← Акыда

Акыда · id 37804

أصول العقيدة - عبد الرحيم السلمي

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (173 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

أصول العقيدة [١] للعلم آداب ينبغي على طالب العلم معرفتها والتأدب بها, أهمها إخلاص النية لله تعالى, وجملة من الآداب المهمة, وعلم العقيدة أول العلوم في الحاجة إلى تلك الآداب, وإلى الإلمام بمسائله, لا سيما مسائل التوحيد العظيمة.

стр. 2

مقدمة في آداب طالب العلم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو الدرس الأول من دروس أصول العقيدة، وسوف يكون الكلام في هذا الدرس حول ثلاثة أمور: الأمر الأول: مقدمة في آداب طالب العلم. الأمر الثاني: المنهج الذي سنتبعه في هذا الدرس بإذن الله تعالى. الأمر الثالث: الكلام في المسألة الأولى من مسائل أصول العقيدة وهي مسألة: فطرية التوحيد. لقد كان السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين يعتنون عناية كبيرة بآداب طالب العلم، وآداب طالب العلم مذكورة في السنة النبوية، وكان النبي ﷺ يعلم الصحابة الأدب كما يعلمهم العلم أيضاً، وحديث جبريل الطويل الذي سأل فيه النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان وعن أشراط الساعة تعلم الصحابة رضوان الله عليهم فيه الأدب في السؤال والاستماع والجلوس بين يدي المعلم، ولهذا جاء في آخر الحديث أن النبي ﷺ قال: (هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم). فالأدب في طلب العلم من الدين، ولهذا ذكر النبي ﷺ في حديث طويل كما في صحيح البخاري قصة موسى ﵇ مع الخضر، وهذا الحديث فيه كثير من الأحكام والآداب، ومن أبرزها أدب طالب العلم. يقول عبد الله بن المبارك: طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة، وكانوا يطلبون الأدب قبل العلم. ويقول أيضاً رحمه الله تعالى: يكاد يكون الأدب ثلثي العلم. وهناك آداب كثيرة لطالب العلم يمكن أن نتحدث عن أبرزها، منها:

стр. 3

إخلاص النية لله الأمر الأول: إخلاص النية لله ، فإن هذا العلم من الدين، والدين من شروطه الأساسية التي تجعله مقبولاً عند الله ومباركاً فيه أن يكون خالصاً لوجهه تعالى، يقول الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، وقال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]. وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة: -وذكر منهم- قارئ القرآن)، وفي بعض ألفاظ الحديث: (وطالب العلم يأتي يوم القيامة فيسأل عن علمه فيقول: طلبت العلم فيك وقرأت القرآن فيك، فيقال له: كذبت، بل طلبت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ، فقد قيل، ثم يسحب على وجهه فيلقى في النار). وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (من طلب علماً مما يبتغى به وجه الله لا يريد به إلا عرضاً من أعراض الدنيا لم يرح عرف الجنة)، وعرف الجنة المقصود به: ريح الجنة، وهذا يدل على الترهيب الشديد في أن يطلب الإنسان العلم لغير الله . وجاء في بعض الأحاديث أن النبي ﷺ قال: (من طلب العلم ليجاري به العلماء أو يماري به السفهاء لم يرح رائحة الجنة). فينبغي على طالب العلم في أول بدايته لطلب العلم أن يخلص العلم لوجه الله ، ويجعل العلم لله حتى يكون مقبولاً عند الله، وحتى يكون هذا العلم مباركاً فيه.

стр. 4

معرفة منازل العلم الأمر الثاني: ينبغي على طالب العلم أن يعرف منازل العلم، فإن للعلم منازل تحدث عنها أهل العلم، ذكرها سفيان الثوري ﵀، وذكرها أيضاً عبد الله بن المبارك، وذكرها ابن القيم ﵀ في مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة، هذا الكتاب العظيم تحدث فيه عن مسألتين: المسألة الأولى: أهمية العلم وكيفية تحقيق العلم. المسألة الثانية: مسألة الولاية وكيف يحصلها الإنسان ويكون ولياً عند الله . وقد ذكر أهل العلم أن منازل العلم مجموعة فيما يلي: أولاً: النية. ثانياً: الاستماع. ثالثاً: الفهم. رابعاً: الحفظ. خامساً: العمل. سادساً: النشر. أولاً: النية، بأن يكون الإنسان مخلص النية لله . ثانياً: الاستماع، ومعناه: حسن الإنصات، فإن الإنصات جزء أساسي من أجزاء الفهم، ولا يمكن للإنسان أن يفهم وأن يتأمل إلا إذا أنصت، ولهذا أمر الله أن ينصت الإنسان للقرآن: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤]، والقرآن هو أساس العلم. ثالثاً: الفهم، فإن الإنسان لا ينفعه العلم بدون فهم، فالعلم أساسه الفهم، وليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم الحقيقي العلم الذي يكون بالدراية والفهم وإدراك المسائل على صورتها الصحيحة، فإذا كان الإنسان كثير الرواية قيل عنه: راوي، لكنه إذا كان فاهماً للعلم فإنه يقال عنه: فقيه وعالم، والفقه: هو الفهم. ولهذا جاء في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) أي: يفهمه الدين، ويجعله من أهل الفقه والعلم. ولهذا جاء عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: أنتم اليوم في زمان كثير فيه الفقهاء قليل فيه الخطباء، وسيأتي زمان كثير فيه الخطباء قليل فيه الفقهاء. وهو يشير بهذا إلى ذم هذا الزمان الذي يكثر فيه الخطباء الذين يتكلمون، لكنهم قد لا يكونون من الفقهاء الذين يدركون مسائل العلم وأصوله. رابعاً: الحفظ، فالحفظ جزء أساسي من أجزاء العلم، والذي لا يحفظ العلم لا يمكن له أن يكون عالماً، ولهذا كان النبي ﷺ يعلم أصحابه العلم كما يعلم أصحابه القرآن أيضاً، كما جاء في حديث الاستخارة في صحيح البخاري عن جابر ﵁ وأرضاه قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن)، وهذا يدل على أهمية حفظ العلم، فالعلم بدون حفظ لا يمكن للإنسان أن يحصِّل منه شيئاً. خامساً: العمل بالعلم، فإن العمل بالعلم من أعظم الواجبات، وهو المقصود أصلاً من تعلم العلم، ولهذا قال بعض السلف الصالح مثل سفيان بن عيينة: كنا نستعين على حفظ القرآن وعلى حفظ العلم بالعمل به. فالعمل بالعلم من أعظم الأمور التي يحفظ الإنسان بها العلم. ولهذا جاء عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ أنه قال: ما سمعت بحديث إلا وعملت به ما سمع بحديث من الأحاديث إلا وقد عمل به، وجمع مسنداً عظيماً وكبيراً يصل إلى الأربعين ألف حديث ما يضع فيه حديثاً حتى يعمل به، وهذا يدل على حرصهم على العمل. ولهذا يقول سفيان: رويت عن علي ﵁ أنه قال: العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل. وألفَّ الخطيب البغدادي ﵀ كتاباً سماه: اقتضاء العلم العمل، أي: أن العلم يقتضي أن يعمل الإنسان، وأما العلم بدون عمل فهو حجة على الإنسان -والعياذ بالله-، وسيحاسب الإنسان على علمه إذا لم يكن يعمل به؛ لأنه من أول المسائل التي يسأل عنها الإنسان عن علمه ماذا عمل به. سادساً: النشر، والمقصود بالنشر: الدعوة إلى العلم ونصيحة الناس، وتعليم هذا العلم الذي تعلمه، فتعليم العلم له أهمية كبرى.

стр. 5

اتخاذ منهجية مرتبة في تحصيل العلم الأمر الثالث: ينبغي على طالب العلم أن يجعل لنفسه منهجاً مرتباً في تحصيله للعلم، وذلك بأن يبدأ بتعلم مقاصد العلم قبل تعلم الوسائل، فالعلوم نوعان: علوم مقاصد، وعلوم وسائل. فالعلوم المقصودة لذاتها: هي علم العقيدة، وعلم الفقه، والحديث، والتفسير، فهذه علوم مقصودة في ذاتها. وهناك علوم وسائل، أي: علوم تجعل الإنسان يستطيع أن يفهم بها هذه العلوم، ومنها: علم أصول التفسير، وعلوم القرآن، وعلوم الحديث، وأصول الفقه، والنحو، وما يتعلق بهذه العلوم التي تتعلم لغيرها حتى يتعلم الإنسان بقية العلوم. فينبغي لطالب العلم أولاً أن يبدأ بعلم العقيدة، وعلم الفقه، فيدرس في كل علم من هذه العلوم كتاباً شاملاً مختصراً، يعتني مؤلفه بأصول العلم، ويقررها تقريراً صحيحاً مأخوذاً من النصوص الشرعية، ثم بعد ذلك ينتقل إلى علوم الوسائل. ومن المنهجية في طلب العلم: أن يبدأ الإنسان بصغار العلم قبل كباره، وألا يشتغل بالمصنفات الطويلة قبل أن يضبط الكتب الصغيرة في أي علم من العلوم، وألا يشتغل بالمسائل الخلافية التي فيها تفصيلات وتطويل ونقاش كثير قبل أن يدرك أساسيات المسائل، فإدراك أساسيات المسائل مهم بالنسبة لطالب العلم، فإنه إذا اشتغل بالخلافيات وتتبع الخلاف فإنه لا يستطيع أن يتفهم العلم بصورته الصحيحة، وهذا هو الذي يسميه بعض العلماء: التأصيل، ومعنى التأصيل: أن يبدأ الإنسان بالأصول، فعلم العقيدة فيه أصول، وعلم الفقه فيه أصول، وعلم الحديث فيه أصول، وكل علم من العلوم فيه أصول، فيبدأ الإنسان بهذه الأصول ويفهم هذه الأصول. ومن المنهجية أيضاً في طلب العلم: ألا يستعجل الإنسان في طلب العلم، فبعضهم يريد أن يصبح عالماً أو فقيهاً بسرعة، والسرعة لا تغني شيئاً خاصة في العلم، فالعلم لا يؤخذ بالسرعة وإنما يؤخذ بالتأني، يتفهم الأمور مسألة مسألة ثم بعد ذلك يكون عنده فقه عظيم. جاء أبو حنيفة إلى حماد بن أبي سليمان وسأله عن العلم فقال: تعلم في كل يوم مسألة أو مسألتين وسيصبح لك بعد فترة علم كثير. فالعلم يحصل بالتأني والتدرج والاستمرار، والإنسان إذا استمر في العلم فلو حفظ في كل يوم مسألتين فقط فسيحصل على علم كثير جداً في آخر السنة، وفي السنة التي تليها والتي تليها، أهم شيء أن يواظب الإنسان في طلبه للعلم وألا ينقطع، وعليه أن يبتعد عن الفوضوية والتخبط في طلب العلم. والتخبط: هو أن يدخل الإنسان في درس من الدروس ويستمر فيه ثلاثة دروس أو خمسة إلى عشرة دروس ثم ينتهي ويترك هذه الدروس، أو أن يبدأ في كتاب فيبدأ بمقدمة الكتاب ثم يترك هذه البداية، أو يسمع مجموعة من أشرطة أهل العلم المتخصصين فيستمع إلى الشريط الأول والثاني والثالث ثم يترك البقية. ولهذا مع الأسف يوجد من طلاب العلم من يتذوق الدروس، بأن يحضر الدرس الأول ويكون حريصاً، وتجده مهتماً غاية الاهتمام، فيستمر -كما قلت- وقتاً بسيطاً، ثم يسمع أن هناك درساً آخر فتح فيذهب إليه، ويستمر فيه وقت بسيط، ثم يسمع أن هناك درساً ثالثاً فتح فيذهب إليه، وهكذا يصبح يتنقل بين الدروس لا يحضر إلا أوائل الدروس ثم يتركها، فهذا لا يمكن أن يكون فقيهاً أو عالماً، ولا يمكن أن يحصل العلم المطلوب الذي نتكلم عنه باسم المنهجية في طلب العلم.

