Полный текст (173 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
نقد تقسيم التوحيد عند أهل الكلام
أهل الكلام خالفوا أهل السنة والجماعة في أقسام التوحيد، فأقسام التوحيد عندهم ثلاثة أقسام، لكنها مختلفة عن أقسام التوحيد عند أهل السنة، فيقولون: الله واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له.
وهذا التقسيم عند أهل الكلام عليه ملاحظات شرعية: الملاحظة الأولى: هو أن هذا التقسيم ناقص؛ لأن هذه التقسيمات الثلاث في مدلولها تشمل نوعين من التوحيد، هما: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، بينما توحيد الألوهية لا ذكر له عندهم.
فقولهم: واحد في ذاته، حسب فهمهم لقضية الذات، هذا تابع لباب الصفات، وواحد في صفاته تابع أيضاً لباب الصفات، وواحد في أفعاله تابع لباب الربوبية، وهذا التقسيم ناقص فلا ذكر للألوهية فيه، ولهذا جاء المتأخرون منهم وقالوا: إن توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية واحد، وأنه لا فرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية أبداً كما سيأتي الإشارة إليه بإذن الله تعالى.
الملاحظة الثانية: هو أن هذه الأقسام الثلاثة تتضمن معاني باطلة، فهم يقولون: الله واحد في ذاته لا قسيم له، فهل لله ذاتاً مجردة عن الصفات؟ فقالوا: إن ذاته واحدة، فإذا أثبت صفة من الصفات قالوا: إنك بهذه الطريقة تثبت شريكاً مع الله، ولهذا قالت المعتزلة في مسألة تعدد القدماء: إن القديم هو الذات، فإذا أضفت صفة من الصفات سواء كانت من الصفات الخبرية، أو الصفات الثبوتية العقلية الأخرى مثل العلم والإرادة والسمع والبصر والكلام والعينين واليد ونحو ذلك، قالوا: أنت إذاً أضفت قدماء آخرون، فيلزم من هذا حصول الشرك ونحن ندعو إلى التوحيد، والتوحيد يقتضي تجريد الله من الصفات، تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً! ولهذا نفوا الصفات.
أما أهل السنة فإنهم يقولون: إنه لا يتصور لله ذات بدون صفات، بل لا يمكن أن توجد ذات بدون صفات إلا في الذهن، وأما في خارج الذهن فإنه لا توجد ذات إلا مقرونة بالصفات، وهذا لا يمنع أن تكون له أوصاف متعددة وهو واحد، فهو الله مع أنه عليم حكيم رحيم غفور، له يدان، وعينان، وله علم وسمع وبصر، فهذا التعدد لا يمنع من كونه واحداً، وهذا أمر متفق عليه عند سائر بني آدم.
فأنت تقول: فلان، الرجل الصالح الكريم الأبيض الطويل، القصير الذي فيه كذا وفيه كذا، وأنت تقصد واحداً، بل حتى في غير الإنسان، فتقول في الثوب -مثلاً-: هذا الثوب ثخين، طويل، أبيض، فيه كذا وكذا، مع أنه ثوب واحد، والعرب يسمون الشيء الواحد واحداً مع أن له أوصافاً متعددة، فالله يقول عن المغيرة: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر:١١]، فسمى المغيرة وحيداً، يعني: خلقه الله وحيداً، مع أن له صفات متعددة يدين ورجلين وعينين وعقلاً وأحشاء.
ففهمهم للصفات فاهم فاسد، وقولهم: إن الله واحد في ذاته لا قسيم له، يدل على فهم ناقص وفاسد.
أيضاً: فهمهم لنفي الشبيه، عندما قالوا: وهو واحد في صفاته لا شبيه له، فهذا يتضمن نفي الصفات، فإذا أثبت لله يدين أو عينين، فأنت شبهته بمخلوقاته، ونحن نقول: إن هذا لا يستلزم، فلله صفاته الخاصة به، وللمخلوق صفاته الخاصة به، ولا يستلزم الاتفاق في الأسماء التماثل في المسميات، وليس هناك ارتباط بين هذين الأمرين.
الملاحظة الثالثة: أنهم قالوا: إن الله واحد في أفعاله لا شريك له، وجعلوا حقيقة الشرك في شرك الربوبية فقط، فقالوا: إن المشرك هو الذي يدعي أن هناك خالقاً ورازقاً ومحيياً ومميتاً مع الله ، وحصروا الشرك في هذا الباب، وأما الشرك في الألوهية فإنهم لا يرونه.
стр. 37
توحيد الربوبية
المسألة الجديدة التي سنبحثها هي: مسألة توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، فالربوبية مشتقة من (الرب)، والرب معناه في لغة العرب: السيد المطاع الذي بلغ كمال السؤدد، ومن لوازم ذلك أن يكون مالكاً، فهو السيد المطاع المالك الآمر ، فهذا معنى الربوبية، وقد دلت نصوص القرآن بكثرة على توحيد الربوبية، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، وفي الخلق: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك:٣] وفي باب الأمر: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، والله له التدبير وحده لا شريك له، فهو المحيي والمميت، وهو الضار والنافع ، وحده لا شريك له، وهذا النوع من التوحيد لا ينكره أحد من سائر الأمم حتى من تظاهر بإنكار الخالق فإنه في الباطن مقر به، ولهذا يقول الله عن فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، وقال الله عنه في خطاب موسى له: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]، وأيضاً قال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، قال العلماء: يتذكر ما في فطرته من معرفة الله ، ولهذا كان سائر الأمم يقرون بالخالق ، ولا توجد طائفة من الطوائف تنكر وجود الله إنكاراً تاماً حتى المجوس الذين قالوا بالأصلين النور والظلمة لا يقولون: إن النور والظلمة متساويان في الصفات والأفعال، بل يرون أن النور أعظم وأنه أفضل وأحسن، ويرون أنه هو القديم، والظلمة هي الحادثة، وأن الظلمة شريرة ونحو ذلك، فلا توجد طائفة من البشر تقول: إن لله شريكاً موافقاً له في الصفات والأفعال، حتى النصارى الذين قالوا: بالأقانيم فإنهم قالوا أن إلههم هو الأب والابن وروح القدس، وما كانوا يعتقدون أن الأب والابن وروح القدس ثلاثة آلهة منفصلة بل كل إله له ما للإله الآخر من الصفات والأفعال، بل كانوا يفسرون الأقانيم بأنها الصفات، ويرون أنه إله واحد موصوف بأنه أب وبأنه ابن وبأنه روح للقدس، لكن عند التفصيل تجد أنهم يتناقضون، فهم يعتقدون أن الأب إله عظيم، وأن الابن هو عيسى، وأن روح القدس هو جبريل، فعلى كل حال لا توجد طائفة من البشر تنكر توحيد الربوبية إنكاراً تاماً، لكن يوجد من يشرك في الربوبية.
فالعرب كانوا ينكرون البعث، والبعث هو خلق آخر، يقول الله : ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧]، وكانوا يقولون: ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، ويقول أحدهم: أموت ثم قبر ثم حشر حديث خرافة يا أم عمرو فكانوا ينكرون الحشر والبعث، مع أن البعث والحشر هو في حقيقته خلق آخر، وكانوا يشركون بالله ، فيجعلون لله البنات سبحانه، وقالوا: الملائكة بنات الله، كما قالت اليهود: عزير ابن الله، وكما قال النصارى المسيح ابن الله، وكل هذا من الشرك في الربوبية، ولا يصح أن نقول: إنه لا توجد طائفة تشرك في الربوبية، لكن نقول: لا توجد طائفة تنكر توحيد الربوبية بالكلية، وتقول: إن الله ليس برب أو تعتقد أن هناك رباً آخر مع الله مساوي له في الصفات والأفعال، وهذا أمر مقرر عند أهل السنة بالإجماع ومتفقون عليه.
стр. 38
توحيد الألوهية
توحيد الألوهية مشتق من الإله، ومعنى توحيد الإلوهية هو: شهادة أن لا إله إلا الله، والإله فعال بمعنى مفعول، يعني: إله بمعنى مألوه، والمألوه هو المعبود، والله هو المعبود محبة ورغبة ورجاءً وخوفاً وتوكلاً وإنابة ، والإله في لغة العرب معناه: المعبود، ولهذا يقول رؤبة بن العجاج الراجز: لله در الغانيات المُدَّهِ سبحن واسترجعن من تألهي فجعل التسبيح والترجيع جزءاً من التأله، والتأله معناه: التعبد، ولهذا لما قال رسول الله ﷺ للكفار: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا)، وأمرهم بشهادة أن لا إله إلا الله، كان جوابهم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، فأنكروا عليه أنه جعل الآلهة المتعددة المختلفة معبوداً واحداً، مع أنهم في الحقيقة ما كانوا يجعلون خالقين مع الله ؛ لأن الله يقول عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، وهم يعرفون أن الله وحده خالق السماوات والأرض، ولا يشركون مع الله في خلق السماوات والأرض، ولكن كانوا يعتقدون أن هناك معبودات من دون الله يقدمون لها العبادة وهي بدورها تقربهم إلى الله ، كما قال الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، ولهذا لما رأى النبي ﷺ حصيناً والد عمران قال له: (كم تعبد؟ -وكان رجلاً حصيفاً ذكياً- قال: أعبد سبعة، قال: أين هم؟ قال: واحد في السماء، والستة في الأرض، قال: من لنفعك وضرك وحاجتك؟ قال: الذي في السماء، قال: لماذا تعبد التي في الأرض؟)، فأقنعه النبي ﷺ بهذا الدليل العقلي فأسلم وحسن إسلامه.
فتوحيد الألوهية مشتق من (الإله)، وهناك فرق في لغة العرب بين (الرب) و (الإله).
الأمر الثاني: أن مدلول توحيد الربوبية ومتعلقه: الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، وإثباتها لله ، بينما متعلق توحيد الألوهية: الله .
الأمر الثالث: توحيد الربوبية متعلقه: أفعال الله، وتوحيد الألوهية: متعلقه أفعال العبد، الربوبية حقيقتها: هي أن تؤمن بأفعال الله مثل الخلق، والرزق، والإحياء والإماتة، ونحو ذلك، وأما توحيد الألوهية فمتعلقة بأفعال العبد نفسه مثل المحبة والخوف والرجاء ونحو ذلك.
والفارق الآخر: هو أن مدلول توحيد الربوبية: علمي، ومدلول توحيد الألوهية: عملي، فتوحيد الربوبية يحتاج من الإنسان أن يؤمن به فهو علمي، وتوحيد الألوهية يحتاج من الإنسان أن يعمل به فهو عملي، وهناك فرق بين العلم والعمل، وهذا أمر يشعر به الإنسان في نفسه.
ولهذا عرف أهل العلم توحيد الربوبية بأنه توحيد الله بأفعاله، وتوحيد الألوهية بأنه توحيد الله بأفعال العباد، وهناك تعريف أدق من هذا التعريف وهو التعريف الذي ذكره الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ وهو: التوحيد هو: إفراد الله بالخلق والملك والتدبير؛ لأن التعريف بأن توحيد الربوبية هو توحيد الله بأفعاله يكون تعريفاً عاماً.
وأفعال الله نوعان: أفعال متعدية وأفعال لازمة.
فالأفعال المتعدية: هي التي لها تأثير على المخلوقات، والأفعال اللازمة: هي التي ليس لها تأثير على المخلوقات، مثل: النزول والاستواء، والمجيء والإتيان، ونحو ذلك، وتسمى هذه الأفعال أفعال الصفات.
ومثال الأفعال المتعدية: الخلق والرزق والإحياء والإماتة، فهي أفعال لله ، لكنها متعدية إلى الخلق، وتسمى هذه الأفعال الربوبية.
فعندما نعرف توحيد الربوبية بأنه توحيد الله بأفعاله فإنه يشمل هذه الأنواع جميعاً فلا يكون دقيقاً، وعندما نعرف توحيد الربوبية بأنه إفراد الله بالخلق والرزق والملك والتدبير، فإن هذا يكون أدق؛ لأنه يتعلق بأفعاله المتعدية التي يسميها أهل العلم أفعال الربوبية.
ولهذا نجد أن النصوص القرآنية تطلب من العبد الإيمان بأن الله خالق ورازق ومحيي ومميت وأنه بيده مقاليد كل شيء، وأنه هو المدبر وأنه ﴿يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون:٨٨] ، وهناك نصوص تطالب العبد بأن يكون خوفه من الله، وأن يكون رجاؤه لله، وتوكله على الله ونحو ذلك.
فالنوع الأول هو توحيد الربوبية، والنوع الثاني هو توحيد الألوهية، فالفرق بين توحيد الربوبية والألوهية ظاهر في النصوص الشرعية ولا إشكال فيه.
