Полный текст (204 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
تقديم طاعة المتبوعين على طاعة الله ورسوله يجعلهم أرباباً من دون الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله، فقد اتخذهم أرباباً من دون الله.
وقال ابن عباس ﵁: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر!].
كان هذا في موضوع المتعة، حيث كان أبو بكر وعمر ينهيان عن المتعة، وكان ابن عباس يجيزها، وكان إذا ناقش بعض الناس يقول لهم: قال رسول الله، فيقولون: كرهها أبو بكر وعمر، فيغضب غضباً شديداً -وحق له ذلك- ويقول: أقول لكم: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر! يعني: كيف تعارضون قول رسول الله بقول أبي بكر وعمر، فهذا إنكار ابن عباس على من يعارض قول الرسول ﷺ بقول هاذين الفاضلين اللذين هما من خيار الناس وأفضل الناس، فكيف من يعارض قول الرسول ﷺ بقول كاتب من الكتاب في الصحافة، أو يعارض قول الرسول ﷺ بقول حاكم من الحكام، أو بقول شخص من الأشخاص، بل بعضهم وصل به الحال إلى أن يعارض قول النبي ﷺ بقول سفيه من السفهاء ليس له أي قيمة في علم ولا عمل، ولهذا فإن التدني في اتباع النبي ﷺ في الواقع الذي نعيش فيه وصل إلى مرحلة منحطة بشكل عجيب، وهو يحتاج منا جميعاً إلى التعاون على بيان طاعة النبي ﷺ وتعظيم هذا الأمر، وطاعة الله وتعظيم هذا الأمر، وعدم مخالفة أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، فإنها مهلكة للإنسان، ولهذا قال: يوشك أن تنزيل عليكم حجارة من السماء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، أتدري ما الفتنة؟ الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك].
هذا في النوع الأول من أنواع الطاعة، وهو طاعة الرسول ﷺ ، وفيه دلالة على أن الأمر يقتضي الوجوب؛ لأنه رتب الفتنة والعذاب الأليم على مخالفة قول النبي ﷺ .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ﵀: وعن عدي بن حاتم ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية: (﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ﴾ [التوبة:٣١]، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم! قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم)، رواه أحمد والترمذي وحسنه].
هذا الحديث إسناده حسن كما قال الترمذي ﵀، وقد حسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، وهو يدل على تفسير الآية في كونهم اتخذوهم أرباباً؛ لأنهم أعطوهم حق التشريع، يحلون لهم الحرام فيتبعون، ويحرمون عليهم الحلال فيتبعونهم.
كما هو حال أصحاب القوانين الوضعية، فإنهم أعطوا حق التشريع للجان معينة، أو لقانونيين يشرعون بخلاف ما أمر الله به، وهذا لا شك في أنه من الشرك الأكبر كما بين ذلك الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ في تحكيم القوانين، فليراجع.
والتحاكم والحكم من العبادة، ولهذا يقول الله : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠]، فحصر الحكم في الله ، فلا يجوز لأحد أن يطلب الحكم من غير الله ، ولهذا قال بعدها: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠] وذلك يدل أن الحكم عبادة، فيجب أن تصرف لله، وكما أن المحبة والخضوع والذل والخوف ونحو ذلك من الأعمال عبادات، فكذلك التحاكم، فلا يجوز للإنسان أن يتحاكم إلى أي قانون من قوانين الجاهلية، وإنما يجب عليه أن يتحاكم إلى الله ورسوله في كل شيء.
стр. 107
خطر التحاكم إلى الطواغيت وجره إلى الشرك
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠]].
هذه الآية فيها بيان أن من يريد التحاكم إلى غير الشريعة فهو من المنافقين الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإيمان، فهم يبطنون الكفر حيث لا يريدون التحاكم إلى الشريعة، ولهذا يظهر ذلك على فلتات ألسنتهم عندما يطلبون التحاكم إلى غير الشريعة.
ومن الأدلة على أن التحاكم يجب أن يكون لله قول الله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
ونحو ذلك من الآيات التي تدل على وجوب التحاكم إلى الله ورسوله، كقول الله في المتحاكم إلى غير الشريعة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] وقوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:٥٦]].
هذه الآيات عامة تشمل الإفساد بالعقائد الباطلة، والإفساد بالشرك، ومنه الإفساد بالتحاكم إلى غير شريعة الله بعد أن أصلحها الله بشريعته، فالذي خلق الإنسان هو الله، وهو أعلم بما يصلحه وما ينفعه، ولهذا أنزل عليه شريعة تصلحه وتنفعه، فإذا ابتغى الإنسان شريعة أخرى يخترعها ويضعها هو وهو إنسان محدود العلم، محدود الفكر، محدود التصورات، فسيضع لنفسه شريعة غير الشريعة التي وضعها الله ، وهذا إفساد في الأرض بعد أن أصلحها الله بالشريعة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة:٥٠]].
هذا استفهام إنكاري، وحكم الجاهلية هو كل حكم مخالف لحكم الله ، فإن الجاهلية اسم عام لكل أمر مخالف لدين الله ، حتى ولو كان من الذنوب والمعاصي، ولهذا لما عير أبو ذر بلال بن رباح ﵄ فقال له: يا ابن السوداء! قال له النبي ﷺ : (إنك امرؤ فيك جاهلية)، يعني: فيك خصلة من خصال الجاهلية.
وبوب البخاري ﵀ في كتاب الإيمان (باب الذنوب من أمور الجاهلية) فكل شيء مخالف لشريعة الله فهو من الجاهلية، سواءٌ كان من الكبائر أم من الكفريات المخرجة عن الملة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به).
قال النووي: حديث صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح].
هذا الحديث ذكره النووي ﵀ في الأربعين، وهو من الأحاديث التي انتقدت على الإمام النووي في ذكره لها في الأربعين؛ لأنه حديث ضعيف، وممن فصل في بيان ضعفه شارح الأربعين النووية ابن رجب الحنبلي ﵀ في (جامع العلوم والحكم) فيمكن أن يراجع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الشعبي: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد؛ لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود؛ لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا أن يأتيا كاهناً في جهينة فيتحاكما إليه، فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء:٦٠]].
هذا الأثر المروي عن الشعبي أثر مرسل، فـ الشعبي من التابعين، ولم يكن من الصحابة الذين عايشوا التنزيل، فيعتبر أثراً ضعيفاً في سبب النزول، ودلالة الآية على موضوع التحاكم صريحة في لفظها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقيل: نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ ، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ : أكذلك؟! قال: نعم، فضربه بالسيف فقتله].
هذا الأثر فيه ضعف، وقد يكون موضوعاً؛ لأن في إسناده محمد بن السائب الكلبي، وهو كذاب، وأبو صالح الراوي عنه متروك.
والخبر فيه إشكال عند بعض الناس؛ إذ كيف يقتل عمر بن الخطاب ﵁ هذا الرجل دون أن يستأذن النبي ﷺ أو يستأذن صاح
стр. 108
الاستسقاء بالأنواء وأقسامه وأحكامه
الاستسقاء معناه: طلب السقيا بالأنواء، والأنواء: جمع نوء، والنوء: هو النجم، فالاستسقاء بالأنواء معناه: طلب السقيا من النجوم، وطلب السقيا من النجوم ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يطلب السقيا من النجوم على اعتبار أنها سبب.
الثاني: أن يطلب السقيا منها على اعتبار أنها مؤثرة، وهذا يلحق بالكلام الذي سبق الحديث عنه في موضوع التنجيم، فالتنجيم ينقسم إلى قسمين: تنجيم يعتقد أصحابه أنه له تأثير في الأرض وفي الناس، وأن هذا التأثير ليس على أساس أنه سبب وإنما هو تأثير مستقل، فهذا شرك في الربوبية.
والقسم الثاني: تنجيم يعتقد أنه سبب، فاعتقاد أنه سبب شرك أصغر؛ لأنه زعم في شيء من الأشياء أنه سبب وهو ليس بسبب، وفي حالة واحدة يعتبر شركاً أكبر، وهو إذا طلب السقيا من النجوم بقوله: يا نوء كذا! اسقنا، فهذا شرك أكبر مخرج عن الملة؛ لأن الاستسقاء وطلب السقيا من جنس الدعاء، وذلك لا يقدر عليه إلا الله، فإذا طلبه من غير الله فقد وقع في الشرك الأكبر، أما إذا نسب هذا الأمر إلى الأنواء على أنها سبب فهو شرك أصغر؛ لأنه نسب السقيا إلى النجوم على أنها سبب، وهي -في الحقيقة- ليست بسبب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء.
وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:٨٢].
وعن أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة)، وقال: (النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب)، رواه مسلم، ولهما عن زيد بن خالد ﵁ قال: (صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب).
ولهما من حديث ابن عباس معناه، وفيه: قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥]، إلى قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:٨٢]].
هذا الباب فيه ذكر النوعين الذين سبق أن أشرنا إليهما، فطلب السقيا من النجوم شرك أكبر، وقد صرح النبي ﷺ بأنه من أمر الجاهلية.
وأما نسبة السقيا إلى النجوم والأنواء فهي من الشرك الأصغر.
وفيه مأخذ آخر، وهو نسبة النعمة إلى غير الله ، وهذا الأمر سيأتي الحديث عنه -بإذن الله تعالى- عند حديثنا عن الشرك في الربوبية والأسماء والصفات.
стр. 109
واجب المسلمين تجاه أحداث فلسطين وأفغانستان وغيرهما
لا شك في أن أهل الإسلام يجب عليهم أن يتناصروا ويتعاونوا، وأن يتألم الإنسان عندما يسمع عن إخوانه في أي مكان في العالم حين يحصل لهم الأذى والقتل، ولا يخفى علينا ما يحصل لإخواننا في فلسطين من القتل والتدمير، وقتل الأطفال والنساء، وقتل الرجال بالجملة، حيث يقتل ثلاثون أو أربعون من خيرة شباب هذه الأمة في وقت واحد وهم عزل ليس معهم سلاح يدافعون به عن أنفسهم.
فهذه المظاهر جعلت كل مسلم يشعر بالأسى، ويشعر بمدى الذلة التي وصلت إليها هذه الأمة.
وإذا نظرنا إلى الحال الذي فيه هذه الأمة خلال هذا العام فسترى أن اليهود والنصارى وأمم الأرض جميعاً استذلت أمة محمد ﷺ استذلالاً عجيباً وغريباً، ففي أفغانستان يقتلون بالجملة، وتجرب فيهم جميع أنواع الأسلحة، ويجرب فيهم جميع أنواع الصواريخ المدمرة، وفي فلسطين يحصل للمسلمين هذا الاستذلال على مرأى ومسمع من كل المسلمين في العالم، ولا أحد يستطيع أن يقوم بإغاثتهم ونجدتهم، بل إن كثيراً من المسلمين -مع الأسف- ما زالوا في غيهم، وما زالوا في معاصيهم، فالذي يشتغل بالزنا ما زال يشتغل به، والذي يشتغل بالربا ما زال يشتغل به، والذي يشتغل بمعصية غير ذلك ما زال يشتغل بها.
стр. 110
الحل العملي لمآسي المسلمين
وقد بين النبي ﷺ الحل لهذا الأزمة ولغيرها من الأزمات، وهو الجهاد في سبيل الله، فهذا هو الحل الأساسي لكل مآسي المسلمين ومصائبهم، وهو الذي يرفع هامة الإنسان ويجعله عزيزاً شامخاً قوياً، بل يجعل الله الرزق منه، كما قال النبي ﷺ : (وجعل رزقي تحت ظل رمحي).
ويقول النبي ﷺ : (بعثت بين يدي الساعة بالسيف -يعني: بالجهاد- حتى يعبد الله وحده).
فانظر إلى الوسيلة المستخدمة في دعوة النبي ﷺ ، وهي من أعظم الوسائل التي هجرت في هذا الزمان، ألا وهي وسيلة الجهاد في سبيل الله، ثم انظر إلى الغاية التي من أجلها شرع الجهاد، إذ هي تعبيد الناس لرب العالمين حتى يعبد الله وحده.
يقول النبي ﵌: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل الصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم)، فهذا الذل والصغار الذي يعيشه المسلمون في العالم اليوم سببه الأساسي هو نحن، ومن القواعد الأساسية في الدعوة إلى الله أننا لا نرد الأخطاء دائماً إلى عدونا، أو نقول: عدونا قوي، أو: عدونا يملك أسلحة الدمار الشامل، أو: عدونا لديه القدرات الهائلة والفائقة في التخطيط والقدرات العسكرية الكبيرة، فنسند ضعفنا وذلتنا ومهانتنا إلى العدو الخارجي، بل المشكلة الأساسية كائنة منا، يقول الله : ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]، فهذه آية واضحة تبين أن أي مصيبة تصيب الإنسان أساسها من الإنسان نفسه، وأساسها معصية الله التي نقع فيها.
стр. 111
أسس رفع راية الجهاد
ولا يمكن أن نرفع راية الجهاد ونجاهد في سبيل الله إلا إذا أصلحنا أنفسنا، والإصلاح ممكن، ونحن قادرون عليه، ولهذا ينبغي أن نستثمر هذه الأحداث في إصلاح أنفسنا، وفي العودة الصادقة إلى الله .
يقول النبي ﷺ : (إذا تبايعتم بالعينة) والعينة نوع من أنواع الربا، والربا اليوم يملأ البلاد الإسلامية مع الأسف، (وأخذتم بأذناب القبر، ورضيتم بالزرع) يعني: رجعتم إلى الدنيا، ورغبتم فيها، وأحببتموها (وتركتم الجهاد)، وهذا هو الواقع الموجود في حياة العالم الإسلامي اليوم (سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم).