стр. 6

العناية بالآداب والأخلاق الأمر الرابع: أن يعتني الإنسان بآدابه وأخلاقه، فيعتني الإنسان بأخلاقه مثل الصدق، وحفظ الأمانة، والأدب مع الوالدين، ومع الأهل، والعناية بالعبادة، والحرص على الأذكار وقراءة القرآن، والبعد عن الذنوب والمعاصي، والحرص على مكارم الأخلاق والآداب وشيم النفوس العالية، وأن يكون الإنسان بعيداً عن خوارم المروءة، وأن يعتني الإنسان بصقل نفسه وتهذيبها وتربيتها، وأن يعتني بتزكية نفسه، ومعنى التزكية النماء، أن ينمي الإنسان نفسه، يقول الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٧ - ١٠]، ففي قوله: (قد أفلح من زكاها) سبب ونتيجة، فالسبب: التزكية، والتزكية التنمية، أن ينمي الإنسان نفسه ويطهرها، فينميها ويطهرها من أوساخ المعاصي والآداب الرديئة والأخلاق السيئة، إذاً: السبب أن يزكي نفسه، والنتيجة: الفلاح، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩]. وأيضاً في المقابل نتيجة وسبب، فالسبب: التدسية، ومعنى التدسية: الإخفاء، كما أن التزكية: النماء والطهارة، فالتدسية ضد التزكية معناها الإخفاء، ولهذا جاء في قصة الذين يدفنون بناتهم قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٩] أي: يخفيه في التراب. فينبغي على الإنسان أن يعتني بتزكية نفسه، وأن يبتعد عن تدسيتها بالذنوب والمعاصي، فإن نتيجة التدسية الخيبة والخسارة، كما أن نتيجة التزكية الفلاح بإذن الله تعالى. إذاً: ينبغي على طالب العلم أن يعتني بنفسه عناية كبيرة في آدابها، أن يكون لسانه عفيفاً، وأن يكون بعيداً عن الطعن في الناس، والكذب عليهم، والسفه، ونحو ذلك من خوارم المروءة التي لا تليق بأي مسلم، فكيف بطالب العلم الذي ينبغي أن يكون على مستوى عال من الآداب الشرعية؟! وأن يعتني بتهذيب نفسه وتربيتها والعناية بها عناية كبيرة. ولهذا تحدث العلماء عن العناية بالعلم، وقالوا: إن من معنى العناية أن يأخذ الإنسان العلم بالتدرج وأن يفهمه، وأن يعتني بنفسه، وأن يطبق هذا العلم حتى يتعلم العلم والعمل على حد سواء. ولهذا جاء عن بعض السلف أنهم كانوا لا يتجاوزن العشر الآيات من القرآن حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل.

стр. 7

احترام العلماء وتقديرهم الأمر الخامس: أن يحرص طالب العلم على احترام العلماء وتقديرهم، وأن يدعو لأهل العلم، وأن يحرص على الاستفادة منهم، وأن يجتهد في التلقي عنهم، وفي استشارتهم، فإن لأهل العلم منزلة عظيمة، وهذه المنزلة التي لأهل العلم جاءت بسبب العلم الذي يحملونه، ولهذا يقول الله : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]. فأهل العلم في رفعة عالية، فيجب على طالب العلم أن يشعر برفعتهم، وأن يستفيد منهم، وأن يتعلم على أيديهم، فطالب العلم لا يمكن له أن يتعلم لوحده، ولا يمكن له أن يتعلم عن طريق الكتب، ولهذا كان بعض السلف يقول: لا تطلب العلم على الصحف، ولا تأخذ القرآن على مصحف. لا تطلب العلم على الصحف، أي: لا تطلب العلم على شخص يقرأ في الصحف فقط، (ولا تقرأ القرآن على مصحف) أي: شخص يعتمد على القراءة بالمصحف فقط، وإنما هذا العلم يؤخذ من أفواه الرجال. ويمكن أن تراجع آداب طالب العلم في كتاب العلم في صحيح البخاري، ومقدمة سنن أبي داود، ومقدمة سنن ابن ماجة، ومقدمة صحيح مسلم، وأيضاً يمكن أن يُرجع إلى كتاب العلم لـ أبي خيثمة زهير بن حرب ﵀، وأيضاً إلى آداب المعلمين والمتعلمين لـ محمد بن سحنون المالكي، الإمام المشهور في مذهب الإمام مالك، وأيضاً يمكن أن يرجع إلى كتابين عظيمين لعالمين توفيا في سنة واحدة، أحدهما عالم في المغرب، والآخر عالم في المشرق، أما عالم المشرق فهو أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي ﵀، له كتاب اسمه: الجامع في أخلاق الراوي وآداب السامع، والثاني عالم المغرب هو أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي رحمه الله تعالى، وله كتاب اسمه: جامع بيان العلم وفضله، وكلا هذين العالمين عالم المشرق وعالم المغرب توفيا في سنة أربعمائة وثلاث وستين. وهناك كتب كثيرة متعددة من أبرزها في العصر الحديث: حلية طالب العلم، للشيخ العلامة المحقق بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله تعالى ورعاه.

стр. 8

المنهج المتبع في دروس أصول العقيدة المسألة الثانية التي سنتحدث عنها هنا هي: مسألة المنهج الذي سيكون في هذا الدرس، فكما هو معلوم من عنوان هذا الدرس: أصول العقيدة، فهو ليس مرتبطاً بكتاب معين؛ بل هو موضوعات متعددة لكن لها وحدة واحدة وهي العقيدة، وفي قضايا الأصول في العقيدة، فنحن سنتحدث بإذن الله تعالى عن الأصول في العقيدة مثل: التوحيد والإيمان وما يتعلق بهما من الأنواع والأركان، وما يدخل فيهما من المسائل، وسنتحدت عن البدعة والسنة بإذن الله تعالى، وما يتعلق بهما من المسائل والأحكام. وهناك مسائل دقيقة تفصيلية داخل هذه الموضوعات الكبيرة سنتحدث عنها بإذن الله تعالى، فإذا تحدثنا عن الإيمان سنتحدث عن الكفر وضوابط التكفير، وما يتعلق بهذه المسائل بإذن الله تعالى، وهناك مسائل أخرى سيأتي لها الحديث في وقتها بإذن الله. ولهذا نحن في كل درس سنحدد مجموعة من المسائل وسنتحدث عنها، وسنخوض في هذه المسائل على قدر المستطاع وعلى حسب ظروف الدرس بإذن الله تعالى.

стр. 9

مصطلح العقيدة ومحله من نصوص القرآن والسنة هنا مسألة مهمة جداً يحتاجها طالب العلم، وهي: مسألة العقيدة، هل اسم العقيدة اسم ورد في القرآن والسنة أم أنه لم يرد هذا الاسم في القرآن والسنة؟ الحقيقة أن اسم العقيدة الوارد في القرآن والسنة هو الإيمان، فالعقيدة مصطلح ذكره العلماء المتأخرون لجملة المسائل التي تتعلق بعقيدة الإنسان، وهذه المسائل تسمى في القرآن: الإيمان، يقول الله : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]، فالإيمان والسنة هذه هي التي ذكرها العلماء المتأخرون باسم العقيدة، أي: أنه في زمن الرسول ﷺ لم يكن هذا المصطلح -وهو العقيدة- موجوداً، لكن كان الموجود هو الإيمان، ومعنى الإيمان: التصديق الجازم بالعقائد الواردة في القرآن والسنة والعمل بمقتضاها. ثم لما ظهرت الفرق الضالة في آخر القرن الأول تقريباً وصار لها رواج، بدأ العلماء يؤلفون في مسائل العقيدة باسم السنة، وذلك أخذاً من قول النبي ﷺ : (فمن رغب عن سنتي فليس مني)، والعلماء يقولون: لا مشاحة في الاصطلاح. ويمكن أن ننبه إلى قاعدة في المصطلحات وهي: أن المصطلحات هي عبارات تدل على معان، فهي ألفاظ ومعانٍ، فإذا كانت المعاني صحيحة فإنه لا بأس بهذه الاصطلاحات، ولكن إذا كانت المعاني غير صحيحة فإن هذه المصطلحات تكون مذمومة، ولهذا سميت العقيدة بأسماء متعددة، فسميت: الإيمان، والتوحيد، والسنة، وأصول الدين، ونحو ذلك من الأسماء، وأما الأسماء البدعية فهي مثل من سماها بعلم الكلام، فعلم الكلام هو علم اخترعه بعض المبتدعة الذين اشتغلوا بمناظرة النصارى والزنادقة وأصحاب الديانات الوثنية الأخرى، فأسسوا علماً من خلال هذه المناظرات التي لم تكن على طريقة الرسول ﷺ في المناقشات والمناظرات والحجاج العقلي المشروع، ولهذا أدخلوا في العقائد أموراً مبتدعة، مثل نفي الصفات، ونفي القدر أو إثبات الجبر، وأيضاً القول بأن الإيمان إنما هو مجرد التصديق، وأن العمل لا يدخل في حقيقة الإيمان، ونحو ذلك من المسائل التي ابتدعوا فيها ما لم يشرعه الله . ولهذا حذر علماء أهل السنة وحذر علماء السلف من هذا العلم -أعني علم الكلام- لأنه علم مبتدع، فلم يحذروا منه لكونهم استخدموا مصطلحات جديدة مثل: العرض، والجسم، والجوهر الفرد، ونحو ذلك، وإنما لكون هذه المصطلحات تتضمن معاني باطلة، مثل المصطلحات التي استخدمها الصوفية، فالصوفية يتحدثون في السلوك، والسلوك من مسائل الإيمان أيضاً، لكنهم تحدثوا بلغة وبمنهج بدعي، فهم يتكلمون عن الفناء، والسكر، والشطح، ونحو ذلك من المصطلحات التي يأتون بها، وهي تدل على معان باطلة مخالفة للسنة، ولهذا نهى أهل العلم عن علم الكلام وعن التصوف من هذا الباب، فهم لم ينهوا عنه لكونه اشتمل على مصطلحات، أو لأنه علم جديد، بل نهوا عنه لأنه يتضمن مناقضات لأصول الدين وأصول العقيدة. فينبغي لطالب العلم أن يدرك هذه المقدمة قبل أن نبدأ في الحديث عن أصول العقيدة.

стр. 10

فطرية التوحيد المسائل التي سنتحدث عنها إن شاء الله في بداية هذه الدروس هي مسائل التوحيد، ونحن سنتحدث في مسائل التوحيد عن مجموعة مسائل: المسألة الأولى: مسألة فطرية المعرفة. المسألة الثانية: أول واجب على المكلف. المسألة الثالثة: أقسام التوحيد. المسألة الرابعة: توحيد الربوبية. المسألة الخامسة: قواعد في توحيد الألوهية. المسألة السادسة: قواعد في توحيد الأسماء والصفات. فهذه ست مسائل كبرى أساسية وأصلية في باب التوحيد، ينبغي علينا أن ندرسها وأن نفهمها وأن نفقهها، ثم ننتقل بعد ذلك إلى باب كبير آخر من أصول العقيدة بإذن الله. وسنبدأ أولاً بالكلام على المسألة الأولى وهي مسألة فطرية التوحيد: ومعنى فطرية التوحيد: أن الله عندما خلق الإنسان خلقه وهو مفطور على معرفة الله ، وعلى الشعور بالتأله لله ، وهذا المعنى وهذا المفهوم دلت عليه النصوص الشرعية من القرآن والسنة، يقول الله : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠]، ومن السنة قول النبي ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها؟)، ثم قرأ أبو هريرة ﵁ الآية السابقة من سورة الروم. هذه الآية والحديث في موضوع الفطرة، وموضوع الفطرة من الموضوعات التي وقع فيها خلاف كبير، ولكن هناك جوهر لموضوع الفطرة سنتحدث عنه بإذن الله تعالى.

