← Акыда

Акыда · id 37803

شرح كتاب التوحيد - عبد الرحيم السلمي

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (204 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أسباب موصلة إلى الشرك هناك جملة أسباب توصل إلى الشرك، ومنها: أولاً: الغلو. ثانياً: التطير. ثالثاً: التصوير. فهذه كلها من الأسباب التي توصل إلى الشرك، ولكن هل يعني كونها أسباباً أنها ليست شركاً؟ و الجواب لا، بل هي من الشرك الأصغر، ولهذا سبق أن ضبطنا الشرك الأصغر بأن منه الأسباب والوسائل والطرق والذرائع الموصلة إلى الشرك الأكبر، فكل سبب موصل إلى الشرك الأكبر يعتبر من الشرك الأصغر، إلا أنه في بعض الأحيان قد يتطور الحال بالأمر الذي هو شرك أصغر فيصبح شركاً أكبر، مثل الغلو. الغلو كلمة عامة، وكثير من حالات الغلو قد يُصنف في الشرك الأصغر، مثل التعظيم غير المنضبط، أو الصلاة في أماكن قبور الصالحين، فهذا من الغلو، لكنه من الشرك الأصغر. وأحياناً قد يوصل الغلو إلى الشرك الأكبر، فقد يدفعه الغلو إلى صرف العبادة للمخلوق من دون الله، فيكون شركاً أكبر مع أنه من الغلو أيضاً.

стр. 72

الغلو في الصالحين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين. وقول الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:١٧١]]. هذه الآية تدل على أن الغلو سبب من أسباب الشرك، ولهذا نهى الله أهل الكتاب عن الغلو في الدين؛ لأن الغلو في الدين عندهم هو الذي جعل النصارى يعبدون المسيح ويقولون: إنه ابن الله، وهو الذي جعل اليهود يعتبرون عزيراً ابن الله أيضاً. والغلو: هو مجاوزة الحد والمبالغة في الإطراء والمدح والثناء، وقد يكون الغلو قولاً، وقد يكون الغلو فعلاً، وقد يكون الغلو اعتقاداً. فمن الغلو القولي إطراء النبي ﷺ أو غيره من الصالحين إلى درجة التعظيم، وإلى درجة تقرب من مقام الألوهية، كالذي يقول مثلاً: إن الصلاة بجوار قبر الولي مثل الصلاة في الحرم، أو مثل الصلاة في المسجد الأقصى، أو مثل الصلاة في المسجد النبوي، وهذا كلام باطل، وهو من الغلو، وهو من الشرك الأصغر؛ لأنه ليس فيه صرف للعبادة لغير الله . ومن الغلو: طلب الدعاء من الأموات، وهناك فرق بين طلب الأموات، وطلب الدعاء من الأموات، فطلب الأموات هو أن يأتي شخص إلى الميت ويقول: اغفر لي ذنبي أيها الميت، ويدعوه من دون الله، وهذا شرك أكبر؛ لأنه صرف العبادة لغير الله، والعبادة التي صرفها لغير الله هي الدعاء، والاستغاثة، والاستعانة، وهكذا. أما طلب الدعاء من الأموات فهو أن يأتي إلى الميت ويقول: يا فلان! ادع الله أن يغفر ذنبي، فيطلب من الميت أن يدعو الله له، وهذا ليس من الشرك الأكبر؛ لأنه ليس فيه عبادة مصروفة لغير الله، بل هو من الشرك الأصغر، وهو من الذرائع الموصلة إلى الشرك الأكبر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الصحيح عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣] قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن: انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت]. هذه الآية تدل على أن الغلو في الصالحين سبب من الأسباب التي توصل إلى الشرك، فهؤلاء الذين عبدوا وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً في البداية لم يقعوا هؤلاء في الشرك الأكبر المخرج عن الإسلام. لكن الأمر الذي وقعوا فيه هو الغلو، وهو أنهم صوروا على أشكالهم تماثيل ووضعوها في الأماكن العامة، وقالوا: إنكم إذا رأيتم هذه الصور تذكرتم هؤلاء الصالحين وكيفية عبادتهم لله، فتدفعكم للعبادة، وهذا غلو؛ لأن الإنسان لا يصح له أن يتذكر بهذه الطريقة المبتدعة، وهو أن يتخذ صوراً يعلقها وأصناماً يصنعها لتذكره، وإنما يتذكر من كتاب الله، ويتذكر من أخبار الأنبياء، ويتذكر عظمة الله ، وينظر في ملكوت السماوات والأرض، كل ذلك من وسائل الذكرى، وليس من وسائل الذكرى هذا العمل الذي قاموا به. ولم تعبد في بداية الأمر، بل حين إذا هلك ذلك الجيل وجاء جيل آخر ونُسِيَ العلم، وفي لفظ: (نُسِخُ) بمعنى: محُيَ وقَلَّ وتناقص قليلاً قليلاً حتى زال بالكلية. فجاءهم الشيطان مرة أخرى -وهذه خطوات الشيطان- وقال لهم: انصبوا على أشكالهم صوراً حتى تذكركم بالعبادة، فلما نُسِيَ العلم جاء إلى الجيل الذي بعد وقال: إن آباءكم كانوا يأتون إليها فيسترزقون بها فترزقهم، ويستنصرون بها فتنصرهم، ويستسقون بها فتسقيهم، فعبدوها من دون الله . والأمران غلو، فحال الأوائل الذين وضعوا هذه الأصنام حتى تذكرهم غلو، ولكنه غلو لا يصل إلى الكفر الأكبر. والجيل الذي جاء بعد نسيان العلم كانت عبادتهم لهم من دون الله غلواً أيضاً، لكنه من الشرك الأكبر، وهذه قضية مهمة تدل على أن الشيء أحياناً قد يبدأ صغيراً ثم يتطور حتى يصبح أمراً كبيراً وخطيراً. كإنسان -مثلاً- رأى امرأة من بعيد، ثم اقترب منها وحاول أن يقنع نفسه بأنه يريد أن يدلها على طريق، فهذه درجة ربما تلحقها درجة أخرى، كأن يتكلم معها فيما لا داعي إليه، وربما تلحقها درجة أخرى، وهي أن يتعرف عليها، وربما تلحقها درجة أخرى، وهي أن يقع في الفاحشة معها، والعياذ بالله. وهكذا تبدأ الأمور بهذه الطريقة، وهذه هي القاعدة التي سبق أن بينت، وهي قاعدة سد الذرائع، ولهذا لا يجوز الاختلاط، ولا يجوز أن تكون مدارس البنات قريبة من مدارس الأولاد مثلاً؛ لأن هذا ذريعة ووسيلة إلى الزنا والعياذ بالله، ولأنه عندما تخرج الفتاة من هذا الباب ويخرج الشاب من هذا الباب يراها وتراه، وقد لا يكون في اليوم الأول مشكلة، وفي اليوم الثاني يأتي الشيطان إلى كل واحد منهما، وفي اليوم الثالث يحصل شيء آخر، ويترقى الأمر مع الأيام حتى يصل إلى درجة لا تحمد عقباها. ولهذا ينهى أهل العلم دائماً عن الذرائع التي توصل إلى الأخطاء، والتي توصل إلى المش

стр. 73

الغلو في قبور الصالحين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله. روى مالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: (اللهم لا تجعلي قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)]. اتخاذ القبور مساجد سبق أن أشرنا إليه، وهو الصلاة عندها واتخاذها مكاناً للتعبد، أو دفن الصالحين أو العظماء في المساجد، بحيث تصبح المساجد مثل المقابر، وكل هذا لا يصح، وهو من الغلو في الصالحين الذي يوصل إلى عبادتهم. وصحيح أنه ليس عبادة للصالحين، ولكنه يوصل إلى عبادتهم، وهو وسيلة وذريعة من ذرائع الشرك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولـ ابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم:١٩] قال: كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره]. اللات هو رجل كان يَلُتُّ السويق للحُجَّاج، فمات فعظموه وعكفوا على قبره، ثم عبدوه في آخر الأمر من دون الله كما حصل في قوم نوح. ومن أمثلة الغلو: البناء على المقابر واتخاذ القباب عليها، وهذا مما ابتلي به كثير من بلاد المسلمين مع الأسف، بحيث تمر أحياناً بمقبرة في بلد من بلاد المسلمين فتظن أنك في حي فيه بيوت كاملة، وإذا هي مقبرة لها باب، ويجتمعون عند القبر، وقد يدعون الله عند صاحب القبر حتى يكون هذا أدعى في الإجابة، وكل ذلك من وسائل الشرك، وهو من اتخاذ القبور مساجد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج. وعن ابن عباس قال: (لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)]. المراد بالمتخذين عليها المساجد أن يأتي شخص إلى قبر رجل صالح ويبني عليه مسجداً للعبادة، وقد سبق أن أشرنا إلى أن هذا من وسائل الشرك. والسرج إنارة القبور، وما زال الناس -مع الأسف- يخترعون أنواعاً متعددة من المبالغات الغريبة عند قبور الصالحين، مثل بناء القباب عليها، ومثل وضع صناديق للنذور عندها، بل وصل الحال في بعض البلاد إلى أن جُعِل لها نظام خاص تابع للأوقاف، فالأوقاف تشرف على المساجد وتشرف على المقابر أيضاً، بحيث إن زوار المقابر يكون لهم طريقة معينة في زيارتها، وإذا كان عندهم صدقات تأخذها وزارة الأوقاف وتعتني بها عناية غير عادية، مع أن المقابر لم يكن يُعَملُ لها هكذا في زمن النبي ﷺ وأصحابه. وسيأتي معنا أن علي بن أبي طالب أرسل أبا الهياج الأسدي على ما أرسله عليه النبي ﷺ ، ومن وظائف هذا الإرسال ألا يجد قبراً مشرفاً إلا سواه. أي: لا يكون القبر مرتفعاً، فكيف ببناء والمساجد والقباب عليها؟! فهذا الباب كله يتعلق بموضوع الغلو في الصالحين، والغلو في الصالحين وسيلة من وسائل الشرك، وهو مثل الباب الذي قبله.

стр. 74

التطير والتشاؤم التطير معناه: التشاؤم بالطير، وقد كانت هذه عادة من عادات الجاهليين؛ أي: أنهم يتشاءمون بالطير، فإذا أراد أحدهم السفر فاعترض له نوع من أنواع الطير فإنه يرجع من سفره؛ لأنه يظن أن وجود هذا الطير في هذا الطريق علامة على أنه سيقع له في سفره مكروه، وقد يتفاءلون بالطير. وموضوع التطير يدخل في موضوع التشاؤم بما ليس عليه دليل، فهو من الوهم، ليس له حقيقة، وسمي تطيراً لأن أكثر أنواع التشاؤم عند العرب كان بالطيور، وبعض الناس اليوم قد يتشاءم بالرؤى والأحلام، وبعض الناس قد يتشاءم بالأشخاص، كأن يرى -مثلاً- رجلاً أعور، ففي الحال تنقلب الدنيا في وجهه، ويحصل له تعب نفسي، وربما يترك العمل، وربما يترتب على ذلك أمور كبيرة. وبعض الناس يتشاءم بالألوان، فيتشاءم من اللون الأسود، أو يتشاءم من اللون الأحمر، وبعض النساء تتشاءم من بعض الصفات أو الأشكال. إذاً: التشاؤم كله وسيلة من وسائل الشرك؛ لأن التشاؤم ضعف في التوكل واعتماد على الوهم، وقد يتطور إلى اتخاذ أسباب ليست بأسباب حقيقة شرعاً ولا قدراً، فتشبه حالته حالة أصحاب التمائم والرقى الشركية والتبرك ونحو ذلك. فالمتشائم عندما يتشاءم من اللون الأحمر قد يسبب له هذا ردة فعل في بعض التصرفات، فبعض النساء تدخل مدرسة من المدارس فترى -مثلاً- في الفصل لوناً معيناً فإذا بها تترك المدرسة وتنتقل إلى مدرسة أخرى مثلاً. وأنواع التشاؤم لا يمكن حصرها، فكلٌ عنده خرافة معينة، فقد يتشاءم بشكل معين أو بوضع معين. وأساسها - كما قلت - هو ضعف التوكل وعدم الاعتماد على الله ، وعدم وضع الأسباب الشرعية والطبيعية في أماكنها الصحيحة، واتخاذ سبب وهو ليس بسبب، مثل أصحاب الخيوط، حيث يضع أحدهم خيطاً في يده ويظن أن هذا الخيط سيرفع عنه الحمى التي يشعر بها، وهذا يدل على ضعف التوكل عنده؛ لأنه اعتمد على هذا الخيط، مثل التشاؤم الذي يرد الإنسان عن مطلوبه بسبب من الأسباب، وهذا السبب ليس سبباً حقيقياً، بل هو سبب وهمي. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في التطير. وقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٣١]]. وجه الدلالة من هذه الآية هو أن الله ذم التطير، فأخبر أن طائرهم عند الله، أن أسبابهم وحوائجهم عند الله ليست معلقة بالطيور ولا معلقة بالأشجار ولا معلقة بالألوان، فهذا فيه ذم للتطير الذي كان عند الجاهليين. ووجه الدلالة الثاني أن التطير خصلة من خصال الكافرين، ولهذا كانوا يتشاءمون بالطيور وغيرها. قال المؤلف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس:١٩]]. هذه الآية قبلها قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس:١٨] يعني أن المشركين يقولون للأنبياء: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس:١٨] أي: تشاءمنا بكم، وأصبحتم شؤماً علينا ﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس:١٨]. فقال لهم الرسل: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس:١٩] يعني: تشاؤمكم لكم وفيكم، وأنتم سبب الشؤم؛ لأن سبب الشؤم هو المعصية، أما وجود الرسل فليس شؤماً، فالمعصية شؤم حقيقي دل عليه القرآن والسنة. قال تعالى: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ [يس:١٩] يعني: أبسبب أننا ذكرناكم تطيرتم بالوهم؟! ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس:١٩]. فهذا يدل على ذم التطير أولاً، ويدل على أنه من خصال المشركين ثانياً، ويدل على ضعف التوكل عندهم ثالثاً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر)]. قوله: (لا عدوى) هي انتقال المرض من جسد إلى جسد آخر، فالنبي ﷺ يقول: (لا عدوى) يعني: العدوى لا تنتقل بنفسها وبذاتها، وإنما إذا أراد الله انتقالها نقلها، وإن لم يرد فإنها بيد الله ، وقد كانوا يرون أن العدوى نتيجة حتمية لانتقال المرض من شخص إلى شخص آخر، ولهذا فإن العرب في الجاهلية قد يرتبون القتال في بعض الأحيان على مثل هذه الأمور، فقد يكون لأحدهم إبل كثيرة جداً، وآخر عنده بعير أجرب مثلاً، فيقاتلونه إذا جاء ببعيره الأجرب فأرسله في الجمال، وهذا لظنهم أن انتقال العدوى حتمي ولا بد. ولا يصح أن يورد المريض على الصحيح؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك قال: (لا يردن ممرض على مصح) فلا يصح أن يرد المريض على المصح؛ لأنه ربما يتحقق السبب، لكن الاعتقاد الفاسد الذي كان عند الجاهليين هو أن هذا السبب منتقل حتماً، فالنبي ﷺ يقول: (لا عدوى) يعني: لا عدوى تنتقل بنفسها (ولا طيرة) يعني: ولا تشاؤم؛ لأن الطير لم يعلق الشرع

