Полный текст (173 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
حال الموحد المرتكب للمعاصي ومصيره في الآخرة
السؤال
إذا كان هناك رجل مطبقاً لأساسيات التوحيد وهو نمام أو عاق لوالديه هل يدخل الجنة؛ لأن رسول الله ﷺ يقول: (لا يدخل الجنة نمام)؟
الجواب
من كان عنده أصل التوحيد، وكان عنده بعض الذنوب والمعاصي، مثل النميمة، أو الكذب، أو الغيبة، أو الزنا، أو أكل الربا، أو نحو ذلك، فإن هذا يعتبر من أهل الإسلام، ويسمى عند العلماء الفاسق الملي، وإذا أراد الله يوم القيامة أن يغفر له يغفر له، وإذا أراد أن يعذبه، فإنه يعذب ثم يكون آخر أمره إلى الجنة بإذن الله تعالى.
يعني: هو تحت مشيئة الله ، إما أن يعذب حتى يطهر من هذه الذنوب والمعاصي ثم يدخل الجنة، وإما أن يغفر الله له ويدخل الجنة مباشرة.
стр. 72
حزب البعث وأهدافه
السؤال
ما معنى حزب البعث؟
الجواب
سبق أن تحدثنا عنه، وقلنا: إن المقصود بكلمة البعث يعني: الإحياء، وهدف حزب البعث إحياء الأمة، بحيث يكون أساس الارتباط بين الناس جميعاً اللغة، فأساس الصلة بين الناس جميعاً العروبة، ولهذا يساوون بين المسلم العربي، والنصراني العربي، واليهودي العربي، والبوذي العربي، والمشرك العربي، والملحد العربي، ما دام أنهم عرب فهم مستوون وهم إخوة لنا، ولهذا يرون أن الإسلام هو جزء من تاريخ الأمة العربية الطويل، وأنه جزء مشرق كما أن الجاهلية جزء آخر مشرق أيضاً، فهم يساوون بين الجاهلية والإسلام، ويرون أن أبا لهب مثل أبي بكر، وأن أبا جهل مثل عمر، وأن امرؤ القيس مثل حسان بن ثابت، وأن الإسلام ليس شرطاً أساسياً فيما يتعلق بالولاء والبراء، وفيما يتعلق بالانتماء، وفيما يتعلق بالنصرة، وإنما الرابط هو اللغة، هذا هو المقصود بحزب البعث.
وحزب البعث انهار، والقومية انهارت منذ قديم، انهارت من حرب (١٩٦٧) عندما كان جمال عبد الناصر يكذب على الجماهير ويقول: إنه يريد أن يحرر الأمة العربية، ومع الأسف اتضحت خيانته إلى أبعد درجة، إلى درجة أن اليهود ضربوا القوات المصرية ودمروا ثلاثمائة طائرة وهي على الأرض لم تقلع، وقتلوا من خيار الطيارين المصريين مائة طيار مصري، وكل هذا بخيانة جمال عبد الناصر، وأتى أمام مجلس الشعب أو الذي يسمونه (المؤتمر القومي العربي) وقال: نحن كان عندنا خبر أن إسرائيل ستضرب، لكن ما كنا نتوقع أنها تضرب بهذه الطريقة! يعني: الخلاف هو في مسألة حجم الضربة، ولهذا منذ تلك اللحظة انهارت القومية، وعرفت الشعوب العربية أن القوميين من أكذب الناس، وأنهم أبعد الناس عن الاتحاد والاجتماع، وجامعة الدول العربية صارت شر مثال لهذه القضية، وليست خير مثال لها.
стр. 73
معنى تقنين الشريعة وحكمه
السؤال
ذكرت بعض الصحف كلمة تقنين الشريعة فما معنى تقنين الشريعة وحكمه؟
الجواب
تقنين الشريعة غير القوانين الوضعية، القوانين الوضعية مسألة الكفر فيها ظاهر؛ لأن التشريع فيها أصلاً ليس تشريعاً ربانياً، وإنما تشريع باطل، هو من زبالة أذهان الناس.
أما تقنين الشريعة فهي فكرة نادى بها بعض المختصين في الفقه، يقول: إن الأحكام القضائية بدل أن يكون فيها خلاف يمكن أن نجعلها على شكل قانوني، مثلاً: الزنا يشترط فيه كذا شرط، فإذا حصل هذا الشرط فإن العقوبة كذا، السرقة كذا، الوضع كذا، يعني: تقنن على شكل مواد، ويحكم بها كل القضاة بدرجة واحدة، بحيث إن الحكم في مسألة معينة يكون في شرق البلاد مثلما يكون في غربها، بدون أي تردد.
هذه الفكرة ليست مثل فكرة الديمقراطية، هي مختلفة عنها تماماً، لكن هي في الحقيقة ليست فكرة صحيحة؛ لأن المسائل الشرعية وقع فيها خلاف بين العلماء، ولا يصح أن يلزم القاضي بأن يحكم برأي ارتآه مجموعة من الناس، قد يرى أن في الأدلة الشرعية ما يخالف هذا، وحينئذ يجب عليه أن يحكم بما يراه موافقاً للشريعة، قد يقول قائل: أين المساواة عندما يحكم القاضي في مسألة بحكم، والقاضي الثاني يحكم فيها بحكم آخر؟ نقول: أولاً الخلاف في المسائل القضائية لا يصل إلى درجة الافتراق التام، وإنما هو خلاف متقارب.
ثانياً: أن القاضي الذي حكم بهذا الحكم حكم بشريعة الله، كما أن القاضي الآخر حكم بشريعة الله، فالجميع حكموا بشريعة الله ، حتى لو اختلفت؛ لأنه قد يفتي عالم في مسألة من المسائل بالإباحة، ويفتي عالم آخر بالتحريم، والجميع حكم بالشريعة من حيث استخدام الأداة الشرعية، لكن لا بد أن يكون أحدهما مصيباً والآخر مخطئاً، والخطأ هنا ليس خطأ مناقضاً للشريعة، ولهذا ألف شيخ الإسلام ابن تيمية كتاباً اسمه (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) ومنذ زمن النبي ﷺ والخلفاء، وكانت دائرة الدولة الإسلامية أكبر من الآن، فقد كانت الدولة الإسلامية تشمل الجزيرة العربية، وبلاد الشام، والعراق، والهند، إلى الشيشان إلى روسيا، ومصر، وشمال أفريقيا إلى المغرب، والأندلس، هذه كلها كانت دولة واحدة، وفيها آلاف القضاة، وكانوا على أكثر من مذهب فقهي، وكانوا يحكمون بما يرون أنه موافق للشرع، ويجتهدون في ذلك، وكانت هناك ضوابط شرعية في الاجتهاد الشرعي، والقاضي إذا حكم بهواه فإنه يشتكى إلى من هو أعلى منه.
ولهذا كان هناك شيوخ للقضاة عموماً، ففي المغرب كانوا يسمونه: قاضي الجماعة، يعني: قاضي مجموعة كبيرة من القضاة، وهو الذي يشرف عليهم.
ومع هذا لم يقننوا الشريعة بالطريقة التي يريدها هؤلاء بهذا الأسلوب، لم يقننوها بهذه الطريقة، والذين طالبوا بتقنين الشريعة هم تأثروا في الحقيقة بالأسلوب القانوني المعاصر الذي أساسه من الغرب، بحيث تكون القضية منضبطة عندهم مائة بالمائة، وهذه الشريعة فيها قضايا قطعية وواضحة، ولا إشكال فيها، لكن بعض الأحيان القضية ترجع إلى تقدير القاضي، حتى في تصديق القوانين الوضعية الموجودة الآن عند الغربيين ترجع إلى نظرة القاضي، يعني: تطبيق القانون على حالة معينة لابد من اجتهاد القاضي نفسه، هذا عند الغربيين، مع أن القانون هو عبارة عن أفكار بشرية، فتجد أن القاضي يحكم فيها بهذا القانون المعين الذي ينطبق على هذه الحالة المعينة، ولا ينطبق على كل الحالات، ولهذا يختلفون اختلافاً كبيراً، فالمطالبة بتقنين الشريعة مطالبة غير واقعية، وغير موافقة للأحكام الشرعية كما سبق أن أشرنا إليه، والشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد له رسالة خاصة في تقنين الشريعة يمكن مراجعتها، فهي من أنفع ما كتب في هذا الباب.
أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 74
أصول العقيدة [٥]
من مسائل توحيد الإلهية دلائله العقلية والسمعية, حيث قررت النصوص جملة من الأدلة العقلية الدالة على توحيد الإلهية, منها الاستدلال بربوبية الله تعالى على إلهيته, والاستدلال بأسمائه وصفات كماله على إلهيته ونحو ذلك, كما أن من مسائل هذا التوحيد العظيم ما يتعلق بالقوادح فيه, وهي قوادح في أصله وقوادح في كماله الواجب.
стр. 75
الأدلة العقلية والسمعية على توحيد الألوهية
إن الأدلة العقلية الموجودة في القرآن كثيرة جداًً، ومنها: الأمثال المضروبة في القرآن، وهذه الأمثال المضروبة هي من الأدلة العقلية التي تدل على التوحيد، أو تدل على النبوات، أو تدل على المعاد، ومما تدل عليه هذه الأمثال المضروبة والأقيسة العقلية توحيد الألوهية.
فأدلة التوحيد منها ما هو عقلي، ومنها ما هو سمعي، والمقصود بالسمعي الأدلة التي تعتمد على الخبر السمعي.