فالدين تركناه بكوننا أكلنا الربا، وهذا رمز للذنوب كلها، وبحب الدنيا وكراهية الموت، وبترك الجهاد.
فهذه الأمور هي التي جعلت هذه الأمة في ذلة وصغار، ولهذا لا يمكن أن نخرج من هذه الضائقة إلا بالعودة الصادقة إلى الله .
وكثير من الإخوان والمسلمين في العالم الإسلامي نسمع عنهم أنهم يقولون: نريد أن نجاهد، فما هو الطريق إلى الجهاد في سبيل الله؟! إنني أعتقد أن من أعظم الطرق إلى الجهاد في سبيل الله أن نبدأ بإصلاح أنفسنا، ونبدأ بالدعوة إلى الله لإخواننا الآخرين، فهناك إخوان لنا قد وقعوا في شيء من الذنوب والمعاصي، ومع هذا إذا نظر أحدهم إلى إخوانه يقتلون في كل مكان فإنه يشعر بالألم والأسى، وقد يكون ممن يترك الصلاة، أو ممن يقع في الزنا ويشتغل بالمعاكسات، أو يأكل الربا، ومع هذا يتحرق مما يرى من أحوال المسلمين الذين يستذلون في كل مكان، فهذه الحرقة عبادة له وأجر عند الله ، لكن ينبغي أن نفكر بعقل، وهو أن التصحيح يكون من أنفسنا، فينبغي أن نبدأ بنصيحة إخواننا هؤلاء بلطف، وبحسن خلق، وبأدب، ونقول: اتركوا هذه الحرقة وهذا الهم الذي تشعرون به، ومن حقكم أن تشعروا بهذا، وأنتم في عبادة عندما تحزنون إلى إخوانكم المسلمين، ولكن نبدأ فنصحح أوضاعنا الأخرى، فالذي يقع في شيء من الذنوب يبدأ يصحح حياته، ويكفي أن نوحد رأينا جميعاً في أنه لا خلاص لهذه الأمة إلا بالجهاد في سبيل الله، وقد سمعنا عن القومية العربية، وأن هذه القضية هي قضية العرب، وأن الأخوة العربية والدم العربي لا بد من أن نثأر له، وهذا كله كلام قد ذهب أدراج الرياح، فلا العالم العربي ولا غير العربي يستطيع أن يفك هذه الضائقة، بل لا يفكها إلا الجهاد في سبيل الله إذا كان خالصاً لوجه الله ، ويقوم به الصالحون الذين يرجون وجه الله, ويرجون الدار الآخرة، وإذا قتل أحدهم قتل وهو يرجو الجنة عند الله ، فهو يضحي بدمه في سبيل الله .
إذاً: هذا التوجه ينبغي أن يكون عندنا، وأنا لا أقول: إنه يخفف من حماسهم، بل الواجب أن نقوي حماسهم؛ لأن لهم حقاً في هذا، ولأن هذا عمل فاضل يقومون به، وخير كبير أن توجد مثل هذه المشاعر في نفوس إخواننا حتى ولو كان عندهم تقصير أو معاص أخرى، لكن ينبغي أن نستثمر هذا في إصلاح إخواننا، ونصيحة أخواتنا اللاتي يتبرجن، أو اللاتي يقبلن المعاكسة من الرجال، أو اللاتي يقعن في معصية من المعاصي، فهذه فرصة يمكن أن نشغلها في الدعوة إلى الله، وهناك أحداث في بعض الأحيان تهز الأمة فتجعلها تعود إلى الله ، فيجب أن نشارك في عودتها ما دام أن هذا الحدث قد وقع وهو مؤلم لنا جميعاً، ويجب أن نستفيد من هذا الحدث في نصيحة أكبر عدد من إخواننا، حتى نبدأ بالتصحيح الفعلي؛ لأن الحماسة المجردة يمكن أن تنتهي خلال أسبوع، أو شهر، أو شهرين، أو ثلاثة أشهر، ثم ينتهي.
فهذه الحماسة إذا بقيت حماسة مجردة فإنها ستنتهي بعد أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، أو شهر أو شهرين، وربما تنتهي بعد سنة، ثم يعود المرء إلى معاصيه، ونحن لا نريد أن يكون عندنا حماسة مجردة، بل نريد أن تكون عندنا ثوابت، وهي أن يقتنع هؤلاء الإخوة المتحمسون والأخوات المتحمسات -وحق لهم ذلك- بأن الحماسة المجردة لا تكفي، بل لا بد من أن نعود في حياتنا إلى الله ، وإذا عدنا إلى الله فإنه لن يستطيع أحد أن يقف في وجوه المجاهدين أبداً، فنحن نسمع في الأخبار أن الأمريكان في أفغانستان يشعرون بأنهم تورطوا مع أشرف قوة في العالم كما يسمونها، وأشرف قوة في العالم هي مجموعة لا تملك أسلحة الدمار الشامل، وليس عندهم طائرات، وليس عندهم دبابات، بل هم مجموعة يسيرة هنا وهناك، لا يقاتلون بحماسة مجردة؛ لأن الحماسة المجردة عند الجد تذهب ويرجع الإنسان إلى طبيعته وضعفه واستكانته، وربما تخونه قواه بسبب ذنوبه، فإن من خان (حي على الصلاة) يخون (حي على الكفاح)، ومن يخون حي على الصلاة ولا يكون مؤدياً لواجبه الشرعي سيخون الجهاد في سبيل الله.
فوجدوا أن هؤلاء قوم يستلذون بالموت ويطلبونه، كما أنهم يستلذون بالحياة ويطلبونها؛ لأن هؤلاء الناس يعرفون أن حياتهم الحقيقية هي في الموت، ولذا فإنهم يطلبونها، وقد يتأثر بعضهم عندما يرى أخاه قد فارق هذه الدني
стр. 112
كتاب التوحيد [٦]
توحيد الربوبية والأسماء والصفات ركنان عظيمان من أركان التوحيد الذي لا يقبل الله تعالى من العبد إيماناً ولا عملاً دون تحقيقه، وهناك قوادح توصل صاحبها إلى الشرك في الربوبية، ومنها: إنكار القدر أو إنكار مرتبة من مراتبه، وإنكار النعمة ونسبتها إلى غير الله تعالى، والأمن من مكر الله واليأس من رحمة الله، والتألي على الله، وسوء الظن به، وجحد شيء من الأسماء والصفات قادح في توحيد الأسماء والصفات.
стр. 113
الشرك في توحيد الربوبية وصوره
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد.
فهذا الدرس في موضوع: الشرك في توحيد الربوبية والأسماء والصفات.
وتوحيد الربوبية: هو توحيد الله في الخلق والرزق والتدبير، وهذا هو أدق تعريف لتوحيد الربوبية، وقد عرّفه بعض العلماء بأنه توحيد الله بأفعاله ، كالخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، ونحو ذلك.
لكن التعريف بأنه هو توحيد الله بالخلق والرزق والتدبير أدق؛ لأن تعريفه بأنه: توحيد الله بأفعاله يرد عليه أن أفعاله تنقسم إلى قسمين: أفعال لازمة، وهذه لا تدخل في توحيد الربوبية، كالنزول، والضحك، والغضب، ونحو ذلك، وأفعال متعدية، وهذه تدخل في توحيد الربوبية، وعليه فإن تعريف التوحيد بأنه توحيد الله بأفعاله فيه إجمال، والتعريف الأول أدق.
стр. 114
الإيمان بالقدر وعلاقته بتوحيد الربوبية
تحدث الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في موضوع الشرك في توحيد الربوبية في كتاب التوحيد في موضوعات متعددة، ومنها القدر، فالقدر داخل في توحيد الربوبية، وجهة دخوله في توحيد الربوبية هي أن القدر من أفعال الله وصفاته، وقد بحث الشيخ موضوع القدر في بابين: الباب الأول: (باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله)، والباب الثاني عن منكري القدر.
والقدر له أربع مراتب: المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله الشامل لكل شيء، للماضي والمستقبل.
والمرتبة الثانية: كتابة الله للمقادير، ويشمل ذلك كل شيء، فإنه كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى قيام الساعة.
والمرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة العامة، فلا يمكن أن يحصل في كون الله وفي خلقه إلا ما شاءه وأراده .
والمرتبة الرابعة: خلقه لأفعال العباد، فكل أفعال العباد مخلوقة لله .
وهذه المراتب الأربع هي قواعد القدر الأساسية، فمن آمن بها جميعاً فقد آمن بالقدر، ومن لم يؤمن بها جميعاً فهو غير مؤمن بالقدر، وسيأتي الكلام على حكم منكر القدر.
فنبدأ أولاً بالباب الرابع والثلاثين، وهذا الباب هو الذي تحدث فيه عن الصبر على أقدار الله المؤلمة.
стр. 115
من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله.
وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت).
ولهما عن ابن مسعود مرفوعاً: (ليس منا من ضرب الخدود، أوشق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية).
وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: (إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة).
وقال النبي ﷺ : (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط).
حسنه الترمذي.
] هذا الباب يتعلق بموضوع الصبر على أقدار الله ، والصبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة.
وعكس الصبر على أقدار الله: السخط من أقدار الله، فالصبر على أقدار الله من الإيمان، والسخط يدخل في الكفر، وسيأتي الحديث عن أنواع السخط، وما يترتب عليها من الأحكام.
فأما الصبر على أقدار الله فلا شك في أنه من الإيمان، والصبر عموماً كما قال النبي ﷺ نصف الإيمان يقول الله : ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، والمقصود بالإيمان هنا: الإيمان بالقدر، ولهذا فسّرها علقمة بذلك كما سيأتي، فقوله تعالى: ((يَهْدِ قَلْبَهُ)) يعني: يجعل قلبه مهتدياً مطمئناً؛ لأن الإنسان إذا صبر على قدر الله المؤلم فإنه يطمئن قلبه بذلك.
وعلقمة هو ابن وقّاص، وهو من علماء الكوفة، ومن أصحاب ابن مسعود ﵁، قيل: إنه صحابي، وقيل: إنه تابعي، والصحيح أنه تابعي.
يقول رحمه الله تعالى: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.
فالإنسان إذا أصابته المصيبة فإنه يجب عليه الصبر، ويستحب له الرضا، والفرق بين الرضا والصبر.
أن الصبر يكون مع وجود الألم والتعب والمشقة النفسية.
وأما الرضا فإنه درجة عالية في الإيمان تجعل الإنسان راضياً بما قدره الله وقضاه من هذه المصيبة التي جاءته، ويمكن أن يسمى الرضا عن الله في أقداره.
وأما الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (اثنتان في الناس هما بهم كفر) فإن كلمة (كفر) هنا جاءت نكرة، وقد سبق أن بيّنا أنه إذا وصف العمل أو القول بأنه كفر وكان اللفظ معرفاً بـ (أل) فإنما يقصد به الكفر والشرك الأكبر، وأما إذا كان نكرة فإنه يقصد به الكفر الأصغر والشرك الأصغر.
فالأولى: (الطعن في النسب)، والمقصود بالطعن في النسب عيب الأنساب، كأن يعيّر قبيلة كذا بكذا، أو يعيّر هذا الشخص بوالده أو بوالدته أو بجد له، فهذا كله طعن في نسبه.
الثانية: (والنياحة على الميت) والنياحة على الميت نوع من أنواع السخط، والنياحة على الميت تكون بالقول، وسميت نياحة أخذاً من نوح القمري، وهو صوت للحمامة عندما تغرد، وذلك أن الشخص إذا مات له ميت فبدأ بالبكاء والصياح واستمر فإنه يُخرِج صوتاً كهذا.
стр. 116
السخط على الأقدار وخطره على التوحيد
والسخط على قدر الله يكون على ثلاثة أنواع: السخط بالقلب واللسان والجوارح.
فأما السخط بالقلب فهو بغض قدر الله ، أو بغض الله بسبب هذا القدر الذي حصل، وهذا كفر أكبر مخرج عن الملة؛ لأنه مناقض للمحبة، وقد سبق أن بيّنا أن من شروط (لا إله إلا الله) محبة الله ، وأن من زالت عنه محبة الله فأبغض الله فهو كافرٌ ولا شك في ذلك.
وأما النوع الثاني من السخط على القدر فهو السخط باللسان والكلام، كالصياح مثلاً، أو ذكر محاسن الميت، ونحو ذلك، وهذا يعتبر من الكفر والشرك الأصغر، ووجه اعتبارنا له من الشرك أو الكفر الأصغر هو وصف النبي ﷺ له بالكفر، فإنه قال: (هما بهم كفر) فالنبي ﷺ وصفه بالكفر، وبناء على هذا فإنه يكون من الكفر الأصغر.
وأما السخط بالجوارح فمثل شق الجيوب، ولطم الخدود، فهذا تسخط بالفعل، وهو -أيضاً- يدخل في الكفر؛ لكونه تسخُط على قدر الله ، إلا أنه ليس من الكفر الأكبر، بل من الكفر الأصغر.
قوله: (ولهما عن ابن مسعود مرفوعاً: (ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)).
