Полный текст (204 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الرد على شبهة حصر العبادة في التقرب إلى من يعتقد فيه الخلق والرزق
الشبهة الرابعة: تتعلق بمفهوم العبادة، فيقول القبوري: إن الشرك هو عبادة غير الله، وأنا لا أعبد هذه القبور ولا أعبد هذه الأضرحة، فنقول له: أنت تأتي فتذبح عندها، فيقول: هذا ليس عبادة، فنقول: أنت تأتي فتضع النذور عندها، فيقول: هذا ليس عبادة، فنقول: أنت تسجد لها، فيعيد ويقول: هذه كلها ليست عبادة، فنقول له: فما هو تعريف العبادة عندكم؟ فيقول: العبادة عندنا: هي أن تقدم الأعمال التعبدية لمن تعتقده خالقاً رازقاً أي: يربط الأفعال بالربوبية، وعليه لا يقع الشرك إلا في الربوبية فقط، أما في الألوهية فلا يمكن أن يقع الشرك استقلالاً، بل لا بد من أن يربطه بالشرك في الربوبية؛ لأن التوحيد عندهم هو توحيد الربوبية فقط، وأما الألوهية فليست داخلة في التوحيد، وإنما هي من الكمالات ومن الأمور المستحبات، وليست داخلة في أصل الدين.
والرد عليهم في هذه الشبهة يكون بأمور: أولاً: نبين لهم مفهوم العبادة الشرعي، ونبين لهم مفهوم العبادة في اللغة، وأن العبادة في اللغة لم تستخدم في الأفعال التي تقدم لمن يعتقد فيه الرزق، والخلق، والرزق، والتدبير، والربوبية، وإنما التعبد في اللغة هو التذلل، والخضوع، فهي مأخوذة من قولنا: طريق معبد: إذا ذللته الأقدام بكثرة المسير عليه.
وهكذا في عامة لغة العرب، فليس فيها التعريف الذي جاءوا به.
ثم إذا جئنا إلى الشرع سنجد أن الله وصف المشركين بأنهم يعبدون غير الله مع أنهم يقرون بأن الله هو الخالق، الرازق وحده، ولا يصرفون لآلهتهم الربوبية، ولهذا فهم يعترفون حقيقة بأنهم لا يضرون ولا ينفعون، ولكن يريدون منهم الشفاعة، والوساطة عند الله .
ونقول لهم: إن الله يقول: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، فهل الصلاة إذا صليت لله عبادة؟ فسيضطر إلى أن يقول: نعم، فنقول: هل الذبح لله يوم عيد النحر عبادة؟ فسيقول: نعم هو عبادة، فنقول: إذا صرفتها لله اعتبرتها عبادة، وإذا صرفتها لغير الله لا تعتبرها عبادة! من أين لك هذا التفريق؟! فهذا التفريق ليس له مسوغ وليس عليه دليل، وإنما هو تحكم وهوى.
والرد الآخر: بيان حقيقة عبادة المشركين، وأنهم وقعوا في شرك الدعاء والذبح وطلب الشفاعة من دون الله كما سبق بيانه.
стр. 142
الرد على شبهة إثبات الشفاعة للنبي ﷺ لطلبها منه في الدنيا
الشبهة الخامسة: شبهة طلب الشفاعة، فإنهم يقولون للموحد: هل تنكر شفاعة الرسول ﷺ ؟ فيقول لهم الموحد: لا، فيقولون له: إذاً: نحن نطلب الشفاعة من الرسول ﷺ الذي يملك الشفاعة.
والرد عليهم أن نقول: إن النبي ﷺ لا يملك الشفاعة الآن ولا يملكها في القبر، وإنما يملكها يوم القيامة بعد أن يسجد بين يدي الله ويدعو بما ييسره الله له، ثم يقول الله له: (ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع)، أما قبل ذلك فإنه لا يملكها.
فإذا قال لنا: ما هو الدليل على أن النبي ﷺ قبل ذلك لا يملكها؟ نقول: الله يقول: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤]، فالله يحصر الشفاعة له، فهو مالك الشفاعة لا يعطيها إلا يوم القيامة في وقت محدد، وبناء على هذا فالذي يطلبها منه في الدنيا فإنه يطلب من الرسول ﷺ مالا يملك، وكذلك الذي يطلبها من المقبور يطلبها ممن لا يملك هذه الشفاعة.
ولهذا لم يطلب أحد من الصحابة رضوان الله عليهم الشفاعة من النبي ﷺ في حياته وهو حي، وإنما كانوا يطلبون منه أن يدعو الله لهم، أما الشفاعة فإنها تكون يوم القيامة.
الرد الثاني: أن يوم القيامة لا يشفع فيه الرسول فقط، بل الملائكة يشفعون، والشهداء يشفعون، والصالحون يشفعون، والعلماء يشفعون، فلماذا لا تطلبون هذه الشفاعة منهم الآن أيضاً؟! فإن قالوا: نعم نطلبها منهم الآن، نقول: وقعتم في الشرك الذي وقع فيه المشركون، كما قال الله : ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨]، وحينئذ يلزمكم أن تعبدوا وأن تطلبوا الشفاعة من هؤلاء جميعاً، وهم لا يقولون بذلك، وإن قالوا: إنا لا نطلب من هؤلاء الأولياء من الصالحين والشهداء والملائكة الشفاعة الآن؛ لأنهم لا يملكونها الآن، فإننا نقول: وكذلك النبي ﷺ لا يملكها الآن، وإنما يملكها يوم القيامة، والدليل على أن النبي ﷺ وغيره لا يملك الشفاعة الآن هو أن الله بين أن الشفاعة عنده لا تنفذ ولا تنفع إلا بإذنه، فإذا كان الإنسان يطلبها من النبي ﷺ الآن وتحصل له فما هي فائدة ربطها بالإذن؟! فهذا يدل على أن الشفاعة لا تملك الآن.
الوجه الثالث: أن النبي ﷺ ذكر في قصة الحشر والبعث يوم القيامة إذا اجتمعوا بين يدي الله قوله: (أنا أول شافع وأول مشفع)، والأولية هنا في قوله: (أنا أول شافع)، تدل على أنه لو كان هناك أحد يشفع الآن في زمن البرزخ أو في زمن الحياة لما كان هو الأول، فقوله: (أنا أول شافع) يدل على أن الشفاعة لا تكون إلا يوم القيامة بعد إذن الله ورضاه عن المشفوع.
وهذا يدل على أن عقيدتهم في الشفاعة عقيدة فاسدة وباطلة، ونحن لا ننكر الشفاعة المثبتة التي أثبتها الله وأثبتها الرسول ﷺ بشروطها الشرعية يوم القيامة بعد إذن الله ورضاه عن المشفوع، وأما طلبها الآن فلا شك في أنه شرك؛ لأنه طلب من المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله .
стр. 143
الرد على شبهة حصر الشرك في صرف العبادة لمن تُعتقد ربوبيته
الشبهة السادسة: خلل في مفهوم الشرك، كما أن عند القبوريين خلل في مفهوم التوحيد، حيث اعتبروا التوحيد هو توحيد الربوبية فقط، وأن التوحيد الذي يكون الإنسان به موحداً هو أن يعتقد أن الله هو الخالق، الرزاق، المحيي، المميت وحده، ولو أنه عبد غير الله في الأعمال بدون ربط ذلك بالخلق والإيجاد، فلا يعتبرونه مشركاً.
وكذلك حصل الانحراف عندهم في موضوع الشرك، فجاءوا إلى مفهوم الشرك وقالوا: الشرك هو أن يصرف شيئاً من الأفعال والأعمال التعبدية لمن يعتقد فيه الربوبية، أما من لم يعتقد فيه الربوبية فليس صرف العبادة له بالشرك، ولهذا قالوا: نحن لسنا من المشركين ولو صلينا لأهل القبور، وسجدنا لهم، أو ذبحنا لهم، أو طلبنا الشفاعة منهم؛ لأننا نعتقد أنهم لا يملكون الخلق والرزق والتدبير، لأن الذي يملك ذلك هو الله، ونحن نقول لهم: إن اعتقاد امتلاك الخلق، والرزق، والتدبير شرك في الربوبية، وهو نوع من أنواع الشرك.
ومن أنواع الشرك أيضاً أن يصرف الإنسان نوعاً من أنواع العبادة لغير الله، كأن يطوف بقبر، أو يذبح لغير الله، أو يستغيث بغير الله، ولو كان لا يعتقد أنه هو الخالق والرازق؛ لأن المشركين كانوا لا يعتقدون أن الخالق والرازق هي تلك الأصنام، بل يعتقدون أن الخالق والرازق هو الله ، ومع ذلك بين الله أنهم وقعوا في الشرك عندما صرفوا لها شيئاً من أنواع التعبدات بالجوارح أو بالقلوب أو بالألسنة.
فعندما يقولون: نحن لسنا مشركين، نسألهم فنقول: ما هو الشرك؟ فإذا قالوا: الشرك عبادة الأصنام، نقول لهم: وما معنى عبادة الأصنام؟ وإذا قالوا: إن الشرك هو التعبد لغير الله، أو عبادة غير الله، نقول: وما معنى عبادة غير الله؟ فمثل هذه المصطلحات لا بد من تحريرها؛ لأن الخلاف بيننا وبينهم هو في مفاهيم هذه المعاني الشرعية، فهم يخالفوننا في مفهوم التوحيد، ويخالفوننا في مفهوم الإيمان، ويخالفوننا في مفهوم الشرك، ويخالفوننا في مفهوم الكفر، ويخالفوننا في مفهوم العبادة.
