهم الملك، والقطمير: اللفافة التي تكون على النواة، وليس المقصود بالملك المنفي هنا ملك اليد، بل المقصود أنهم لا يستطيعون خلقها وتدبيرها وملكها الدائم، وإنما هو ملك ناقص غير تام، وجاء بكلمة (قطمير) ليبين أقل أنواع الملك. ثم قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر:١٤]، وهذا هو الوصف الثاني الذي يدل على نقصان هذه الآلهة، وهي أنها لا تسمع الدعاء، ولهذا يخبر الله عن إبراهيم في قوله لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢] يعني: كيف تعبد ما لا يسمع؟! إله لا يسمع، وإله لا يبصر، وإله لا يغني عنك شيئاً، كيف تعبده؟! وهذا يدل على أن الإله إذا كان موصوفاً بالنقص فإنه لا يكون إلهاً حقيقياً صحيحاً. وكل من يعبد غير الله فهو في ضلال، فالذين يأتون إلى أصحاب القبور ويدعونهم من دون الله تستطيع بكل يسر بطريق عقلي صحيح أن تبطل عبادتهم، فتقول: يا فلان! هذا الإنسان لو كان ينفع ويضر لأغنى عن نفسه شيئاً، ولم يمت، فكيف تعبده وقد مات؟! ولهذا كان أغبى أنواع العبادات عبادة الموتى، وعبادة الأحياء الذين لديهم سلطان ولديهم قدرات قد تكون أقرب إلى العقل مع كونها فاسدة، ولكن صاحبها أخف شأناً من الذي يعبد ميتاً لا يغني عن نفسه، ولو كان يغني شيئاً لدفع الموت عن نفسه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر:١٤]. وهذا يسمونه التنزل في الخطاب، فهم لن يسمعوا، ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر:١٤] والهدف منه إثبات عدم استجابتهم. قال تعالى: (

стр. 67

بطلان الشرك بالنبي ومن دونه قال المؤلف ﵀: [وفي الصحيح عن أنس ﵁ قال: (شج النبي ﷺ يوم أحد وكسرت رباعيته، فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨])]. قوله: [وفي الصحيح] يعني: في صحيح البخاري. وقوله: [شج النبي ﷺ ] الشجة: هي الضربة في الوجه. [وكسرت رباعيته] هما السنان اللذان يكونان في بداية الفم بعد الثنايا. فقال: (كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]) والأمر: الخلق والثواب والعقاب، فليس للنبي ﷺ شيء من ذلك. ووجه الدلالة من هذا الحديث في بطلان الشرك: أن النبي ﷺ مع فضله ومكانته عند ربه ليس له من أمر العبودية والخلق والتدبير وشئون الإلهية شيء، فإذا كان ﵊ هذا شأنه، وهو من أفضل الخلق فغيره من باب أولى. فهذا يدل على بطلان عبادة من عبد النبي ﷺ ، أو من عبد غيره وهو أنقص من النبي ﷺ قدراً، وليس له من الأمر شيء من باب أولى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفيه عن ابن عمر ﵄: (أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: اللهم العن فلاناً وفلاناً بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]). وفي رواية: (يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨])]. ووجه الدلالة من هذا الحديث هو نفسه وجه الدلالة السابقة، وهي قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]، فالنبي ﷺ مع فضله ومكانته عند ربه ليس له من أمر الألوهية والثواب والعقاب والتدبير والخلق والربوبية شيء، ولهذا سيأتي معنا من أسباب الشرك الغلو، وهو رفع الإنسان فوق مرتبته، أو محاولة إيصاله إلى درجة الألوهية، ولهذا يقول الله للنبي ﷺ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]، فليس له من شأن التدبير أي شيء. فإن قيل: أيهما سبب النزول الأول أو الثاني؟ ف الجواب أن بعض الآيات قد يرد في سبب نزولها سببان، بحيث تنزل الآية بعد السببين جميعاً، فتحكى على أنها سبب للأول وعلى أنها سبب للثاني، ولا مانع من ذلك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفيه عن أبي هريرة ﵁ قال: (قام رسول الله ﷺ حين أنزل عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] قال: يا معشر قريش -أو كلمة نحوها-! اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله ﷺ ! لا أغني عنكِ من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد! سليني من مالي ما شئتِ، لا أغني عنكِ من الله شيئاً)]. هذا الحديث وجه الدلالة منه بيان إبطال الشرك؛ فإن النبي ﷺ غلا فيه بعض الناس حتى أوصلوه إلى درجة الألوهية فعبدوه من دون الله. وهذا الحديث يدل على بطلان عبادة النبي ﷺ ، ويدل على بطلان عبادة غيره من باب أولى، حيث قال ﵊: يا فلان، يا عباس، ويا صفية، (يا فاطمة! سليني من مالي ما شئتِ لا أغني عنكِ من الله شيئاً) وهذا يدل على بطلان من يطلب الشفاعة من النبي ﷺ الآن، وسيأتي معنا في شبهات القبوريين أنهم يقولون: نحن نطلب من النبي ﷺ الشفاعة، فنحن نعلم أنه لا ينفع ولا يضر ولا يخلق ولا يرزق، ولكن نطلب منه الشفاعة، ونحن نقول لهؤلاء: إن الشفاعة لا يملكها النبي ﷺ ؛ لأن الشفاعة لله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤]. فهي ملك لله ، ولا يملكها النبي ﷺ في حياته، ولا في فترة البرزخ، وإنما يعطيه الله إياها يوم القيامة، بعد أن يأتي ويسجد بين يدي ربه، ويدعو الله فيقال له: سل تعطه، واشفع تشفع. فإذا قال له الله : (سل تعطه واشفع تشفع) فحينئذ يكون الله قد أذن له فيها، أما الآن فلا يصح أن تطلب من النبي ﷺ ، فهي داخلة في قوله: (لا أغني عنك من الله شيئاً) فهو لا يملك شيئاً، ولا ينفع أحداً ولا يضره، ولا يدخل أحداً الجنة، ولا يخرج أحداً من النار