стр. 75

حسن الفأل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهما عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل، قالوا: يا رسول الله! وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة)]. الفأل عكس الطيرة، فالطيرة تشاؤم، والفأل أمر يدعو الإنسان إلى الإقبال على العمل. فكأن النبي ﷺ جعل الفأل بدلاً من الطيرة، فإذا كان ولا بد فليكن الفأل، لأنه يدفعك إلى العمل، وهو الكلمة الطيبة. فلو جاء اثنان عند مريض فبدأ بدأ يقول: فلان أصابه هذا المرض وهلك، وفلان من الناس أصابه هذا المرض وعمي، ويأتي بالأمور التي تخيف المريض، وقال كلمة طيبة حسنة خففت عن هذا المريض، فأيهما أفضل؟ لا شك في أن الكلمة الطيبة هي الأفضل، وهي التي تدفع الإنسان لبناء حياته بناء صحيحاً؛ لأن طبيعة النفس الاتجاه نحو التشاؤم أو التفاؤل. فالتفاؤل أعظم من التشاؤم وأحسن منه وأفضل منه ولا بد، والتشاؤم يكون بحسب الحال، فقد يكون الشيء شؤماً قدراً أو شؤماً شرعاً، والتفاؤل يبني النفس، والتشاؤم يحطم النفس، ومثال ذلك السرطان، فهو -في الغالب- مرض مميت، وهذا بقدر الله، وهو سبب من الأسباب، فهناك أمراض مميتة، وهناك أمراض غير مميتة، وأمراض يرجى برؤها، وأمراض لا يرجى برؤها. فلو أن إنساناً جاء عند مريض بالسرطان، وبدأ يعد له أسماء الذين ماتوا من السرطان، فإن هذا يدفعه إلى الانزعاج، وهو من التشاؤم، والتشاؤم بالسرطان معناه الانزعاج منه، وهو أمر ليس فيه إثم؛ لأن السرطان مرض مميت، وهو سبب من الأسباب القدرية، وليس وهماً، وليس مثل الطير، فالطير ليس له أي أثر، فعندما يأتي طير فيقف هنا أو يقف هناك، فإن بعضهم إذا رآه وقف عن يمينه أخذ منه أنه سينجح في عمله، وإذا رآه وقف عن يساره قال: سأخفق في عملي، وهذا خطأ، ولذلك قال ﷺ : (يعجبني الفأل)؛ لأن الفأل يدفع الإنسان إلى العمل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولأبي داود بسند صحيح عن عروة بن عامر قال: (ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: أحسنها الفأل ولا ترد مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك)]. إذاً: يمكن أن نقسم التشاؤم إلى قسمين: تشاؤم بأسباب طبيعية حقيقية. وتشاؤم بأوهام. فالذي يوصل إلى الشرك -أو هو سبب في الشرك- هو التشاؤم بالأوهام، وأما التشاؤم بالأسباب الطبيعية فهو موضوع هذا الحديث، يقول عقبة بن عامر: (ذكرت الطيرة عند النبي ﷺ يعني: التشاؤم بأسباب حقيقية فقال: (أحسنها الفأل) يعني أن التفاؤل وبناء الإنسان لنفسه أفضل من التشاؤم. (ولا ترد مسلماً) يعني: لا ترد مسلماً عن أمر من الأمور التي يريدها مهما كان هذا التطير. قال: (فإذا رأى أحدكم ما يكره) يعني: إذا رأى أمراً يكرهه فليقل هذا الدعاء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن ابن مسعود مرفوعاً: (الطيرة شرك، وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل)]. قوله: (الطيرة شرك) هذا نص صريح على أن التطير بالأوهام من الشرك، ويكون شركاً أكبر إذا ظن أن هذه الأوهام السببية حسب تصوره تفعل بذاتها، فهذا شرك أكبر. وإذا اعتقد أنها لا تفعل بذاتها، بل هي من الأسباب وليست في حقيقتها أسباباً شرعية ولا قدرية؛ فهذا من الشرك الأصغر. وإذا وقع في نفس الإنسان شيء من التطير فإنه ينبغي أن يجتهد في تربية نفسه على التوكل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولـ أحمد من حديث ابن عمرو: (ومن ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك، قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك)]. هذا ذكر آخر في التعوذ من الطيرة، وهي من الكفارات التي تكون للطيرة إذا خالطت النفس، وخطرت في البال. ولهذا يقسم العلماء التشاؤم والطيرة إلى قسمين: قسم يرد الإنسان عن عمله، فهذا لا شك في أنه من الشرك. وقسم هو حديث نفسي فقط، فهذا يذهبه الله بالتوكل وبالأذكار.

стр. 76

كتاب التوحيد [٤] هناك ضابط للأعمال الشركية وهو: أن كل عبادة لله إذا صرفت لغيره تكون شركاً أكبر، وما كان منها وسيلة إلى الشرك فهو شرك أصغر، ومن جملة الأعمال الشركية الذبح والنذر لغير الله، والاستعاذة والاستغاثة بغير الله، والسحر والعيافة والطيرة والكهانة والتنجيم ونحو ذلك.

стр. 77

الأعمال الشركية في توحيد الألوهية بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً إلى يوم الدين، أما بعد: فهذا هو الدرس الرابع من دروس شرح كتاب التوحيد، وموضوع هذا الدرس هو الأعمال الشركية في توحيد الإلوهية، وقد عقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في هذا الكتاب مجموعة كبيرة من الأبواب تتعلق بالأعمال الشركية في توحيد الإلوهية، وسنقسم هذا الموضوع إلى قسمين، فالقسم الأول سنأخذه في هذا الدرس إن شاء الله تعالى، والقسم الثاني سنأخذه في الدرس التالي بإذن الله تعالى.

стр. 78

الذبح لغير الله تعالى أول عمل من الأعمال الشركية بدأ بذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ هو الذبح لغير الله تعالى. والذبح المراد به: ذبح بهيمة الأنعام على وجه التقرب؛ إذ الذبح نوعان: النوع الأول: ذبح التقرب والتعبد. والنوع الثاني: الذبح العادي الذي يفعله الإنسان من أجل الاستفادة من المذبوح بالأكل، ويدخل في ذلك إكرام الضيف مثلاً، فأما النوع الأول -وهو الذبح الذي يكون للتعبد- فهو نوعان: النوع الأول: الذبح لله ، فهذا توحيد يثاب عليه الإنسان، مثل ذبح الأضاحي والهدايا، وذبح العقائق أيضاً، والذبح الذي يكون في التقرب المطلق إلى لله بإطعام الفقراء ونحو ذلك فكل هذا من التوحيد، والإنسان مأجور على هذا العمل. النوع الثاني: الذبح لغير الله ، مثل الذبح للجن، أو الذبح للقبور وأصحاب القبور، أو الذبح لمعظم أين كان هذا المعظم على سبيل التقرب، فهذا من الشرك المخرج عن دائرة الإسلام. وأما النوع الأول من أنواع الذبح -وهو الذبح العادي الذي لا يريد به صاحبه التقرب- فلا بأس به، كأن يذبح الإنسان ليأكل أو يطعم غيره من الضيوف والأهل ونحوهم، فهذا لا يدخل في الشرك؛ لأنه لم يفعل على سبيل التقرب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الذبح لغير الله. وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]]. ووجه الدلالة من هذه الآية على موضوع الذبح لغير الله هو أن الله قال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام:١٦٢] والنسك المراد به هنا الذبح ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، وهذا دليل صريح واضح على أن الذبح قد يقصد به التعبد، فإذا قصد به التعبد فلا يجوز أن يكون إلا لله ، ومن فعله لغير الله فقد وقع في الشرك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]]. والصلاة هنا فسرت بأن المراد بها صلاة عيد الأضحى، ومن فسرها بذلك أخذها من دلالة الاقتران بين الصلاة والنحر في موضع واحد، وقال: هذه لا تكون إلا في عيد الأضحى فقط، ولم تقترن الصلاة بالذبح في أي موضع آخر، ولعل الصواب أن الصلاة هنا عامة، والنحر -أيضاً- عام، وليس خاصاً بالأضاحي، فيكون المراد بالآية الصلاة بكل أنواعها وأصنافها، والنحر بكل أنواعه وأصنافه، ومنها الأضاحي، ومنها الهدايا، ومنها العقائق مثلاً، ومنها ما يذبحه الإنسان تقرباً لوجه الله ، وجاء المؤلف بها ليبين أن النحر عبادة؛ لأن الله أمر به فقال: ﴿وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، ولا يمكن أن يأمر الله بشيء إلا وهو عبادة، والقاعدة العامة أن أي عبادة من العبادات إذا ثبت أنها عبادة فصرفها لله توحيد، وصرفها لغيره شرك وتنديد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن علي قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: (لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثاً، لعن الله من غير منار الأرض) رواه مسلم]. هذا الحديث فيه بيان أن من ذبح لغير الله فهو ملعون؛ لأنه قال: (لعن الله من ذبح لغير الله)، ولا يكفي أن نستدل على كفر الذابح لغير الله باللعن؛ لأنه قد يكون اللعن واقعاً على بعض المعاصي، فأكل الربا، والشهادة عليه، والرشوة اقترنت في غير هذا الحديث باللعن، وهي مجموعة من الكبائر وليست مكفرات، ولكن يمكن أن نأخذ من هذا الحديث النهي عن الذبح لغير الله ، وأنه من كبائر الذنوب، ونأخذ أنه يكون كفراً أكبر إذا قررنا أنه عبادة. ومن النصوص الدالة على أن العبادة إذا صرفت لغير الله تكون شركاً، قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦]. وقوله: (لعن الله من لعن والديه)، هنا الوالدان يشمل الأبوين القريبين من الإنسان ويشمل الأجداد أيضاً، وقوله: (لعن الله من آوى محدثا) يشمل نوعين: من فعل المصيبة التي تستوجب الحد، والمحدث المبتدع؛ لأن النبي ﷺ يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، فقوله: (لعن الله من آوى محدثاً) يعني: ستر وأعان وساعد، صاحب بدعة أو صاحب جريرة عظيمة، يطلب بها شرعاً، مثل من قتل شخصاً وهرب، أو زنى وهرب، أو نحو ذلك، فمن آواه يصدق عليه هذا الحديث، كما أن من آوى مبتدعاً يصدق عليه هذا الحديث، وهذا يدل على خطر إيواء المبتدعة والسكوت عنهم، ويدل على أن الرد على المبتدعة والوقوف ضد أهل البدع والضلال -ولو كانوا من

стр. 79

الشرك في النذر النوع الثاني من أنواع الشرك: الشرك في النذر، والنذر: هو إلزام المكلف نفسه شيئاً لم يكن لازماً عليه بأصل الشرع، ومعنى ذلك أن المكلف يلزم نفسه بعباده بلفظ فيقول: علي لله كذا، أو: علي أن أعمل كذا، كأن يقول: علي أن أصلي عشر ركعات، أو نحو ذلك، فهذا العمل ليس واجباً عليه أصلاً، ولكن أوجبه هو على نفسه، فهذا هو المقصود بالنذر. والنذر نوعان: نذر يكون لله ، ونذر يكون لغير الله . فأما النذر الذي يكون لله فهو نوعان: نذر طاعة، ونذر معصية، كأن ينذر إنسان أن يفعل شيئاً لله ، وهذا نذر طاعة، مثل: الصلاة والصيام والحج، ونحو ذلك من أعمال الإسلام، أو ينذر أن يعمل معصية، فإذا نذر طاعة فإنه يجب عليه أن يوفي بنذره، وإذا نذر معصية فلا يجوز أن يوفي بهذه المعصية. وهناك نوع ثالث في النذر لله، وهو إذا نذر بأمر مباح، فلا يلزمه أن يوفي بنذر المباح، والدليل على ذلك قصة أبي إسرائيل عندما نذر أن يقف في الشمس، يظن ذلك عبادة لله ، فنهاه النبي ﷺ عن ذلك، وأمره بترك هذا العمل. النوع الثاني من أنواع النذر: النذر لغير الله ، مثل: النذر للقبور أو النذر للصالحين أو نحو ذلك، سواءٌ أكانت هذه النذور أموالاً، أم كانت هذه النذور عبادات يقوم بها، أم كانت هذه النذور قرابين، أم غير ذلك، فإذا نذر لغير الله فقد كفر بالله ؛ لأن الإيفاء بالنذر عبادة، فقد مدح الله الصالحين بإيفائهم بالنذر، وهذا المدح يدل على أن هذا العمل عبادة، وإلا فلن يمدحوا به، والقاعدة العامة: أن العبادة إذا صرفت لله فهي توحيد، وإذا صرفت لغيره فهي شرك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: من الشرك النذر لغير الله. وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧]. وقوله: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة:٢٧٠]]. في الآية الأولى مدح للصالحين من أهل الجنة بأنهم يوفون بالنذر، وهذا يدل على أن النذر عبادة، وإلا فلن يمدحوا. والآية الثانية: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة:٢٧٠] فيها -أيضاً- هو مدح لمن ينذر نذراً فوفى به، وهذا أيضاً يدل على أن الوفاء بالنذر عبادة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الصحيح عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)]. قوله: (فليطعه) أمر، والأمر يدل على الوجوب، فهو من العبادة، فهذا دليل صحيح صريح على أن الإيفاء بالنذر من العبادة، فلا يجوز صرفه لغير الله .