فلا بد من أن نعرف ماذا يعنون بهذه المصطلحات إذا قالوها؛ لأنهم قد يقولونها وفي أذهانهم مساحة معينة لها، ولها عندنا مساحة أخرى، فلا بد من الاستفصال، وهذه المسألة تسمى مسألة المصطلحات، وهي مسألة حساسة جداً، فلا بد من معرفة مراد المتكلم بهذا المصطلح، ففي اللغة العصرية الجديدة يقولون: لا بد من أن يكون عند الدعاة انفتاح فكري، فلا بد من أن نقول: ما معنى الانفتاح؟ بدلاً من أن نقول: عندنا انفتاح فكري، ونحن لا نعرف يعنون بهذا الانفتاح، فقد يقصدون بقولهم: ليس عندكم انفتاح معنى أنكم أناس منغلقون على الشريعة التي عندكم، وليس عندكم استعداد لأن تقتنعوا بالنظريات الغربية في الحياة الموجودة الآن، سواء في مجال العلوم الإنسانية مثلاً، أو الفلسفية، أو السياسة، أو في أي باب من الأبواب.
ومعنى هذا أن هؤلاء الذين يريدون الانفتاح يريدون أن نترك ديننا، وأن ننفتح على الغرب ونأخذ ما عندهم من العقائد الفاسدة باسم التنوير والتطوير، وحينئذ نكون منفتحين.
فنقول: هذا انفتاح لا نريده؛ لأنه انفتاح فاسد، وهو انفتاح يقتضي التخلي عن أحكام الشريعة، فإن ظننتم أن الشريعة نفسها لا تحث الإنسان على العلم والنظر والتفكير فهذا ظن فاسد، وظن سوء في الشريعة.
والشاهد هو أن المصطلحات لا بد من تحريرها وتحديدها عند المناقشة.
стр. 144
الرد على شبهة تكفير المشركين بغير عبادة الأصنام
الشبهة السابعة: هي أنهم قالوا: إن سبب تكفير الله للمشركين الأوائل ليس هو مجرد أنهم كانوا يعبدون غير الله كعبادة الأصنام، وإنما كانوا يكفرون بالقرآن، وبنبوة النبي ﷺ ، وبالإسلام، فكيف تشبهوننا بهؤلاء المشركين؟! فهؤلاء المشركين يكفرون بالقرآن ونحن نؤمن به! وهؤلاء المشركون يكفرون بنبوة النبي ﷺ ونحن نؤمن بها! وهؤلاء المشركون يكفرون بالإسلام ونحن نؤمن به! فكيف تشبهوننا بهؤلاء؟ فنقول لهم في الرد
و
الجواب
إن الإنسان لو كان مؤمناً بكل أحكام الدين ثم أنكر الصلاة فقط فهل يكون كافراً أم لا؟ والجواب: أنه يكون كافراً بإجماع العلماء.
ولو كان مقراً بكل شيء وأنكر الزكاة فهل يكون كافراً أم لا؟ ولهذا قاتل الصحابة الذين أنكروا الزكاة وسموهم مرتدين، ولو أن إنساناً أقر بكل شيء في أحكام الدين إلا أنه أنكر الحكم بما أنزل الله، وقال: لا نحكم بما أنزل الله فهل يكون كافراً؟ والجواب: يكون كافراً.
إذاً: لا بد من أن يعلم الإنسان أن كونه مقر بالقرآن، وبنبوة النبي ﷺ ، وبالإسلام، مع إنكاره لشيء واحد لا يعني أنه يكون غير كافر، فإذا أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة -ولو كان أمراً واحداً- فإنه يكفر، حتى ولو كان يقول: لا إله إلا الله، ويصلي، ويصوم، ويزكي، أو كان يعمل أي عمل من الأعمال الصالحة، ما دام أنه أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة ليس فيه خلاف ولا إشكال.
وأنتم -أيها القبوريون- أنكرتم عبادة الله ، وصرفتم العبادة لغير الله، فلو أقررتم بنبوة الرسول، وأقررتم بالقرآن، وأقررتم بكل أحكام الإسلام، ثم صرفتم العبادة لغير الله ، فهذا وحده كاف في أن يكفركم وأن يخرجكم من الدين.
ولهذا فإن كثيراً من الناس يشغب على أهل السنة ويقول: هؤلاء تكفيريون، وهؤلاء يشتغلون بالتكفير، ونحن نقول: إن أي دين ليس فيه تكفير فإنه ليس بدين، إذ لا بد من أن يكون له حياض، وإلا فلو أن إنساناً جاءنا وأنكر نبوة النبي ﷺ وكفرناه، فقال: لا تكونوا تكفيريين، فتركنا تكفيره، ثم جاء واحد آخر وأنكر القرآن فما كفرناه، ثم جاء آخر وأنكر وجود الله فما كفرناه، ثم جاء آخر وسب الله فما كفرناه، فإنه بهذه الطريقة لا يكون لنا دين أصلاً.
فنحن نكفر هؤلاء الذين أنكروا معلوماً من الدين بالضرورة وليقل الناس ما شاءوا، فلا يهمنا ذلك، بل ما يهمنا هو أننا منضبطون بالنصوص الشرعية، وأننا لا نكفر إلا من كفره الله، فلا نكفر اعتباطاً، وإنما نكفر من كفره الله ، وكفره الرسول ﷺ بالأدلة الواضحة البينة المقنعة التي ليس فيها إشكال ولا جدال.
والشيخ محمد بن عبد الوهاب في هذه الشبهة أطال الكلام في ذكر الأمثلة التي يكفر الإنسان بسببها، فذكر مثال الصلاة والحج والصيام وغير ذلك من الأحكام وأطال في ذلك وذكر أمثلة متعددة.
стр. 145
الرد على شبهة عصمة الدم والمال بنطق كلمة التوحيد
الشبهة الثامنة: هي شبهة المرجئة المشهورة، وهي أن من قال: لا إله إلا الله فإنه يعصم دمه وماله ولا يقتل ولا يكفر، واستدلوا على ذلك بحديث إنكار النبي ﷺ على أسامة بن زيد عندما قتل الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، والحديث هو أن النبي ﷺ قال لـ أسامة: (أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟!)، وذلك أن أسامة بن زيد تصارع مع رجل من المشركين في إحدى السرايا، فهرب المشرك من أسامة فطلبه أسامة، فلما علاه بالسيف قال: (لا إله إلا الله) فقتله، فلما جاء إلى النبي ﷺ وعلم النبي ﷺ بذلك قال: (أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟!) فقال: يا رسول الله! إنما قالها تعوذاً، يعني: قالها خوفاً من السيف، فقال: (أشققت عن قلبه؟).
ونحن نعامل الناس بالظاهر، فمن قال: لا إله إلا الله، فإنا نكف عنه القتل ثم نطالبه بالعمل، فإذا عمل بأحكام الإسلام صار من المسلمين، لكن لو قال: (لا إله إلا الله) ثم اشتغل بالكفر كأن -سجد لغير الله، أو مزق المصحف، أو نقض لا إله إلا الله بأي ناقض من النواقض- فإنه يكفر، فقول (لا إله إلا الله) يكفي في مسألة عصمة دم ونفس من قالها ابتداء، ثم ينظر في حاله، فإن أسلم واستمر على الإسلام وحسن إسلامه فهذا هو المسلم، وأما إذا لم يستمر على إسلامه، وارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام فإننا نستتيبه؛ فإن تاب وإلا قتل وهو غير مسلم.
فهذه شبهة ليست في مكانها، ولهذا أجمع الفقهاء على أنه الفقهاء لو أن إنساناً قال: (لا إله إلا الله) وجحد الصلاة فإنه يكفر، أو قال: (لا إله إلا الله) وجحد الصيام فإنه يكفر، ولو قال: (لا إله إلا الله) وجحد العبادة يكفر، ولو قال: لا إله إلا الله وجحد أي أمر من الأمور الشرعية فإنه يكفر بإجماع الفقهاء، ويقتل مرتداً، ولهذا فإن الفقهاء عندهم باب من أبواب الجنايات يسمى (باب حكم المرتد)، ويقولون فيه: إن الذي يرتد عن الدين يقتل ردة.
стр. 146
الرد على شبهة استغاثة الناس بالأنبياء يوم القيامة لفصل القضاء
الشبهة التاسعة: استدلوا بأن الناس -كما في حديث الشفاعة الطويل- يأتون يوم القيامة ويستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، وجاءت لفظة (يستغيثون) في صحيحي البخاري ومسلم، فقالوا: إذا كان الناس يستغيثون يوم القيامة بآدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وهم أنبياء، فلماذا تكفروننا إذا استغثنا بهم الآن؟ والجواب على هذا هو التفريق بين أنواع الاستغاثة، فالاستغاثة تنقسم إلى قسمين: استغاثة فيما يقدر عليه المخلوق، وهذا مباح ولا شيء فيه، واستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله .
فالاستغاثة التي يستغيث بها الناس يوم القيامة معناها أنهم جاءوا إلى الأنبياء وطلبوا منهم أن يدعوا الله ويطلبوا منه أن يخفف عنهم ما هم فيه.
فهذا من النوع المباح في الاستغاثة، وهو كما تستغيث بصديق لك ليعطيك مالاً، أو ليعطيك كتاباً وهو قادر عليه، فهذا لا شيء فيه، ويصبح معنى الاستغاثة حينئذ: طلب الغوث، وهو النجدة، ولهذا يقول الله : ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥].