وتوحيد الربوبية لا يكون كافياً في الإيمان، فمن آمن بتوحيد الربوبية إيماناً تاماً، ولم يؤمن بتوحيد الألوهية بأن جعل شريكاً مع الله في عبادته، فإنه في هذه الحالة يكون مشركاً غير موحد حتى يؤمن بتوحيد الألوهية.
ولهذا فإن شرك المشركين في توحيد الألوهية، بل شرك عامة مشركي الأمم الذين بعث إليهم الأنبياء، فكل نبي يقول: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ
стр. 39
فضائل توحيد الألوهية
ننتقل إلى مسألة أخرى وهي: فضائل توحيد الألوهية.
أولاً: توحيد الألوهية: هو الحكمة من خلق الجن والإنس، يقول الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، ففي هذه الآية بيان أن الله خلق الإنس والجن لتحقيق غاية معينة وهي العبادة، ولهذا قال ابن عباس في معنى قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]: إلا ليوحدون، يعني: إلا ليفردوا الله بتوحيد العبادة.
ثانياً: توحيد الألوهية هو أساس دعوة الرسل جميعاً: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].
ثالثاً: أن توحيد الألوهية -وهو إفراد الله بالتأله والتعبد- هو حق الله على الناس، كما ورد في حديث معاذ بن جبل عندما كان رديفاً للنبي ﷺ على حمار فقال له: (يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله: ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً).
رابعاً: أن من حقق هذا التوحيد وخلصه من شوائب الشرك الأكبر والأصغر وخلصه من البدع والمعاصي، فإنه سيكون من السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، كما ورد في حديث ابن عباس الطويل في السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.
خامساً: أن من جاء بهذا التوحيد تاماً فإن له الأمن والاهتداء بحسب توحيده، ومن جاء بالتوحيد ناقصاً فإن له الأمن والاهتداء ناقصاً.
يقول الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، ومعنى (الذين آمنوا ولم يلبسوا) يعني: لم يخلطوا، (إيمانهم بظلم) يعني: بشرك، (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) فالأمن والاهتداء في الدنيا والآخرة.
وقد فسرت الآية الأخرى في سورة لقمان أن المقصود بالظلم هو الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] كما ورد في حديث ابن مسعود ﵁ عندما جاء الصحابة إلى النبي ﷺ فقالوا: (يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ -لأنهم فهموا من الآية ظلم العبد لنفسه، فبين لهم النبي ﷺ أن المقصود بالظلم هو الظلم الأكبر الذي هو الشرك، واستدل بآية لقمان السابقة- فقال: ألم تسمعوا قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]).
سادساً: هو أن من كان معه أصل توحيد الألوهية فإنه لابد أن يدخل الجنة حتى لو كان معه بعض الذنوب والمعاصي والآثام ودخل النار، فإنه يخرج منها بشفاعة الشافعين، ولهذا يقول النبي ﷺ في حديث عبادة بن الصامت: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق وأن النار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)، وهذا الحديث في الصحيحين.
فقوله: (أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) فيه مجموعة من الشروح لأهل العلم، منها: سيدخل الجنة على أي عمل كان، فإذا كان فاسقاً وعنده ذنوب ومعاصي فإنه سيدخل الجنة حتى لو دخل النار زمناً وطهر فإن عاقبته إلى الجنة، وهذا يدل على فضل هذا التوحيد، وأن عاقبته هي الخير للإنسان.
سابعاً: أن من جاء بالتوحيد فإن الله يغفر به جميع الذنوب، ولهذا جاء في الحديث القدسي أنه قال: (ولو أتيتني بقراب الأرض خطايا لأتيتك بقرابها مغفرة)، وأهم شيء هو أن يكون الإنسان موحداً وألا يكون عنده شيء من الشرك.
ولهذا فإن فضائل توحيد الألوهية كثيرة لا تكاد تعد ولا تحصى، بل إن ابن القيم ﵀ في كتابه (مدارج السالكين) قال: إن القرآن كله راجع إلى هذا النوع من التوحيد، فهو إما آيات صريحة في توحيد الله فهو راجع إلى التوحيد صراحة، وإما آيات في الأحكام وهي من لوازم التوحيد؛ فإن توحيد الألوهية هو إفراد الله بالعبادة ومن العبادات هذه الأحكام، أو قصص وأخبار، فهي قصص لأهل التوحيد مع أهل الشرك وكيف كانت عاقبة الموحدين المشركين، أو أنها في ذكر صفات الله وهذه راجعة أيضاً للتوحيد، فكل القرآن يرجع إلى التوحيد.
ولهذا فإن النبي ﷺ قال: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة)، وكانت (آية الكرسي) أعظم آية في القرآن؛ لأنها تشتمل على توحيد الألوهية، فهو أول الأمر وآخره، وهو الذي تحقن به الدماء، فإن من لم يوحد ربه بهذا النوع من التوحيد فإن دمه حلال، ولا يكون حراماً إلا إذا وجدت عهود أو عقود بح
стр. 40
معنى توحيد العبادة
توحيد العبادة وتوحيد الألوهية بمعنى واحد، واشتقاق توحيد الألوهية مأخوذ من الإله، والإله هو المعبود، والتأله معناه التعبد، ولهذا يقولون: فلان يتأله لله بمعنى يتعبد، والعبادة التي هي مدلول الألوهية معناها: الخضوع والذل، وفي لغة العرب يقولون: طريق معبد، يعني: ذللته الأقدام بكثرة السير عليه، وسمي العبد عبداً؛ لأنه لا يملك نفسه بل هو مسلم أمره لسيده؛ ولهذا يباع ويشترى.
وتوحيد العبادة معناه: أن يحقق الإنسان لله كمال الذل والخضوع مع كمال المحبة.
هنالك أنواع من الشرك تتعلق ببعض إرادات الإنسان، ونجد أن جزءاً من إرادات الإنسان طبيعية فكيف نميز بين الأعمال الطبيعية في إرادة الإنسان وبين الأعمال التي تعتبر من العبادة؟ فمثلاً: الحب، والكره، والخوف، والاعتماد والتوكل، فإن منها جزءاً طبيعياً مثل: محبة الإنسان لطفله، ومحبة الإنسان لزوجته، ومحبة الإنسان لأمه وأبيه، ومحبة الإنسان لبلده، والمحبة الطبيعية التي يعيش بها الإنسان في المجتمع.
هناك نوع من المحبة عبادة: فلو أن شخصاً -مثلاً- قال لشخص: إذا أحببت ابنك فأنت مشرك؛ لأنك جعلت مع الله شريكاً وهو ابنك هذا! فيكون فهمه باطلاً، ولهذا لابد أن نميز بين المحبة الطبيعية والخوف الطبيعي والإرادة الطبيعية والتوكل أو الاعتماد الطبيعي، والمحبة والخوف والاعتماد التعبدي، والفارق بينهما: أن النوع الذي هو عبادة يكون فيه ذل للمحبوب وخضوع له مع محبة.
فمحبة المسلم لأحد الصالحين، فينشرح صدره له؛ لأنه يراه يتعبد لله ، فهذه محبة طبيعية وله أجر عليها، ويكون هذا النوع من التعبد لله .
ومحبة الصوفية لأوليائهم، ويعظمونهم إلى درجة أن أحدهم يتخيل أن الولي معه في بيته وفي كل مكان، ولا يمكن أن يخفى عن الولي شيء، ويسجد له ويخضع له ويخاف منه، ويخاف على أولاده من الولي، ويخاف على حياته، ويشعر أن حياته بيد هذا الولي، ويخاف على ماله ورزقه، ويخاف على صحته؛ فهذه المحبة محبة عبادة لغير الله، وهذا هو التأله والتعبد لغير الله .
إذاً: التعبد أو العبادة معناهما: كمال الذل وكمال الخضوع مع كمال المحبة؛ لأن الذل والخضوع قد يكونان لمن يكرهه، كذل وخضوع الناس لطاغوت من الطواغيت، وهذا الذل والخضوع واقعان مع كره في القلب، فلا يعتبر ذلك عبادة، فالمحبة بدون ذل وخضوع لا تعتبر عبادة مثل محبة الإنسان لأولاده، والمحبة العادية تكون عبادة إذا كان فيها ذل وخضوع وتعلق بغير الله ، فهذا هو حقيقة توحيد العبادة الذي سبق أن أشرنا إليه.
стр. 41
الأسئلة
стр. 42
حكم الطعن في العلماء وتضليلهم
السؤال
ما رأيكم في الذين يضللون العلماء؟ وهل خرجوا عن الملة؟
الجواب
لا شك أن أهل العلم لهم مكانة عظيمة في الإسلام، لما يحملونه من العلم الذي أعطاهم الله إياه، ولأنهم هم الهداة، وهم مثل النجوم في السماء يهتدي بها الناس، ولهذا رفعهم الله عنده درجات، فقال الله : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، فالكلام في أهل العلم وفي الناس عموماً مذموم، فعندما يغتاب المسلم الناس ويذمهم ويحتقرهم ويتهجمهم فهذا ليس من أخلاق النبوة، فالنبي ﷺ لم يكن طعاناً ولا لعاناً ولا فاحشاً ولا بذيئاً.
ومن محاسن الأخلاق التي لها مكانة عظيمة عند الله : أن يكون المسلم عفيف اللسان، فإن حسن الخلق من أعظم العبادات عند الله ، ولهذا وصف الله به خير الأنبياء وهو محمد ﷺ فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، وقال النبي ﷺ في بيان فضل الخلق: (إن أحدكم ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم)، فالمسلم بحسن خلقه يبلغ مثل عمل المسلم الذي يصوم النهار، ويقوم الليل بشكل مستمر، ومن أبرز الأمور التي تدل على حسن الخلق أن يكون المسلم عفيف اللسان وأن يكون بعيداً عن التهجم على الناس عموماً، فكيف بأهل العلم الذين هم خلاصة الناس وصفوتهم وأحسنهم وأفضلهم وأطيبهم.
والمسلم يخاف من الله عندما يكون خصيمه رجلاً من المؤمنين، فكيف إذا كان عالماً من العلماء أو فاضلاً من الفضلاء؟ وقد تكلم بعض العلماء عن أقوام كانوا يطعنون في العلماء فقال: أنتم اليوم تتكلمون في أشخاص قد وضعوا رحالهم في الجنة، فكثير من الناس يغتابون أشخاصاً لهم من المنزلة والمكانة وعلو القدر الشيء الكثير، فيجب على المسلم أن يكون عفيف اللسان، طيب المنطق، بعيداً عن التهجم على الناس عموماً وخصوصاً أهل العلم.
وظهر في شباب الدعوة إلى الله طائفتين، كل طائفة اشتطت عكس الأخرى، وكل طائفة تتكلم على أهل العلم، وتذم أهل العلم، وقد يصل في بعض الأحيان -والعياذ بالله- إلى التكفير والتبديع والكلام الذي لا يليق أبداً.
وطائفة اتهموا أهل العلم بالابتداع؛ لأنهم لم يتفقوا معهم حول بعض الآراء الفقهية، التي تعتبر من جملة الاجتهادات وليست من قضايا العقيدة، إلا بعض أولئك الذين يربطون الآراء بالعقائد بدون وجه حق في الربط.
وبعض الناس يتكلم على العلماء ويتهمهم بأنهم من الخوارج، أو من علماء السلاطين -والعياذ بالله- ونحو ذلك من الكلام الذي لا داعي له ولا مبرر له.
والعالم قد يقع في الخطأ، ولا يجوز للمسلم أن يتبع العالم إذا وقع في خطأ؛ لأن الواجب علينا اتباع الكتاب والسنة وليس اتباع الأشخاص، وإذا خالف العالم النص الصريح الواضح من القرآن والسنة فلا نتبعه، بل نتبع النص الصريح من القرآن والسنة، دون التهجم عليه، بل ينبغي أن يلتمس له العذر.
ولهذا ألف ابن تيمية ﵀ كتاباً عظيماً وهو: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) فينبغي للمسلم أن يكون عفيف اللسان عن أهل العلم، وأن يكون بعيداً من الكلام عليهم، وإن أخطأ العالم أو عصى الله في أمر من الأمور فإن له من الفضائل والحسنات ما يكون ماحياً لمثل هذا الخطأ، فينبغي أن يحرص المسلم على هذا الأدب وهذا الأمر.
стр. 43
نصيحة لمن ينام عن الصلاة
السؤال
أنام أغلب الأحيان عن العصر والفجر، وعندما أستيقظ مباشرة أصلي وأخشى على نفسي النفاق، فماذا أفعل لأستيقظ؟
الجواب
يحاول الإنسان أن يتخذ بعض الوسائل للاستيقاظ مبكراً مثل النوم مبكراً، أو تكون عنده آلة توقظه، أو يتفق مع أشخاص لإيقاظه، وأن يجتهد في إصلاح مثل هذا الخطأ؛ ولعل الله أن يبارك لهذا الشخص الذي يبدو أن الإيمان إن شاء الله موجود فيه، لأنه يخشى النفاق على نفسه.
