Полный текст (173 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الفرق بين أسماء الله وصفاته
أحب أن أشير إلى قاعدة مهمة جداً في التفريق بين الأسماء والصفات؛ لأن كثيراً من طلاب العلم يشكل عليه الفرق بين الاسم والصفة، والفرق بين الاسم والصفة هو: أن الأسماء أعلام والصفات معان، فأنت تفرق بين الأسماء التالية: الرحمن، الرحيم، العزيز، الجبار، المتكبر، الغفور، الودود، وهكذا، والمعاني الأخرى مثل: الرحمة، المغفرة، العزة، اليد، القدم، العينين، العلم، الإرادة فهذه صفات، وبهذا يتبين أن الأسماء أعلام، وأن الصفات معان، قد تؤخذ هذه المعاني من الأسماء، وهذا هو أحد مصادر الصفات، وقد تؤخذ من الأفعال أحياناً، وقد تدل عليها النصوص دلالة صريحة في كونها صفة، كما قال الله : ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف:٥٨] يعني: صاحب الرحمة، ولهذا فإن الفرق بين الاسم والصفة هو أن الاسم علم، والصفة معنى، والنحاة يسمون هذه المعاني مصادر، فالاسم (العزيز) والصفة العزة، والاسم (الرحيم) والصفة الرحمة، والاسم (الكبير) والصفة الكبر، والاسم (اللطيف) والصفة اللطف وهكذا، فكل اسم من أسماء الله فإنه يدل على صفة من صفاته ، وهذا من معاني الحسن الوارد في قول الله : ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠].
стр. 107
دلالة أسماء الله على الذات والصفات والمعاني المتعلقة بها في حقه تعالى
من القواعد التي تتعلق بالأسماء الحسنى: أن الأسماء الحسنى تدل على ثلاثة أمور: الأمر الأول: تدل على ذات الله .
الأمر الثاني: تدل على صفاته؛ لأنه كما سبق أن قلنا: إن كل اسم يتضمن صفة من الصفات.
الأمر الثالث: إذا كان معناها متعدياً فإنها يكون لها أحكام تخصها.
فالقدير يدل على ذات الله ، ويدل على صفة القدرة، ويدل أيضاً على ملكه للعباد، وقدرته على التأثير فيهم وعلى تبديل أحوالهم وشئونهم، ولهذا أخذ بعض العلماء مسائل فقهية من بعض نصوص الأسماء الحسنى، يقول الله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣٤]، فالذين يكونون من قطاع الطرق تكون عليهم حدود، لكن إن تابوا قبل أن يضبطوا فإنهم لا يطالبون بالحدود السابقة، أخذ ذلك الحكم من وصف الغفور الرحيم، الذي يدل على مغفرة الله لسابق أحوالهم، ورحمته فيما سبق من أعمالهم، وهذا يدل على أن من أحكام الأسماء الحسنى بعض المسائل العقدية أو الفقهية، فإن أسماء الله لها أحكام، وأسماء الله تدل بمفردها على معنى، وتدل إذا اقترنت على معنى آخر، مثلاً: نجد الاقتران الكثير بين اسم الله العزيز والحكيم، فهذا له مدلول خاص وهو أن عزة الله مرتبطة بحكمته، فإنه لا يظلم ، وهكذا السميع البصير، وهكذا بقية أسماء الله وصفاته.
أما ما يتعلق بقواعد الصفات فإن الصفات كما سبق أن أشرنا لها ثلاثة مصادر: المصدر الأول: أن تكون الآيات صريحة في الدلالة على الصفة.
المصدر الثاني: أسماء الله ، فكل أسماء الله تدل على صفاته.
المصدر الثالث: أفعال الله ، فإن أفعال الله جزء من الصفات كما سيأتي الإشارة إليه بإذن الله تعالى.
стр. 108
تنوع صفات الله تعالى باعتبار أدلتها العقلية والسمعية
القاعدة الثانية: هي أن صفات الله تنقسم باعتبارين: باعتبار الأدلة عليها، وباعتبار ذاتها، فباعتبار الأدلة عليها تنقسم إلى عقلية وسمعية، وباعتبار ذاتها تنقسم إلى ذاتية وفعلية.
باعتبار الأدلة على صفات الله سبق أن أشرنا إلى قاعدة مهمة جداً عموماً، وهي: أن مسائل العقيدة يدل عليها العقل كما يدل عليها السمع، ولا يصح أن نجعل الدليل العقلي قسيماً للدليل الشرعي؛ لأن بعض الناس عند عرضه للأدلة يقول: الأدلة الشرعية، ثم يستعرض الأدلة من الكتاب والسنة ثم يقول: الأدلة العقلية، فهذه المقابلة بين الدليل الشرعي والدليل العقلي بهذه الطريقة مقابلة غير صحيحة؛ لأنه يفهم منها أن الأدلة الشرعية لا تتضمن أدلة عقلية برهانية مقنعة، وهذا فهم خاطئ، فإن النصوص الشرعية في ذاتها فيها أدلة عقلية برهانية مقنعة على كافة مسائل العقيدة، سواء على مسائل الربوبية، أو الألوهية، أو الأسماء والصفات، أو المعاد، أو النبوات، كل هذه المسائل التي هي أصول العقيدة هناك أدلة عقلية تدل عليها، وقد أكثر منها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه العظيم (درء تعارض العقل والنقل) وفي كتابه الآخر (نقض التأسيس) فإن أهل الكلام ظنوا أن الأدلة الشرعية لا تتضمن أدلة برهانية عقلية، فأخذوا في اختراع الأدلة التي يتوقعون أنها تقنع الملاحدة أو تقنع الخصوم؛ لأن الخصم كما يقول التفتازاني: لا يذعن للنصوص الشرعية، فأنت عندما تأتي إلى خصم مثلاً من النصارى أو من الملحدين أو من أي ملة من ملل المشركين وتقول له: قال الله تعالى، يقول: أنا أصلاً لا أعترف بنبوة محمد حتى تستدل علي بما جاء به من الأخبار عن الله تعالى، فأرادوا مواجهة أصحاب الزندقة وأصحاب أهل الشرك فاخترعوا أدلة عقلية، يتصورون أن هذه الأدلة العقلية كافية في إقناع الآخرين، فصارت هذه الأدلة العقلية لها لوازم التزموها أثرت على مسائل العقيدة في فهمهم، فنفوا من أجلها الصفات، وانحرفوا في دلائل النبوات، وانحرفوا أيضاً في الاستدلال على قضايا البعث والمعاد، مع أن هذه من أساسيات العقيدة، ومن الأمور التي يجب أن يكون توضيح القرآن لها بشكل واسع وكبير، ولهذا ينبغي دائماً أن نجعل في أنفسنا أن القرآن والسنة مليئان بالأدلة العقلية، فهذا حصين أبو عمران الذي جاء إلى النبي ﷺ فأقنعه بطريقة برهانية بسيطة وسهلة يفهمها أي أحد، ليس فيها تعقيد، وليس فيها تطويل، وليس فيها مراحل حتى تصل إلى المقتضى، وليس فيها غموض، بل هي قضية بسيطة سهلة جداً قال: (كم تعبد؟ قال: أعبد سبعة: واحد في السماء وستة في الأرض.
قال: فمن لحاجتك وضرك ونفعك وما تريد؟ قال: الذي في السماء، قال: إذاً اعبد الذي في السماء واترك الذي في الأرض) فاقتنع الرجل فأسلم مباشرة، وهكذا تجد أن القرآن عندما يستدل على الذين ينكرون البعث يستدل عليهم بالخلق الأول، يعني: أن القادر على الخلق الأول قادر على الإعادة مرة أخرى، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨]، وذلك عندما جاء بالعظم وفته وقال: هل يحيي الله هذه العظام بعد أن صارت رميماً؟! فقال الله : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨] يعني: نسي أنه لم يكن هناك عظم أصلاً، وأن هذا العظم تكون ولم يكن هناك لحم، فتكون هذا اللحم ولم تكن هناك روح في هذا العظم واللحم، فتكون هذه الروح في العظم واللحم فصار إنساناً حياً، فهل إذا طرأ عليه طارئ جديد وهو الموت، وأصبحت عظامه بهذه الصورة بحيث يمكن للإنسان أن يفته، هل يعني هذا أن الذي أنشأه أول مرة غير قادر على إعادته مرة أخرى؟ هذا في أي منطق يكون؟ هذا أمر غير مقبول عقلاً، وقد سبق معكم في أدلة توحيد الألوهية أن الله بين توحيد الألوهية بياناً برهانياً واضحاً بيناً، وأن هذا الاستدلال كان عقلياً منطقياً ليس فيه أي إشكال، بل إنه سهل وقريب من الأشخاص.
الشاهد: أن من صفات الله ما يدل العقل عليها ويمكن معرفتها بالعقل، وهناك من الصفات ما لا يمكن معرفتها إلا بالشرع، فمن الصفات التي يمكن للإنسان أن يعرفها بالعقل حتى لو لم يكن هناك أدلة شرعية عليها، مع أن الأدلة الشرعية دلت عليها أيضاً: صفة الحياة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فهو الحي، والصفة التي تؤخذ منه الحياة؛ لأنه يستحيل أن يكون إلهاً إلا ويكون حياً؛ لأن الميت أو الذي لا يقبل الحياة والموت مثل: الجدار لا يصح أن يكون إلهاً، وقد ذكر الله بطلان عبادة الأصنام بكونها لا تخلق، وبكونها أمواتاً غير أحياء، وبكونها لا تسمع، يقول الله حكاية عن إبراهيم: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢] هذه أدلة عقلية، ولهذا عندما حطم إبراهيم أصنامهم وعلق الفأس ع
стр. 109
تنوع صفات الله تعالى باعتبارها ذاتية وفعلية
أما من حيث المسائل فإن الصفات تنقسم إلى قسمين: صفات ذاتية، وصفات فعلية.
سبق أن أشرت إلى أن هذه التقسيمات هي تقسيمات فنية علمية، الهدف منها تقريب المسائل العلمية، وإلا فإن هذه التقسيمات لم تحصل إلا عند المتأخرين، في جيل الصحابة والتابعين ومن بعدهم لا توجد هذه التقسيمات: ذاتية وفعلية بهذه الألفاظ، وإنما الموجود هو المعنى، لكن التقسيمات هي عملية فنية اصطلاحية، وقد سبق أن ذكرت لكم قاعدة مهمة في الاصطلاح، وقلت: إن الاصطلاح: هو عبارة عن استخدام كلمات لغوية قريبة من المعنى الاصطلاحي الذي ستنتقل إليه، وأن هذا المعنى الاصطلاحي يكون في حد ذاته معنى صحيحاً، حينئذ يكون الاصطلاح صحيحاً، أما إذا كان هناك تعاند بين المعنى الاصطلاحي واللغوي بحيث يكون المعنى الاصطلاحي مختلفاً على المعنى اللغوي، فهذا اصطلاح فاسد، أو كان هذا الاصطلاح على معنى فاسد، فإنه حينئذ يكون اصطلاحاً فاسداً، ولهذا لم ينكر السلف على مصطلحات اللغويين، وعلى مصطلحات الأصوليين، وعلى مصطلحات سائر العلوم، لم ينكروا عليها لكونها مصطلحات، وإنما أنكروا على مصطلحات أهل الكلام؛ لأنها تتضمن معاني باطلة أو اختلافاً كبيراً جداً بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، مثال الاختلاف الكبير بين المعنى اللغوي والاصطلاحي: التوحيد، التوحيد عند أهل الكلام ليس له وجود في لغة العرب، التوحيد عند أهل الكلام هو: أن يكون الشيء لا ينقسم، فيقولون: الواحد هو الجزء الذي لا ينقسم، وقد يسمونه بالجوهر، وهذا المعنى أصلاً في لغة العرب غير متصور؛ لأن في لغة العرب لم يكونوا يعرفون معنى غير منقسم، بل كانوا يسمون واحداً للشيء المنقسم، فيقولون: فرس واحد، وثوب واحد، مع أنه يمكن تقسيمه، ويمكن وصفه بمجموعة من الصفات، ويقولون مثلاً: بيت واحد، ويقول الله : ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر:١١]، وهو رجل له صفات متعددة، له أيدي، وله أرجل، وله أعين، وله لون، وله أوصاف متعددة، فهم يقولون: إن الواحد هو الذي لا يمكن وصفه، بل هو معنى لا يمكن انقسامه باعتبار الحقيقة وباعتبار الوهم أيضاً، يعني: لا يمكن أن تتوهم انقسامه، وهذا المعنى لا يعرفه العرب أصلاً، وهذا التوحيد عند أهل الكلام صار له معنى غريب عن لغة العرب، وغريب عن ثقافتهم؛ لأنه معنى فاسد، وهكذا ما يتعلق بالمصطلحات الموجودة الأخرى، المصطلحات الصوفية المشهورة.
أما بالنسبة لصفات الله فقد سبق أن أشرنا إلى أنها تنقسم إلى قسمين: صفات ذاتية: وهي التي لا تنفك عن الله بأي وجه من الوجوه، ولا تعلق لها بالإرادة.