стр. 68

بطلان الشرك بالملائكة ومن دونهم قال المؤلف ﵀: [باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]]. هذه الآية تدل -أيضاً- على بطلان الشرك، ووجه الدلالة منها قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ:٢٣] فالضمير هنا يرجع إلى الملائكة، ومن فسر الآية بأنها في عموم الناس فهو مخطئ؛ لأن الحديث الذي سيأتي بعده يدل على ذلك دلالة قاطعة. فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ:٢٣] يعني: إذا ذهب عنهم الفزع. ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ:٢٣] يعني: عندما يتكلم الله كما سيأتي معنا في الحديث - يفزع الملائكة ويخافون، فإذا ذهب عنهم الفزع ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]. ففي الآية إبطال عبادة الملائكة، فالملائكة مع فضلهم ومكانتهم ومع كونهم يعبدون الله لا يفترون، ومع كونهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، مع هذه الخصائص جميعاً لا يستحقون العبادة؛ لأنهم يخافون، والإله لا يخاف. ونلحظ منذ أن بدأنا في الباب الأول إبطال عبادة الأصنام، وإبطال عبادة النبي ﷺ ، وإبطال عبادة الملائكة، وهكذا بهذه الطريقة. وإذا بطلت عبادة الرسول ﷺ فالأولياء من باب أولى ألا يعبدوا من دون الله، وإذا بطلت عبادة الملائكة فالجن وغيرهم من الناس من باب أولى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣] فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض -وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد أصابعه- فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا؟! فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء)]. هذا الحديث يدل على نفس المعنى الذي سبق أن أشرنا إليه، فهو يدل على أن الملائكة لا تستحق العبادة؛ لأنها تخاف، كما ورد في هذا الحديث، والإله لا يخاف، وبناءً على هذا لا تستحق أن تعبد من دون الله . وقوله: (كأنه سلسلة على صفوان) الصفوان: هو الحجر الصلب، والسلسلة معروفة، والتشبيه في قوله: (كأنه) المقصود به أن الخوف الذي لحقهم من سماعهم لكلام الله كالخوف الذي سيلحقهم عندما يسمعون السلسلة تجر على صفوان لقوة الصوت الذي يخرج منها، وليس المقصود تشبيه صفة الكلام بصوت السلسلة التي تجر على الحجر. قال المؤلف ﵀: [وعن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة - أو قال: رعدة- شديدة خوفاً من الله ، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صُعقوا وخروا لله سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله ]. هذا الحديث فيه ضعف من ناحية إسناده، رواه ابن أبي عاصم في السنة والآجري في الشريعة، وابن خزيمة في كتاب التوحيد، وفي إسناده نعيم بن حماد وهو ضعيف، وكذلك في إسناده الوليد بن مسلم، وهو مدلس، لكن هذا الحديث يشهد له الحديث السابق الذي في صحيح البخاري، ومعناهما واحد. ووجه الدلالة منهما في إبطال الشرك هو أن الملائكة مع فضلها لا تستحق العبادة من دون الله أو مع الله؛ لأنها موصوفة بالنقص في مقابل كمال الألوهية، فهي تخاف كما هو ظاهر في هذا الحديث والآية، والإله لا يمكن أن يخاف أبداً.