стр. 44
واجب المسلمين تجاه الدول الإسلامية المحتلة
السؤال
ما واجب المسلمين تجاه إخوانهم المحتلين من قبل الكفار؟
الجواب
المشكلات والحروب الطاحنة التي تدور في بلاد الإسلام فيها عبر كثيرة ينبغي على الإنسان أن يتسع أفقه حتى يتفهم مثل هذه العبر، فمن ضمنها: قال الإمام علي بن أبي طالب ﵁: ما وقع في الأمة بلاء إلا بسبب ذنب، ولا رفع إلا بتوبة صادقة، فمثل هذه الابتلاءات والحروب الطاحنة والقتل في بلاد المسلمين وتدمير ممتلكاتهم وإزهاق أرواحهم وجعل بلادهم ضائعة كأفغانستان والعراق؛ علينا أن ندرك أن هذا بسبب ذنوبنا، فنرجع إلى الله ، ونعود عودة صادقة إلى الله ، فالأمة بأكملها تحتاج إلى أمر بمعروف ونهي عن المنكر، وتحتاج إلى وعظ وتذكير ونصح، وتحتاج أن تكون هذه الحروب التي حصلت عبرة لنا لنعيد النظر في تعاملنا مع الله ، وهل نحن ملتزمون بطاعة الله بعيدون عن معصية الله ؟ إذا كان الصحابة رضوان الله عليهم مع فضلهم ومكانتهم هزموا يوم أحد بسبب معصية للنبي ﷺ عندما نزلوا من جبل الرماة، قال الله فيهم: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢] فكيف إذا كان الأغلب فينا يجتهدون في حطام الدنيا بأي أسلوب من الحلال والحرام؛ ولهذا يجب علينا أن نجتهد في تربية هذه الأمة على مستوى أنفسنا، وتربية أبنائنا وزوجاتنا وأقاربنا، ووعظ الناس في المساجد، ودعوة أكبر قدر من الشباب للتدين والعودة الصادقة إلى الله .
فهذا الأمر ما زلنا مفرطين ومقصرين فيه.
الأمر الثاني: ينبغي علينا أن نعلم أن هذه الأمة تضرب بخطط أمريكا بالذات، وأن أمريكا ظهرت بوجهها الكالح البغيض الخبيث للناس، وأنه إذا كان الاستعمار القديم يتلون للناس ويظهر لهم أنه يريد مصلحتهم، فإن أمريكا اليوم تظهر للناس بهذا الشعار الكاذب والناس غير مقتنعين، فقد سموا الحرب على العراق (حرب تحرير العراق) وكأن العراق محتل وهم يريدون تحريرها! مع أن كل إنسان يعلم أن هؤلاء جاءوا لاحتلال هذا البلد وقد فعلوا، وخطط أمريكا لا تقف عند الحرب فقط، بل تتجاوز ذلك إلى تحرير المرأة وإفسادها وإخراجها من بيتها حتى تخالط الرجال، وتتجاوز ذلك لتغيير المناهج، فبعد احتلال العراق تسعى أمريكا لتغيير المناهج العراقية، بحجة أن هذه المناهج تمجد صداماً، فهم يريدون أن يزيلوا طاغوتاً ليأتوا بطاغوت آخر يمجدونه، كالحضارات السامرية والآشورية التي كانت موجودة في العراق، والتي كفرت بالأنبياء والمرسلين، كما يحصل في كثير من بلاد المسلمين أنهم يمجدون الفراعنة أو غيرهم من أصحاب الجاهلية القديمة.
أيضاً: أمريكا تريد إفساد بلاد المسلمين من الداخل، ومع الأسف لها عملاء في كل مكان، فلها عملاء في العراق عن طريق المعارضة العراقية التي يرتبون لها ويتعاونون معها، وكانوا يدفعون أمريكا لضرب العراق قبل أن تبدأ الحرب، وهؤلاء العملاء هم الذين يتحدث عنهم أهل العلم باسم المنافقين أي: (الطابور الخامس)، وهم أيضاً العلمانيون الذين يريدون تغيير هوية الأمة وعقيدتها ويريدون مسخ الأمة، وجعلها تابعة لعدوها، ولهذا يجب علينا أن نقف في وجه هؤلاء، وأن نرفض كل ما يريدونه وكل ما يخططون له، وهذا يتطلب منا نحن الدعاة إلى الله والمصلحين أن نكون إيجابيين، فإذا رأينا منكراً من المنكرات لا نسكت، وما تنتشر المنكرات إلا بسبب سكوتنا، فلو رأينا منكراً في صحيفة اتصلنا على الصحيفة وتكلمنا معهم بكلام مهذب ومؤدب وحسن فإننا سنؤثر بإذن الله، وإذا رأينا منكراً عاماً نكتب لولي الأمر أو لولي العهد أو لوزير الداخلية، أو لأي جهة من الجهات، بأسلوب مهذب مؤدب ونستدل بالقرآن والسنة فإن الكلام حينئذٍ سيكون له وقع بإذن الله.
فلا تظن أنك إنسان لا قيمة لك، فأنت لك كيان، وأنت جزء ممن سيقع عليه أي قرار يتخذ في أي بلد من البلاد الإسلامية ومنها بلادنا.
فالهجمة الأمريكية عامة على كل البلاد الإسلامية فليست خاصة بالعراق وأفغانستان، نعم هي في العراق وأفغانستان على شكل حرب مسلحة فقد دمروا هذه البلاد واستحلوها، وهذه الصورة من صور الحملة.
وهناك حملة من نوع آخر، وهي تغيير هوية الأمة ومحاولة تغيير عقائد المسلمين وإضلالهم، ولهذا تحدث أهل العلم عن كيفية مواجهة مثل هذه المشكلة وكان لهم كلام واضح وبين في هذه القضية، ومنه إنكار هذا العدوان الظالم والذي لا يشك مسلم في كونه ظالماً.
والأمر الآخر: أنهم ينبهون الشباب أن يكون لهم دور في إصلاح أمتهم، قبل أن تحصدهم طائرات وصواريخ العدو، فلكل شاب في بلاد المسلمين دور إصلاحي وأثر في بلاد المسلمين، وهذا الدور الإصلاحي وهذا الأثر يجعلان له موقعاً من التأثير، وليس من المعقول ولا من المطلوب لا شرعاً ولا عقلاً أن يترك الدعاة مواقعهم في الأمة ليذهبوا ليقاتلوا هنا أو هناك وتترك الأمة ضائعة مثل الشياة في الليلة المطيرة.
فالدعاة إلى الله المصلحون هم صمام الأمان بالنسبة للأمة، وهم
стр. 45
رد القول بأن توحيد الربوبية أول واجب على المكلف
السؤال
ما هي علاقة فطرية التوحيد بأول واجب على المكلف؟
الجواب
سبق أن أشرنا وقلنا: أن معرفة الله وإثبات وجود الله فطري عند الإنسان، وأن توحيد الربوبية مفطور عليه الإنسان، فترتب على هذا: أن أول واجب على الإنسان هو أن يعبد الله ؛ لأنه لو كان أول واجب هو الفطرة كان هذا تحصيل حاصل، وتحصيل الحاصل ممتنع كما ذكره أهل العلم.
стр. 46
الواجب على المسلم تجاه المنكرات
السؤال
ما حكم من رأى فتنة ولكن لا يستطيع إنكارها ضعفاً منه أو ليس عنده علم؟ وهل يحاسب عليه يوم الحساب ويكون مسئولاً؟
الجواب
إذا وجدت المنكرات فلابد من إنكارها، والمقصود بالمنكرات الظاهرة الواضحة؛ لأن المسائل الاجتهادية والخلافية ليست من المنكرات، وإن كان إنكار ما خالف الدليل الواضح الصريح واجب أيضاً، ولهذا أنكر بعض الصحابة على بعض في بعض المسائل الاجتهادية.
والمنكر الواضح الصريح مثل أكل الربا وشرب الخمر والفواحش ونحو السب والشتم وترك الصلاة ونحو ذلك، فهذا كله إنكاره من الأمور الواجبة، ويكون تغييرها حسب استطاعة الإنسان وقدراته وإمكانياته، قال النبي ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان).
стр. 47
الحكم على الشيعة
السؤال
هل الشيعة مسلمون أم مشركون؟
الجواب
الشيعة طوائف متعددة فليست طائفة واحدة، فهناك الباطنية من الشيعة وهم مرتدون بإجماع العلماء، وهؤلاء الباطنية أمثال البهرة الأخانية والإسماعيلية، وتفصيل عقائدهم يمكن مراجعتها في مضانها، وقد كفرهم أهل العلم وقال عنهم العلماء: إنهم أكفر من اليهود والنصارى.
والنوع الثاني من الشيعة هم الروافض أي: الإثنا عشرية، وهم الذين يطلق عليهم الشيعة، وهم الذين يسبون أصحاب النبي ﷺ ، والذين يعظمون أئمتهم إلى درجة أنهم يجعلون للإمام دوراً في التشريع، وهم الذين يتعبدون عند قبور أئمتهم، فدين الشيعة الرافضة الإثني عشرية كفر، مخرج عن الإسلام، لكن الذي يكفر على التعيين هم أهل العلم فيهم، يعني: علماؤهم الذين يعرفون هذه العقائد الموجودة في الكتب هم الذين يكفرون؛ لأنهم يعرفون هذه العقائد، وكذلك من كان باحثاً منهم ويعرف العقائد ويقرها فهو بلا شك كافر، أما عوامهم فهم بحسب أحوالهم، فإن كانوا يعرفون هذه العقائد الكفرية ويقرونها ويعترفون بها، فإنهم كفار والعياذ بالله، أما إذا كانوا غير ذلك فلا يكفرون؛ ولا يصح للإنسان أن يكفر طائفة كاملة قد يوجد فيها أشخاص لا يعتقدون هذه العقائد، فينبغي إدراك هذه المسألة، فعوام الشيعة ليسوا كلهم كفاراً، فبعضهم قد لا يكون لديه هذه العقائد، وقد يكون عنده بدع، وقد يكون عنده بعض الكفريات، لكن لجهله أو لما عنده من التأويل لا يكفر؛ ولهذا يحتاج الأمر إلى تفصيل، فهو بحسب عقيدة هذا الشخص.
стр. 48
ثبوت أقسام التوحيد والرد على مدعي ابتداعها
السؤال
ما الرد على من يقول: إن أقسام التوحيد لم ترد عن النبي ﷺ ، ويتهمنا بأننا ابتدعنا في الدين؟
الجواب
أقسام التوحيد من حيث معناها ومن حيث مضمونها هي أقسام واردة في القرآن وفي السنة النبوية الصحيحة، أما من حيث الترتيب العلمي فهي أقسام ثلاثة أو قسمين، وصحيح أنها لم ترد عن النبي ﷺ ، لكن هذا باب واسع عند العلماء ويسمى باب الاصطلاح، والعلماء يقولون: لا مشاحة في الاصطلاح، فإذا كان معنى الاصطلاح صحيحاً فإن الاصطلاح يكون صحيحاً، وإذا كان الاصطلاح معناه فاسد، فإن الاصطلاح فاسد، ولهذا أنكر العلماء على اصطلاحات الصوفية مثل: الفناء والسكر والشطح وغيرها؛ لأنها تتضمن معاني فاسدة وباطلة.
وأيضاً أنكر العلماء على مصطلحات أهل الكلام مثل الجسم والعرض والحيز والجهة ونحو ذلك؛ لأنها تتضمن مصطلحات باطلة، بينما لم ينكر أهل العلم على مصطلحات النحاة، ولا على مصطلحات الأصوليين، ولا على مصطلحات الفقهاء، ولا على مصطلحات الحديث: حديث صحيح، وحديث ضعيف، وحديث شاذ، وحديث منكر، هذه كلها لم تكن موجودة في زمن النبي ﷺ ولا أصحابه، ومع هذا أصبحت جزءاً من العلوم المعيارية الأساسية.
فهذه المصطلحات صحيحة؛ لأن معانيها صحيحة، فإنه لا إنكار فيها، لكن الإنكار على المصطلحات التي تكون معانيها غير صحيحة، والعجيب! أنني رأيت كتاباً اسمه (التنديد بمن قسم التوحيد) وألفه أحد الضالين واسمه: حسن السقاف، وتكلم فيه على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وشيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: إن هؤلاء ضالون؛ لأنهم ابتدعوا فقسموا التوحيد بهذه الطريقة، وهذا ابتداع! وعرف التوحيد بأنه توحيد الله في ذاته وأسمائه وأفعاله، وهذا تعريف المتكلمين: أن يكون الله واحداً في ذاته لا قسيم له، وفي أسمائه وصفاته لا شبيه له، وفي أفعاله لا شريك له، وهل التقسيم لأهل الكلام حلال، وعند أهل السنة حرام؟ وكل أصحاب المناهج وأصحاب الكتب يقسمون، لكن أهم شيء هو: هل هذا التقسيم صحيح أو تقسيم فاسد؟ والاستدلال لا يكون بذات التقسيم ولا نقسم أبداً، ولا أحد يقول بهذا القول أبداً، فالذين قالوا: بأن أهل السنة مبتدعون لأنهم قسموا هذه الأقسام الثلاثة، فهم يقسمون أيضاً، وتقسيمهم هذا تقسيم غير شرعي، وهو تقسيم فيه خلل.