وصفات فعلية: وهي الصفات المتعلقة بإرادة الله ، وقد تسمى الصفات الاختيارية، وقد تسمى الصفات الإرادية، وقد تسمى الصفات الفعلية.
وهذه الصفات الذاتية والصفات الاختيارية والفعلية أثبتها أهل السنة والجماعة، كما وردت في النصوص، ويمكن أن نمثل للصفات الذاتية بالعلم، والحياة، والإرادة، ويمكن أن نمثل للصفات الفعلية بالضحك، والنزول، والاستواء، والغضب ونحو ذلك.
من الصفات الذاتية أيضاً: صفة العينين، واليدين، والقدم ونحو ذلك أما الصفات الاختيارية فإنهم يقسمونها إلى قسمين: صفات لازمة، وصفات متعدية.
الصفات اللازمة: هي الصفات الخاصة بالله ، وليس لها تعد على بقية المخلوقات، مثل: الاستواء، ومثل: الضحك.
والصفات المتعدية مثل: الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، والانتقام ونحو ذلك من الصفات التي يكون لها أثر على المخلوق، لكن الحقيقة التي ينبغي أن ندركها هي أن الصفات الذاتية والصفات الفعلية لا بد أن يكون هناك ارتباط بينها وبين المخلوقات، ولهذا سبق أن أشرنا إلى أن لقيط بن صبرة في الحديث الطويل: (جاء إلى النبي ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : يضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، قال: يا رسول الله أو يضحك الرب؟! قال: نعم.
قال: لن نعدم من رب يضحك خيراً).
فأخذ منها فائدة سلوكية وتربوية إيمانية عظيمة: وهي الرجاء، وهي من أعظم أعمال الإيمان كما هو معلوم؛ لأن الخوف والرجاء لا يتم إيمان الإنسان إلا بهما مع المحبة، ولهذا قال مكحول: من عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف والرجاء والحب فهو المؤمن الموحد.
رواه أبو نعيم في الحلية، وإسناده حسن.
إذاً: هذا التقسيم لصفات الله يجعلنا نحدد كل صفة من صفات الله ، وأنها داخلة تحت هذا التقسيم، فصفة العلم غير داخلة تحت الإرادة، وصفة الاستواء داخلة تحت الإرادة، وقد أنكر أهل الكلام الضالين من الأشعرية والماتريدية الصفات الذاتية، بالذات المتأخرين منهم أنكروا الصفات الذاتية، باعتبار أن هذه الصفات تستلزم التركيب، وأنكروا الصفات الاختيارية؛ لأنها تستلزم الحدود، والتركيب والحدود مصطلحات جديدة ذات معان خاصة جاءوا بها،
стр. 110
ثبوت اللفظ الاصطلاحي للاسم والصفة
من القواعد المتعلقة بالأسماء والصفات: أن الأسماء كلفظ اصطلاحي وارد في القرآن والسنة، ولهذا يقول الله : ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وأن الصفات جمع صفة، وهي عبارة اصطلاحية واردة أيضاً في النصوص الشرعية، فقد روى البخاري في كتاب التوحيد في قصة الرجل الذي كان يقرأ في كل ركعة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فسأل النبي ﷺ ذلك الرجل عن سبب هذه القراءة فقال: (إنها صفة الرحمن أحب أن أقرأ بها، فقال: أعلموه أن الله يحبه).
فقال: (إنها صفة الرحمن) ولم ينكر النبي ﷺ هذه العبارة ذات المدلول الاصطلاحي المتعلق بتوحيد الله .
стр. 111
كتب ومراجع في الأسماء والصفات
هذه جملة من القواعد في هذا الباب، ويمكن أن يراجع كتب العقيدة عموماً وبالذات كتاب (القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى) للشيخ المحقق ابن عثيمين رحمه الله تعالى.
وهناك كتاب كبير اسمه (القواعد الكلية للأسماء والصفات) تأليف الدكتور إبراهيم البريكان، والكتاب في الجملة على منهج السلف وكتاب طيب ومفيد، إلا أنه استخدم عبارات أهل الكلام في مواطن، وأخذ تقسيماتهم في مواطن، فقد كان يرجع إلى شرح الجوهرة مثلاً أو غيرها، وأحياناً قد يعبر عن القاعدة بتعبير فيه تعقيد، فالكتاب في الجملة لا بأس به، لكن ينبغي ملاحظة هذه الأشياء أثناء قراءة هذه الكتب.
أيضاً من الكتب المفيدة في تفصيل أسماء الله الحسنى: كتاب (النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى) للشيخ محمد الحمود، وهو من أفضل الكتب في هذا الباب؛ لأن الكثير من علماء الأشاعرة كتبوا في شرح أسماء الله الحسنى، فهذا الغزالي له كتاب اسمه (المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى)، والحليمي له (المنهاج في شعب الإيمان) وقد تحدث عن موضوع أسماء الله الحسنى كثيراً، وأيضاً الرازي له (الآيات البينات في شرح أسماء الله الحسنى والصفات)، وأيضاً البيهقي له كتاب (الأسماء والصفات) و (شرح الأسماء الحسنى) لـ أبي القاسم القشيري، هذه الكتب كلها فيها فوائد، لكنها شرحت بالطريقة الأشعرية في تناول صفات الله تعالى، فمثلاً: إذا جاءوا إلى اسم العلي والأعلى يثبتون علو القدر، وعلو المكانة، لكنهم لا يثبتون علو الذات وينفونه، فهم يقولون: هو عال في مكانته وقدره ومنزلته، فإذا جاءوا إلى علو المكان فإنهم ينفونه عن الله تعالى ولا يثبتونه، ويقولون: إن هذا يستلزم الجهة، والجهة مصطلح من المصطلحات التي تدخل في سياق المصطلحات التي أشرنا إلى القاعدة فيها.
ومن الكتب المناسبة في الصفات كتاب للأستاذ علوي عبد القادر السقاف اسمه " صفات الله تعالى الواردة في الكتاب والسنة " في مجلد، رتب الصفات على حروف المعجم، ويأتي بالصفة ثم يأتي بالدليل عليها من القرآن والدليل من السنة، وينقل نصاً واحداً من نصوص السلف فيها، والكتاب قيم إلى درجة كبيرة ومفيد، فينبغي الرجوع إليه.
في اللقاء القادم بإذن الله سنتحدث عن الإيمان من حيث حقيقة الإيمان، ومن حيث زيادة الإيمان ونقصانه، ومن حيث نواقض الإيمان بإذن الله تعالى.
стр. 112
حقيقة دليل التمانع
سبق أن بينت معنى دليل التمانع، وسموه التمانع؛ لأن الافتراض الوارد في الدليل هو أنه لو وجد إلهان متكافئان في الصفات والأفعال فإنهما سيتمانعان، يعني: سيمنع أحدهما الآخر، أو سيغلب أحدهما الآخر، ففي حال التمانع، فإن هذا أمر في غاية الاستحالة، وفي حال أن يغلب أحدهما الآخر فالغالب هو الإله، والمغلوب لا يستحق أن يكون إلهاً.
إذاً: مقتضى دليل التمانع ونتيجته هي نفي وجود إلهين متكافئين في الصفات والأفعال، ولا توجد أمة أصلاً في الدنيا تثبت أن هناك إلهين يتكافآن في الصفات والأفعال، وإنما يوجد عند بعض الأمم شرك في الربوبية، فالثانوية من المجوس يقولون بالأصلين: النور والظلمة، ويقولون: النور والظلمة قديمان، وليسا بمخلوقين محدثين، لكنهم يقولون: إن النور أفضل من الظلمة، وبعضهم يقول: إن النور قديم والظلمة محدثة، وأيضاً يتفقون على أن النور هو مصدر الخير، وهو الذي ينبغي التوجه له، وأن الظلمة مصدر الشر، وأنه ينبغي الحذر منها، وهكذا الصابئة الذين كانوا يعبدون النجوم قوم إبراهيم ﵇، فإنهم كانوا على نوعين: نوع يرون أن هذه النجوم التي في السماء ليست أجراماً سماوية محسوسة، وإنما هي عبارة عن نفس وروح مجتمعة نورانية، وأن هذه النفس والروح لها تأثير على المخلوقات، فبعضهم يقول: نحن نعبدها مباشرة، وهم أصحاب الهياكل، ولهذا هم من أعلم الناس بالنجوم؛ لأنهم يبنون هياكل ويعرفون أوقاتها وأنواعها وتصنيفاتها، ولها بخور خاص يتبخرون لها، ويتعبدون لهذه الكواكب، لكن يعتقدون أن هذه الأجرام التي هي عندهم عبارة عن أرواح وعقول تحت تدبير الإله الكبير، الذي لا يمكن أن يعبد مباشرة حسب زعمهم، وبعضهم يسمون أصحاب الأصنام، وهم الذي يقولون: إنه لا يمكن أن نعبد هذه الأجرام مباشرة، بل لابد أن نصنع أصناماً يمكن أن تقدم هذه المعبودات لهذه الهياكل أو هذه الأفلاك كما يسمونها.
وقد ناظر إبراهيم ﵇ كلا الطائفتين، فأما طائفة عباد النجوم فأنتم تعرفون قصته عندما رأى كوكباً قال: هذا ربي، ثم لما رأى القمر بازغاً قال: هذا ربي، ثم لما رأى الشمس بازغة قال: هذا ربي، ثم قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام:٧٧] كما ورد في سورة الأنعام.
أيضاً عندما قال ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩] وذلك لأنهم يعتقدون أن هذه النجوم تؤثر في الناس فتمرض من تشاء، وتعافي من تشاء، وتغني من تشاء، وتفقر من تشاء، وهذا شرك في الربوبية، لكنه ليس شركاً باعتقاد أن هذه الأفلاك مشاركة لله ومساوية له في الصفات والأفعال، كما هو مقتضى دليل التمانع الذي سبق أن أشرنا إليه.
وناظر أيضاً إبراهيم أصحاب الأصنام، وكان أبوه من الذين يصنعون الأصنام كما هو معلوم، وقد جاء إبراهيم في يوم عيدهم وهم منشغلون فحطم هذه الأصنام، وتعرفون القصة الواردة في هذا الموضوع.
стр. 113
الأسئلة
стр. 114
حقيقة المدرسة العصرية وأفكارها
السؤال
ظهر في الآونة الأخير المدرسة العصرانية أو العقلانية، وانضم بعض الدعاة إلى هذه المدرسة أو الفرقة، نتمنى إعطاء نبذة عن هذه الفرقة؟ وهل هم من أهل السنة والجماعة؟
الجواب
العصريون اسم لطائفة متعددة الأفكار، مختلفة التوجهات، يجمعهم رابط واحد هو تأويل وتحريف النصوص الشرعية؛ لتوافق الواقع المعاصر، فهم يرون أن الواقع المعاصر له مقتضيات وله خصائص تختلف عن بقية الأزمان الماضية، وأن هذا الواقع المعاصر وهذا الوضع الموجود لا يتلاءم أن نطبق فيه النصوص الشرعية الواردة بصورتها الواضحة في الكتاب والسنة، بل لا بد أن نتعامل معها بطريقة جديدة، تلاحظون أن هذا الكلام عام جداً، ولهذا تجد من يحرف النصوص تحريفاً يوصل إلى الكفر، ومنهم من لا يصل إلى هذه المرحلة، بل يأتي مثلاً لبعض المسائل فيما يتعلق باسترقاق الأسرى، ونحن في زمن حقوق الإنسان، فيقول: لو أننا وافقنا على أن الدين يسمح بالأسرى وأن يكون هناك رق، وأن يكون هناك بيع وشراء لهم؛ فإن هذا سيحرجنا عند زملائنا أو أصدقائنا الغربيين، وحينئذ يأتي هؤلاء العصريون ويتأولون هذه النصوص ويحرفونها، فمثلاً يقولون: إن الشريعة الإسلامية أصلاً لا تقر الرق، ولا تقر الأسر، لكن الشريعة الإسلامية لما كانت في وسط يقر هذه الأشياء وافقت عليه، لكن الآن نحن في وسط لا يعترف بها، وبناء على هذا فإن الشريعة لا تعترف بها أيضاً.
كذلك موضوع المرأة، وهو من الموضوعات العصرية؛ لأن العالم الغربي هو العالم المسيطر إعلامياً وعسكرياً وثقافياً، فصار كثير من الناس يؤول النصوص الشرعية ويحاول أن يأتي بفتاوى وأفكار توافق الوضع العالمي.
نقول: حتى لو كان العالم الغربي هو العالم المهيمن سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً فلا يعني هذا أني أبدل ديني من أجله، ديني كما هو ومنهجي كما هو لا يمكن أن أغيره، ولا يمكن أن أبدله حتى يوافق ما عندهم، وهذا الوضع العالمي يمكن أن أغير فيه ما أستطيع، أما محاولة تغيير النصوص فلا، فمثلاً من قضايا الواقع الصعبة الآن: قضية المرأة، أنتم تعرفون مذهب الغربيين في المرأة، المرأة عند الغربيين تعطى الحرية المطلقة، وأنه يمكن للمرأة أن تكون حاكمة، وأن تكون قائدة جيش، والآن وزيرة الدفاع الفرنسي امرأة، والمتحدثة الرسمية باسم البنتاجون امرأة، وهناك نساء طيارات يشتغلن في الجيش، ونساء يشتغلن في المدرعات في الجيش الأمريكي، ونساء يشتغلن سواء صف أول أو صف ثان فيما يتعلق بالحروب العسكرية سواء في المارينز أو في البحرية الأمريكية أو في غيرها، مذهب الغربيين في المرأة مذهب انفلاتي تام، المرأة عندهم لها الحرية المطلقة، ولهذا ينتشر عندهم مثلاً دور البغاء وأفلام الجنس وقنوات الجنس.