قوله: (ليس منا) من ألفاظ الوعيد، فيحتمل أن يكون كفراً أكبر، ويحتمل أن يكون كفراً أصغر، والمقصود به هنا الكفر الأصغر لا الكفر الأكبر، وهذا يدل على أن عكس السخط -وهو الصبر على أقدار الله- واجب؛ لأن عكسه -وهو السخط- محرم، ولهذا عبّر النبي ﷺ عن ذلك اعتبره من الكبائر فقال: (ليس منا من ضرب الخدود) وهو واضح، (وشق الجيوب) وهو شق جيب القميص، وهو مدخل الرأس في القميص.
قوله: (ودعا بدعوى الجاهلية) يحتمل أن يكون المقصود به ما كان عند الجاهلية من دعاوى في ذكر محاسن الموتى، وقد كانوا يستأجرون نوائح للبكاء على الميت، ويندبونه ويذكرون محاسنه.
وأما حديث أنس فإن النبي ﷺ قال فيه: (إذا أراد الله بعبده الخير عجل له بالعقوبة في الدنيا) وهذا دليل على أن العقوبة إذا حصلت للإنسان في الدنيا وصبر واحتسب فإنها خير له؛ لأنها تكفير لذنوبه وخطاياه.
قال: (وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة)، وهذا من الاستدراج والعياذ بالله.
وقال النبي ﷺ : (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء)، فمن ابتلي ببلية فلا يعني ذلك بالضرورة أن تكون عقوبة على معصية، وإنما قد تكون رفعة له في الدرجات، وقد تكون تكفيراً لذنوبه، فقول النبي ﵌: (عظم الجزاء مع عظم البلاء) معناه أنه إذا كان البلاء عظيماً فصبر فإن الجزاء يكون عظيماً، وليس مجرد وجود البلاء العظيم كاف في عظم الجزاء؛ لأنه قد يبتلى ببلاء عظيم ثم يسخط ولا يصبر.
стр. 117
ما جاء في إنكار القدر وخطره على التوحيد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في منكري القدر.
وقال ابن عمر: والذي نفس ابن عمر بيده لو كان لأحدهم مثل أحد ذهباً، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر.
ثم استدل بقول النبي ﷺ : (الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره).
رواه مسلم.
وعن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: يا بني! إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: رب! وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة) يا بني! سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من مات على غير هذا فليس مني).
وفي رواية لـ أحمد: (إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة).
وفي رواية لـ ابن وهب قال: قال رسول الله ﷺ : (فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار).
وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي قال: أتيت أُبي بن كعب، فقلت: في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي، فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهباً ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار، قال: فأتيت عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي ﷺ .
حديث صحيح، رواه الحاكم في صحيحه.
] الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، وقد جاء في حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن جبريل أتى إلى النبي ﷺ وسأله عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى) كما جاء في بعض الروايات.
стр. 118
حكم منكري القدر
فالإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، ولا يستقيم إيمان العبد إلا إذا آمن به، فالمنكر للقدر بكل المراتب الأربع كافر كفراً أكبر عند العلماء، وهو ليس من المسلمين، ولهذا فإن ابن عمر عندما جاءه اثنان من أهل البصرة فقالا له: إنه ظهر عندنا أقوام يتقفرون العلم -أي: ينتسبون إلى العلم- يقولون: لا قدر والأمر أنُفْ -أي: أن الأمر الذي يقوم به الإنسان جديد، وليس فيه قدر مكتوب سابقاً فقال لهم ابن عمر ﵁: لو كان لأحدهم مثل أحد ذهباً ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر.
وهذا يدل على أن ابن عمر ﵁ كان يرى كفر من أنكر القدر؛ لأن ابن عمر في هذا الحديث بيّن أن صدقة الإنسان لو كانت عظيمة لا يقبلها الله منه إلا إذا كان مؤمناً بالقدر، والله يقبل الصدقة من أصحاب المعاصي، بل ومن أصحاب الكبائر، ولا يقبل الصدقة وغيرها من العبادات من الكفار، ولهذا سألت عائشة ﵂ الرسول ﷺ عن عبد الله بن جدعان، وهو رجل كريم غني من أهل مكة من الكفار، كان يضع السفرة الكبيرة فيجتمع عليها الفقراء والمساكين، وكان يطعم الطعام، ويقسم الكساء على الناس، فقالت عائشة ﵂ للنبي ﷺ : هل ينفعه ذلك؟ فقال لها رسول الله ﷺ : (لا؛ إنه لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين).
وقد بيّن الله أن الكفار لا يقبل منهم أي عمل بقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨] فأعمالهم مثل الرماد الذي يوضع على رأس جبل في يوم شديد الهواء فلا يبقى منه شيء، ولهذا يقول الله : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] فالشرك يحبط العمل، فلا تقبل معه الصدقات، وهذا يدل على أن من أنكر القدر كله فليس من المسلمين، ولا من المؤمنين، ولا من الموحدين، أما من أنكر بعض مراتب القدر فهو بحسب المرتبة التي أنكرها، وبحسب نوع الإنكار، فمن أنكر علم الله فهو كافر بإجماع السلف، ولهذا يقول الشافعي ﵀: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أجابوا خُصِموا، وإن أنكروا كفروا.
فمن أنكر صفة العلم لله فهو كافر، أما من أنكر شيئاً من المراتب الثلاث الباقية فإنكاره إما أن يكون إنكار تكذيب، وإما أن يكون إنكار تأويل.
فأما إنكار التكذيب فهو أن ينكر تكذيباً لخبر الله وخبر رسوله ﷺ فيما يتعلق بهذه المراتب الثلاث، فمن أنكرها وهو مكذِّب فليس بمسلم إجماعاً؛ لأن المسلم لا يمكن أن يكذب بخبر الله .
وأما من أنكرها وهو متأول فإن الحكم على المتأول ينقسم إلى قسمين: فإن كانت له شبهة في التأويل قريبة من حيث اللغة العربية فلا يكفّر، بل هو من أهل البدع؛ وأما إذا لم تكن له شبهة من حيث اللغة العربية فإنه يكفّر.
مثال الأول: من أوّل بعض صفات الله ، كتأويل الأشعرية لليد بأنها القدرة، فهذا ليس بكفر، بل هو بدعة؛ لأن اليد تستخدم في لغة العرب بمعنى القدرة، فيقال: فلان له يد قوية، أي: له قدرة قوية يستطيع أن يعمل، وقد تفسر بمعنى النعمة، فيقال: فلان له يد عليك، وليس المقصود اليد الحقيقية، فمثل هذا لا يكفّر صاحبه، لكن يعتبر من أهل البدع؛ لأنه حرّف معاني كلام الله ، فالله نسب لنفسه هذه الصفات، فلا يجوز لنا أن نغير معانيها، فإذا احتج بعض الناس بأن هذا يستلزم تشبيه الله بخلقه نقول: نحن نثبت هذه الصفات وننفي عنها المشابهة، أما أن نغير المعاني فهذا لا يصح ولا يجوز، بل هو من البدع.
ومثال المتأوِّل الكافر: الباطنية الذين قالوا في قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧]، فقالوا المقصود بالبقرة هنا: عائشة، فليس هناك ارتباط بين مسمى البقرة وبين اسم عائشة، وليس هناك ارتباط بين حقيقة البقرة وبين عائشة، وليس هناك استخدام في لغة العرب من قريب ولا من بعيد لكلمة البقرة يراد بها عائشة، ولم يستخدم أحد من الشعراء ولا من الأدباء ولا من العرب السابقين كلمة (بقرة) يريد بها عائشة ﵂، فهذا لا شك في أنه كفر مخرج عن الإسلام.
إذاً: الحق في مسألة التأوُّل أنَّه ليس كل متأوِّل يعذر، وليس كل متأوِّل يكفّر، بل لا بد من التفصيل فيها على النحو السابق الذي بيّنا، فإذا كان المنكر لبقية المراتب الثلاث عنده شبهة فإنه لا يكفّر، ولهذا فإن أهل العلم لهم قاعدة في تكفير أهل البدع، حيث يقسمون البدع إلى قسمين: بدع مكفّرة، وبدع غير مكفّرة، فأصحاب البدع غير المكفّرة لا يكفّرونهم، ولهذ
стр. 119
فرق القدرية
يدخل في منكر القدر القدرية الذين أنكروا القدر بالجملة، والذين أنكروا القدر وقالوا: إن الله يعلم ما يفعل العبد، ولكنه لم يكتب شيئاً ولم يشأ من العباد شيئاً، ولم يخلق أفعالهم، بل العباد يخلقون أفعال أنفسهم، وهؤلاء يسمون القدرية، وهم المعتزلة.
والنوع الثاني: الجبرية، وهم الذين أثبتوا القدر، ولكن أنكروا معناه الحقيقي الشرعي.
فالقدرية والجبرية مع أن كل واحد منهما على النقيض من الآخر إلا أن كلاً منهما يعتبر منكراً للقدر؛ لأن معنى إنكار القدر هنا هو إنكار القدر المشروع الذي بيّنه الله وبينه الرسول ﷺ ، فالقدرية أنكروا، والجبرية أثبتوا، إلا أن الإثبات ليس إثباتاً شرعياً، فهو يتضمن إنكار القدر بالمعنى الشرعي.
والجبرية قالوا: إن الله جبر العباد على المعاصي والذنوب، وإنهم معذورون لذلك.
وأما القدرية فقالوا: إن الله لم يكتب مقادير العباد، ولم يخلق أفعالهم، بل العبد يخلق فعل نفسه، فنسبوا الخلق إلى العبد، ولهذا سماهم السلف مشبهة الأفعال مأوِّلة الصفات، فهم معطِّلة ومشبِّهة في ذات الوقت، معطِّلة بالنسبة لبقية الصفات، ومشبِّهة بالنسبة لأفعال الله ، حيث شبّهوا العباد بالله في كونهم يخلقون ويقومون بهذه الأعمال بدون أن تكون هناك قدرة وإرادة من الله عليهم.
والإيمان الصحيح بالقدر يكون بالإيمان بالمراتب الأربع التي سبق أن أشرنا إليها، ويكون بما ورد في حديث عبادة بن الصامت، وبما ورد في الحديث الأخير -وهو حديث ابن الديلمي -: أن يعلم الإنسان أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن ذلك كله بتقدير الله .
стр. 120
إنكار النعمة وخطره على توحيد الربوبية
قال المؤلف ﵀: [باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل:٨٣].
قال مجاهد ما معناه: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي.
وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا.
وقال ابن قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا.
وقال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه: إن الله تعالى قال: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر) الحديث وقد تقدم: وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به.
قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقاً ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير.
].
هذا الباب يتعلق بموضوع إنكار النعمة، وموضوع إنكار النعمة يتعلق بالربوبية؛ لأن النعمة من خلق الله ، فيجب أن نثبتها لله ، فمن نسب النعمة لغير الله فقد وقع في الشرك بحسب حاله في نسبة النعمة كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
يقول الله : ((يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ)) يعني: يعرفون أن هذه النعمة من الله ، ثم قال: ((ثُمَّ يُنكِرُونَهَا)) يعني: ينسبونها إلى غير المنعم.
قال مجاهد ما معناه: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي.
وظاهر العبارة أنه لا شيء فيها، فقوله: (هذا مالي) يقال فيه: نعم هو ماله، (ورثته عن آبائي) يقال: قد يكون ورثه عن آبائه، ولكن بحسب ما قام بقلبه، فإن ذكره على سبيل الحكاية فهذا لا شيء فيه، وإن ذكره على سبيل أن هذا جاءه بسبب الإرث، فنسب هذه النعمة إلى السبب، فهذا من الشرك الأصغر؛ لأن الإرث سبب حقيقي كوني وقدري، وهو في نفس الوقت شرعي، لكن الشرك وقع فيه من جهة نسبة هذه النعمة إلى أهله أو إلى وراثته.
стр. 121
أقسام نسبة النعمة إلى غير الله
يمكن أن نقسِّم نسبة النعمة إلى غير الله إلى أقسام: القسم الأول: أن ينسبها إلى سبب حقيقي.
القسم الثاني: أن ينسبها إلى من يعتقد فيه التأثير.
القسم الثالث: أن ينسبها إلى سبب وهمي وليس حقيقياً.
فأما القسم الأول -وهو الذي نسبتها إلى سبب حقيقي- فهو نوعان: النوع الأول: أن ينسبها إلى سبب حقيقي على سبيل الحكاية، فهذا لا شيء فيه، وهو جائز.
والنوع الثاني: أن ينسبها إلى غير الله وهي سبب حقيقي، لكن على سبيل تعظيم السبب، وضعف إيمانه بأن هذه النعمة من جهة الله ، فهذا النوع شرك أصغر، ولا يعتبر من الشرك الأكبر؛ لعدم وجود عبادة معينة ومحددة صرفها لغير الله، وقد سبق أن بيّنا أن الضابط في الشرك الأكبر هو صرف العبادة لغير الله، واعتبرنا ذلك من الشرك الأصغر لأنها من الوسائل التي توصل إلى الكفر الأكبر، مثل إنكار النعمة عن الله بالكلية.
وأما القسم الثاني: فهو نسبة النعمة إلى معظّم يعتقد فيه التأثير، فهذا من الشرك الأكبر، ومثاله: أن ينسب نعمة إلى ولي من الأولياء ميت، أو إلى نبي من الأنبياء ميت، أو ينسبها إلى النجوم مع اعتقاده أن النجوم مؤثرة، كما كان حال الصابئة، وكما هو حال كثير من المشركين الذين يعتقدون أن للنجوم تأثيراً في الحوادث الأرضية، فهذا شرك أكبر.