стр. 11

معنى الفطرة فسر بعض العلماء الفطرة: بأن المقصود أن المولود يولد كالصفحة البيضاء ليس مكتوباً فيها أي شيء من الأشياء، فهو ليس مفطوراً على التوحيد، كما أنه ليس مفطوراً على ضده، فهو يخرج من بطن أمه ليس عنده معرفة ألبتة؛ بل يخرج وليس في نفسه شيء، ثم بعد ذلك يحصل أن يتأثر بالبيئة المحيطة به، وقد تزعم هذا الرأي الحافظ ابن عبد البر ﵀ في كتابه التمهيد في شرح الأحاديث المرفوعة في الموطأ، وتحدث وأطال الحديث في هذا التفسير. والصحيح أن هذا التفسير للآية والحديث تفسير غير صحيح، وستأتي الإشارة إلى ذلك بالتفصيل بإذن الله تعالى. المعنى الثاني الذي أشار إليه بعض العلماء في تفسير هذه الآية وهذا الحديث: هو أن الإنسان يولد وفي نفسه استعداد لتقبل التوحيد واستعداد لتقبل غير التوحيد، والفرق بين هذا الرأي والرأي الذي قبله: أن الرأي الذي قبله لم يتعرض لموضوع الاستعداد، بينما هذا الرأي فيه معنى جديد وهو القابلية والاستعداد للتوحيد وضده أيضاً، ولكن هذا الرأي ليس فيه أن الفطرة تقتضي أن يكون الإنسان مولوداً على توحيد الله . وهناك آراء أخرى مختلفة حول موضوع الفطرة. ولكن المعنى الصحيح والمفهوم الصحيح من هذه الآية والحديث: أن الإنسان عندما يخرج من بطن أمه يكون مفطوراً على توحيد الله، وليس معنى كونه مفطوراً على توحيد الله أن عنده معلومات تفصيلية عن أحكام دين الله ، وإنما معناه: أن الإنسان عندما يولد تكون عنده معرفة لله ، معرفة جملية مخلوقة فيه لا يمكن له أن يعبر عنها. وذلك أن المولود الصغير أول ما يخرج من بطن أمه يكون لديه علوم ضرورية يقوم بها بدون أي معلومات، فالطفل الصغير ليس عنده أي معلومات، فمثلاً: أول ما تعطيه أمه الثدي يلتقمه مباشرة ويمصه، ما الذي عرف هذا الطفل أن في هذا الثدي غذاء له؟ هذه معرفة خلقها الله فيه، وهو يقوم بها بدون أي معلومات تترتب على العقل أو تترتب على الدماغ، فهي أشياء موجودة في نفسه. وبناءً على هذا نقول: إن الإنسان أول ما يولد يكون مفطوراً على التوحيد، بمعنى: أنه أول ما يولد عنده شعور بالله ، وعنده شعور بتوحيد الله ، وعنده شعور بالتأله لله ، لكن هذا الشعور شعور مجمل وشعور عام غير تفصيلي، ثم بعد ذلك عندما يعقل ويكبر فإن الرسل تفصل له هذه الأمور المجملة. والدليل على هذا الفهم للفطرة: أن الآية واضح فيها المدح لهذه الفطرة، فالله يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]، فهذه الإضافة إلى الله بقوله: (فطرة الله) تدل على أن هذه الفطرة ممدوحة، ولو كانت هذه الفطرة لا تقتضي معرفة الله وتوحيده لما كانت ممدوحة، بمعنى: لو كانت بياضاً ليس فيها شيء كالورقة البيضاء، فإن الورقة البيضاء في حد ذاتها ليست ممدوحة؛ لأنه ليس فيها شيء ممدوح مثل معرفة الله، وليس فيها شيء مذموم مثل ضد ذلك، فالفطرة هنا فطرة ممدوحة، والإضافة إلى الله تدل على أنها ممدوحة، فإن الإضافة إلى الله نوعان: إضافة صفات، وإضافة أعيان. فإضافة الصفات: المقصود بها إضافة الأوصاف إلى الله ، مثل: وجه الله، وعين الله، ويد الله، فهذه الأمور إضافتها إلى الله إضافة صفات، وأما إضافة الأعيان -والمقصود بالأعيان هي الأمور التي تقوم بذاتها، والصفات هي الأمور التي لا تقوم بذاتها- فإضافة الأعيان إلى الله لها نوعان: إضافة مدح وتشريف، وإضافة خلق، فإضافة الخلق مثل قول الله : ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس:١٣]، أو أي مخلوق من المخلوقات، فالكافر مثلاً تقول: إنه مخلوق لله، فتضيف خلقه إلى الله، مع أنه كافر، ولكن تضيفه إلى الله على سبيل الخلق. وهناك إضافة مدح وتشريف، مثل إضافة البيت، تقول: بيت الله، ويقول الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣]، فهذه إضافة مدح، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]، فهذه الإضافة إلى الله إضافة مدح وتشريف، فإضافة الفطرة من هذا النوع. قال الله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]، ومعنى قوله: (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) أي: أن الله عندما خلق الإنسان فإن الناس كلهم خلقهم على هذه الهيئة، وهي أنهم يولدون مفطورين على توحيد الله ، ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠]. وأيضاً: يدل الحديث على أن هذه الفطرة تقتضي وتتضمن معرفة الله وتوحيده، يقول ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة)، وفي

стр. 12

دلالة حديث: (خلقت عبادي حنفاء) على فطرة التوحيد يدل على الفطرة أحاديث كثيرة جداً، منها: الحديث القدسي في صحيح مسلم عن عياض بن حمار المجاشعي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه: (خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين)، والحنيف معناه: المائل عن الشرك، ولهذا سمي الأحنف بن قيس أحنفاً -مع أنه صخر بن قيس - لكن سمي بـ الأحنف وراج هذا الاسم لأنه كان في رجليه حنفة، كانت رجلاه مائلتين، وهو سيد مشهور سيد تميم، وكان يضرب به المثل في الحلم. ومعنى الحنيف: المستقيم على طاعة الله ، والحنيف من كلمات الأضداد، ففي اللغة العربية كلمات تستخدم لمعاني متعددة، فمثلاً: كلمة (بصير)، تستخدم للرجل المبصر الذي يرى، وللأعمى، وكلمة: (مفازة) تستخدم للشيء الذي فاز فيه الإنسان، وتستخدم أيضاً للصحراء المهلكة، وكلمة (السدفة) تستخدم للظلمة، وتستخدم أيضاً للنور، فهذه من كلمات الأضداد، والعرب يستخدمونها في هذه الأشياء السيئة من باب التفاؤل. فالحنيف معناه: المائل عن الشرك، ولهذا وصف الله إبراهيم ﵇ بأنه كان حنيفاً فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠]، وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (بعثت بالحنيفية السمحة) أي: المائلة عن الشرك. فقول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: (خلقت عبادي حنفاء) معناه: أنه خلقهم على توحيد الله ، بل جاء في رواية صحيحة أنه قال: (خلقت عبادي حنفاء مسلمين فاجتالتهم الشياطين)، وإذا قارنت بين حديث أبي هريرة في الفطرة، وبين حديث عياض بن حمار المجاشعي في قول الرب : (خلقت عبادي حنفاء مسلمين)؛ تجد التطابق، فالجميع على الفطرة، حنفاء مسلمين، ثم يحصل لهم بعد ذلك التأثر، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، وفي الحديث الآخر قال: (فاجتالتهم الشياطين).

стр. 13

دلالة الميثاق المأخوذ من بني آدم على فطرة التوحيد ومن أدلة الفطرة المشهورة الميثاق الذي أخذه الله على الناس، ويدل على ذلك آية الأعراف المشهورة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢ - ١٧٣]، فهاتان الآيتان في سورة الأعراف تدلان على الميثاق، وقد اختلف أهل العلم في صورة الميثاق: هل الميثاق هو أن الله أخرج الناس حقيقة من ظهور آبائهم وجمعهم في مكان واحد، وأنه حصل هناك سؤال من الله بقوله: ألست بربكم؟ وأن الخلق أجابوا بمنطق صريح بقولهم: بلى شهدنا، ونحو ذلك؟ فهل كان الميثاق بهذه الصورة كما يدل عليه ظاهر الآية أم أن الميثاق المقصود به أن الله خلق الخلق على الفطرة فجعل هذه الآية على شكل ضرب المثال؟ يرى شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمها الله: أن هذه الآية تدل على الفطرة، وأن الميثاق لم يكن ميثاقاً حقيقياً، ويرى بعض السلف ومنهم ابن جرير الطبري أن الميثاق كان حقيقياً، ويستدلون بأحاديث واردة عن النبي ﷺ في ذلك. وعلى كل حال: نحن لا نريد التفصيل في موضوع الميثاق، وإنما في دلالة الميثاق، فالذين قالوا بأن الميثاق حقيقي، وأن الله أخرج الناس مثل الذر في مكان واحد، والذين قالوا: إن الدلالة تدل على الفطرة، الجميع يتفق على أن معرفة الله وعلى أن توحيد الربوبية وعلى أن التوحيد والتأله لله يولد عليه الإنسان مفطوراً، فدلالة الميثاق تدل على الفطرة أيضاً، وهو أن الله خلق الإنسان مفطوراً على توحيد الله ، وإخلاص العبودية له، وإن كان هذا على سبيل الإجمال وليس على سبيل التفصيل.

стр. 14

الأسئلة

стр. 15

فطرة التوحيد ومدى قيام الحجة بها على الخلق السؤال هل هذه الفطرة وهل هذه الخلقة الأولية كافية في إقامة الحجة على الخلق، أم لا بد من الحجة الرسالية ببعثة الرسل؟ الجواب هذه الفطرة وحدها ليست كافية في إقامة الحجة على الخلق، بل لابد من بعثة الرسل، فبعثة الرسل شرط أساسي في قيام الحجة، ومن قال أن هذه الفطرة وحدها كافية في إقامة الحجة على الخلق فقد أخطأ، ويترتب على هذه المسألة مسائل كثيرة تفصيلية، ليس هذا المقام مقام تفصيلها، مثل موضوع أهل الفترة، وما يتعلق بالأشخاص الذين لم تبلغهم الرسالة، ويتعلق بها مسألة أصولية يبحثها العلماء في أصول الفقه، وهي: مسألة الوجوب هل يتم بالعقل أم لابد من وجود الشرع فيه؟ وكل هذه مسائل تفصيلية، ونحن يهمنا الحديث عن أصول العقيدة، فهذه المسألة -وهي فطرية التوحيد- سيكون لها ارتباط بشكل كبير ومباشر بموضوع أول واجب على المكلف، وبموضوع أقسام التوحيد بإذن الله تعالى.

стр. 16

كتب في العقيدة السؤال ما هي أهم الكتب المبسطة في العقيدة؟ الجواب هناك كتب كثيرة في العقيدة يمكن أن يبدأ بها الإنسان، وهي كتب سهلة وبسيطة، مثل: الأصول الثلاثة، والقواعد الأربع للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب أيضاً، وهو كتاب سهل، وقد شرح شروحاً تفصيلية طويلة جداً، مثل: تيسير العزيز الحميد، والقول المفيد، وهناك شروح مختصرة مثل: القول السديد، والدر النضيد، فهذه شروح مختصرة، ومثل القول المختصر المفيد للشيخ صالح الفوزان، فهذه كتب مختصرة يمكن للإنسان أن يستفيد منها في دراسة كتاب التوحيد أول الأمر. ومن الكتب المختصرة في العقيدة: كتاب أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة المنصورة، للشيخ حافظ الحكمي ﵀، ومنها أيضاً منظومة سلم الوصول له، وشرح سلم الوصول وهو معارج القبول، وهي من المنظومات الممتازة والشروح الممتازة الواضحة في هذا الباب. وهناك كتب كثيرة في باب العقيدة، منها: كتاب الشيخ ابن عثيمين ﵀: العقيدة الإسلامية، ومنها كتاب الشيخ عبد العزيز ﵀: العقيدة الصحيحة وما يضادها، ومنها شرح مفصل للشيخ محمد بن عثيمين عن شرح أركان الإيمان، وهو كتاب صغير لكنه ممتاز ومركز، وكلام الشيخ ﵀ من أجود الكلام وأدقه، وكان ﵀ من أدق الناس عبارة، فعبارته دقيقة للغاية. وأيضاً من الكتب: سلسلة الشيخ الدكتور عمر سليمان الأشقر: العقيدة في الله، وعالم الملائكة الأبرار، والرسل والرسالات، واليوم الآخر في ثلاثة أجزاء، فهي من الكتب الممتازة المفيدة لطالب العلم.