والغربيون تجاوزوا هذه المرحلة إلى تشريع الشذوذ الجنسي وتشريع الانحراف، فيجوزون مثلاً في قوانينهم: إباحة أن يتزوج الرجل رجلاً، يعني: الأسرة صورتها أن يتزوج رجل امرأة، ويكون هناك أولاد بينهما، لكن عندهم من الصور الجديدة أنه يصح للرجل أن يتزوج مخنثاً من المخنثين ويعيش معه، ويعتبرون هذه أسرة لها حقوق الأسرة، ويمنحها النظام كامل صلاحيات الأسرة المعروفة، وإذا تبنوا طفلاً بينهما فإنه يكون منسوباً إليهما جميعاً، بل في بعض الدول الغربية وصل بموضوع المرأة عندهم إلى درجة أنهم ينسبون الأطفال للنساء ولا ينسبونهم للرجال، ففي السويد يصبح الطفل ابن فلانة لا يصبح ابن فلان، ولو حصلت مشكلة بين شخص وبين زوجته فلها أن تطرده من البيت ويعيش في الشارع، وتذهب إلى الأحوال المدنية وتنسب الأولاد إليها وانتهى الموضوع، يصير الرجل بغير أولاد ولا بيت! فهذا الوضع العالمي أثر على كثير من المنتسبين إلى الإسلام، فجاءوا يقولون: إن المرأة يجوز لها أن تكون رئيسة دولة، وماذا في هذا؟ وأن المرأة يجوز أن تكون قاضية، وأن المرأة يجوز أن تتولى كافة المناصب في البلاد الإسلامية، مع أن الحديث في صحيح البخاري نص صريح في الموضوع لا يوجد فيه إشكال: (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، وكلمة (قوم) تطلق على المجموعة القليلة والكبيرة، ولا خير فيهم إذا ولوا أمرهم امرأة؛ لأن النساء أضعف من الرجال في طبيعة الحال، ومع هذا قالوا: هذا الحديث غير صحيح، يعني: أبطلوا دلالة الحديث في صحيح البخاري؛ بسبب الضغط العصري الموجود، ولهذا يا إخواني! المدرسة العصرية مدرسة كبيرة، والآراء الموجودة فيها آراء متباينة بعضها تصل إلى الكفر، وبعضها تصل إلى حد البدعة، وبعضها شذوذات في الأقوال، وبعضها اجتهادات، يعني: كل رأي يقوم بحسب الرأي الذي قاله وحسب صاحبه وحسب الدليل الذي استدل به، لكن أصولهم عموماً ترجع إلى أهل الكلام والمعتزلة بشكل خاص، الذين يعظمون العقل ويؤولون النصوص الشرعية من أجله، وبسبب أيضاً ضغط الواقع الذي أثر عليهم تأثيراً كبيراً، لكن هذه المدرسة العقلية أو المدرسة العصرية هي مدرسة فوضوية، ليست لها أصول محددة منضبطة يمكن للإنسان أن يناقشها شرعاً وعقلاً، وإنما هي أمور نفس
стр. 115
حكم اشتقاق الأسماء من صفات الله تعالى
السؤال
هل يؤخذ من كل صفة اسم؟
الجواب
لا، الأسماء توقيفية، وهي أخبار أخبرنا الله بها، لكن نحن لا نشتق من الصفات أسماء، بينما العكس وهو اشتقاق الصفات من الأسماء وارد، وهناك شيء آخر وهو الإخبار عن الله، يعني: عندنا اسم وصفة وخبر، فالإخبار هو أن تخبر عن الله بالمعنى الصحيح، يعني: نفترض أنك التقيت بمسلم جديد تريد أن تذكر له صفات الله ، فتخبره عن رحمة الله وعظمة الله ومكانة الله ، فيجوز التعبير بأي نوع من أنواع التعبير، لكن بشرط أن يكون المعنى صحيحاً، تحت اسم من أسماء الله أو صفة من صفات الله .
стр. 116
الرد على من يؤول صفة الضحك
السؤال
كيف نستطيع أن نثبت صفة الضحك لله تعالى، مع أن بعض الجماعات يؤولون الضحك إلى التعجب، فما هو ردك على هؤلاء؟
الجواب
أصلاً الذين ينفون صفة الضحك ينفون أيضاً صفة التعجب، ويقولون: إن هذه كلها مستحيلة على الله ، وهم يثبتون لله من الصفات صفات أخرى نظير هذه الصفات.
стр. 117
ضوابط الاستدلال بالأدلة العقلية
السؤال
بعض الناس يستدلون على جواز استخدام الأدلة العقلية، بأن الله استخدم الأدلة العقلية في القرآن، كما استخدمها النبي ﵊ في أحاديث وأساليب دعوته إلى توحيد الله، فهل هذا الاستدلال صحيح أم لا؟
الجواب
الاستدلال العقلي ممدوح ليس مذموماً، وينبغي ألا تكون هناك حساسية من الاستدلال العقلي؛ لأن الاستدلال العقلي في حد ذاته ممدوح، لكن أهم شيء أن يكون الاستدلال العقلي استدلالاً منضبطاً مع النصوص، لا يأتي إنسان ويركب دليلاً عقلياً قد اخترعه ثم يؤول النصوص الشرعية حتى توافق هذا الدليل، لا، هذا هو الانحراف الذي حصل عند علماء الكلام.
ويمكن أن تستدل بأي دليل عقلي صحيح يوصل إلى المطلوب، والأدلة العقلية الموجودة في النصوص هي أولى الأدلة في الاستدلال، لكن أن تأتي وتركب دليلاً عقلياً ثم تأتي إلى نصوص الشرع المطهر وتؤول معانيها وتغيرها وتحرفها بحجة الدليل العقلي، هذا هو الباطل وهذا هو الهوى، ولهذا سماه السلف أهواء، يعني: هذه ما هي أدلة عقلية هذه أهواء، كونك تضع لنفسك هوى معيناً ثم تأتي بالنصوص وتغير معانيها، لماذا تغير المعنى من أجل هذا الدليل العقلي؟ سبحان الله! هل يجب علينا أن نتبع هذا الدليل الذي جئت به؟ هات دليلاً موافقاً للنصوص نقبله، أما أن تأتي بدليل مخالف للنصوص بحجة العقل فلا؛ ولهذا قال ابن تيمية ﵀ في كثير من كتبه: إنه ما جاء هؤلاء بدليل ينسبونه إلى العقل إلا وكان العقل يدل على بطلانه.
فنحن لا ننكر الاستدلال العقلي، الاستدلال العقلي مطلوب وهو ممدوح، وأهل العقل والعقلاء ممدوحون في الشرع، لكن أهم شيء هو ألا تؤول النصوص، إذا سألك سائل: ما هو الفارق والفاصل بين الدليل العقلي الصحيح وبين الأهواء؟ تقول: موافقة الكتاب والسنة يعتبر دليلاً عقلياً، ومخالفة الكتاب والسنة يعتبر هوى ولا شك.
стр. 118
أقسام الصفات وما يصح وصف الله تعالى به منها
السؤال
ما هو مكر الله في قول الرسول ﷺ : (من أكبر الكبائر الأمن من مكر الله)؟
الجواب
لا أعرف هذا الحديث، لكن من القواعد التي يمكن أن تضيفوها: أن هناك صفات كاملة كمالاً محضاً مثل: العلم والقدرة، وهذه يصح أن يوصف الله بها، وهناك صفات منقسمة، وهذه الصفات المنقسمة لا يصح أن يؤخذ منها أسماء لله ، مثل: الإرادة، قد تكون إرادة صحيحة وإرادة غير صحيحة، ومثل: الكلام، قد يكون كلاماً صحيحاً وكلاماً غير صحيح، فلا يصح أن يقال: المريد أو المتكلم، هذه ليست من صفات الله وليست من أسماء الله ، وإن كانت من صفاته.
أيضاً هناك صفات مقيدة مثل: المكر والكيد، فإن المكر هو من أفعال الله عقوبة لأهل المكر، قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]، ولهذا دائماً تأتي مقيدة بفعل العبد، وقال : ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦]، وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، هذه تسمى الصفات المرتبطة بشرط، فهذه الصفات يمكن أن يوصف الله بها لكن بشرطها، فيقال: الله يمكر بالكافرين، ويقال: يزيغ الله من زاغ عن الدين، وهكذا كل صفة من هذه الصفات يربط بما ربط الله به هذه الصفة.
стр. 119
نصيحة عامة لطلبة العلم
السؤال
نحن مجموعة نحفظ القرآن ونطلب العلم فماذا تنصحنا؟
الجواب
أنصحكم بحفظ كتاب الله بإتقان، والعناية بحفظ سنة النبي ﷺ ، والعناية بالعلم الشرعي اهتماماً كبيراً، والعناية أيضاً بالدعوة إلى الله والإصلاح؛ لأن الإنسان لا يصح أن ينفع نفسه ويترك المجتمع من حوله، نحن بإمكاننا أن نقدم كثيراً من الإصلاح لمجتمعنا، سواء على مستوى زملائنا في المدرسة، أو على مستوى أقربائنا، أو على مستوى حينا، فإنكار المنكر من أعظم شعائر الدين، ومع هذا كثير من الناس اليوم مفرط فيه تفريطاً كبيراً، أنت تخرج الآن من الدرس فتجد إنساناً مثلاً مشغل الموسيقى، أو تجد مثلاً شاباً يغازل امرأة، وعندما تأتي السياحة في الصيف نرى منكرات كبيرة، فلماذا لا نتبرع كل اثنين من الشباب يذهبان إلى محل من المحلات، وينصحان هؤلاء الأشخاص بالرفق وبالتي هي أحسن وبأطيب أسلوب وبذكاء؟ لماذا لا تكون عندنا شجاعة أدبية، بحيث ننصح الآخرين ونقوم بتذكيرهم ووعظهم وإرشادهم وإقامة الحجة عليهم؟ أما أن يظن الإنسان أنه لا يستطيع أن ينكر المنكر، وغير قادر على مواجهة الآخرين، فلا شك أن هذا ضعف في الإنسان، وأنه ينبغي أن يتجاوزه، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الطاعات الشرعية؛ لأنها طاعة متعدية لمصلحة الخلق، فبالإضافة إلى حفظ الإنسان لكتاب الله، ودراسته للعلم وعنايته به، وحضوره لمجالس الذكر، لابد من التركيز على الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وينبغي أن يكون من برنامج الإنسان اليومي أن ينكر منكراً، يعني: لا تنام في يوم من الأيام إلا وتكون قد أنكرت منكراً، والمنكرات كثيرة في حياة المسلمين مع الأسف، لكن المشكلة أن دور كثير من المسلمين اليوم سلبي وليس إيجابياً، حتى لو كانت عندك أخطاء فلا يعني هذا أنك لا تنكر، إذا وجدت إنساناً لا يصلي حتى لو كنت حليقاً، حتى لو كانت عندك معاص؛ لأن الصلاة عمود الدين، والذي لا يصلي يكون من الكافرين، ولهذا يجب أن تنصحه، وأن تذكره بالله.
كذلك المحافظة على الأعراض مقصد من مقاصد الشريعة، فإن حفظ الأنساب والأعراض مقصد شرعي، والآن الزنا منتشر انتشاراً كبيراً جداً بشكل منظم، ودور البغاء أصبحت منتشرة انتشاراً كبيراً جداً، وكثير من الناس يدركون هذا الأمر، فلماذا لا يكون لدينا حملة تطهير للبلد من هؤلاء الفاسدين والفاسدات؟ بعض الاستراحات تتحول إلى مراقص، يأتي شخص فيستأجرها ويأتي بنساء ويرقصن ويغنين ويشربون الخمور والعياذ بالله، فالواجب هو أن يكون لنا موقف حازم من هذا الأمر، فإن المنكر إذا انتشر في أمة من الأمم، فإنه مؤذن بالهلاك العام والعياذ بالله، والله يقول: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥] يعني: ستصيب الظالمين وتصيبنا نحن، هذه وسفينة المجتمع إذا خرقها هؤلاء ولم نأخذ على أيديهم ولم نمنعهم فإننا سنغرق معهم، فلا يصح أن يقول الإنسان: ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]؛ لأن من لوازم الاهتداء أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
أكتفي بهذا، وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 120
أصول العقيدة [٧]
الإيمان قول وعمل, يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية, وفي هذه الجملة ينحصر مفهوم الإيمان عند أهل السنة والجماعة, وأصل ضلال المنحرفين في هذا الباب من الفرق الضالة مرده إلى اعتقاد عدم زيادة الإيمان ونقصانه, والإيمان أنواع, فمنه أصل يزول الإيمان بزواله, ومنه الكمال الواجب, ومنه الكمال المستحب, وطريقة تحصيل الاعتقاد الصحيح فيه هي جمع النصوص الواردة فيه وفي مسائله, كالحال في الوعيد, وهو المسلك الذي درج عليه أهل السنة وضل فيه المنحرفون.