وأما القسم الثالث: فهو أن ينسبها إلى سبب وهمي ليس حقيقياً، فهذا شرك أصغر، مثل التمائم التي سبق أن أشرنا إليها.
أما إنكار النعمة عن الله فينقسم إلى أقسام: القسم الأول: أن ينكرها عن الله تكذيباً، فهذا من الشرك الأكبر.
القسم الثاني: أن ينكرها عن الله ، بمعنى أنه لم يفعلها مطلقاً، فينسب كل الأنعام إلى غير الله ، وهذا كفر أيضاً.
القسم الثالث: ألا ينكر النعمة صراحة، وإنما ينكرها بالتضمن، بأن ينسبها إلى غير الله تعالى، فتدخل فيها الأحكام التي سبق أن أشرنا إليها في أنواع نسبة النعمة لغير الله .
ولهذا نلحظ أن تفسير السلف رضوان الله عليهم للآية السابقة جاء بأكثر من معنى، فقد جاء بالكفر الأكبر، وجاء بالكفر الأصغر.
فقوله تعالى: ((يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا)) جاء في قول مجاهد: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي.
وهذا نوع من أنواع نسبة النعمة لغير الله ، من جهة أنه نسبها إلى سبب حقيقي ليس على سبيل الحكاية المجردة.
وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن هذا.
وهذا من النوع الذي ينسب النعمة إلى سبب وهمي ليس حقيقياً.
وقال ابن قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا.
وهذا نسبة النعمة إلى الآلهة ممن يعتقدون فيها التأثير، وهذا هو الكفر الأكبر، وجميع هذه الثلاثة سبق أن تحدثنا عنها.
وقال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقاً، ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثيرة.
стр. 122
نسبة النعمة إلى النفس من دون الله وقدحه في التوحيد
قال المؤلف ﵀: [باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت:٥٠] قال مجاهد: هذا بعملي، وأنا محقوق به.
وقال ابن عباس: يريد من عندي.
وقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨].
قال قتادة: على علم مني بوجوه المكاسب.
وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل، وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف].
هذا الباب فيه نسبة النعمة إلى النفس، فبدلاً من أن يثني المرء على الله بأن هداه وأعطاه، وأنه أكرمه وفضّله بهذه النعمة التي عنده ينسبها إلى نفسه كما فعل قارون عندما نسب إلى نفسه الأموال والخزائن الكثيرة التي كانت العصبة من الرجال تتعب وتنوء بحمل مفاتيحها، فضلاً عن المال الذي هو داخل هذه الخزائن.
فقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] يعني: بحذقي، وفهمي، وقدراتي، وإمكاناتي، وحسن تدبيري، وهكذا.
يقول الله : ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت:٥٠] يعني: إذا أصابه ضر -كالفقر أو المرض، أو أي نوع من أنواع البلاء- ثم مسّه الله برحمة منه نسبها إلى نفسه، فقال: هذا بجهدي، وهذا بقدرتي، أو نسبها إلى غير الله، كقوله: هذا من فعل الطبيب الحاذق الذي استطاع أن يستأصل الورم مثلاً، أو أن يعطيني علاجاً قوياً مؤثراً، أو نحو ذلك، فهذا كله من الشرك.
قال مجاهد: [هذا بعملي] يعني ما عنده من الرزق وما عنده من الخير.
[وأنا محقوق به] يعني: أنا مستحق له.
وقال ابن عباس: [يريد: من عندي]، يعني: نسبه إلى نفسه.
وقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] هذه قصة قارون، قال قتادة: [على علم مني بوجوه المكاسب]، يعني: أنا رجل صاحب مواهب وقدرات، وهذا الرزق الذي بين يدي بقدراتي وإمكاناتي وحسن تخطيطي وتدبيري، فنسب النعمة إلى نفسه ولم ينسبها إلى الله .
وقال آخرون: [على علم من الله أني أهل له]، وهذا تفسير ثان، يعني: أن الله أعطاني ذلك لمكانتي عنده، وهذا من الغرور الذي يحصل لبعض الناس إذا أوتي خيراً.
وهذا معنى قول مجاهد: [أوتيته على شرف]، ثم ساق حديثاً طويلاً في قصة الأبرص والأقرع والأعمى، وأن الله أرسل إليهم ملكاً، وأن بعضهم أنكر نعمة الله ، وبين كيف كانت عقوبة الأقرع والأبرص وكيف كانت مثوبة الأعمى.
وهذه كلها بابها واحد، وهو ما سبق أن بيّناه من موضوع نسبة النعمة إلى غير الله على التفصيل السابق.
стр. 123
الأمن من مكر الله واليأس من رحمة الله وخطره على توحيد الربوبية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]، وقوله: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر فقال: (الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله).
وعن ابن مسعود قال: أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله.
رواه عبد الرزاق.
] هذا الباب يتعلق بخصلتين سيئتين تتعلقان بالشرك في توحيد الربوبية: الأولى: هي الأمن من مكر الله ، والأمن من مكر الله يقتضي ترك ركن من أركان الإيمان، وهو الخوف من الله .
والثانية: اليأس من روح الله ، واليأس من روح الله يقتضي ترك ركن من أركان الإيمان، وهو الرجاء.
ولهذا ذكر أهل العلم أن هناك ثلاثة أعمال من أعمال القلوب تعتبر أصول الإيمان، وهي: الخوف، والرجاء، والمحبة، وعندما تكلم أهل العلم عن الخوف والرجاء قالوا: إنهما كالجناحين للطائر.
والتشبيه يقتضي أمرين: الأمر الأول: أنه لا بد من وجود الاثنين.
والأمر الثاني: أنه لا بد من الاعتدال فيما بين هذين الاثنين، فإن الطائر لا يمكن أن يطير بجناح واحد، وكذلك لا يمكن أن يطير وأحد جناحيه أقل من الآخر، بل لا بد من أن يكونا مستويين.
ولهذا روى أبو نعيم في الحلية عن مكحول أنه قال: (من عبَد الله بالحب وحده فهو زنديق)، ومن عبَد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبَد الله بالخوف وحده فهو حروري، يعني: من أهل حروراء من الخوارج.
أما الأمن من مكر الله فمعناه: أن الإنسان يأمن من عقوبة الله ، ومكر الله المقصود به نوع من أنواع العقوبة، وهو الإيقاع بمن أراد أن يعاقبه من حيث لا يشعر، فهذا هو مكر الله ، والمكر ليس بصفة نقص، بل هو صفة نقص إذا ابتدأه الإنسان بدون سبب، أما إذا كان المكر عقوبة لمن يستحق ذلك فهذا وصف محمود يدل على القوة والقدرة، ولهذا لا يصح أن يوصف الله بالمكر مطلقاً، ولا أن يؤخذ من هذا الوصف اسم فيقال: الله الماكر مثلاً، وينسب إليه فيقال: عبد الماكر مثلاً، وإنما يؤتى بهذا الوصف منسوباً إلى الله عند وجود مقتضاه، كقوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠].
فإن العقوبة قد تأتي بشكل واضح يشعر به الإنسان، وقد تأتي بشكل لا يشعر به، فتسمى مكراً.
стр. 124
أقسام الأمن من مكر الله
الأمن من مكر الله ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: هو الأمن المطلق من مكر الله ، بحيث يزول الخوف من الله من قلب العبد كلية، وهذا النوع من الكفر الأكبر المخرج عن الملة.
والنوع الثاني: الأمن من مكر الله نسبياً وجزئياً لا مطلقاً، فيوجد في الإنسان خصلة من خصال الأمن من مكر الله هي التي تجرئه على المعاصي والذنوب، وتجعله يقترف كثيراً من الذنوب والمعاصي دون شعور بالخوف، ولكن لا يعني هذا انتفاء أصل الخوف، بل أصل الخوف من الله موجود، فإذا خوّف خاف، وإذا تذكر خاف، وهذا الأصل في وجود الخوف في قلب الإنسان هو أصل الإيمان، فإذا انتفى بالكلية وخرج جذر الخوف من قلب الإنسان من الله خرج من الإيمان، يقول الله : ((أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ)) وهذا إنكار عليهم ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] وهذا وصف لأهل الكفر.
стр. 125
اليأس من رحمة الله
وأما الخصلة الثانية فهي القنوط من رحمة الله ، ومعنى القنوط من رحمة الله: اليأس من رحمة الله، والشعور بأنه لا يمكن لرحمة الله أن تناله مطلقاً، والقنوط من رحمة الله طعن في قدرة الله ورحمته، فالقنوط المطلق كفر مخرج عن الإسلام، والقنوط المطلق: هو الذي لا يكون معه رجاء مطلقاً، بحيث لا يوجد عنده أصل الرجاء، فهذا كفر مخرج عن الملة.
والنوع الثاني من القنوط: هو القنوط الذي يجعل الإنسان يخاف من عدم المغفرة إلى درجة سوء الظن بالله ، ولكن يبقى عنده أصل الرجاء، فهذا ليس بكفر أكبر، بل هو من الكفر الأصغر والشرك الأصغر.
والدليل على أن اليأس من رحمة الله من الكفر هو قول الله في قصة يوسف ﵇: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] وروح الله: رحمة الله ، واليأس: هو القنوط، يقول الله : ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦]، فلا بد من وجود أصل الرجاء عند العبد، ولهذا جاء في حديث ابن عباس أن الرسول ﷺ سئل عن الكبائر فقال: (الشرك بالله، واليأس من روح الله) واليأس معناه: القنوط، والقنوط معناه: اليأس، وروح الله: رحمة الله، ثم قال: (والأمن من مكر الله) فهذه أمور معدودة في الكبائر.
وعن ابن مسعود قال: أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله.
رواه عبد الرزاق، وإسناده صحيح.
ويلحظ في كلام ابن مسعود التفريق بين القنوط من رحمة الله واليأس من روح الله، وقد ذكر بعض الشُرَّاح فرقاً لطيفاً، وهو أن القنوط استبعاد لرحمة الله، واليأس استبعاد لزوال المكروه؛ فكأن اليأس مرتبط بالمكروه الذي يحصل للإنسان، مثل المرض والبلاء ونحو ذلك، والقنوط كأنه من الأمور المتعلقة بالذنوب والمعاصي، فإذا أذنب وعصى فإنه قد يصل إلى مرحلة يقنط فيها من رحمة الله.
فهذا هو التفريق الذي ذكره بعض الشُرَّاح، وإن كان أن القنوط واليأس بمعنى واحد في العموم.
стр. 126
ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله وأثر ذلك على توحيد الربوبية
قال المؤلف ﵀: [باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله.
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حُلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله).
رواه ابن ماجه بسند حسن].
هذا الباب متعلق بالشرك في توحيد الربوبية، ووجه علاقة هذا الموضوع بتوحيد الربوبية أن من لم يقنع بالحلف بالله فإن ذلك يدل على عدم تعظيمه لله ، وهذا نقص في توحيده، فمن حُلف له بالله وهو يعرف أن الحالف صادق، ثم لم يقنع دل ذلك على أنه لا يعظّم الله ، وليس لله مكانه في قلبه.
وهناك فرق بين نوعين من الناس: نوع يحلف وهو كاذب وتعرف أنه كاذب، فهذا لا يلزم أن تصدّقه؛ لأن الشك ليس في الحلف، بل الشك في الشخص الحالف.
والنوع الآخر المقصود بهذا الحديث، وهو من عُرف بالصدق ثم حُلِّف بالله ، فلم يقنع بالحلف، بل يريد أن يحلف بمعظّم آخر، أو يريد أن يقنعه بأمر آخر غير الحلف، كأثر من الآثار المادية ونحو ذلك، فهذا لا شك في عدم تعظيمه لله ، وهذا يدل على نقص في توحيد هذا الإنسان، والحديث هو عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تحلفوا بآبائكم) وهذا من الشرك؛ لأن الحلف تعظيم، فإذا حلف بغير الله فمعنى هذا أنه عظّم غير الله ، والأصل في الحلف بغير الله أنه شرك أصغر، وأنه من الشرك الذي يتعلق بالألفاظ، وسيأتي الحديث عنه في شرك الألفاظ.
قال ﷺ : (لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدُق)، وهذا أمر بأن يبتعد الإنسان عن الكذب في الحلف بالله؛ لأن من كذب وهو يحلف بالله فقد وقع في اليمين الغموس إن كان ما يحلف عليه أمراً ماضياً، وإن كان أمراً مستقبلاً دل ذلك على عدم تعظيمه لله ، والحلف بالله في أمر ماض كقوله مثلاً: والله لقد حصل قبل أيام كذا وكذا وهو كاذب، فهذه هي اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في نار جهنم، ومن حلف بالله مستقبلاً وهو ينوي أنه لن ينفذ، أو جاء الوقت ولم ينفذ كان ذلك دليلاً على عدم تعظيمه لله ، قال: (ومن حلف له بالله) أي: من حلف له بالله من شخص صادق (فليرض) يعني: فليرض بالحلف بالله ، (ومن لم يرض فليس من الله) وهذا وعيد شديد يدل على أن من لم يقنع بالحلف بالله فهو غير معظّم لله.
وبعض الناس -مثل أصحاب القبور- قد يأتي ويحلف بالله كثيراً ولا يصدُق، ولا يمكن أن يحلف بالولي مرة واحدة ويكذب، وذلك لأن هذا نابع عن عقيدة فاسدة عنده، وهي أن الولي له تأثير على أولاده، وماله، وصحته، وأهله، ويقول: الله غفور رحيم، ويأمن من مكر الله .