стр. 80

الشرك في الاستعاذة النوع الثالث من أنواع الشرك: الشرك في الاستعاذة، والاستعاذة: هي الالتجاء والاعتصام من شيء يخافه الإنسان، فحين تقول: (أعوذ بكذا)، فالمعنى: ألتجئ إليه وأعتصم به من شيء يخاف أياً كان هذا الشيء، وأياً كان هذا المستعاذ به، فهذه الاستعاذة عبادة، وسيأتي الدليل على كونها عبادة. والاستعاذة بالله توحيد، والاستعاذة بغير الله نوعان: النوع الأول: الاستعاذة بغير الله فيما يقدر عليه، أي: الالتجاء إلى مخلوق يقدر على أن يعيذك من هذا الشيء. والنوع الثاني: الاستعاذة بالمخلوق من شيء لا يقدر عليه. فمثال الاستعاذة من شيء يقدر عليه: أن تكون -مثلاً- في مسبح وتكاد أن تغرق، فلتجأ إلى سباح بين يديك، فإنه قادر على إخراجك من هذا المسبح بإذن الله تعالى، فهو سبب في هذا، فهذا ليس من الشرك، والاستعاذة تكون شركاً في حالتين: الحالة الأولى: أن يكون العمل المطلوب مما يقدر عليه الإنسان أو المخلوق في العادة، لكن يطلب من ميت أو غائب لا يقدر عليه طبعاً؛ لأن الميت لا يعمل شيئاً، والغائب لا يدري. ومثال ذلك: إذا كنت في البحر، وجاءت الأمواج واقترب الغرق وخفت، فاستعذت بالرسول ﷺ وهو ميت، أو استعذت بفلان من الحكام الذين لديهم طائرات، ولديهم قدرات، ولكنه ميت أو غائب ليس قريباً منك، فهذا من الشرك؛ لأنه لا يقدر على إنقاذك مما أنت فيه، ولو كان الإنقاذ من الغرق في العادة مما يقدر عليه الإنسان، فإذا كانت عنده إمكانات وقدرات فهو يقدر على إنقاذ الإنسان من الغرق، فأنت لو رأيت إنساناً سيغرق وأنت سباح ماهر قادر على إنقاذه كان إنقاذه من مقدورك وليس أمراً مستحيلاً. ومثال الاستعاذة بغير الله مما لا يقدر عليه المخلوق في العادة: أن تلتجئ بمخلوق في أن يعتقك من نار جنهم، فلو التجأت بمخلوق في أن يعتقك من نار جهنم فقد وقعت في الشرك؛ لأنه لا يقدر على أن يعيد الإنسان من نار جهنم إلا الله ، فلا يستطيع هذا الأمر نبي مقرب ولا ملك مرسل ولا ولي له فضل. إذاً: نخلص من هذا إلى أن الاستعاذة في الأصل تنقسم إلى قسمين: استعاذة بالله، واستعاذة بغير الله. فالاستعاذة بالله عبادة، وهي توحيد، وقد تكون من الواجب، وقد تكون من السنة، بحسب الحكم المتعلق بها. والاستعاذة بغير الله يمكن أن نقسمها إلى قسمين: استعاذة بالمخلوق فيما يقدر عليه، وهذا ليس من الشرك، إلا إذا تعلق القلب بالمخلوق، فهذا من الشرك الأصغر، مثل تعلق القلب بالطبيب -مثلاً- أو بأي إنسان قادر على شيء. أما النوع الثاني فهو الاستعاذة بغير الله فيما لا يقدر عليه، وينقسم إلى قسمين: الأول: ما يقدر عليه الإنسان في العادة، ولكنه يطلب من ميت أو غائب. والثاني: ما لا يقدر عليه الإنسان أصلاً في العادة. فهذان النوعان كلاهما من جنس واحد، وفعلهما عليه شرك أكبر؛ لأنه صرف للعبادة -وهي الاستعاذة- لغير الله .

стр. 81

من الشرك بالله الاستعاذة بغير الله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: من الشرك الاستعاذة بغير الله. وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦]]. قوله تعالى: ((يَعُوذُونَ))، يعني: يستعيذون ﴿بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] الرهق: هو الخوف والهم، فذم الله من استعاذ بمخلوق كيفما كان هذا المخلوق، إنسياً أو جنياً أو من الملائكة أو نحو ذلك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك). رواه مسلم]. وهذا يدل على أن الاستعاذة من العبادة، وإلا فلن يرتب عليها هذا الفضل، والعبادة هي كل ما أمر الله به أو عظمه أو بين فضله، سواءٌ أكان على وجه الإيجاب مثل الصلاة ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ﴾ [هود:١١٤] إلى آخر الآية، ومثل إيتاء الزكاة ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، أم على وجه الاستحباب، مثل المستحبات كلها الممدوحة عند الله ، فهذه كلها داخلة في العبادة. فمن هذا الحديث يتقرر أن الاستعاذة عبادة، والقاعدة هي أن العبادة إذا صرفت لله فهي توحيد، وإذا صرفت لغير الله فهي شرك وتنديد. وقوله: (أعوذ بكلمات الله) المقصود بها: كلام الله الذي هو صفة من صفاته ، ومنها القرآن، فالقرآن من كلمات الله، وكلمات الله كثيرة لا تعد ولا تحصى، والقرآن جزء من كلمات الله الكثيرة، وكلمات الله صفة من صفاته، وهذا يدل على جواز الاستعاذة بصفات الله .

стр. 82

الشرك في الاستغاثة النوع الرابع من أنواع الشرك: شرك الاستغاثة بغير الله . والاستغاثة: هي طلب الغوث وإزالة الشدة، وهي قسمان: استغاثة بالله ، وهذا توحيد. واستغاثة بغير الله ، وهي قسمان: الأول: طلب الغوث من المخلوق فيما يقدر عليه، فهذا لا بأس به، كأن جاءك عدو يريد الفتك بك وكان عندك شخص آخر فاستغثت به من أجل أن يحميك من هذا العدو وهو قادر على ذلك وليس ميتاً أو غائباً، فهذا جائز ولا شيء فيه. والثاني: الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ، سواءٌ أكان المخلوق قادراً على جنسها ولكنه ميت أو غائب، أو كان المخلوق غير قادر على جنسها. فمثال الاستغاثة بغير الله فيما يقدر عليه المخلوق في العادة، ولكنه غائب أو ميت: أن تكون في بحر فتفرق، والأمواج من فوقك، فتستغيث -مثلاً- بنبي أو بولي، أو تستغيث بغائب ليس عندك، فهذا شرك بالله . ومثال الذي لا يقدر عليه إلا الله مما لا يقع جنسه تحت مقدور الناس: مغفرة الذنوب، كأن تستغيث بغير الله في مغفرة ذنوبك أو إدخالك الجنة أو شفائك من المرض مثلاً أو رزقك، أو نحو ذلك، فكل ذلك من الشرك المخرج عن دائرة الإسلام. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره. وقول الله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [يونس:١٠٦ - ١٠٧]]. الاستغاثة جزء من العبادة وجزء من الدعاء، والدعاء هو الطلب، والطلب ينقسم إلى قسمين: طلب في حالة الشدة والكرب، وهذا يسمى استغاثة. وطلب في غير حال الشدة والكرب، فهذا دعاء، والاستغاثة نوع من أنواع الدعاء. ويقسم العلماء الدعاء إلى قسمين: دعاء المسألة، ودعاء العبادة. فأما دعاء العبادة فهو كل العبادات الشرعية، فكل العبادات الشرعية تسمى دعاء، فالجهاد دعاء، والصلاة دعاء، والحج دعاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء، والدعوة إلى الله دعاء، والصدقة دعاء؛ لأن فعل العبد لها يتضمن طلب الأجر من الله ، والدعاء هو الطلب. والنوع الثاني من أنواع الدعاء: دعاء المسألة، وهذا هو المشهور عند الناس، وهو الذي يكون باللسان، فالفرق بين دعاء العبادة ودعاء المسألة أن دعاء العبادة قد يكون بالقلب، مثل التوكل على الله، ومحبة الله ، وقد يكون بالجوارح، مثل: الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد يكون باللسان. وأما دعاء المسألة فلا يكون إلا باللسان، كأن تقول: اللهم اغفر لي وارحمني وتب علي، ونحو ذلك من الدعاء الذي يكون باللسان، فدعا المسألة إذا صرف لله فإنه توحيد خالص، وأما إذا صرف لغير الله فهو شرك أكبر، كما لو قال: يا ولي الله! اعمل لي كذا وكذا. فكل دعاء المسألة من الشرك، إلا إذا جاء به على صيغة الطلب مما يقدر عليه الإنسان، كأن يقول: يا أخي الكريم! ناولني كذا. فهذا طلب وليس دعاءً بالمعنى الاصطلاحي، وإنما هو دعاء بالمعنى اللغوي، وأما دعاء العبادة فإنه إذا صرف لغير الله يكون شركاً، فمن صلى لغير الله، ومن جاهد لغير الله، ومن ذبح لغير الله، ومن نذر لغير الله فقد أشرك شركاً أكبر. وقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [يونس:١٠٦ - ١٠٧] وجه الدلالة من هذه الآية على كون الاستغاثة بغير الله من الشرك هو اعتبار من دعا من دون الله من الظالمين، حيث قال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ [يونس:١٠٦] يعني: إن دعوت غير الله ﴿فَإِنَّكَ إِذاً مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦]، والظلم المراد به في هذه الآية: الشرك، كما قال الله : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، والذي يدل على أن المقصود بهذا النوع من أنواع الدعاء والطلب هو ما لا يقدر عليه إلا الله قوله بعد ذلك: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [يونس:١٠٧]، وهذا يدل على أن هذا من خصائص الله ، وليس هو الطلب العادي الذي يكون بين الناس في الأمور الدنيوية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت:١٧]]. الابتغاء: هو السؤال بتضرع وخضوع، وهذا هو حقيقة الدعاء بالمعنى الشرعي، والرزق لا يقدر عليه إلا الله ، فهذا يدل على عدة أمور: الأمر الأول: أن الدعاء والسؤال من العبادة، والدليل على ذلك الأمر بقوله تعالى: ﴿

стр. 83

السحر والكهانة والتنجيم النوع الخامس من أنواع الشرك: السحر، والكهانة، والتنجيم، وهذه الأمور عقد المؤلف لها ستة أبواب، وموضوع هذه الثلاثة موضوع واحد متقارب، ولذا جعلناها في موضوع واحد.

стр. 84

السحر وأنواعه السحر: هو ما خفي ولطف سببه، أي: ما كان خفي، وكان السبب في هذا الأمر الظاهر مجهولاً عند كثير من الناس وغير معروف عندهم، فهذا معنى السحر بمعناه العام عند أصحابه، وهو أنواع وليس نوعاً واحداً، ولهذا كان من الخطأ أن نحكم على السحر كله بحكم واحد، ولهذا اختلف كلام أهل العلم في حكم الساحر، فبعضهم كفره، وبعضهم لم يكفره، والحقيقة أن الخلاف بينهم خلاف تنوع وليس خلاف تضاد، فالسحر في الجملة ينقسم إلى قسمين: سحر يكون بمعاونة الشياطين بعد الاستغاثة بهم، وسحر يكن بأدوية وخفة في اليد ودراية وصنعة، ومواد يستخدمها الساحر، بحيث إنه يغير أشكال الأشياء، ويخيل إلى الناس. فأما النوع الأول فهو السحر الذي يكون باستخدام الشياطين، مثل العقد، وهو أن يأخذوا بعض الأجزاء الساقطة من الإنسان فيعقدوا بها عقداً، ثم يذهبوا إلى ساحر، فالساحر يستغيث بالشياطين والجن ويدعوهم من دون الله ، وقد يُطلَب منه أمور كفرية، مثل تمزيق القرآن ورميه في المكان القذر، أو الصلاة الدائمة لهذا الشيطان، أو قد يستخدمه الشيطان في بعض الأحيان لبعض الأغراض السيئة، مثل الفواحش، فقد يفعل به، وقد يفعل هو بهذا الشيطان، ونحو ذلك من الأمور، وهي أنواع كثيرة عند أصحاب السحر. وخلاصة القول في هذا النوع أنه شرك أكبر إذا وجد فيه الاستغاثة بغير الله، ومن كتب السحر كتاب (شمس المعارف) الكبرى للبوني، والكتب التي تتعلق بمخاطبة النجوم وغيرها، وبعض أنواعها يجعلونها أوراداً ورقىً يقرءونها، ومن النصوص التي عندهم: (بعزة الإرعاد يا ميمون أجب أجب) يا فلان يا فلان يا فلان -من طواغيت الجن- أريد كذا، فأحضر واعمل وهكذا، فيردد الاستغاثة بغير الله بهذه الطريقة مرات معينة في وقت معين، وبحال معين، وفي بعض الأحيان يشترطون عليه أن يكون في حال جنابة، وفي بعض الأحيان قد يشترطون عليه أن يصوم ثلاثة أيام ثم يأتي بشاة سوداء أو ديك أسود ويذبحه بطريقة معينه، ولهم طرق متعددة يسمونها المجربات، والحقيقة واحدة، وهي أنه إذا صرفت العبادة لغير الله بدعاء أو استغاثة أو ذبح أو نذر أو عبادة كان ذلك فهذا من الشرك الأكبر المخرج من الملة. وأما النوع الثاني من أنواع السحر فهو الأدوية التي تستخدم لتغيير بعض الأشكال وخفة اليد والمخادعة ونحو ذلك مما يتدرب عليه كثير من الناس، وهذا ليس من الشرك، بل هو من كبائر الذنوب.