стр. 17

المقصود بصغار العلم السؤال ما هي صغائر العلم؟ واذكر لنا بعض الكتب في ذلك؟ الجواب صغائر العلم أي: الشيء الأساسي، أي: أن كل علم من العلوم فيه أشياء أساسية لا يمكن للإنسان أن يغفلها، فإذا أتيت للعقيدة فلابد أن تعرف التوحيد ولابد أن تعرف الإيمان، ولابد أن تعرف أركان الإيمان، مثل الإيمان بالله وملائكته وكتبه واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، ولابد أن تعرف الإيمان والكفر، ولابد أن تعرف نواقض الإيمان والإسلام، ولابد أن تعرف السنة والبدعة وخطورة البدع، فهذه أمور أساسية أول ما تدخل في هذا العلم لابد أن تعرف هذه العلوم، ثم هناك مسائل تفصيلية ودقيقة يمكن للإنسان أن يأخذها بعد ذلك.

стр. 18

الطريقة الصحيحة للتضلع في علم العقيدة السؤال كيف أكون متأصلاً في العقيدة؟ الجواب هذا أجبنا عنه ضمن المقدمة المتعلقة بالمنهجية في طلب العلم، فابتدأ بكتاب مختصر في العقيدة، وادرسه واحفظ مسائله، ثم انتقل إلى كتاب آخر أوسع، ثم انتقل إلى أوسع منه، وهكذا ولا تستعجل، الزهري ﵀ يقول: من رام العلم جملة فقده جملة، أي: أن الذي يريد أن يدرس العلم جملة واحدة يفقده دفعة واحدة، فلا يمكن للإنسان أن يأخذ كتاباً مثلاً من الكتب الكبيرة ويقرؤه في يوم وليلة، ويظن أنه حصل العلم؛ بل ينبغي أن يدرس المسائل مسألة مسألة حتى يحفظها ويتقنها ثم ينتقل إلى المسألة التي تليها وهكذا.

стр. 19

حكم القنوت في النوازل السؤال هل يجوز دعاء القنوت للنوازل بالعموم؟ الجواب القنوت في النوازل وارد عن النبي ﷺ ، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ دعا على قبيلة قتلت مجموعة من أصحابه القراء، دعا عليهم شهراً كاملاً، ودعا أيضاً لأصحابه الذين منعتهم بعض القبائل من أن يهاجروا إليه، وهي واردة، وقد تحدث أهل العلم في مسألة قنوت النوازل بشكل تفصيلي، وهي من مسائل الفقه المشهورة.

стр. 20

إمكانية تحصيل العلم في غير الجامعات السؤال هل يجب أن أدرس في الجامعة حتى أحصل على العلم الشرعي بطريقة صحيحة، مع العلم أن ظروف عملي لم تسمح لي بإكمال الدراسة الجامعية؟ الجواب كيف ستدرس في الجامعة إذاً؟! إذا كانت ظروف عملك لا تسمح لك فأنت غير قادر على الدراسة في الجامعة، لكن لا يعني هذا أن الإنسان إذا لم يقدر على الدراسة في الجامعة أنه لن يقدر على تحصيل العلم، بل إنه يقدر على تحصيل العلم، فهناك كثير من المشايخ وطلاب العلم لم يدرسوا في جامعات وأصبحوا علماء، فأهم شيء هو الإرادة والعزم والصدق وإخلاص النية لله ، وأن يتخذ الإنسان برنامجاً محدداً، وحينئذ سيستطيع أن يصل إلى أشياء كثيرة لم يصل إليها المتخرجون من الجامعات بل أصحاب الماجستير والدكتوراه.

стр. 21

الرد على المحتج بتقليد أبويه في الضلالة في الدين السؤال سألت شيعياً: لماذا أنت شيعي؟ فأجابني: وماذا تريدني أن أفعل؟ أبواي هكذا! فكيف أرد عليه؟ الجواب نقول له: الدين ليس متعلقاً بالأبوين، بل الدين متعلق بالإنسان نفسه، والله أعطاك عقلاً وأعطاك فهماً وأعطاك قدرات تعرف بها الدين الصحيح، فتقليد الأهل والوالدين وتقليد العشيرة والقبيلة هذا هو سبب شرك المشركين الذين وقعوا فيه، وهذا لا ينفعهم أبداً، وليس عذراً عند الله ، فإن كثيراً من أهل النار هم من أهل التقليد، عرفوا الحق لكن إما أنهم لا يريدون مخالفة الأهل والأقارب والقبيلة، أو يكون مثلاً عندهم ملك ومكانة ومنزلة وسلطان، وهذه كلها ليست عذراً، اقرءوا في القرآن أخبار الأمم المتخاصمة في النار، تجدون أنهم يقلد بعضهم بعضاً، وأن الأتباع يطلبون من الله أن يعذب الرؤساء، ثم يقول الله : ﴿كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٨].

стр. 22

الموقف من قولي العلماء في تفسير آية الميثاق السؤال بالنسبة للميثاق هل يضر إذا تمسكنا بأحد رأيي العلماء؟ الجواب أنا ذكرت دلالة الميثاق على الفطرة، أما تفصيل الميثاق فالأصل في الآية أن تكون على ظاهرها، وهذه من المسائل الدقيقة وليست من المسائل الأصلية في العقيدة، وليس هناك ضرر لو أن الإنسان لم يبحثها، فهي ليست من الأصول، فإن الأصول هي أركان الإيمان وأركان الإسلام، وما يتعلق بها. أسأل الله أن يوفقني وإياكم لكل خير. وصلى الله وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 23

أصول العقيدة [٢] أول واجب على المكلف هو توحيد الإلهية, وهو إفراد الله بالعبادة, فمن اعتقد ربوبية الله تعالى لخلقه ولم يفرد الله تعالى بالعبادة فقد أشرك بالله تعالى, فالواجب على العبد توحيد الله تعالى في الربوبية وتوحيده في الإلهية وتوحيده في أسمائه وصفاته سبحانه, وتلك هي أقسام التوحيد الواجب بالنظر إلى الخالق جل وعز, وأما أقسامه بالنظر إلى المخلوق فتوحيد المعرفة والإثبات, وتوحيد القصد والطلب.

стр. 24

توحيد الألوهية أول واجب على المكلف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد: فأول واجب على المكلف بإجماع أهل السنة والجماعة هو توحيد الألوهية، والأدلة على ذلك كثيرة، ومن أصرح الأدلة وأوضحها الحديث الثابت في الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁: (أن رسول الله ﷺ عندما أرسله إلى اليمن معلماً لهم قال له: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)، وجاء في رواية أخرى: (فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله)، وهذه الرواية في البخاري إلى آخر الحديث. فهذا الحديث صريح في أن أول واجب على المكلف هو توحيد الألوهية، والسبب في هذا هو أن توحيد الألوهية شامل لمعرفة وجود الله ولتوحيد الربوبية ولتوحيد الأسماء والصفات، ولهذا يقول الله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]. قال البخاري: فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، والعلم مقيد بلا إله إلا الله، ومعنى لا إله إلا الله هو توحيد الألوهية، فتوحيد الألوهية هو أول واجب، وهو الذي جاءت به الرسل وأنزلت من أجله الكتب، وهو الذي بدأ به كل رسول بعثه الله إلى قومه أن: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، ويقول الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وتوحيد الألوهية معناه: إفراد الله بالعبادة. إذاً: أول واجب على المكلف أن يفرد الله بالعبادة، فلا يعبد إلا الله ولا يصرف أي عمل من الأعمال التي هي من العبادات إلا لله ، وهذا هو الإيمان المنجي، والاكتفاء بتوحيد الربوبية ليس منجياً عند الله . ولو أن إنساناً اعتقد أن الله الخالق الرازق المحيي المميت واكتفى بهذا، ولم يفرد العبادة لله ، بل عبد الله وعبد غيره، فإن هذا لا يكون كافياً، بل يكون من المشركين. ولهذا فإن أهل الشرك عندهم نوع من الإيمان، فكانوا يعترفون بأن الله موجود، وأنه الخالق الرازق المحيي المميت، ومع أن هذا من الإيمان إلا أنه لم يكن كافياً ومنحنياً، بل لابد من إفراد الله بالعبادة، يقول الله : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، فأثبت لهم هنا نوعاً من الإيمان، لكنه ليس كافياً، قال ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵁: إذا سألتهم من خلق السماوات؟ قالوا: الله، ومن خلق الأرض؟ قالوا: الله، ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، يعبدون غير الله . ولهذا كان حقيقة شرك المشركين هي عبادة غير الله مع الإقرار لله بالربوبية، يقول الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، فهم يعرفون أن الله خالق السماوات والأرض، وهم يعرفون أن الله هو المدبر وحده، ولهذا فقد كانوا يعظمون البيت والأشهر الحرم، ويمنعون القتال فيها، وكانوا يحلفون بالله، بل إن قوم عاد الذين أهلكهم الله أخبر الله أنهم تقاسموا بالله، يعني: تحالفوا بالله، فهذا يدل على أنهم يعرفون الله ، وإلا ما حلفوا به، بل إنهم يزيدون على المعرفة بالله أنهم يعظمون الله، لكن هذا التعظيم لم يكن كافياً. إذاً: حقيقة الإسلام هو الاستسلام لله في العبادة، فمن فهم هذه القضية فهم الإسلام دين الله ، وتعتبر هذه القضية من أصول الدين التي لا يقبل للإنسان عذر في جهلها، وأنه لا تكون نجاة عند الله إلا بإفراد الله بالعبادة وإثبات نبوة الرسول ﷺ ، وعدم وجود النواقض التي تنقض هذه الأمور.