стр. 127
ما جاء في الإقسام على الله وأثره على توحيد الربوبية
قال المؤلف ﵀: [باب ما جاء في الإقسام على الله.
عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله : من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك).
رواه مسلم.
وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد، قال أبو هريرة: تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.
] هذا التألي على الله ، والإقسام عليه ، وهو من سوء الأدب معه والإدلال عليه ، وهذا راجع إلى عدم تعظيمه لله ، وهو مناف للتوحيد، ولهذا نحن جعلناه متعلقاً بتوحيد الربوبية؛ لأنه ليس في قلبه تعظيم لله .
ولقد جاء في هذا الحديث: (قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله : من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك) فهذا يدل على وجود عجب في قلب هذا الإنسان.
ولهذا فإن كثيراً من الناس قد يحتقر بعض أصحاب المعاصي إلى درجة أنه يشعر بأنهم من أهل النار والعياذ بالله، وأنه هو -لحصول بعض الطاعات منه- من أهل الجنة، وهذا خطأ، فإن الواجب أن ينظر الإنسان إلى نفسه بنظر المقصر ولا يتألى على الله ، فقد تكون عند الآخر معصية واحدة، وعندك معاص كثيرة وأنت لا تشعر بها، فقد يكون عندك رياء، أو سمعة، أو أي معصية من المعاصي، ولهذا لا يجوز للإنسان أن يتألى على الله ، فيقول: والله لا يغفر الله لفلان، أونحو ذلك من العبارات.
стр. 128
ما جاء في الاستشفاع بالله على خلقه وخطره على توحيد الربوبية
قال المؤلف ﵀: [باب: لا يستشفع بالله على خلقه.
عن جبير بن مطعم قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللهً! نُهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال، فاستسق لنا ربك فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله.
فقال النبي ﷺ : (سبحان الله، سبحان الله!) فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال النبي ﷺ : (ويحك! أتدري ما الله؟! إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه).
وذكر الحديث، رواه أبو داود.
] هذا الباب متعلق بمسألة عدم تعظيم الله ، فإن هذا الرجل جاء إلى النبي ﷺ وقال: إنا نستشفع بالله عليك، يعني: نتوسط بالله عندك، فالشفاعة: هي الوساطة، يعني: ندعو الله بأن يتوسط عندك فتدعو الله ، وهذا عدم تعظيم لله ، فإن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، بل هو مالك الشفاعة، وهو معطيها ، وهذا اللفظ يدل على عدم تعظيم الله ، وهو منافٍ لتوحيد الربوبية من جهة أنه عدم تعظيم لله .
وهذا ليس من الشرك الأكبر، بل هو من الشرك الأصغر؛ لأنه يتعلق باللسان، وغالب الناس لا يقصد حقيقة أن الله أقل شأناً من النبي ﷺ ، فقد يكون معنى اللفظ خطير، لكن قد لا يكون صاحب هذا اللفظ يقصد ذلك المعنى، ولهذا لم يرتب النبي ﷺ أحكام الردة عليه، ولم يستتبه النبي ﷺ .
أما الإقسام على الله السابق فهو بحسبه، فإن كان تألى على الله -بمعنى أنه قال: والله لا يغفر الله لفلان- من جهة أنه رأى أن هذا العبد مفرّطاً فالحبوط الموجود في العمل هو حبوط جزئي، وإن كان المقصود أنه إلزام لله بأن الله لا يغفر لهذا الشخص؛ فهذا لا شك في أن الحبوط المقصود به حبوط كلي، ويكون ناقلاً عن الملة، فالإقسام على الله ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يتألى شخص على الله تألياً مطلقاً تاماً، فهذا من الشرك الأكبر.
والثاني: أن يرى أن هذا الشخص صاحب معصية، فيرى أنه من أهل النار، وهذا يكون الحبوط فيه حبوطاً جزئياً، والشرك فيه شركاً أصغر.
стр. 129
ظن السوء بالله وخطره على توحيد الربوبية
قال المؤلف ﵀: [باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٤].
وقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح:٦] قال ابن القيم في الآية الأولى: فسِّر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل.
وفسِّر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته، ففسِّر بإنكار الحكمة وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله، وأن يظهره الله على الدين كله.
وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا ظن السوء؛ لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق.
فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره بحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة، فذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار.
وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده.
فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله ويستغفره من ظنه بربه ظن السوء.
ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتا على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك، هل أنت سالم؟ فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلا فإني لا أخالك ناجياً] هذا الباب: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤] المقصود به هو ظن السوء بالله ، وهو متعلق بتوحيد الربوبية؛ لأنه عدم ثقة بأفعال الله وأخباره وأقواله ، وقد فسّره ابن القيم ﵀ ونقل كلام أهل العلم في تفسيره، بأمرين: الأمر الأول: هو ظن أن الله لن ينصر رسوله ولن يظهر أمره، وأن أمر هذا الدين سيضمحل.
والأمر الثاني: هو ظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته، وهذا يدل على أنهم من المنكرين للقدر.
بناء على ذلك نقول: حكم الظن بالله غير الحق ظن الجاهلية إذا كان المقصود به أن الله لن ينصر هذا الدين تكذيباً لخبر الله ، وتكذيباً لوعده بظهور هذا الدين، حكمه أنه كفر أكبر مخرج من الملة، ولهذا جعل الله هذه الصفة -وهي الظن بالله غير الحق ظن الجاهلية- في هؤلاء المنافقين.
وأما إذا كان المقصود بالظن هنا: أنهم يظنون أن ما يحصل لهم من المصائب، وما يحصل لهم من النعم ليس بقدر الله ، فذلك داخل في الموضوع الذي سبق أن شرحناه، وهو حكم إنكار القدر؛ وقد بيّنا حكم إنكار القدر بالتفصيل.
стр. 130
الشعور بالإحباط من انتصار دين الله من سوء الظن بالله
هناك نوع من الظن بالله غير الحق ظن الجاهلية لا يدخل في الكفر الأكبر، وهو الشعور بالإحباط في انتصار هذا الدين مع الإيمان بوعد الله ، والإيمان بخبر الله في انتصاره، فهذه المشاعر التي تحصل عند كثير من الناس عندما يرى أحدهم جهامة الباطل وقوته، ويرى ضعف أهل الحق، قد يخالطه شعور بأنه لن ينتصر هذا الدين مع وجود أسلحة الدمار الشامل، ولن يظهر هذا الدين، ولن تكون له صولة وجولة بشكل كبير.
فنقول لمن هذا حاله أولاً: لا يشترط في ظهور هذا الدين أن يكون له دولة عظيمة وكبيرة، وإنما ظهور هذا الدين هو ظهور حجته وبيانه، واستمراره وعدم انقطاعه، وقبول كثير من الناس له.
ثانياً: أن الله أخبر أن هذا الدين سيظهر، ولا بد من الإيمان بخبر الله ووعده، ولا بد من التصديق بذلك، ومن شك فهو على خطر في عقيدته، وأما من خالطته مشاعر وهو غير شاك فذلك دليل على ضعف الإيمان عنده، ولكن لا يخرجه ذلك من الملة، وإنما يخرج من الملة من كذّب خبر الله أو شك فيه، مع أن الواقع هو أن الحق منتصر ولله الحمد، وليس الانتصار دائماً بالسيف، وإنما يكون بالحجة، كما قال النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين)، قال الشيخ عبد الرحمن با بطين: ظاهرين بالحجة دائماً.
يعني: أصحاب حجة وبيان، وبالسيف أحياناً، فقد تكون لهم دولة في بعض الأحيان وقد لا تكون لهم دولة في بعض الأحيان.
стр. 131
بيان عظمة الله تعالى وقدرته ومكانته
قال المؤلف ﵀: [باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧]].
هذا فيه بيان أن المشركين ما عظّموا الله ، ولا عرفوا قدره ومكانته وكبرياءه وعظمته، مع أن الأرض يوم القيامة ستكون في قبضة الله ، ولهذا ستأتي أوصاف تبيّن أن الله هو الكبير المتعالي ، وأنه صاحب الكبرياء ، وتبيّن أن الإنسان إذا عظّم الله فإنه يكون موحداً توحيداً صحيحاً، وكل ما سبق من نسبة النعمة لغير الله، أو عدم القناعة بحلف من حلف بالله وهو من الصادقين المعروفين، أو من أقسم على الله وتألى عليه، أو استشفع به على غيره، أن كل ذلك يدل على عدم تعظيم الله ومعرفة منزلة الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن ابن مسعود ﵁ قال: (جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! إنا نجد أن الله يجعل السماوات على أصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧]).
وفي رواية لـ مسلم: (والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك وأنا الله).
وفي رواية للبخاري: (يجعل السماوات على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع) أخرجاه.
ولـ مسلم عن ابن عمر مرفوعاً: يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين السبع، ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟.
وروي عن ابن عباس قال: ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم.
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: حدثني أبي، قال: قال رسول الله ﷺ : (ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس).
قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض).
وعن ابن مسعود قال: بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم.
أخرجه ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله.
ورواه بنحوه المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله.
قاله الحافظ الذهبي ﵀، قال: وله طرق.
وعن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله ﷺ : (هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قلنا: الله ورسوله أعلم.
قال: بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء خمسمائة سنة، وبين السماء السابعة والعرش بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله سبحانه تعالى فوق ذلك، وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم).
أخرجه أبو داود وغيره].
هذا الباب الأحاديث المذكورة فيه كلها تدل على تعظيم الله ومكانته وكبريائه ، وقد عقده المصنف ليبيّن أمرين مهمين: الأمر الأول: أن تعظيم الله ومعرفة كبريائه ، ومعرفة منزلة الله سبب في البعد عن الشرك في الربوبية، سواء في إنكار القدر، أو في الإقسام على الله، أو في التألي عليه، أو في الاستشفاع به على غيره من خلقه، أو نحو ذلك من أنواع القدح في الربوبية التي سبق أن أشرنا إليها.
الأمر الثاني: أنه أراد أن يختم كتابه (كتاب التوحيد) ببيان برهان من أعظم براهين توحيد الألوهية، وهو عظمة الله وكبرياؤه، فإن من عرف عظمة الله وكبرياءه عرف أنه هو المعبود وحده، وأنه هو المستحق للعبادة وحده دون شريك، فهذا برهان من براهين توحيد الألوهية، ولهذا ختم به المصنف ﵀ كتابه.
وبقي معنا موضوع واحد، وهو: إنكار توحيد الأسماء والصفات.
وهذا الدرس سميناه: الشرك في توحيد الربوبية والأسماء وا
стр. 132
الأسماء والصفات وحكم من جحدها أو جحد شيئاً منها
قال المؤلف ﵀: [باب من جحد شيئاً من الأسماء والصفات.
وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠].
وفي صحيح البخاري: قال علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكذّب الله ورسوله؟! وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس أنه رأى رجلاً انتفض لما سمع حديثاً عن النبي ﷺ في الصفات استنكاراً لذلك، فقال: ما فرق هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه؟! ولما سمعت قريش رسول الله ﷺ يذكر الرحمن أنكروا ذلك، فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠]].
توحيد الأسماء والصفات ثابت لله ، وهو نوع من أنواع التوحيد الثلاثة.
والأسماء الثابتة لله هي الأسماء الحسنى، والمقصود بالحسنى: التي بلغت الغاية في الحسن والجمال والكمال لله ، والصفات: هي الصفات العليا الثابتة لله ، والصفات تنقسم إلى أقسام متعددة بحسب جهة التقسيم، فهي تنقسم باعتبار تعلقها بذات الله إلى قسمين: صفات ذاتية، وصفات فعلية.
أما الصفات الذاتية: فهي الصفات التي لا تنفك عن الله ، ولا تتعلق بالمشيئة، مثل العلم، والحياة، والإرادة، والعينين، واليدين، والوجه، ونحو ذلك من الصفات الذاتية التي لا تنفك عن الله بأي وجه من الوجوه.
النوع الثاني من الصفات: الصفات الفعلية، وقد يعبّر عنها بعض العلماء بالصفات الاختيارية، وهي الصفات التي يفعلها الله بإرادته ومشيئته واختياره، فإذا شاء فعلها وإذا لم يشأ لم يفعلها، فهي متعلقة بمشيئة الله ، مثل الكلام، والضحك، والغضب، والنزول، والاستواء، ونحو ذلك من الصفات التي تسمى بالصفات الفعلية.
والصفات الفعلية تنقسم إلى قسمين: صفات لازمة لذات الله ليس لها أثر متعد، وصفات متعدية إلى الخلق، وتسمى صفات الربوبية.
ومثال الصفات اللازمة: الضحك، والغضب، والنزول، والاستواء.
ومثال الصفات المتعدية: الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، والتدبير، ونحو ذلك.
ومن جحد الأسماء والصفات ففي توحيده خلل؛ لأنه يجب أن يسمي الله بما سمى به نفسه وبما سماه به رسوله ﷺ ، وأن يصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ .
فمن جحد شيئاً من أسماء الله، أو من صفات الله فقد وقع في خلل وقدح ونقض للتوحيد، والجحد: معناه الإنكار.
والإنكار ينقسم إلى قسمين: إنكار تكذيب، بحيث يكذّب بأسماء الله أو ببعضها، أو يكذّب بصفات الله أو ببعضها، فالمكذِّب لو كذّب بصفة واحدة أو باسم واحد فهو كافر وليس بمسلم.