стр. 69

باب قول الله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت) ودلالته على بطلان الشرك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]. وفي الصحيح عن أبي المسيب عن أبيه قال: (لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل فقال له: يا عم! قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي ﷺ فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال النبي ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك، فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١١٣]. وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦])]. هذا الباب عقده المصنف رحمه الله تعالى لبيان بطلان الشرك أيضاً، فهو يريد أن يبين أن النبي ﷺ لا يستحق العبادة مع الله ، أو من دون الله، والسبب في كونه لا يستحق ذلك أنه مع شدة محبته لعمه وعظم منزلة عمه عنده لم يستطع هدايته، أي: هداية التوفيق والإلهام. فهداية تصريف القلوب بيد الله، وليست بيد الخلق، والذي يستطيعه النبي ﷺ من الهداية هو هداية الدلالة والإرشاد، فالهداية تنقسم إلى قسمين: هداية الدلالة والإرشاد، وهذا أمر يقدر عليه النبي ﷺ ، وهو الذي أثبته الله له بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]. وأما النوع الثاني من الهداية فهو هداية التوفيق والإلهام، وهذه تتعلق بتصريف قلوب العباد، ولا يقدر عليها النبي ﷺ ، وهي المعنية بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]. فالنبي ﷺ لا يملك تصريف قلوب العباد، فإذا كان النبي ﷺ مع فضله ومكانته ومنزلته لم يستطع أن يهدي عمه أبا طالب مع حرصه على هدايته ومع اجتهاده في ذلك ومع محبته لهدايته، فإن هذا يدل على أنه ليس إلهاً ولا يستحق أن يعبد من دون الله ، ولهذا فإن مقام الألوهية لا يصح أن يرفع إليه أي أحد مهما بلغ عندنا من المحبة والتعظيم والمكانة والمنزلة. وهنا مشكلة أحب أن أنبه عليها، وهي أن كثيراً من الناس عندما يسمع منا القول بأن النبي ﷺ لا يستحق العبادة من دون الله، أو عندما يسمع أننا نقول -مثلاً-: إن النبي ﷺ لا يعبد من دون الله، أو لا يملك تصريف قلوب العباد، يظن أن في هذا قدحاً في النبي ﷺ ، وهذا خطأ كبير جداً، فهذا ليس فيه قدح في النبي ﷺ ، بل هذا إنزاله منزلته التي أنزله الله إياها، بل إن رفعه إلى درجة الألوهية هو القدح في الرب الذي هو أعظم من النبي ﷺ . وكثير من الناس لا يضبط موضوع محبة النبي ومحبة الولي ومحبة الصالح، فإذا رآك تقد جعل المخلوق -سواء أكان ولياً أم نبياً أم صالحاً- في مصاف الألوهية يظن أنك تبغضه، وهذا فهم فاسد ليس بصحيح، فلا يعني كون الإنسان لم يوصل النبي ﷺ إلى درجة الألوهية أنه مبغض أو أنه محتقر أو أنه منتقص للنبي ﷺ ، بل هذه أمور يشغب بها أهل البدع ويشغب بها القبوريون على أهل التوحيد، ويظنون أن ذلك مسوغ لعبادة الأولياء وعبادة الصالحين، أعاذنا الله وإياكم من الشرك. فهدف الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ عندما عقد هذا الباب هو بيان بطلان عبادة النبي ﷺ ، وقد عبد النبي ﷺ كثير من الناس اليوم، فكثير من الناس يستغيثون به ويطلبون منه مغفرة الذنوب وكشف الكروب، ولهذا يقول البوصيري: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم وهناك قصائد كثيرة جداً لكثير من شعراء الصوفية يستغيثون فيها به ويطلبون منه مغفرة الذنوب وكشف الكروب التي لا تطلب إلا من الله . فأراد الشيخ أن يبين أن النبي ﷺ لم يملك هداية عمه أبي طالب، فكيف يعبد من دون الله؟! وهناك مسائل كثيرة تتعلق بشرح هذا الحديث، لكن ليست هي موضوعنا، وليست على شرطنا في شرحنا لهذا الكتاب.