يعني: طلب منه الغوث فيما يقدر عليه، وهو أن يمنعه من هذا الفرعوني الذي يريد أن يؤذيه.
стр. 147
الرد على شبهة عرض جبريل إغاثته على الخليل حين ألقي في النار
الشبهة العاشرة: هي قصة إبراهيم عندما ألقي في النار، ففيها أنه لما ألقي في النار اعترض له جبريل في الهواء فقال: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم ﵇: أما إليك فلا، فقالوا: لو كانت الاستغاثة شركاً لما عرضها عليه جبريل.
والجواب على هذا سهل جداً، وهو أن هذا الخبر ليس صحيحاً، ولم يرد بإسناد صحيح ولا ضعيف، فالخبر لا أصل له كما يعبر المحدثون، وهو مثل حديث (تعلموا السحر ولا تعملوا به) فهذا حديث لو بحثت عنه فلن تجد له أصلاً في الكتب التي خصصها العلماء للأحاديث الموضوعة.
والأمر الثاني: أنه لو تنزلنا وقلنا: إن هذا الحديث صحيح فإننا نقول: إن جبريل عرض له ما يستطيع عليه، وهو أن يأخذه من الهوى وهو قادر على ذلك، ولكن لا نحتاج إلى هذا التنزل؛ لأن هذا الخبر مكذوب ولا يصح، فلا يكون مقبولاً.
هذه هي الشبهات التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في هذا الكتاب الصغير المليء بالعلم والفائدة، وهو (كشف الشبهات).
ونكون بهذا قد انتهينا من موضوع شبهات القبوريين، وهي أكثر من هذا، ولكن اقتصرنا على هذا الكتاب لأننا لا نريد الإطالة.
стр. 148
الشفاعة وأقسامها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الشفاعة: وقول الله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام:٥١]، وقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤]، وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ:٢٢].
وقال أبو العباس: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك، أو قسط منه، أو يكون عوناً لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأخبر النبي ﷺ أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، وقال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: (من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه).
فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله، وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود.
فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بين النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص.
انتهى كلامه].
هذا النص مأخوذ من (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة)، وبهذا يتبين من خلال النصوص الواردة في الشفاعة أنها تنقسم إلى قسمين: شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة.
فأما الشفاعة المنفية: فهي الشفاعة التي ادعاها المشركون، وأما الشفاعة المثبتة: فهي الشفاعة الثابتة في القرآن والسنة بشروطها، وهي: الإذن، والرضا عن المشفوع بأن يكون من أهل التوحيد، ويكون ذلك يوم القيامة.
стр. 149
التوسل وأقسامه
التوسل معناه: الدعاء والطلب بوسيلة.
والتوسل ينقسم إلى قسمين: توسل مشروع، وتوسل ممنوع.
стр. 150
التوسل المشروع
فأما التوسل المشروع: فهو التوسل -أولاً- بأسماء الله وصفاته، وثانياً بالإيمان والعمل الصالح، وثالثاً: بدعاء أحد الصالحين.
فهذه ثلاثة أنواع من أنواع التوسل المشروع، أما التوسل إلى لله بأسمائه الحسنى، فيقول الله فيه: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، فقوله: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] يعني: اطلبوه بها، وبواسطتها وبوسيلتها، كأن تقول: اللهم إنك أنت الرحمن الرحيم الواحد الأحد الفرد الصمد، فاغفر ذنبي، وهكذا.
النوع الثاني: هو التوسل إلى لله بالأعمال الصالحة، ومثاله قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، فدعا كل واحد منهم الله بصالح عمله.
النوع الثالث: هو التوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح، وهذا وارد في زمن النبي ﷺ ، إذ كانوا يأتون إلى النبي ﷺ ويطلبون منه أن يدعو لهم، كما في قصة حديث الأعمى على القول بأنه صحيح، فالأعمى جاء إلى النبي ﷺ وطلب منه أن يدعو الله له، فلما دعا الله سأل الله بسؤال النبي ﷺ وقال: (اللهم شفعه في وشفعني فيه) فهذه هي أنواع التوسل المشروع.
стр. 151
التوسل الممنوع
أما التوسل الممنوع فينقسم إلى قسمين: توسل بدعي، وتوسل شركي.
أما التوسل البدعي: فهو التوسل إلى الله بأي وسيلة من الوسائل غير الثلاث السابقة، مثل التوسل إلى الله بجاه فلان من الصالحين، أو بمنزلة فلان من الصالحين.
فهذه بدعة؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ الإذن فيها، والعبادات مبنية على التوقيف، ولا يصح للإنسان أن يشرع في دين الله ما ليس منه، فلا يصح للإنسان أن يدعو الله بجاه فلان من الصالحين أو بمنزلته، ثم إن جاه فلان ومنزلته ليس له أي ارتباط عملي وسببي من الناحية الشرعية ولا من الناحية الطبيعية، فليس هناك أي ارتباط.
وهناك نوع من أنواع التوسل فيه خلاف بين العلماء، وهو التوسل إلى الله بذات النبي ﷺ ، فهل يجوز للإنسان أن يتوسل إلى الله بذات النبي ﷺ فيقول: اللهم إني أسألك بمحمد ﷺ ، أو: أسألك بجاه محمد ﷺ ؟! فهذه الصيغة موطن خلاف بين العلماء، والصواب أنها لا تجوز؛ لعدم ورود الدليل الواضح الذي يدل على جوازها.
وغاية ما عند الذين أجازوا هذه الصيغة هو التعلق بحديث الأعمى، وحديث الأعمى فيه إشكالان: الإشكال الأول: أن الحديث لم يثبت عند كثير من العلماء.
الثاني: أن الحديث فيه غموض وفيه مواطن مشكلة.
ولهذا لا يصح الاستدلال بالحديث الذي فيه غموض ومواطن مشكلة في قضية عقدية كهذه، ولكن هل نتهم من يجوز الدعاء بجاه النبي ﷺ بالبدعة؟
و
الجواب
لا نتهمه بالبدعة.
فإن قيل: فما هو الفرق بين التوسل بجاه النبي ﷺ -بمعنى: دعاء الله بجاه النبي ﷺ وبين دعائه بجاه أي شخص آخر؟ قلنا: هناك فرق: فجاه غيره لم يرد فيه أثر ولا حديث، فهو بدعة.
وأما جاه النبي ﷺ فورد فيه حديث مشكل، فإذا اجتهد أحد العلماء وأجاز ذلك -لا سيما أنه ورد عن بعض الصحابة أنه كان يجيز ذلك- فيكون هذا من الاجتهاد الذي يعذر فيه صاحبه، لا نبدعه ولا نعصمه في نفس الوقت، وإنما نقول: الصواب هو ترك هذا لضعف حديث الأعمى، ولغموض الاستدلال به.
ثانياً: التوسل الشركي، وهذا -في الحقيقة- ليس توسلاً، وإنما أدخلناه في التوسل لأن القبوريين يسمونه توسلاً، والتوسل الشركي هو دعاء غير الله والاستغاثة بغيره، كدعاء الأولياء والأنبياء.
فنحن نقول: أولاً إن تسميتكم إياه توسلاً خطأ.
الأمر الثاني: إنكم لو سميتموه توسلاً فإنا سندخله في التوسل الشركي، فكونكم سميتموه توسلاً لا يعني أنه سيكون من نوع التوسل المشروع، أو أنه داخل في حديث الأعمى؛ لأن حديث الأعمى الدعاء فيه واضح لله، ففيه (اللهم إني أسألك)، وليس فيه (يا محمد! أدخلني الجنة وأخرجني من النار).
والاستغاثة بغير الله أمرها محكم، فهي من الشرك بغير خلاف بين العلماء المعتبرين، وأما القبوريون فلا يعتبر بهم في هذا الصدد، وخطأناهم في اعتبارهم الاستغاثة بغير الله توسلاً لأن التوسل معناه: الطلب بوسيلة، والاستغاثة معناها: الطلب مباشرة.
فالتوسل هو: طلب الله بوسيلة، والاستغاثة ليس فيها طلب لله أصلاً، وإنما الطلب فيها لغير الله، فلا تصح تسميتها توسلاً.
ولهذا ناقش هذه القضية كثيراً ابن تيمية ﵀ في الرد على البكري في كتاب (الاستغاثة والرد على البكري)، وفي كتاب (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة)، وفي: (الجواب الباهر)، وناقشه -أيضاً- أئمة الدعوة في كثير من كتبهم، وبينوا الخلط الوارد عند القبوريين في هذه المسألة، وأن الصحيح هو أن نقول: إن التوسل أصبح مصطلحاً مجملاً قد يريد به أشخاص معاني هي في الحقيقة ليست توسلاً، ولكنهم يسمونها توسلاً، فلا بد من التفصيل فيها.
فنقول: إن أردت بالتوسل دعاء غير الله فهذا ليس توسلاً، وهو شرك، وإن أردت بالتوسل دعاء الله بوسيلة فبحسب نوع الوسيلة، فإن كانت بالثلاث السابقة فهذا مشروع، وإن كانت بجاه النبي ﷺ فهذا فيه خلاف، والصواب عدم جوازه، وإن كانت بجاه غير النبي ﷺ فهذا بدعة، وهو ليس من السنة في شيء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠]: ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠]، قال: يشركون.