стр. 121
أهمية الإيمان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: موضوع الإيمان من أبرز الموضوعات العقدية، وربما يكون مصطلح الإيمان من أكثر المصطلحات تردداً في القرآن الكريم والسنة النبوية، ولهذا يقول الله : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].
فالإيمان هو أساس الدين والعقيدة والملة، والإيمان هو الذي لا يقبل الله من أحد يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً إلا به، ولا يمكن أن يكون من أهل الجنة، ولا يمكن أن يكون بعيداً عن النار إلا به.
стр. 122
حقيقة الإيمان
стр. 123
اتفاق السلف وأتباعهم على تعريف الإيمان بأنه قول وعمل
والسلف الصالح عرفوا الإيمان بتعريف منضبط دقيق، ومن أعجب الأمور في تعريف السلف للإيمان هو اتفاقهم على تعريف واحد دقيق مع اختلاف أقطارهم، ومع اختلاف أماكنهم، ومع اختلاف السنوات التي عرف فيها هذا المصطلح الشرعي، وهو: أن الإيمان قول وعمل، فقد اتفق المسلمون في شرق البلاد الإسلامية وغربها وشمالها وجنوبها ووسطها على أن الإيمان قول وعمل، والمقصود بالقول قول القلب، وقول القلب: هو تصديقه وإقراره بما جاء في القرآن والسنة، أو هو تصديقه بالخبر والمخبر به.
والقول يشمل أيضاً قول اللسان، فيدخل في قول اللسان شهادة التوحيد: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ويدخل فيه أيضاً ذكر الله، ويدخل فيه قراءة القرآن، والدعوة إلى الله ، والنصيحة، وكل العبادات القولية.
أما العمل فيدخل فيه أمران: الأمر الأول: عمل القلب، والمقصود بعمل القلب هو الاستسلام والخضوع لله ، والتوكل عليه والإنابة والرغبة والخوف والرجاء والمحبة ونحو ذلك من الأعمال القلبية، فهي داخلة في الإيمان؛ بل هي أساس الإيمان.
الأمر الثاني: عمل الجوارح، ويدخل في عمل الجوارح كل العبادات التي تكون عن طريق الجوارح مثل: الصلاة والصيام والحج والزكاة والجهاد في سبيل الله ونحو ذلك من الأعمال الإسلامية التي تكون عن طريق الجوارح.
فنلاحظ أن الإيمان يشمل الدين كله، فكل العبادات القولية من الإيمان، وكل العبادات الاعتقادية من الإيمان، وكل العبادات العملية من الإيمان، والإيمان كما هو معلوم شعب وأنواع وخصال، وله سنام، وله أصل وفرع، وله أعلى وأدنى؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (الإيمان بضع وستون شعبة -وفي لفظ: بضع وسبعون شعبة-؛ فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، ففي هذا الحديث بيان للإيمان بكل شعبه، وبكل أنواعه السابقة، فقوله: (فأعلاها قول لا إله إلا الله) هذا القول، وقوله: (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) هذا عمل الجوارح، وقوله: (والحياء شعبة من الإيمان) هذا عمل القلب، وتصديق القلب داخل في عمله، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إنه لا إيمان إلا بعمل القلب، فقول اللسان من دون عمل القلب فإنه يكون مثل فعل المنافقين، وعمل الجوارح بدون اعتقاد القلب فإنه يكون كذلك من أعمال المنافقين؛ فإن المنافقين يتكلمون بالإيمان ويعملون بأعمال الإيمان، لكنهم لا يوجد عندهم اعتقاد القلب ولا عمل القلب؛ بل يقولون بهذه الأعمال وهذه الأقوال من أجل أن يرفعوا عن أنفسهم تهمة الكفر، فيتظاهرون بالإسلام لهذا الغرض.
وهذا الإمام ابن مندة ﵀ في كتابه العظيم (الإيمان) وهو كتاب مطبوع في مجلدين، استنبط من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، فأخذ منه أن الإيمان يكون بالقول، ويكون بالعمل، ويكون أيضاً بالقلب، وأنه يزيد وينقص، ودلالة أن الإيمان يكون بالعمل مأخوذ من قوله: (فليغيره بيده)، ودلالة كونه يكون باللسان مأخوذ من قوله: (فإن لم يستطع فبلسانه)، وهذا يدل على أن اللسان جزء من الإيمان، وعمل اللسان جزء من الإيمان، وقوله: (فمن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) هذا يدل على أن اعتقاد القلب من الإيمان، وقوله: (أضعف) يدل على أن هناك ما هو أقوى، فكل ما قبل الزيادة قبل النقصان، وكل ما قبل النقصان قبل الزيادة، فالإيمان يزيد وينقص.
ودلالة زيادة الإيمان ونقصانه أوضح من أن يستدل عليها بمثل هذا الاستدلال؛ لأن النصوص الشرعية في التصريح بالزيادة ظاهر في كتاب الله، قال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، وغيرها من الآيات الواردة في هذا الباب.
وقد نقل الإجماع على أن الإيمان قول وعمل الإمام أحمد والشافعي وابن عبد البر في التمهيد وابن قدامة المقدسي وغيرهم من أهل العلم.
стр. 124
اتفاق معنى عبارات السلف المختلفة في بيان حقيقة الإيمان
ومما يعنينا في باب تعريف الإيمان الإشارة إلى مسألة مهمة جداً، وهي أن تعريفات السلف الصالح للإيمان جاءت بصيغ مختلفة، مع أن أشهر صيغة على الإطلاق في تعريف الإيمان هي أن الإيمان قول وعمل، وهي أدق صيغة في هذا الباب، وشرحها كما سبق أن بينا، ولكن بعض السلف عبر عن الإيمان بتعريف آخر وبتعبير آخر فقال: إن الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، وهذا التعريف موافق للتعريف الأول، وبعضهم قال: الإيمان قول وعمل ونية، وبعضهم قال: الإيمان قول وعمل ونية واتباع للسنة.
فهذه التعريفات أقل في الشهرة من تعريف الإيمان بأنه قول وعمل، لكن المعاني واحدة، فمن قال: إن الإيمان إقرار باللسان، أو قول باللسان هذا داخل في قول اللسان، وتصديق بالجنان، هذا يشمل التصديق والعمل، وعمل بالأركان هذا يشمل: عمل الجوارح.
ومن قال: أن الإيمان قول وعمل، وزاد لفظة النية؛ فإنه خشي أن يفهم من كلمة (عمل) أن يراد بالعمل هنا عمل الجوارح فقط، فأضاف نية، يعني: عمل القلب حتى لا يهمل؛ لأن عمل القلب كما سيأتي معنا هو أهم عناصر الإيمان.
ومن قال: إن الإيمان قول وعمل ونية واتباع للسنة، فزاد لفظة السنة؛ لأنه خشي أن يفهم أن القول والعمل هنا يمكن أن يكون إيماناً حتى لو لم يمكن هناك اهتمام بسنة النبي ﷺ ، فأضاف هذا القيد وهذا الشرط.
فالتعريفات هذه ليس بينها خلاف معنوي، بل الخلاف لفظي، وكل هذه التعريفات راجعة إلى معنى واحد كما سبق أن أشرنا.
стр. 125
أهمية عمل القلب ومنزلته من الإيمان
أهم عنصر من عناصر تعريف الإيمان هو عمل القلب؛ لأن بقية أجزاء الإيمان تعود إليه، فإن عمل القلب هو المؤثر في بقية عناصر الإيمان ومكوناتها الأخرى، فإذا وجد عمل القلب، فإن عمل القلب يدفع إلى عمل الجوارح وقول اللسان، وإذا وجد عمل القلب، فإن عمل القلب يتضمن تصديق القلب، فإنه لا يتصور أن يكون إنسان عنده خوف من الله وهو غير مصدق به، ولا يتصور أيضاً أن يكون إنسان عنده محبة لله ورجاء وتوكل على الله وهو في نفس الوقت غير مصدق به، فتصديق القلب داخل في عمل القلب، وعمل القلب لا يمكن أن يوجد إلا ومعه تصديق القلب، فلو أن إنساناً توكل على الله سبحانه تعالى، فإنه لابد أن يكون مصدقاً بمن توكل عليه، وإلا كيف يمكن أن يتصور الإنسان شخصاً يتوكل على من يكذبه، ويعتمد على من يكذبه، هذا غير وارد، وكذلك الحال في المحبة، والخشية، والإنابة، والاستسلام، والانقياد، والرضا، والقبول ونحو ذلك من الأعمال القلبية.
وأما بالنسبة لعلاقة عمل القلب بقول اللسان، فإنه لا يمكن أن يكون هناك عمل قلبي إلا ويوجد له أثر في الظاهر؛ لأن العلاقة بين الباطن والظاهر علاقة تامة؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فالقلب إذا وجد فيه عمل من الأعمال؛ إذا وجد فيه الخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والرضا، والاستسلام فإنه لابد أن يكون له أثر في الظاهر، سواء كان هذا الأثر قليلاً أو متوسطاً أو كثيراً، بحسب العمل القلبي الموجود في الإنسان، فإذا كان عمل الظاهر قليلاً فأيضاً عمل القلب سيكون قليلاً، وإذا كان عمل الظاهر كثيراً فإن عمل القلب كثير، ولا يمكن أن يتخلف الارتباط بين عمل القلب وبين مقتضاه في قول اللسان وعمل الجوارح، إلا في حالتين فقط لا ثالث لهما: الحالة الأولى: حالة النفاق، فإن المنافق يظهر الإسلام ويتكلم بالإسلام ويعمل بالإسلام، مع أنه ليس في قلبه شيء من الإيمان.
الحالة الثانية: حالة المكره، فإن المكره يعمل من الأعمال ما لا يكون مقتنعاً به في الداخل؛ لوجود عارض الإكراه.
ففي هاتين الحالتين يمكن أن يظهر من الإنسان شيء مخالف لما في الباطن، وأما في الحالة الطبيعة المعتادة فإنه لا يمكن أن يكون الإنسان محباً لله معظماً لله متوكلاً على الله ثم يسب الله، أو يسب الرسول ﷺ ، أو يسب أصحاب النبي ﷺ ، أو يحارب الدين، أو يحارب الإيمان والإسلام، أو يدعو إلى النصرانية، أو يعظم النصارى ويساعدهم على المسلمين مساعدة تامة، أو يعبد غير الله ، أو يدوس المصحف، أو يلبس الصليب مثلاً، أو يعمل من الأعمال التي تنقض الإيمان وتبطله، فينبغي إدراك هذه القاعدة، فهي من أهم القواعد الشرعية في باب الإيمان.
فإن الإيمان مكون ومركب من أمرين: القول، والعمل، وكل واحد من هذين المركبين ينقسم إلى قسمين: فالقول قول القلب، وقول اللسان.
والعمل عمل القلب، وعمل الجوارح.
وإذا أردنا أن نقسم الإيمان على أعضاء الإنسان فسنجد أنه ينقسم على أعضائه الثلاثة: القلب، واللسان، وبقية الجوارح، هذه هي الأعضاء التي يتحرك بها الإنسان، ومحرك اللسان ومحرك الجوارح الأساسي هو القلب، وهذا أمر معروف فطرة وخلقة وشرعاً أيضاً.
فإن الدافع الحقيقي لعمل الإنسان هو القلب كما هو معلوم، ولهذا عبر أبو هريرة ﵁ عن هذا الارتباط بقوله: (القلب ملك، والأعضاء جنوده، فإذا صلح الملك صلحت الأعضاء، وإذا فسد الملك فسدت الأعضاء).
وبناء على هذا يكون الموجه الحقيقي هو عمل القلب، وبهذا يبدو لنا أن عمل القلب من أهم أنواع الإيمان، وعمل القلب هو نفسه توحيد الألوهية، فنحن إذا عرفنا توحيد الألوهية كما سبق أن قلنا: إن توحيد الألوهية هو: إفراد الله تعالى بالعبادة، والعبادة تشمل عبادة القلب وتشمل عبادة الجوارح.
وإذا رجعنا إلى شروط لا إله إلا الله نجد أنها أعمال قلبية: الإخلاص، القبول، المحبة، الرضا، وهكذا نجد أنها كلها أعمال قلبية، وهي جزء أساسي من توحيد الألوهية.
وبناء على هذا فإن عمل القلب يعتبر أهم عناصر الإيمان، وهو الدافع الحقيقي لأعمال الجوارح ولنطق اللسان أيضاً.
стр. 126
أنواع الإيمان
الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو أنواع: منه أصل، إذا زال الإيمان فإنه يزول.
ومنه كمال الواجب، إذا زال فإنه لا يزول الإيمان، لكن يزول كماله الواجب.
ومنه كمال مستحب، إذا زال فإن الإنسان لا يعاقب عليه.
مثال أصل الإيمان: المحبة، والخوف، والرضا من الأعمال القلبية.
مثال ثان: الصلاة.