стр. 70

الحكم على الكافر أنه في النار إذا مات على كفره هنا مسألة، وهي: هل يجوز أن يحكم على الكافر إذا مات على الكفر بأنه في النار، كأن يقال: إن أبا طالب في النار؟ هذه المسألة مسألة عقدية، ولكنها ليست مرتبطة بتوحيد الألوهية بشكل مباشر، والصحيح أن الكافر إذا مات على الكفر وتيقن الإنسان موته على الكفر؛ فإنه يحكم له بأنه في النار، وعليه فإن أبا طالب في النار قطعاً، ولهذا أخبر النبي ﷺ بأنه في ضحضاح من النار يغلي منه دماغه، أعاذنا الله وإياكم من النار.

стр. 71

أسباب موصلة إلى الشرك هناك جملة أسباب توصل إلى الشرك، ومنها: أولاً: الغلو. ثانياً: التطير. ثالثاً: التصوير. فهذه كلها من الأسباب التي توصل إلى الشرك، ولكن هل يعني كونها أسباباً أنها ليست شركاً؟ و الجواب لا، بل هي من الشرك الأصغر، ولهذا سبق أن ضبطنا الشرك الأصغر بأن منه الأسباب والوسائل والطرق والذرائع الموصلة إلى الشرك الأكبر، فكل سبب موصل إلى الشرك الأكبر يعتبر من الشرك الأصغر، إلا أنه في بعض الأحيان قد يتطور الحال بالأمر الذي هو شرك أصغر فيصبح شركاً أكبر، مثل الغلو. الغلو كلمة عامة، وكثير من حالات الغلو قد يُصنف في الشرك الأصغر، مثل التعظيم غير المنضبط، أو الصلاة في أماكن قبور الصالحين، فهذا من الغلو، لكنه من الشرك الأصغر. وأحياناً قد يوصل الغلو إلى الشرك الأكبر، فقد يدفعه الغلو إلى صرف العبادة للمخلوق من دون الله، فيكون شركاً أكبر مع أنه من الغلو أيضاً.