стр. 25

سبب الخلاف بين أهل السنة والقبوريين أول واجب على المكلف هو إفراد الله تعالى بالعبادة؛ لأن الأمور الأولية في العقيدة فطرية، فمعرفة الله فطرية، ومعرفة ربوبية الله فطرية جملة، والتأله لله والحاجة إليه فطرية بالجملة، وهذا معنى الفطرة. وهذه القضية وقع فيها خلاف عميق في تاريخ المسلمين بين أهل السنة والجماعة الذين هم أهل الحق وبين أهل الكلام المذموم من الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية وغيرهم، ولهذا فإن الخلاف القائم الآن بين أهل السنة من جهة وبين القبوريين من جهة أخرى فيما يتعلق بتعظيم القبور والطواف حولها والذبح والنذر لأصحاب هذه القبور ونحو ذلك من الشركيات أساسه عائد إلى هذه القضية أو المسألة، فأهل السنة تقريرهم للتوحيد كما سبق؛ ومعرفة الله فطرية دلت عليها النصوص الشرعية الواضحة. وتوحيد الربوبية كما أنه فطري في الجملة فإنه لم يكن موطن إشكال أصلاً بين الأمم، فكل الأمم كانت تعترف بأن الله هو الخالق والرازق والمحيي والمميت ونحو ذلك، بل إن أول أمة نزلت على ظهر الأرض آدم وأبناؤه، وقد كانوا على التوحيد لمدة عشرة قرون، أي: ألف سنة، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنهم كانوا على التوحيد لمدة عشرة قرون، ثم حصل الشرك في قوم نوح، فأرسل الله إليهم نوحاً وكان أول رسول أرسله الله إلى الإنسانية، فدعاهم إلى الله، وكان شرك قوم نوح في العبادة، ولم يكن في معرفة الله أو إنكار وجوده، أو ادعاء أن هناك خالقاً أو رازقاً مع الله، قال الله : ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة:٢١٣]، فقد قال ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (كان آدم وبنوه على التوحيد عشرة قرون). وقال الله حاكياً عنهم: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣]، فهذه أسماء رجال صالحين كانوا في قوم نوح كما ورد عن ابن عباس ﵁، وكانوا مضرب المثل في العبادة لله ، فلما ماتوا حزن عليهم الناس حزناً شديداً، فجاء الشيطان إليهم ووسوس إليهم أن ينصبوا على أشكالهم تماثيل ويضعونها في الميادين والأماكن العامة، من أجل أن يذكروهم بالعبادة، ولم يقل لهم: اعبدوهم، فإنهم كانوا قريبي عهد بالتوحيد، ولا يمكن أن تنطلي عليهم مثل هذه الخطة. وأنتم تعلمون أن الشيطان له خطوات، فليست له خطوة واحدة بل مجموعة خطوات، فهو يقرب الإنسان من الحرام ثم يدخله في بداية الحرام، ثم قليلاً قليلاً حتى يقع في بطن الحرام. فأقنعهم بأن ينصبوا تماثيل ويجعلوها في الأماكن العامة، فلما هلك الجيل الأول وجاءت الأجيال القادمة ونسي العلم جاء الشيطان إليهم وقال: إن آباءكم كانوا يستسقون بهم المطر فيسقون، وكانوا يستدفعون بهم الشر فيندفع، فعبدوهم من دون الله، فكانوا يعرفون الله ويعظمونه، لكن المشكلة الحقيقة التي وقعت عندهم كانت في العبادة. وهذه القضية مهمة وأولية وأساسية في بناء العقيدة بالنسبة لطالب العلم إذا أدركها بهذه الطريقة، ومسألة فطرية المعرفة وأول واجب على المكلف من المسائل المهمة حتى يدرك الإنسان جذور الخلاف الذي وقع في حياة المسلمين، وكيف أن المسلمين اختلفوا في أصول دينهم، وأصبح هناك أشخاص يدافعون عن القبور والطواف حولها والنذر لغير الله ، ولهذا فإن الشيعة يعبدون القبور ويحجون إليها، حتى إن أحدهم ألف كتاباً وسماه حج المناسك، أي: مناسك زيارة القبور، والمناسك المشروعة: هي الطواف والسعي والذهاب إلى منى وعرفات ومزدلفة، والرجوع إلى منى ورمي الجمرات وطواف الإفاضة والوداع ونحو ذلك من المناسك التي هي نصوص صريحة في القرآن والسنة، أما المناسك عند الشيعة فهي زيارة القبور، بل نص بعض أئمتهم أن الذهاب إلى القبور والحج إليها أفضل من الحج إلى مكة والمشاعر المقدسة بألفي ألف مرة، أي: بمليوني مرة! ولهذا فإنهم يأتون إلى هذه القبور ويبكون عندها ويسجدون لها، ويدعون غير الله كالأولياء والصالحين، ويطلبون منهم أموراً خاصة لا يقدر عليها إلا الله ، كالولد والرزق، والعفو من الذنوب، والبركة في الأموال والأولاد والأهل، ويمارسون الشرك حقيقة، ويقولون أنهم مسلمون، فأساس المشكلة في وقتنا الحاضر هو في فهم التوحيد، فينبغي علينا أن ندرك حقيقة التوحيد الشرعية من خلال القرآن والسنة.

стр. 26

أقسام التوحيد التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام باعتبار، وإلى قسمين باعتبار آخر، فهو ينقسم إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، وهذا باعتبار النظر إلى الله . وينقسم إلى قسمين: توحيد المعرفة والإثبات وتوحيد القصد والطلب، وهذا باعتبار النظر إلى العبد، وقد يعبر عن توحيد المعرفة والإثبات بأسماء مختلفة مثل التوحيد العلمي الخبري، كما يعبر عن توحيد الإرادة والقصد بالتوحيد الإرادي الطلبي القصدي، وهذه كلها تعبيرات لمعان واحدة. وهكذا التقسيم هنا، فالتوحيد كحقيقة شرعية واردة في القرآن والسنة مفهومها واحد، لكن لما تطور العلم من زمن الرسول ﷺ والصحابة والذين جاءوا بعدهم وأرادوا تعليم الناس قسموها بهذه الطريقة، فبعضهم نظر إلى مسألة من ناحية توحيد الله فوجد أن توحيد الله ينقسم إلى توحيد في ربوبية الله وتوحيد في ألوهيته وتوحيد في أسمائه وصفاته. وبعضهم نظر إلى التوحيد من جهة العبد، فوجد أن العبد يوحد في مجالين، المجال الأول: في معرفته وإثباته، والمجال الثاني: في إرادته وقصده، يعني: إرادته القلبية وما يترتب عليها من العمل. وبعض العلماء يقسم التوحيد إلى قسمين: توحيد علمي وتوحيد عملي، فالتوحيد العلمي يتعلق بمعلومات الإنسان، والتوحيد العملي يتعلق بعمل الإنسان، وعمل الإنسان يشمل عمله الباطن مثل إرادته القلبية، وعمله الظاهر مثل الأعمال التي يمارسه بجوارحه. وهذا التقسيم وارد في كل العلوم حتى في العلوم العصرية الطبيعية، فالتقسيمات أمر فني، وأهم شيء حقيقة هذا المعنى، هل هو معنى صحيح أو معنى فاسد؟ فمثلاً: في أصول الفقه، الواجب في اللغة: الساقط واللازم: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج:٣٦] يعني: سقطت إلى الأرض. والواجب في الشرع هو الأمر من الله أو من الرسول ﷺ على سبيل الإلزام، أي: إلزام العبد. فالواجب قسمه أهل العلم بأنواع مختلفة من التقسيم، فقالوا: ينقسم إلى واجب عيني وواجب كفائي، وإلى واجب معين وواجب مبهم، إلى واجب موسع وواجب مضيق. وعندما يبتدئ الطالب في طلبه للعلم وينظر إلى هذه التقسيمات فإنه يستغربها ويتعجب منها، وحتى يدرك هذه القضية يجب أن يعلم أن هذا التقسيم من جهة وهذا التقسيم من جهة ثانية، فالمقسم واحد، لكن جهاته مختلفة. عندما نظروا إلى الواجب من حيث الواجب على الفرد أو المجموع قسموا الواجب إلى قسمين: واجب عيني يجب على الأعيان، فكل مكلف تجب عليه الصلوات الخمس، فهذا واجب عيني يتعلق بأعيان الناس، بينما هناك في الشرع نوع آخر من الواجب، وهو الواجب الكفائي، فإذا فعله مجموعة سقط الإثم عن البقية، مثل صلاة الاستسقاء، فهي واجبة على عموم الأمة كشعيرة من شعائر الإسلام، فإذا كانت الأمة عشرين مليوناً وصلى مليون لا يأثم البقية، وهكذا صلاة الكسوف الجنائز، وإلا فصلاة الكسوف فيها قول آخر وهي أنها واجبة على التعيين. وعندما نظروا إلى الواجب من ناحية الزمن، وجدوا أن بعض الواجبات مضيق وقتها وبعضها موسع، فقسموا الواجب إلى قسمين: واجب موسع وواجب مضيق، وإلى واجب مبهم وواجب معين، واختلف أهل العلم هل يوجد هذا النوع من الواجب أو لا يوجد؟ والتقسيم العلمي في اللغة: فالكلام ينقسم عند النحويين إلى اسم وفعل وحرف، وعند البلاغيين إلى خبر وإنشاء، وإلى حقيقة ومجاز، ويمكن أن يقسم باعتبارات مختلفة، فلا يقال: إن الكلام ينقسم إلى اسم وفعل وحرف وخبر وإنشاء وحقيقة ومجاز وغير ذلك، وهكذا غيرها من العلوم يمكن أن تقسم باعتبارات مختلفة. ويمكن أن تبحث في مسألة واحدة فتجمعها من عشرين كتاباً أو أقل أو أكثر، ومن هذا خمس ومن هذا عشر وهكذا، هذا يسمى البحث الموضوعي ويكون في موضوع معين.

стр. 27

دلالة الاستقراء للنصوص على أقسام التوحيد وتقسيم العلماء للتوحيد ناتج من استقراء الآيات والأحاديث الواردة في التوحيد؛ لأن المصدر في تلقي العقيدة هو القرآن والسنة، فالآيات الواردة في التوحيد تقسم إلى ثلاثة أقسام وهي: ربوبية الله وألوهيته وأسماؤه وصفاته، وهذا من جهة تعلقها بالخالق، ومن جهة تعلقها بالعبد تنقسم إلى قسمين: المعرفة والإثبات والقصد والطلب، فهذا التقسيم استقرائي، والاستقراء نوع من الأنواع اليقينية في منهج البحث والتحري.

стр. 28

دلالة الاستقراء على توحيد الربوبية فالاستقراء في توحيد الربوبية مثلاً يقول الله : ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فهذه آية من آيات التوحيد، وعرفنا أنها من آيات التوحيد لأن مدلول التوحيد اللغوي هو الإفراد، والإفراد معناه الاختصاص، فأفردت الشيء أي أنه خاص بي، وليس عاماً للآخرين، فهذه الآية فيها معنى الاختصاص، ولهذا قد يمثل بهذه الآية في باب الحصر والقصر في البلاغة، ووجه الاختصاص في هذه الآية هو تقديم ما حقه التأخير، وإعراب هذه الآية كما يلي: (ألا) أداة تنبيه، و (له) اللام حرف جر والهاء ضمير متصل في محل جر بحرف الجر، وهو في محل رفع خبر مقدم، و (الخلق والأمر) الخلق مبتدأ مؤخر، والأمر: الواو حرف عطف والأمر: اسم معطوف على ما قبله مرفوع مثله. فتركيبة الجملة من حيث الترتيب اللغوي: الخلق والأمر له، فكل أنواع الخلق والأمر: لله ، فقدم (له) فصار (ألا له الخلق والأمر)، وهذا التقديم له معنى ومفهوم ومقصد فمقصده الحصر والقصر، وفي لغة العرب أساليب متعددة للحصر والقصر، فمنها: تقديم ما حقه التأخير، فتركيب الجملة في لغة العرب أن المبتدأ يكون قبل الخبر، فتقديم الخبر قبل المبتدأ أسلوب صحيح من أساليب اللغة العربية ويصح ذلك، وله فائدة بلاغية وهي: الحصر والقصر. إذاً: قوله تعالى: ((أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ)) نص في التوحيد؛ لأن عناصر التوحيد موجودة فيها وهي أمران: الخلق أولاً، والثاني: الأمر، فمعنى هذه الآية: لا يخلق أي شيء من الأشياء إلا الله ، فإذا وجدت شخصاً يقول: إن هناك خالقاً غير الله فاعلم أنه مشرك. الأمر الثاني: الأمر، ويعني: ما يأمر به الله وهو نوعان: أمر يتعلق بالكون ويسمى الأمر الكوني، وأمر يتعلق بالشرع وهي أوامر يطلب من العباد تنفيذها، وهذا يسمى الأمر الشرعي. والأمر الكوني القدري موافق لمعنى الخلق، والأمر الشرعي: هو ما أمر الله به العباد من الفرائض، والحدود، وأحكام البيع والشراء، وقسمة التركات والمواريث، وفي مجال النكاح والطلاق، وفي مجال القضاء والفصل في الخصومات، وما أمر الله به العباد من العقائد، والآداب، والسياسات، وفي كل أمر من أمور الحياة، فلله شريعة متكاملة وتسمى الشريعة، والشيء الذي يجب أن يطبق في حياة المسلمين هو تحكيم الشريعة. تحكيم الشرعية يعني: تحكيم أوامر الله في كل مجال من مجالات الحياة، كتحكيم أوامر الله في المال، فلا يجوز أخذ المال عن طريق أكل أموال الناس بالباطل، مثل التأمين المحرم، وهو أن يأخذ البنك -مثلاً- من المستفيدين مبلغاً من المال بحيث إنه إذا صار على أحدهم حادث من الحوادث فإنه يعوضه بشروط معينة، وإذا لم يصبه حادث فلا شيء له، والأموال المحرمة ثلاثة: الربا والغرر وأكل أموال الناس بالباطل، ومعنى بالباطل، أي: بالخديعة والاحتيال والنصب والوهم. وقد يكون هناك أشخاص تصير عندهم حوادث حقيقة ويترتب عليها أشياء أكبر من الشيء الذي دفعوه، فربما أنه دفع خمسمائة وصار عليه حادث كلفهم -مثلاً- ثلاثين ألفاً، فما هو المبرر الشرعي لدفع ثلاثين ألفاً مقابل خمسمائة ريال أو يأخذوا من شخص مثلاً عشرة آلاف ولا يدفع له أي شيء؟ ولهذا فإن شريعة الله كاملة وشاملة، فالله يقول: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] فالأمر الشرعي لله ، وأهل العلم يشنعون على القوانين الوضعية؛ لأن القوانين الوضعية معناها: إلغاء شريعة الله وعدم تطبيق أوامر الله ووضعها في الرف، ثم اختراع شرائع جديدة للناس تطبق في دمائهم وفي أموالهم وفي علاقاتهم وفي سياساتهم وفي أي باب من الأبواب، وهذا هو حقيقة الشرك، بل هو شرك في الربوبية، فهذه الآية نموذج ودليل على توحيد الربوبية؛ لأن الربوبية مأخوذة من الرب. ولو أن إنساناً زعم أنه يخلق النساء فقط، والرجال يخلقهم الله ، أو أنه خلق الأرض، وأن الله خلق السماوات، أو أنه هو الذي خلق القمر وصنعه وأبدعه وجعله بهذا الأسلوب وبهذا الشكل؛ فهذا مشرك بدون أي شك. ولو أن إنساناً غير الأحكام الشرعية في الدماء، قال الله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:٣٨]، والمعنى أي سارق شريف ضعيف حاكم محكوم، وإذا كان غير مكلف هناك أحكام تفصيلية، المهم أن الحكم الشرعي يطبق على كل الناس، فهذا أمر شرعي أمر الله به العباد من زمن النبي ﷺ ويستمر إلى قيام الساعة، فلو قال شخص: نحن لا نريد أن نقطع يد السارق، حتى وإن انطبقت عليه الأحكام الشرعية والضوابط الشرعية، بل نغرمه، فهذا يعارض أمر الله وشرعه، وليس هو رباً يملك شئون العباد حتى يغير أمر الله ويأتي بأمر من عنده، فالله يعلم أن كثيراً من السرق ستقطع أيديهم، ولهذا اعترض أحد المنافقين قديماً من الزنادقة فقال: يد بخمس مئين عسجد وديت م