مثال ثالث: الإقرار بنبوة النبي ﷺ .
مثال رابع: تعظيم الدين بشكل عام.
مثال خامس: قول لا إله إلا الله، فكل هذه تعتبر من أصول الإيمان، إذا لم توجد فإن الإيمان لا يكون مقبولاً، ولهذا لما جاء الرسول ﷺ إلى عمه أبي طالب قال له: (يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله، فمات وهو يقول: بل على ملة عبد المطلب)، وهذا دليل على أنه لو قالها لأسلم، وهي علامة الإسلام في الابتداء، ثم الاستمرار يكون بالإتيان بمقتضيات لا إله إلا الله ولوازمها الشرعية، وشروطها التي سبق أن أشرنا إليها.
فلو أن إنساناً لم يقل: لا إله إلا الله أبداً لا يكون مسلماً، فإذا قال: لا إله إلا الله فإنه يجب الكف عنه، ولهذا في حديث أسامة بن زيد الشهير عندما جاء إلى الكافر ولاذ بشجرة فقال: لا إله إلا الله فقتله، فغضب النبي ﷺ عندما علم وقال: (أقتلته بعد أن قالها؟ ثم قال: يا رسول الله إنما قالها تعوذاً، قال: أشققت عن قلبه؟)، ولهذا فإن الإيمان منه أصول أساسية يزول الإيمان بزوالها، ومنه كمال واجب يترتب الإثم على تركها، مثل: بر الوالدين، فلو تركه لكان آثماً، ومثل: ترك الذنوب والمعاصي، فلو أنه قارف الذنوب والمعاصي لكان آثماً، لكن إيمانه لا يزول بالكلية، فشارب الخمر، والزاني، وعاق الوالدين ونحو ذلك من أصحاب الذنوب والمعاصي كل هؤلاء لا يكفرون، ولا يقال: إنهم كفار خارجون عن الإسلام، بل هم مسلمون، والأدلة الواردة في نفي الإيمان عنهم إنما المراد به نفي كمال الإيمان الواجب، وليس نفي أصل الإيمان.
стр. 127
قاعدة في كيفية التعامل مع النصوص الشرعية الواردة في باب الإيمان ونحوه
ينبغي أن نعرف قاعدة في التعامل مع النصوص الشرعية في باب الإيمان وفي غيره من الأبواب، وهذه القاعدة هي: أن الإنسان لا يصح له أن يأتي بنص واحد من النصوص، ويعتمد عليه، ويستخرج منه حكماً ويلغي بقية النصوص، فمثلاً: لو أن إنساناً جاء وقال: النمام كافر، قلنا له: وما هو الدليل على أن النمام كافر؟ فقال: قال النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة نمام)، وإذا كان لا يدخل الجنة فمعنى ذلك أنه يدخل النار، نقول: لا، هذا غير صحيح، التعامل بهذه الطريقة مع النصوص غير صحيحة، فالآيات التي ورد فيها نفي الإيمان أو التي ورد فيها أن الفعل الفلاني لا يدخل صاحبه الجنة أو أنه يدخل النار، هذه النصوص تسمى عند العلماء ألفاظ الوعيد أو نصوص الوعيد فيجب أن تجمع في مكان واحد، وأن يميز بين ما يدل على الكفر منها وما لا يدل، فالقتل أشد أنواع الكبائر، والله يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]، هذه خمسة عقوبات منها قوله: ((خَالِدًا فِيهَا))، ومع ذلك فإن القاتل المسلم إذا قتل إنساناً مسلماً فإنه يجوز لأولياء الدم أن يعفو عنه، ولو كان كافراً لما جاز العفو عنه، هذا أولاً.
ثانياً: يجوز لهم أن يقبلوا عوضاً، وهو الدية، ولو كان كافراً لما صح قبول العوض منه.
ثالثاً: أن الله سماه أخاً، فقال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة:١٧٨]، ولو كان كافراً لما سمي أخاً؛ لأن المسلم لا يكون أخاً للكافر أبداً، والله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، فجعل المؤمنين هم الإخوة، وهذا حصر وقصر في الإخوة، ويقول الله : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، فوصفهم بالإيمان مع وجود الاقتتال بينهم.
وهذه النصوص الشرعية التي تسمى نصوص الوعيد هي تدل على الذم لهذا الفعل، وتدل على تحريم هذا الفعل، وتدل على خطورة هذا الفعل، لكنها لا تدل على التكفير إلا بقرينة صريحة في هذا الباب، فلو أن إنساناً استدل مثلاً بقول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)، فيقول: إن هذا الحديث نص في أن شارب الخمر والسارق والزاني غير مؤمن، ومعنى ذلك: أنه يكون كافراً، نقول: لا، ثبت أن النبي ﷺ أقام الحد على هؤلاء، ولو كانوا كفاراً لما كان لإقامة الحد معنى؛ خصوصاً أن بعض الحد مخفف مثل: الجلد، فلو أن شاباً غير متزوج زنى، فما هو الحكم الشرعي فيه بعد ثبوت الزنا عليه؟ إنه الجلد وتغريب عام، فلو كان كافراً لما كان هناك حد شرعي، لكان الواجب أن يقتل، وكذلك شارب الخمر لو كان كافراً لما أمر النبي ﷺ أن يضرب أربعين سوطاً، وإنما يأمر بقتله، وكذلك السارق لو كان كافراً لما قطعت يده، ولكان قطع رأسه، فالحدود وتفاوت الحدود دليل على أن أصحاب هذه الجرائم وأصحاب هذه الكبائر ليسوا كفاراً.
إذاً: كيف نفهم حديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)؟ نقول: نفهمه على أنه نفي لكمال الإيمان الواجب، فإذا قال إنسان: على أي أساس تفهم هذا الفهم؟ نقول: جمعاً بينه وبين فعل النبي ﷺ عندما أقام الحدود على هؤلاء، وخير من يطبق كلام الرسول ﷺ هو الرسول ﷺ نفسه، فقال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) وجلد، فكيف ينفي عنه الإيمان المطلق ويجلده؟ لو كان كافراً لقتله؛ لأن النبي ﷺ يقول: (من بدل دينه فاقتلوه).
стр. 128
قاعدتان مهمتان في التعامل مع نصوص الوعيد
يجب أن تجمع النصوص الشرعية في باب الوعيد في مكان واحد فباب الوعيد فيه قاعدتان مهمتان لابد من الاهتمام بها: القاعدة الأولى: هي جمعها في مكان واحد، وفهم النصوص بعضها على ضوء بعض، وألا ينفرد الإنسان بنص ويبني عليه حكماً شرعياً ويلغي بقية النصوص؛ فإن قبول هذا الدليل ليس بأولى من قبول ما ألغاه، وهذه قاعدة من القواعد الشرعية، فإن الجمع بين الدليلين أولى من إلغاء أحدهما؛ لأن مصدر الدليلين هو الله أو الرسول ﷺ .
القاعدة الثانية: أن ألفاظ الوعد والوعيد لها شروط وموانع، يعني: لا تتحقق إلا بوجود شروطها وانتفاء موانع الوعد والوعيد، فليس كل إنسان حصل منه هذا الفعل فإنه يطبق عليه ما ورد في الحديث، فمثلاً: لو أن إنساناً وجد إنساناً يغتاب آخر فقال: هذا لا يدخل الجنة، وسيكون من أهل النار، وطبق عليه الحديث وحكم عليه أنه من أهل النار، نقول: لا يا أخي لا تستعجل، ربما يكون هناك مانع من الموانع، ربما يكون عنده حسنات تكفر هذه المعصية؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، وربما تكون عنده توبة صادقة، وربما يشفع له النبي ﷺ يوم القيامة أو يشفع له الشافعون، هناك موانع تسمى عند العلماء: موانع إنفاذ الوعيد، وكما أن هناك شروطاً يجب أن تكون في المكلف حتى يقع عليه هذا الوعيد، فكذلك الحال في الوعد، فليس كل وعد يحقق، فلو أن شخصاً قال: لقد دعوت الله أن يدخلني الجنة، والله يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، فسأدخل الجنة قطعاً، وحكم بهذا، وجزم بأنه من أهل الجنة بهذه الطريقة، نقول: هذه الطريقة خاطئة في فهم نصوص الوعد، فإن الدعاء وما يترتب عليه من الوعود الشرعية لابد من وجود شروط فيه، فليس كل دعاء مقبولاً، وربما يظن الإنسان أن الشروط توافرت ولم تتوافر في الحقيقة؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]، ولهذا قال ابن عمر: لو أنني علمت أن صلاة واحدة تقبلت مني لتمنيت الموت بعدها؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧].
فينبغي معرفة هاتين القاعدتين في باب الوعد والوعيد؛ فإن كثيراً من الناس لا يفقهها ولا يفهمها على أصولها الصحيحة.
стр. 129
أصل ضلال الفرق المنحرفة في باب الإيمان
بقي أن نشير إلى نقطة مهمة جداً، ونختم بها ما يتعلق بموضوع الإيمان، وعن نواقض الإيمان، وفي اللقاءات القادمة سنتحدث عن أركان الإيمان تفصيلاً بإذن الله تعالى.
القضية التي نختم بها: هي أن أصل ضلال الفرق الضالة في باب الإيمان هو اعتقاد هذه الفرق بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فهم يعتقدون أن الإيمان كلية واحدة لا تزيد ولا تنقص، فإذا نقص الإيمان اعتبروه كفراً، فترتب على هذه العقيدة الفاسدة في موضوع زيادة الإيمان ونقصانه الانحراف الكبير الذي وقع في فهمهم لحقيقة الإيمان.
فالخوارج قالوا: الإيمان قول وعمل قطعاً، واستدلوا بالنصوص الشرعية الواردة في أن الإيمان قول وعمل، ثم جاءوا إلى العمل، وقالوا: إذا زال جزء من العمل فإنه يزول الإيمان بأكمله، ولهذا كفروا أصحاب المعاصي، والذين يتركون الواجبات الشرعية.
والمرجئة اعتقدوا أنهم لو قالوا: إن العمل من الإيمان فإنه يلزمهم مذهب الخوارج، فنفوا وجود العمل في حقيقة الإيمان بناء على الهروب من طريقة الخوارج.
إذاً: أصل الداء واحد، ثم افترقت منه فرقتان متقابلتان، وأصل انحرافهم واحد هو اعتقادهم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ثم الخوارج قررت أن الإيمان قول وعمل، فرتبوا على أنه إذا نقص جزء من العمل فإن صاحبه كافر، والمرجئة وافقت على الأصل أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ورأت أثر تعريف الإيمان بأن الإيمان قول وعمل على الخوارج فنفت دخول العمل في حقيقة الإيمان، وقالوا الإيمان: تصديق القلب، وإذا نقص تصديق القلب فإنه كفر، أما إذا وجد تصديق القلب فإنه مسلم، حتى لو ترك جميع أعمال القلب والجوارح، يعني: لو لم يوجد في قلبه محبة لله، ولو لم يوجد في قلبه خوف من الله، ولو لم يوجد في قلبه توكل، ولو لم يعمل من أعمال الظاهر أي عمل فإنه يكون مؤمناً، وهذا لا شك أنه تلاعب بالدين؛ فإن حقيقة الإيمان التي مارسها رسول الله ﷺ وأصحابه لم توجد هذه الحالة مطلقاً عندهم، فقد أسلم في فترة دعوته ﵊ في مكة وفي المدينة أعداد كبيرة من الناس، ومع هذا لم يوجد شخص يقول: أنا مصدق، ثم لا يعمل شيئاً من أعمال الإسلام الظاهرة والباطنة، حتى المنافقين وهم منافقون كانوا يأتون بأعمال الإسلام الظاهرة؛ لأنهم يعرفون أنهم لو تركوا أعمال الظاهر فضلاً عن أعمال القلب فإنهم لا يكونون مسلمين؛ لأن المسلم هو المستسلم لله المنقاد له.
وكان المنافقون يذهبون معهم في الجهاد على تباطئ فيهم وضعف وتراجع، ويشهدون الصلاة مع الناس، ويتظاهرون بالإسلام، ولو كانوا يعلمون أنه يمكن لهم ترك جميع أعمال الظاهر وأعمال القلب، ويكونون مسلمين ولا يقام عليهم حد الردة، لما فعلوا ذلك ولما أتعبوا أنفسهم ولما أشقوا أنفسهم في العمل وهم غير مقتنعين به.
لكن المرجئة يلعبون بالدين وهم من أهل التفريط، وكذلك الخوارج من أهل الغلو والإجحاف والظلم والجور على المسلمين، فهم يكفرون المسلمين ويستحلون دماء عصاة المسلمين، مع أن هؤلاء العصاة موطن دعوة يجب أن يدعون إلى الله ، ولا يجوز تكفيرهم؛ لأنهم من أهل الإسلام، وممن يقومون بالإسلام، وهذه الأخطاء والذنوب ينصحون بالتوبة عنها، أما التكفير فإنه من أخطر الأمور، ولا يوقع إلا على صاحبه، ولا يصح لمسلم أن يكفر مسلماً آخر، وإنما إذا كفر الإنسان فإنه ينظر إلى حاله، إن وجدت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع فإنه يكفر، وإن لم توجد به الشروط ولم تنتف عنه الموانع، فإنه لا يكفر.