القسم الثاني: جحود من جحد شيئاً من أسماء الله وصفاته، أو جحدها جميعاً يكون متأولاً، فعنده جحد التأول أو التأويل، وهذا النوع من أنواع الجحد يدخل في قاعدة تكفير المتأول التي سبق أن أشرنا إليها، وهي أنه إذا كان تأوله قريباً، وكانت عنده شبهة وإشكال من حيث اللغة فلا يكفر، وإنما يكون تأوله بدعة مخالفة لطريقة الصحابة رضوان الله عليهم وسلف هذه الأمة، وأما إذا كان تأوله بعيداً من حيث اللغة فهذا كفر مخرج عن الملة، والشيخ إنما ساق هذه الأدلة ليدلل على هذه القضية، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠] فإنكار أسماء الله من صفات الكفار، فقوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠] يعني: لا يؤمنون به، ولهذا لما جاء سهيل بن عمرو قبل إسلامه إلى النبي ﷺ وهو في الحديبية وكتب كتاب الصلح بينهم قال النبي ﷺ للكاتب: (اكتب باسم الله الرحمن الرحيم) فقال: أما الرحمن فلا نعرفه، قل: (باسمك اللهم)، ولهذا قال الله عنهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠] وكفرهم بالرحمن لا يعني أنهم ينكرون وجود الله، وإنما يكفرون بالاسم، فهم يعترفون بوجود الله بدليل قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، ولكن يكفرون بأن يكون هذا اسماً لله ، وفي صحيح البخاري قال علي: حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكذَّب الله ورسوله؟! ولهذا روي عن ابن مسعود أنه قال: ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.
وهذه الآثار ساقها الشيخ هنا ليبيّن أن كثير من الناس ممن يتكلم في الأسماء والصفات قد لا يحسن الكلام فيها، فيشكك الناس فيها، ولا يعني هذا أننا لا نتكلم مع الناس في الأسماء والصفات، فالقرآن مليء بالأسماء والصفات، والسنة
стр. 133
كتاب التوحيد [٧]
أول شرك وقع في حياة البشرية كان بسبب الغلو في الصالحين وتعظيم آثارهم، والعكوف على قبورهم، ومن هنا بدأ شرك القبوريين حتى أصبح من أبرز أنواع الشرك في حياة الناس، وحقيقته هو عبادة أصحاب القبور من دون الله تعالى، وللقبوريين شبهات يتعلقون بها ويسوغون بها شركهم وباطلهم، وقد أجاب عنها علماء أهل السنة والجماعة بما يشفي العليل ويروي الغليل، ومن أبرزهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه كشف الشبهات.
стр. 134
القبوريون وشبهاتهم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد: فهذا هو الدرس السابع، وهو في شبهات القبوريين، والقبوريون: هم الذين يعبدون القبور، ويعكفون عندها، ويعظمونها، ويغلون فيها.
وقد بدأت القبورية في تاريخ الإنسانية منذ بداية الشرك، بل إن أول شرك وقع في حياة الإنسانية كان بسبب الغلو في الصالحين، وتعظيم آثارهم، والعكوف على قبورهم.
وهكذا استمر الشرك في الإنسانية، وفي التاريخ البشري، وكان أبرز نوع من أنواع الشرك في حياة الناس هو التعبد لأصحاب القبور.
والشبهات التي عند أصحاب القبور التي يسوغون بها الشرك كثيرة جداً، بل إنه عند التفصيل وعند تكثير الأنواع يمكن أن تصل إلى ثلاثمائة شبهة تقريباً، وهذه الشبه جمع أهمها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب (كشف الشبهات)، فقد جمع قرابة عشر شبهات، وهي من أهم الشبهات التي يتذرع بها أصحاب القبور فيما يقومون به من شرك مناقض لتوحيد الألوهية.
وسبق أن بينا أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وأن بعثة الرسل كانت من أجل تقرير هذا النوع من أنواع التوحيد، ولهذا كان أهل الشرك في زمن الأنبياء يعرفون أن الله هو الخالق، الرزاق، المحيي، المميت، المدبر، الذي بيده مقاليد كل شيء، وأنه لا خالق إلا هو، ولا رازق إلا هو .
كانوا يعرفون ذلك معرفة تفصيلة، ولكن وقع الشرك عندهم في توحيد الألوهية في عبادة غير الله ، يقول الله : ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١]، وهناك مجموعة كبيرة من الآيات تدل على هذا المعنى.
فإذا عرف الإنسان حقيقة شرك المشركين، وعرف أنهم كانوا يقرون لله بتوحيد الربوبية، ويعتقدون أن الله هو الخالق، الرزاق، المحيي، المميت وحده، وعرف أن هذا التوحيد لم ينفعهم عند الله مع أنه نوع من أنواع التوحيد، إذا عرف ذلك عرف التوحيد المطلوب في النجاة عند الله ، وهو توحيد الألوهية.
فمن جاء إلى الله وهو مقر بتوحيد الربوبية وغير مقر بتوحيد الألوهية فلا يقبل الله منه هذا النوع من التوحيد، يقول الله : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦].
فأثبت لهم نوعاً من أنواع الإيمان، لكن هذا النوع من أنواع الإيمان ما كان لينفعهم؛ لأنهم كانوا يشركون مع الله في الألوهية، ولهذا استحل النبي ﷺ دماءهم وأموالهم، وفارقهم، وفاصلهم، وقاتلهم، وميز بين أتباع دينه وأتباع دينهم، وحصلت بينه وبين قومه معارك كبيرة ومشهورة، وولاء لأصحابه، وعداء للمشركين.
كل هذا يدل على أن الإيمان بتوحيد الربوبية وحده غير كاف، وأنه لا بد للإنسان -ليكون موحداً عند الله من أن يؤمن بتوحيد الألوهية المتضمن لتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.
وينبغي أن يعلم الإنسان أن أهل الشرك ما زالوا إلى اليوم، وأنه لم ينقطع الشرك في حياة هذه الأمة، وسيأتي معنا باب عن هذا الأمر بالتفصيل، فالشرك ما زال واقعاً في هذه الأمة، ولا يمكن أن تطبق هذه الأمة بأكملها على عبادة غير الله وتقع كلها في الشرك.
وسنبدأ في بداية الأمر بالباب الثاني والعشرين، وهو الباب الذي يتعلق بكون بعض هذه الأمة يعبد الأصنام ويعبد الأوثان، وهذا يدل على أن الشرك سيبقى في حياة الأمة، ويحتاج منا إلى أن نتعلم العقيدة الصحيحة، ونتعلم كيفية مواجهة هؤلاء المشركين.
стр. 135
وقوع الشرك في أمة محمد ﷺ
قال المؤلف ﵀: [باب: ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان.
وقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٥١]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة:٦٠]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١].
وعن أبي سعيد ﵁: (أن رسول الله ﷺ قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟! قال: فمن؟!)، أخرجاه].
الآيات الثلاث الأولى في هذا الباب تتعلق بالأمم الأخرى، فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النساء:٥١] يعني: اليهود والنصارى، ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٥١] الجبت: هو السحر، والطاغوت: هو الشرك عموماً، وفسره جابر بأن كهاناً في أحياء من العرب كانوا يتكهنون للناس ويخبرونهم بالمغيبات، فهذه الآية هي في شرك المشركين السابقين، ولا علاقة لها بهذه الأمة بشكل مباشر.
والآية الثانية هي قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة:٦٠]، والطاغوت: هو الشرك، وهذه الآية أيضاً في اليهود.
والآية الثالثة قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١]، وهذا كان في زمن أصحاب الكهف.
فالآيات الثلاثة كلها في الأمم السابقة، ولكن علاقتها بموضوع كون بعض هذه الأمة يعبد الأصنام هي أن النبي ﷺ أخبر خبراً عن أمر سيقع في هذه الأمة، وهو مشابهة جزء من هذه الأمة لليهود والنصارى والمشركين، فقال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه).
فإذا كان المشركون السابقون قد وقعوا في الشرك فإنه سيقع في هذه الأمة أيضاً بمقتضى خبر النبي ﷺ ، وكما أن من هذه الأمة من شابه الأمم السابقة في كثير من الأمور، سواء المتعلقة بالعقائد أو السلوك، فكذلك في هذه الأمة من سيقع في عبادة الأوثان كما وقع فيها بعض الأمم السابقة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولـ مسلم عن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها -أو قال: من بين أقطارها- حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً)، ورواه البرقاني في صحيحه وزاد: (وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى يعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ﵎].
الشاهد من هذا الحديث هو في الزيادة التي رواها البرقاني في صحيحه وهي جزء من حديث ثوبان الطويل، وموطن الشاهد فيه هو قوله: (ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين)، وهذا تصريح بوقوع الشرك في هذه الأمة، (وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان)، وهذا أيضاً واضح، (وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي)، يعني من يدعي النبوة، والعدد في قوله: [ثلاثون] ليس مقصوداً، أو يحمل على أنه أقل نوع كما ذكر ذلك بعض الشراح.
قال: (وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي) ثم قال: (ولا تزال طائفة من أمتي على الحق)، إلى آخره.
والداعي لعقد هذا الباب هو أن الشيخ وجد من القبوريين من يزعم أن الشرك لا يمكن أن يقع في هذه الأمة، وعندما أظهر الشيخ الدعوة إلى توحيد الألوهية ونبذ الشرك في الألوهية انتقده البعض من هؤلاء وقالوا: إن الشرك لا يمكن أن يعود مرة أخرى في المسلمين،
стр. 136
الرد على شبهات القبوريين
ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كشف الشبهات عشر شبهات ثم رد عليها.
وفي بداية الكتاب قدم الشيخ بمقدمة عن حقيقة التوحيد، وعن حقيقة الشرك الذي وقع فيه المشركون، وعن طريق المعرفة الصحيحة لتوحيد المرسلين، وتحدث عن أعداء التوحيد، وأن الله سبحانه وتعال قدر لهذه الأمة أن يوجد لها أعداء: للأنبياء الذين بعثوا فيهم، ولأتباع الأنبياء أيضاً، يقول الله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢].
فهؤلاء الأعداء عندهم علم وفهم وحجج وكتب، ولديهم قدرات وإمكانات، فيأتون بالشبه إلى الناس، ويلبسون عليهم، كما قال الله : ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر:٨٣]، وهذا يدل على أن عندهم شيئاً من العلم أثبته الله لهم ففرحوا به، فهم أهل فصاحة، وأهل حجاج، وأهل علم، وهذا يقتضي من الموحد أن يتعلم التوحيد على صورته الصحيحة وبشكله الصحيح، ثم يعرف شبهات هؤلاء فيفندها ويرد عليها.
ثم بين رحمه الله تعالى أن الرد على شبهات هؤلاء يكون بطريقتين: الطريقة الأولى: طريقة مجملة أو جواب مجمل، والطريقة الثانية: طريقة مفصلة، أو جواب مفصل.
стр. 137
الرد المجمل على شبهات القبوريين
فأما الطريقة المجملة فإنها تصلح في كل شبهة من الشبهات، وهي: تطبيق قول الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧].
فإذا وجدت أمراً مشكلاً فعليك أن ترده إلى الأمر المحكم، والمحكم هو الواضح البين الجلي، وأما المتشابه فهو الغامض والخفي.
فإذا جاءك أحد القبوريين وأراد أن يستدل على جواز عبادة الأولياء، فبدأ يعظم لك الأولياء ويقول: إن الله يقول: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]، ويقول في الحديث القدسي: (من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، وبدأ يذكر لك فضل الولاية ومنزلتها ومكانتها يريد أن ينتقل من ذلك إلى جواز عبادته، وأنت لا تستطيع أن تجيب عليه جواباً تفصيلياً؛ فإنك تقول له بالجواب المجمل: إن الله أخبرنا في الكتاب، وأخبرنا النبي ﷺ في السنة أنه يجب أن نعبد الله وحده، وعندي على هذا مئات الأدلة التي تدل على أنه يجب أن أعبد الله وحده، وإن هذا الكلام الذي تقوله عن الأولياء والأنبياء لا أكذبه، ولكن كونك تستدل به على جواز العبادة استدلال فاسد؛ لأنه يناقض مئات الآيات التي هي عندي محكمة واضحة، وهذا مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله.
فهذا جواب مجمل عن كل الشبهات الخاصة بتوحيد الألوهية.
وهكذا الشبهات التي تتعلق بالأسماء والصفات، وهكذا الشبهات التي تتعلق بالإيمان، فإنك تذكر الشيء المحكم البين الواضح وتقول: هذا أمر بين ومحكم وواضح لا أحيد عنه شيئاً؛ لأن أصحاب الشبهات يأتون إلى بعض النصوص من القرآن، أو السنة، أو أعمال بعض الصالحين التي يكون فيها إشكال أو غموض، أو يكون لها تفسير آخر غير التفسير الذي يعرفه الإنسان، فيشغبون بذلك على العامة ويضللونهم.
فلو قال لك قائل: إن هناك نبياً من الأنبياء شك في قدرة الله وهو يونس، وذلك عندما قال الله : ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧]، وكيف يظن نبي من الأنبياء أن الله لن يقدر عليه، ولن يستطيع أن يعاقبه؟ فهو بهذا الأمر يتلاعب بك ويحاول إيهامك، مع أن المراد بقوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧]، يعني: نضيق عليه، وليس معنى (نقدر عليه) هنا من القدرة، وإنما المقصود به: نضيق عليه، فهي كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق:٧]، يعني: من ضيق عليه رزقه.