стр. 72

الغلو في الصالحين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين. وقول الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:١٧١]]. هذه الآية تدل على أن الغلو سبب من أسباب الشرك، ولهذا نهى الله أهل الكتاب عن الغلو في الدين؛ لأن الغلو في الدين عندهم هو الذي جعل النصارى يعبدون المسيح ويقولون: إنه ابن الله، وهو الذي جعل اليهود يعتبرون عزيراً ابن الله أيضاً. والغلو: هو مجاوزة الحد والمبالغة في الإطراء والمدح والثناء، وقد يكون الغلو قولاً، وقد يكون الغلو فعلاً، وقد يكون الغلو اعتقاداً. فمن الغلو القولي إطراء النبي ﷺ أو غيره من الصالحين إلى درجة التعظيم، وإلى درجة تقرب من مقام الألوهية، كالذي يقول مثلاً: إن الصلاة بجوار قبر الولي مثل الصلاة في الحرم، أو مثل الصلاة في المسجد الأقصى، أو مثل الصلاة في المسجد النبوي، وهذا كلام باطل، وهو من الغلو، وهو من الشرك الأصغر؛ لأنه ليس فيه صرف للعبادة لغير الله . ومن الغلو: طلب الدعاء من الأموات، وهناك فرق بين طلب الأموات، وطلب الدعاء من الأموات، فطلب الأموات هو أن يأتي شخص إلى الميت ويقول: اغفر لي ذنبي أيها الميت، ويدعوه من دون الله، وهذا شرك أكبر؛ لأنه صرف العبادة لغير الله، والعبادة التي صرفها لغير الله هي الدعاء، والاستغاثة، والاستعانة، وهكذا. أما طلب الدعاء من الأموات فهو أن يأتي إلى الميت ويقول: يا فلان! ادع الله أن يغفر ذنبي، فيطلب من الميت أن يدعو الله له، وهذا ليس من الشرك الأكبر؛ لأنه ليس فيه عبادة مصروفة لغير الله، بل هو من الشرك الأصغر، وهو من الذرائع الموصلة إلى الشرك الأكبر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الصحيح عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣] قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن: انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت]. هذه الآية تدل على أن الغلو في الصالحين سبب من الأسباب التي توصل إلى الشرك، فهؤلاء الذين عبدوا وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً في البداية لم يقعوا هؤلاء في الشرك الأكبر المخرج عن الإسلام. لكن الأمر الذي وقعوا فيه هو الغلو، وهو أنهم صوروا على أشكالهم تماثيل ووضعوها في الأماكن العامة، وقالوا: إنكم إذا رأيتم هذه الصور تذكرتم هؤلاء الصالحين وكيفية عبادتهم لله، فتدفعكم للعبادة، وهذا غلو؛ لأن الإنسان لا يصح له أن يتذكر بهذه الطريقة المبتدعة، وهو أن يتخذ صوراً يعلقها وأصناماً يصنعها لتذكره، وإنما يتذكر من كتاب الله، ويتذكر من أخبار الأنبياء، ويتذكر عظمة الله ، وينظر في ملكوت السماوات والأرض، كل ذلك من وسائل الذكرى، وليس من وسائل الذكرى هذا العمل الذي قاموا به. ولم تعبد في بداية الأمر، بل حين إذا هلك ذلك الجيل وجاء جيل آخر ونُسِيَ العلم، وفي لفظ: (نُسِخُ) بمعنى: محُيَ وقَلَّ وتناقص قليلاً قليلاً حتى زال بالكلية. فجاءهم الشيطان مرة أخرى -وهذه خطوات الشيطان- وقال لهم: انصبوا على أشكالهم صوراً حتى تذكركم بالعبادة، فلما نُسِيَ العلم جاء إلى الجيل الذي بعد وقال: إن آباءكم كانوا يأتون إليها فيسترزقون بها فترزقهم، ويستنصرون بها فتنصرهم، ويستسقون بها فتسقيهم، فعبدوها من دون الله . والأمران غلو، فحال الأوائل الذين وضعوا هذه الأصنام حتى تذكرهم غلو، ولكنه غلو لا يصل إلى الكفر الأكبر. والجيل الذي جاء بعد نسيان العلم كانت عبادتهم لهم من دون الله غلواً أيضاً، لكنه من الشرك الأكبر، وهذه قضية مهمة تدل على أن الشيء أحياناً قد يبدأ صغيراً ثم يتطور حتى يصبح أمراً كبيراً وخطيراً. كإنسان -مثلاً- رأى امرأة من بعيد، ثم اقترب منها وحاول أن يقنع نفسه بأنه يريد أن يدلها على طريق، فهذه درجة ربما تلحقها درجة أخرى، كأن يتكلم معها فيما لا داعي إليه، وربما تلحقها درجة أخرى، وهي أن يتعرف عليها، وربما تلحقها درجة أخرى، وهي أن يقع في الفاحشة معها، والعياذ بالله. وهكذا تبدأ الأمور بهذه الطريقة، وهذه هي القاعدة التي سبق أن بينت، وهي قاعدة سد الذرائع، ولهذا لا يجوز الاختلاط، ولا يجوز أن تكون مدارس البنات قريبة من مدارس الأولاد مثلاً؛ لأن هذا ذريعة ووسيلة إلى الزنا والعياذ بالله، ولأنه عندما تخرج الفتاة من هذا الباب ويخرج الشاب من هذا الباب يراها وتراه، وقد لا يكون في اليوم الأول مشكلة، وفي اليوم الثاني يأتي الشيطان إلى كل واحد منهما، وفي اليوم الثالث يحصل شيء آخر، ويترقى الأمر مع الأيام حتى يصل إلى درجة لا تحمد عقباها. ولهذا ينهى أهل العلم دائماً عن الذرائع التي توصل إلى الأخطاء، والتي توصل إلى المش