بهذا نكون انتهينا من درس هذا اليوم، وفي اللقاء القادم إن شاء الله سنتحدث عن نواقض الإيمان بشكل عام، وأيضاً سنتحدث عن شيء من ضوابط التكفير بإذن الله تعالى.
стр. 130
الأسئلة
стр. 131
حكم الجهاد في سبيل الله مع الوقوع في المعاصي والبدع
السؤال
يقول أحد الإخوة: جمعني مجلس مع أحد الأشخاص فقال: إنه لا يسوغ الجهاد مع أي شعب مسلم؛ حتى يتخلص هذا الشعب من جميع الشرك الأصغر والبدع والمعاصي، وإنك لو جاهدت معهم وهم على هذه الحال فلن تنتصروا على الأعداء، ويستدل على ذلك بأن الصحابة هزموا في غزوة أحد، وكذلك هزموا في بداية غزوة حنين، علماً بأن المعصية لم تصل إلى حد الشرك والبدع، ويستدل بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، ولابد من نصر الله بتطهير المجتمع من البدع والمعاصي، فهل هذا القول صحيح؟
الجواب
لا شك أن هذا القول ليس بصحيح بشكل عام، فهذا الشخص يتصور أن هذه الشعيرة من شعائر الإسلام وهي الجهاد في سبيل الله لا يمكن أن تقوم إلا إذا تصفى المسلمون من جميع أنواع الذنوب والمعاصي، وهذا غير ممكن، والواقع في تاريخ المسلمين أنهم جاهدوا أعداءهم مع وجود الذنوب والمعاصي، والذنوب والمعاصي تصحح عن طريق الجهاد أيضاً، فإن الجهاد من أعظم العبادات، ولا يمكن أن يشارك إنسان في الجهاد إلا وهو يريد وجه الله والدار الآخرة، وهذا الشعور بإذن الله تعالى يذهب بقية الذنوب والمعاصي، فأنت عندما تجتمع مع ألف شخص، هؤلاء الألف يريدون الجهاد في سبيل الله، وقد كانوا يعملون الذنوب والمعاصي، هذه الإرادة التي هي إرادة الجهاد والمشاركة في العمل القتالي، وتعريض النفس للخطر والقتل، هذه تدل على إيمان عظيم في قلب صاحبه، وبناء على هذا فإن هذا الإيمان العظيم في قلب صاحبه سيكون بإذن الله سبباً من أسباب تكفير ذنوبه ومعاصيه التي كان يعملها، ولهذا كان أبو محجن الثقفي كما تعلمون يشرب الخمر وسجنه سعد، ثم بعد ذلك لما رأى الجهاد اشتاق إليه وخرج وقاتل في سبيل الله، وأثنى عليه الصحابة، ولم يمنعوه من الجهاد، ثم إن الجهاد في سبيل الله عمل من أعمال الإسلام، لو كانت أعمال الإسلام لا يفعلها الإنسان إلا إذا كان صافياً نقياً من الذنوب، فيمكن أن أقول: لماذا أصلي وأنا عندي ذنوب؟ يعني: لو أن الزاني قال: أنا لماذا أصلي وأنا عندي ذنوب؟ أو لماذا أصوم؟ أو لماذا أعمل بقية أعمال الإسلام؟ سبحان الله! يعني: أنت بدل أن تعالج المشكلة تزيد المشكلة تترك الصلاة! يا أخي! حتى لو كان عندك تقصير فاعمل بأعمال الإسلام: انصر المظلوم، تصدق، ارفع يديك في كل يوم واسأل ربك أن يقيك الله شر هذا الذنب، وتب إلى الله منه، هكذا ينبغي للإنسان أن يتعامل مع الذنوب، أما أن يتعامل الإنسان مع الذنوب بحيث يجره الشيطان من ذنب إلى ذنب آخر حتى يوصله إلى الكفر، فهذه من أخطر حيل الشيطان وخطواته.
ولهذا نحن نطالب الأمة جميعاً باليقظة، ونطالبها بالجهاد في سبيل الله، وبالاستعداد، وبتحديث النفس بالجهاد في سبيل الله؛ لأن النبي ﷺ يقول: (من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق)، على الأقل يحدث الإنسان نفسه بالغزو، ويتمنى ويشتاق أن يشارك في صفوف المسلمين ضد أعدائهم، ويتمنى أن يقاتلهم في سبيل الله وأن يقتل شهيداً، وعندما يرى إنساناً قتل شهيداً يتمنى أنه ممن قتل شهيداً؛ حتى يدخل الجنة التي عرضها السماوات والأرض.
يجب علاج الأمة من الذنوب والمعاصي وأعظم علاجها هو الجهاد في سبيل الله، يعني: لا ننتظر ونتوقف عن الجهاد حتى نصفي الأمة من البدع وحتى نصفيها من الشرك الأصغر، هي مسلمة حتى لو كان عندها شرك أصغر، هي مسلمة حتى لو كان عندها بدع، ما دام لم تصل إلى الشرك الأكبر، لكن لو وصلت إلى الشرك الأكبر مثل: الشيعة فيجب أن نقف هنا ونقول: أولاً: أسلموا، ثم بعد ذلك جاهدوا، أما أن تجاهد على الكفر ما هي الفائدة؟ إذاً: إذا كانوا مسلمين وعندهم تقصير فيجب أن نشجعهم على الجهاد في سبيل الله، وأنه عمل من أعمال الإسلام، فلو أن إنساناً زان أو شارب للخمر رأيته يصلي ركعتين فهل ستقول له: لماذا تصلي ركعتين وأنت شارب خمر؟! سبحان الله! هذه شعبة من شعب الإسلام، وهذا خطأ أخطأه، كذلك الزاني لو تصدق هل تقول: لماذا تتصدق وأنت زانٍ؟! سبحان الله! هذا التصدق يكفر عن نفسه الذنب، وأيضاً حتى لو كان شارباً للخمر وجاهد، فهل نقول له: لماذا تجاهد؟ وربما يقول بعضهم: إننا سنهزم، نقول: الهزيمة لها أسباب كثيرة، والمعصية سبب من الأسباب، وهذا السبب قد يحصل وقد لا يحصل، فقد تكون الأمة فيها ذنوب ومعاص وينصرها الله ، هل تتصورن الجيش الذي قاده صلاح الدين الأيوبي وحرروا بيت المقدس كانوا كلهم من الصالحين؟ هل هم كلهم من الأتقياء الأبرار بدون استثناء؟! لا، أنا أجزم بأنهم ليسوا كلهم، وليس كل فرد فيهم، ولهذا كان النبي ﷺ عندما يذهب للغزو يذهب ومعه بعض المنافقين، ففي غزوة تبوك مثلاً عندما خرج بدءوا يعتذرون، وشاركوا معه في غزوة بني المصطلق، وشاركوا معه في بعض الغزوات، صحيح أن الرسول ﷺ لم يكن يحرص عليهم، لكن لم يكن يمنعهم من الغزو، ما كان يقل
стр. 132
تفسير مقالة المرجئة أنه لا يضر مع الإيمان معصية ولا ينفع مع الكفر طاعة
السؤال
ما معنى المقولة: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة؟
الجواب
هذه كلمه يقولها بعض المرجئة، وإن كان ابن تيمية ﵀ يرى أنها لم تثبت عن شخص معين، قالوا: لا يضر مع الإيمان معصية، يعني: إذا وجد الإيمان الذي هو التصديق القلبي لا يضر معه المعاصي! وهذا خطأ، فالمعاصي تؤثر في الإيمان.
стр. 133
أصول العقيدة [٨]
للإيمان نواقض يرجع بها العبد إلى الكفر ويخرج بها من الملة, ومردها جميعًا إلى الاعتقاد والقول والفعل, وأما أفرادها فكثيرة, منها: اعتقاد قدم العالم كما عليه طائفة من الفلاسفة, واعتقاد المذاهب الإلحادية, وادعاء النبوة, وغير ذلك من النواقض المخرجة للعبد من الإيمان.
стр. 134
نواقض الإيمان
стр. 135
معنى النواقض وبيان ما يدخل فيها
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فموضوعنا نواقض الإيمان، والنواقض جمع ناقض، والناقض هو المبطل والمزيل، ومعنى نواقض الإيمان مبطلات الإيمان.
ونواقض الإيمان هي ضد الإيمان، ويشمل ذلك الكفر، والشرك، والبدع المكفرة التي تخرج الإنسان عن دائرة الإسلام.
стр. 136
ضابط الكفر الناقض للإيمان
الإيمان قول وعمل، والكفر ضد الإيمان، فالكفر قد يكون بقول اللسان، أو بعمل الجوارح، أو باعتقاد القلب.
فمثال الكفر الذي يكون بقول اللسان: سب الله تعالى، أو سب الدين، أو سب الرسول ﷺ ، أو سب أصحاب النبي ﷺ جميعاً، أو ادعاء النبوة، أو إنكار الكتب المنزلة، أو إنكار الرسل الكرام، أو رسالاتهم، أو إنكار أي أمر من الأمور الواضحة في كتاب الله .
ومثال المكفرات العملية التي تكون بعمل الجوارح: عبادة غير الله ، مثل: دعاء غير الله ، أو الاستغاثة بغير الله، وهي تابعة للمكفرات القولية، الطواف حول القبور، والذبح لها، والنذر لغير الله، والسجود لغير الله، وإهانة المصحف، والسجود لصنم من الأصنام، وتقديم أي نوع من أنواع العبادة العملية لغير الله ، ومن ذلك الحكم بغير ما أنزل الله، والإعراض التام عن دين الله فلا يتعلمه ولا يعمل به، ولا يراعي في عمله أو قوله أو تصرفه أي حكم من الأحكام الشرعية.
وأما المكفرات والنواقض القلبية فهي كثيرة، فمنها: بغض الدين، أو رسول الله ﷺ ، أو أحد من الرسل، أو بغض رب العالمين، أو بغض شريعته، أو تكذيبها، واعتقاد أن هذه الشرائع كذب، وأنها لا حقيقة لها.
ونحو ذلك من العقائد الكفرية، وتولي الكافرين، ومحبتهم إلى درجة نصرتهم على المسلمين، فكل هذا يعتبر من المكفرات الاعتقادية.
وبهذا نعلم أن الكفر ينقسم إلى كفر قولي يكون عن طريق اللسان، وإلى كفر عملي يكون بعمل الجوارح، وإلى كفر اعتقادي يكون باعتقاد القلب، يقول الله : ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [التوبة:٧٤]، فنسب الكفر إلى القول، وهذا يدل على أن الإنسان يكفر بالقول كما يكفر أيضاً بالفعل.
стр. 137
ذكر بعض أفراد المكفرات وصورها
стр. 138
اعتقاد الفلاسفة والصابئة قدم العالم
المكفرات من حيث أفرادها كثيرة جداً لا يمكن حصرها، وإنما يمكن حصر معاني عامة تندرج تحتها صور كثيرة جداً مما يتعلق بالنواقض والمكفرات سواء القولية أو الاعتقادية أو العملية، ومن ذلك: أولاً: اعتقاد الفلاسفة لقدم العالم، وهذه عقيدة مشهورة في كتب الفلاسفة القدامى، وهي عقيدة الصابئة، فإنهم كانوا يعتقدون أن هذا العالم ناتج عن العقول العشرة أو الأرواح العشرة التي نتجت عن المبدع الأول.
ومختصر عقيدة الفلاسفة في هذا الباب هو: أن المبدع الأول والإله الأعظم نتج عنه بدون أي إرادة منه عقل وروح، ثم نتج عن هذا العقل والروح أيضاً عقل وروح حتى أوصلوها إلى عشرة عقول، ثم نتج عن هذا العقل والروح الأخير العاشر ما يسمونه بالعقل الفعال، ثم نتج عن هذا العقل الفعال هذا الكون المنظور المشهود الذي نراه بأعيننا، وهم يرون أن هذه العقول والأرواح هي الأجرام السماوية المشهورة، مثل: الشمس وعطارد والمريخ وغيرها، فإن الفلاسفة القدامى ما كانوا يعتقدون أن هذه الكواكب هي عبارة عن أجرام مثل الأرض وإنما كانوا يعتقدون أنها أنوار وأرواح، وأنها حاصلة وتعقل، ولها إرادة وتأتي، فيقولون: إن هذه ناتجة عن المبدع الأول، ولها خصائص المبدع الأول في الإرادة والعقل والتأثير والخلق والإبداع والاختراع ونحو ذلك، وهذه الخصائص مأخوذة من المبدع الأول بدون أي إرادة من المبدع الأول وإنما فاضت عنه مثل الظل بالنسبة للإنسان، فإن الإنسان لا خيار له في ظله؛ لأن هذا أمر غير اختياري بالنسبة للإنسان.
وملخص هذه العقيدة: أن هذا الكون الذين يعيشون فيه هو جزء إلهي، وبناء على هذا فإنهم يعتقدون أن هذه المخلوقات جميعاً لها أو فيها جزء من الخصائص الإلهية، ولا شك أن هذا كفر بالله رب العالمين؛ لأن الله أخبر أنه خالق هذه المخلوقات مثل: الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكل الناس وكل المخلوقات، فلا يوجد في هذا الكون إلا خالق ومخلوق، والخالق هو الله ، وكل ما عداه مخلوق كالكائنات والملائكة والجن والكواكب وغيرها.