وهكذا يأتون إلى نماذج من هذه الآيات أو الأحاديث ثم يستدلون بها في غير موطنها وموضعها فيشككون الناس، فعلى الإنسان أن يكون عنده أدلة محكمات بينات واضحات يرجع إليها دائماً، وهذا هو المقصود بالجواب المجمل الذي ذكره الشيخ.
стр. 138
الرد على شبهة جاه الصالحين عند الله تعالى
أما الجواب المفصل فإنه بحسب تفصيل الشبهات، والشبهة الأولى التي ذكرها تتعلق بمفهوم التوحيد، وهي أنهم يقولون: نحن على التوحيد، ولا نرضى بالشرك، ونحن نؤمن بأن الله هو الخالق، الرازق، المحيي، المميت، ولكن هؤلاء الصالحين لهم جاه عند الله ، ونحن نريد أن نصل إلى الله عن طريقهم.
والخلل في هذه الشبهة هو في فهم التوحيد، فهؤلاء الأشخاص لم يفهموا التوحيد؛ إذ ظنوا أنه يكفي الإنسان أن يؤمن بأن الله هو الخالق، الرازق، المحيي، المميت، فإذا آمن بذلك حصل له حقيقة التوحيد، وانتفى عنه الشرك، وتصبح بقية أعماله صحيحة.
فنقول لهم: لقد فهمتم خطأ، فهذا جزء من التوحيد لا يكفي في الإيمان، فقد كان المشركون على ما أنتم عليه، إذ كانوا يقولون بأن الله هو الخالق، الرازق، المحيي، المميت، وعندنا آيات كثيرة تدل على ذلك، منها قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، وكانوا لا يريدون من أصنامهم إلا أن تقربهم إلى الله زلفى، أي: قربة، كما قال الله : ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، وعليه فإنكم وقعتم في نفس الشرك الذي وقع فيه الكفار السابقون.
فهذه الشبهة عندهم الجواب عنها هو أن نردهم إلى أصل محكم عندنا، وهو أن أهل الشرك كانوا يوحدون الله بتوحيد الربوبية، فما نفعهم ذلك؛ لأن توحيد الربوبية -مع أنه جزء من التوحيد- لا يكفي وحده، بل لا بد من أن يضاف إلى ذلك إفراد الله بالعبادة، فإذا لم يضف إلى ذلك فإن الإنسان يبقى على الشرك إذا أشرك.
стр. 139
الرد على شبهة التفريق بين عبادة الأصنام وعبادة الصالحين
الشبهة الثانية: تتعلق بالمقارنة بين معبود المشركين ومعبود القبوريين، حيث يقول هؤلاء القبوريون: كيف تقرنون بيننا وبين المشركين الأولين، مع أن المشركين الأولين كانوا يعبدون الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام، وكيف تجعلون الصالحين والأنبياء كالأصنام؟! فالأصنام -ولو قال المشركون: إنها تقربهم إلى الله زلفى- لا تقرب إلى الله في الحقيقة، وأما الأنبياء فيختلفون عن الأصنام، فإنهم سيقربوننا حقيقة؛ لأن لهم جاهاً حقيقياً عند الله ! والإشكال في هذه الشبهة هو أنهم ظنوا أن المشكلة التي وقع فيها المشركون الأوائل هي في كونهم اتخذوا آلهة من الأصنام الصماء التي لا تضر ولا تنفع، أما هؤلاء اتخذوا آلهة من الأنبياء والصالحين الذين لهم مكانة.
والرد عليهم يكون من وجهين: الوجه الأول: أن نقول: إن حقيقة الشرك واحدة، سواء صرفت لصنم ووثن أصم، أو صرفت لنبي له جاه ومكانة، فعبادة غير الله واحدة.
الوجه الثاني: أن نقول: إن الله بين في القرآن أن من المشركين من كان يعبد الأنبياء، ومنهم من كان يعبد الصالحين، ومنهم من كان يعبد الملائكة، يقول الله : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧]، فهذه الآية نزلت في قوم كانوا يعبدون قوماً من الجن، وكان هؤلاء الجنيون المعبودون يتقربون إلى الله ، أي: كانوا من الصالحين وكان أولئك يعبدونهم.
فهؤلاء عبدوا جناً صالحين، ومع ذلك اعتبرهم الله من المشركين، فالتفريق بين الأصنام والأنبياء والصالحين ليس له مسوغ، يقول الله : ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة:٧٥ - ٧٦]، فهذه طائفة -وهم النصارى- يعبدون المسيح من دون الله، والمسيح نبي من الأنبياء، ومع ذلك لم يعذرهم الله بكونه نبياً، فالله ما كفر المشركين لعبادتهم الأصنام لأنها حجارة صماء، بل لأن الذي يعبد نبياً أو ولياً أو صالحاً لا يكون معذوراً، فالعبادة في حقيقتها واحدة، سواء صرفت هنا أو هنا.
ويقول الله عمن يعبد الملائكة: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤١]، وهكذا.
فهذه الآيات تدل على أنه ليس هناك فرق بين من يعبد الأصنام وبين من يعبد الأولياء والصالحين، كما أنها تدل على أن هناك طائفة كبيرة من المشركين كانوا يعبدون الأنبياء، والأولياء، والملائكة، والجن، والصالحين، ومع ذلك اعتبرهم الله كفاراً.
стр. 140
الرد على شبهة إشراك المشركين الأولين في توحيد الربوبية
الشبهة الثالثة: تتعلق بمسألة حقيقة شرك المشركين، فنحن قد ذكرنا أن حقيقة شرك المشركين كانت في توحيد الألوهية، وكان المشركون يقرون بتوحيد الربوبية كما سبق أن بينا، ويدل على ذلك أدلة كثيرة جداً، فهذه الشبهة الثالثة هي أنهم يناقشون في ذلك ويقولون: المشركون الأولون كانوا يشركون في الربوبية، ولهذا اعتبرهم الله من المشركين؛ لأنهم قدحوا في توحيد الربوبية.
والرد عليهم أولاً بأن نستدل بالآيات الواردة في إثبات أن المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية وقد سبقت.
ثانياً: نستدل عليهم ببيان غرض المشركين من عبادتهم لهذه الأصنام، يقول الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، ويقول : ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨].
إذاً: كانوا يعرفون أن الله هو الخالق، الرازق، وكانوا يتخذون هذه الآلهة لتشفع لهم عند الله.
ثالثاً: أن الذي يتتبع واقع المشركين في أشعارهم، وأخبارهم، وأحوالهم، يعلم أنهم كانوا يعرفون الله؛ لأنهم كانوا يعظمون البيت، وكانوا يطوفون به عرايا، والسبب في طوافهم عرايا هو أنهم كانوا لا يريدون أن يطوفوا بالبيت بثياب أخذوها من الحرام تعظيماً لله، وكانوا يعرفون الأشهر الحرم ويحرمونها، وكانوا يسقون الحجاج، وكان الحجاج من كل الجزيرة العربية يأتون ويطوفون بالبيت، ويسعون، ويذهبون إلى منى، وإلى مزدلفة، ثم تذهب عامة العرب إلى عرفات، ويبقى القرشيون في مزدلفة ويقولون: نحن الحمس لا نخرج من الحرم تعظيماً له، ثم يعودون مرة أخرى، وكان الرجل إذا وجد غريماً له قتل أباه أو أخاه في الحرم لا يقتله أبداً تعظيماً للحرم.
ولهذا لما ذهب عبد المطلب إلى أبرهة قال له: كيف تسألني عن أبل وأنا جئت لأهدم كعبتكم؟ فقال: أنا رب أبلي وللبيت رب يحميه.
فكل هذا يدل على أنهم كانوا يعرفون الرب، ويعرفون الله، ويعرفون أنه هو المتفرد بالخلق، والرزق، والتدبير، لكن جعلوا هذه الأصنام وسائط بينهم وبين الله.
فالذي يريد أن ينكر حقيقة شرك المشركين عليه أولاً أن ينكر الآيات الدالة على ذلك، وينكر الآيات التي تدل على طبيعة شركهم وأنها في الشفاعة، وينكر حقائق التاريخ.
ومن أعجب ما وقفت عليه لهؤلاء القبوريين في رد الآيات الواردة الصريحة في أن المشركين كانوا يقرون بأن الله هو الخالق الرازق ما قاله محمد علوي المالكي في كتاب (مفاهيم يجب أن تصحح) لما جاء إلى قول الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، قال: (هذا قاله المشركون وهم كذبة) أي أن المشركين قالوا هذا الكلام وهم كاذبون في قولهم.
فنقول له: كيف عرفت أنهم كانوا كاذبين؟ فإن قال: لأنهم مشركون، فيكون شركهم معارضاً للتوحيد، وحقيقة التوحيد هي توحيد الربوبية، فكيف يعترفون بأن الله هو الخالق، الرازق؟! فلا بد من أن يكونوا كذبة.
إن قال ذلك قلنا له: فلماذا لم يكذبهم الله في الآيات؟! وكيف يسكت الله عن ذلك؟ ثم إن هناك آيات أخرى كثيرة تدل على ذلك، ثم إن الواقع التاريخي يدل على ذلك، لكن الإنسان إذا كان في قلبه مرض، وكان يريد أن يصل بشبهته إلى شهوته فسيكون من هذا النوع، والعياذ بالله.
وعلى هذا عامة الصوفية المتأخرين من القبوريين وإن لم يكن كل الصوفية، ففي الصوفية من لم يصل إلى هذه الدرجة.
стр. 141
الرد على شبهة حصر العبادة في التقرب إلى من يعتقد فيه الخلق والرزق
الشبهة الرابعة: تتعلق بمفهوم العبادة، فيقول القبوري: إن الشرك هو عبادة غير الله، وأنا لا أعبد هذه القبور ولا أعبد هذه الأضرحة، فنقول له: أنت تأتي فتذبح عندها، فيقول: هذا ليس عبادة، فنقول: أنت تأتي فتضع النذور عندها، فيقول: هذا ليس عبادة، فنقول: أنت تسجد لها، فيعيد ويقول: هذه كلها ليست عبادة، فنقول له: فما هو تعريف العبادة عندكم؟ فيقول: العبادة عندنا: هي أن تقدم الأعمال التعبدية لمن تعتقده خالقاً رازقاً أي: يربط الأفعال بالربوبية، وعليه لا يقع الشرك إلا في الربوبية فقط، أما في الألوهية فلا يمكن أن يقع الشرك استقلالاً، بل لا بد من أن يربطه بالشرك في الربوبية؛ لأن التوحيد عندهم هو توحيد الربوبية فقط، وأما الألوهية فليست داخلة في التوحيد، وإنما هي من الكمالات ومن الأمور المستحبات، وليست داخلة في أصل الدين.
والرد عليهم في هذه الشبهة يكون بأمور: أولاً: نبين لهم مفهوم العبادة الشرعي، ونبين لهم مفهوم العبادة في اللغة، وأن العبادة في اللغة لم تستخدم في الأفعال التي تقدم لمن يعتقد فيه الرزق، والخلق، والرزق، والتدبير، والربوبية، وإنما التعبد في اللغة هو التذلل، والخضوع، فهي مأخوذة من قولنا: طريق معبد: إذا ذللته الأقدام بكثرة المسير عليه.
وهكذا في عامة لغة العرب، فليس فيها التعريف الذي جاءوا به.
ثم إذا جئنا إلى الشرع سنجد أن الله وصف المشركين بأنهم يعبدون غير الله مع أنهم يقرون بأن الله هو الخالق، الرازق وحده، ولا يصرفون لآلهتهم الربوبية، ولهذا فهم يعترفون حقيقة بأنهم لا يضرون ولا ينفعون، ولكن يريدون منهم الشفاعة، والوساطة عند الله .
ونقول لهم: إن الله يقول: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، فهل الصلاة إذا صليت لله عبادة؟ فسيضطر إلى أن يقول: نعم، فنقول: هل الذبح لله يوم عيد النحر عبادة؟ فسيقول: نعم هو عبادة، فنقول: إذا صرفتها لله اعتبرتها عبادة، وإذا صرفتها لغير الله لا تعتبرها عبادة! من أين لك هذا التفريق؟! فهذا التفريق ليس له مسوغ وليس عليه دليل، وإنما هو تحكم وهوى.
والرد الآخر: بيان حقيقة عبادة المشركين، وأنهم وقعوا في شرك الدعاء والذبح وطلب الشفاعة من دون الله كما سبق بيانه.
стр. 142
الرد على شبهة إثبات الشفاعة للنبي ﷺ لطلبها منه في الدنيا
الشبهة الخامسة: شبهة طلب الشفاعة، فإنهم يقولون للموحد: هل تنكر شفاعة الرسول ﷺ ؟ فيقول لهم الموحد: لا، فيقولون له: إذاً: نحن نطلب الشفاعة من الرسول ﷺ الذي يملك الشفاعة.
والرد عليهم أن نقول: إن النبي ﷺ لا يملك الشفاعة الآن ولا يملكها في القبر، وإنما يملكها يوم القيامة بعد أن يسجد بين يدي الله ويدعو بما ييسره الله له، ثم يقول الله له: (ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع)، أما قبل ذلك فإنه لا يملكها.
فإذا قال لنا: ما هو الدليل على أن النبي ﷺ قبل ذلك لا يملكها؟ نقول: الله يقول: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤]، فالله يحصر الشفاعة له، فهو مالك الشفاعة لا يعطيها إلا يوم القيامة في وقت محدد، وبناء على هذا فالذي يطلبها منه في الدنيا فإنه يطلب من الرسول ﷺ مالا يملك، وكذلك الذي يطلبها من المقبور يطلبها ممن لا يملك هذه الشفاعة.