وتقسيم الأدلة إلى عقلي وسمعي أوجه وأضبط وأحسن من أن الأدلة تنقسم إلى عقلي وشرعي، بعض الناس عندما يقسم الأدلة يجعلها على قسمين: عقلي وشرعي، ويجعل العقلي في مقابل الشرعي، فكأن الآيات القرآنية الشرعية والأحاديث النبوية لا تتضمن من دلالاتها على القضايا العقلية، وهذا غير صحيح، فإن الله كثيراً ما يختم الآيات بقوله: (أفلا يعقلون)، (أفلا تعقلون)، (أفلا يتفكرون)، (أفلا تذكرون)، ونحو ذلك من الأدلة التي تدل على استخدام العقل؛ ولهذا يثني الله على أولي الألباب وهم أصحاب العقول والحجا السليمة.
إذاً: تقسيم الأدلة إلى عقلي وشرعي غير صحيح، فإن العقلي لا يصح أن يقابل الشرعي؛ لأن الاستدلال العقلي يصير كأنه خارج الإطار الشرعي، فإن الشرع جاء بالأدلة العقلية المقنعة الصحيحة، وكثير من الناس عنده حساسية من الاستدلالات العقلية، ويظن أن كل استدلال عقلي باطل، وهذا غير صحيح، فإن العقل معنى ممدوح؛ ولهذا جعل مناط التكليف، والإنسان العاقل يمدح وغير العاقل يذم؛ ولهذا فإن الأدلة الشرعية جاءت بالطرق العقلية البرهانية المقنعة، بل إنما جاءت به الأدلة من الطرق العقلية هي أنفع وأضبط وأدق من الأدلة العقلية التي قد يخترعها الإنسان من نفسه؛ لأن خالق العقل هو الله ، والذي جاء بهذا الاستدلال العقلي في القرآن هو الله ، وكذلك في الحديث عن النبي ﷺ هو من النبي ﷺ المعصوم، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
فسبب الحساسية التي توجد عند البعض من الاستدلالات العقلية هو وجود نماذج سيئة استدلت بالعقل وانحرفت، وهم أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية، الذين استدلوا على المطالب العقدية بالأدلة العقلية، فتوصلوا إلى نتائج فاسدة مخالفة للنصوص الشرعية، مثل: تأويل الصفات أو الانحراف في مفهوم التوحيد، أو الانحراف في أدلة ودلائل النبوة، وحصر ذلك في المعجزات فقط، ونحو ذلك من الانحرافات الكثيرة التي وضعوا عليها عباءة العقل، وهذا لا شك أنه لا يمنع من كون الأدلة العقلية واردة، فنحن نقول: هؤلاء ليسوا أصحاب أدلة عقلية صحيحة، هؤلاء لم يكن السلف يسمونهم عقلانيين؛ لأن كلمة عقلانيين مدح، وهم ليسوا من أهل المدح، ولهذا كانوا يسمونهم أهل البدع والأهواء، والفرق بين الهوى والعقل واضح، فإن الهوى راجع إلى نفس الإنسان الذي يتخير من الأدلة ما شاء، وبالصور التي يشاء، وبالطرق التي يشاء في الاستدلال.
стр. 76
أنواع الاستدلال العقلي على توحيد الألوهية
стр. 77
الاستدلال بربوبية الله تعالى على ألوهيته
إن العقل هو قانون منضبط، وهو من خلق الله ، كما أن الشرع من أمره ، ويمكن أن نشير في الاستدلال العقلي على توحيد الألوهية إلى نوعين: النوع الأول: هو الاستدلال بربوبية الله على ألوهيته تعالى، ومعنى ذلك: أن الله يذكر الأدلة على أنه هو الإله وحده لا شريك له، وأنه هو الرب، وهو الخالق، وهو المدبر، وهو المحيي والمميت، وهو الذي بيده تصريف كل شيء، فمن كان تصريف كل شيء بيده فإنه لا شك أنه هو الأولى بالعبادة، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١]، هذه الآية للاستدلال بالربوبية على الألوهية، أما الألوهية فهي في قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١]، ثم بين الدليل المقنع فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]، ثم ساق جملاً أخرى من توحيد الربوبية: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة:٢٢]، إلى آخر الآيات.
فهذا النوع من الاستدلال كثير في القرآن، ويقول الله : ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩١] فقوله: ((مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ)) يعني: ليس مع الله إله، وقد سبق أن أشرنا إلى أن الإله هو المعبود، والمقصود هنا الاستدلال على كون الله هو المعبود وحده وبطلان عبادة ما عداه.
وقوله: ((مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ)) لأنه لو كان معه إله افتراضاً وجدلاً لكان لهذا الإله خلق وفعل، ولو كان له خلق وفعل ولكل إله إرادة مستقلة ((إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ)) أو ((ولَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ)) يعني: انتصر بعضهم على بعض، وهذا دليل صريح في هذه المسألة؛ ولهذا كل آية تأتي في تقرير توحيد الألوهية، ثم يأتي بعدها إسناد ذلك إلى الربوبية، فهي دليل على هذا المطلب، يقول الله : ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢].
هذه الآية يقررها أهل الكلام على أنها جاءت لإثبات دليل التمانع، وهى في الحقيقة جاءت لإثبات توحيد الله في ألوهيته، فقوله: ((لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ)) آلهة جمع إله، والإله سبق أن بينا أن المقصود به المعبود، وهذا أمر متفق عليه في اللغة، قال: ((لَفَسَدَتَا)) والفساد إنما يكون بعد الوجود.
وأما دليل التمانع عند أهل الكلام فإنه يقتضي عدم الوجود، ومعنى الآية لو افترضنا جدلاً أن هناك إلهاً صحيحاً مع الله فإن العالم لابد أن يفسد؛ لأن كل إله سيأمر بأمر والإله الآخر سيأمر بأمر آخر، وحينئذ تتنازع هذه الأوامر في حياة الناس، وتفسد شئونهم حينئذ.
وما يشاهده الإنسان من استقامة أمر العالم وانتظامه، دليل صريح على أن إله العالم ومدبر شئونه إله واحد وهو الله .
стр. 78
الاستدلال بأسماء الله تعالى وصفاته وكماله على ألوهيته
النوع الثاني من الاستدلال: هو الاستدلال بأسماء الله وصفاته وكماله ، والاستدلال بأسماء الله وصفاته وكماله على أنه هو الإله، فالإله لا بد أن يكون كاملاً، وأما المعبود الباطل فإنه لا يمكن أن يكون كاملاً، ولهذا عاب الله آلهة المشركين، بأنهم لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون، وبأنهم أموات غير أحياء، وعابهم بكثير من العيوب، منها: أنهم لا يتكلمون: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه:٨٩] فهو لا يتكلم؛ لأنه صنم جماد لا يرجع القول مرة أخرى، وهذا دليل على أنه مخلوق وناقص في نفس الوقت، وأما الإله فلا بد أن يكون كاملاًً تام الصفات من كل وجه.
ومن أدلة توحيد الألوهية: أن كل ما دل على كمال المعبود فهو دليل على عبادته، وهو دليل على وجود عبادته .
كذلك من أدلة توحيد الألوهية: أن كل ما دل على بطلان الشرك فهو دليل على إفراد الله تعالى بالعبادة، ولو رجعتم إلى القرآن لوجدتم كثيراً من الآيات تدل على أن آلهة الكفار آلهة ناقصة غير كاملة، وبناء على هذا اللبس لا تستحق العبادة، وأن المستحق للعبادة هو الله .
стр. 79
قواعد القوادح في توحيد الألوهية
стр. 80
القاعدة الأولى: القدح في أصل التوحيد شرك أكبر والقدح في كماله شرك أصغر
إن قواعد القدح في توحيد الألوهية على نوعين: النوع الأول: قدح في أصل توحيد الألوهية ويكون ذلك بالشرك في عبادة الله تعالى.
النوع الثاني: قدح في كمال توحيد الألوهية.
النوع الأول من الشرك الأكبر، والنوع الثاني من الشرك الأصغر.
стр. 81
الفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر
إن الفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر كبير، الشرك الأكبر والشرك الأصغر يجتمعان في إرادة غير الله ، لكن الشرك الأكبر إرادة تامة لغير الله بعبادة غيره، والشرك الأصغر إرادة لغير الله ، ولكنها ليست إرادة تامة، بل هي وسيلة من وسائل الشرك الأكبر، وليست عبادة مصروفه لغير الله تعالى؛ ولهذا إذا سألك السائل: ما هو الفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر؟ ف
الجواب
أن الشرك الأكبر صرف عبادة محضة لغير الله تعالى، كأن يدعو المرء غير الله، أو يستغيث بغير الله، أو يذبح لغير الله، أو يصلي لغير الله، أو يسجد لغير الله، أو يحب محبة تامة غير الله تعالى، أو يخاف خوف السر من غير الله تعالى، أو يتوكل توكلاً تاماً على غير الله ، أو يفعل أي نوع من أنواع العبادات الشرعية لغير الله، فإذا فعلها لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر المخرج عن دائرة الإسلام.
أما الشرك الأصغر فليس فيه صرف عبادة لغير الله تعالى، وإنما هو وسيلة من وسائل الشرك، ليس عبادة محضة، بل وسيلة من الوسائل المفضية إلى الشرك الأكبر.
فإذا جئنا للحلف بغير الله، فالحلف بغير الله وسيلة يوصل إلى تعظيم المحلوف به، حتى يصبح مثل الله .
فالحلف بغير الله شرك أصغر، وتعظيم غير الله مثل الله شرك أكبر.
وهكذا الحال فيما يتعلق بالتوسل، فإن التوسل كلمة مجملة عامة.
النوع الأول من التوسل: هو أن يكون هناك صرف للعبادة لغير الله تعالى، مثل: دعاء غير الله، والاستغاثة بغير الله، وعامة القبوريين في هذا الزمان يسمون هذا توسلاً، يعني: إذا تكلم القبوري في هذا الزمان وقال: نحن نتوسل بالنبي ﷺ ، فإنه يقصد أنهم يدعونه من دون الله، ويستغيثون به في قضاء حوائجهم من دون الله تعالى، وهذا شرك أكبر مخرج عن دائرة الإسلام.