وعنه: سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز.
وعن الأعمش: يدخلون فيها ما ليس منها].
سبق أن تحدثنا عن الشطر المتعلق بإنكار الأسماء والصفات في موضع سابق، وأما ما يتعلق بالتوسل فهو واضح في الآية: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وهذا نوع من أنواع التوسل المشروع كما سبق بيانه.
стр. 152
الأسئلة
стр. 153
خرافة سماع صوت امرأة عن طريق التلفون تعذب بسبب تركها للصلاة
السؤال
انتشرت شائعة بين الناس أن هناك رقماً يتصل به فيُسمع صوت امرأة تعذب بسبب تركها للصلاة، وقد سجل حارس ثلاجة هذا، فما رأيكم في هذا؟
الجواب
هذه خرافة من الخرافات، ولو كانت موجودة فلا يصح أن تنتشر بين الناس، وانتشار الخرافة بين الناس صار بشكل عجيب، ومثل هذا الرقم يجب أن يوقف من شركة الاتصالات.
وهناك خرافة ثانية انتشرت أيام تدمير برجي التجارة العالمي في الحادي عشر من سبتمبر، حيث يقولون: إن هذا التدمير وارد في القرآن، واستدلوا بأرقام الآية، وهي: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة:١٠٩].
فأخذوا كلمة (انهار) وقالوا: هذه الكلمة في هذه الآية هي في الجزء الحادي عشر، ورقم السورة تسعة، وسبتمبر هو الشهر التاسع، إذاً: هي المقصودة.
وهذا عبث في تفسير كلام الله ، وهو أمر خطير على عقيدة الإنسان، وبعضهم قد يصنع ذلك بحسن نية، لكنه جاهل، والواجب أن مثل هؤلاء الجهال لا يتكلمون، ولو أن كل جاهل سكت أو سأل من هو أعلم منه لما حصل في الناس مشاكل.
стр. 154
كيفية التوسل بدعاء الصالحين
السؤال
نريد مثالاً واحداً على كيفية التوسل بدعاء الصالحين؟
الجواب
مثال ذلك أن تأتي إلى أحد الصالحين ليدعو لك، وبعد أن يدعو لك تدعوا الله وتقول: اللهم إني أسألك بدعاء الرجل الصالح الذي دعاك أن تقبل هذا الدعاء ولكن بعد أن يدعو لك ذلك الرجل الصالح.
стр. 155
الحكم على حديث: (إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي)
السؤال
ما رأيكم فيمن استدل بحديث: (إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم)؟
الجواب
هذا الحديث غير صحيح.
стр. 156
بيان معنى الوسيلة
السؤال
ما معنى قوله: (اللهم آت محمداً الوسيلة)؟
الجواب
الوسيلة: هي منزلة عند الله لا تكون إلا لعبد واحد، وكان النبي ﷺ يرجوها.
стр. 157
توجيه معنى استسقاء عمر بالعباس
السؤال
ما قولكم في حديث عمر أنه استسقى بـ العباس ﵁؟
الجواب
المراد باستسقائه طلب منه الدعاء، إذ جاء إلى العباس وقال: ادع الله أن يسقينا، فرفع العباس يديه ودعا الله ، ودعا الناس بدعائه، فسقاهم الله ، وهذا نوع من أنواع التوسل المشروع، وهو التوسل بدعاء الصالحين، ولم يدعوا الله بجاه النبي ﷺ مع أنهم كانوا في المدينة، وجاه النبي ﷺ له منزلة، مما يدل على أن تركهم كان مقصوداً.
стр. 158
أسس دعوة أصحاب الشبهات من أهل البدع
السؤال
كيف ندعو الشيعة إلى الله ، خاصة الزيدية، حيث يكثرون في الحرم؟
الجواب
دعوة أصحاب الشبهات تحتاج إلى تأهيل علمي قبل أن تدعوهم، وبحيث تكون لديك القدرات العلمية في معرفة العقيدة الصحيحة والرد على الفرق، فتستطيع أن ترد عليهم، ويكون عندك منطق وحجة وقدرة على الحجاج والمناقشة.
أما أن تتعرض لأهل البدع وأهل الضلالة المنحرفين وليس عندك علم فقد تقع في الغواية والعياذ بالله، والإنسان لا يجعل دينه عرضة للخصومات كما قال عمر بن عبد العزيز.
стр. 159
الرد على الاستدلال بحياة الرسول في قبره على الاستشفاع به
السؤال
ما رأيكم فيمن يقول: إن النبي ﷺ حي في قبره فلذلك نحن نتقرب إلى الله ونتوسل بالنبي ﷺ ليشفع لنا، وكيف ترد عليه؟
الجواب
نقول: لو كان النبي ﷺ حياً في قبره فإنه ليس هناك ارتباط سببي بيننا وبينه، سواء من الجهة الشرعية أو من الجهة الطبيعية.
ولهذا فالقبر كان موجوداً عند الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يثبت أن أحداً من الصحابة كان يأتي إليه ويطلب منه الوسيلة أو يطلب منه الدعاء كما كانوا يأتونه في حياته ويطلبون منه الدعاء، وبناء على هذا يعرف أن هذا الكلام ساقط ولا يصح الاعتماد عليه.
стр. 160
حكم الحكم بغير ما أنزل الله
السؤال
هل نكفر من يحكم بغير ما أنزل الله، أم نقول: هي كفر دون كفر؟
الجواب
الحكم بغير ما أنزل الله أنواع وليس نوعاً واحداً، وكل نوع له حكمه الشرعي، فالذي ينكر الحكم بما أنزل الله كافر، والذي يستحل الحكم بغير ما أنزل الله كافر، والذي يعرض عن الحكم بما أنزل الله إعراضاً تاماً ويستبدله بشريعة يضعها من عنده ويشرع للناس كافر.
أما الحاكم القاضي الذي يقر بأحكام الله ، ولكن يحكم في المسألة والمسألتين لهوى وشهوة في نفسه فإنه لا يكون كافراً؛ لأنه معترف بأن أصل الحلال والحرام من عند الله ، ولم ينقض هذا الاعتراف بفعله، وفعله من جنس الذنوب والمعاصي.
стр. 161
ما يجزئ المرء في دينه
السؤال
ما حكم من يصلي ويصوم ويزكي ويتصدق ولا يعرف منهج التوحيد، مثل كبير السن؟
الجواب
لا يشترط أن يقرأ كتاب التوحيد، بل يكفي أن يعرف أن الله واحد، وأن العبادة يجب أن تصرف لله ، ولا يجوز أن تصرف لغيره ، ولا يشرط أن يكون كاتباً ولا دارساً ليكون موحداً.
стр. 162
حكم تكفير المسلم
السؤال
إذا قال شخص لآخر: (يا كافر) فهل معناه الكفر المخرج من الملة؟
الجواب
الواجب هو الابتعاد عن التكفير بغير علم، فلا يجوز للإنسان أن يتهم أخاه بالكفر، فإن النبي ﷺ قال: (من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما)، يعني: إما أن تقع عليه فعلاً إذا كان كافراً، وإما أن ترجع وتقع عليك إذا لم يكن كافراً.
стр. 163
حكم السفر إلى دول الكفر لطلب العلم
السؤال
ما حكم السفر إلى دول الكفر لطلب العلم؟
الجواب
هذا فيه تفصيل، والأصل هو جواز الذهاب إلى بلاد الكفر للتعلم لحاجة، وأما لغير حاجة فالأصل عدم الجواز.
стр. 164
حكم سؤال الله شفاعة النبي ﷺ
السؤال
لو دعا رجل وقال: اللهم شفع في نبيك محمد ﷺ ، أو قال: اللهم ارزقني شفاعة نبيك محمد ﷺ ، فما حكم دعائه؟
الجواب
هذا جائز؛ لأن هذا دعاء لله، وهذا لم يطلب الشفاعة من الرسول ﷺ ، وإنما طلبها من الله المالك لها.
стр. 165
حكم قتل الكافر وأخذ أمواله
السؤال
هل يجوز اغتيال الكافر وأخذ أمواله؟
الجواب
الكافر ليس نوعاً واحداً، بل الكفار أنواع، فهناك كافر محارب، وهذا يجوز قتله وأخذ ماله، ويكون ماله غنيمة، وهناك كافر بيننا وبينه عهد وميثاق؛ فهذا لا يجوز أن نقاتله إلا إذا نبذنا إليه عهده، أي: أخبرناه أنه لا عهد بيننا وبينه، وهناك نوع آخر من أنواع الكفار، وهم الرسل الذين يأتونا من الكفار برسالة معينة في قضية معينة، وهؤلاء لا يجوز قتلهم.
وهناك الكافر المستأمن، وهو كمن يأتي ليعمل في شركة من الشركات وبينه وبين الحكومة عقد وله أمان، فهذا لا يجوز قتله.
ونحن أمة الإسلام لا نغدر ولا نخون، والقتل في حد ذاته ليس هدفاً مقصوداً، وإنما المقصود هو كسر شوكة الكفر والكافرين، ولهذا ينبغي التنبه لهذه المسألة، فالكفار ليسوا صنفاً واحداً، فنحن عندما نتحدث عن الكفار وأنه يجوز قتلهم وأخذ أموالهم، وأنهم أعداء لله ولرسوله فهذا صحيح في الجملة، لكن عند التفصيل العملي نقول: الكافر إذا كان مستأمناً لا يجوز قتله؛ لأن هذا خيانة وغدر، فإذا كان بينك وبينه عهد فلا بد من أن تنبذ إليه وتخبره بأنه ما عاد بيني وبينك عهد، ثم تقاتله، أما إذا كان كافراً حربياً في أرض المعركة فإنه يجوز قتله، ولا إشكال في ذلك.