стр. 49
أصول العقيدة [٤]
لتوحيد الإلهية ركنان أساسيان, وهما عبادة الله والكفر بالطاغوت, ويتعلق بهذا التوحيد قواعد مهمة, منها كونه أعظم أعمال القلب, وضرورة تحقيق شروط كلمته, وتحقق النجاة لمن جاء بأصله يوم القيامة وإن عذب, وغير ذلك من القواعد.
стр. 50
تعريف العبادة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
قد عرف أهل العلم العبادة بتعريفات متعددة، منهم من عرف العبادة في ذاتها، ومنهم من عرف العبادة التي هي فعل العبد بعد أن يفعلها، فقد عرفت بأنها اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، هذا التعريف هو الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أول كتاب (العبودية) وهو تعريف لفعل العبد، وهو تعريف لحقيقة العبادة في نفسها، والعبادات في ذاتها تشمل الدين كله، فهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، ولهذا بين حقيقة العبادة نفسها وبين فعل العبد اتصال وثيق لا يمكن الفصل بينهما إلا نظرياً، يعني: يمكن نتخيل في الجانب النظري أن هناك عبادة بدون فعل، فنسمي هذه العبادة بدون فعل: أنها كمال الذل مع كمال المحبة، ويمكن أن نتخيل أن هناك فعلاً ونسميه حينئذ: الاسم الجامع لكل ما يحب الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وإلا فالحقيقة فعل العبادة مع تلبس العبد بها مركبان بعضهما من بعض، لا يفصلان في الواقع، وإنما يتخيل الإنسان هذا الفصل فعرف العبادة في نفسها بتعريف، وعرف فعل العبد لها بتعريف آخر، وهما يصبان في إناء واحد وفي مكان واحد، ونلاحظ من خلال تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ للعبادة أن العبادة شاملة للدين كله، كما قال الله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، والعبادة لا يجوز أن تكون إلا لله ، فمن عبد غير الله فقد وقع في الشرك ونقض التوحيد.
стр. 51
أركان توحيد الألوهية
من القواعد المتعلقة بتوحيد الألوهية: أن لتوحيد الألوهية ركنين: الركن الأول: عبادة الله.
الركن الثاني: الكفر بالطاغوت.
стр. 52
الركن الأول: عبادة الله تعالى
فأما عبادة الله فمعناها: فعل العبادة لله ، مثل: التعبد لله بالصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، والذبح، والدعاء، والاستغاثة، والنذر، ونحو ذلك من أنواع العبادات التي يتقدم بها الإنسان لله كالسجود، والركوع، والخضوع، وحلق الرأس تعبداً، والذهاب إلى المناسك، ونحو ذلك، كل هذه تعتبر من العبادة، ولكن هذه وحدها لا تكفي في توحيد الألوهية، بل لا بد أن ينضاف إليها الكفر بالطاغوت، ولهذا أخبر الله أن الأنبياء والمرسلين جاءوا بهذين الأمرين، جاءوا بعباد الله ، وكذلك جاءوا بالكفر بالطاغوت، يقول الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].
ويقول الله : ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦].
قال العلماء: إن العروة الوثقى: هي لا إله إلا الله، وسبق أن أشرنا في القاعدة الأولى أن لا إله إلا الله هو توحيد الألوهية، ونحن إذا جئنا إلى هذين الركنين في توحيد الألوهية: عبادة الله، والكفر بالطاغوت نجد أن معناهما هو نفس معنى لا إله إلا الله، فلا إله إلا الله كلمة مركبة من نفي وإثبات، والنفي مأخوذ من قوله: (لا إله)، والإثبات مأخوذ من قوله: (إلا الله)، فالإثبات هو معنى عبادة الله، والنفي هو الكفر بالطاغوت، والطاغوت: هو اسم عام لكل معبود أو متبوع أو مطاع من دون الله وهو راض، فكل معبود أو متبوع أو مطاع من دون الله وهو راض فهو طاغوت، فالأصنام طاغوت، والأوثان طاغوت، والقبور التي تعبد من دون الله طواغيت، والحكام الذين يحكمون بغير شريعة الله ويبدلون شريعة الله تعالى طواغيت، والكهان الذين يدعون علم الغيب، وينسبون أنفسهم للحديث عن المغيبات التي لا يعلمها إلا الله طواغيت، ولهذا عند الكلام حول الآية السابقة وهي قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]، تعددت تفسيرات أهل العلم في معنى الطاغوت، فقال بعضهم: الطاغوت هو الشيطان، وقال بعضهم: الطواغيت هم كهان كانوا في أحياء العرب يدعون أن الجن تنزل عليهم، ويتكلمون في المغيبات، وقال بعضهم: الطاغوت هو الحاكم بغير ما أنزل الله.
يقول الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣].
فقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾ [الأنعام:١٥٣]، قال بعضهم: اتباع الرسول، وقال بعضهم: القرآن، وقال بعضهم: الإسلام، وقال بعضهم: الإيمان، وكل هذه المعاني هي من الصراط المستقيم، ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مقدمته النفيسة لأصول التفسير أنهم قد يذكرون في تفسيرهم أحياناً مثالاً واحداً، ولا يعني ذكرهم لهذا المثال أنهم ينفون ما عداه، فالذين قالوا عن الطاغوت بأنه الشيطان، لا يعني هذا أنهم يرون أن الأصنام ليست طواغيت، أبداً، وإنما هم ذكروا مثالاً على الطاغوت؛ لأن الشيطان يأمر الناس بالشرك، والشرك هو حقيقة الطاغوت، ولهذا كل من عبد غير الله فقد حصل منه الكفر والعياذ بالله، وأصبح من الطواغيت.
стр. 53
مكانة الحكم والتشريع من العبادة
بعض أهل العلم لهم تقسيم فيما يتعلق بالعبادة، يقسمون العبادة إلى قسمين: قسم عبادة النسك، وقسم عبادة الحكم، والتشريع والاتباع، ويعتمدون في التقسيم إلى أنواع العبادة نفسها، فإن أنواع العبادة إذا نظرنا فيها نجد أنها تعود إلى أمرين: الأمر الأول: التنسك لله ، مثل: الدعاء والذبح والنذر ونحو ذلك، ومنها ما يعود إلى الاتباع والطاعة، فيكون الحكم والطاعة المطلقة لله .
وعلى كل حال سواء كان هذا التقسيم دقيقاً أو ليس بدقيق، فإن الحكم والتشريع والطاعة المطلقة هي من جنس العبادة، ولا يجوز للإنسان أن يحكم بغير ما أنزل الله، ولا أن يشرع بغير ما أنزل الله، ولا أن يتبع اتباعاً مطلقاً غير ما أمر الله به، ولهذا تأملوا قول الله : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٤٠].
فقوله: ((إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ)) هذا يدل على أن الحكم من العبادة، ولهذا جعل من أطاع واتبع من شرع بغير ما أنزل الله، وجعل للناس شريعة غير شريعة الله ، جعله ممن اتخذ هؤلاء أرباباً، فقال الله عن اليهود والنصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١].
واتخاذهم للأحبار والرهبان أرباباً لا يعني أنهم كانوا يصلون لهم، ويقدمون لهم أنواع العبادات، وإنما كانوا يشرعون لهم فيتبعونهم في هذا التشريع، ولهذا جاء في حديث عدي بن حاتم الطائي ﵁ عندما قال للنبي ﷺ في آية سورة التوبة: (نحن لا نعبدهم -وقد كان عدي بن حاتم من النصارى- فقال النبي ﷺ : ألا يحلون لكم الحرام فتتبعونهم؟ قال: بلى، قال: ألا يحرمون عليكم الحلال فتتبعونهم؟ قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم).
إذاً: تغيير شريعة الله كفر مخرج عن الملة، واتباع من شرع بغير ما أنزل الله عن رضا ومعرفة وعلم فهذا أيضاً كفر كامل، يعني: المشرع الذي بدل الشريعة كافر خارج عن الإسلام، وكذلك الذي أطاعه عن علم ومعرفة وقناعة، فهذا أيضاً كافر خارج عن الإسلام.
ولهذا قال العلماء: إن الديمقراطية كفر، بعض الناس ينظر إلى آليات في الديمقراطية مثل: الانتخابات وحق الانتخاب، وحق الاجتماع، وحق الاختيار، ونحو ذلك من الحقوق العادية التي حصلت من جراء الديمقراطية، أما الديمقراطية كمنهج فهي حكم الشعب للشعب، يعني: أن يحكم الشعب نفسه، والحكم عندهم كلمة عامة تشمل أن يشرع الناس لأنفسهم بعقولهم ما يظنون أنه يهديهم إلى أحسن السبل وأفضل الطرق، فهم يقومون بتوزيع أي شعب من الشعوب إلى دوائر، وكل دائرة ترشح نائباً عنها، فيجتمع هؤلاء النواب، ثم بعد ذلك يبدءون في التشريع، ويحق لهؤلاء النواب، أو من يوكله النواب مثل: لجنة التشريعات أن تشرع للناس في كل باب من الأبواب ما يحلو لها، ولا يصح لأحد أن يعترض على هؤلاء النواب بأن عملهم هذا مخالف لشريعة الله، فمثلاً: قد يرون أن من المصلحة فتح باب الدعارة والزنا في البلاد، وأن تكون مقننة، وأن تكون تابعة لوزارة الصحة حتى لا يحصل انتشار (للإيدز)، وحتى لا تحصل بعض الأمراض الخطيرة، وهكذا الأمر في الخمر والربا وأي باب من الأبواب المحرمة، فإذا قيل لهم: إن هذا أمر حرمه الله، قالوا: نحن الآن في عملية ديمقراطية، والدين والقضايا الدينية مكانها المسجد، أما مجال الحكم ومجال التشريع فإنه لا مجال للدين فيه! ولهذا كانت الديمقراطية صورة من صور العلمانية، ولهذا يا إخواني! الديمقراطية كفر مخرج عن الإسلام، هذا في جانبها التشريعي، أما في جانب الآلة، يعني: كيف تتم عملية الشورى، وهي عملية انتخابات، فلو قالوا: نريد أن نوزع البلد إلى دوائر ثم تحصل انتخابات، ويقوم مجلس بوضع قوانين إدارية، مثل: قوانين المرور، وقوانين الإجراءات الإدارية المعتادة، وأما مسائل الحلال والحرام فإنها أمر مقطوع بها، وأنها في دين الله واضحة وبينة ولا مجال للكلام فيها، إذا كان بهذا الأسلوب فإنه لا يكون كفراً، لكنه يكون مخالفاً للأسلوب والمنهج النبوي في الشورى، فإن المنهج النبوي في الشورى أن الناس لا يتساوون، بينما في الديمقراطية الناس يتساوون، عندهم صوت العجوز التي في بيتها لا تفقه شيئاً مثل صوت العالم الذي عرف شريعة الله ودرسها دراسة دقيقة، وعندهم صوت الشاب المراهق الذي لم يعرف الحياة بعد، مثل صوت صاحب الخبرة ونحو ذلك، وهذا لا شك أنه تسوية فيما فرق الله فيه، ولهذا كانت طريقة المسلمين وطريقة أهل الإسلام في تقديم الشورى هي أفضل الطرق؛ لأن تقديم الشورى يتم عن طريق أهل الحل والعقد، وأهل الحل والعقد في الأمة هم الأشخاص الأمناء الأتقياء الثقات، الذين يحسنون التدبير ولهم تأثير
стр. 54
الركن الثاني: الكفر بالطاغوت
الركن الثاني: الكفر بالطاغوت، وهو يقتضي عدة أمور: الأمر الأول: اجتناب هذا الطاغوت وتركه، بمعنى ألا يكون الإنسان ممن يعبد غير الله فيعبد هذا الطاغوت.
الأمر الثاني: البراءة والبغض للطواغيت والشرك.
الأمر الثالث: البراءة والبغض لأصحاب الطاغوت وأتباع الطاغوت، فمن لم يكفر الطاغوت فهو كافر، يعني: لو أن إنساناً اعتقد أن الطاغوت غير كافر، فهذا لا شك أنه وقع في مكفر، لكن الكفار نوعان: كفار يعلم كفرهم من الدين بالضرورة، مثل: اليهود والنصارى والمشركين، وكفار هم من المنتسبين إلى الإسلام ووقعوا في الردة، وقد يخفى حالهم على بعض المسلمين، فمن لم يكفر اليهود والنصارى والوثنيين فإنه قد وقع في الكفر؛ لأنه مكذب لخبر الله الذي كفرهم صراحة في القرآن.