стр. 29

دلالة الاستقراء على توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات وأما بالنسبة لتوحيد الألوهية فمثل قول الله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]. وأما توحيد الأسماء والصفات، فالله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، والحصر هنا من نفس نوع الحصر في قوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]؛ لأن الآية: ((وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى))، فيها تقديم الجار والمجرور وهو (لله)، وإعرابه في محل رفع خبر المبتدأ وهو (الأسماء)، وأصل الجملة في تركيبها اللغوي (الأسماء الحسنى لله فادعوه بها)، لكن الله قدم ما حقه التأخير لفائدة معنوية وهي حصر الأسماء الحسنى لله . والحسنى هي: التي بلغت الغاية في الحسن والجمال، والصفات داخلة في مدلول الأسماء، فإن كل اسم من أسماء الله يتضمن صفة من صفاته، وسيأتي الحديث في اللقاء القادم عن موضوع توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وسنتحدث عن معنى توحيد الربوبية وبعض أنواع توحيد الربوبية، وسنتحدث أيضاً عن توحيد الألوهية وفضائل هذا التوحيد ومفهومه ومعناه، وبعد ذلك سننتقل إلى توحيد الأسماء والصفات، ثم ننتقل إلى الكفر والشرك وما يتعلق بها. أسأل الله أن يوفقني وإياكم لكل خير. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 30

الأسئلة

стр. 31

الفتن المعاصرة وما يجب على المسلم تجاهها السؤال ما هو دور طالب العلم في الأزمات والفتن التي يواجهها؟ الجواب إن هذه الأوقات التي نعايشها أوقات أزمات، والتعبير الشرعي هو اسم الفتن، فإن الفتن اسم عام يشمل الفتن التي تحصل بالقتل والتدمير والشهوات التي تفتن الإنسان عن دينه، والشبهات التي تضل الإنسان عن دينه. ونحن في هذا العصر نواجه فتناً عظيمة وهي: فتنة الشبهات، فقد انتشرت المذاهب الإلحادية والعقائد الفاسدة، والفرق الضالة، والمذاهب الفكرية المنحرفة؛ وانتشرت في الأمة انتشاراً عظيماً. وأيضاً نواجه فتنة الشهوات عن طريق الفساد العظيم المنتشر، وخصوصاً استعمال المرأة كوسيلة من الوسائل في إفساد الشباب، ويسمونها بنت الليل، فيأتون بها في الأفلام لفعل الفواحش والأفلام الجنسية، ويأتون بها راقصة، ويأتون بها ممثلة في الدعاية، بل حتى في دعايات أشياء لا يقبلها الإنسان المدقق والمميز فيأتون بها في دعاية لجرافة من الجرافات، وأهم شيء عندهم أن تظهر المرأة لابسة اللباس القصير لتفتن الرجال. ولهذا أصبحت صور النساء اليوم لا يخلو منها بيت مع الأسف، والإنسان الذي يريد أن يحافظ على دينه ويكون بعيداً عن مثل هذه الصور، ربما تدخل عليه رغماً عنه، فربما تكون في كيس من الأكياس التي يأخذها من السوبر ماركت أو صيدلة من الصيدليات أو تكون على غلاف علاج من العلاجات الضرورية التي يستعملها الإنسان، أو تكون على غلاف لعبة من لعب الأطفال أو غير ذلك، حتى أصبح الإنسان يجد عناء في شراء حاجياته الأساسية التي يريد أن يشتريها بعيداً عن المحظورات الشرعية. وأيضاً نواجه في هذا الزمان فتن الحروب والأزمات والمصائب التي تسمعون عنها، من أعراضها وصورها الحرب الظالمة الموجودة الآن التي تشنها أمريكا وبريطانيا وحلفاؤها على العراق وتدمر هذا الشعب لسرقة ماله باسم الحرية. والمشكلة أن هذا التدمير وهذا الإيذاء وهذه المصائب التي يقومون بها تكون باسم تحرير الشعب العراقي! ومتى كان القتل وتدمير بيوت الناس تحريراً؟ وأفسدوا أجواء الناس عندما يرمونهم بقذائف مصنعة من اليورانيوم المنضب الذي يفسد الحرث، حتى إن الزراعة والأجنة في بطون أمهاتهم وحياة الناس تفسد، فمتى كان هذا تحريراً؟ ومع الأسف هناك من المرضى والمنافقين الذين هم في كل زمان ومكان من يعجب بالأمريكان أكثر من إعجاب الأمريكان بأنفسهم، فأكبر شعب أو أكبر دولة مغرورة بنفسها هي أمريكا، لكن مع هذا هناك أشخاص معجبون بالأمريكان أكثر من إعجاب الأمريكان بأنفسهم! اطلعت على مقال بعنوان أمريكا قوة خير، كتبه ممسوخ من الممسوخين يقول فيه: إن القوة الأمريكية هي قوة خير، فلا يمكن أن تقاتل أو تدمر بلد من البلدان إلا وهي تريد حقوق الإنسان، فهي تقتل الإنسان حتى تعطيه حقوقه! وتذله حتى يتحرر! وتدمر زراعة الإنسان وصناعته وثقافته وعقله وكلما يتعلق بالأمور المتعلقة بشخص الإنسان من أجل أن تحرر هذا الإنسان وأن تجعله ديمقراطياً! فهذه شعارات زائفة كاذبة، لكنها مع الأسف لم تجد رجالاً صادقين يستطيعون الوقوف في وجه هذه القوة الظالمة، ولهذا فإن من أبرز مظاهر هذه الأزمة، أن الأمريكان يضربون بلداً من بلدان المسلمين من بلد آخر من بلدان المسلمين أو من مجموعة بلدان من بلدان المسلمين، وهنا تكون المأساة، ويكون الجرح غائراً في حقيقته، ولهذا فإننا نواجه هذه الأزمة في عدة أمور ينبغي أن نلاحظها: الأمر الأول: يستحب للإنسان في وقت الفتن أن يجتهد في العبادة أكثر؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (العبادة في الهرج كهجرة إلي)، وهو حديث صحيح رواه الإمام مسلم في صحيحه؛ والسبب في ذلك أن العبادة في وقت الفتن التي تطيش فيها العقول وتذهل فيها الفهوم دليل على الإيمان الموجود في قلب صاحبها، ولهذا ينبغي للإنسان أن يتوجه إلى الله وخصوصاً في أوقات الفتن وأوقات المصائب. الأمر الثاني: ضرورة العلم، فإن العلم -بإذن الله- يعصم به الله صاحبه من الانحدار في الفتن، فإنه في بعض الأحيان قد يقع الإنسان في الكفر وهو لا يشعر، فمن أعان الكفار على المسلمين ولو بالكلام في المجالس فإنه يقع في الكفر الأكبر أو الأصغر، ولهذا ينبغي للإنسان أن يبتعد عن كل إعانة للكفار سواء كانت إعانة مادية أو بالكلام أو بالرأي أو بالسلاح أو بأي أسلوب من أساليب الإعانة، يقول الله مبيناً ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]. قال العلماء: هذه الآية على ظاهرها: ((وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)) أي: أنه ارتكب كفراً مخرجاً من الإسلام. والولاية لها معنيان: المحبة والنصرة، وأشد أنواعها النصرة؛ فإن نصرة الكافر على المسلم ردة بدون أي شك. الأمر الثالث: هو أن يدرك الإنسان في مثل هذه الأزمات أنه لا يصيب ال

стр. 32

نصيحة للطالب المتقاعس والمنقطع في طريق الطلب السؤال كثير من طلاب العلم يجتهدون عند الدروس الأولى، ثم يتأخرون ويتقاعسون عن الدرس، فهل من كلمة؟ الجواب لا شك أن الملل وعدم التعود على الاستمرار في الدروس هو من أبرز الأسباب التي تجعل طالب العلم لا ينضج في طلبه للعلم، فتجد أن طالب العلم يبدأ في درس من الدروس فيتحمس له ويحضر أوله ثم ينقطع عنه، فهذا الانقطاع وعدم الاستمرار من أبرز الأسباب التي تجعل الطالب لا يستفيد، فتمر عليه السنتان والثلاث إلى العشر السنوات، وهو كما هو في مكانه يتحرك ولا يتقدم، ولو أنه انضبط في الدروس التي التزم بها، وجعل له هدفاً، فدرس الفقه في المكان الفلاني، والعقيدة في المكان الفلاني، والنحو في المكان الفلاني، ثم يلتزم بها حتى تنتهي، بحيث يعرف كافة المسائل الموجودة التي طرحت في هذا الدرس ويقيدها، ولا يكتفي الطالب بمجرد التقييد؛ لأن هناك علة أخرى لطلاب العلم، فقد سماهم بعض المشايخ بالمتسولين على طلب العلم، فبعض طلاب العلم يشبه المتسولين، فيسجل معلومات سمعها، ثم يضعها في البيت ولا يتذكر الدفتر إلا في الدرس الآتي، ثم يحضر الدفتر معه ويسجل معلومات جديدة، والدرس الماضي لم يقرأه ولم يتفهمه ولم يستفد منه فائدة صحيحة، وحينئذ لا يمكن أن تنضج لديه المعلومات ويستفيد منها فائدة جيدة. إذاً: لابد من الحرص والعناية بالاستمرار على طلب العلم، لابد من الحرص على المذاكرة والمدارسة وحفظ الأدلة والمسائل وتصورها تصوراً صحيحاً، وإذا كانت هناك إشكالات يناقش فيها، بحيث يتصور المسائل تصوراً جيداً.