стр. 166
كتاب التوحيد [٨]
الشرك كما يقع بالعمل والاعتقاد يقع كذلك بالألفاظ، وعامة شرك الألفاظ تعتبر من الشرك الأصغر، وهو أنواع كثيرة يدخل فيها الحلف بغير الله، والتشريك بين الله وخلقه في الألفاظ، وإضافة الأشياء إلى غير الله، وعدم تعظيم الله تعالى في الدعاء ونحو ذلك.
ومنه الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، وهذا من الشرك الأكبر عياذاً بالله.
стр. 167
تعظيم قول اللسان وخطره
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد: فهذا هو الدرس الأخير الذي به نختم كتاب التوحيد للشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.
وهذا الدرس -إن شاء الله- سيكون محوره حول شرك الألفاظ، وقبل أن نستعرض الأبواب الموجودة في شرك الألفاظ أحب أن أنبه إلى مجموعة من القواعد المتعلقة بشرك الألفاظ، وقبل أن نبدأ بهذه القواعد أحب أن أمهد بقضية مهمة جداً، وهي قضية تعظيم قول اللسان وخطره.
فنحن نعلم أن الإنسان يحاسب على ثلاث جوارح، أولاً: القلب، ثانياً: جوارحه الظاهرة، ثالثاً: قول اللسان، يقول الله : ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦] ويقول الله : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] فكل كلمة يتكلم بها الإنسان هو مسئول عنها يوم القيامة.
وجاء في حديث معاذ ﵁ أن النبي ﷺ لما أخبر بخطر اللسان قال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: (ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم) فاللسان خطره عظيم، وكثير من الناس يتساهل في كلام اللسان وهذا خطأ، فالنكاح واستحلال الفروج يكون باللسان، والطلاق يكون باللسان، والكفر يكون باللسان، والإسلام يكون باللسان، فالإنسان يقول: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) فيدخل في الإسلام، ولو لم يقلها -حتى ولو كان مصدقاً بقلبه- لما دخل في الإسلام، والكفر يكون باللسان أيضاً، مثل الاستهزاء بالله أو برسله أو بآياته أو نحو ذلك، فهذا كله من الكفر ويكون باللسان، فاللسان شأنه شأن بقية الجوارح يحاسب عليه الإنسان استقلالاً.
ونقرأ أحياناً بعض الكلمات التي قد يتساهل بعض الناس فيها، فيستغرب الإنسان من اعتبارها من الشرك مع أنها أصبحت عادة كثيرٍ من الناس مع الأسف الشديد.
ونقول: نعم هذه من الشرك، وسيحاسب الإنسان عليها حتى ولو اتخذها بعض الناس عادة، وأصبحت أمراً مألوفاً في كلامه وخطابه.
إذاً: لا بد من أن يضبط المرء كلامه كما يضبط جوارحه وكما يضبط أعمال قلبه، فكل هذه الجوارح لا بد للإنسان من أن يضبطها بكلام الله وكلام رسوله ﷺ .
стр. 168
قواعد عامة في دراسة شرك الألفاظ
وهناك مجموعة من القواعد سأشير إليها في محور شرك الألفاظ: القاعدة الأولى: تعتبر عامة شرك الألفاظ من الشرك الأصغر؛ لأنه ليس فيه عبادة تصرف لغير الله ، إلا الدعاء والاستغاثة وما يتبع ذلك من العبادات.
أما الشرك الذي ستأتي الإشارة إليه، مثل قوله: لولا الله وفلان، وما شاء الله وشئت، ومثل التعبيد بغير الله، كعبد الكعبة وعبد الحسين ونحو ذلك، فكل ذلك لا يصل إلى الشرك الأكبر؛ إذ ليس في ذلك عبادة تصرف لغير الله ، فهي من جنس الشرك الأصغر، إلا الدعاء بضوابطه التي سبق أن أشرنا إليها، وكذلك الاستغاثة والاستعانة والاستعاذة، فهذه كلها جنس واحد تدخل في عموم الدعاء، فتكون شركاً أكبر بالضوابط التي سبق أن أشرنا إليها.
القاعدة الثانية: أن شرك الألفاظ أنواع، وقد حاولت أن أحصر الأنواع الموجودة في كتاب التوحيد في أربعة أنواع.
النوع الأول: الحلف بغير الله، والنوع الثاني: التشريك بين الله وخلقه، والنوع الثالث: إضافة الأشياء إلى غير الله، والنوع الرابع: عدم تعظيم الله ، فهذه الأنواع الأربعة تجتمع حولها جميع الألفاظ التي ذكرها الشيخ في كتاب التوحيد من الألفاظ الشركية، ولهذا سيأتي معنا عند الحديث التفصيلي أمثلة، وسنرد كل مثالٍ من هذه الأمثلة إلى واحد من هذه الأنواع الأربعة، فإما أن يكون حلفاً بغير الله، وإما أن يكون تشريكاً في اللفظ بين الله وبين خلقه، سواءٌ أكان بالواو أم بالتعبيد أم بغيرهما كما سيأتي معنا، وإما أن يكون إضافة أسباب وأشياء إلى غير الله ، وإما أن يكون عدم تعظيمٍ لله ، وعدم معرفة لقدره ومكانته .
القاعدة الثالثة: أن الألفاظ الشركية التي ذكرها الشيخ تنقسم إلى قسمين: قسم يمكن اعتباره شركاً بدون النظر إلى قصد قائله، مثل الحلف بغير الله، والاستهزاء بكلام الله أو بكلام رسوله ﷺ أو نحو هذا.
وقسم يفتقر إلى معرفة قصد صاحبه، مثل إضافة بعض الأشياء إلى غير الله بـ (لولا) أو (لو) أو نحو ذلك، فهذه يُحتاج إلى أن نعرف ما يقصد صاحبها، فهل يقصد تعظيم السبب أم لا؟ وستأتي الإشارة إلى ذلك عند الكلام المفصل.
القاعدة الرابعة: أن الألفاظ الشركية التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ تدخل في الشرك إذا قالها على سبيل التعظيم، أما من تعود على قولها من غير قصد التعظيم فإن بعضها يكون من جنس يمين اللغو، وهو منهي عنه، ويجب أن ينهى عنه.
ويمكن أن نختم هذه القواعد بالإشارة إلى أهمية معرفة أن قول اللسان منه ما يكون كفراً أصغر، ومنه ما يكون كفراً أكبر، كما أن أعمال الجوارح منها ما يكون كفراً أكبر، ومنها ما يكون كفراً أصغر، وكذلك أعمال القلوب منها ما يكون كفراً أكبر، ومنها ما يكون كفراً أصغر بحسب نوع القول أو الفعل أو الإرادة الشركية أو الكفرية، ولكن القاعدة الأولى أردت بها الألفاظ الشركية التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في هذا الكتاب كما سيأتي تفصيله بإذن الله تعالى.
стр. 169
ذكر ما يقع به الشرك من الألفاظ
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢].
قال ابن عباس في الآية: الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتِكِ يا فلانة، وحياتي، وتقول: لولا كليبةُ هذا لَأَتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلاناً، هذا كله به شرك، رواه ابن أبي حاتم.
وعن عمر بن الخطاب ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: (من حلف بغير الله فقد كفر، أو أشرك) رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم، وقال ابن مسعود: لأن أحلفَ بالله كاذباً أحب إليَّ من أن أحلف بغيره صادقاً.
وعن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان) رواه أبو داود بسند صحيح، وجاء عن إبراهيم النخعي أنه يكره أن يقول الرجل: أعوذ بالله وبك، ويُجوِّز أن يقول: بالله ثم بك، قال: ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا يقول: لولا الله وفلان].
نلحظ أن ابن عباس ﵂ فسر آية البقرة: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] بأن المراد بها الألفاظ الشركية، وهذا التفسير ليس المراد به الألفاظ الشركية فقط، وإنما هذا من باب التفسير بالنوع، فالسلف رضوان الله عليهم كانوا يفسرون بعض الآيات بذكر نوعٍ من أنواع المفسر، ومثال ذلك قول الله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] يقول بعض المفسرين في قوله: (بحبل الله): هو القرآن، وبعضهم قال: هو الإسلام، وبعضهم قال: هو الرسول ﷺ ، وطاعة الرسول ﷺ ، وبعضهم قال: هو اتباع هذا الدين، وهكذا يفسرون في بعض الأحيان المعنى المجمل بذكر نوع من أنواعه، وهو يدل على غيره، فهذا يسمى التفسير بالمثال.
فالألفاظ الشركية التي أشار إليها ابن عباس ﵁ هي جزءٌ من قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]، وهذا يدل على أن اللسان يقع منه الشرك كما يقع من الجوارح ومن القلب، وهذا فيه الرد على المرجئة الذين حصروا الشرك في القلب لحصرهم الإيمان والتوحيد في القلب فقط.
ونلحظ أن الأمثلة التي ذكرها ابن عباس ﵁ داخلة في الأنواع الأربعة السابقة التي أشرنا إليها، فقوله: (والله وحياتِك يا فلان، وحياتي) داخل في الحلف بغير الله، وسيأتي له باب مستقل، وقوله: (لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص) يدخل في إضافة الأشياء إلى غير الله .