وأما من كان ممن ينتسب إلى الإسلام ووقع في مكفر، وارتد عن الدين، والتبس حاله، ثم لم يكفره شخص من الأشخاص، فإنه لا يحكم عليه بالكفر بسبب ذلك؛ لوجود الالتباس، وعدم وضوح حال مثل هذا الإنسان، فينبغي التفريق بين هذين الأمرين.
إذاً: قاعدة: من لم يكفر الكافر فهو كافر، المقصود بها الكافر الأصلي الواضح الكفر، مثل: اليهود والنصارى والوثنيين عموماً بكل أنواعهم، فهؤلاء من لم يكفرهم مع وضوح حالهم، وإخبار الله بتكفيرهم فهذا وقع في الكفر، أما المرتد الذي يلتبس حاله على بعض المسلمين فهذا من جنس المنافقين، فإذا وقع منه الكفر، وأقيمت عليه الحجة، ووجدت فيه الشروط، وانتفت عنه الموانع؛ فإنه يكون كافراً، لكن من التبس عليه حال مثل هذا الإنسان فلم يكفره، فإنا لا نقول: إن من لم يكفر الكافر فهو كافر في مثل هذه الحالة، فهذه حالة فيها التباس، ولا يكفر أحد لعدم تكفيره لها، لوجود هذا الالتباس.
стр. 55
ضرورة تحقيق توحيد الألوهية
من القواعد المتعلقة بتوحيد الألوهية: أن توحيد الألوهية هو أعظم أعمال القلب التي ينبغي على الإنسان أن يحصلها، فتوحيد الألوهية هو محبة الله، والخوف من الله، ورجاء الله، والثقة بالله ، وتعظيم الله ، ولهذا ينبغي على الإنسان أن يحصل هذه المقاصد العظيمة، وهذا يدعونا إلى الإشارة إلى أن توحيد الألوهية يزيد وينقص، فليس كل المسلمين على درجة واحدة في هذا التوحيد، فهو مثل الإيمان يزيد وينقص، يزيد بطاعة الله ، ومعرفة حقه، والتعلق به، ومحبته، والخوف منه، والإنابة إليه، والثقة به، فهذا يكون إيمانه وتوحيده عالياً.
وأما من ضعف توحيده وضعفت محبته لربه، وضعف خوفه من الله ، وضعف توكله واعتماده على الله، وضعف إيمانه فإنه يكون حينئذ توحيده ضعيفاً أيضاً.
ولهذا يا إخواني! مع الأسف وقد سبق أن نبهت على هذه المسألة: وهي أن كثيراً من الدارسين لأمور العقيدة تجدهم يركزون على الأركان والشروط، والأنواع، والأدلة، ونحو ذلك، وهذا أمر طيب ومطلوب، وهو سبب في حفظ الدين الصحيح واستمراره إلى قيام الساعة بإذن الله تعالى، وهذه من مميزات وخصائص هذه الأمة، لكن هذا وحده ليس كل العقيدة، بل العقيدة يدخل فيها علو الإيمان، وقوة التوحيد، عن طريق محبة الله، والخوف من الله، والتعلق بالله ، والثقة بنصر الله، انظروا إلى كثير من المسلمين اليوم ونحن جزء منهم، ممن لم يقارف ولله الحمد في الظاهر أعمالاً شركية، مثل: الطواف حول القبور، والذبح لغير الله، ونحو ذلك، لكن مع ذلك تجد محبته لله فيها ضعف، وخوفه من الله فيه ضعف، وتوكله على الله فيه ضعف، وثقته بالله فيها ضعف، وتجد كثيراً من الناس عندما يرى تكالب الأعداء، ويرى قوة أهل الباطل يضعف يقينه بالله ، بل بعضهم ربما شعر باليأس، بل ربما زاد بعضهم إلى درجة الشك في نصرة هذا الدين، مع أن من العقائد الأساسية في دين الإسلام تصديق خبر الله فيما يتعلق بانتصار هذا الدين، ولهذا لابد من تجديد الثقة وتجديد الإيمان وتجديد العقيدة في نفوسنا، لأننا نجد بعض طلاب العلم قد يحسن تقرير مسائل العقيدة من ناحية التقرير النظري، وتفصيل المسائل، وترتيبها، وذكر القواعد والشروط والموانع والقوادح وما يتعلق بهذه المسائل، إلا أنه من حيث التطبيق العملي لتوحيد الألوهية والإيمان ضعيف، فتجد أنه يمكن أن يعصي الله بسهولة، وتجد أن محبته لله فيها ضعف، وتجد أن ثقته بالله ضعيفة، ولهذا يا إخواني! نحن بحاجة إلى أن نربط كل شئون الحياة بهذه العقيدة، حتى مجال الأخلاق؛ لأن كثيراً من الناس يتصور أن الأخلاق ليست مرتبطة بالعقيدة، ويتصور أن العقيدة هي مسائل نظرية وأبواب معينة محددة موجودة في الكتب فقط، لا، الأخلاق مرتبطة بالعقيدة ارتباطاً وثيقاً، فالثقة بنصر الله والصبر، وما يتعلق بالشجاعة ونحو ذلك كلها مرتبطة بالعقيدة.
نحن بحاجة إلى التفكير دائماً في مسألة أخلاق الأزمات، هذا الموضوع يمكن أن أطرحه عليكم، وأتمنى في اللقاء القادم من كل واحد من الإخوة أن يذكر خلقاً من الأخلاق، أو يذكر مجموعة أخلاق ينبغي على المسلم أن يتحلى بها في وقت الأزمات؛ لأنه عندما تحصل أزمة من الأزمات، أو مشكلة من المشكلات في بلاد المسلمين، فإن هناك مجموعة من الأخلاق الضرورية والأساسية التي ينبغي على المسلم أن يتحلى بها في هذه الأزمات، وهذه الأخلاق وهذه الآداب التي ينبغي على المسلم أن يتحلى بها في هذه الأزمات نحن بحاجة إلى أن نكتبها.
أنا أذكر لكم مجموعة مثلاً منها: الصبر، عندما تحصل أزمة، والأزمة طبيعتها فيها شدة وفيها ابتلاء، قد يكون فيها قتل، وقد يكون فيها أذى، ولهذا نحن بحاجة إلى الصبر، والصبر ليس صبراً سلبياً، يعني: أن يتحمل في نفسه فقط، لا، بل الصبر على رفع الأزمة، والصبر على رفع الأزمة يحتاج إلى عمل، ويحتاج من الشخص أن يكون إيجابياً.
من الأخلاق مثلاً في الأزمات: الشجاعة، ألا يكون الإنسان ضعيف القلب، وأنه بمجرد حصول أزمة من الأزمات ينهار مباشرة.
من أخلاق الأزمات: الزهد في الدنيا؛ لأن التعلق بالدنيا هو سبب الانهيار في الأزمات، فمثلاً: عندما يكون كل شيء موجود في حياة الإنسان، وفجأة يفقد هذه الدنيا، فإنه ينهار مباشرة، لكن عندما يكون لديه خلق عظيم وهو الزهد، ويتعامل مع الدنيا على أنها في اليد، ثم بعد ذلك إذا زالت عنه فإنه لا يحزن وإنما يؤمن بقضاء الله وقدره، وهذا يدعونا إلى إشارة أخرى وهي الإيمان بالقضاء والقدر فيما يتعلق بالأزمات.
ومن أخلاق الأزمات: الأمانة، فنحن عندما تحصل أزمة من الأزمات نحتاج إلى وجود أمانة، وينبغي للمسلم أن يحافظ على أمانته، وأن يكون أميناً فيما يتعلق بأمور المسلمين.
أيضاً من أخلاق الأزمات: أن يكون الإنسان إيجابياً فيما يتعلق بمصالح المسلمين، يعني: لا يكون شخصاً لا ينظر إلا إلى نفسه، بعض الناس ينظر إلى نفسه، أنا التقيت بأحد الشباب الأذكياء أصحاب الفطنة، يقول: والله يا أخي! لو صا
стр. 56
شروط لا إله إلا الله
من القواعد أيضاً المتعلقة بمفهوم التوحيد: أن شهادة أن لا إله إلا الله لها شروط، لا يتم توحيد الإنسان إلا بتحقيق هذه الشروط، فليس المطلوب منا أن نقول شهادة أن لا إله إلا الله فقط، بل لابد من تحقيق هذه الشروط، وهذه الشروط هي:
стр. 57
الإخلاص المنافي للشرك
الشرط الأول: الإخلاص، وضد الإخلاص الشرك، ومعنى الإخلاص هنا: أن يكون إسلام الإنسان وتوحيد الإنسان وعبادة الإنسان لله، وأن يكون دخوله في هذا الدين العظيم لله ، لا يبتغي به دنيا، ولا يبتغي به جاهاً، ولا يبتغي به أي أمر أو مأرب من المآرب الدنيوية، وإنما يكون ذلك لوجه الله ، هذا الشرط المهم ينقضه ويبطله الشرك، فكل أنواع الشرك تبطل هذا المقصد العظيم، يقول الله : ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [البينة:٥].
стр. 58
العلم المنافي للجهل
الشرط الثاني: العلم، وضده الجهل، ومعناه: أن يعلم الإنسان معنى شهادة أن لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله .
فلو أنه جهل معناها، وظن أن معناها: لا خالق إلا الله، فإنه يكون قد نقض هذا الشرط، وهذا يدعو إلى الإشارة إلى أمر خطير جداً، وهو أن كثيراً من الدراسات مع الأسف وبعض الدعاة إلى الله يقررون للناس في دروسهم ومحاضراتهم ومجالسهم أن لا إله إلا الله معناها: لا خالق إلا الله، فتجد أنه إذا شرح لا إله إلا الله يبدأ ويتكلم عن خلق الكون، وتدبير الكون، وأنه لا مدبر إلا الله، ولا خالق إلا الله، وأنه لا يمكن لأحد أن يؤدي أي شيء إلا بالله ، وينسى جانب العبادة، وأن معنى لا إله إلا الله هي مباشرة في توحيد العبادة، وأن المطلوب من العبد هو إفراد الله بالعبادة، فلو أنه علم أن الله هو الخالق والرازق والمحيي والمميت، وأنه لا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا محيي إلا الله، ولا مميت إلا الله، لكنه مع ذلك لم يفرد العبادة لله، وأشرك مع الله فإن ذلك لا ينفعه، بل لابد أن ينضاف إليه اعتقاد وعمل العبادة لله دون غيره.
ولهذا كان المشركون يعتقدون أن الله هو الخالق وحده، والرازق والمحيي والمميت، وكانوا يعبدون هذه الأصنام من أجل أن تقربهم إلى الله ، ويعتقدون أن لها مكانة عند الله، واللات التي كانوا يعبدونها هي باسم رجل كان يلت السويق على صخرة في الطائف ويقدمه للحجاج، وكان رجلاً فاضلاً كريم الخلق، فلما مات عكفوا على قبره، واعتقدوا البركة فيه، واعتقدوا أن هذا رجل له مكانة عند الله، فأصبحوا يتعبدون له، ويتوقعون أنه سيشفع لهم عند الله، وأن الله سيقبل هذه الشفاعة، فصارت العبادات لهذا اللات الذي كان يلت السويق وليست لله .
مع أنهم كانوا يعتقدون أن الخالق هو الله، والرازق هو الله، ويعظمون البيت، ويطوفون به، ويقولون: نحن الحمس، يعني: حماة البيت، وكانوا يحجون ويذهبون إلى منى ومزدلفة، وكانوا يذبحون لله، وينحرون لله ، ولم ينفعهم ذلك بشيء لما أشركوا غير الله .
إذاً: لابد من العلم بلا إله إلا الله، يقول الله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩].
стр. 59
الصدق المنافي للكذب
الشرط الثالث: الصدق، يعني: اعتقاد أن هذا الدين صدق وليس بكذب، وعكس الصدق الكذب، فمن اعتقد أن لا إله إلا الله كذب، ومن اعتقد أن هناك معبودات يمكن أن تعبد مع الله فقد وقع في الشرك، ولهذا الذين يعتقدون أن للرسول ﷺ خصائص الألوهية، وأنه يستجيب لدعاء الناس التي لا يقدر عليها إلا الله، فهؤلاء وقعوا في الشرك من هذا الباب، فإنهم لم يصدقوا أنه لا إله إلا الله، بل اعتقدوا أن النبي ﷺ يمكن أن يدعى من غير الله، وكذلك الأولياء وغيرهم، فمن اعتقد أن ولياً من الأولياء يمكن أن يعبد من دون الله مع الله أو من دونه، فإنه يكون قد وقع في الشرك.