стр. 73

الغلو في قبور الصالحين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله. روى مالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: (اللهم لا تجعلي قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)]. اتخاذ القبور مساجد سبق أن أشرنا إليه، وهو الصلاة عندها واتخاذها مكاناً للتعبد، أو دفن الصالحين أو العظماء في المساجد، بحيث تصبح المساجد مثل المقابر، وكل هذا لا يصح، وهو من الغلو في الصالحين الذي يوصل إلى عبادتهم. وصحيح أنه ليس عبادة للصالحين، ولكنه يوصل إلى عبادتهم، وهو وسيلة وذريعة من ذرائع الشرك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولـ ابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم:١٩] قال: كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره]. اللات هو رجل كان يَلُتُّ السويق للحُجَّاج، فمات فعظموه وعكفوا على قبره، ثم عبدوه في آخر الأمر من دون الله كما حصل في قوم نوح. ومن أمثلة الغلو: البناء على المقابر واتخاذ القباب عليها، وهذا مما ابتلي به كثير من بلاد المسلمين مع الأسف، بحيث تمر أحياناً بمقبرة في بلد من بلاد المسلمين فتظن أنك في حي فيه بيوت كاملة، وإذا هي مقبرة لها باب، ويجتمعون عند القبر، وقد يدعون الله عند صاحب القبر حتى يكون هذا أدعى في الإجابة، وكل ذلك من وسائل الشرك، وهو من اتخاذ القبور مساجد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج. وعن ابن عباس قال: (لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)]. المراد بالمتخذين عليها المساجد أن يأتي شخص إلى قبر رجل صالح ويبني عليه مسجداً للعبادة، وقد سبق أن أشرنا إلى أن هذا من وسائل الشرك. والسرج إنارة القبور، وما زال الناس -مع الأسف- يخترعون أنواعاً متعددة من المبالغات الغريبة عند قبور الصالحين، مثل بناء القباب عليها، ومثل وضع صناديق للنذور عندها، بل وصل الحال في بعض البلاد إلى أن جُعِل لها نظام خاص تابع للأوقاف، فالأوقاف تشرف على المساجد وتشرف على المقابر أيضاً، بحيث إن زوار المقابر يكون لهم طريقة معينة في زيارتها، وإذا كان عندهم صدقات تأخذها وزارة الأوقاف وتعتني بها عناية غير عادية، مع أن المقابر لم يكن يُعَملُ لها هكذا في زمن النبي ﷺ وأصحابه. وسيأتي معنا أن علي بن أبي طالب أرسل أبا الهياج الأسدي على ما أرسله عليه النبي ﷺ ، ومن وظائف هذا الإرسال ألا يجد قبراً مشرفاً إلا سواه. أي: لا يكون القبر مرتفعاً، فكيف ببناء والمساجد والقباب عليها؟! فهذا الباب كله يتعلق بموضوع الغلو في الصالحين، والغلو في الصالحين وسيلة من وسائل الشرك، وهو مثل الباب الذي قبله.