وهناك نوع آخر من التوسل، وهو التوسل المبتدع وهو أن يسأل الله -لا يسأل غير الله- لكن بوسيلة مبتدعة، مثل: أن يسأل الله بجاه فلان من الناس، أو بمكانة فلان من الناس، أو بذات فلان من الناس، من الأولياء والصالحين أو الملائكة أو غيرهم، فهذا توسل مبتدع، فلو قال: اللهم إني أسألك بجاه نبيك محمد ﷺ فهذا بدعة، ولو قال: اللهم إني أسألك بذات نبيك محمد فهذا بدعة، ولو قال: اللهم إني أسألك بجاه فلان من الأولياء أو الأنبياء أو الملائكة، بجاه جبريل عندك مثلاً، فهذا يعتبر بدعة، وهو من الشرك الأصغر، وبدعة من حيث إنه أمر لم يكن عليه الشرع، فيكون من الشرك الأصغر، ولا نعتبره من الشرك الِأكبر؛ لأن الدعاء هنا لله ليس لغير الله، فهو قال: اللهم، فهو يدعو الله، لكن اتخذ وسيلة مبتدعة ليست وسيلة مشروعة، لكن لو قال: يا محمد اغفر ذنبي، أو يا رسول الله أدخلني الجنة، أو قال: يا رسول الله احفظني يوم الحشر، أو قال: يا رسول الله أجرني من النار، أو ارزقني، فهذا شرك أكبر؛ لأنه دعا رسول الله ﷺ ، والدعاء عبادة يجب أن تكون لله فقط، يقول الله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨] وبهذا يتضح الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر من حيث الضبط العلمي له.
وهناك فروق أخرى، وهي: أن الشرك الأكبر مخرج من الملة، وأن الشرك الأصغر غير مخرج من الملة، فالمشرك شركاً أكبر خارج دائرة المسلمين، بينما من وقع في الشرك الأصغر مثل: الرياء أو الحلف بغير الله أو الرقى بالضوابط التي ستأتي الإشارة إليها أو التمائم أو نحو ذلك، فهذا ليس مشركاً شركاً أكبر، بل هو من المسلمين، يعني: لو أن إنساناً راءى في صلاته ولم يراء بأصل إسلامهِ، فالرياء نوعان: الأول: أن يرائي في أصل إسلامه من البداية، فهذا من المنافقين وليس من المسلمين.
الثاني: شخص أسلم عن قناعة تامة بصحة هذا الدين، وبصحة كلام رب العالمين، وبصحة كلام سيد المرسلين، والتزم بهذا الدين، لكن في أمر من الأمور أراد محمدة أو مدحاًًً أو دنيا، فعمل العبادة لهذا الغرض، فهذا مراء وشركه شرك أصغر؛ إن طرأ الرياء على أصل العبادة فهو مبطل لها، وإن طرأ عليها بعد أن أخلص في بداية أمره وجاهده فإنه لا يضره، وإن استقاد له فإنه يبطل ما خالطه من الأعمال.
ومن الفروق أيضاً: أن صاحب الشرك الأكبر تترتب عليه أحكام المشركين في الدنيا، من حيث عدم عصمة دمه وماله، ومن حيث وجوب التفريق بينه وبين زوجته، ومن حيث إنه لا يرث ولا يورث، ومن حيث إنه لا يدفن في مقابر المسلمين.
أما الذي وقع في الشرك الأصغر فإنه يعامل معاملة المسلمين.
هذا ما يتعلق بالفروق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر.
стр. 82
القاعدة الثانية: قوادح أصل التوحيد فعل العبادة لغير الله تعالى
من قواعد قوادح توحيد الألوهية: أن قوادح أصل التوحيد هو فعل العبادة لغير الله كما سبق أن أشرت، فمن دعا غير الله فإنه يقع في الشرك الأكبر، ودعاء غير الله له ضابط، وهو أن يدعو غير الله بصيغة الدعاء المعروفة فيما لا يقدر عليه الإنسان، وإنما لا يقدر عليه إلا الله .
ومن أنواع الدعاء: الاستغاثة، فالاستغاثة هي سؤال المكروب كشف كربته، فمن سأل الإنسان ما يقدر عليه، مثل: إنسان غريق رأى رجلاً فصاح وطلب النجدة وهو يقدر على ذلك، فهذا لا شيء فيه؛ ولهذا يقول الله في قصة موسى مع الإسرائيلي الذي وجده يتقاتل مع الفرعوني ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥]، وهذه الاستغاثة استغاثة مشروعة؛ لأنه استغاث بموسى فيما يقدر عليه موسى ﵇.
النوع الثاني: هو أن يستغيث به فيما لا يقدر عليه إلا الله، مثل: مغفرة الذنوب، وكشف الكروب ورفعة الدرجات في الجنة، وقبول الأعمال الصالحة عند الله ، فهذه أمور لا يقدر عليها إلا لله ، فمن صرفها لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر المخرج عن دائرة الإسلام.
كذلك الذبح، الذبح عبادة لكن لها ضابط، فإن الذبح أنواع، منها: الذبح للحم، لو أن إنساناً ذبح ذبيحة ووضعها في الثلاجة مثلاًً، هل يقال: إنه ذبح لغير الله؟ لا يقال: إنه ذبح لغير الله، لو أنه جاءك ضيف فذبحت له ذبيحة، فهل يقال: إنك ذبحت لهذا الضيف فأنت مشرك؟ لا يقال هذا القول؛ ولهذا لما جاءت الملائكة في صور الآدميين إلى إبراهيم ﵇، ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] أو ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود:٦٩]، كما في سورة أخرى.
فالذبح يكون لغير الله إذا أراد به التقرب لغير الله.
كذلك الحلق للرأس نوعان: حلق للتنظيف والارتياح من وعثاء الشعر مثلاًً، وحلق للتعبد، مثل: الحلق عند الحج، فلو أن إنساناً جاء وطاف حول قبر، وحلق رأسه عنده على سبيل التعبد، فإن حلق الرأس هنا يكون عبادة لغير لله، وقد وقع في الشرك؛ لأن حلق الرأس فيه تذلل، وفيه إخضاع للرأس، فعندما يكون لإرادة التقرب فإن يقع الإنسان في الشرك إذا فعلها لغير الله .
وهكذا الحال في سائر الأعمال مثلاً: السجود إذا فعله تحية فهو آثم، فلو أن إنساناً سجد لإنسان، وقال: أنا قصدت التحية ولم أقصد التعبد له، فنقول له: إن هذا الفعل الذي فعلته صورته صورة عبادة، وقد حصل في الظاهر الشرك، ولكن إرادة التحية هنا تمنع من تكفير هذا المعين، وعليه أن يتوب إلى الله ، والسجود الذي يكون شركاًًً مخرجاًً عن الملة هو سجود التقرب والتعبد.
стр. 83
القاعدة الثالثة: قوادح كمال التوحيد الواجب كائنة في الوسائل والوسائط
من قواعد قوادح التوحيد: أن قوادح كمال التوحيد الواجب هو كلما لم يصل إلى عبادة غير الله ، بل هو في الوسائل والوسائط، وقد سبق أن أشرنا إلى ذلك.
стр. 84
أنواع من الشرك الأصغر
стр. 85
الرقى
ويمثل أهل العلم للشرك الأصغر بأمثلة كثيرة جداً، منها: الرقى، والرقى جمع رقية، وهي التعاويذ التي يعوذ بها المرضى، وهي نوعان: تعويذ قبل وقوع البلاء لدفعه، وتعويذ بعد وقوعه لرفعه.
الرقى نوعان: رقى شرعية، ورقى شركية.
فالرقى الشرعية: هي التي تكون بكلام الله أو بكلام الرسول ﷺ أو بالكلام العربي الفصيح، ولهذا قال العلماء: إن من ضوابط الرقية الشرعية: أن تكون باللغة العربية؛ لأنه قد يتكلم بلغة أخرى فيستغيث بغير الله، والمرقي لا يدري.
والرقى تجوز بغير القرآن وبغير السنة، يعني: لو أن إنساناً دعا دعاء مباحاًً على مريض، أو دعا لنفسه على سبيل الاسترقاء، فإن هذا أمر مباح لا شيء فيه، كما يدل عليه حديث أبي مالك الأشجعي قال: قال النبي ﷺ : (أعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً).
يعني: كانت هناك رقى في الجاهلية، ولهذا قال النبي ﷺ : (اعرض علي رقاك) فهذه الرقى التي كانت موجودة في الجاهلية، فما كان منها موافقاً للتوحيد قبله، وما كان منها مخالفاً له بدعاء غير الله فإنه يرده؛ ولهذا لما جاء أبو بكر الصديق ﵁ ووجد عند عائشة ﵁ يهودية ترقيها، فقال لها: (ارقيها بكتاب الله) يعني: بما في التوراة، فإن التوراة تتضمن الأخبار والأحكام وأيضاً الرقى.
ولهذا قال الحافظ في الفتح: إن أهل الكتاب لم يغيروا الرقى، ولو غيروا الرقى لفسد مفعولها فلم يكن لها ثمرة، وإنما غيروا الأحكام وبعض الأخبار.
ولهذا يجب أن تكون الرقى بالكلام العربي الفصيح، وتكون بالأدعية الصحيحة التي لا تتضمن دعاء غير الله .
النوع الثاني: الرقى الشركية: وهي التي يكون فيها استغاثة بغير الله، أو دعاء لغير الله ، فإذا كان هناك دعاء لغير الله في الرقى فهو شرك، كدعاء السحرة غير الله ، من استغاثات بالجن والشياطين ونحو ذلك، كل هذه التعويذات شركية، فيجب الحذر منها.