ومعنى مخلوقة يعني: أن الله أبدعها واخترعها وهي لم تكن شيئاً مذكوراً قبل ذلك، وأن الله قادر على إزالتها، وأنه ليس فيها أي شيء من خصائص الإلهية كما يزعم هؤلاء الملاحدة، وممن اعتقد هذه العقيدة الفلاسفة الذين يسمون بالفلاسفة الإسلاميين مثل: ابن سيناء الطبيب المشهور، والفارابي، ونحوها ممن تأثروا بـ أرسطو وأفلاطون وغيرهما.
الفلاسفة الإسلاميون كفرهم العلماء، وممن كفرهم الإمام أبو حامد الغزالي العالم المشهور صاحب إحياء علوم الدين، مع أنه كان على منهج الأشعرية، إلا أن له كتاب سماه تهافت الفلاسفة، وقد كفر هؤلاء الفلاسفة بثلاثة عقائد: العقيدة الأولى: وهي قولهم: بقدم العالم.
والعقيدة الثانية: هي إنكارهم لعلم الله بالجزئيات، بل قالوا: إن الله يعلم الكليات فقط، وأما الجزئيات والأفراد فإنه لا يعلمها على التفصيل.
والعقيدة الثالثة: إنكارهم للبعث الجسماني، وقولهم: إن الناس لا يبعثون جسدياً وإنما هي أرواح تنتقل من جسد إلى جسد آخر، وإن النعيم والعذاب يقع بعد انتقال هذه الروح، فإذا كانت روحاً فاضلة فإنها تنتقل إلى جسد منعم، وإذا كانت روحاً شقية فإنها تنتقل إلى حيوان مثلاً أو إلى جسد معذب.
فهذه العقيدة عقيدة كفرية، فمن اعتقدها ممن ينتسب إلى الإسلام وآمن بها فإنه يعتبر كافراً ويخرج من دائرة الإسلام.
стр. 139
اعتقاد نظرية داروين
ومن نواقض الإيمان الكفرية: من آمن واعتقد بنظرية دارون مثلاً، وهي نظرية الانتخاب الطبيعي أو الارتقاء والتطور.
وخلاصة هذه النظرية هي: أن الكائنات الحية تطورات نتيجة للتطور الحاصل في الخلايا الحية، هذا التطور أخذ سنيناً طويلة فانتقل من كائنات حية على شكل طحالب إلى حيوانات لا فقارية ثم حيوانات فقارية، ثم انتقل إلى حيوان هو القرد، ثم صارت هناك حلقة مفقودة، ثم بعد ذلك حصل وجود هذا الإنسان، وأنه تطور من كونه قرداً إلى إنسان بهذه الصورة.
ومن آثارها الخطيرة: أولاً: اعتقاد أن هذا الإنسان ليس كائناً مخلوقاً مستقلاً وإنما مرده إلى كونه حيواناً، ولهذا فتحت باب الشهوانية وباب تحقيق غرائز الإنسان على أن أصله حيوان، وهذا ما يفسر الفساد الأخلاقي الموجود في المجتمع الغربي الآن.
ثانياً: المادية، فإن هذا التطور الذي حصل هو تطور طبعي محض ليس له أي ارتباط بأمر خارج عنه، ولهذا فهذه النظرية هي نظرية إلحادية في الحقيقة، ومن آمن بها واعتقد أن الإنسان ليس مخلوقاً كرمه الله ، وأن أصله آدم، وأن الله خلقه ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر:٢٦] كما أخبر الله ، وأنه خلقه من طين، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأن حواء خلقها الله من آدم، فمن لم يعتقد هذه العقيدة الواضحة في القرآن فهو كافر خارج عن دائرة الإسلام.
وينبغي أيضاً أن نلاحظ أن نظرية دارون لها جانب علمي محض في علم الأحياء هذا لا يعنينا لكن لها جانب فكري عقدي، والذي ننتقده نحن في هذا الموضوع هو الجانب الفكري العقدي والنتائج التي توصل إليها دارون من خلال هذه النظرية، علماً أن مثل نظرية التطور وتطور الخلايا وما يتعلق بها من قضايا علمية محضة قال بهذه النظرية نظرية الارتقاء والتطور مجموعة من الغربيين إلا أن اليهود نشروا وأذاعوا نظرية دارون؛ لأنها تحقق كثير من غاياتهم ومقاصدهم، وقد كان اليهود هم الذين يسيطرون وما زالوا على الإعلام الغربي صحافة وتلفازاً وإذاعة وما إلى ذلك.
الشاهد: أن من آمن بهذه النظرية واعتقد أن أصل الإنسان كان قرداً ولم يؤمن بما أخبر الله به من أصل الإنسان فلا شك أنه كافر بالله رب العالمين؛ لأنه مكذب لهذا التنزيل الرباني الذي جاء وأنزله الله على رسوله.
стр. 140
اعتقاد المذاهب الإلحادية
أيضاً من اعتقد أي مذهب من المذاهب المادية الإلحادية فلا شك أنه كافر، فمن اعتقد مذهب العلمانية مثلاً وهو فصل الدين عن الحياة فهو كافر، ومن اعتقد مذهب الديمقراطية الذي يقضي: أن الدين لا علاقة له بتشريعات الإنسان فيما يتعلق بالدماء والأموال وبقية حياة الإنسان، ومحاولة حصر الدين في المسجد فقط، وأن الدين لا يبني حياة الإنسان، وهذا فيه تكذيب لكل النصوص الشرعية الواردة في الحدود والواردة في مصالح الإنسان المالية والواردة في مصالح الإنسان الدنيوية، وما يتعلق بالقصاص ونحو ذلك من الأحكام الشرعية المعروفة، فكل هذا يعتبر من الكفر والنقض لأصول الإيمان.
والحقيقة: أننا نحن في هذا الزمان نعيش حالة ردة عند كثير من المثقفين بسبب مثل هذه المذاهب، وأصبح كثير من الناس عندهم انفصام في فهمهم للإسلام، فهو يقول مثلاً: أنا مسلم ديمقراطي، ويقول: أنا مسلم ويؤمن بنظرية دارون؛ لأنه متخصص مثلاً في علم الأحياء مثلاً، ويقول: أنه مسلم ويؤمن بالعلمانية أو بالحداثة أو غير ذلك، ويقصرون الإسلام على بعض الشعائر التعبدية التي يمارسها الناس مثل: الصلاة والصيام ونحو ذلك، وهذا لا شك أنه فهم خاطئ للإسلام، فالإسلام دين حياة شامل لكل حياة الإنسان، يقول الله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، وهذا الدين دين شامل لكل الحياة، لا يخرج منها شيء، ومن فهم هذا الدين على أنه دين شعائر تعبدية فقط، وأما بقية الحياة فإنها متروكة للإنسان تركاً مطلقاً يبنيها بالطريقة التي يراها فقد اتخذ إلهاً غير الله ، اتخذ إلهاً في الأموال وفي الأديان وفي الدماء وفي السياسة وفي كل أبواب الحياة التي أخرج الدين عنها وجعل الدين بعيداً عنها، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣].
стр. 141
سب الله وسب الدين والأنبياء والكتب المنزلة
ومن نواقض الإيمان أيضاً: سب الله تعالى، فمن سب الله فإنه كافر خارج عن دائرة الإسلام، وضابط السب هو العرف، فكل ما اعتبر في العرف أنه سب وتنقيص وإهانة واحتقار وازدراء واستهزاء، فإنه يكون سباً ويكون صاحبه كافراً والعياذ بالله؛ لأن السب لم يأت له معنى محدد في لغة العرب وفي مصطلح الشرع، فكان العرف هو الذي يحدد هذا المعنى.
فمثلاً: لو أن إنساناً أشار في مقام الألوهية أو مقام النبوة أو نحو ذلك بطريقة معينة فإنه يكون كافراً؛ لأنها في عرف الناس تستخدم للامتهان والازدراء، علماً أن هذه الإشارة لو تبحثها في لغة العرب لا تجد لها معنى محدد، فمع تطور الحياة تعارف الناس على أساليب معينة في الازدراء والاحتقار والامتهان، فكل ما كان من معنى الازدراء والامتهان والاحتقار في عرف الناس ثم يمارسه الإنسان في باب الألوهية مع الله أو في باب النبوات مع الأنبياء أو في الدين عموماً مع القرآن أو كتب الله المنزلة فهو كفر يخرج الإنسان عن دائرة الإسلام، ويكون صاحبه مرتداً ويجب قتله.
والدليل على ذلك أدلة كثيرة جداً، منها قول الله : ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، علماً أن الاستهزاء الذي وقع في هذه الغزوة أقل من السب، والسب كما يقول ابن تيمية ﵀ في الصارم المسلول: نوعان: نوع دعاء، ونوع خبر، فالدعاء مثل قوله: لعنه الله مثلاً، أو أخزاه الله، أو قبحه الله، أو نحو ذلك من السب الذي يكون من جنس الدعاء.
والخبر مثل: الوصف بالحيوانات القذرة مثلاً أو نحو ذلك أو الأوصاف القذرة والأمور السيئة فكل هذه داخلة في هذا السب، ويكون صاحبه كافراً، والعياذ بالله، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب:٥٧]، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨]، ففرق بين أذى الله وأذى الرسول وبين أذى المؤمنين والمؤمنات، فأذى الله وأذى الرسول ﷺ رتب عليه أمرين: الأمر الأول: اللعن في الدنيا والآخرة.
الأمر الثاني: العذاب المهين، وهذا لا يكون إلا للكافرين.
فسب المؤمنين لا يعتبر كفراً إلا إذا كان السب معللاً بالإسلام، فمثلاً: لو أن إنساناً سب جنس المؤمنين لأنهم مؤمنون، فهذا كفر يخرج عن دائرة الإسلام.
لكن لو أن إنساناً سب شخصاً من المؤمنين فإنه لا يعتبر كفراً إذا لم يكن هذا السب مقصوداً به الإيمان نفسه، وبناء على هذا فسب الله تعالى وسب الرسول ﷺ وسب الدين كفر مخرج عن دائرة الإسلام ويجب أن يقتل صاحبه.
وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كتاباً عظيماً سماه: الصارم المسلول في شاتم الرسول، بل إن الذمي والمعاهد إذا حصل منه ذلك انتقض عهده فيكون لا عهد له ولا ذمة ويجب قتله، ولو أن إنساناً سب النبي ﷺ فإنه يهدر دمه، كما جاء في سنن أبي داود والنسائي: (أن رجلاً أعمى كان متزوجاً أم ولد -يعني كان متزوجاً أمة أنجبت له طفلين كما ورد في الحديث- وكانت هذه المرأة تسب الرسول ﷺ ، مع أنها كانت طيبة الخلق مع هذا الرجل، وكانت تخدمه، فكان يزجرها وينهاها ويخوفها بالله فلا تنزجر، ويوم من الأيام أخذ سيفاً قصيراً فاتكأ به على بطنها حتى قتلها، فجاء النبي ﷺ وطلب من أصحابه أن يعترف القاتل بهذا القتل واستحلفهم بالله في هذا فخرج الرجل الأعمى من بين الصفوف وهو يقول: أنا قتلتها، هذه المرأة كانت تعمل كذا وكذا ويذكر السب الذي كانت تسب به رسول الله ﷺ ، فأهدر النبي ﷺ دمها).
وأيضاً قصة الرجل كما في الصحيح الذي اتهم بأم ولد لرسول الله ﷺ ، فأمر النبي ﷺ علياً بن أبي طالب ﵁ أن يقتله، فجاء فوجده في بئر فمد إليه يده فأخرجه من البئر فإذا هو مجبوب، فتركه ولم يقتله وجاء إلى النبي ﷺ وأخبره، فارتفعت هذه التهمة ولم يقتله الرسول ﷺ .
إذاً: كل إيذاء لرسول الله ﷺ أو لله أو لدينه فإنه يعتبر ردة تخرج صاحبها عن الإسلام وعن حدود الإسلام.
стр. 142
ادعاء النبوة
أيضاً من المكفرات ومن نواقض الإيمان: ادعاء النبوة، فلو إن إنساناً ادعى أنه نبي فإنه كافر خارج عن دائرة الإسلام؛ لأنه مكذب لخبر الله ولخبر النبي ﷺ المتواتر أنه خاتم النبيين ولا نبي بعده، وهذا التكذيب يدل على أن صاحبه كافر غير مسلم، ولهذا وصف الله نبيه بأنه خاتم النبيين، وقال النبي ﷺ : (لا نبي بعدي)، فكل من ادعى النبوة فهو مرتد بإجماع المسلمين، فـ مسيلمة الكذاب مرتد، وكل من ادعى النبوة فهو مرتد.