стр. 85

حد الساحر والحد الشرعي في الحالتين: القتل، فالأول يقتل ردة؛ لأنه كفر بالله، والثاني يقتل حداً، فهو مسلم وليس بكافر، لكنه يقتل كما يقام الحد على الزاني المتزوج، فيرجم حتى يموت مع أنه مسلم، وكما يقتل القاتل مع أنه مسلم. إذاً: الحكم بالنسبة للموقف من الساحر في الدنيا هو القتل، سواءٌ أكان القتل لهذا الساحر الذي أشرك وعبد غير الله ، أم كان القتل للساحر الذي لم يصل إلى درجة الشرك، لكنه وقع في كبيرة من كبائر الذنوب. وبناءً على هذا نفهم الخلاف الذي وقع بين العلماء في حكم الساحر هل هو كافر أو غير كافر؟ وهذا الخلاف أصله: هل وقع الكفر من الساحر أو لا؟ والذي يدل على أن الساحر كافر ورود آيات واضحة في الدلالة على أن الساحر كافر، وهذا يحمل على النوع الذي صرف فيه الساحر العبادة لغير الله ، فمناط الحكم على الساحر بالكفر هو كونه صرف عبادة لغير الله. ومعروف أن الصوفية اشتغلوا بالسحر بشكل كبير جداً بسبب ولوعهم بالكرامات، فولوعهم بالكرامات جعلهم يشتغلون بالسحر حتى يظهروا بعض الخوارق، خاصة من لم يكن صادقاً أصلاً، ولهذا فإن البوني صاحب شمس المعارف يعتبر من أئمة الصوفية، حتى إن يوسف بن إسماعيل النبهاني جعله من الأولياء الكبار في كتاب له اسمه (جامع كرامات الأولياء)، ويوسف النبهاني كان من علماء الشام، وتوفي في القرن الماضي، يقول: ومن كرامته أنه كان مستجاب الدعوة. وهو مؤلف الكتاب المشهور الذي هو من أشهر كتب السحر، ولهذا فإن طائفة الرفاعية من الصوفية والبكداشية الذين هم أقرب إلى الروافض مشهورون بالسحر، ولهذا قد يأتي إنسان منهم ويبلع بعض الحيات والعقارب أمام الناس، وقد يأتي شخص منهم ويدخل السيف في فمه حتى يصل إلى معدته، وقد يأتون بالطفل الصغير ويأتون بالسكين فيغرزونه في وجهه من جهة ويخرجونه من الجهة الثانية، وقد يكسرون في بعض الأحيان الزجاج ويأكلونه، فيرى الإنسان بعينه أنهم يأكلون زجاجاً، ونحو ذلك من الخوارق التي يستخدمونها، ويعتبرون ذلك من الكرامات، ولهذا فإن الصوفية هم أكثر من نشر السحر في العالم، وفي العالم الإسلامي خاصة.

стр. 86

ذكر ما جاء في السحر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في السحر. وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢]]. هذه الآية سياقها في اليهود، واليهود كانوا من أكبر المشهورين بالسحر في الزمن القديم، ولهذا نشروا السحر نشراً كبيراً عندما كانوا في بابل، وهم يعتبرون من أقطاب السحرة في القديم، وما زالوا كذلك في الحديث. فقوله تعالى: ((وَلَقَدْ عَلِمُوا)) يعني اليهود ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة:١٠٢]، يعني: لمن اشترى السحر ﴿مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢] يعني: ليس له في الآخرة نصيب، وهذا السياق لا يمكن أن يكون إلا في الكافر الذي كفره مخرج عن الملة؛ لأن المؤمن والموحد والمسلم لا بد من أن يكون له نصيب، أما من نفي عنه النصيب بالجملة بهذه الطريقة فهذا لا يمكن أن يكون إلا كافراً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٥١]]. الجبت: هو السحر كما قال عمر بن الخطاب ﵁، والطاغوت: هو الشيطان كما سيأتي معنا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال عمر: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان. وقال جابر: الطواغيت كهان ينزل عليهم الشيطان، في كل حي واحد]. وسيأتي الحديث عن الكهانة بشكل مجمل -إن شاء الله- عند الباب المتعلق بالكهانة، وهذان الأثران رواهما البخاري ﵀ تعليقاً، ووصلهما الحافظ ابن حجر في الفتح، فأما الأول فإسناده قوي، وأما الثاني فإسناده حسن. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)]. ووجه الدلالة من هذا الحديث هو أن النبي ﷺ اعتبر السحر من الموبقات، والموبقات: هي المهلكات، وهل السحر هنا هو المخرج من الملة أو غير المخرج من الملة؟ و الجواب ذلك بحسب نوعه، فإن كان من المخرج من الملة كان عطفه على الشرك من باب عطف الخاص على العام، وهذا له نظائر كثيرة في القرآن، مثل قول الله : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨]، والصلاة الوسطى من الصلوات؛ فإذا كان نوع السحر من الشرك الأكبر المخرج عن الملة فإنه يكون عظفه من هذا الباب، وأما إذا كان من النوع الثاني -وهو الأدوية والتخييلات التي ليس فيها استغاثة بغير الله فهو من الكبائر.

стр. 87

حكم الساحر في الدنيا قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن جندب مرفوعا (حد الساحر ضربه بالسيف). رواه الترمذي. وقال: الصحيح أنه موقوف. وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁ أن: اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر. وصح عن حفصة ﵂ أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت]. وكذا صح عن جندب، قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ ]. هذه النصوص كلها في موضوع واحد، وهو حكم الساحر في الدنيا، فأما حكمه في الدنيا فهو القتل بكل الأنواع، سواءٌ أكان السحر الذي هو كفر مخرج من الملة، أم السحر الذي هو من الكبائر، فالنوع الأول يقتل صاحبه ردةً، والنوع الثاني يقتل صاحبه حداً، حتى ولو كان من المسلمين، أما الحد فلما روي عن جندب مرفوعاً (حد الساحر ضربه بالسيف)، ولكن هذا الحديث لا يصح مرفوعاً، فهو ضعيف؛ لأن في إسناده إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف، وكذلك فيه تدليس الحسن البصري رحمه الله تعالى، ولهذا ضعفه الحافظ ابن حجر في الفتح، والصحيح أن الخبر موقوف على جندب، ولهذا قال في آخر هذه النصوص: وكذلك صح عن جندب، فهو صحيح موقوفاً، رواه البخاري في التاريخ، والبيهقي وغيره. وبناءً على هذا يكون قتل الساحر مما فعله الصحابة رضوان الله عليهم، ومما أفتى به الصحابة، فـ عمر قتل ثلاث سواحر، وأمر بقتل كل ساحر وساحرة، وحفصة أمرت بقتل جاريتها التي سحرتها، وكذلك صح عند جندب كما سبق أن بينا. وقوله: [في صحيح البخاري عن بجالة] في قصة عمر ليس هذا الأثر في صحيح البخاري بهذا اللفظ، وإنما هو عند أبي داود وأحمد، وإسناده صحيح، وأما قوله: [وصح عن حفصة] فقد صح كما قال، رواه مالك وعبد الله بن الإمام أحمد ﵀.

стр. 88

بيان شيء من أنواع السحر عقد المصنف بعد ذلك باباً سماه [باب بيان شيء من أنواع السحر] والمراد بالسحر في هذا الباب الذي عقده المصنف هو السحر بمعناه اللغوي، وليس السحر بمعناه الاصطلاحي، ولهذا سيأتي أن النميمة تعتبر من السحر، وتعتبر الطيرة من السحر، ويعتبر البيان والفصاحة من السحر، وهذه كلها ليست من السحر بالمعنى الاصطلاحي، بل هي من السحر بالمعنى اللغوي العام، وتدخل جميعاً في كونها خفية ومؤثرة ولا تعرف جهة تأثيرها بشكل مباشر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب بيان شيء من أنواع السحر. قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، حدثنا حيان بن العلاء، حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ قال: (إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت). قال عوف: العيافة: هي زجر الطير، والطرق: الخط يخط بالأرض. والجبت: قال الحسن: رنة الشيطان. إسناده جيد، ولـ أبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه المسند منه]. نلحظ أن الشيخ اعتبر العيافة هي الطيرة، وقد سبق الحديث عن الطيرة، وقلنا: إن المقصود بها التشاؤم بالطير. والعيافة من السحر، والخط الذي سماه الطرق من السحر أيضاً. والطيرة أو العيافة هي زجر الطير، بمعنى: أمر الطير، وكانوا يربون الطيور كما تربى الآن النسور والصقور للصيد، فإذا أرادوا تزويج شخص أتوا بهذا الطير وزجروه، فإذا ذهب يميناً تزوج، وإذا ذهب يساراً ترك، وكذلك في السفر، وكذلك الحال في الحرب، وكذلك الحال في أي باب من الأبواب التي يريدون أن يعملوها، فيقومون بزجر الطير، فإذا ذهب في أي اتجاه فسروا هذا الاتجاه على بناء وعلى اصطلاح عندهم. واعتبر ذلك من السحر لأن محل التأثير فيه خاف، وكذلك الطرق، والطرق هو نوع من الكهانة، وهو خط يخطه في الأرض يستدل به على الغيبيات. ومن أنواع الكهانة التنجيم، ومما يدخل في الكهانة العرافة، وهي أنواع من الاستدلال على المغيبات أو للبحث عن المفقود، فهذه كلها تدخل في نوع واحد، وهو الكهانة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد) رواه أبو داود وإسناده صحيح. وللنسائي من حديث أبي هريرة: (من عقد عقدةً ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا وكل إليه)]. هذا مثال للسحر، وهو العقد والنفث فيها، كما وصف الله بقوله: ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤]، وهو نوع من أنواع السحر يقومون به للتأثير على الناس، سواءٌ أكان بالصرف أم بالعطف، والصرف: هو صرف الرجل عن زوجته أو الصديق عن صديقه، بحيث يكره أحدهما الآخر، وأما العطف فهو أن يجمع بعضهم ببعض ويحب بعضهم إلى بعض، وقد سبق الحديث عن أنواع السحر وأحكام السحر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: (ألا هل أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة: القالة بين الناس). رواه مسلم]. اعتبر المؤلف النميمة من السحر؛ لأنها تدب في الناس وتأثر فيهم تأثير السحر في المسحور، فحين تنتشر النميمة في المجتمع تأثر فيه تأثيراً بليغاً جداً، فأنت عندما يأتيك شخص فيقول: فلان يقول فيك كذا؛ فإنك تتأثر، كما أن الإنسان المسحور يتأثر. فجاء بكلمة السحر من جهة العموم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهما عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن من البيان لسحرا)]. البيان معناه: الفصاحة، وهل معنى هذا أنه يذم البيان؟ و الجواب لا يذم وإنما هو حكاية عن الواقع، فالواقع هو أن البيان يؤثر في الإنسان كما يؤثر السحر في المسحور، وليس في هذا حكم عليه، بل هو بحسب نوع البيان، فإذا كان البيان فيما يرضي الله فهو طاعة لله وإن كان مؤثراً في الناس، وإذا كان البيان في معصية، الله فهو معصية بحسب نوع البيان، فهذا وصف للبيان عليه بأنه مؤثر في الناس كتأثير السحر.