стр. 86
التمائم والتولة
كذلك التمائم، والتمائم جمع تميمة، والتميمة كانت معروفة من أيام الجاهلية، قال الشاعر: إذا مات لم تفلح مزنية بعده فنوطي عليه يا مزين! التمائما يعني: علقي عليه هذه التمائم، والتمائم عندهم هي كل تعليق، سواء كانت تعليق بالصدر أو كان التعليق لخيط فقط، أو أوتار توضع على رقاب الإبل، أو خيوط توضع في الأيدي أو في الأرجل، وفي العصر الحاضر صارت التمائم لها أشكال متعددة، مثل: وضع عرائس في السيارات، أو وضع الحبة السوداء في درج غرفة النوم، أو وضع بعض الفتحات الصغيرة على صدور الأطفال، يظنون أنهم يتقون بذلك من العين، وكل هذا من الشرك والعياذ بالله؛ لهذا يقول النبي ﷺ : (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) والتولة نوع من أنواع السحر، وهذا من الشرك.
стр. 87
حكم تعليق القرآن في الصدور
مسألة: لو أن إنساناً علق بصدره القرآن هل هذا يجوز؟ اختلف العلماء في ذلك، وأصح الأقوال: أنه لا يجوز تعليق القرآن، أولاً: أن النصوص الشرعية الواردة في النهي عن تعليق التمائم عامة، فهي تشمل القرآن وغير القرآن.
ثانياً: أنه لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة أنهم علقوا القرآن وجعلوه وسيلة من وسائل العلاج، وما يروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص لا يصح إسناده عنه.
ثالثاً: أنه عرضة للإهانة، فإنه إذا وضع في صدر صغير أو في صدر مجنون فإنه قد يعرض للإهانة والامتهان، وهذا لا يجوز بالنسبة لكتاب الله .
رابعاً: أن القرآن أنزله الله تشريعاً للناس، وإصلاحاً لأوضاعهم ومجتمعاتهم، ولم يؤتى به ليعلق، يقول الله : ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]، ويقول الله : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، ويقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢].
إذاً: لا يجوز تعليق القرآن على أصح قولي أهل العلم، وهذا هو مذهب ابن مسعود ﵁.
стр. 88
التبرك
من أنواع الشرك: التبرك، والتبرك معناه طلب البركة، وهناك أعيان وأوقات وأماكن مباركة في الشرع، فمن الأعيان المباركة الأنبياء فأعيانهم مباركة، وكذلك الصالحين، ومن الأماكن المباركة بلاد الشام، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١].
فقوله: ((بَارَكْنَا حَوْلَهُ)) قال العلماء: المقصود بها بلاد الشام.
ومن الأماكن المباركة: مكة والمدينة، فهذه أماكن مباركة.
ومن الأزمان المباركة: القرن الأول الهجري، فإن النبي ﷺ قال: (خير القرون قرني).
وأيضاً من الأوقات المباركة: يوم الجمعة، ويوم النحر؛ لأن الله سماه يوم الحج الأكبر، ورمضان، ونحو ذلك من الأوقات المباركة.
ومن الأعيان المباركة أيضاً ماء زمزم، فالنبي ﷺ يقول: (ماء زمزم لما شرب له).
وأيضاً الحبة السوداء والعسل وغير ذلك من الأمور التي نص الشرع على أنها مباركة، فالتبرك بها مباح، ومن نوع التبرك المشروع، ولكن لا بد له من ضابطين: الضابط الأول: هو ألا يعتقد الإنسان في شيء ما أنه مبارك إلا بدليل شرعي، فإذا اعتقد مثلاً أن هذا الجدار مبارك بدون أي دليل، يكون هذا الاعتقاد اعتقاداً بدعياً مخالفاً لسنة النبي ﷺ .
الضابط الثاني: هو أن يستعمل المبارك بالطريقة المشروعة، فإذا كان ماء زمزم مباركاً فيستخدمه بالطريقة المشروعة وهي شربه، وبلاد الشام أرض مباركة، فيستخدمها بالطريقة المشروعة وهي السكنى فيها، ومكة بلد مبارك والحرم مكان مبارك فيتعبد لله بالصلاة فيه أو الطواف حول الكعبة، لكن لو أن إنساناً أكل من تراب مكة وقال: إن مكة بلد مبارك، أو تمسح بأحجارها، أو جاء إلى أعمدة الحرم وبدأ يتمسح فيها، نقول: هذا بدعة، صحيح أن مكة وأن الحرم مكان مبارك، لكن هذه الطريقة التي أتيت بها في طريقة التبرك طريقة مبتدعة، لم يأت بها الرسول ﷺ ولا أصحابه ولا التابعون من بعده، فهي طريقة بدعية مخالفة للسنة.
ومن هنا قال العلماء: إن التبرك ينقسم إلى ثلاثة أقسام: تبرك بدعي، وتبرك مشروع وقد سبق أن أشرنا إليه، وتبرك شركي، وهو: أن يعتقد في أمر من الأمور أنه مبارك ثم يصرف له نوعاً من أنواع العبادة، يقول الله : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠]، فهذه الأصنام اعتقدوا فيها أنها مباركة، ثم صرفوا لها أنواع العبادات، من أجل أن تقربهم عند الله ، فوقعوا في الشرك الأكبر.
بهذه الضوابط نكون قد انتهينا من قواعد توحيد الألوهية، وفي اللقاء القادم إن شاء الله سنبدأ الحديث في قواعد الأسماء والصفات بإذن الله تعالى، ثم ننتقل إلى بقية أصول العقيدة على نحو ما سبق أن أشرنا إليه.
стр. 89
الأسئلة
стр. 90
حكم من يقول: إن وجود الله ظني وإن الحكمة من خلق الإنسان جمع المال لا العبادة
السؤال
يقول السائل: أنا طالب في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وعندنا دكتور يدرسنا مادة الثقافة الإسلامية، وفي ذات مرة وهو يشرح الدرس تكلم وقال: إن وجود الله وجود ظني؛ لأن الله غير ملموس ولا محسوس، ووجود القرآن وجود يقيني؛ لأن القرآن محسوس وملموس.
ويقول أيضاً: الحكمة من خلق الإنسان هي جمع المال وليس العبادة في الدنيا، فما حكم قوله هذا في الشريعة الإسلامية؟ علماً بأن هذه الدروس تأتي في الاختبارات، فهل نجيب عليها أم لا؟
الجواب
أنا أخشى أن يكون الأخ فهم من كلام الدكتور فهماً غير صحيح، أما إذا كان كلام الدكتور فعلاً بهذا الأسلوب الذي يقول فيه: إن وجود الله وجود ظني فهذا قدح في عقيدة هذا الإنسان، فإن وجود الله لا شك فيه، حتى عند الكفار، وقد سبق أن أشرنا إلى هذا المعنى، وقلنا: إن الله يقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] فالمسلمون من باب أولى، كيف يقول: إن وجود الله وجود ظني، هذا كلام كفري، وقوله: إن وجود القرآن وجود يقيني، يعني: هذا الدكتور يفهم من كلامه أنه يعتقد أن اليقين هو في المحسوس، وأما الغيبيات فلا يقين فيها، ولهذا يقول: القرآن يقين؛ لأنه محسوس، والله وجوده ظني؛ لأنه غير محسوس، هذا قول فاسد؛ فإنه ليس كل أمر غير محسوس يكون ظنياً، وفي الرد على الماديين الشيوعيين كان يقال: إن العقل مثلاً أمر غير محسوس باليد، ومع هذا هو أمر مقطوع به، وكذلك الروح، وكذلك الأرواح الطيبة والخبيثة، هذا أمر مقطوع به، ويبدو أن هذا الشخص لديه خلفيات مادية، وهذا أمر في غاية الخطورة.
وقوله: إن الحكمة من خلق الإنسان هي جمع المال وليس العبادة في الدنيا هذا معارض لصريح القرآن، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وهذا كلام كفري والعياذ بالله؛ ولهذا إذا كان هذا الدكتور يتكلم بهذا الكلام حقيقة، يجب على الطلاب أن يسجلوا أقواله صوتياً وهذا أضبط، ويسجلوا شهادتهم على هذا الدكتور، وأن يتقدموا إلى القضاء بشكوى رسمية ضد هذا الدكتور؛ لأن هذا الدكتور ينشر كلاماً كفرياً خطيراً على عقائد المسلمين، لكن إذا سمع الإنسان بشيء ينبغي أن يكون متثبتاً؛ لأن ظلم الآخرين لا يجوز، وإذا لم يفهم الإنسان كلام أحد من الناس بالطريقة الصحيحة فلا يجوز أن يتهمهم، لكن إذا كان فعلاً يتكلم بهذا الكلام الخطير وبطريقة واضحة ومفهومة، فيجب على مجموعة الطلاب الموجودين أن يسجلوا هذا الكلام على شكل شكوى، وأ، يتقدموا بها للمحكمة، ويكتبوا شهادتهم فيها عند القاضي، وأن يقولوا: نحن نشهد بالله العظيم على أن هذا الرجل قال كذا وقال كذا، أياً كان سواء كان دكتوراً في الجامعة أو في أي مكان، يجب أن يشتكى إلى القاضي، والقاضي يستدعيه وإن اعترف عنده بهذا الكلام يعلمه أن هذا كفر، فإن أصر فإنه يقتل؛ لأنه مرتد بعد البيان والتوضيح، أما إذا اعتذر وتراجع وأعلن إسلامه، فإنه يعزر حسب رأي القاضي، وحسب المصلحة، وحسب الأحوال المحيطة بهذه القضية.