стр. 60
المحبة المنافية للبغض
الشرط الرابع: المحبة، وعكس المحبة البغض، والمحبة أن يحب الله ، ويحب توحيد الله ، ومن أبغض عبادة الله، أو أبغض دين الله، أو أبغض الله، أو أبغض الرسل الكرام فإنه يكون حينئذ قد وقع في الشرك.
стр. 61
اليقين المنافي للشك
الشرط الخامس: اليقين، وضد اليقين الشك، فمن شك في أنه لا إله إلا الله فإنه يكون حينئذ قد وقع في الشرك؛ ولهذا من أعظم الأسباب التي توصل إلى الشك، أولاً: عدم دراسة ومعرفة حقوق الله على الإنسان، وعدم إدراك مكانة الله ، وأسماء الله وصفاته، فإن من جهل هذه المقامات العظيمة من أسماء الله وصفاته، وجهل حكمة هذا الدين، وعظمة هذا الدين، فإنه قد يقع في نفسه شيء من الشك.
ثانياً: كثرة الذنوب والمعاصي، فإنها تورث الإنسان الشك في دين الله.
إذاً: ينبغي للإنسان أن يحرص على أمرين: الأمر الأول: أن يتعلم أسماء الله وصفات الله ، وعظمة هذا الدين.
الأمر الثاني: أن يبتعد عن الذنوب والمعاصي، ويقترب من الله بالطاعة.
إن السبب الذي جعل بعض شباب المسلمين في بلاد المسلمين في هذه الأيام يعبد الشيطان، كظاهرة عبادة الشيطان التي حصلت في مصر، وأيضاً في لبنان، وفي بعض البلاد، وهذه الظاهرة أصبحت في أكثر البلاد الإسلامية، وإن كان بعضهم يسترها، فأمر غريب أن يعبد ألد أعداء الإنسان، فالسبب الذي جعلهم يصلون إلى هذه المرحلة المخدرات والجنس، حتى إنهم صاروا يبحثون عن الشذوذ مثل: الجنس الجماعي، أو الجنس المثلي، الرجل مع الرجل، والمرأة مع المرأة، أو الجنس الشاذ الغريب، أو إرادة الاستغراب إلى درجة أنهم من طقوسهم يشربون الدماء، أو يتعاطى الجنس أثناء نزيف الدم منه، أو ممن يفعل به هذه الفاحشة والعياذ بالله.
ولهذا أصبحت لهم طقوس ولهم أشكال معينة، ولهم اهتمامات معينة.
فالسبب الذي جعلهم يعبدون غير الله هو ضعف المعرفة بالله والإيمان به، وضعف التعبد له، وكثرة الذنوب والمعاصي، وعدم شعور الإنسان بخطورة هذه الذنوب، فهذا الأمر يورث والعياذ بالله بداية الشك، ثم يصل إلى درجة التكذيب، ثم يصل إلى درجة الشذوذ والاعتراض، ولهذا تكثر هذه العبادات الشيطانية عند أصحاب الأموال الكثيرة، أو عند الفقراء المعدمين جداً، يعني: إما عند هؤلاء أو عند هؤلاء؛ لأن الجميع يريد أن يرى شيئاً غير طبيعي.
стр. 62
الانقياد والقبول
الشرط السادس والسابع: الانقياد والقبول، يعني: أن يرضى المرء بشريعة الله؛ فإن الرضا هو القبول، أن يكون قابلاً وراضياً بهذه الشريعة.
ومن معاني الرضا: أن يكون منقاداً لهذه الشريعة، فمن لم يقبلها ولم يرض بها، فيعتبر رافضاً للشريعة مثل: اعتقاد أن هذه الشريعة لا تصلح للمجتمع الصناعي الذي نعيش فيه، أو أنها لا تصلح للقرن العشرين، يقولون: نحن في القرن العشرين، عسانا في القرن المائة ليس في القرن العشرين، فماذا كان؟ شريعة الله تصلح لكل القرون، وهي هادية للبشرية في كل أحوالهم، وانظروا إلى أحوال الذين تكبروا عن الشريعة.
إذاً: لابد من الرضا ولا بد من القبول لدين الله ، وأيضاً لا بد من الانقياد، ومعنى الانقياد: أن الإنسان إذا علم وعرف معنى لا إله إلا الله لا بد أن ينقاد لهذه الكلمة العظيمة، وذلك بأن يعبد الله لا يعبد غيره، فإذا قيل لك: فلان منقاد للا إله إلا الله فمعنى ذلك: أن هذا الشخص لا يتأله إلا لله، لا يصلي إلا لله، لا يصوم إلا لله، وفي نفس الوقت يبرأ ويبغض كل مخالف لشريعة الله .
وزاد بعض العلماء على هذه الشروط: الموت عليها، يعني: أن يموت على لا إله إلا الله، فمن مات على غير لا إله إلا الله فلا فائدة مما سبق، ولهذا إذا أبطل الإنسان توحيده ونقضه، فإنه وإن كان قبل ذلك يتعبد لله فقد نقض هذا البنيان وهدمه.
стр. 63
ثمرة المجيء بأصل التوحيد يوم القيامة
من القواعد المتعلقة بمفهوم توحيد الألوهية: أن من جاء بأصل التوحيد فهو ناج عند الله، ولو عذب في النار قبل ذلك.
وأساس التوحيد أن يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وأن يأتي بالشروط السابقة، والشروط السابقة هي: الإخلاص، واليقين، والعلم، والمحبة، والانقياد، والقبول، والرضا، والموت عليها، ونحو ذلك، كل هذه الشروط تلاحظون أن فيها أصلاً وفيها زيادات، فالعلم فيه شيء أساسي لا بد أن يعرفه، وفيه زيادة مثل: معرفة صفات الله على التفصيل، ومعرفة أسماء الله على التفصيل، فمثلاً: المحبة ليست درجة واحدة وإنما هي درجات، وكذلك اليقين ليس درجة واحدة وإنما هو درجات، فالمطلوب حتى يكون الإنسان مسلماً أن يأتي بهذه الشروط جميعاً، وأن يحققها.
والأصل في هذه الشروط جميعاً: هو القدر الذي يمنع من عكسها، يعني: لابد من وجود الإخلاص بحيث إنه يمتنع من الكفر، ولا بد من وجود اليقين بحيث لا يكون في قلبه شك، ولا بد من وجود المحبة بحيث لا يكون في قلبه بغض، ولا بد من وجود الرضا بحيث لا يكون في قلبه أو في نفسه شيء من الرد أو عدم الانقياد لشريعة الله ، وهكذا.
فمن جاء بأصل التوحيد فهو ناج عند الله، وهذا هو الذي يسميه العلماء: الإيمان المنجي عند الله ، حتى لو فعل شيئاً من الذنوب والمعاصي، فإنه لا بد له من دخول الجنة ولو عذب قبل ذلك في النار، ويدل على ذلك حديث الشفاعة الكبرى، فإن عصاة الموحدين يدخلون النار، ويشفع لهم الأنبياء والصالحون، ويشفع لهم النبي ﷺ ، ويخرج الله أقواماً بدون شفاعة، بل برحمته يخرجهم الله بفضله ورحمته، ويكونون من أهل الجنة، وذلك أن أصل التوحيد موجود عند هؤلاء جميعاً، فإن الجنة لا يمكن أن يدخلها كافر أبداً، لابد لكل من يدخل الجنة أن يكون من المسلمين، ولهذا مع الأسف نجد أن كثيراً من كتاب الصحافة، أو بعض الذين يكتبون ويؤلفون من أنصاف المثقفين أو المشتغلين بالثقافة، يتكلمون في دين الله بغير علم، فتجد أن بعضهم معجب بزعماء وأذكياء غربيين، فيكتب ويقول: إن من السذاجة والسطحية أن تعتقد مثلاً أن الفلاح سيدخل الجنة وهو جاهل، وقد يكون فيه حمق وغباء؛ لأنه يقول: لا إله إلا الله، ومن المسلمين، ويصلي في المسجد ويكون من المسلمين، وأن زعماء وأباطرة وبناة الحضارة؛ لأنهم مشركون يكونون في جهنم، مثل: فلان وفلان، ويبدأ يسمي لك مجموعة من المشركين ممن هم أصحاب الذكاء فعلاً، وأصحاب المعلومات فعلاً، وقد يكونون ممن بنوا الحضارة المادية فعلاً، نقول لهذا وأمثاله: لا ينفعهم ذلك بشيء، يقول الله : ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧].
عائشة ﵂ عندما سألت عن عبد الله بن جدعان، وكان عبد الله بن جدعان قد وقع على كنز في الجاهلية، وكان رجلاً كريم النفس، فكان يضع الأكل في كل مكان، ويجتمع عليه الفقراء والغرباء الذين يأتون لمكة من خارجها، وكان يكسي العاري، ويحمل الكل، ويعين على نوائب الحق، فقالت عائشة ﵂ للنبي ﷺ : (ألا ينفعه ذلك؟ فقال النبي ﷺ : لا، إنه لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين).
فلا ينفعه ذلك، يقول الله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨].
ولهذا تلاحظون أن بعض الكفار مثلاً عندهم جمعيات خيرية، أعني غير الجمعيات التنصيرية؛ لأن الجمعيات التنصيرية أصلاً أعمالها فاسدة، حتى لو كانوا يقدمون الطب للناس، وحتى لو كانوا يقدمون بعض الخدمات التي يسمونها بالخدمات الإنسانية، فما دام أنهم يدعونهم إلى الكفر فهذا يبطل عملهم والعياذ بالله، لكن هناك ناس من الغربيين ملاحدة لا دين لهم، وعندهم محبة ونزعة إنسانية، ويريدون أن يساعدوا الناس بغض النظر عن الأديان، فهؤلاء ما يقدمونه من أعمال فاضلة في الدنيا لا تنفعهم في الآخرة، لكن يعطون بقدرها في الدنيا، من الراحة، ومن التوفيق الدنيوي، أما في الآخرة فإنه لا يقبل إلا التوحيد.
انتهينا من القواعد المتعلقة بمفهوم توحيد الألوهية، وفي اللقاء القادم سنتحدث عن القواعد المتعلقة بأدلة توحيد الألوهية، وبالقواعد المتعلقة بقوادح توحيد الألوهية.
стр. 64
انكشاف الزيف الأمريكي في احتلال البلاد الإسلامية
بمناسبة الحديث عن الجمعيات التنصيرية، أقول: أصبح الأمر في غاية الانكشاف والوضوح أن هذه الدولة الظالمة الفاجرة أمريكا عندما استحلت بلاد المسلمين في العراق جاءوا باسم الخدمات الإنسانية وتقديمها للناس، وقد فتحوا مجالاً للجمعيات التنصيرية التي تدعو إلى العقائد الباطلة باسم الإنسانية، فهم دمروا بلاد المسلمين، دمروا المياه، ودمروا الكهرباء، ودمروا الصحة، ثم جاءوا باسم الإعمار وتقديم الخدمات الإنسانية! وكأن هؤلاء الأشخاص منكوبون من غيرهم، وهم نكبوا بهم، وهاهم ينكبون بالمسلمين من جهة أخرى بدعوتهم المسلمين إلى عقيدة ضالة، يريدون أن يخرجوهم من النور إلى الظلمات والعياذ بالله.
ومن الأشياء الثابتة الآن أن أمريكا أعطت بعض عقود الإعمار في العراق لبعض الشركات التي كشفت في أماكن مثل البوسنة أنها تحت غطاء إنساني تشتغل بتجارة الدعارة والعياذ بالله، فهم يأتون ببنات من أوربا الشرقية وروسيا، أعمارهن يتراوح بين اثني عشرة سنة أو أقل، وينظمونهن في شبكة دعارة، ويأتون بهن باسم الإعمار وإعادة الحاجيات الأساسية للناس! بهذا انكشفت الحملة الأمريكية في أوضح صورها، هي منكشفة من قديم، ودعاوى حقوق الإنسان، ودعاوى الديمقراطية، ودعاوى الحرية، ودعاوى ترفيه الشعب العراقي، ودعاوى أن البترول الموجود في العراق سيكون للعراقيين، وهم يحتلونه وينهبونه، ويعبثون به بهذه الطريقة، كلها مكشوفة، ولكن المسلم لا ييئس أبداً؛ لأننا نحن المسلمون بشكل خاص ميزنا الله بميزة عظيمة جداً، وهي أننا لا نعرف ولله الحمد الهوان، ولا نعرف انكسار النفس، ولا نعرف الخذلان، ولا نعرف اليأس والإحباط، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦].
تأملوا في بعض القراءات: ((وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ))، (وربيون) نسبة إلى الرب، يعني: ربانيون، أعمالهم لله ، والنتيجة مع أنهم قتلوا ومع أنهم حصل لهم ضرر دنيوي قال: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٤٦].