стр. 33

توجيه بالحرص على الدروس العلمية اليومية ومراجعة العلم السؤال هل الدرس الواحد في الأسبوع يكفي ليتلقى طالب العلم ما يكفيه في أي فن من الفنون؟ الجواب الحقيقة أن درساً واحداً في الأسبوع لا يكفي، وكانت الطريقة التي عليها العلماء قديماً هي الدروس اليومية، ولهذا تجد بعض الأحيان أن مادة علمية بسيطة يجلس الإنسان في تدريسها ربما سنة أو سنتين؛ بسبب أن الدرس أسبوعي، لكن الدرس اليومي هو أكثر ثمرة، لكن مع الأسف فإن كثيراً من طلاب العلم لا يصبر على الدرس الأسبوعي مع أن عنده فرصة في وضع مواعيد أخرى في غير هذا الأسبوع، فكيف لو كان الدرس يومياً؟ ولهذا فإن كثيراً من طلاب العلم ليسوا منقطعين للعلم ومشتغلين به، ولا أعني انقطاعهم عن العلم هو انقطاعهم عن الدعوة، فالدعوة لا يمكن الانقطاع عنها، فهي مثل بقية الفرائض، فلا يمكن أن تنقطع عن الصلاة باسم طلب العلم، وكذا الانقطاع عن الدعوة باسم طلب العلم، والدعوة ليس لها صورة واحدة، بل لها مجموعة من الصور، فينبغي للإنسان أن يوظف نفسه علمياً ودعوياً في المكان المناسب الذي يلائم طبيعته وشخصيته وينفع هذه الأمة بجهده. وكثرة الدروس مع المراجعة والملازمة لها هي التي تفيد طالب العلم، فكثرة الدروس في حد ذاتها ليست مقصداً، وإذا كان الطالب يحضر يومياً للدروس، ثم لا يراجعها في بيته لا يمكن أن يستفيد منها، فلابد من هذه الأمور مكتملة، وقد سبق أن أشرنا إليها فيما يتعلق بآداب طالب العلم.

стр. 34

أصول العقيدة [٣] إن الواجب على العبد أن يوحد ربه في أقسام التوحيد الثلاثة المعتبرة عند أهل السنة والجماعة, لا سيما توحيد الإلهية الذي ثبت وجوبه واستقر فضله؛ خلافًا لطوائف أهل الكلام الذين سلكوا في تقسيم التوحيد مسلكًا خاطئًا يعتوره الإشكال والقصور.

стр. 35

تقسيم التوحيد عند أهل السنة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين، وعلى صحابته والتابعين وسلم تسليماً كثيراً، وبعد: أهل العلم قسموا التوحيد إلى ثلاثة أقسام باعتبار النظر إلى الله ، وإلى قسمين باعتبار النظر إلى العبد. وباعتبار النظر إلى الله يقسم التوحيد إلى: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، وباعتبار النظر إلى العبد يقسم إلى قسمين: توحيد المعرفة والإثبات وتوحيد القصد والطلب. هذا التقسيم الذي هو المعرفة والإثبات والقصد والطلب أو التوحيد العلمي والعملي، موافق لتعريف الإيمان، فالإيمان عند علماء السلف -كما سيأتي شرحه تفصيلاً-: هو قول وعمل، والقول قول القلب وقول اللسان، والعمل عمل القلب وعمل الجوارح. وبالنسبة إلى نشاط الإنسان فإن له نشاطين: نشاط علمي، ونشاط عملي، أو نشاط ظاهر ونشاط باطن، فالنشاط العلمي يشمل الإقرار والاعتقاد، والنشاط العملي يشمل العمل سواء عمل القلب أو عمل الجوارح، والتوحيد جاء في جميع أنشطة الإنسان العلمية والعملية، والإيمان كذلك جاء في جميع أنشطة الإنسان العلمية والعملية.

стр. 36

نقد تقسيم التوحيد عند أهل الكلام أهل الكلام خالفوا أهل السنة والجماعة في أقسام التوحيد، فأقسام التوحيد عندهم ثلاثة أقسام، لكنها مختلفة عن أقسام التوحيد عند أهل السنة، فيقولون: الله واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له. وهذا التقسيم عند أهل الكلام عليه ملاحظات شرعية: الملاحظة الأولى: هو أن هذا التقسيم ناقص؛ لأن هذه التقسيمات الثلاث في مدلولها تشمل نوعين من التوحيد، هما: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، بينما توحيد الألوهية لا ذكر له عندهم. فقولهم: واحد في ذاته، حسب فهمهم لقضية الذات، هذا تابع لباب الصفات، وواحد في صفاته تابع أيضاً لباب الصفات، وواحد في أفعاله تابع لباب الربوبية، وهذا التقسيم ناقص فلا ذكر للألوهية فيه، ولهذا جاء المتأخرون منهم وقالوا: إن توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية واحد، وأنه لا فرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية أبداً كما سيأتي الإشارة إليه بإذن الله تعالى. الملاحظة الثانية: هو أن هذه الأقسام الثلاثة تتضمن معاني باطلة، فهم يقولون: الله واحد في ذاته لا قسيم له، فهل لله ذاتاً مجردة عن الصفات؟ فقالوا: إن ذاته واحدة، فإذا أثبت صفة من الصفات قالوا: إنك بهذه الطريقة تثبت شريكاً مع الله، ولهذا قالت المعتزلة في مسألة تعدد القدماء: إن القديم هو الذات، فإذا أضفت صفة من الصفات سواء كانت من الصفات الخبرية، أو الصفات الثبوتية العقلية الأخرى مثل العلم والإرادة والسمع والبصر والكلام والعينين واليد ونحو ذلك، قالوا: أنت إذاً أضفت قدماء آخرون، فيلزم من هذا حصول الشرك ونحن ندعو إلى التوحيد، والتوحيد يقتضي تجريد الله من الصفات، تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً! ولهذا نفوا الصفات. أما أهل السنة فإنهم يقولون: إنه لا يتصور لله ذات بدون صفات، بل لا يمكن أن توجد ذات بدون صفات إلا في الذهن، وأما في خارج الذهن فإنه لا توجد ذات إلا مقرونة بالصفات، وهذا لا يمنع أن تكون له أوصاف متعددة وهو واحد، فهو الله مع أنه عليم حكيم رحيم غفور، له يدان، وعينان، وله علم وسمع وبصر، فهذا التعدد لا يمنع من كونه واحداً، وهذا أمر متفق عليه عند سائر بني آدم. فأنت تقول: فلان، الرجل الصالح الكريم الأبيض الطويل، القصير الذي فيه كذا وفيه كذا، وأنت تقصد واحداً، بل حتى في غير الإنسان، فتقول في الثوب -مثلاً-: هذا الثوب ثخين، طويل، أبيض، فيه كذا وكذا، مع أنه ثوب واحد، والعرب يسمون الشيء الواحد واحداً مع أن له أوصافاً متعددة، فالله يقول عن المغيرة: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر:١١]، فسمى المغيرة وحيداً، يعني: خلقه الله وحيداً، مع أن له صفات متعددة يدين ورجلين وعينين وعقلاً وأحشاء. ففهمهم للصفات فاهم فاسد، وقولهم: إن الله واحد في ذاته لا قسيم له، يدل على فهم ناقص وفاسد. أيضاً: فهمهم لنفي الشبيه، عندما قالوا: وهو واحد في صفاته لا شبيه له، فهذا يتضمن نفي الصفات، فإذا أثبت لله يدين أو عينين، فأنت شبهته بمخلوقاته، ونحن نقول: إن هذا لا يستلزم، فلله صفاته الخاصة به، وللمخلوق صفاته الخاصة به، ولا يستلزم الاتفاق في الأسماء التماثل في المسميات، وليس هناك ارتباط بين هذين الأمرين. الملاحظة الثالثة: أنهم قالوا: إن الله واحد في أفعاله لا شريك له، وجعلوا حقيقة الشرك في شرك الربوبية فقط، فقالوا: إن المشرك هو الذي يدعي أن هناك خالقاً ورازقاً ومحيياً ومميتاً مع الله ، وحصروا الشرك في هذا الباب، وأما الشرك في الألوهية فإنهم لا يرونه.

стр. 37

توحيد الربوبية المسألة الجديدة التي سنبحثها هي: مسألة توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، فالربوبية مشتقة من (الرب)، والرب معناه في لغة العرب: السيد المطاع الذي بلغ كمال السؤدد، ومن لوازم ذلك أن يكون مالكاً، فهو السيد المطاع المالك الآمر ، فهذا معنى الربوبية، وقد دلت نصوص القرآن بكثرة على توحيد الربوبية، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، وفي الخلق: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك:٣] وفي باب الأمر: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، والله له التدبير وحده لا شريك له، فهو المحيي والمميت، وهو الضار والنافع ، وحده لا شريك له، وهذا النوع من التوحيد لا ينكره أحد من سائر الأمم حتى من تظاهر بإنكار الخالق فإنه في الباطن مقر به، ولهذا يقول الله عن فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، وقال الله عنه في خطاب موسى له: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]، وأيضاً قال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، قال العلماء: يتذكر ما في فطرته من معرفة الله ، ولهذا كان سائر الأمم يقرون بالخالق ، ولا توجد طائفة من الطوائف تنكر وجود الله إنكاراً تاماً حتى المجوس الذين قالوا بالأصلين النور والظلمة لا يقولون: إن النور والظلمة متساويان في الصفات والأفعال، بل يرون أن النور أعظم وأنه أفضل وأحسن، ويرون أنه هو القديم، والظلمة هي الحادثة، وأن الظلمة شريرة ونحو ذلك، فلا توجد طائفة من البشر تقول: إن لله شريكاً موافقاً له في الصفات والأفعال، حتى النصارى الذين قالوا: بالأقانيم فإنهم قالوا أن إلههم هو الأب والابن وروح القدس، وما كانوا يعتقدون أن الأب والابن وروح القدس ثلاثة آلهة منفصلة بل كل إله له ما للإله الآخر من الصفات والأفعال، بل كانوا يفسرون الأقانيم بأنها الصفات، ويرون أنه إله واحد موصوف بأنه أب وبأنه ابن وبأنه روح للقدس، لكن عند التفصيل تجد أنهم يتناقضون، فهم يعتقدون أن الأب إله عظيم، وأن الابن هو عيسى، وأن روح القدس هو جبريل، فعلى كل حال لا توجد طائفة من البشر تنكر توحيد الربوبية إنكاراً تاماً، لكن يوجد من يشرك في الربوبية. فالعرب كانوا ينكرون البعث، والبعث هو خلق آخر، يقول الله : ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧]، وكانوا يقولون: ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، ويقول أحدهم: أموت ثم قبر ثم حشر حديث خرافة يا أم عمرو فكانوا ينكرون الحشر والبعث، مع أن البعث والحشر هو في حقيقته خلق آخر، وكانوا يشركون بالله ، فيجعلون لله البنات سبحانه، وقالوا: الملائكة بنات الله، كما قالت اليهود: عزير ابن الله، وكما قال النصارى المسيح ابن الله، وكل هذا من الشرك في الربوبية، ولا يصح أن نقول: إنه لا توجد طائفة تشرك في الربوبية، لكن نقول: لا توجد طائفة تنكر توحيد الربوبية بالكلية، وتقول: إن الله ليس برب أو تعتقد أن هناك رباً آخر مع الله مساوي له في الصفات والأفعال، وهذا أمر مقرر عند أهل السنة بالإجماع ومتفقون عليه.