وممن يدعي النبوة فلاسفة الصوفية والفلاسفة الذين تأثروا بـ أرسطو وأفلاطون وغيرهما، فإنهم كانوا يعتقدون: إن النبوة موهبة ذاتية تدل على قدرات فائقة عند الإنسان يمكن للإنسان أن يكتسبها، ويقولون أن النبوة معارف فوق معارف الإنسان العادية، وقدرات ذاتية فوق قدرات الإنسان العادية يستخزنها هذا النبي إلى درجة أنه يسمع إلهاماً، وأنه يؤثر في الجماد، ويؤثر في الحياة من حوله، وبهذا فإنهم يفسرون الخوارق والمعجزات التي تحصل للأنبياء بأنها تأثير ذاتي من النبي لقوة شخصيته ولقوة مواهبه وإراداته وما يحصل له من الإلهامات والرياضة، ويقولون: إن الإنسان بإمكانه من خلال الرياضة أن يتوصل إلى النبوة، فهذا كفر مخرج عن دائرة الإسلام أيضاً، ولهذا شبه ابن عربي الطائي نفسه بأنه خاتم الأولياء كما أن النبي ﷺ خاتم الأنبياء، ولم يأت الصوفية بتفريق صحيح بين النبي والولي، فإنهم يقولون: إن الولي يوحى إليه كما أن النبي يوحى إليه، وإن الولي يأتيه الملك كما أن النبي يأتيه الملك، ولم يأتوا بفارق يمكن للإنسان أن يفرق به بين خصائص النبي وخصائص الولي، بل عندهم أن النبي مثل الولي تماماً لكن الولي لا يقول: أنا نبي وإنما يقول: أنا ولي، والنبي نبي فقط في الاسم، أما في الحقيقة فإن الأولياء عندهم بمثابة الأنبياء تماماً فالكل يوحى إليهم، والكل يأتيهم ملك من عند الله .
بل إن الصوفية تجاوزوا هذا الحد إلى درجة أنهم قالوا: إنكم تأخذون علمكم ميت عن ميت وأما نحن فنأخذ علمنا عن الحي الذي لا يموت، ويقولون: حدثني قلبي عن ربي، وهذا الإلهام عندهم كاف في أنه وصل إلى درجة اليقين بدون أي تردد أو إشكال.
والحقيقة أن الصوفية أصبح اليوم لهم حركة ربما في السنوات الخمس الأخيرة هذه أكثر من السنوات الماضية، ومن علمائهم الشباب الذين بدأ لهم ظهور وبروز إعلامي المخرف الحبيب علي الجفري الذي يأتي في القنوات الفضائية، وله كتاب يشرح فيه اعتقاد الفرقة الناجية، وهو كتاب مليء بالعقائد الضالة المنحرفة عن عقيدة أهل السنة وعن عقيدة المسلمين، فهو يستحل دعاء غير الله ، ويرى أنه حلال باتفاق المسلمين، ويستحل أيضاً الذبح على القبور، ويستحل أيضاً الطواف عند القبور، ويعتقد أن الموتى يسمعون كما يسمع الأحياء تماماً، وأنهم يستجيبون لنداءات الزوار كما أن الأحياء يسمعون لنداءات الزوار.
ولعل كثيراً من أهل السنة -مع الأسف- قد خدعهم هذا الجفري في لقاءاته في الإعلام الفضائي بأنه لا يتكلم في القضايا ذات الحساسية التي تؤثر، ولهذا فإن الصوفية أصبحوا يمتهنون أسلوب التقية مثل الشيعة تماماً، وأصبحوا يتكلمون في القضايا المتفق عليها والقضايا المعروفة وخصوصاً القضايا السياسية المؤثرة مثل: تسلط الصهاينة وتسلط أمريكا على بلاد المسلمين ونحو ذلك، فقد يظن بعض الناس أن هؤلاء من دعاة أهل السنة الذين يظهرون كلمة الحق ونحو ذلك، وقد يأتون بكلام حول فضائل الأعمال والأخلاق والآداب، وكيفية التعامل مع أهل العلم ونحو ذلك، ويأتون بهذا الكلام العام الذي هو موطن اتفاق بين المسلمين جميعاً ويزينون به أنفسهم، وقد ينهون عن التبرج والسفور والفسوق الذي أصبحت تعيش فيه كثير من بلاد المسلمين وهو التفسق الأخلاقي، وسوء الأخلاق والبغاء، وانتشار الفساد في الناس، فهم ينهون عن هذا، لكن هناك عقائد قد يخفونها عندما يتحدثون مع الجمهور في القنوات الفضائية، لكن في كتبهم وفي مواقعهم يصرحون بهذه العقائد، وأنا بنفسي اطلعت على كتاب الجفري هذا الذي سبق أن ذكرت لكم بعض العقائد التي نتحدث عن خطرها على المسلمين.
стр. 143
دعاء غير الله تعالى والاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلا الله
من نواقض الإيمان أيضاً الذي ينبغي أن نشير إليه هو دعاء غير الله والاستغاثة بغير الله ، فإن الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله من الشرك الأكبر المخرج عن دائرة الإسلام، مثل: الاستغاثة بغير الله في مغفرة الذنوب، وكشف الكروب، وطلب الرزق، والغنى، والولد، والتوفيق، والبركة ونحو ذلك، فهذه لا تؤخذ إلا من الله ، ولا تطلب إلا منه؛ لأنه هو مالكها وحده سبحانه.
стр. 144
طلب شفاعة يوم القيامة من غير الله تعالى
ومنها: الشفاعة يوم القيامة، فلا يجوز لأحد أن يطلب الشفاعة إلا من الله ؛ أما النبي ﷺ فإنه شافع يوم القيامة، أما في الدنيا فليست بيده؛ لأنه لم يؤذن له، ولم يأت يوم القيامة، فكيف يطلب منه شيء ليس بيده؟ يقول الله : ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤].
فالشفاعة لله لا تطلب إلا من الله ، وهي ملك خاص له ، وإذا أراد الإنسان الشفاعة فإنه يقول: اللهم شفع فيّ نبيك محمداً ﷺ ، أما أن يقول: يا رسول الله! اشفع لي الآن فهذا لا شك أنه من الخروج عن عبادة الله إلى عبادة غيره، حتى لو كان نبياً أو فاضلاً أو ولياً أو ملكاً أو نحو ذلك، ولهذا يجب الحذر من هذه العقائد الكفرية الضالة، وأي تنسك أو تعبد يصرف لغير الله فهو مخرج عن دائرة الإسلام، فمن ذبح تقرباً لغير الله فقد كفر، ومن سجد سجود تعبد وتذلل لغير الله فقد كفر، ومن حلق رأسه عند قبر تعظيماً لصاحب القبر فقد كفر، ومن طاف حول قبر وصرف هذا الطواف لصاحب القبر ظناً منه أن صاحب القبر يشفع له يوم القيامة فقد فعل مثل فعل المشركين، حيث كانوا يقرون بالربوبية ويقولون إذا سئلوا: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] فهم يعرفون الربوبية لكن هذا الإيمان لا ينفعهم، ويصرفون العبادة لغير الله ظناً أن هؤلاء الأولياء وهذه الأصنام التي صوروها على صور صالحين أو ملائكة أنها ترفع أعمالهم إلى الله ، يقول الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].
стр. 145
الحكم بغير ما أنزل الله تعالى
من نواقض الإيمان أيضاً: الحكم بغير ما أنزل الله، ومسألة الحكم بغير ما أنزل الله مسألة دقيقة وفيها تفصيل علمي عند أهل العلم، وكثير من الناس يخلط فيها خلطاً كبيراً ما بين إفراط وتفريط، ومنهج أهل السنة هو المنهج الحق والوسط الذي ينبغي الوصول إليه، فالحكم بغير ما أنزل الله نوعان: النوع الأول: أن يصاحب الحكم بغير ما أنزل الله استحلال قلبي أو اعتقاد أفضلية هذا الحكم الذي يحكم به على حكم الله ، أو اعتقاد مساواة هذا الحكم الجاهلي الذي يحكم به لحكم الله ، فهذا كفر أكبر مخرج عن الملة بدون خلاف بين العلماء وأهل الإسلام، فإن هذا استحلال لما حرم الله ، وأي استحلال لما حرم الله كمن يستحل الخمر أو الزنا أو الربا فإنه يكفر.
والاستحلال معناه: اعتقاد أن هذا الأمر حلال، فمن اعتقد أي أمر من الأمور المحرمة شرعاً والمعروفة والواضحة وهو يعرف أنها محرمة شرعاً ثم استحلها وقال بأنها حلال وجائزة فهذا لا شك أنه كافر خارج عن الإسلام.
النوع الثاني: أن يكون الحكم بغير ما أنزل الله لا يرتبط بالاستحلال القلبي، وإنما هو فعل يفعله وتصرف وعمل يعمله، وهذا النوع ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يستبدل الشريعة الإسلامية بشريعة أخرى، ويأتي بمنهج متكامل آخر يحكمه ويلتزم بهذا الحكم.
القسم الثاني: أن يكون ملتزماً في أصل الحكم بشريعة الله ، كالقاضي يقضي بهوى أو شهوة، مع أنه ليس عنده قانون يلتزم به في كل فرد أو شخص يحكم فيه.
وهناك فرق من حيث العمل بين القانون وبين القاضي الذي يحكم بهوى أو شهوة، فالقانون الذي يحكم به القاضي هو التشريع وهو الشريعة الربانية، هذا في الأصل، لكنه قد يجور لهوى أو شهوة أو رشوة أو نحو ذلك، وهذا يعتبر من الكفر الأصغر الذي لا يخرج عن دائرة الإسلام.
أما إذا اتخذ قانوناً فإن القانون له صفة الشريعة، والقانون هو القاعدة المنضبطة التي تنفذ على كل الناس، وهذه فيها خصائص التشريع، والتشريع حق لله ، ومن نازع الله فيه فقد كفر، يقول الله : ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فكما أن له الخلق فهو الخالق للعباد فكذلك له الأمر، والأمر هنا المقصود به: التشريع، فالله هو الذي شرع للناس ما يصلحهم في معاشهم وفي معادهم، وهو الذي جاء بهذه الشرائع التي يحكم بها القضاة وهي الشرائع الربانية، فمن جاء بشرائع أخرى وألغى هذه الشرائع وأبعدها فإنه يعتبر كافراً خارجاً عن دائرة الإسلام حتى لو لم يستحل هذا العمل، بل هذا التشريع مثل عبادة غير الله تماماً، فلو أن إنساناً عبد غير الله كأن استغاث بغير الله، فلا يشترط فيه الاستحلال بإجماع أهل السنة، ولو أن إنساناً طاف حول قبر وذبح لغير الله فإنه بإجماع أهل السنة لا يشترط فيه أن يعتقد أن هذا الأمر حلال، بل بمجرد الممارسة والعمل فقد وقع في الشرك الأكبر؛ لأن هذا شرك أكبر ولا ينظر فيه إلى الاستحلال، والنظر إلى الاستحلال في قضايا أخرى، كمن استحل معصية فإنه يكفر، أما لو لم يستحلها فلا يكفر، أما عبادة غير الله فلا يشترط فيها أن يستحل، فإذا استحل فإنه يقع في كفرين في وقت واحد: الكفر الأول: هو عبادة غير الله ، والكفر الثاني: هو الاستحلال الذي جاء به، فمن جاء بقانون وجعله عاماً على كل الناس، سواءً كان في الدماء وقال: إن القاتل لا يقتل وإنما يسجن مثلاً، أو قال: إن الرجل إذا زنى بامرأة وتحققت الشروط الشرعية في زناهما وكانت متوافرة تامة فإنه يسجن، ويفرقون بين رضا المرأة وعدم رضاها فيقولون: إذا كانت المرأة راضية وهي متزوجة فإنها تغرم ويغرم؛ لأن هذا خيانة للحياة الزوجية ويفرق بينهما، وأما إذا لم تكن راضية وكان هناك غصب فإن له حكماً آخر، بل إن بعض الدول الإسلامية شرعت قانوناً في الردة، فلو أن إنساناً استهزأ بالله وكفر بالله فإنه يغرم ألف دينار مثلاً أو مبلغاً من هذه المبالغ وهذا لا شك أنه مخالفة لشريعة الله ، فإن النبي ﷺ يقول: (من بدل دينه فاقتلوه)، وأجمع العلماء على أن من بدل دينه فإنه يجب أن يقتل.
والحقيقة أن مشكلة القوانين الوضعية في البلاد الإسلامية مشكلة عميقة وكبيرة جداً، ومن أفضل الكتب التي قرأتها في هذا الباب هو كتاب: تحكيم القوانين للشيخ المفتي السابق لهذه البلاد الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀، وفي فتاويه أيضاً كلام دقيق في كثير من هذه المسائل، ومواقف قوية جداً فيما يتعلق بالتشريعات التي تشرع بغير ما أنزل الله وتكون مخالفة لتشريع الله ، فإن القانون -كما قلت- يختلف عن القاضي الذي يحكم بالهوى والشهوة، فالقاضي الذي يحكم بالهوى والشهوة يكون فاجراً ظالماً كافراً كفراً أصغر لا يخرجه ذلك عن ملة الإسلام، لكن من يأتي بتشريع وقانون فقد أبطل شرع الله وجاء بشريعة من عنده، سواء هو الذي اخترع هذه الشريعة أو اخترعت له ون
следующие страницы →