стр. 74

التطير والتشاؤم التطير معناه: التشاؤم بالطير، وقد كانت هذه عادة من عادات الجاهليين؛ أي: أنهم يتشاءمون بالطير، فإذا أراد أحدهم السفر فاعترض له نوع من أنواع الطير فإنه يرجع من سفره؛ لأنه يظن أن وجود هذا الطير في هذا الطريق علامة على أنه سيقع له في سفره مكروه، وقد يتفاءلون بالطير. وموضوع التطير يدخل في موضوع التشاؤم بما ليس عليه دليل، فهو من الوهم، ليس له حقيقة، وسمي تطيراً لأن أكثر أنواع التشاؤم عند العرب كان بالطيور، وبعض الناس اليوم قد يتشاءم بالرؤى والأحلام، وبعض الناس قد يتشاءم بالأشخاص، كأن يرى -مثلاً- رجلاً أعور، ففي الحال تنقلب الدنيا في وجهه، ويحصل له تعب نفسي، وربما يترك العمل، وربما يترتب على ذلك أمور كبيرة. وبعض الناس يتشاءم بالألوان، فيتشاءم من اللون الأسود، أو يتشاءم من اللون الأحمر، وبعض النساء تتشاءم من بعض الصفات أو الأشكال. إذاً: التشاؤم كله وسيلة من وسائل الشرك؛ لأن التشاؤم ضعف في التوكل واعتماد على الوهم، وقد يتطور إلى اتخاذ أسباب ليست بأسباب حقيقة شرعاً ولا قدراً، فتشبه حالته حالة أصحاب التمائم والرقى الشركية والتبرك ونحو ذلك. فالمتشائم عندما يتشاءم من اللون الأحمر قد يسبب له هذا ردة فعل في بعض التصرفات، فبعض النساء تدخل مدرسة من المدارس فترى -مثلاً- في الفصل لوناً معيناً فإذا بها تترك المدرسة وتنتقل إلى مدرسة أخرى مثلاً. وأنواع التشاؤم لا يمكن حصرها، فكلٌ عنده خرافة معينة، فقد يتشاءم بشكل معين أو بوضع معين. وأساسها - كما قلت - هو ضعف التوكل وعدم الاعتماد على الله ، وعدم وضع الأسباب الشرعية والطبيعية في أماكنها الصحيحة، واتخاذ سبب وهو ليس بسبب، مثل أصحاب الخيوط، حيث يضع أحدهم خيطاً في يده ويظن أن هذا الخيط سيرفع عنه الحمى التي يشعر بها، وهذا يدل على ضعف التوكل عنده؛ لأنه اعتمد على هذا الخيط، مثل التشاؤم الذي يرد الإنسان عن مطلوبه بسبب من الأسباب، وهذا السبب ليس سبباً حقيقياً، بل هو سبب وهمي. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في التطير. وقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٣١]]. وجه الدلالة من هذه الآية هو أن الله ذم التطير، فأخبر أن طائرهم عند الله، أن أسبابهم وحوائجهم عند الله ليست معلقة بالطيور ولا معلقة بالأشجار ولا معلقة بالألوان، فهذا فيه ذم للتطير الذي كان عند الجاهليين. ووجه الدلالة الثاني أن التطير خصلة من خصال الكافرين، ولهذا كانوا يتشاءمون بالطيور وغيرها. قال المؤلف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس:١٩]]. هذه الآية قبلها قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس:١٨] يعني أن المشركين يقولون للأنبياء: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس:١٨] أي: تشاءمنا بكم، وأصبحتم شؤماً علينا ﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس:١٨]. فقال لهم الرسل: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس:١٩] يعني: تشاؤمكم لكم وفيكم، وأنتم سبب الشؤم؛ لأن سبب الشؤم هو المعصية، أما وجود الرسل فليس شؤماً، فالمعصية شؤم حقيقي دل عليه القرآن والسنة. قال تعالى: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ [يس:١٩] يعني: أبسبب أننا ذكرناكم تطيرتم بالوهم؟! ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس:١٩]. فهذا يدل على ذم التطير أولاً، ويدل على أنه من خصال المشركين ثانياً، ويدل على ضعف التوكل عندهم ثالثاً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر)]. قوله: (لا عدوى) هي انتقال المرض من جسد إلى جسد آخر، فالنبي ﷺ يقول: (لا عدوى) يعني: العدوى لا تنتقل بنفسها وبذاتها، وإنما إذا أراد الله انتقالها نقلها، وإن لم يرد فإنها بيد الله ، وقد كانوا يرون أن العدوى نتيجة حتمية لانتقال المرض من شخص إلى شخص آخر، ولهذا فإن العرب في الجاهلية قد يرتبون القتال في بعض الأحيان على مثل هذه الأمور، فقد يكون لأحدهم إبل كثيرة جداً، وآخر عنده بعير أجرب مثلاً، فيقاتلونه إذا جاء ببعيره الأجرب فأرسله في الجمال، وهذا لظنهم أن انتقال العدوى حتمي ولا بد. ولا يصح أن يورد المريض على الصحيح؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك قال: (لا يردن ممرض على مصح) فلا يصح أن يرد المريض على المصح؛ لأنه ربما يتحقق السبب، لكن الاعتقاد الفاسد الذي كان عند الجاهليين هو أن هذا السبب منتقل حتماً، فالنبي ﷺ يقول: (لا عدوى) يعني: لا عدوى تنتقل بنفسها (ولا طيرة) يعني: ولا تشاؤم؛ لأن الطير لم يعلق الشرع