стр. 38

توحيد الألوهية توحيد الألوهية مشتق من الإله، ومعنى توحيد الإلوهية هو: شهادة أن لا إله إلا الله، والإله فعال بمعنى مفعول، يعني: إله بمعنى مألوه، والمألوه هو المعبود، والله هو المعبود محبة ورغبة ورجاءً وخوفاً وتوكلاً وإنابة ، والإله في لغة العرب معناه: المعبود، ولهذا يقول رؤبة بن العجاج الراجز: لله در الغانيات المُدَّهِ سبحن واسترجعن من تألهي فجعل التسبيح والترجيع جزءاً من التأله، والتأله معناه: التعبد، ولهذا لما قال رسول الله ﷺ للكفار: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا)، وأمرهم بشهادة أن لا إله إلا الله، كان جوابهم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، فأنكروا عليه أنه جعل الآلهة المتعددة المختلفة معبوداً واحداً، مع أنهم في الحقيقة ما كانوا يجعلون خالقين مع الله ؛ لأن الله يقول عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، وهم يعرفون أن الله وحده خالق السماوات والأرض، ولا يشركون مع الله في خلق السماوات والأرض، ولكن كانوا يعتقدون أن هناك معبودات من دون الله يقدمون لها العبادة وهي بدورها تقربهم إلى الله ، كما قال الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، ولهذا لما رأى النبي ﷺ حصيناً والد عمران قال له: (كم تعبد؟ -وكان رجلاً حصيفاً ذكياً- قال: أعبد سبعة، قال: أين هم؟ قال: واحد في السماء، والستة في الأرض، قال: من لنفعك وضرك وحاجتك؟ قال: الذي في السماء، قال: لماذا تعبد التي في الأرض؟)، فأقنعه النبي ﷺ بهذا الدليل العقلي فأسلم وحسن إسلامه. فتوحيد الألوهية مشتق من (الإله)، وهناك فرق في لغة العرب بين (الرب) و (الإله). الأمر الثاني: أن مدلول توحيد الربوبية ومتعلقه: الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، وإثباتها لله ، بينما متعلق توحيد الألوهية: الله . الأمر الثالث: توحيد الربوبية متعلقه: أفعال الله، وتوحيد الألوهية: متعلقه أفعال العبد، الربوبية حقيقتها: هي أن تؤمن بأفعال الله مثل الخلق، والرزق، والإحياء والإماتة، ونحو ذلك، وأما توحيد الألوهية فمتعلقة بأفعال العبد نفسه مثل المحبة والخوف والرجاء ونحو ذلك. والفارق الآخر: هو أن مدلول توحيد الربوبية: علمي، ومدلول توحيد الألوهية: عملي، فتوحيد الربوبية يحتاج من الإنسان أن يؤمن به فهو علمي، وتوحيد الألوهية يحتاج من الإنسان أن يعمل به فهو عملي، وهناك فرق بين العلم والعمل، وهذا أمر يشعر به الإنسان في نفسه. ولهذا عرف أهل العلم توحيد الربوبية بأنه توحيد الله بأفعاله، وتوحيد الألوهية بأنه توحيد الله بأفعال العباد، وهناك تعريف أدق من هذا التعريف وهو التعريف الذي ذكره الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ وهو: التوحيد هو: إفراد الله بالخلق والملك والتدبير؛ لأن التعريف بأن توحيد الربوبية هو توحيد الله بأفعاله يكون تعريفاً عاماً. وأفعال الله نوعان: أفعال متعدية وأفعال لازمة. فالأفعال المتعدية: هي التي لها تأثير على المخلوقات، والأفعال اللازمة: هي التي ليس لها تأثير على المخلوقات، مثل: النزول والاستواء، والمجيء والإتيان، ونحو ذلك، وتسمى هذه الأفعال أفعال الصفات. ومثال الأفعال المتعدية: الخلق والرزق والإحياء والإماتة، فهي أفعال لله ، لكنها متعدية إلى الخلق، وتسمى هذه الأفعال الربوبية. فعندما نعرف توحيد الربوبية بأنه توحيد الله بأفعاله فإنه يشمل هذه الأنواع جميعاً فلا يكون دقيقاً، وعندما نعرف توحيد الربوبية بأنه إفراد الله بالخلق والرزق والملك والتدبير، فإن هذا يكون أدق؛ لأنه يتعلق بأفعاله المتعدية التي يسميها أهل العلم أفعال الربوبية. ولهذا نجد أن النصوص القرآنية تطلب من العبد الإيمان بأن الله خالق ورازق ومحيي ومميت وأنه بيده مقاليد كل شيء، وأنه هو المدبر وأنه ﴿يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون:٨٨] ، وهناك نصوص تطالب العبد بأن يكون خوفه من الله، وأن يكون رجاؤه لله، وتوكله على الله ونحو ذلك. فالنوع الأول هو توحيد الربوبية، والنوع الثاني هو توحيد الألوهية، فالفرق بين توحيد الربوبية والألوهية ظاهر في النصوص الشرعية ولا إشكال فيه. وتوحيد الربوبية لا يكون كافياً في الإيمان، فمن آمن بتوحيد الربوبية إيماناً تاماً، ولم يؤمن بتوحيد الألوهية بأن جعل شريكاً مع الله في عبادته، فإنه في هذه الحالة يكون مشركاً غير موحد حتى يؤمن بتوحيد الألوهية. ولهذا فإن شرك المشركين في توحيد الألوهية، بل شرك عامة مشركي الأمم الذين بعث إليهم الأنبياء، فكل نبي يقول: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ

стр. 39

فضائل توحيد الألوهية ننتقل إلى مسألة أخرى وهي: فضائل توحيد الألوهية. أولاً: توحيد الألوهية: هو الحكمة من خلق الجن والإنس، يقول الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، ففي هذه الآية بيان أن الله خلق الإنس والجن لتحقيق غاية معينة وهي العبادة، ولهذا قال ابن عباس في معنى قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]: إلا ليوحدون، يعني: إلا ليفردوا الله بتوحيد العبادة. ثانياً: توحيد الألوهية هو أساس دعوة الرسل جميعاً: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]. ثالثاً: أن توحيد الألوهية -وهو إفراد الله بالتأله والتعبد- هو حق الله على الناس، كما ورد في حديث معاذ بن جبل عندما كان رديفاً للنبي ﷺ على حمار فقال له: (يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله: ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً). رابعاً: أن من حقق هذا التوحيد وخلصه من شوائب الشرك الأكبر والأصغر وخلصه من البدع والمعاصي، فإنه سيكون من السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، كما ورد في حديث ابن عباس الطويل في السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. خامساً: أن من جاء بهذا التوحيد تاماً فإن له الأمن والاهتداء بحسب توحيده، ومن جاء بالتوحيد ناقصاً فإن له الأمن والاهتداء ناقصاً. يقول الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، ومعنى (الذين آمنوا ولم يلبسوا) يعني: لم يخلطوا، (إيمانهم بظلم) يعني: بشرك، (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) فالأمن والاهتداء في الدنيا والآخرة. وقد فسرت الآية الأخرى في سورة لقمان أن المقصود بالظلم هو الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] كما ورد في حديث ابن مسعود ﵁ عندما جاء الصحابة إلى النبي ﷺ فقالوا: (يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ -لأنهم فهموا من الآية ظلم العبد لنفسه، فبين لهم النبي ﷺ أن المقصود بالظلم هو الظلم الأكبر الذي هو الشرك، واستدل بآية لقمان السابقة- فقال: ألم تسمعوا قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]). سادساً: هو أن من كان معه أصل توحيد الألوهية فإنه لابد أن يدخل الجنة حتى لو كان معه بعض الذنوب والمعاصي والآثام ودخل النار، فإنه يخرج منها بشفاعة الشافعين، ولهذا يقول النبي ﷺ في حديث عبادة بن الصامت: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق وأن النار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)، وهذا الحديث في الصحيحين. فقوله: (أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) فيه مجموعة من الشروح لأهل العلم، منها: سيدخل الجنة على أي عمل كان، فإذا كان فاسقاً وعنده ذنوب ومعاصي فإنه سيدخل الجنة حتى لو دخل النار زمناً وطهر فإن عاقبته إلى الجنة، وهذا يدل على فضل هذا التوحيد، وأن عاقبته هي الخير للإنسان. سابعاً: أن من جاء بالتوحيد فإن الله يغفر به جميع الذنوب، ولهذا جاء في الحديث القدسي أنه قال: (ولو أتيتني بقراب الأرض خطايا لأتيتك بقرابها مغفرة)، وأهم شيء هو أن يكون الإنسان موحداً وألا يكون عنده شيء من الشرك. ولهذا فإن فضائل توحيد الألوهية كثيرة لا تكاد تعد ولا تحصى، بل إن ابن القيم ﵀ في كتابه (مدارج السالكين) قال: إن القرآن كله راجع إلى هذا النوع من التوحيد، فهو إما آيات صريحة في توحيد الله فهو راجع إلى التوحيد صراحة، وإما آيات في الأحكام وهي من لوازم التوحيد؛ فإن توحيد الألوهية هو إفراد الله بالعبادة ومن العبادات هذه الأحكام، أو قصص وأخبار، فهي قصص لأهل التوحيد مع أهل الشرك وكيف كانت عاقبة الموحدين المشركين، أو أنها في ذكر صفات الله وهذه راجعة أيضاً للتوحيد، فكل القرآن يرجع إلى التوحيد. ولهذا فإن النبي ﷺ قال: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة)، وكانت (آية الكرسي) أعظم آية في القرآن؛ لأنها تشتمل على توحيد الألوهية، فهو أول الأمر وآخره، وهو الذي تحقن به الدماء، فإن من لم يوحد ربه بهذا النوع من التوحيد فإن دمه حلال، ولا يكون حراماً إلا إذا وجدت عهود أو عقود بح

стр. 40

معنى توحيد العبادة توحيد العبادة وتوحيد الألوهية بمعنى واحد، واشتقاق توحيد الألوهية مأخوذ من الإله، والإله هو المعبود، والتأله معناه التعبد، ولهذا يقولون: فلان يتأله لله بمعنى يتعبد، والعبادة التي هي مدلول الألوهية معناها: الخضوع والذل، وفي لغة العرب يقولون: طريق معبد، يعني: ذللته الأقدام بكثرة السير عليه، وسمي العبد عبداً؛ لأنه لا يملك نفسه بل هو مسلم أمره لسيده؛ ولهذا يباع ويشترى. وتوحيد العبادة معناه: أن يحقق الإنسان لله كمال الذل والخضوع مع كمال المحبة. هنالك أنواع من الشرك تتعلق ببعض إرادات الإنسان، ونجد أن جزءاً من إرادات الإنسان طبيعية فكيف نميز بين الأعمال الطبيعية في إرادة الإنسان وبين الأعمال التي تعتبر من العبادة؟ فمثلاً: الحب، والكره، والخوف، والاعتماد والتوكل، فإن منها جزءاً طبيعياً مثل: محبة الإنسان لطفله، ومحبة الإنسان لزوجته، ومحبة الإنسان لأمه وأبيه، ومحبة الإنسان لبلده، والمحبة الطبيعية التي يعيش بها الإنسان في المجتمع. هناك نوع من المحبة عبادة: فلو أن شخصاً -مثلاً- قال لشخص: إذا أحببت ابنك فأنت مشرك؛ لأنك جعلت مع الله شريكاً وهو ابنك هذا! فيكون فهمه باطلاً، ولهذا لابد أن نميز بين المحبة الطبيعية والخوف الطبيعي والإرادة الطبيعية والتوكل أو الاعتماد الطبيعي، والمحبة والخوف والاعتماد التعبدي، والفارق بينهما: أن النوع الذي هو عبادة يكون فيه ذل للمحبوب وخضوع له مع محبة. فمحبة المسلم لأحد الصالحين، فينشرح صدره له؛ لأنه يراه يتعبد لله ، فهذه محبة طبيعية وله أجر عليها، ويكون هذا النوع من التعبد لله . ومحبة الصوفية لأوليائهم، ويعظمونهم إلى درجة أن أحدهم يتخيل أن الولي معه في بيته وفي كل مكان، ولا يمكن أن يخفى عن الولي شيء، ويسجد له ويخضع له ويخاف منه، ويخاف على أولاده من الولي، ويخاف على حياته، ويشعر أن حياته بيد هذا الولي، ويخاف على ماله ورزقه، ويخاف على صحته؛ فهذه المحبة محبة عبادة لغير الله، وهذا هو التأله والتعبد لغير الله . إذاً: التعبد أو العبادة معناهما: كمال الذل وكمال الخضوع مع كمال المحبة؛ لأن الذل والخضوع قد يكونان لمن يكرهه، كذل وخضوع الناس لطاغوت من الطواغيت، وهذا الذل والخضوع واقعان مع كره في القلب، فلا يعتبر ذلك عبادة، فالمحبة بدون ذل وخضوع لا تعتبر عبادة مثل محبة الإنسان لأولاده، والمحبة العادية تكون عبادة إذا كان فيها ذل وخضوع وتعلق بغير الله ، فهذا هو حقيقة توحيد العبادة الذي سبق أن أشرنا إليه.
следующие страницы →