يعني: نفوسهم ليست ضعيفة تنكسر عند أول الهزيمة، أو أول نكبة تحصل، أو حتى ثاني أو عاشر أو مائة؛ لأن المسلم إذا كان متعلقاً بالله فإنه يكون في غاية الثقة، وفي غاية القوة، وفي غاية العزة، وفي غاية الشموخ، حتى ولو كان عدوه في الظاهر هو المنتصر؛ لأن الانتصار الحقيقي هو أن يثبت الإنسان على دينه، وأن يثبت على مبدئه، يواجه عدوه بشجاعة ورجولة، ويؤدي دوره الواجب عليه نحو هذا الدين، ونحو هذه الأمة، وأن يصلح قدر ما يستطيع، وأما الأمور الدنيوية مثل تحطيم البيوت، أو قتل الأطفال، أو قتل النساء، أو نقص المياه والأغذية والصحة ونحو ذلك كل هذه لا تضعف المسلم، صحيح أن هذا أمر يؤلمنا عندما يحصل للمسلمين، لكن كما قلت: إن هذا لا يضعف المسلم، ولهذا لو رأيتم البشارات العظيمة التي تحملها مثل هذه الأزمات لتعجبتم، بشارات عظيمة جداً تحملها هذه الأزمات، من أعظمها: انكشاف العدو بالنسبة للمسلمين، هذا في حد ذاته يعتبر ربحاً ومكسباً؛ لأن كثيراً من الصالحين كانوا من خلال خطبهم، ومن خلال دروسهم، ومن خلال برامجهم التي يقدمونها للناس يقولون: لا تصدقوا الدعاية الأمريكية الكاذبة التي تقول: نحن جئنا لراحة الإنسانية، ونحن جئنا لتقديم الحريات لهم، وكان هناك بعض المنتسبين إلى الإسلام ممن يشارك في تثقيف المسلمين ثقافة الهزيمة، كان لهم مجال يتكلمون، لكن الآن ليس لهم مجال، حتى هؤلاء المتأمركون أصبحوا ينتقدون أمريكا؛ لوضوح وانكشاف القضية بشكل كبير.
فهذه الصحوة ولله الحمد التي انتشرت في المسلمين تحتاج إلى دعم وتنشيط أكثر، وتحتاج إلى بذل أكثر، وعمل أكثر، وحقيقة أن كثيراً من الناس عندما يجد مشكلة من المشكلات لا يعالجها إلا بشيء واحد يضعه في ذهنه وهو قتال هؤلاء، أقول: صحيح أن قتال هؤلاء يقف على رأس العلاج لمثل هؤلاء، لكن لا يعني هذا أنه هو الحل الوحيد، هناك حلول أخرى، نحن نعيش في أمة ما زال كثير من أبنائها في غفلة، أنتم تلاحظون كم عدد الشباب الذين يتركون الصلاة مثلاً! كم عدد الشباب الذين يغفلون عن حقوق الله ! كم عدد الشباب الذين أصبحوا فريسة للخبث والخناء والفجور والفساد الأخلاقي الذي ينشره هؤلاء الغربيون، كثير جداً من أبنائنا نحن المسلمين بحاجة إلى أن ندعوهم إلى الله، إلى أن نصلحهم، ونجتهد في أن نربطهم بالله أكثر وأكثر، أسأل الله أن يوفقني وإياكم لكل خير إنه على كل شيء قدير.
стр. 65
الأسئلة
стр. 66
حكم استبدال الشريعة بالقوانين الوضعية ومحاربة الموحدين
السؤال
كثير من البلاد العربية استبدلت الشريعة بالقوانين الوضعية، وحاربت الدين بصراحة، وتبرأت منه، فما حال هذه الحكومات وحكمها؟
الجواب
الحقيقة أنه ينبغي أن ندرك قاعدة من القواعد الشرعية في هذا الباب: القاعدة هي: أن تبديل الشريعة كفر، وأن محاربة الموحدين ومعاونة الكفار عليهم يعتبر في حد ذاته كفراً أيضاً، ولكن تنزيل هذا على المعينين يحتاج إلى توافر شروط وانتفاء موانع.
والحقيقة أن كثيراً ممن وقعوا في مثل هذه الأعمال قد يكون وقع عن جهل أو عدم معرفة، وقد يكون وقع فيه عن علم وبصيرة، فإذا كان وقع فيه عن علم وبصيرة ومعرفة لما يترتب عليه، فإنه لا شك أنه وقع في الكفر والعياذ بالله، ولهذا لا بد من معرفة قاعدة أهل العلم فيما يتعلق بالمعينين، وأنه لا بد من وجود الشروط وانتفاء الموانع بالنسبة لهم.
стр. 67
حكم دخول مجالس النواب بدعوى الإصلاح
السؤال
من دخل مجالس النواب بغرض الإصلاح ولو بالقليل في الدول الإسلامية، ويقول: بدلاً أن يكون الحكم كله بغير ما أنزل الله نريد أن نغير ولو بشيء يسير، فما حكم من فعل هذا؟ وهل يلحق بهم أنهم من الطواغيت؟
الجواب
سبق أن تحدثت عن الديمقراطية، وقلت: إن الديمقراطية لها جانبان: الجانب الأول: أن يعطي التشريع لغير الله ، فهذا كفر مخرج عن الإسلام، وسبق أن أشرت إليه وبينته.
الجانب الثاني: أن يعتمد التشريع الرباني والشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالتشريعات، لكن يتخذ العمل الانتخابي كآلة من آلات المشاركة السياسية كما يعبرون، فهذه ليست كفراً، لكنها مخالفة للمنهج النبوي فيما يتعلق بطريقة الشورى، فهي ليست كفراً، لكن المطبق في كثير من بلاد المسلمين مع الأسف هو النوع الأول: وهو أن التشريع لغير الله ، وإن كان في الظاهر أن البعض يقول: إن الشريعة هي المصدر الأساسي للحكم، فالمصدر الأساسي يدل على أن هناك مصادر أخرى، والواجب هو أن يكون المصدر الوحيد، وألا يكون هناك أي مصادر أخرى؛ لأن فيها غنية ولله الحمد، ومن اتخذ مصدراً آخر غيرها فهو مثل من يقول: إن هناك معبوداً غير الله .
في مثل هذه الحالة إذا قال بعض الدعاة: أريد أن أشارك في مثل هذه الحكومات التي تعتمد طريقة الديمقراطية؛ من أجل أن أرفع أكبر قدر من الضرر، وأن أصلح قدراً من الخلل، فما هو حكم هذا؟ الحقيقة أن هذه المسألة ليس لها حكم واحد، من الخطأ أن يطبق هذا الكلام على كل من شارك، من الخطأ أن نقول: إن كل من شارك مخطئ أو كل من شارك مصيب، وإنما تختلف الأحوال، ولهذا تحتاج إلى عدة ضوابط: الضابط الأول: ألا يعترف ولا يقر لمثل هذه الأنظمة بأن التشريع لغير الله ، أو مشاركة مصادر أخرى في التشريع غير الشريعة الإسلامية، فإذا أنكر هذا وجاء بوضوح أنه يريد إصلاح بعض الخلل الموجود، وبين أن التشريع لغير الله كفر، وأن التشريع فيما يتعلق بالحلال والحرام يجب أن يكون لله ، أما الأمور الإدارية فهذه قضية أخرى.
الضابط الثاني: ألا يكون في مشاركته مخادعة للمسلمين، بحيث يظنون أن الديمقراطية عملية شرعية صحيحة، فينبغي أن يبين لجمهور المسلمين أن هذه العملية الديمقراطية هي عملية غير شرعية، وليست صحيحة، وهي خطيرة، لكن مشاركتي أنا مثل مشاركة يوسف ﵇ عندما كان وزير خزانة الملك في تلك الفترة، وكانوا كفاراً في تلك الفترة، فمشاركة يوسف ﵇ لم تقتض إقرارهم على الكفر، بل كان واضحاً ﵇: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩]، بل إن في سياق قصة يوسف جاء فيها: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٤٠]، ولهذا كان يوسف ﵇ واضحاً وضوح الشمس في رابعة النهار فيما يتعلق بوزارته في هذه الدولة، فكان يكفر الكفار ويوضح كفرهم، ويقول: إنني على ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وهكذا.
الضابط الثالث: أن يغلب على الظن إمكانية الإصلاح، أما إذا كان مجرد مشاركات واقتراع وصراع على الاقتراع ونحو ذلك، فهذا حينئذ لا يصلح أن يكون مجالاً للإفادة.
الضابط الرابع وهو مهم جداً: ألا نحصر دائرة الإصلاح في هذا الأمر، فمن تحققت فيه الضوابط السابقة وحصر دائرة الإصلاح في هذا الأمر، فإنه يكون قد أخطأ خطأ كبيراً، فإن مجالات الإصلاح واسعة، ربما يكون هذا الأمر من المجالات الإصلاحية بالضوابط الشرعية كما قلت، وقد يكون غير وسيلة من وسائل الإصلاح، ولهذا مثل هذه الأمور يجب أن ترد إلى أهل العلم، وأن تكون شورى بين أهل العلم وطلاب العلم، وكل حالة لها حكمها الخاص، وهي تختلف من حال إلى حال، ومن بلد إلى بلد، ومن مكان إلى مكان، ولا يصح أن يطلق فيها حكم واحد بالتحريم مطلقاً، أو بالإباحة مطلقاً، وإنما يكون الحال بحسب نوع النموذج الديمقراطي الموجود والمشاركة، ومدى وضوح مشاركة الداعية عند الناس، بحيث إن الناس يفهمون أن مشاركة الداعية مشاركة إصلاحية، وليس إقراراً لهذا النظام الباطل والفاسد.
هذه الضوابط هي التي تحدد مسألة إمكانية المشاركة وإباحتها، أو عدم إباحتها.
стр. 68
حكم من أتى بأصل التوحيد مع ترك الصلاة
السؤال
من جاء بأصل التوحيد ولم يصل هل يكفر؟
الجواب
من لوازم أصل التوحيد الصلاة؛ لأن أصل التوحيد هو إيمان القلب وتصديق القلب، ووجود الشروط السابقة: الإخلاص، والمحبة، والرضا، والقبول، وهذه الأعمال القلبية يستحيل أن تكون في القلب، ثم لا تدفع صاحبها إلى الصلاة، بل لابد أن يكون من أهل الصلاة؛ لأن وجود أصل الإخلاص واليقين والمحبة وغيرها كل هذه الأمور جميعاً تدفعه إلى الصلاة.
بعض المتحذلقين ممن ينصر الإرجاء مع الأسف يقول: إنه يمكن أن يكون عنده أصل الإيمان، وعنده أعمال القلب، وتدفعه مثلاً إلى بر الوالدين ولا تدفعه إلى الصلاة مع أنها أهم، أقول: هذا من الحمق والتفكير الساذج؛ لأنه لو كان عنده أصل الإيمان لدفعه إلى عمل صالح، ومن أولويات العمل الصالح الصلاة، وهي المتكررة بالنسبة للإنسان.
стр. 69
ملازمة أعمال الجوارح لأعمال القلب
السؤال
المتأمل في شروط لا إله إلا الله يجد أن أكثرها تتعلق بعبادة القلب فأين عبادة الجوارح؟
الجواب
هناك قاعدة عند أهل العلم وهي: أن أعمال القلب متلازمة مع أعمال الظاهر، فيستحيل وجود عمل القلب بدون عمل ظاهر، وبقدر قلة عمل القلب يقل عمل الظاهر، وبقدر قوة عمل القلب يزداد عمل الظاهر، وإذا انعدم عمل القلب لحظة انعدم عمل الظاهر، فانعدام عمل الظاهر دليل على انعدام عمل الباطن أيضاً، فلو أن إنساناً لم يعمل شيئاً من الظاهر أبداً، فهذا دليل على عدم وجود أعمال القلب في قلبه، إذ لو وجد في قلبه لدفعه إلى عمل الظاهر.
وحالة الجهنميين التي هي أقل حالة أو آخر أهل النار خروجاً من الموحدين، جاء في أوصفاهم أنهم يقولون: لا إله إلا الله، وأن في قلبهم مثقال ذرة من إيمان، وأنهم من أهل الصلاة، ولهذا يعرفون بمواطن السجود الذي هو سجود الصلاة، ولهذا ساقه البخاري في كتاب الأذان فيما يتعلق بفضل السجود، فهذا مما يدل على أن البخاري ﵀ فهم من السجود الوارد في حديث الجهنميين هو سجود الصلاة، وليس كما يقول بعض المؤولة: بأن المقصود به الوجه، وهذا تأويل يشبه تأويلات الجهمية.