стр. 89

الكهانة الكهانة: هي الكلام في الغيبيات، ويشمل ذلك الكلام في الغيبيات عن طريق الخط مثلاً، أو الكلام في الغيبيات عن طريق الكف، أو الكلام في الغيبيات عن طريق الفنجان، أو الكلام في الغيبيات عن طريق استعمال الشياطين كما هو حال الكهان المشهورين. أو هي ادعاء علم الغيبيات، عن طريق النجوم، كأن يقول: نجمك -مثلاً- أو برجك الفلاني سيحصل لك فيه كذا وكذا وكذا، وستتزوج امرأة، ثم بعد ذلك ستنجب منها ولدين وتموت، ويموت ولدك البكر، ويتكلم عن الغيب وكأنه مكشوف بين يديه، فهذا كله من جنس واحد مع اختلاف الأنواع. ويدخل -أيضاً- في الكهانة البحث عن المسروق؛ لأن البحث عن المسروق ادعاء لعلم الغيب غير الحاضر بتعاون مع الجن، وهذه تسمى العرافة كما سيأتي معنا. والكهانة -وهي ادعاء علم الغيب- كفر؛ لأنها ادعاء لما اختص الله به، فالله يقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، وهذا من أقوى أنواع الحصر، ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النمل:٦٥]، (من في السموات) يعني: كل ما في السموات؛ لأن (من) عامة؛ لأنها من الأسماء الموصولة، والأسماء الموصولة تعم كل شيء، فكل من في السموات وكل من في الأرض لا يعلمون الغيب، إلا الله، وهناك قاعدة عند العلماء، حيث يقولون: الاستثناء معيار العموم، أي: في المستثنى منه، وهو معيار الخصوص في المستثنى، ولهذا تعتبر الكهانة من الشرك الأكبر؛ لأنها ادعاء لعلم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله . وأما الإتيان إلى الكهان فإنه ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يأتي شخص إلى الكاهن ليسأله دون أن يصدقه، فهذا لا تقبل له صلاة أربعين يوماً. الثاني: أن يصدقه، وحينئذ يكفر كفراً مخرجاً عن الملة. أما من جاء إلى الكاهن ليختبره فهذا ليس بكفر، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ اختبر ابن صياد -وقد كان كاهناً- فسأله عن الدخان، فقال: الدخ، فجاء بنصف الكلمة، فقال له: (اخسأ، فلن تعدو قدرك)، وقد جاء في الحديث أن الكهنة يتعاونون مع الجن، وأن الجن يسترقون السمع، ويكذبون على ما يسمعونه مائة كذبة، لكن الناس عندما يرون صدق مرة واحدة ينسون كذبات الكهان كلها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الكهان ونحوهم. روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوماً)]. هناك خلاف في كون زيادة (فصدقه) من أصل الحديث؛ لأنه روي الحديث بلفظ: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً)، والصحيح هو التفصيل كما قلت، فإذا لم يصدقه فإنه لا تقبل له صلاة أربعين يوماً، وأما إذا صدقه فإنه يكفر كفراً مخرجاً عن الملة، وهذا الحديث في صحيح مسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ . رواه أبو داود]. وهذا -أيضاً- إسناده صحيح. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وللأربعة والحاكم -وقال: صحيح على شرطهما- عن أبي هريرة ضي الله عنه: (من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ]. والشيء الذي أنزل على محمد صلى ﵊ هو أن الغيب لا يعلمه إلا الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولـ أبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفاً وعن عمران بن حصين ﵁ مرفوعاً]. يعني: مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، أي: من قول النبي ﷺ أو فعله، وأما الموقوف فهو الذي يقوله الصحابي أو يفعله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن عمران بن حصين ﵁ مرفوعاً: (ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ . رواه البزار بإسناد جيد، ورواه الطبراني بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله: (ومن أتى) إلى آخره]. هذه الأحاديث كلها دلالتها واحدة على نحو ما فصلنا فيمن أتى كاهناً، سواءٌ أكان عرافاً أم خطاطاً أم صاحب فنجان أم صاحب كف أم غير ذلك، وكل هؤلاء من هذا الجنس، وكل من أتى من ادعى علم الغيب فهذا حكمه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال البغوي: العراف: الذي يدعي معرفة

стр. 90

النشرة وحكمها المقصود بالنشرة: فك السحر، فإذا كان فك السحر بسحر مثله فهذا منهي عنه، وإذا كان فك السحر بالقرآن والرقى الصحيحة فهذا مباح ولا إشكال فيه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في النشرة. عن جابر أن رسول الله ﷺ سئل عن النشرة فقال: (هي من عمل الشيطان). رواه أحمد بسند جيد، وأبو داود، وقال: سئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله. وللبخاري عن قتادة: قلت لـ ابن المسيب: رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه. وروي عن الحسن أنه قال: لا يحل السحر إلا ساحر. قال ابن القيم: النشرة حل السحر عن المسحور، وهي نوعان: أحدهما: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور. والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة، فهذا جائز]. وذلك لأن حل السحر قد يكون بسحر مثله، فهذا هو الذي نهي عنه العلماء وبينوا أنه من عمل الشيطان؛ لأن هذا فيه نشر وإشهار للسحرة، وفيه -أيضاً- من جهة أخرى شعور بالخضوع للشيطان وحزبه، فكل سحر لا يجوز أن يفك بسحر مثله، وإنما يفك بالرقى والتعاويذ الشرعية، كما حقق ذلك ابن القيم ﵀.

стр. 91

ذكر ما جاء في التنجيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في التنجيم. قال البخاري في صحيحه: قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينةً للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به]. التنجيم: هو الاستدلال بالنجوم، فينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الاستفادة من النجوم في جعلها علامات يهتدى بها، كما حقق ذلك قتادة ﵀؛ لأن الله يقول: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦]، فإذا كان استخدامها لهذا الغرض فلا إشكال فيه، فهو جائز، ولهذا استقرأ قتادة ﵀ فائدة النجوم في القرآن فوجدها أنها ثلاثة أنواع: الأمر الأول: أنها زينة للسماء. والأمر الثاني: أنها رجوم للشياطين. والأمر الثالث: أنها علامات، أما من جعلها لغير ذلك فقد أخطأ، وهو النوع الثاني. النوع الثاني: هو اعتقاد أن هذه النجوم لها تأثير في الحوادث الأرضية، فيرتبون عليها اعتقادات، ويعتقدون أن هذه النجوم تؤثر في الحوادث الأرضية، وذلك لا يجوز واعتقاد أن النجوم تؤثر في الكائنات الأرضية نوعان: النوع الأول: أن يعتقد أنها تؤثر بذاتها، بحيث يعتقد أن النجم له قدرة في التأثير على الأرض، سواءٌ بالتأثير على الإنسان أو بالتأثير على النبات أو بالتأثير على الحيوان، فمن اعتقد أن النجوم لها تأثير على الإنسان والحيوان والنبات من الكائنات الأرضية فهذا شرك أكبر. النوع الثاني: أن يعتقد أن هذه النجوم هي أسباب خلقها الله للتأثير في الأرض، فهذا ليس شركاً أكبر، بل هو شرك أصغر؛ لأنه اعتقد شيئاً من الأشياء سبباً وهو ليس بسبب، وأصل اعتقاد أن النجوم لها تأثير في الكائنات الأرضية مأخوذ عن الفلاسفة والصائبة القدماء قوم إبراهيم ﵇، فقد كانوا يعتقدون أن هذه الكواكب ليست أجراماً، وإنما هي عبارة عن نور وروح، ولهذا يعتقدون أن الكون منبثق عنها، فيعتقدون أن القمر نتج عنه هذا العالم الذي نعيش فيه الآن، هذا هو أصل معتقدهم، ولهذا دعاهم إبراهيم ﵇ إلى توحيد الله ، وبين لهم أن النجوم لا تؤثر، كما تقرأ في القرآن ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات:٨٨]، فأراد أن يبين لهم بطلان تأثير هذه النجوم على الكائنات الأرضية، ولهذا ذكر الله تعالى مناظرة إبراهيم ﵇ معهم في سورة الأنعام عندما رأى شمساً بازغة فقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٦]، وعندما رأى القمر بازغاً قال: ((قَالَ هَذَا رَبِّي)) فهذه المناظرة تدل على إبطال عبادتهم للكواكب واعتقاد أنها أسباب مؤثرة في الكائنات الأرضية. وأما من اعتقد أنها علامات للفصول ومواسم الزراعة، ولم يعتقد أن النجم بنفسه مؤثر فلا شيء عليه، كاعتقاد حدوث وقت الصباح عند طلوع الشمس، فإذا جاءت في الوسط جاء وقت الظهر، فإذا ذهبت جهة الغرب جاء وقت العصر مثلاً، فإذا كان ذلك من باب التوقيت فلا شيء في ذلك، وإنما يكون من الشرك إذا اعتقد التأثير، سواءٌ أكان تأثيراً مطلقاً -وهو من الشرك الأكبر- أم كان تأثيراً سببياً تحت إرادة الله وقدرته، فهذا شرك أصغر وليس بشرك أكبر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال البخاري في صحيحه: قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. وكره قتادة تعلم منازل القمر، ولم يرخص ابن عيينة فيه، ذكره حرب عنهما، ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق. وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر). رواه أحمد وابن حبان في صحيحه]. قوله: [وكره قتادة تعلم منازل القمر، ولم يرخص ابن عيينة فيه، ذكره حرب عنهما، ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق] المقصود بذلك: تعلم منازل القمر للحساب، ومعرفة الفصول ومعرفة الأوقات، وإنما كره من كره ذلك من أهل العلم لكيلا يكون فيه تشبه بأصحاب النجوم الذين يستدلون بها على التأثير، كالحوادث الأرضية، وليس المقصود اعتقاد التأثير في الحوادث الأرضية، فهذا لا شك في أنه لا يجوز، وأنه من التصديق بالسحر الذي بين النبي ﷺ أن فاعله أحد الذين لا يدخلون الجنة، وهذا الحديث فيه ضعف، ولكن أصل موضوع التنجيم يدل عليه أحاديث كثيرة. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا القسم الأول من أقسام الأعمال الشركية.

стр. 92

كتاب التوحيد [٥] شرك المحبة، وشرك الخوف، والتوكل على غير الله تعالى، وطاعة غير الله في تحليل الحرام أو تحريم الحلال، والتحاكم إلى الطواغيت، وطلب السقيا من غير الله تعالى كالأنواء ونحو ذلك كل هذه الأمور أعمال شركية تقدح في توحيد الألوهية الذي هو الغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب، وتجر صاحبها إلى مصاف المشركين بالله تعالى.

стр. 93

شرك المحبة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد: فإن من الأعمال الشركية المتعلقة بتوحيد الألوهية شرك المحبة، والمحبة: هي تعلق القلب بالمحبوب.

стр. 94

أنواع المحبة والمحبة نوعان: النوع الأول: المحبة الطبيعية، والنوع الثاني: محبة العبادة. فأما المحبة الطبيعية فهي الغريزة الفطرية التي جعلها الله في الإنسان، فتجد أن الرجل يحب ولده، ويحب أمه وأباه، ويحب كثيراً من الأمور المتعلقة بما يلائمه، ويحب -أيضاً- أن يدفع عن نفسه الشر، فهذه المحبة تسمى: المحبة الطبيعية، وهذه المحبة فطرة موجودة في نفس الإنسان لا يحاسب عليها، ولا ينبغي له أن يمنع نفسه منها؛ لأن هذا هو ما فطر الله الناس عليه، ومخالفة الفطرة مخالفة للمنهج النبوي والمنهج الشرعي، فإن هذا الدين جاء موافقاً لفطرة الإنسان وطبيعته، ولن يأتي مخالفاً لها، ولا مضاداً لها. النوع الثاني: هو محبة العبادة، ومحبة العبادة هي التي يسميها بعض العلماء محبة التأله، ومحبة التأله: هي المحبة التي يتعلق العبد فيها بمحبوبه تعلقاً فيه ذل وخضوع وانكسار، وهذا النوع من المحبة ليس محبة طبيعية عادية، وإنما هو محبة فيها ذل وخضوع وانكسار.

стр. 95

أنواع محبة العبادة وهذا النوع ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: محبة الله ، ومحبة الله واجبة، وهي من أصل الدين، ومحبة الله ليست على درجة واحدة، بل هي درجات يتفاوت العباد فيها تفاوتاً عظيماً كما سيأتي في مجموع الآيات التي سنوردها. ولمحبة الله لوازم، منها: محبة الرسول ﷺ ، فهي لازمة لمحبة الله لزوماً أصلياً، فمن فقدت من قلبه محبة النبي ﷺ فقداناً كلياً فليس بمسلم. ومن لوازم محبة الله محبة الصالحين، ومن لوازمها محبة الوالدين، ومن لوازمها الولاء للمؤمنين الصالحين بكل أصنافهم وأنواعهم. النوع الثاني: وهو محبة غير الله ، ومحبة غير الله معناها: التعلق التعبدي بغير الله ، وبيان ذلك أن الإنسان إذا تعلق بغير الله تعلقاً غير طبيعي كان ذلك بداية المحبة التعبدية، وإذا زاد هذا التعلق في قلب الإنسان إلى درجة أنه يذل له، ويخضع له، ويكون ديدنه التفكير فيه، والتعظيم له، وفعل الأفعال التي يأمر بها، وترك ما ينهى عنه، فهذه هي محبة التعبد لغير الله ، وهذا من الشرك الأكبر المخرج عن دائرة الإسلام، فإذا وصل الإنسان إلى درجة أنه يتعلق بغير الله تعلق ذل وخضوع وانكسار وتعظيم، وكان من علامات ذلك الظاهرة اتباع الأوامر، واجتناب النواهي، كان ذلك نوعاً من أنواع العبادة التي إذا صرفت لغير الله فهي شرك أكبر مخرج من دائرة الإسلام. وهناك نوع من أنواع المحبة لا يصل إلى الكفر الأكبر مع أن فيه نوع تعلق، ومثاله محبة المال محبة زائدة على القدر الطبيعي بدون أن يصل إلى مرحلة الذل والخضوع والانكسار، بحيث أن يترك الإنسان ما أمر الله به من أجل الدنيا والمال، أو محبة الزوجة، أو محبة الزوج، أو محبة الولد، أو نحو ذلك من أنواع المحاب التي تجعل الإنسان يعصي الله من أجلها، ولكن لا تصل به إلى درجة الخضوع والذل والانكسار والتعظيم الذي هو عبادة من العبادات. فهذا النوع لا يعتبر شركاً أكبر مخرجاً عن الملة، بل هو من أنواع الشرك الأصغر، وهو داخل في كبائر الذنوب، وصاحبه مسلم، ويدخل في هذا بعض درجات عشق الصور في بدايتها إذا لم يستحكم العشق في قلب الإنسان، ويدخل في ذلك أيضاً حب الدنيا، وكراهية الموت، والتعلق بها، وترك الواجبات الشرعية من أجل الدنيا، ويدخل في ذلك حب الولد الذي يمنع الإنسان من الجهاد في سبيل الله إن كان واجباً، وكذلك المال، وكذلك سائر الأمور المحبوبة محبة طبيعية، فقد يبالغ بعض الناس في المحبة الطبيعية إلى درجة أكبر من المحبة الطبيعية. وبهذا نكون قد عرفنا هذا الباب العظيم من أبواب الدين، وهو باب المحبة، والأقسام المتعلقة به. وبعض العلماء يقسم المحبة تقسيماً آخر فيقول: محبة لله، ومحبة في الله، ومحبة مع الله. والأهم من هذا أن يفهم الإنسان الفكرة الأساسية، أما التقسيمات فإنه للإنسان أن يقسم بأكثر من تقسيم بحسب طريقة النظر في المسألة، فبعض الناس ينظر إليها من زاوية، وبعض الناس ينظر إليها من زاوية أخرى، فتختلف تقسيمات العلماء.