فهو هنا أضاف النجاة من اللصوص إلى الكليبة، وهي سبب، وأضاف النجاة والابتعاد من اللصوص إلى البط، والبط سبب؛ لأنه إذا دخل اللصوص يرفع صوته ويصيح وينبه أهل الدار.
ولا يصح أن نطلق على هذه الألفاظ شركٌ مطلقٌ، بل لا بد من التفصيل، فإن كان صاحبها يريد بها السببية المجردة -وهي سبب في حقيقة- فإنها حينئذٍ لا تكون من الشرك، وأما إذا أراد الاعتماد على السبب وتعظيم هذا السبب وبيان أهميته ومكانته فهي داخلة في الشرك الأصغر.
إذاً: لا بد من التفصيل في مثل هذه المضافات، فإذا أضاف الإنسان شيئاً من الأشياء إلى غير الله فإنه ينظر: هل هو سبب في حصول هذا الشيء أم ليس بسبب؟ فإن كان سبباً فإنه ينظر إلى قصد قائله فهل هو معظم لهذا السبب أم ليس بمعظم لهذا السبب، فإن كان ليس بمعظم لهذا السبب فلا بأس، وإن كان معظماً له فهو داخل في الشرك الأصغر، وإن كان ما أسند إليه ليس بسببٍ شرعاً ولا قدراً فهو داخل في الشرك الأصغر، وهو يدخل فيما سبق التنبيه عليه في باب الرقية والتبرك والتمائم ونحو ذلك.
وقوله: (وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت) داخل في التشريك بين الله وخلقه بلفظ الواو، والواجب أن يقول: (ما شاء الله ثم شئت) وهذه أيضاً لا يصح أن يطلق عليها أنها من الشرك الأصغر مطلقاً، إلا إذا أضيف إليها شيء من التعظيم لهذا المقرون بلفظ الجلالة، أما إذا لم يكن له مراد إلا مجرد الحكاية اللفظية فإنه لا يدخل في عموم الشرك الأصغر، وإنما يكون من الألفاظ المنهي عنها والمكروهة، ولا من الألفاظ المحرمة والداخلة في الشرك الأصغر.
فقول الرجل: (لولا الله وفلان) دالٌ على التشريك في اللفظ، يقول ابن عباس: (لا تجعل فيها فلاناً، هذا كله به شرك) وهذا الأثر المروي عن ابن عباس إسناده حسن إلى ابن عباس، وهو محتج
стр. 170
الشرك بالحلف بغير الله وقول ما شاء الله وشئت
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب قول: ما شاء الله وشئت.
عن قتيلة: (أن يهودياً أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أردوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت) رواه النسائي وصححه].
هذا الحديث إسناده صحيح رواه أحمد أيضاً والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ووجه الدلالة فيه هو بيان نوعين من أنواع شرك الألفاظ: النوع الأول: هو التشريك بين الله وخلقه في اللفظ بحرف الواو، كقوله: ما شاء الله وشئت، وفيه تشريك من نوع آخر، وهو إضافة السببية إلى العبد، وقد تكون على سبيل التعظيم في بعض الأحيان، ولهذا نهى الشرع عن استخدام هذه العبارة.
والنوع الثاني: الحلف بغير الله، كقوله: والكعبة، فالكعبة مع أنها معظمة لا يجوز الحلف بها، وإنما يكون الحلف بالله ، ولهذا قال: [فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة وأن يقولوا: ما شاء ثم شئت].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وله -أيضاً- عن ابن عباس أن رجلاً قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، فقال: (أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده).
هذا الحديث رواه النسائي بإسناد لا بأس به، وقول النبي ﷺ : (أجعلتني لله نداً) يدل على أن الشرك يدخل في الألفاظ، فهذا الرجل قال: ما شاء الله وشئت، فقال ﷺ : (أجعلتني لله نداً؟!) يعني: أجعلت مشيئتي نداً لمشيئة الله ؛ لأنه قال: (ما شاء الله) وكان الواجب أن يقول: (ثم شئت)، أو ما شاء الله وحده، فقوله: (بل ما شاء الله وحده) أفضل من قول: (ما شاء الله ثم شئت)، ولكن قوله: (ما شاء الله ثم شئت) مباح؛ لأنه ليس فيه تشريك، فالمذموم هو (ما شاء الله وشئت)، فكيف بالذي يقول: ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار يقول هذا أحد الباطنية لزعيمٍ من زعمائهم، وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى كما قال علماء السنة.
قال: [ولـ ابن ماجة عن الطفيل أخي عائشة لأمها قال: (رأيتُ كأني أتيتُ على نفر من اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله، قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته: قال: هل أخبرت بها أحداً، قلت: نعم.
قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن طفيلاً رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمةً كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده)].
هذا الحديث مثل الأحاديث السابقة، فإن لفظة (ما شاء الله وشاء فلان) -سواءٌ أكان المقصود النبي ﷺ أم غيره- مذمومة من جهتين: الجهة الأولى: أنها تشريك مع الله بلفظ الواو.
الجهة الثانية: أن فيها إثبات مشيئة الإنسان وإرادته في أمر من الأمور، والواجب أن يُفرَد الله بها فيقال: ما شاء الله وحده.
стр. 171
الشرك في سب الدهر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب من سب الدهر فقد آذى الله، وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤].
وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار) وفي رواية: (لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر)].
المقصود بالدهر: الزمان والأوقات والأيام والليالي، فسب الدهر لا يجوز، والسبب في ذلك أن الدهر ليس له من الأمر شيء، ولا يعمل شيئاً بذاته، وإنما الذي يفعل هو الله ، وليس الدهر سبباً في تدبير شيء، فهذا أمر.
والأمر الثاني: أن الله بين كونه سباً مذموماً، فقال: (وأنا الدهر أقلب الليل والنهار)، فمن سب الدهر وهو غير مالكٍ لشيء، فإن السب يعود إلى الله المالك الذي دبر، فهو مذموم من ناحيتين.
الناحية الأولى: أن فيه نسبة لشيء من التصريف للدهر.
والناحية الثانية: أن هذا فيه سباً لله ؛ لأن الدهر -في الحقيقة- ليس له أي تأثير، فيعود السب إلى المؤثر الذي سُبَّ الدَّهرُ من أجل تأثيره.
وسب الدهر داخل في نوعين من أنواع الشرك: النوع الأول: التشريك بين الله وخلقه، ووجه التشريك في سب الدهر أن من سب الدهر فلا يمكن أن يسبه اعتباطاً، وإنما يسبه لأنه يعتقد أن له تأثيراً في شيء من الحوادث التي آذته والتي أزعجته.
النوع الثاني: عدم تعظيم الله ؛ لأن سب الدهر هو سبٌ لله ، يقول الله : ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] وهذا فيه نفي لوجود الله وتأثيره، ولهذا كانوا يقولون: ما هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع وما يهلكنا إلا الدهر، ولهذا كان يقول شاعرهم: أموتٌ ثم بعثٌ ثم حشرٌ حديث خرافةٍ يا أم عمرٍو يعني: لا يمكن أن يحصل شيءٌ من هذه الأشياء، ولهذا سموا دَهرية، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] فذمهم الله .
وجاء في الحديث الصحيح المروي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر)، فلا يؤخذ من قوله: (وأنا الدهر) ومن قوله: (فإن الله هو الدهر) أن الله اسمه الدهر، فليس من أسماء الله الدهر، ومن ظن أن من أسماء الله الدهر فقد أخطأ.
وممن استدل بهذا الحديث على أن من أسماء الله الدهر ابن حزم الأندلسي ﵀.
وقد أخطأ في ذلك، والسبب يعود إلى أمرين.
الأمر الأول: أن الدهر ليس فيه مدح وليس فيه ثناء، وإنما هو الزمان والوقت، والزمان والوقت ليس فيه مدحٌ ولا ثناء، والله وصف أسماءه بأنها حسنى، إذ يقول : ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، والحسنى على وزن (فعلى) يعني: التي بلغت الغاية في الحسن والجمال والكمال، والدهر ليس كذلك.
والأمر الثاني: أن النبي ﷺ بين معنى قوله: (وأنا الدهر)، فإنه قال: (وأنا الدهر أقلب الليل والنهار)، فالذي يأخذ من قوله: (وأنا الدهر) أن اسم الله هو الدهر يلزمه أن يعرب (وأنا الدهر) على أنها جملة تامة ليس لها أي ارتباط بالجملة التي تليها، وهي قوله: (أقلب الليل والنهار)، وهذا فهمٌ خاطئ للنص، فإن قوله: (أقلب) خبر ثانٍ، والمعنى: أنا المدبر لأمر الدهر، وليس المقصود أن اسمه الدهر.
стр. 172
الشرك في التسمي بقاضي القضاة وملك الملوك ونحو ذلك
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه.
في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله)، قال سفيان: مثل شاهنشاه، وفي رواية: (أغيظُ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه) قوله: (أخنع) يعني: أوضع].