стр. 75

حسن الفأل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهما عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل، قالوا: يا رسول الله! وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة)]. الفأل عكس الطيرة، فالطيرة تشاؤم، والفأل أمر يدعو الإنسان إلى الإقبال على العمل. فكأن النبي ﷺ جعل الفأل بدلاً من الطيرة، فإذا كان ولا بد فليكن الفأل، لأنه يدفعك إلى العمل، وهو الكلمة الطيبة. فلو جاء اثنان عند مريض فبدأ بدأ يقول: فلان أصابه هذا المرض وهلك، وفلان من الناس أصابه هذا المرض وعمي، ويأتي بالأمور التي تخيف المريض، وقال كلمة طيبة حسنة خففت عن هذا المريض، فأيهما أفضل؟ لا شك في أن الكلمة الطيبة هي الأفضل، وهي التي تدفع الإنسان لبناء حياته بناء صحيحاً؛ لأن طبيعة النفس الاتجاه نحو التشاؤم أو التفاؤل. فالتفاؤل أعظم من التشاؤم وأحسن منه وأفضل منه ولا بد، والتشاؤم يكون بحسب الحال، فقد يكون الشيء شؤماً قدراً أو شؤماً شرعاً، والتفاؤل يبني النفس، والتشاؤم يحطم النفس، ومثال ذلك السرطان، فهو -في الغالب- مرض مميت، وهذا بقدر الله، وهو سبب من الأسباب، فهناك أمراض مميتة، وهناك أمراض غير مميتة، وأمراض يرجى برؤها، وأمراض لا يرجى برؤها. فلو أن إنساناً جاء عند مريض بالسرطان، وبدأ يعد له أسماء الذين ماتوا من السرطان، فإن هذا يدفعه إلى الانزعاج، وهو من التشاؤم، والتشاؤم بالسرطان معناه الانزعاج منه، وهو أمر ليس فيه إثم؛ لأن السرطان مرض مميت، وهو سبب من الأسباب القدرية، وليس وهماً، وليس مثل الطير، فالطير ليس له أي أثر، فعندما يأتي طير فيقف هنا أو يقف هناك، فإن بعضهم إذا رآه وقف عن يمينه أخذ منه أنه سينجح في عمله، وإذا رآه وقف عن يساره قال: سأخفق في عملي، وهذا خطأ، ولذلك قال ﷺ : (يعجبني الفأل)؛ لأن الفأل يدفع الإنسان إلى العمل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولأبي داود بسند صحيح عن عروة بن عامر قال: (ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: أحسنها الفأل ولا ترد مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك)]. إذاً: يمكن أن نقسم التشاؤم إلى قسمين: تشاؤم بأسباب طبيعية حقيقية. وتشاؤم بأوهام. فالذي يوصل إلى الشرك -أو هو سبب في الشرك- هو التشاؤم بالأوهام، وأما التشاؤم بالأسباب الطبيعية فهو موضوع هذا الحديث، يقول عقبة بن عامر: (ذكرت الطيرة عند النبي ﷺ يعني: التشاؤم بأسباب حقيقية فقال: (أحسنها الفأل) يعني أن التفاؤل وبناء الإنسان لنفسه أفضل من التشاؤم. (ولا ترد مسلماً) يعني: لا ترد مسلماً عن أمر من الأمور التي يريدها مهما كان هذا التطير. قال: (فإذا رأى أحدكم ما يكره) يعني: إذا رأى أمراً يكرهه فليقل هذا الدعاء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن ابن مسعود مرفوعاً: (الطيرة شرك، وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل)]. قوله: (الطيرة شرك) هذا نص صريح على أن التطير بالأوهام من الشرك، ويكون شركاً أكبر إذا ظن أن هذه الأوهام السببية حسب تصوره تفعل بذاتها، فهذا شرك أكبر. وإذا اعتقد أنها لا تفعل بذاتها، بل هي من الأسباب وليست في حقيقتها أسباباً شرعية ولا قدرية؛ فهذا من الشرك الأصغر. وإذا وقع في نفس الإنسان شيء من التطير فإنه ينبغي أن يجتهد في تربية نفسه على التوكل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولـ أحمد من حديث ابن عمرو: (ومن ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك، قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك)]. هذا ذكر آخر في التعوذ من الطيرة، وهي من الكفارات التي تكون للطيرة إذا خالطت النفس، وخطرت في البال. ولهذا يقسم العلماء التشاؤم والطيرة إلى قسمين: قسم يرد الإنسان عن عمله، فهذا لا شك في أنه من الشرك. وقسم هو حديث نفسي فقط، فهذا يذهبه الله بالتوكل وبالأذكار.
следующие страницы →