стр. 96

المحبة الشركية أبرز أنواع المحبة الشركية المحبة التي تكون لمعظم، مثل محبة الصوفية لكبرائهم وسادتهم، ومثل محبة كثير من الناس لعلمائهم، أقصد المحبة التي تكون محبة تعظيم إلى درجة الطاعة المطلقة له، بحيث يحل له الحرام فيتبعه، ويحرم عليه الحلال فيتبعه، فهذا هو الشرك الأكبر المخرج عن دائرة الإسلام. ولعلي أكتفي بذكر مثال واحد، وهو عبد الوهاب الشعراني من أئمة الصوفية المتأخرين، له كتاب اسمه: الأنوار القدسية في معرفة آداب العبودية، يتحدث فيه عن آداب المريد مع شيخه، فتشعر بأنك تقرأ عن آداب الصلاة، أو آداب الصيام، أو آداب المسلم مع ربه، فهو يقول: (يجب ألا يكتم عنه شيئاً، وأن يكون بين يديه كالميت بين يدي مغسله، وأن يسمع منه كل أمر، حتى لو ظهر له أنه مخالف للشريعة) ويصرح بهذا، فيقول: (يجب أن تسمع لشيخك حتى لو ظهر لك في بادئ الأمر أنه مخالف للدين؛ لأن الدين حسب تصورك أنت قد يكونا قاصراً، أما الشيخ ففهمه أوسع من ذلك وأكبر). ومن المحبة التي هي من جنس البدع والمعاصي محبة بعض المذهبيين لأئمتهم إلى درجة مخالفة النصوص الشرعية، فتجد بعض المتعصبين عندما تذكر له حديثاً عن النبي ﷺ يعرض عنه ويقول: قال الإمام فلان كذا وكذا، وهذا لا شك في أنه من الأمور الخطيرة، حتى إن من علماء الحنفية من يقول في كتابه: كل حديث أو آية خالفت قول إمامنا فهي إما مؤولة أو منسوخة. يعني أن القطعي هو قول الإمام، وإما الحديث فهو إما مؤول أو منسوخ. ولا شك في أن هذا محادة لكلام الله وكلام رسوله والعياذ بالله، ومنشأ هذا الأمر هو المحبة. ومن ذلك أيضاً طاعة المحكومين لحكامهم في معصية الله .

стр. 97

صرف المحبة لغير الله شرك بالله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]]. هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] المعنى الصحيح فيها هو أن هؤلاء يحبون الله ، لكن لهم أنداد يحبونهم مثل محبة الله ، وهذا هو الشرك الذي وقعوا فيه، فلهذا قال بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، يعني: أشد حباً لله من هؤلاء لآلهتهم. وهذه الآية إنما ذكرها الشيخ هنا وجعلها عنوان الباب من أجل أن يبين أن من أعمال القلوب ما يقع فيه الشرك، وتوحيد الألوهية فيه أعمال الجوارح وأعمال القلوب، فأعمال القلوب مثل: المحبة، والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوكل، ونحو ذلك من أنواع العبادات، وأعمال الجوارح مثل: السجود، والركوع، والصلاة، والمظاهر التعبدية التي تكون على جوارح الإنسان. فالمحبة نوع من أنواع توحيد الألوهية، إذا صرفت لغير الله صارت شركاً أكبر، ولهذا قال الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:١٦٥]. والأنداد: جمع ند، والند: هو النظير والمثيل والشبيه. وقوله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، يعني: كحب الموحدين لله ، وهذا فيه إشارة إلى ضابط المحبة الشركية، فضابط المحبة الشركية هو: أن يحب الإنسان محبوبه مثل حب العابد ربه، فالعابد يحب ربه، بمعنى أن قلبه متعلق به ذلاً، وخضوعاً، وانكساراً، وتعظيماً، فهو ليس محبة عادية، فهذا هو المقصود من إيراد هذه الآية تحت هذا الباب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]]. هذا النوع درجة من درجات محبة غير الله وهي الدرجة التي سبق أن أشرنا إليها، وهي درجة فوق المحبة العادية، وقد لا تصل إلى المحبة الشركية. يقول تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ [التوبة:٢٤] إلى آخر ذلك من الأمور الدنيوية ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة:٢٤]، فإذا كان هناك أوامر عند الأب أو الابن، أو كانت هناك متطلبات للتجارة، أو المساكن، أو نحو ذلك، فإنكم تطيعونها أكثر من طاعتكم لله ، فهذا هو الشرك الذي يقع الإنسان فيه، وهذه المحبة بحسب درجتها، فإذا كانت مثل محبة الله أو أشد فهي الشرك المخرج، وإن كانت أقل من ذلك -كما هو المشهور عند الناس والغالب في المسلمين- فهي من الشرك الأصغر الذي لا يصل إلى الشرك الأكبر. ومن أنواع الشرك الأكبر فيما يتعلق بهذه الأمور الدنيوية إحجام بعض الناس عن الالتزام بالإسلام، كأن يكون كافراً وعنده رغبة في الالتزام بالإسلام، فيرده عن ذلك تعلقه ومحبته للوطن أو للأهل، أو للدولة، أو للأقارب، كمثل ما حصل لـ هرقل عظيم الروم، حيث عرف الحق، وأن هذا الدين هو دين الله ، ولكن الطمع في الدنيا، والتعلق بالملك جعله يعرض عن هذا الدين، مع أنه يعرف أنه الحق، والعياذ بالله. ومثل بعض أصحاب وفد نجران حيث أتوا إلى النبي ﷺ وكان فيهم بعض رهبان النصارى، فعرفوا النبي ﷺ ، وأنه على الحق، ولكن لأن لهم سلطاناً، ومكانة ومنزلة، وأثراً في الناس ما أحبوا أن يتخلوا عن هذه المكاسب الدنيوية من أجل الالتزام بالدين، فأعرضوا -والعياذ بالله- عن الالتزام بالدين لأجل هذه المكاسب الدنيوية، فهذا نوع أيضاً من أنواع الشرك. إذاً: شرك المحبة المخرج من الملة قد يقع فيه الإنسان الذي لم يسلم بعد، فيصده عن الإسلام، وقد يقع فيه من كان مسلماً، حيث تصل به محبة الدنيا إلى درجة أنه يحبها مثل محبة الله أو أكثر.

стр. 98

أنواع المحاب المطلوبة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده، والناس أجمعين)، أخرجاه]. هذا الحديث في محبة النبي ﷺ . وقوله: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)، نفي الإيمان فيه هو بحسب نوع المحبة التي صرفت لغير الله كما سبق أن بينا، وهذا يدل على أن محبة النبي ﷺ فرض في الإيمان مثل محبة الله . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: ولهما عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)، وفي رواية: (لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى) إلى آخره]. وجه الدلالة من هذا الحديث هو من ناحية أن المحبة يتفاوت فيها الناس، فبعضهم يبلغ درجات عالية من المحبة، وبعضهم أقل من ذلك. ولهذا يخبر النبي ﷺ في هذا الحديث عن صنف معين من الناس وجد حلاوة الإيمان، وهو من أهل الإيمان، فالذي لم يجد حلاوة الإيمان لا يعني ذلك أنه ليس بمسلم، بل المراد درجة المحبة العالية، ولهذا سبق أن بينت أن توحيد الألوهية مثل الإيمان يزيد وينقص، وكل الأعمال المتعلقة بتوحيد الألوهية يزيد فيها الإيمان وينقص أيضاً، فالمحبة تزيد وتنقص، والرجاء يزيد وينقص، والخوف يزيد وينقص، والتوكل يزيد وينقص، والناس ليسوا على مرتبة واحدة، إلا أن هناك حداً أساسياً لازماً لكل هذه الأنواع جميعاً، فإيمان القلب له حد أساسي، وأعمال الجوارح لها حد أساسي، وعناصر أعمال القلب لا بد من أن يوجد فيها حد أدنى إذا لم يوجد في الإنسان يزول الإيمان بزواله، ولهذا جاء في حديث الجهنميين أن الله يقول: (أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان). يعني: من كان في قلبه مثقال الذرة مع وهو مخلوط من المحبة والخوف والرجاء، والأمور الأساسية من أعمال القلب، مثل: تصديق القلب، ويقين القلب، والإخلاص، والانقياد، ونحو ذلك. فإيمان هؤلاء نقص حتى صار مثقال ذرة، وليس مثقال الذرة من المحبة فقط، بل من المحبة والخوف والرجاء، ومثقال الذرة لا يكفي وحده في النجاة عند الله ، بل لا بد من أن يكون معه عمل صالح في الظاهر، وهو نطق الشهادة والصلاة، واجتناب الكفر الأكبر المخرج من الملة، واجتناب نواقض الإيمان، وهذا الاجتناب هو في حد ذاته عمل. وقد يقول بعض الناس: إن النبي ﷺ قال: (لم يعلموا خيراً قط). فنقول: ليس المقصود أنه ليس عندهم عمل، وإنما المقصود أنهم من قلة عملهم يكادون أن يصلوا إلى درجة أنهم لم يعلموا خيراً قط، والذي دعانا إلى أن نفسر هذا التفسير هو أحاديث الجهنميين التي تبين أنهم قالوا: لا إله إلا الله) وهذا عمل خير زيادة على مثقال الذرة، وتبين كذلك وتدل أيضاً أنهم من أهل الصلاة، ولهذا يعرفون بمواطن السجود، وتبين أنهم امتنعوا عن نواقض الإيمان العملية، وهذا خير أيضاً، فلا بد من أن نجمع بين هذه الأحاديث لنفسر هذا التفسير، وهذا سائر في لغة العرب، فالرجل إذا غضب على ولده يقول له: أنت لست بولدي، ولا يقصد بذلك أنه لم يأت من صلبه، وأنه يتهم هذا الولد بأنه ولد بغي -مثلاً- والعياذ بالله، وإنما المقصود أنه ليس بالولد الطائع، فالولد من طبيعته أنه يطيع والده، فالمقصود: لست من ولدي الذي يطيع والده. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن ابن عباس ﵄ قال: من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله؛ وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولم يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجزي على أهله شيئاً. رواه ابن جرير]. هذا الأثر عن ابن عباس يضعفه بعض العلماء، وعلى وهو متعلق بمسألة لوازم المحبة، فالمحبة في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة في الله، كلها من لوازم المحبة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦] قال: المودة]. يعني: تقطعت الأسباب بالكافرين فلم تنفعهم محبتهم لآلهتهم التي كانوا يتخذونها سبباً للنجاة عند الله .

стр. 99

الخوف وأقسامه الخوف عمل من الأعمال القلبية، وهو من أصول الإيمان الواجبة، وهو -أيضاً- من توحيد الألوهية. والخوف ينقسم إلى قسمين: خوف طبيعي، وخوف تأله أو تعبد. فالخوف الطبيعي: هو الخوف العادي الذي يحصل للإنسان عندما يداهمه عدو، أو حيوان مفترس، أو نحو ذلك مما يخاف الناس في العادة منه. والضابط في هذا الخوف الطبيعي هو: انعقاد أسباب الخوف، فالخوف الذي تنعقد أسبابه هو الخوف الطبيعي، وذلك كمن رأى أسداً حقيقياً فخاف، فهذا خوف طبيعي. أو جاءه عدو بسلاح ووضعه في رأسه، فخاف واضطرب قلبه، فهذا خوف طبيعي يحصل للإنسان، ويخاف الإنسان من الموت، فالإنسان لا يذم ولا يلام على الخوف الذي تنعقد أسبابه. وأما الخوف غير الطبيعي فيمكن أن نقسمه إلى أقسام: القسم الأول: الجبن، والضابط فيه هو أنه خوف وهمي لم تنعقد أسبابه، والجبن مذموم، ولهذا استعاذ النبي ﷺ من الجبن، فإنه خوف من غير مبرر، إذ يرى ما ليس بسبب سبباً، وهو ليس بسبب في الحقيقة، فهذا مذموم. القسم الثاني: خوف العبادة، وخوف العبادة ليس خوفاً طبيعياً عادياً، وإنما هو خوف تعلق بالمعبود. وخوف العبادة إما أن يكون خوفاً من الله، فهذا توحيد، ومعناه التعلق بالله ، والخوف من وعيده وعقابه. وإما أن يكون خوفاً من غير الله ، وهو قسمان: القسم الأول: خوف شركي يصل إلى درجة الشرك الأكبر، وهذا هو الخوف الذي يسميه بعض العلماء خوف السر، ومعنى خوف السر: أن يخاف من غير الله خوف تعظيم؛ لأنه يشعر أن هذا المخوف معظم، ويملك أموراً غيبية جعلت هذا الخائف يخاف منه، وهذا نوع من أنواع خوف السر، ومن أنواع خوف السر ألا يخفي على من يخافه شيئاً في قلبه؛ لتصوره أن له تأثيراً عليه، بحيث يجعل باطنه كظاهره عند من يخاف منه. وهذا النوع من أنواع الخوف شرك أكبر، ويمكن أن يمثل له بخوف المشركين من آلهتهم، فقد كانوا يتصورون أن هذه الآلهة لديها قدرات، كما يقع عند بعض من يشركون في الربوبية، حيث يعتقدون أن هؤلاء لهم قدرات مستقلة يؤثرون في العالم بسببها، فهذا شرك في الربوبية، أو يتصورون أن آلهتهم عندها قدرات بإعطاء الله لها، ولهذا يخافون منها، كما هو شرك المشركين في العالم، فهم يتصورون أن هؤلاء الصالحين الذين يعبدون الله مستجاب من الله كلامهم مباشرة، فإذا طلبوا منه أن ينفع فلاناً فسينفعه، وإذا طلبوا منه أن يضره فسيضره، مثل الوكيل أو صاحب المنزلة عند الملك العظيم، فصاحب المنزلة عند الملك العظيم يقول له الملك: اسجن هذا فيسجنه، وأعط هذا مكافأة فيعطيه المكافأة. ومثل خوف بعض الناس من الأولياء، إذ يقول: لا تتكلم، فالولي إذا تكلمت سيضرك، ومثل خوفهم من السحرة، والكهان، والجن، ونحو ذلك، لا سيما إذا كان الخوف من معظم يعتقد صاحبه أن له قدرات تأثيرية في الناس، فهذا لا شك في أنه من الشرك الأكبر المخرج عن دائرة الإسلام والعياذ بالله. فهذا هو الضابط في الخوف الذي يكون خوفاً شركياً. القسم الثاني: الخوف من غير الله الذي لا يصل إلى درجة الشرك الأكبر، وهو الخوف الذي لا يكون من معظم، بحيث يكون خوفاً سرياً يظهر معه ما في باطنه على جوارحه، وإنما هو خوف من البطش أو الأذى، سواءٌ أكان حقيقياً أم وهمياً، وفي الغالب يكون وهمياً، فيمتنع الخائف بسببه من الواجبات الشرعية. ومثاله في إنسان قيل له: لماذا لا تشتغل بالدعوة؟ فقال: إذا اشتغلت بالدعوة فسيحصل لي ضرر، ثم يبدأ يعدد بعض الأضرار التي حصلت لبعض الدعاة في التاريخ الإسلامي، فيقول: فلان من الدعاة دعا فقتل، وفلان من الدعاة دعا فسجن، وفلان من الدعاة دعا وجلد ظهره، وفلان من الدعاة دعا فنفي من الأرض، ويبدأ يعدد الأذى والمتاعب التي حصلت لبعض الدعاة، فيمتنع عن الدعوة إلى الله خوفاً من هذه الأمور التي يتصورها، فهذا من كبائر الذنوب والعياذ بالله، وهو من الشرك الأصغر، ولكن لا يصل إلى الشرك الأكبر؛ لأنه لم يصرف عبادة محضة لغير الله، إذ ليس عنده خوف سر، وإنما عنده خوف وهمي ممن يخاف منه جعله يمتنع عن الصالحات، وهكذا الأمر فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو فيما يتعلق بالإصلاح بكل ألوانه، أو بالصلاة ونحو ذلك، وهو من الخوف الذي ليس له مسوغ، إلا أنه خوف الشيطان، وهو خوف ليس صاحبه مكرهاً، بل يستطيع أن يدعو إلى الله بكل سهولة، ومع هذا يمتنع؛ لأنه يخاف من أناس أن يؤذوه، فيكبر الموضوع تكبيراً غير طبيعي، وبهذه الطريقة يمتنع عن الصالحات، فيقع في ترك واجب من الواجبات الشرعية أياً كان هذا الواجب، سواء أكان هذا الواجب في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أم في الصلاة والزكاة والصيام ونحو ذلك من العبادات المشروعة، أم في إطلاق اللحية، أم في غير ذلك.