هذا الباب فيه نهي عن التسمي بقاضي القضاة وما شاكله من الألفاظ، مثل (ملك الأملاك)، و (زعيم الزعماء) وهكذا، وقول سفيان: (مثل شاهنشاه) شاهنشاه لفظة فارسية يقصد بها ملك الأملاك، أي: الملك المطلق الكبير الذي يشرف على الملوك جميعاً، ووجه النهي عن هذه اللفظة، وعلاقتها بشرك الألفاظ هو أن فيها تشريكاً بين الله وخلقه، فمن يسمي ملكاً من الملوك قاضي القضاة فمعنى ذلك أن هذا الملك مشارك لله في القضاء المطلق، والله وحده هو الذي يقضي بين العباد، ولهذا سيأتي معنا النهي عن التسمي بالحكم؛ لأنه اسم من أسماء الله ، ومعناه أيضاً خاصٌ بالله .
والحديث في الصحيح، والمنهي عنه نصاً هو ملك الأملاك، فقاس عليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب (قاضي القضاة)، وإن كان النبي ﷺ لم ينَه عن هذه اللفظة خاصة، ولهذا قال سفيان: (مثل شاهنشاه) ويقاس عليها غيرها من هذه الألفاظ.
وقاضي القضاة لفظة كانت تطلق عند علماء المشرق على القاضي الذي يكون مسئولاً عن جميع القضاة، وصارت تردد في كتب التراجم بشكل كبير، ولكن علماء المغاربة وعلماء الأندلس بوجه خاص كانوا يطلقون على القاضي الذي يشرف على القضاة جميعاً لفظاً أحسن من هذا، فقد كانوا يسمونه قاضي الجماعة، وهذا لفظ أحسن وأبعد عن التشريك في موضوع القضاء.
فهذا النوع داخل في نوع من الأنواع الأربعة، وهو التشريك بين الله وخلقه؛ لأن التشريك بين الله وخلقه قد يكون في التعظيم، أي: قد يكون اللفظ دالاً على التعظيم، وقد يكون التشريك في اللفظ بالواو مثلاً، وقد يكون في التسمية، وستأتي أمثله لهذا كله.
стр. 173
الشرك في الأسماء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك.
عن أبي شريح أنه كان يكنى أبا الحكم، فقال له النبي ﷺ : (إن الله هو الحكم وإليه الحكم، فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيءٍ أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين، فقال: ما أحسن هذا.
فمالك من الولد؟ قلت: شريح ومسلم وعبد الله، قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح، قال: فأنت أبو شريح) رواه أبو داود وغيره].
وإسناد هذا الحديث صحيح، وفيه دليل على تغيير الكنى والأسماء إذا كانت محرمة، وفيه النهي عن التسمي بشيءٍ من أسماء الله الخاصة، فلو أن إنساناً سمى نفسه الرحمن أو الله أو نحو ذلك فذلك لا يجوز أبداً، فقوله: (إن الله هو الحكم وإليه الحكم) تعليل لنهيه عن التكني بأبي الحكم، وكنوه بذلك لا لأن له ولداً اسمه الحكم، وإنما لكونه كان يحكم بين قومه، وقوله ﷺ : (ما أحسن هذا) يعني: ما أحسن أن يصلح الإنسان بين قومه، وإلا فإن الحكم لا بد من أن يكون بالشريعة.
فليس قول النبي ﷺ : (ما أحسن هذا) إقراراً لما كان يحكم به من الأمور الشركية لا، وإنما المقصود بالحكم هنا: الصلح، يعني: أن يجتهد في الصلح بينهم، ولو أن إنساناً وقال: لا، فالحديث صريح في أن النبي ﷺ أقره على حكمه السابق، فإننا نقول له: هذا الحديث محتمل، والقاعدة أن أي حديث أو آية محتملة ترد إلى المحكمة، وعندنا عشرات الآيات محكمة في أن الحكم لله، حيث يقول الله : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]، ويقول : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، ويقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء:٦٠] ونحو ذلك من الآيات المحكمة الظاهرة في أن الحكم يجب أن يكون لله وبما أنزل الله ، ولا يكون بالأهواء والشهوات.
стр. 174
الشرك بالهزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب منهج من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول ﷺ فهو كافر، وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥]، وعن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة -دخل حديث بعضهم في بعض- أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قراَّئنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء، فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ ، فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق، فقال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقاً بنسعة ناقة رسول الله ﷺ ، وإن الحجارة تنكب رجليه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله ﷺ : (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون) ما يلتفت إليه وما يزيده عليه].
هذا الباب يدخل في النوع الرابع من أنواع الألفاظ الشركية، وهو عدم تعظيم الله وعدم إجلاله ، فإن تعظيم النبي ﷺ وإجلاله من تعظيم الله ، فمن هزل بشيء من القرآن أو من السنة أو بالرسول ﷺ أو بالله أو بملائكته أو نحو ذلك فلا شك في أنه كافر كفراً مخرجاً من الملة، والسب أعظم، فإذا كان الاستهزاء مكفراً يكفر به الإنسان، ويكون خارجاً عن دائرة الإسلام؛ لأنه استهزاء واحتقار فالسب أعظم وأشد، فمن سب الله أو سب القرآن أو سب السنة أو سب الرسول ﷺ أو سب جميع أصحاب النبي ﷺ دون استثناء فلا شك في أنه كافر كفراً مخرجاً عن دائرة الإسلام، وهو عمل مناقض لأصول الإيمان، وآية التوبة صريحة في هذا الموضوع.
والقصة التي هي سبب نزول هذه الآية صريحة في هذا الموضوع، فيؤخذ من هذا تعظيم حق الله على الناس، وتعظيم حق الرسول ﷺ ، وتعظيم أخبار القرآن والسنة، وأحكام القرآن والسنة، ونحن في زمن تجرأ فيه كثيرون على الله ، وتجرءوا على رسول الله ﷺ بشكل ليس له مثيل مع الأسف في كثير من البلاد، ونحن نسمع عن كثير من الكتاب الآن وعن زمرة من الزمر الخبيثة التي ظهرت في العالم الإسلامي، قد اتخذت من الأدب الذي هو في الحقيقة ليس أدباً، وإنما هو قلة أدب، اتخذت وسيلة من الوسائل للطعن في الله أو في أحكامه أو في الرسالات أو في الأديان أو نحو ذلك، وأصبحوا يعتبرون الأديب المتفوق والمتميز والمبدع -كما يسمونه- والمتألق هو الذي يكون أكثر تهجماً على المقدسات، وأكثر استهتاراً بها.
وقد صدرت عدة كتب من هذا القبيل، مثل كتاب (النص المؤسس ومجتمعه)، ومثل كتاب (وليمة لأعشاب البحر) للكاتب السوري حيدر حيدر، ومثل الرواية المشهورة (أطياف الأزقة المهجورة) لـ تركي الحمد، فكل هؤلاء كفار، وكلهم زنادقة وكلهم ليسوا من المسلمين؛ لأنه لا يمكن لأي إنسان مسلم أن يسب الله أو يستهزئ به أو يسب الرسول ويستهزئ به، فالكاتب الأخير -وهو تركي الحمد - في (أطياف الأزقة المهجورة) ذكر سباً واستحقاراً للأديان ولله ولرسوله ولملائكته وللأنبياء بشكل عجيب جداً، فكان كثير من الناس ينتقد تكفير هذا الرجل ويقول: إن تكفيره فيه تشدد، ويقول: السبب في هذا هو أن الأدب والكتابة الأدبية لا يقصد بها الشيء ذاته، وإنما هو خيال وطيف شعري أو أدبي ليس له أي ارتباط بموضوع الواقع ونفس الكاتب، ويقول: لا بد من أن تفصل بين الكتابة الأدبية وبين الكاتب، فالكاتب الأدبي -خاصة كاتب الرواية- قد يتخيل أشخاصاً لا وجود لهم في الواقع، وقد يتكلم على ألسنتهم بكلام لا وجود له في الواقع، فكيف تكفره بناءً على هذا؟! وأنتم تنظرون إلى قصة كليلة ودمنة، وهي كلام على ألسنة الدواب مترجم عن الأدب الفارسي، ونحن نجزم بأن الدواب لا تتكلم بهذا الكلام ولم تتكلم به، فهذه هي طبيعة الأدب، ويدافعون عن هذا الرجل بهذا الكلام، ولكنه صرح بما لا يحتاج إلى أن يناقش فيه، فقد قال: إن المقصود بهذه -يعني الشخصية الموجودة في روايته- هو نفسه، فكل الكلام الموجود في هذه الرواية هو المعني بها، فالسب والاستهزاء بالأديان هو المعني به وهو المقصود، وهذا لا شك في أنه ردة وكفر بالله رب العالمين.
فإذا كان سب الله وسب الرسول ليس كفراً فماذا يكون الكفر؟ إنه لا يمكن أن يكون هناك كفر بعد هذا، وأنا لا أشك في كون هذا الرجل -إذا لم يرجع وإلى الله عز و
стр. 175
الشرك بتعبيد الأسماء لغير الله تعالى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠] قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبدٍ لغير الله، كعبد عمرو، وعبد الكعبة وما أشبه ذلك، حاشى عبد المطلب، وعن ابن عباس في الآية قال: لما تغشاها آدم حملت فأتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، لتُطيعُنَّني أو لأجعلن له قَرَنْي أيلٍ، فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن -يخوفهما-، سِّمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً، ثم حملت فأتاهما فقال مثل قوله وأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتاً، ثم حملت فأتاهما فذكر لهما، فأدركهما حب الولد فسمِّياه عبد الحارث، فذلك قوله تعالى: ﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠]، رواه ابن أبي حاتم، وله بسند صحيح عن قتادة قال: شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته، وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ [الأعراف:١٨٩] قال: أشفقا أن لا يكون إنساناً، وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما].