فلا يترك لأهل النفاق وأهل الفجور والكفر الكلام، خصوصاً ونحن في بلاد التوحيد ولله الحمد، والمحاكم الشرعية منصوبة، والقضاة موجودون، فلا يجوز السكوت على هذه النماذج أبداً، وأي إنسان يجد كلاماً كفرياً خطيراً والعياذ بالله في الصحافة، أو في أي مكان من الأماكن، ينكره بشرط أن يكون متثبتاً في هذا، وأن تكون لديه أدلة يقينية، لا تكون لديه ظنون أو أوهام؛ لأن الظنون والأوهام لا قيمة لها، ولا يجوز للإنسان أن يظلم الخلق، لكن إذا كانت هناك أدلة يقينية فيجب أن يتقدم بشكوى للمحكمة، والقاضي بدوره يستدعي هذا الرجل ويحاسبه؛ لأن هذا الكلام خطير على عقائد المسلمين.
стр. 91
الفرق بين المباح والجائز
السؤال
ما الفرق بين المباح والجائز؟
الجواب
ليس هناك فرق بين المباح والجائز، الجائز والمباح كلها بمعنى واحد، مثل المستحب والمندوب، ومثل الواجب والفرض، وإن كان بعض العلماء من الأحناف بالذات يفرقون بين الواجب والفرض، باعتبار الدليل الذي يدل على هذا الأمر الواجب، فيقولون: إذا دل دليل متواتر على أمر من الأمور فيكون فرضاً، وإذا كان آحاداً فإنه يكون واجباً.
стр. 92
حكم كتابة آية الكرسي في الخاتم
السؤال
ما حكم كتابة آية الكرسي في الخاتم؟
الجواب
إذا كان يعتقد أن كتابة آية الكرسي في الخاتم ستدفع عنه العين، أو إذا كان معيوناً سترفع عنه هذا المرض أو أي مرض من الأمراض، فهذا داخل في حكم تعليق آيات القرآن الذي أشرت إليه سابقاً، وقلت: إن عامة الصحابة كانوا يمنعون من ذلك، وما يروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص في ذلك فهو غير صحيح عنه.
والتمائم ليس فيها شيء مشروع وشيء غير مشروع، بل جميع التمائم شركية إما شرك أكبر وإما شرك أصغر، فإذا صرف عبادة لغير الله مثل: دعاء غير الله فيكون شركاً أكبر، أو رقى ودعا غير الله فإنه يكون شركاً أكبر، أو اعتقد أن هذا الحبل أو هذا الخيط يدفع بذاته وبنفسه البلاء، فهذا لا شك أنه شرك أكبر.
стр. 93
أنواع الجهاد في سبيل الله وشروطه
السؤال
ما هي الشروط التي يجب أن توجد في الفرد إذا أراد الذهاب إلى الجهاد في سبيل الله؟
الجواب
الجهاد في سبيل الله لاشك أنه منزلة عالية من منازل الدين، وله فضل عظيم، وهو من أعظم وسائل الدعوة إلى الله والإصلاح، وهو ينقسم إلى قسمين: جهاد دفع، وجهاد طلب.
فجهاد الدفع: هو أن يغزو الكفار بلاد المسلمين، فيدفع المسلمون عن أنفسهم هذا العدو الصائل، وهذا من أفضل الجهاد، وهذا لا يشترط فيه شرط، بل يجب على كل مسلم أن يدفع العدو الصائل عنه وعن أولاده وأهله وعن بلاده بكل ما يستطيع.
النوع الثاني: هو جهاد الطلب: وهو أن تكون الدولة الإسلامية دولة مستقرة ثابتة، وتريد أن توسع رقعتها، بحيث إنه يدخل أعداد كبيرة جداً في الإسلام، وتزيل الأنظمة التي تمنع الناس من قبول الحق، وتجعل قبول الحق ممكناً بالنسبة للشعوب، فهذا جهاد يسمى جهاد الطلب، يعني: طلب العدو في عقر داره، ولا يصح أن يقال: بأن الجهاد هو نوع واحد وهو جهاد الدفع، وجهاد الطلب غير موجود في الشريعة، هذا خطأ، فإن جهاد الطلب موجود في الشريعة، وكيف توسعت الدولة الإسلامية لولا وجود هذا الجهاد؟ بعض الناس يجعل الجهاد فقط جهاد الدفع، ولهذا تسمى وزارات الدفاع في كل العالم إلا في إسرائيل فتسمى وزارة الحرب! فالشاهد هو أن منع جهاد الطلب قول مبتدع مخالف لشرع الله .
أما بالنسبة للشروط الذاتية التي تتعلق بالشخص حتى يجاهد في سبيل الله فإن الجهاد بمعناه الواسع يتمثل في قول النبي ﷺ : (يا أيها الناس جاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)، فالجهاد بالمال يكون ببذله وتجهيز الغزاة، والجهاد بالنفس يكون بالقتال، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد باللسان يكون بالدعوة والإصلاح والتأثير في المجتمع.
والجهاد في سبيل الله لا يكون عملاً فردياً، وإنما هو عمل جماعي، يعني: يجتمع فيه أهل الإسلام ويضعون خطة، ويكون لهم قيادة، ويبدءون القتال، إلا في حالة الجهاد الذي يكون فيه دفع، مثل: إخواننا في فلسطين، فإنه يجب عليهم أن يدافعوا قدر استطاعتهم، ولو أن إنساناً قاتلهم لوحده فإن عمله جائز وفاضل ومطلوب، ويجتهدون في النكاية بالعدو قدر استطاعتهم.
стр. 94
حكم لمس الراقي جسد المرأة وخلوته بها
السؤال
هل يجوز للراقي أن يلمس جسد المرأة؟
الجواب
لا يجوز للراقي أن يمس جسد المرأة إذا كانت لا تحل له، وأحب أن أشير إلى قضية مهمة وهي: أن كثيراً من المشتغلين بالرقى اليوم مع الأسف الشديد ليسوا من أهل العلم، وبعضهم -لا أقول كلهم- أخذها وسيلة للتكسب المادي، وجعلها باباً من أبواب الشهرة، وباباً من أبواب المكانة والمنزلة، وبعضهم والعياذ بالله وقع في انحرافات أخلاقية بسبب الاختلاء بالمرأة، وبعض الرقاة يختلي بالمرأة ويجلس معها وقد يضع يده على صدرها نسأل الله العافية، وقد تصل إلى الفواحش والعياذ بالله! ولهذا ينبغي على الإنسان إذا كان لديه امرأة مريضة ألا يجعل الطبيب يختلي بها، بعض الناس فيه ضعف، فأنا حدثني شخص أنه وجد طبيباً في قرية من القرى، إذا دخلت المرأة يمنع زوجها أن يدخل معها، ويقول: لا، أنا معي ممرضة خاصة، هل هناك ضرر لو دخل مع امرأته أو بنته أو أخته؟ وهل سيفسد العملية؟ لكن بعض الناس تجاوز حدوده، لكن الحمد لله سمعت أن هذا الطبيب أخذ عقابه من أحد الأولياء عندما منعه من الدخول مع زوجته، فأدبه تأديباً يليق به.
فالشاهد: أن الولي يجب أن يكون مع زوجته أو مع بنته أو مع أخته، وألا يأذن لأحدٍ أن يكشف عليها إلا في الحدود المشروعة، والأصل أن تكشف عليها امرأة، فإذا لم يوجد في هذا التخصص إلا رجل فإنه يكشف عليها في حدود المشروع فقط، أما ما تجاوز ذلك فلا يجوز، لا يجوز أن يكشف عليها فيما يتجاوز هذا الأمر، ومع الأسف أن كثيراً من النساء اليوم عندما تأتي إلى مكان التوليد لا تطلب امرأة، وإنما تطلب رجلاً يولدها، وتقول: الرجل يفهم أكثر، سبحان الله! وتكشف عورتها عند هذا الرجل، مع أن المرأة هي الأولى وهي الأصل في عملية الولادة، وكانت تسمى قديماً التي تولد المرأة القابلة، وأصلاً الولادة لم تكن يوماً من الأيام عائقاً مرضياً أصلاً في تاريخ المسلمين، وحتى عند الغربيين الآن لا يعتبرونه مرضاً أصلاً؛ لأنه أمر طبيعي أن المرأة تلد، صحيح أنه أحياناً يكون هناك مرض، مثل أن يكون الطفل معترضاً ويحتاج إلى تكون هناك عملية مثلاً، ربما تكون هذه الحالة، لكن المفترض أن تكون النساء هن اللاتي يقمن بهذا العمل لا الرجال.
стр. 95
حكم سب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة الكرام
السؤال
ما حكم سب الخلفاء الراشدين أو صحابة النبي ﷺ ؟
الجواب
من سب الخلفاء الراشدين مثل أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وبقية الصحابة مثلما تفعل الشيعة الروافض قبحهم الله، فهو مرتد وكافر بالله رب العالمين، هذا إذا سبهم بشكل مجمل، أما إذا سب صحابياً واحداً لظنه أنه يستحق السب لورود خبر عنده، فهذا آثم ضال منحرف، لكن لا يصل إلى درجة الكفر، يكفر إذا سب عموم الصحابة كما تفعل الشيعة اليوم، الشيعة اليوم يتدينون بسب الصحابة، وهذا دين قبيح؛ لأنه دين مبني على السب، وسب من؟ سب خيار الناس، يقول النبي ﷺ : (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، فأفضل أتباع الأنبياء منذ أن بعث الله نوح ﵇ إلى محمد ﷺ خير أتباع الأنبياء على الإطلاق هم الصحابة رضوان الله عليهم، فإذا سبوا هذه المجموعة الكبيرة وكفروا كل الصحابة إلا مجموعة يسيرة، فكيف يأخذون الدين؟ وعلى أي أساس يأخذون الدين؟ ولهذا تجد أن كتبهم مليئة بأقوال الأئمة، خالية من أقوال النبي ﷺ إلا في النادر؛ لأن الحديث الذي يأتي عن طريق أبي بكر باطل؛ لأن أبا بكر عندهم كافر، قبحهم الله، ودين الشيعة هو دين الحمقى والمغفلين بلا شك، حتى النصارى مع كفرهم وفساد منهجهم وسوء عقيدتهم، وما فيه من الضلال والانحراف والبعد عن العلم، إلا أنهم أفضل للحواريين من هؤلاء الشيعة للصحابة.