стр. 100

تخويف الشيطان أولياءه وأثره على التوحيد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]]. هذه الآية: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران:١٧٥] فيها تقدير: (يخوفكم من أوليائه)، يعني أن: الشيطان يأتي ويخوفكم من أوليائه، فيقول لكم مثلاً: إن الأعداء أقوياء، وعندهم أسلحة كبيرة، ومكانة عظيمة، وقدرات هائلة، وهذا كالخوف الحاصل الآن من إسرائيل، إذ هناك خوف عظيم عند كثير من المسلمين مع الأسف الشديد، وما هذا إلا من تخويف الشيطان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران:١٧٥]. يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، ففي هذه الآية شرط، وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]. فالخوف من الله شرط في الإيمان، والخوف من غير الله قادح في الإيمان، سواء أكان القدح من جنس الشرك الأصغر أم من جنس الشرك الأكبر، فهو بحسب درجة الخوف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة:١٨]]. والشاهد هو قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة:١٨]، فهنا نفي وإثبات، والنفي والإثبات يدلان على الحصر والقصر والاختصاص. فالنفي في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَخْشَ﴾ [التوبة:١٨]، والإثبات في قوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة:١٨]، وهذا يدل على أن الخشية يجب أن تكون لله خالصة. ويفرق بعض العلماء بين الخوف والخشية، فيقول: إن الخشية خوف عن علم، ويستدلون على ذلك بقول الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، فاستخدم في هذه الآية الخشية؛ لأنها مضافة إلى العلماء.

стр. 101

عظيم خطر الالتزام بالتوحيد وعدم الخوف من الناس قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠]]. هذه الآية تدل على أن الالتزام بالتوحيد ليس أمراً هيناً، وأن الالتزام بالتوحيد لا يكون في السراء فقط، أو عند عدم الأذى، ولا يكون بحسب التشهي، بل الموحد هو الإنسان الصادق الذي يصبر في السراء والضراء، سواء أكانت فتنته بالدنيا من مال أو نساء أو نحو ذلك، أم كانت فتنته بالقوة والأذى، ولهذا فإن النبي ﷺ عندما بايع أصحابه في العقبة بايعهم بقوله -كما في لفظ أبي داود -: (وأن تعضكم السيوف)، والعض معروف، والمعنى أن السيوف تضربكم، فبايعوه على أن يصبروا على ذلك، ولهذا لما كانوا في البيعة قال سعد بن عبادة لأصحابه: هل تعلمون على ماذا تبايعون هذا الرجل؟! إنكم تبايعونه على مفارقة الأسود والأبيض، وتبايعونه على مفارقة الأهل والخلان وكل الناس فوفوا بهذه البيعة في مواطن كثيرة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن أبي سعيد ﵁ مرفوعاً: (إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله، إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره)]. هذا الحديث معناه عظيم جداً، وإسناده فيه ضعف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (من التمس رضى الله بسخط الناس ﵁، وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس)، رواه ابن حبان في صحيحه]. هذا الحديث يدل على ثمرة الخوف من الله ، وتعظيم الله ، وأن ثمرته تكون في الدنيا والآخرة أيضاً.

стр. 102

التوكل وأنواعه التوكل معناه: الاعتماد القلبي، وينقسم إلى قسمين: الأول: الاعتماد على المخلوق فيما يقدر عليه. والثاني: الاعتماد على المخلوق فيما لا يقدر عليه. فأما الاعتماد على المخلوق فيما يقدر عليه فإنه ينقسم إلى قسمين: اعتماد مباح، واعتماد محرم. فأما الاعتماد المباح فهو أن يعتمد الإنسان على شخص يوكله في أمر من الأمور يقدر عليه، فالنبي ﷺ وكل علي بن أبي طالب ﵁ في أن ينحر بقية الإبل عندما كان في الحج، والوكالة باب من الأبواب الفقهية، والله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]، فالاعتماد على الآخرين في الأمور التي يقدر عليها الإنسان في العادة هو من جنس التعاون، وإن كان الأولى تركه، لا سيما فيما يمكن للإنسان أن يقوم به، ولهذا كان السلف -رضوان الله عليهم- إذا سقط سوط أحدهم تناوله بيده ولم يقل لأحد: ناولنيه، أو: أعطني إياه. وأما الاعتماد المحرم على المخلوق فيما يقدر عليه فهو الاعتماد عليه فيما يقدر عليه وتعليق القلب به، فتعليق القلب بهذا المخلوق محرم، حتى لو كان يقدر عليه، ومثال ذلك كون الإنسان يتعلق بالوظيفة التي هو فيها، وقد يترك بعض ما أمر الله به بسبب اعتماده على هذه الجهة أو تلك في عطائه أو رزقه، فهذا من المحرم، فإذا تعلق القلب بالمخلوق وصار فيه نوع افتقار وقع في الإثم، والعياذ بالله. أما التعلق بالمخلوق والاعتماد عليه فيما لا يقدر عليه -سواءً أكان ذلك مما يقدر عليه الإنسان في الأصل، ولكن طلب من ميت أو من غائب، أم كان لا يقدر عليه جنساً وأصلاً -فهو شرك أكبر مخرج عن دائرة الإسلام، والتوكل على الله لا شك في أنه من أعظم أنواع العبادات. ويمكن أن نقسم الاعتماد القلبي بالطريقة السابقة إلى قسمين: الاعتماد على الله، والاعتماد على غير الله. فأما الاعتماد على الله فهو أصل عظيم من أصول التوحيد، ولهذا يقول النبي ﷺ : (لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير: تغدو خماصاً وتروح بطاناً). يعني: تخرج من أوكارها جائعة خمصته البطون، وترجع في آخر النهار وقد امتلأ بطونها، وكل ذلك من رزق الله ، وهذا يدل على أنها منذ خروجها كانت معتمدة على الله ؛ إذ هو المتكلف بأرزاق العباد . وأما الاعتماد على غير الله فهو بحسب التفصيل السابق.

стр. 103

دلائل منزلة التوكل على الله من الإيمان قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]]. ووجه الدلالة من هذه الآية أنها تدل على التوكل، فقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة:٢٣] أمر بالتوكل على الله، وهذا يدل على أن التوكل والاعتماد يكون على الله . والدلالة الثانية هي في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، فهي تدل على أن التوكل شرط في الإيمان، وأن زوال التوكل يزيل الإيمان، فيزيل أصل الإيمان أو يزيل كماله الواجب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]]. هو قوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، والآية كلها في موضوع الإيمان، وقد ذكرت أصنافاً متعددة من أنواع الإيمان، وآخرها يتعلق بالتوكل، وهو موطن الدلالة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]]. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] المقصود هنا عطف قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] على الضمير المتصل بالمصدر وهو: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٦٤]، والمعنى: الله حسبك وحسب من اتبعك، والحسب هو الاعتماد والتوكل. وقد فهم القبوريون الضالون من هذه الآية فهماً فاسداً، فظنوا أن العطف في قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ [الأنفال:٦٤]، كائن على لفظ الجلالة، أي: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ))، ويا أيها النبي حسبك المؤمنون، وهذا شرك، وقالوا: فهذا يدل على أن التشريك في التوكل والاعتماد ليس من الشرك الأكبر، وهذا فهم فاسد، وقد أطال ابن القيم ﵀ في الرد على هذه القضية في بداية زاد المعاد.

стр. 104

ثمرة التوكل على الله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]]. هذه الآية دلالتها ظاهرة، وفيها بيان ثمرة التوكل، وهي أن الله حسبه وكافيه من كل شيء، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء:٨١]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن ابن عباس ﵄ قال: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، رواه البخاري والنسائي]. قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، هؤلاء ركب قالوا للنبي ﷺ في غزوة أحد: إن أبا سفيان ومن معه سيغزونكم بعد هزيمتكم في أحد، وسيستأصلون شأفتكم ويزيلونكم، فقال النبي ﷺ : ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، يعني: كافينا الله ، و (نعم) من صيغ المدح، فقوله: ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] يعني: نعم المعتمد عليه . ومن الفوائد في هذا الأمر ما ذكره ابن القيم في مقام التوكل على الله في كتابه مدارج السالكين، حيث يقول: (لو أن مؤمناً توكل على الله في إزالة جبل لأزاله)، وهذا من الأشياء العجيبة التي ذكرها ﵀، فالتوكل على الله يعطي قوة في الدنيا، كما أنه من مقامات الإيمان، ولهذا لما اجتمع العالم كله والتحالف الدولي على أفغانستان، وطلبوا منهم طلباً محرماً، فرفضوا وأبوا، وتوكلوا على الله واعتمدوا عليه ووهبهم الله تعالى هيبة عدوهم لهم، ووقف موقفاً تاريخياً لا يمكن أن ينسى ضد دول الكفر، فالدولة المحاربة له ليست دولة واحدة، مع أنها لو كانت دولة واحدة لكانت كافية في إزالة نظام ضعيف من الناحية المادية كنظام طالبان، ومع ذلك لما اجتمع التحالف الدولي، والدول الصناعية ومن معها من المنافقين على هذه الجماعة المؤمنة، فتوكلوا على الله وصبروا أصبح أولئك وإلى الآن هم يخافونهم ويخشونهم، ويترددون في المواجهة معهم. فالتوكل على الله يرزق الإنسان من القوة والصمود ومواجهة الباطل الشيء الكثير.

стр. 105

الطاعة وأقسامها الالتزام بالطاعة المطلقة للأمر والنهي عبادة يجب أن تصرف لله ، فمن صرفها لغير الله فقد وقع في الشرك. والطاعة نوعان: طاعة الله ورسوله، وطاعة غير الله. فأما طاعة الله ورسوله فهي من التوحيد الخالص. وأما طاعة غير الله فتنقسم إلى قسمين: القسم الأول: طاعته في طاعة الله . والقسم الثاني: طاعته في غير طاعة الله. فأما إذا أطاعه في طاعة الله فهذا لا إشكال فيه، مثل: طاعة العلماء، والصالحين، وولاة الأمر إذا أمروا بما فيه مرضاة الله ، ومنها طاعة الوالدين في طاعة الله ، فهذا لا إشكال فيه؛ لأن الأصل هو طاعة الله . وأما طاعة غير الله في معصية فهي نوعان: النوع الأول: أن تكون هذه الطاعة مبنية على أساس اعتقاد حل الحرام، وتحريم الحلال، أي: يطيع غير الله وهو يعتقد أنه يملك أن يحلل ويحرم، ويملك التشريع، فهذا شرك أكبر مخرج عن دائرة الإسلام، وهذا هو معنى اتخاذ اليهود لأحبارهم والنصارى لرهبانهم أرباباً من دون الله، كما جاء في حديث عدي بن حاتم، بمعنى أنهم يحلون لهم الحرام فيتبعونهم، ويحرمون عليهم الحلال فيتبعونهم، فقال النبي ﵌: (فتلك عبادتهم). النوع الثاني: أن تكون هذه الطاعة مبنية على أساس أن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله ، لكن يطيعه لشهوة ورغبة، ويطيعه لدنيا، مع أنه يعتقد أن أصل تحليل الحلال وتحريم الحرام بيد الله لا بيد الخلق، وإنما أطاع هذا الإنسان في معصية الله من أجل شهوة من الشهوات الدنيوية، فهذا النوع لا يصل إلى درجة الشرك الأكبر، وإنما هو من الشرك الأصغر، فإذا أمر عالم من العلماء بأمر فيه معصية لله -كما لو أمر عالم من العلماء بأكل الربا مثلاً- فإن الذي يطيعه في ذلك ويعتقد أنه يحل الحرام يقع في الشر الأكبر، وإذا كان يعتقد أن المحلل والمحرم هو الله ، وعقيدته في تحريم الربا ثابتة، ولكن استغل هذه الفرصة ليكثر أمواله، حتى إذا سأله أحد احتج بفتوى هذا العالم أو غيره، كان هذا من الشرك، ولكن لا يصل إلى درجة الشرك الأكبر، وإنما هو من الأصغر.