هذا الباب عقده الشيخ محمد عبد الوهاب في مسألة التعبيد لغير الله في الأسماء، فالأصل في التعبيد هو أن يعبد لأسماء الله ، وأما التعبيد لغير أسماء الله فلا يجوز بإجماع العلماء، كما حكى ذلك ابن حزم ﵀, والإجماع حجة، والدليل على حجية الإجماع هو قول الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، فالإجماع حجة.
وأما اسم عبد المطلب فاختلفوا فيه، وانقسموا بذلك إلى فريقين، ففريق قالوا: لا يجوز، وهذا هو الصواب، لدخوله في التعبيد لغير الله.
وفريق قالوا: بل يجوز، واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ : (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) فرد عليهم الأولون بأن هذا ليس المقصود منه الإباحة، وإنما هو حكاية للواقع، لأن اسمه عبد المطلب فعلاً، فكونه يحكي أن اسمه عبد المطلب ليس فيه إباحة ذلك.
فالصواب هو عدم جواز التسمي بعبد المطلب، أما ما يتعلق بالآية وسبب نزولها فالصحيح أن الآية معناها عام.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠] يعني الذكر والأنثى، وليس المقصود به آدم وحواء، وقوله: (آتاهما) الضمير هنا عائدٌ على الذكر والأنثى من بني آدم، (جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا)، وذلك يكون عن طريق نسبة هذه النعمة إلى غير الله ، أو أنهما ربياه على الشرك أو نحو ذلك مما ذكره المفسرون.
وأما تفسير هذه الآية بالقصة الواردة هنا في آدم وحواء فلا يصح؛ لأن القصة غير صحيحة لعدة أمور.
أولاً: أن كل الآثار الواردة فيها -كما قال ابن كثير - هي من الآثار الإسرائيلية، ولم تثبت بسندٍ صحيح.
ثانياً: أنه لا يصح تصور ذلك في حق آدم ﵇، فهو نبي معصوم من الشرك لا يمكن أن يقع منه الشرك كما تصور هذه الرواية.
وهناك اعتبارات أخرى يمكن مراجعتها في كتاب (القول المفيد) للشيخ محمد بن عثيمين ﵀.
стр. 176
الشرك بقول: السلام على الله تعالى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب لا يقال: السلام على الله.
في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان، فقال النبي ﷺ : (لا تقولوا: السلام على الله؛ فإن الله هو السلام)].
المقصود بهذا الباب هو النهي عن هذا اللفظ: (السلام على الله)، ووجه النهي عن هذا اللفظ هو أن السلام دعاء بحصول السلام والبركة والراحة والبعد عن المشاكل لمن يدعى له، فلا يصح استعمال ذلك مع الله، فإن الله هو السلام، وهو الذي يعطي السلام، فهو لا يحتاج إلى أن تدعو له بالسلامة من الشرور، فهو سالم منها، واسمه السلام، وهو معطي السلام، فهذا داخل في النوع الرابع من شرك الألفاظ؛ إذ إن هذا اللفظ فيه عدم تعظيمٍ لله .
стр. 177
الشرك بعدم تعظيم الله في سؤال المغفرة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت.
في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا يقول أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة؛ فإن الله لا مكره له) ولـ مسلم: (وليِّعَظَّم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيءٌ أعطاه).
هذا الباب فيه النهي عن هذه اللفظة (اللهم اغفر لي إن شئت) وهو النهي عن تعليق الدعاء بهذه الطريقة في قضيةٍ معروفة، وهي المغفرة، ووجه النهي عن اللفظة أنه يفهم منها عدم تعظيم الله ؛ لأنه يفهم من هذه اللفظة: اللهم اغفر لي إن شئت، وإن شئت ألا تغفر لي فلا تغفر لي، وهذا لا يليق بالعبد.
стр. 178
كتاب التوحيد [٩]
هناك جملة من الألفاظ المنهي عنها؛ لكونها وسيلة إلى الشرك بالله تعالى، ومن ذلك قول: (عبدي) و (أمتي)، وقول: (لو) عند الندم على ما فات، وسب الريح، وغير ذلك من الألفاظ التي يجب على العبد الحذر منها ليسلم له توحيده وإيمانه.
стр. 179
النهي عن قول: عبدي وأمتي وعلته
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد: فقد سبق في الدرس الماضي ما يتعلق بشرك الألفاظ، وسبق أن ذكرنا مجموعة من القواعد تتعلق بالألفاظ الشركية، وفي هذا الدرس سنكمل التطبيق في بيان شرك الألفاظ.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بابٌ لا يقول: عبدي وأمتي.
في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي)].
إذا قال القائل: (عبدي)، لمن يملكه من العبيد، أو قال: (أمتي)، لجارية يملكها، فالأصل هو جواز هذا اللفظ، إلا إذا اقترن به قصد فاسد، وهو تعظيم النفس ومحاولة تشبيهها بالإله، وقد سبق أن بينَّا أن الألفاظ المنهي عنها لوجود شائبة من شوائب الشرك تنقسم إلى قسمين: قسم لا ينظر فيه إلى قصد صاحبه؛ لأن ظاهره أنه لفظ شركي، بغض النظر عن صاحبه، ولكن عند الحكم عليه لا بد من معرفة نيته وإرادته، وأما لفظه فإنه لفظ شركي، مثل (ما شاء الله وشئت)، ومثل الحلف بغير الله ، والإقسام على الله ، إذا كان الله حتى نحكم بأنه منهي عنه قصد القائل هو تعظيم النفس والإدلال على الله ونحو ذلك، أما إذا كان على سبيل الثقة بالله فهو جائز، كما فعله سعد بن عبادة، ولكن لا يكون من أي أحد، وإنما يكون من الأولياء الصادقين الصالحين الذين لهم تعبد ولهم صدق وصلاح.
فالأصل هو جواز هذا اللفظ (عبدي) و (أمتي)، فيصح للإنسان أن يقول: هذا عبدي، وهذه أمتي، ولكن إذا كانت النية قصد التعظيم ومشابهة الإله في كون الإله له عبيد وإماء، فلا شك في أنه لفظٌ شركي وليس بلفظٍ شرعي.
ولهذا يرى الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في (القول السديد) أن النهي عن قوله: (عبدي) و (أمتي) نهي للكراهة، وأن ترك ذلك مستحب، وليس المقصود بالنهي هنا التحريم، كما سبق في كلمة (لولا الكلبة لسرقنا اللصوص)، فإنها بحسب قصد القائل، فإذا قصد نسبة الأسباب إلى غير الله وتعظيمها فلا شك في أن هذا من الألفاظ الشركية، وأما إذا لم يقصد ذلك، وإنما قالها على سبيل ذكر السببية -وكان ذلك الشيء سبباً في حقيقة الأمر- فهذا لا شيء فيه، ولا إشكال فيه، وهو جائز.
стр. 180
النهي عن رد من سأل بالله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بابٌ لا يرد من سأل بالله.
عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعو له حتى تُروا أنكم قد كافأتموه) رواه أبو داود والنسائي بسندٍ صحيح.
بابٌ: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة.
عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة) رواه أبو داود].
نلحظ هنا أن هذين البابين بينهما علاقة، فالباب الأول (لا يرد من سأل بالله) ، فهذا خطاب للمسئول، فمن سأل بالله فلا يرده المسئول، والباب الثاني يتعلق بالسائل، فالسائل لا يسأل بوجه الله إلا الجنة، والمسئول إذا سأل بالله فلا يرده تعظيماً لله .
والمقصود من هذا الباب هو بيان عظمة الله ، وأن الإنسان إذا سأل بالله شخصاً سؤال عزيمة وليس هناك مفسدة تترتب على تحقيق سؤاله بالله ، فلا شك في أنه يجب عليه أن يجيب هذا السائل؛ لأن لله منزلة عظيمة في نفس المسلم ونفس المؤمن، فلا بد من أن يجيب السائل إذا سأله بالله ، وهذا مقيد بشرط ألا يكون هناك مفسدة تترتب على هذا الأمر.
والباب الثاني يتعلق بالسائل، وهو الحديث الذي رواه أبو داود: (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة)، وهذا الحديث ضعيف؛ لأن في إسناده سليمان بن قرم، وهو ضعيف، وقد تفرد بهذا الحديث، والمقصود من إيراد المصنف له هو تعظيم الله بألا يسأل بوجهه الكريم إلا أعظم أمرٍ يريده الإنسان، وهو الجنة، وأما الأمور اليسيرة فإنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل فيها بوجه الله، وليس المقصود به النهي عن سؤال الله بوجهه الكريم، وإنما المقصود نهي الخلق عن أن يسأل بعضهم بعضاً بذلك، أما سؤال الإنسان الله بوجهه الكريم -أي: اتخاذه وسيلة- فالأصل فيه الجواز؛ لأنه من التوسل الجائز، فهو من التوسل بصفات الله ، والله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] والوجه صفة من صفاته.
إذاً: المقصود بالحديث أولاً ألا يسأل بوجه الله إلا أمراً عظيماً وهو الجنة، وقوله: (لا يسأل بوجه الله)، يحتمل أنه لا يسأل الله ، ويحتمل أنه لا يسأل المخلوق، فأما سؤال المخلوق بوجه الله فهو ظاهر وواضح، وأما سؤال الله بوجهه الكريم فلا شك في جوازه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وهذا الحديث فيه ضعف كما سبق أن بينا.
следующие страницы →