وانظروا إلى احتفالاتهم ماذا يصنعون؟ يضربون صدورهم ووجوههم وظهورهم، ويأخذون السكاكين ويضربون بها على رءوسهم حتى تسيل الدماء، متى كانت العبادة بهذا الأسلوب يوماً من الأيام؟! ولهذا يا إخواني هؤلاء عابثون، قال أبو الربيع الزهراني: لو كانت الرافضة من البهائم لكانوا حميراً، ولو كانوا من الطيور لكانوا رخماً.
يعني: هم أسوأ صنف من الأصناف على الإطلاق.
وهذا الشعبي ﵀ جاء إليه الرافضة وطلبوا منه أن يضع أحاديث في مساوئ الصحابة وفيما يريدون من عقائدهم، فرفض وأبى ذلك، وأنكر عليهم.
والرافضة يتدينون بالكذب، ويقولون: نحن نكذب لـ علي لا عليه، وكأن علي بن أبي طالب يحتاج للكذب والعياذ بالله، وعلي بن أبي طالب ﵁ يقول: أفضل هذه الأمة أبو بكر وعمر، وهو علي بن أبي طالب الذي يتحزبون ويتعصبون له.
وأصل دينهم عندما تبحث تاريخياً تجد أن أساسه هو عبد الله بن سبأ اليهودي الذي تظاهر بالإسلام، وأراد أن يفعل في الإسلام ما فعله بولس شاول اليهودي في النصرانية، الذي جاء بفكرة التثليث، ولم تكن فكرة التثليث أصلاً موجودة في دين النصارى الذي جاء به عيسى ﵇، وبولس شاول كان يهودياً وتظاهر بالنصرانية وجاء بفكرة التثليث، وتبنتها بعد ذلك الدولة الرومانية، وأصبح ديناً رسمياً بعد المجمع المسكوني الذي انعقد عام (٣٢٥م)، هكذا أراد عبد الله بن سبأ وهو يهودي أن يفعل كما فعل بولس؛ لأن تاريخ بولس عندهم موجود، فأعلن ابن سبأ الإسلام، وذهب إلى أماكن متعددة في العراق والشام واليمن وغيرها ينشر دعوته، والعقائد التي جاء بها عبد الله بن سبأ هي التي تبناها بعد ذلك الشيعة، مثل: التقية، ومثل: النص على علي بن أبي طالب وأنه الخليفة بعده، وأنه من جاء من الخلفاء فخلافته باطلة، والولاية، ونحو ذلك من العقائد الفاسدة التي عليها الشيعة قبحهم الله.
стр. 96
الزيادة والنقصان في أنواع التوحيد
السؤال
ذكرت أن توحيد الألوهية يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فهل ينطبق هذا على جميع أنواع التوحيد أم لا، أم لأن توحيد الألوهية من أعمال القلوب؟
الجواب
ينطبق على جميع أنواع التوحيد؛ لأن إيمان الناس في تدبير الله للكون ليس إيماناً واحداً، فبعضهم إيمانه يقينياً ورؤيته تفصيلية، وبعضهم إيمانه عاماً ورؤيته مجملة؛ وهكذا الأسماء والصفات، يعني: الواجب في الأسماء والصفات أن تعلم أن لله أسماء وله صفات يجب الإيمان بها وهي الواردة في القرآن، لكن إدراكها على التفصيل هذا هو الذي يزيد به الإنسان إيماناً، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (إن لله تسعاً وتسعين اسماًً من أحصاها دخل الجنة).
стр. 97
حكم الاستغاثة بالقلب ونحوه من البدن
السؤال
ما حكم الاستغاثة بالأعضاء، مثل قول: يا قلب أغثني، حيث جعل الله فيه خاصية القدرة على بعض الشيء؟ وهل يدخل في الاستغاثة بغير الله؟
الجواب
ماذا يقصد بقوله: يا قلب أغثني، إذا كان يقصد: يا قلب ألهمني فائدة، كنت ناسيها مثلاً، فهذه استغاثة بشيء يقدر عليه، لكن إذا قال: يا قلب أدخلني الجنة، كيف يدخله القلب الجنة؟ هذا بيد الله .
стр. 98
حكم تعلم منازل القمر
السؤال
ما حكم تعلم منازل القمر؟
الجواب
إذا كان تعلم منازل القمر على سبيل المعرفة العلمية فقط، فهذا لا بأس به، وإذا كان تعلمه لمنازل القمر على سبيل اعتقاد أنها مؤثرة، فهذا من الشرك والعياذ بالله.
стр. 99
حكم تعليق آيات من القرآن في لوحات في المنزل
السؤال
ما حكم تعليق آيات من القرآن في لوحات خطية في المنزل؟
الجواب
لا أرى هذا مناسباً، إلا إذا كان الهدف منه التذكير والحفظ ونحو ذلك من المعاني المستحبة، فلا بأس.
أما إذا كان الهدف من ذلك أنها تحمي البيت من الجن والشياطين وغير ذلك، فهذا داخل في عموم التعليق الذي سبق أن أشرنا إليه.
стр. 100
حكم الرقية بما في التوراة والإنجيل
السؤال
قلتم: يجوز الرقية بكلام الله، ومن ذلك التوراة والإنجيل، فلو تبين لنا كيف ذلك؟
الجواب
أنا لا أقول: ابحثوا في التوراة والإنجيل حتى تخرجوا لنا رقى، في الكتاب والسنة ولله الحمد ما يكفي، لكن الهدف من هذا الكلام هو أن الرقى ليست خاصة بالكتاب والسنة، وأن أي كلام صحيح يمكن أن يكون رقية صحيحة، أهم شيء أن يكون بعيداً عن الشرك، وضربت مثالاً بما هو موجود في التوراة، لكن لا يعني هذا أن الإنسان يبحث عن التوراة والإنجيل ويحاول أن يخرج رقى منهما.
стр. 101
حكم الرقية بغير العربية
السؤال
قلت: إن الرقية بغير العربية لا يجوز، فكيف لو كان الراقي غير عربي وأيضاً المريض؟
الجواب
بالنسبة للرقية بغير العربية فبعض من أهل العلم جعل الرقى بالعربية ضابطاً من ضوابط الرقى الشرعية؛ لأن الشخص قد يتكلم بلغة غير معروفة، فيكون فيها استغاثة بغير الله .
والحقيقة أن الضابط الدقيق في هذه المسألة هو أن يكون الكلام مفهوماً، سواء بلغة عربية أو أجنبية، أهم شيء أن يكون الكلام مفهوماً.
أما إذا كان غير مفهوم، فإنه لا يجوز أن يرقى به.
стр. 102
الموقف ممن يطعن في بعض المشايخ والدعاة
السؤال
ما حكم من سب المشايخ أمثال: عائض القرني، سفر الحوالي، سيد قطب، وناصر العمر، والمنجد، والعريفي، ويقول: عندهم أمور شركية، ويقول عندما يسمع الحديث عنهم: أعوذ بالله؟
الجواب
هؤلاء المشايخ وغيرهم من المشايخ ليسوا بمعصومين، يقعون في الخطأ، وكل إنسان يقع في الخطأ، لكن يجب على المسلم أن يزن الخطأ بميزان الكتاب والسنة، وألا يتجاوز، وهؤلاء المشايخ هم رموز أهل السنة في هذه البلاد، فإذا كان هؤلاء يسبون بهذه الطريقة، فمعنى هذا أن هذا الشخص سيحصر أهل السنة في مجموعة محددة هو يعرفها، وبقية الناس لا يعرفونها، ثم لماذا يسب هؤلاء؟ إذا كانت توجد عندهم أخطاء فينكر هذا الخطأ، أقول لهذا: هل عبدوا غير الله؟ هل استغاثوا بغير الله؟ هل حرفوا الصفات؟ هل عندهم من مقالات الفرق الضالة شيء؟ أبداً ليس هناك أي شيء، وإنما هي اجتهادات، وبعض الناس يقول: بعضهم كان له موقف أثناء أزمة الخليج، أقول: هذا أمر اجتهادي، واجتهاده في تلك الفترة قد يتراجع عنه في وقت آخر، ثم إنه في تلك الفترة التي اجتهد هذا الاجتهاد كان هناك علماء كبار مثل: الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ ابن عثيمين وغيرهما ولم يقولا هذا الكلام فيهم؛ ولهذا يا إخواني بغض النظر عن الأسماء هذه، ينبغي للإنسان أن يكون عفيف اللسان دائماً، وأن يبتعد عن الطعن في أهل العلم، وأن يبتعد عن الطعن في الدعاة إلى الله ، ونحن في مرحلة أحوج ما نكون فيها إلى الألفة والاجتماع، خصوصاً أن أصول السنة موجودة عندنا ولله الحمد، وأما يتعلق بالتوحيد وأنواع التوحيد الثلاثة، والإيمان، والقدر، واليوم الآخر، ونحو ذلك، فإذا اجتهد عالم من العلماء في أي مسألة من المسائل وأخطأ فيها فإنه يناصح ويعلم وينكر عليه هذا الخطأ، لكن ليس بطريقة السب والشتم وقول: أعوذ بالله منهم، سبحان الله! وهؤلاء الأشخاص الذين يتكلمون بهذه الطريقة، لو اختلفوا فيما بينهم لتوصلوا إلى أن يسب بعضهم ويشتم بعضهم بعضاً، وهذا هو الذي وقع مع الأسف، أن هناك أشخاصاً خالفوا أشخاصاً آخرين في مسألة من المسائل فبدأ يطعن بعضهم ببعض ويسب بعضهم بعضاً، هذا خطأ يا إخواني، ينبغي للإنسان أن يكون عفيف اللسان، وأن يعلم أن شرائع الإيمان وشعب الإيمان واسعة وكبيرة وكثيرة، وأن الإنسان إذا جاء بأصول السنة العامة فإنه تحفظ له مكانته ومنزلته في الأمة، وإذا قال قولاً شاذاًَ فإنه يرد عليه هذا القول، فهذا الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀، من علماء أهل السنة بدون أي منازعة، ومن فضلاء أهل السنة، وقع في أخطاء معينة، لو أننا جمعنا هذه الأخطاء مثلاً، وبدأنا نشنع على هذا الشيخ ونتكلم عليه، وعملنا بهذا الأسلوب مع كل شيخ، من سيبقى؟ صدقوني لا يبقى أحد؛ لأنه ليس هناك إنسان إلا ويقع في الخطأ.