стр. 106

تقديم طاعة المتبوعين على طاعة الله ورسوله يجعلهم أرباباً من دون الله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله، فقد اتخذهم أرباباً من دون الله. وقال ابن عباس ﵁: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر!]. كان هذا في موضوع المتعة، حيث كان أبو بكر وعمر ينهيان عن المتعة، وكان ابن عباس يجيزها، وكان إذا ناقش بعض الناس يقول لهم: قال رسول الله، فيقولون: كرهها أبو بكر وعمر، فيغضب غضباً شديداً -وحق له ذلك- ويقول: أقول لكم: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر! يعني: كيف تعارضون قول رسول الله بقول أبي بكر وعمر، فهذا إنكار ابن عباس على من يعارض قول الرسول ﷺ بقول هاذين الفاضلين اللذين هما من خيار الناس وأفضل الناس، فكيف من يعارض قول الرسول ﷺ بقول كاتب من الكتاب في الصحافة، أو يعارض قول الرسول ﷺ بقول حاكم من الحكام، أو بقول شخص من الأشخاص، بل بعضهم وصل به الحال إلى أن يعارض قول النبي ﷺ بقول سفيه من السفهاء ليس له أي قيمة في علم ولا عمل، ولهذا فإن التدني في اتباع النبي ﷺ في الواقع الذي نعيش فيه وصل إلى مرحلة منحطة بشكل عجيب، وهو يحتاج منا جميعاً إلى التعاون على بيان طاعة النبي ﷺ وتعظيم هذا الأمر، وطاعة الله وتعظيم هذا الأمر، وعدم مخالفة أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، فإنها مهلكة للإنسان، ولهذا قال: يوشك أن تنزيل عليكم حجارة من السماء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، أتدري ما الفتنة؟ الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك]. هذا في النوع الأول من أنواع الطاعة، وهو طاعة الرسول ﷺ ، وفيه دلالة على أن الأمر يقتضي الوجوب؛ لأنه رتب الفتنة والعذاب الأليم على مخالفة قول النبي ﷺ . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ﵀: وعن عدي بن حاتم ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية: (﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ﴾ [التوبة:٣١]، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم! قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم)، رواه أحمد والترمذي وحسنه]. هذا الحديث إسناده حسن كما قال الترمذي ﵀، وقد حسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، وهو يدل على تفسير الآية في كونهم اتخذوهم أرباباً؛ لأنهم أعطوهم حق التشريع، يحلون لهم الحرام فيتبعون، ويحرمون عليهم الحلال فيتبعونهم. كما هو حال أصحاب القوانين الوضعية، فإنهم أعطوا حق التشريع للجان معينة، أو لقانونيين يشرعون بخلاف ما أمر الله به، وهذا لا شك في أنه من الشرك الأكبر كما بين ذلك الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ في تحكيم القوانين، فليراجع. والتحاكم والحكم من العبادة، ولهذا يقول الله : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠]، فحصر الحكم في الله ، فلا يجوز لأحد أن يطلب الحكم من غير الله ، ولهذا قال بعدها: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠] وذلك يدل أن الحكم عبادة، فيجب أن تصرف لله، وكما أن المحبة والخضوع والذل والخوف ونحو ذلك من الأعمال عبادات، فكذلك التحاكم، فلا يجوز للإنسان أن يتحاكم إلى أي قانون من قوانين الجاهلية، وإنما يجب عليه أن يتحاكم إلى الله ورسوله في كل شيء.

стр. 107

خطر التحاكم إلى الطواغيت وجره إلى الشرك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠]]. هذه الآية فيها بيان أن من يريد التحاكم إلى غير الشريعة فهو من المنافقين الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإيمان، فهم يبطنون الكفر حيث لا يريدون التحاكم إلى الشريعة، ولهذا يظهر ذلك على فلتات ألسنتهم عندما يطلبون التحاكم إلى غير الشريعة. ومن الأدلة على أن التحاكم يجب أن يكون لله قول الله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. ونحو ذلك من الآيات التي تدل على وجوب التحاكم إلى الله ورسوله، كقول الله في المتحاكم إلى غير الشريعة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] وقوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:٥٦]]. هذه الآيات عامة تشمل الإفساد بالعقائد الباطلة، والإفساد بالشرك، ومنه الإفساد بالتحاكم إلى غير شريعة الله بعد أن أصلحها الله بشريعته، فالذي خلق الإنسان هو الله، وهو أعلم بما يصلحه وما ينفعه، ولهذا أنزل عليه شريعة تصلحه وتنفعه، فإذا ابتغى الإنسان شريعة أخرى يخترعها ويضعها هو وهو إنسان محدود العلم، محدود الفكر، محدود التصورات، فسيضع لنفسه شريعة غير الشريعة التي وضعها الله ، وهذا إفساد في الأرض بعد أن أصلحها الله بالشريعة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة:٥٠]]. هذا استفهام إنكاري، وحكم الجاهلية هو كل حكم مخالف لحكم الله ، فإن الجاهلية اسم عام لكل أمر مخالف لدين الله ، حتى ولو كان من الذنوب والمعاصي، ولهذا لما عير أبو ذر بلال بن رباح ﵄ فقال له: يا ابن السوداء! قال له النبي ﷺ : (إنك امرؤ فيك جاهلية)، يعني: فيك خصلة من خصال الجاهلية. وبوب البخاري ﵀ في كتاب الإيمان (باب الذنوب من أمور الجاهلية) فكل شيء مخالف لشريعة الله فهو من الجاهلية، سواءٌ كان من الكبائر أم من الكفريات المخرجة عن الملة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به). قال النووي: حديث صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح]. هذا الحديث ذكره النووي ﵀ في الأربعين، وهو من الأحاديث التي انتقدت على الإمام النووي في ذكره لها في الأربعين؛ لأنه حديث ضعيف، وممن فصل في بيان ضعفه شارح الأربعين النووية ابن رجب الحنبلي ﵀ في (جامع العلوم والحكم) فيمكن أن يراجع. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الشعبي: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد؛ لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود؛ لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا أن يأتيا كاهناً في جهينة فيتحاكما إليه، فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء:٦٠]]. هذا الأثر المروي عن الشعبي أثر مرسل، فـ الشعبي من التابعين، ولم يكن من الصحابة الذين عايشوا التنزيل، فيعتبر أثراً ضعيفاً في سبب النزول، ودلالة الآية على موضوع التحاكم صريحة في لفظها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقيل: نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ ، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ : أكذلك؟! قال: نعم، فضربه بالسيف فقتله]. هذا الأثر فيه ضعف، وقد يكون موضوعاً؛ لأن في إسناده محمد بن السائب الكلبي، وهو كذاب، وأبو صالح الراوي عنه متروك. والخبر فيه إشكال عند بعض الناس؛ إذ كيف يقتل عمر بن الخطاب ﵁ هذا الرجل دون أن يستأذن النبي ﷺ أو يستأذن صاح

стр. 108

الاستسقاء بالأنواء وأقسامه وأحكامه الاستسقاء معناه: طلب السقيا بالأنواء، والأنواء: جمع نوء، والنوء: هو النجم، فالاستسقاء بالأنواء معناه: طلب السقيا من النجوم، وطلب السقيا من النجوم ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يطلب السقيا من النجوم على اعتبار أنها سبب. الثاني: أن يطلب السقيا منها على اعتبار أنها مؤثرة، وهذا يلحق بالكلام الذي سبق الحديث عنه في موضوع التنجيم، فالتنجيم ينقسم إلى قسمين: تنجيم يعتقد أصحابه أنه له تأثير في الأرض وفي الناس، وأن هذا التأثير ليس على أساس أنه سبب وإنما هو تأثير مستقل، فهذا شرك في الربوبية. والقسم الثاني: تنجيم يعتقد أنه سبب، فاعتقاد أنه سبب شرك أصغر؛ لأنه زعم في شيء من الأشياء أنه سبب وهو ليس بسبب، وفي حالة واحدة يعتبر شركاً أكبر، وهو إذا طلب السقيا من النجوم بقوله: يا نوء كذا! اسقنا، فهذا شرك أكبر مخرج عن الملة؛ لأن الاستسقاء وطلب السقيا من جنس الدعاء، وذلك لا يقدر عليه إلا الله، فإذا طلبه من غير الله فقد وقع في الشرك الأكبر، أما إذا نسب هذا الأمر إلى الأنواء على أنها سبب فهو شرك أصغر؛ لأنه نسب السقيا إلى النجوم على أنها سبب، وهي -في الحقيقة- ليست بسبب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء. وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:٨٢]. وعن أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة)، وقال: (النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب)، رواه مسلم، ولهما عن زيد بن خالد ﵁ قال: (صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب). ولهما من حديث ابن عباس معناه، وفيه: قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥]، إلى قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:٨٢]]. هذا الباب فيه ذكر النوعين الذين سبق أن أشرنا إليهما، فطلب السقيا من النجوم شرك أكبر، وقد صرح النبي ﷺ بأنه من أمر الجاهلية. وأما نسبة السقيا إلى النجوم والأنواء فهي من الشرك الأصغر. وفيه مأخذ آخر، وهو نسبة النعمة إلى غير الله ، وهذا الأمر سيأتي الحديث عنه -بإذن الله تعالى- عند حديثنا عن الشرك في الربوبية والأسماء والصفات.

стр. 109

واجب المسلمين تجاه أحداث فلسطين وأفغانستان وغيرهما لا شك في أن أهل الإسلام يجب عليهم أن يتناصروا ويتعاونوا، وأن يتألم الإنسان عندما يسمع عن إخوانه في أي مكان في العالم حين يحصل لهم الأذى والقتل، ولا يخفى علينا ما يحصل لإخواننا في فلسطين من القتل والتدمير، وقتل الأطفال والنساء، وقتل الرجال بالجملة، حيث يقتل ثلاثون أو أربعون من خيرة شباب هذه الأمة في وقت واحد وهم عزل ليس معهم سلاح يدافعون به عن أنفسهم. فهذه المظاهر جعلت كل مسلم يشعر بالأسى، ويشعر بمدى الذلة التي وصلت إليها هذه الأمة. وإذا نظرنا إلى الحال الذي فيه هذه الأمة خلال هذا العام فسترى أن اليهود والنصارى وأمم الأرض جميعاً استذلت أمة محمد ﷺ استذلالاً عجيباً وغريباً، ففي أفغانستان يقتلون بالجملة، وتجرب فيهم جميع أنواع الأسلحة، ويجرب فيهم جميع أنواع الصواريخ المدمرة، وفي فلسطين يحصل للمسلمين هذا الاستذلال على مرأى ومسمع من كل المسلمين في العالم، ولا أحد يستطيع أن يقوم بإغاثتهم ونجدتهم، بل إن كثيراً من المسلمين -مع الأسف- ما زالوا في غيهم، وما زالوا في معاصيهم، فالذي يشتغل بالزنا ما زال يشتغل به، والذي يشتغل بالربا ما زال يشتغل به، والذي يشتغل بمعصية غير ذلك ما زال يشتغل بها.

стр. 110

الحل العملي لمآسي المسلمين وقد بين النبي ﷺ الحل لهذا الأزمة ولغيرها من الأزمات، وهو الجهاد في سبيل الله، فهذا هو الحل الأساسي لكل مآسي المسلمين ومصائبهم، وهو الذي يرفع هامة الإنسان ويجعله عزيزاً شامخاً قوياً، بل يجعل الله الرزق منه، كما قال النبي ﷺ : (وجعل رزقي تحت ظل رمحي). ويقول النبي ﷺ : (بعثت بين يدي الساعة بالسيف -يعني: بالجهاد- حتى يعبد الله وحده). فانظر إلى الوسيلة المستخدمة في دعوة النبي ﷺ ، وهي من أعظم الوسائل التي هجرت في هذا الزمان، ألا وهي وسيلة الجهاد في سبيل الله، ثم انظر إلى الغاية التي من أجلها شرع الجهاد، إذ هي تعبيد الناس لرب العالمين حتى يعبد الله وحده. يقول النبي ﵌: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل الصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم)، فهذا الذل والصغار الذي يعيشه المسلمون في العالم اليوم سببه الأساسي هو نحن، ومن القواعد الأساسية في الدعوة إلى الله أننا لا نرد الأخطاء دائماً إلى عدونا، أو نقول: عدونا قوي، أو: عدونا يملك أسلحة الدمار الشامل، أو: عدونا لديه القدرات الهائلة والفائقة في التخطيط والقدرات العسكرية الكبيرة، فنسند ضعفنا وذلتنا ومهانتنا إلى العدو الخارجي، بل المشكلة الأساسية كائنة منا، يقول الله : ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]، فهذه آية واضحة تبين أن أي مصيبة تصيب الإنسان أساسها من الإنسان نفسه، وأساسها معصية الله التي نقع فيها.
следующие страницы →