стр. 70
حكم تفضيل مادة الإنجليزي على مادة القرآن في الحصص والدرجات
السؤال
هل يجوز تقديم مادة الإنجليزي على القرآن في عدد الحصص، وعلى الدرجات؟
الجواب
لا، ما يجوز؛ لأن القرآن هو الذي ينفع الناس كلهم، وهو الذي يفيد المسلمين، فمن يقارن بين القرآن والإنجليزي فقد طمس الله على بصيرته.
стр. 71
حال الموحد المرتكب للمعاصي ومصيره في الآخرة
السؤال
إذا كان هناك رجل مطبقاً لأساسيات التوحيد وهو نمام أو عاق لوالديه هل يدخل الجنة؛ لأن رسول الله ﷺ يقول: (لا يدخل الجنة نمام)؟
الجواب
من كان عنده أصل التوحيد، وكان عنده بعض الذنوب والمعاصي، مثل النميمة، أو الكذب، أو الغيبة، أو الزنا، أو أكل الربا، أو نحو ذلك، فإن هذا يعتبر من أهل الإسلام، ويسمى عند العلماء الفاسق الملي، وإذا أراد الله يوم القيامة أن يغفر له يغفر له، وإذا أراد أن يعذبه، فإنه يعذب ثم يكون آخر أمره إلى الجنة بإذن الله تعالى.
يعني: هو تحت مشيئة الله ، إما أن يعذب حتى يطهر من هذه الذنوب والمعاصي ثم يدخل الجنة، وإما أن يغفر الله له ويدخل الجنة مباشرة.
стр. 72
حزب البعث وأهدافه
السؤال
ما معنى حزب البعث؟
الجواب
سبق أن تحدثنا عنه، وقلنا: إن المقصود بكلمة البعث يعني: الإحياء، وهدف حزب البعث إحياء الأمة، بحيث يكون أساس الارتباط بين الناس جميعاً اللغة، فأساس الصلة بين الناس جميعاً العروبة، ولهذا يساوون بين المسلم العربي، والنصراني العربي، واليهودي العربي، والبوذي العربي، والمشرك العربي، والملحد العربي، ما دام أنهم عرب فهم مستوون وهم إخوة لنا، ولهذا يرون أن الإسلام هو جزء من تاريخ الأمة العربية الطويل، وأنه جزء مشرق كما أن الجاهلية جزء آخر مشرق أيضاً، فهم يساوون بين الجاهلية والإسلام، ويرون أن أبا لهب مثل أبي بكر، وأن أبا جهل مثل عمر، وأن امرؤ القيس مثل حسان بن ثابت، وأن الإسلام ليس شرطاً أساسياً فيما يتعلق بالولاء والبراء، وفيما يتعلق بالانتماء، وفيما يتعلق بالنصرة، وإنما الرابط هو اللغة، هذا هو المقصود بحزب البعث.
وحزب البعث انهار، والقومية انهارت منذ قديم، انهارت من حرب (١٩٦٧) عندما كان جمال عبد الناصر يكذب على الجماهير ويقول: إنه يريد أن يحرر الأمة العربية، ومع الأسف اتضحت خيانته إلى أبعد درجة، إلى درجة أن اليهود ضربوا القوات المصرية ودمروا ثلاثمائة طائرة وهي على الأرض لم تقلع، وقتلوا من خيار الطيارين المصريين مائة طيار مصري، وكل هذا بخيانة جمال عبد الناصر، وأتى أمام مجلس الشعب أو الذي يسمونه (المؤتمر القومي العربي) وقال: نحن كان عندنا خبر أن إسرائيل ستضرب، لكن ما كنا نتوقع أنها تضرب بهذه الطريقة! يعني: الخلاف هو في مسألة حجم الضربة، ولهذا منذ تلك اللحظة انهارت القومية، وعرفت الشعوب العربية أن القوميين من أكذب الناس، وأنهم أبعد الناس عن الاتحاد والاجتماع، وجامعة الدول العربية صارت شر مثال لهذه القضية، وليست خير مثال لها.
стр. 73
معنى تقنين الشريعة وحكمه
السؤال
ذكرت بعض الصحف كلمة تقنين الشريعة فما معنى تقنين الشريعة وحكمه؟
الجواب
تقنين الشريعة غير القوانين الوضعية، القوانين الوضعية مسألة الكفر فيها ظاهر؛ لأن التشريع فيها أصلاً ليس تشريعاً ربانياً، وإنما تشريع باطل، هو من زبالة أذهان الناس.
أما تقنين الشريعة فهي فكرة نادى بها بعض المختصين في الفقه، يقول: إن الأحكام القضائية بدل أن يكون فيها خلاف يمكن أن نجعلها على شكل قانوني، مثلاً: الزنا يشترط فيه كذا شرط، فإذا حصل هذا الشرط فإن العقوبة كذا، السرقة كذا، الوضع كذا، يعني: تقنن على شكل مواد، ويحكم بها كل القضاة بدرجة واحدة، بحيث إن الحكم في مسألة معينة يكون في شرق البلاد مثلما يكون في غربها، بدون أي تردد.
هذه الفكرة ليست مثل فكرة الديمقراطية، هي مختلفة عنها تماماً، لكن هي في الحقيقة ليست فكرة صحيحة؛ لأن المسائل الشرعية وقع فيها خلاف بين العلماء، ولا يصح أن يلزم القاضي بأن يحكم برأي ارتآه مجموعة من الناس، قد يرى أن في الأدلة الشرعية ما يخالف هذا، وحينئذ يجب عليه أن يحكم بما يراه موافقاً للشريعة، قد يقول قائل: أين المساواة عندما يحكم القاضي في مسألة بحكم، والقاضي الثاني يحكم فيها بحكم آخر؟ نقول: أولاً الخلاف في المسائل القضائية لا يصل إلى درجة الافتراق التام، وإنما هو خلاف متقارب.
ثانياً: أن القاضي الذي حكم بهذا الحكم حكم بشريعة الله، كما أن القاضي الآخر حكم بشريعة الله، فالجميع حكموا بشريعة الله ، حتى لو اختلفت؛ لأنه قد يفتي عالم في مسألة من المسائل بالإباحة، ويفتي عالم آخر بالتحريم، والجميع حكم بالشريعة من حيث استخدام الأداة الشرعية، لكن لا بد أن يكون أحدهما مصيباً والآخر مخطئاً، والخطأ هنا ليس خطأ مناقضاً للشريعة، ولهذا ألف شيخ الإسلام ابن تيمية كتاباً اسمه (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) ومنذ زمن النبي ﷺ والخلفاء، وكانت دائرة الدولة الإسلامية أكبر من الآن، فقد كانت الدولة الإسلامية تشمل الجزيرة العربية، وبلاد الشام، والعراق، والهند، إلى الشيشان إلى روسيا، ومصر، وشمال أفريقيا إلى المغرب، والأندلس، هذه كلها كانت دولة واحدة، وفيها آلاف القضاة، وكانوا على أكثر من مذهب فقهي، وكانوا يحكمون بما يرون أنه موافق للشرع، ويجتهدون في ذلك، وكانت هناك ضوابط شرعية في الاجتهاد الشرعي، والقاضي إذا حكم بهواه فإنه يشتكى إلى من هو أعلى منه.
ولهذا كان هناك شيوخ للقضاة عموماً، ففي المغرب كانوا يسمونه: قاضي الجماعة، يعني: قاضي مجموعة كبيرة من القضاة، وهو الذي يشرف عليهم.
ومع هذا لم يقننوا الشريعة بالطريقة التي يريدها هؤلاء بهذا الأسلوب، لم يقننوها بهذه الطريقة، والذين طالبوا بتقنين الشريعة هم تأثروا في الحقيقة بالأسلوب القانوني المعاصر الذي أساسه من الغرب، بحيث تكون القضية منضبطة عندهم مائة بالمائة، وهذه الشريعة فيها قضايا قطعية وواضحة، ولا إشكال فيها، لكن بعض الأحيان القضية ترجع إلى تقدير القاضي، حتى في تصديق القوانين الوضعية الموجودة الآن عند الغربيين ترجع إلى نظرة القاضي، يعني: تطبيق القانون على حالة معينة لابد من اجتهاد القاضي نفسه، هذا عند الغربيين، مع أن القانون هو عبارة عن أفكار بشرية، فتجد أن القاضي يحكم فيها بهذا القانون المعين الذي ينطبق على هذه الحالة المعينة، ولا ينطبق على كل الحالات، ولهذا يختلفون اختلافاً كبيراً، فالمطالبة بتقنين الشريعة مطالبة غير واقعية، وغير موافقة للأحكام الشرعية كما سبق أن أشرنا إليه، والشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد له رسالة خاصة في تقنين الشريعة يمكن مراجعتها، فهي من أنفع ما كتب في هذا الباب.
أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 74
أصول العقيدة [٥]
من مسائل توحيد الإلهية دلائله العقلية والسمعية, حيث قررت النصوص جملة من الأدلة العقلية الدالة على توحيد الإلهية, منها الاستدلال بربوبية الله تعالى على إلهيته, والاستدلال بأسمائه وصفات كماله على إلهيته ونحو ذلك, كما أن من مسائل هذا التوحيد العظيم ما يتعلق بالقوادح فيه, وهي قوادح في أصله وقوادح في كماله الواجب.
стр. 75
الأدلة العقلية والسمعية على توحيد الألوهية
إن الأدلة العقلية الموجودة في القرآن كثيرة جداًً، ومنها: الأمثال المضروبة في القرآن، وهذه الأمثال المضروبة هي من الأدلة العقلية التي تدل على التوحيد، أو تدل على النبوات، أو تدل على المعاد، ومما تدل عليه هذه الأمثال المضروبة والأقيسة العقلية توحيد الألوهية.
فأدلة التوحيد منها ما هو عقلي، ومنها ما هو سمعي، والمقصود بالسمعي الأدلة التي تعتمد على الخبر السمعي.
وتقسيم الأدلة إلى عقلي وسمعي أوجه وأضبط وأحسن من أن الأدلة تنقسم إلى عقلي وشرعي، بعض الناس عندما يقسم الأدلة يجعلها على قسمين: عقلي وشرعي، ويجعل العقلي في مقابل الشرعي، فكأن الآيات القرآنية الشرعية والأحاديث النبوية لا تتضمن من دلالاتها على القضايا العقلية، وهذا غير صحيح، فإن الله كثيراً ما يختم الآيات بقوله: (أفلا يعقلون)، (أفلا تعقلون)، (أفلا يتفكرون)، (أفلا تذكرون)، ونحو ذلك من الأدلة التي تدل على استخدام العقل؛ ولهذا يثني الله على أولي الألباب وهم أصحاب العقول والحجا السليمة.
إذاً: تقسيم الأدلة إلى عقلي وشرعي غير صحيح، فإن العقلي لا يصح أن يقابل الشرعي؛ لأن الاستدلال العقلي يصير كأنه خارج الإطار الشرعي، فإن الشرع جاء بالأدلة العقلية المقنعة الصحيحة، وكثير من الناس عنده حساسية من الاستدلالات العقلية، ويظن أن كل استدلال عقلي باطل، وهذا غير صحيح، فإن العقل معنى ممدوح؛ ولهذا جعل مناط التكليف، والإنسان العاقل يمدح وغير العاقل يذم؛ ولهذا فإن الأدلة الشرعية جاءت بالطرق العقلية البرهانية المقنعة، بل إنما جاءت به الأدلة من الطرق العقلية هي أنفع وأضبط وأدق من الأدلة العقلية التي قد يخترعها الإنسان من نفسه؛ لأن خالق العقل هو الله ، والذي جاء بهذا الاستدلال العقلي في القرآن هو الله ، وكذلك في الحديث عن النبي ﷺ هو من النبي ﷺ المعصوم، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
فسبب الحساسية التي توجد عند البعض من الاستدلالات العقلية هو وجود نماذج سيئة استدلت بالعقل وانحرفت، وهم أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية، الذين استدلوا على المطالب العقدية بالأدلة العقلية، فتوصلوا إلى نتائج فاسدة مخالفة للنصوص الشرعية، مثل: تأويل الصفات أو الانحراف في مفهوم التوحيد، أو الانحراف في أدلة ودلائل النبوة، وحصر ذلك في المعجزات فقط، ونحو ذلك من الانحرافات الكثيرة التي وضعوا عليها عباءة العقل، وهذا لا شك أنه لا يمنع من كون الأدلة العقلية واردة، فنحن نقول: هؤلاء ليسوا أصحاب أدلة عقلية صحيحة، هؤلاء لم يكن السلف يسمونهم عقلانيين؛ لأن كلمة عقلانيين مدح، وهم ليسوا من أهل المدح، ولهذا كانوا يسمونهم أهل البدع والأهواء، والفرق بين الهوى والعقل واضح، فإن الهوى راجع إلى نفس الإنسان الذي يتخير من الأدلة ما شاء، وبالصور التي يشاء، وبالطرق التي يشاء في الاستدلال.
следующие страницы →