لو تعاملنا بهذا الأسلوب مع العلماء القدامى أمثال: الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني والشافعي ومالك وأبي حنيفة وغيرهم، والله لن يبقى أحد، هل تتصورون أن هؤلاء العلماء ملائكة يمشون مطمئنين على الأرض؟ أبداً، ليسوا ملائكة، هم بشر يقعون في الخطأ.
ولهذا ألف ابن تيمية رحمه الله تعالى: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) ولو تقرءون طريقة ابن تيمية ﵀ في التعامل مع أخطاء المخطئين تتعجبون، ولا يعني هذا أن الإنسان يقر الآخرين على أخطائهم؛ لأن العبرة بالدليل الشرعي، لكن ليس بهذا الأسلوب، فالشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، والشيخ ابن عثيمين ﵀ على فضلهما ومكانتهما وقعا في أخطاء، ليس هناك أحد لا يقع في أخطاء، لكن هذه تسمى الأخطاء الاجتهادية، يقول النبي ﷺ : (إذا اجتهد المجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر).
حتى الأستاذ سيد قطب ﵀ أخطأ في مسائل في العقيدة، لكن ليست مسائل كلية، هي مسائل فرعية، مثلاً: باب الأسماء والصفات عند سيد قطب في الجملة يقول: نحن نثبت ما يثبته الله لنفسه، لكن في التفصيل قد يقع في تأويل بعض الأسماء والصفات، فهذه لا تقبل، ولا يصح لأحد أن يقبلها وترد، لكن مجمل كتابات سيد قطب في الجملة كتابات مفيدة، وفيها خير كثير، وما فيها من زلل ومن خطأ نرده ولا نقبله، وقد اعتذر عن كثير من هذه الأخطاء في كلامه حول تفسير سورة الجن، عندما قال: في بداية دراستي للعلم وقعت في قراءة لبعض كتب المخطئين وكذا، وتبنى ما في تلك الكتب ثم إنه يعتذر إلى الله منها ونحو ذلك، وله كتاب رائع جداً اسمه (خصائص التصور الإسلامي) له فصل بعنوان: تيه وركام يقول: إنه يجب علينا أن نأخذ المنهج القرآني من مصدره ومنبعه ا
стр. 103
أصول العقيدة [٦]
إن توحيد الأسماء والصفات جزء من توحيد الله , وهو متعلق بالإيمان بالله تعالى, فالإيمان بالله تعالى لا يتم بدون الإيمان بالأسماء والصفات, ويتعلق بهذا التوحيد جملة من القواعد, منها أن أسماء الله بلغت الغاية في الكمال والجمال, ودلالة كل اسم من أسماء الله تعالى على صفة من صفاته سبحانه, وثبوتها بالدليل العقلي والسمعي, وثبوت الدليل السمعي على اللفظ الاصطلاحي للاسم والصفة.
стр. 104
قواعد في الأسماء والصفات
стр. 105
بلوغ أسماء الله وصفاته الغاية في الجمال والكمال وانتفاء النقص عنها من كل وجه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: ففي الدرس الماضي انتهينا من قواعد في توحيد الألوهية، وفي هذا الدرس بإذن الله تعالى سنتحدث عن قواعد في توحيد الأسماء والصفات، وقد سبق أن أشرنا إلى أن توحيد الأسماء والصفات هو جزء من توحيد الله تعالى، وهو متعلق بالإيمان بالله، فإن الإيمان بالله لا يتم إلا بهذا التوحيد، وإذا أنكر أحد أسماء الله مطلقاً أو أنكر أسماءه أو صفاته فإنه يكون كافراً خارجاً عن دائرة الإسلام، والله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وهذه الآية العظيمة تشتمل على قواعد متعددة وكثيرة: القاعدة الأولى: أن أسماء الله بلغت الغاية في الكمال والجمال، وأنه لا نقص فيها بأي وجه من الوجوه، وهذا مأخوذ من وصف أسماء الله ؛ لأنها حسنى، والحسنى على وزن فعلى، وهي تأنيث الأحسن، كقولهم: كبرى وصغرى تأنيث الأكبر والأصغر، وحسنى يعني: التي بلغت الغاية في الحسن والجمال والكمال.
ومن مقتضيات كمال أسماء الله تعالى: أن كل اسم من أسماء الله تعالى يدل على صفة من هذه الصفات، وكل اسم من أسماء الله تعالى فإنه يدل على صفة من صفاته ، وهذا يدل على كمال أسمائه تعالى، يقول الله : ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، والمثل الأعلى هو الكمال والجمال الذي لا يدانيه ولا يشابهه كمال.
والله سمى نفسه (الرحيم) فنأخذ منه صفة الرحمة، و (الغفور) فنأخذ منه صفة المغفرة، و (الجبار) فنأخذ منه صفة الجبروت، و (الغني) فنأخذ منه صفة الغنى، و (العزيز) فنأخذ منه صفة العزة وهكذا، كل اسم من أسماء الله تعالى فإنه يتضمن صفة من صفاته ، فأسماء الله ليست جامدة لا تدل على معان، بل هي تدل على معان عظيمة، ولهذا استدل أهل العلم على أن الدهر ليس من أسماء الله تعالى؛ لأنه اسم جامد ليس له معنى في المدح والكمال، وجاء في الحديث عن النبي ﷺ : (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر أقلب الليل والنهار)، فظن بعض العلماء أن هذا الحديث يدل على أن الدهر اسم من أسماء الله تعالى؛ لأنه قال: (وأنا الدهر)، لكن الصحيح أن الدهر ليس اسماً من أسماء الله تعالى؛ لأن الدهر هو الأيام والليالي، والأيام والليالي ليس فيها مدح ولا كمال ولا جمال، فلا يصح أن يقال: إن من أسماء الله تعالى الدهر، ولهذا يبين الحديث نفسه بنفسه، فإنه قال: (وأنا الدهر أقلب الليل والنهار) يعني: أن الله خالق الدهر وهو مالكه، وهذا يدل على بطلان عقيدة الدَهرية أو الدُهرية يصح بالفتح والضم الذين يقولون: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، فأسماء الله كلها تدل على معان وتتضمن معاني، والعقل يدل على ذلك أيضاً، فإنه لا يسمى العليم إلا لمن كان لديه علم، ولا يسمى البصير إلا لمن كان لديه بصر، ولا يسمى السميع إلا لمن كان لديه سمع، ولا يسمى الجبار إلا لمن كان لديه جبروت، فمن كانت لديه هذه المعاني سمي بهذه الأسماء، ومن لم تكن لديه هذه المعاني فإنه لا يسمى بها؛ فإن للأسماء أسباباً.
стр. 106
الفرق بين أسماء الله وصفاته
أحب أن أشير إلى قاعدة مهمة جداً في التفريق بين الأسماء والصفات؛ لأن كثيراً من طلاب العلم يشكل عليه الفرق بين الاسم والصفة، والفرق بين الاسم والصفة هو: أن الأسماء أعلام والصفات معان، فأنت تفرق بين الأسماء التالية: الرحمن، الرحيم، العزيز، الجبار، المتكبر، الغفور، الودود، وهكذا، والمعاني الأخرى مثل: الرحمة، المغفرة، العزة، اليد، القدم، العينين، العلم، الإرادة فهذه صفات، وبهذا يتبين أن الأسماء أعلام، وأن الصفات معان، قد تؤخذ هذه المعاني من الأسماء، وهذا هو أحد مصادر الصفات، وقد تؤخذ من الأفعال أحياناً، وقد تدل عليها النصوص دلالة صريحة في كونها صفة، كما قال الله : ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف:٥٨] يعني: صاحب الرحمة، ولهذا فإن الفرق بين الاسم والصفة هو أن الاسم علم، والصفة معنى، والنحاة يسمون هذه المعاني مصادر، فالاسم (العزيز) والصفة العزة، والاسم (الرحيم) والصفة الرحمة، والاسم (الكبير) والصفة الكبر، والاسم (اللطيف) والصفة اللطف وهكذا، فكل اسم من أسماء الله فإنه يدل على صفة من صفاته ، وهذا من معاني الحسن الوارد في قول الله : ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠].
стр. 107
دلالة أسماء الله على الذات والصفات والمعاني المتعلقة بها في حقه تعالى
من القواعد التي تتعلق بالأسماء الحسنى: أن الأسماء الحسنى تدل على ثلاثة أمور: الأمر الأول: تدل على ذات الله .
الأمر الثاني: تدل على صفاته؛ لأنه كما سبق أن قلنا: إن كل اسم يتضمن صفة من الصفات.
الأمر الثالث: إذا كان معناها متعدياً فإنها يكون لها أحكام تخصها.