ولهذا لم يطلب أحد من الصحابة رضوان الله عليهم الشفاعة من النبي ﷺ في حياته وهو حي، وإنما كانوا يطلبون منه أن يدعو الله لهم، أما الشفاعة فإنها تكون يوم القيامة.
الرد الثاني: أن يوم القيامة لا يشفع فيه الرسول فقط، بل الملائكة يشفعون، والشهداء يشفعون، والصالحون يشفعون، والعلماء يشفعون، فلماذا لا تطلبون هذه الشفاعة منهم الآن أيضاً؟! فإن قالوا: نعم نطلبها منهم الآن، نقول: وقعتم في الشرك الذي وقع فيه المشركون، كما قال الله : ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨]، وحينئذ يلزمكم أن تعبدوا وأن تطلبوا الشفاعة من هؤلاء جميعاً، وهم لا يقولون بذلك، وإن قالوا: إنا لا نطلب من هؤلاء الأولياء من الصالحين والشهداء والملائكة الشفاعة الآن؛ لأنهم لا يملكونها الآن، فإننا نقول: وكذلك النبي ﷺ لا يملكها الآن، وإنما يملكها يوم القيامة، والدليل على أن النبي ﷺ وغيره لا يملك الشفاعة الآن هو أن الله بين أن الشفاعة عنده لا تنفذ ولا تنفع إلا بإذنه، فإذا كان الإنسان يطلبها من النبي ﷺ الآن وتحصل له فما هي فائدة ربطها بالإذن؟! فهذا يدل على أن الشفاعة لا تملك الآن.
الوجه الثالث: أن النبي ﷺ ذكر في قصة الحشر والبعث يوم القيامة إذا اجتمعوا بين يدي الله قوله: (أنا أول شافع وأول مشفع)، والأولية هنا في قوله: (أنا أول شافع)، تدل على أنه لو كان هناك أحد يشفع الآن في زمن البرزخ أو في زمن الحياة لما كان هو الأول، فقوله: (أنا أول شافع) يدل على أن الشفاعة لا تكون إلا يوم القيامة بعد إذن الله ورضاه عن المشفوع.
وهذا يدل على أن عقيدتهم في الشفاعة عقيدة فاسدة وباطلة، ونحن لا ننكر الشفاعة المثبتة التي أثبتها الله وأثبتها الرسول ﷺ بشروطها الشرعية يوم القيامة بعد إذن الله ورضاه عن المشفوع، وأما طلبها الآن فلا شك في أنه شرك؛ لأنه طلب من المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله .
стр. 143
الرد على شبهة حصر الشرك في صرف العبادة لمن تُعتقد ربوبيته
الشبهة السادسة: خلل في مفهوم الشرك، كما أن عند القبوريين خلل في مفهوم التوحيد، حيث اعتبروا التوحيد هو توحيد الربوبية فقط، وأن التوحيد الذي يكون الإنسان به موحداً هو أن يعتقد أن الله هو الخالق، الرزاق، المحيي، المميت وحده، ولو أنه عبد غير الله في الأعمال بدون ربط ذلك بالخلق والإيجاد، فلا يعتبرونه مشركاً.
وكذلك حصل الانحراف عندهم في موضوع الشرك، فجاءوا إلى مفهوم الشرك وقالوا: الشرك هو أن يصرف شيئاً من الأفعال والأعمال التعبدية لمن يعتقد فيه الربوبية، أما من لم يعتقد فيه الربوبية فليس صرف العبادة له بالشرك، ولهذا قالوا: نحن لسنا من المشركين ولو صلينا لأهل القبور، وسجدنا لهم، أو ذبحنا لهم، أو طلبنا الشفاعة منهم؛ لأننا نعتقد أنهم لا يملكون الخلق والرزق والتدبير، لأن الذي يملك ذلك هو الله، ونحن نقول لهم: إن اعتقاد امتلاك الخلق، والرزق، والتدبير شرك في الربوبية، وهو نوع من أنواع الشرك.
ومن أنواع الشرك أيضاً أن يصرف الإنسان نوعاً من أنواع العبادة لغير الله، كأن يطوف بقبر، أو يذبح لغير الله، أو يستغيث بغير الله، ولو كان لا يعتقد أنه هو الخالق والرازق؛ لأن المشركين كانوا لا يعتقدون أن الخالق والرازق هي تلك الأصنام، بل يعتقدون أن الخالق والرازق هو الله ، ومع ذلك بين الله أنهم وقعوا في الشرك عندما صرفوا لها شيئاً من أنواع التعبدات بالجوارح أو بالقلوب أو بالألسنة.
فعندما يقولون: نحن لسنا مشركين، نسألهم فنقول: ما هو الشرك؟ فإذا قالوا: الشرك عبادة الأصنام، نقول لهم: وما معنى عبادة الأصنام؟ وإذا قالوا: إن الشرك هو التعبد لغير الله، أو عبادة غير الله، نقول: وما معنى عبادة غير الله؟ فمثل هذه المصطلحات لا بد من تحريرها؛ لأن الخلاف بيننا وبينهم هو في مفاهيم هذه المعاني الشرعية، فهم يخالفوننا في مفهوم التوحيد، ويخالفوننا في مفهوم الإيمان، ويخالفوننا في مفهوم الشرك، ويخالفوننا في مفهوم الكفر، ويخالفوننا في مفهوم العبادة.
فلا بد من أن نعرف ماذا يعنون بهذه المصطلحات إذا قالوها؛ لأنهم قد يقولونها وفي أذهانهم مساحة معينة لها، ولها عندنا مساحة أخرى، فلا بد من الاستفصال، وهذه المسألة تسمى مسألة المصطلحات، وهي مسألة حساسة جداً، فلا بد من معرفة مراد المتكلم بهذا المصطلح، ففي اللغة العصرية الجديدة يقولون: لا بد من أن يكون عند الدعاة انفتاح فكري، فلا بد من أن نقول: ما معنى الانفتاح؟ بدلاً من أن نقول: عندنا انفتاح فكري، ونحن لا نعرف يعنون بهذا الانفتاح، فقد يقصدون بقولهم: ليس عندكم انفتاح معنى أنكم أناس منغلقون على الشريعة التي عندكم، وليس عندكم استعداد لأن تقتنعوا بالنظريات الغربية في الحياة الموجودة الآن، سواء في مجال العلوم الإنسانية مثلاً، أو الفلسفية، أو السياسة، أو في أي باب من الأبواب.
ومعنى هذا أن هؤلاء الذين يريدون الانفتاح يريدون أن نترك ديننا، وأن ننفتح على الغرب ونأخذ ما عندهم من العقائد الفاسدة باسم التنوير والتطوير، وحينئذ نكون منفتحين.
فنقول: هذا انفتاح لا نريده؛ لأنه انفتاح فاسد، وهو انفتاح يقتضي التخلي عن أحكام الشريعة، فإن ظننتم أن الشريعة نفسها لا تحث الإنسان على العلم والنظر والتفكير فهذا ظن فاسد، وظن سوء في الشريعة.
والشاهد هو أن المصطلحات لا بد من تحريرها وتحديدها عند المناقشة.
стр. 144
الرد على شبهة تكفير المشركين بغير عبادة الأصنام
الشبهة السابعة: هي أنهم قالوا: إن سبب تكفير الله للمشركين الأوائل ليس هو مجرد أنهم كانوا يعبدون غير الله كعبادة الأصنام، وإنما كانوا يكفرون بالقرآن، وبنبوة النبي ﷺ ، وبالإسلام، فكيف تشبهوننا بهؤلاء المشركين؟! فهؤلاء المشركين يكفرون بالقرآن ونحن نؤمن به! وهؤلاء المشركون يكفرون بنبوة النبي ﷺ ونحن نؤمن بها! وهؤلاء المشركون يكفرون بالإسلام ونحن نؤمن به! فكيف تشبهوننا بهؤلاء؟ فنقول لهم في الرد
و
الجواب
إن الإنسان لو كان مؤمناً بكل أحكام الدين ثم أنكر الصلاة فقط فهل يكون كافراً أم لا؟ والجواب: أنه يكون كافراً بإجماع العلماء.
ولو كان مقراً بكل شيء وأنكر الزكاة فهل يكون كافراً أم لا؟ ولهذا قاتل الصحابة الذين أنكروا الزكاة وسموهم مرتدين، ولو أن إنساناً أقر بكل شيء في أحكام الدين إلا أنه أنكر الحكم بما أنزل الله، وقال: لا نحكم بما أنزل الله فهل يكون كافراً؟ والجواب: يكون كافراً.
إذاً: لا بد من أن يعلم الإنسان أن كونه مقر بالقرآن، وبنبوة النبي ﷺ ، وبالإسلام، مع إنكاره لشيء واحد لا يعني أنه يكون غير كافر، فإذا أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة -ولو كان أمراً واحداً- فإنه يكفر، حتى ولو كان يقول: لا إله إلا الله، ويصلي، ويصوم، ويزكي، أو كان يعمل أي عمل من الأعمال الصالحة، ما دام أنه أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة ليس فيه خلاف ولا إشكال.
وأنتم -أيها القبوريون- أنكرتم عبادة الله ، وصرفتم العبادة لغير الله، فلو أقررتم بنبوة الرسول، وأقررتم بالقرآن، وأقررتم بكل أحكام الإسلام، ثم صرفتم العبادة لغير الله ، فهذا وحده كاف في أن يكفركم وأن يخرجكم من الدين.
ولهذا فإن كثيراً من الناس يشغب على أهل السنة ويقول: هؤلاء تكفيريون، وهؤلاء يشتغلون بالتكفير، ونحن نقول: إن أي دين ليس فيه تكفير فإنه ليس بدين، إذ لا بد من أن يكون له حياض، وإلا فلو أن إنساناً جاءنا وأنكر نبوة النبي ﷺ وكفرناه، فقال: لا تكونوا تكفيريين، فتركنا تكفيره، ثم جاء واحد آخر وأنكر القرآن فما كفرناه، ثم جاء آخر وأنكر وجود الله فما كفرناه، ثم جاء آخر وسب الله فما كفرناه، فإنه بهذه الطريقة لا يكون لنا دين أصلاً.
فنحن نكفر هؤلاء الذين أنكروا معلوماً من الدين بالضرورة وليقل الناس ما شاءوا، فلا يهمنا ذلك، بل ما يهمنا هو أننا منضبطون بالنصوص الشرعية، وأننا لا نكفر إلا من كفره الله، فلا نكفر اعتباطاً، وإنما نكفر من كفره الله ، وكفره الرسول ﷺ بالأدلة الواضحة البينة المقنعة التي ليس فيها إشكال ولا جدال.
والشيخ محمد بن عبد الوهاب في هذه الشبهة أطال الكلام في ذكر الأمثلة التي يكفر الإنسان بسببها، فذكر مثال الصلاة والحج والصيام وغير ذلك من الأحكام وأطال في ذلك وذكر أمثلة متعددة.
стр. 145
الرد على شبهة عصمة الدم والمال بنطق كلمة التوحيد
الشبهة الثامنة: هي شبهة المرجئة المشهورة، وهي أن من قال: لا إله إلا الله فإنه يعصم دمه وماله ولا يقتل ولا يكفر، واستدلوا على ذلك بحديث إنكار النبي ﷺ على أسامة بن زيد عندما قتل الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، والحديث هو أن النبي ﷺ قال لـ أسامة: (أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟!)، وذلك أن أسامة بن زيد تصارع مع رجل من المشركين في إحدى السرايا، فهرب المشرك من أسامة فطلبه أسامة، فلما علاه بالسيف قال: (لا إله إلا الله) فقتله، فلما جاء إلى النبي ﷺ وعلم النبي ﷺ بذلك قال: (أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟!) فقال: يا رسول الله! إنما قالها تعوذاً، يعني: قالها خوفاً من السيف، فقال: (أشققت عن قلبه؟).
ونحن نعامل الناس بالظاهر، فمن قال: لا إله إلا الله، فإنا نكف عنه القتل ثم نطالبه بالعمل، فإذا عمل بأحكام الإسلام صار من المسلمين، لكن لو قال: (لا إله إلا الله) ثم اشتغل بالكفر كأن -سجد لغير الله، أو مزق المصحف، أو نقض لا إله إلا الله بأي ناقض من النواقض- فإنه يكفر، فقول (لا إله إلا الله) يكفي في مسألة عصمة دم ونفس من قالها ابتداء، ثم ينظر في حاله، فإن أسلم واستمر على الإسلام وحسن إسلامه فهذا هو المسلم، وأما إذا لم يستمر على إسلامه، وارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام فإننا نستتيبه؛ فإن تاب وإلا قتل وهو غير مسلم.
فهذه شبهة ليست في مكانها، ولهذا أجمع الفقهاء على أنه الفقهاء لو أن إنساناً قال: (لا إله إلا الله) وجحد الصلاة فإنه يكفر، أو قال: (لا إله إلا الله) وجحد الصيام فإنه يكفر، ولو قال: (لا إله إلا الله) وجحد العبادة يكفر، ولو قال: لا إله إلا الله وجحد أي أمر من الأمور الشرعية فإنه يكفر بإجماع الفقهاء، ويقتل مرتداً، ولهذا فإن الفقهاء عندهم باب من أبواب الجنايات يسمى (باب حكم المرتد)، ويقولون فيه: إن الذي يرتد عن الدين يقتل ردة.
следующие страницы →