فالقدير يدل على ذات الله ، ويدل على صفة القدرة، ويدل أيضاً على ملكه للعباد، وقدرته على التأثير فيهم وعلى تبديل أحوالهم وشئونهم، ولهذا أخذ بعض العلماء مسائل فقهية من بعض نصوص الأسماء الحسنى، يقول الله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣٤]، فالذين يكونون من قطاع الطرق تكون عليهم حدود، لكن إن تابوا قبل أن يضبطوا فإنهم لا يطالبون بالحدود السابقة، أخذ ذلك الحكم من وصف الغفور الرحيم، الذي يدل على مغفرة الله لسابق أحوالهم، ورحمته فيما سبق من أعمالهم، وهذا يدل على أن من أحكام الأسماء الحسنى بعض المسائل العقدية أو الفقهية، فإن أسماء الله لها أحكام، وأسماء الله تدل بمفردها على معنى، وتدل إذا اقترنت على معنى آخر، مثلاً: نجد الاقتران الكثير بين اسم الله العزيز والحكيم، فهذا له مدلول خاص وهو أن عزة الله مرتبطة بحكمته، فإنه لا يظلم ، وهكذا السميع البصير، وهكذا بقية أسماء الله وصفاته.
أما ما يتعلق بقواعد الصفات فإن الصفات كما سبق أن أشرنا لها ثلاثة مصادر: المصدر الأول: أن تكون الآيات صريحة في الدلالة على الصفة.
المصدر الثاني: أسماء الله ، فكل أسماء الله تدل على صفاته.
المصدر الثالث: أفعال الله ، فإن أفعال الله جزء من الصفات كما سيأتي الإشارة إليه بإذن الله تعالى.
стр. 108
تنوع صفات الله تعالى باعتبار أدلتها العقلية والسمعية
القاعدة الثانية: هي أن صفات الله تنقسم باعتبارين: باعتبار الأدلة عليها، وباعتبار ذاتها، فباعتبار الأدلة عليها تنقسم إلى عقلية وسمعية، وباعتبار ذاتها تنقسم إلى ذاتية وفعلية.
باعتبار الأدلة على صفات الله سبق أن أشرنا إلى قاعدة مهمة جداً عموماً، وهي: أن مسائل العقيدة يدل عليها العقل كما يدل عليها السمع، ولا يصح أن نجعل الدليل العقلي قسيماً للدليل الشرعي؛ لأن بعض الناس عند عرضه للأدلة يقول: الأدلة الشرعية، ثم يستعرض الأدلة من الكتاب والسنة ثم يقول: الأدلة العقلية، فهذه المقابلة بين الدليل الشرعي والدليل العقلي بهذه الطريقة مقابلة غير صحيحة؛ لأنه يفهم منها أن الأدلة الشرعية لا تتضمن أدلة عقلية برهانية مقنعة، وهذا فهم خاطئ، فإن النصوص الشرعية في ذاتها فيها أدلة عقلية برهانية مقنعة على كافة مسائل العقيدة، سواء على مسائل الربوبية، أو الألوهية، أو الأسماء والصفات، أو المعاد، أو النبوات، كل هذه المسائل التي هي أصول العقيدة هناك أدلة عقلية تدل عليها، وقد أكثر منها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه العظيم (درء تعارض العقل والنقل) وفي كتابه الآخر (نقض التأسيس) فإن أهل الكلام ظنوا أن الأدلة الشرعية لا تتضمن أدلة برهانية عقلية، فأخذوا في اختراع الأدلة التي يتوقعون أنها تقنع الملاحدة أو تقنع الخصوم؛ لأن الخصم كما يقول التفتازاني: لا يذعن للنصوص الشرعية، فأنت عندما تأتي إلى خصم مثلاً من النصارى أو من الملحدين أو من أي ملة من ملل المشركين وتقول له: قال الله تعالى، يقول: أنا أصلاً لا أعترف بنبوة محمد حتى تستدل علي بما جاء به من الأخبار عن الله تعالى، فأرادوا مواجهة أصحاب الزندقة وأصحاب أهل الشرك فاخترعوا أدلة عقلية، يتصورون أن هذه الأدلة العقلية كافية في إقناع الآخرين، فصارت هذه الأدلة العقلية لها لوازم التزموها أثرت على مسائل العقيدة في فهمهم، فنفوا من أجلها الصفات، وانحرفوا في دلائل النبوات، وانحرفوا أيضاً في الاستدلال على قضايا البعث والمعاد، مع أن هذه من أساسيات العقيدة، ومن الأمور التي يجب أن يكون توضيح القرآن لها بشكل واسع وكبير، ولهذا ينبغي دائماً أن نجعل في أنفسنا أن القرآن والسنة مليئان بالأدلة العقلية، فهذا حصين أبو عمران الذي جاء إلى النبي ﷺ فأقنعه بطريقة برهانية بسيطة وسهلة يفهمها أي أحد، ليس فيها تعقيد، وليس فيها تطويل، وليس فيها مراحل حتى تصل إلى المقتضى، وليس فيها غموض، بل هي قضية بسيطة سهلة جداً قال: (كم تعبد؟ قال: أعبد سبعة: واحد في السماء وستة في الأرض.
قال: فمن لحاجتك وضرك ونفعك وما تريد؟ قال: الذي في السماء، قال: إذاً اعبد الذي في السماء واترك الذي في الأرض) فاقتنع الرجل فأسلم مباشرة، وهكذا تجد أن القرآن عندما يستدل على الذين ينكرون البعث يستدل عليهم بالخلق الأول، يعني: أن القادر على الخلق الأول قادر على الإعادة مرة أخرى، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨]، وذلك عندما جاء بالعظم وفته وقال: هل يحيي الله هذه العظام بعد أن صارت رميماً؟! فقال الله : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨] يعني: نسي أنه لم يكن هناك عظم أصلاً، وأن هذا العظم تكون ولم يكن هناك لحم، فتكون هذا اللحم ولم تكن هناك روح في هذا العظم واللحم، فتكون هذه الروح في العظم واللحم فصار إنساناً حياً، فهل إذا طرأ عليه طارئ جديد وهو الموت، وأصبحت عظامه بهذه الصورة بحيث يمكن للإنسان أن يفته، هل يعني هذا أن الذي أنشأه أول مرة غير قادر على إعادته مرة أخرى؟ هذا في أي منطق يكون؟ هذا أمر غير مقبول عقلاً، وقد سبق معكم في أدلة توحيد الألوهية أن الله بين توحيد الألوهية بياناً برهانياً واضحاً بيناً، وأن هذا الاستدلال كان عقلياً منطقياً ليس فيه أي إشكال، بل إنه سهل وقريب من الأشخاص.
الشاهد: أن من صفات الله ما يدل العقل عليها ويمكن معرفتها بالعقل، وهناك من الصفات ما لا يمكن معرفتها إلا بالشرع، فمن الصفات التي يمكن للإنسان أن يعرفها بالعقل حتى لو لم يكن هناك أدلة شرعية عليها، مع أن الأدلة الشرعية دلت عليها أيضاً: صفة الحياة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فهو الحي، والصفة التي تؤخذ منه الحياة؛ لأنه يستحيل أن يكون إلهاً إلا ويكون حياً؛ لأن الميت أو الذي لا يقبل الحياة والموت مثل: الجدار لا يصح أن يكون إلهاً، وقد ذكر الله بطلان عبادة الأصنام بكونها لا تخلق، وبكونها أمواتاً غير أحياء، وبكونها لا تسمع، يقول الله حكاية عن إبراهيم: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢] هذه أدلة عقلية، ولهذا عندما حطم إبراهيم أصنامهم وعلق الفأس ع
стр. 109
تنوع صفات الله تعالى باعتبارها ذاتية وفعلية
أما من حيث المسائل فإن الصفات تنقسم إلى قسمين: صفات ذاتية، وصفات فعلية.
سبق أن أشرت إلى أن هذه التقسيمات هي تقسيمات فنية علمية، الهدف منها تقريب المسائل العلمية، وإلا فإن هذه التقسيمات لم تحصل إلا عند المتأخرين، في جيل الصحابة والتابعين ومن بعدهم لا توجد هذه التقسيمات: ذاتية وفعلية بهذه الألفاظ، وإنما الموجود هو المعنى، لكن التقسيمات هي عملية فنية اصطلاحية، وقد سبق أن ذكرت لكم قاعدة مهمة في الاصطلاح، وقلت: إن الاصطلاح: هو عبارة عن استخدام كلمات لغوية قريبة من المعنى الاصطلاحي الذي ستنتقل إليه، وأن هذا المعنى الاصطلاحي يكون في حد ذاته معنى صحيحاً، حينئذ يكون الاصطلاح صحيحاً، أما إذا كان هناك تعاند بين المعنى الاصطلاحي واللغوي بحيث يكون المعنى الاصطلاحي مختلفاً على المعنى اللغوي، فهذا اصطلاح فاسد، أو كان هذا الاصطلاح على معنى فاسد، فإنه حينئذ يكون اصطلاحاً فاسداً، ولهذا لم ينكر السلف على مصطلحات اللغويين، وعلى مصطلحات الأصوليين، وعلى مصطلحات سائر العلوم، لم ينكروا عليها لكونها مصطلحات، وإنما أنكروا على مصطلحات أهل الكلام؛ لأنها تتضمن معاني باطلة أو اختلافاً كبيراً جداً بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، مثال الاختلاف الكبير بين المعنى اللغوي والاصطلاحي: التوحيد، التوحيد عند أهل الكلام ليس له وجود في لغة العرب، التوحيد عند أهل الكلام هو: أن يكون الشيء لا ينقسم، فيقولون: الواحد هو الجزء الذي لا ينقسم، وقد يسمونه بالجوهر، وهذا المعنى أصلاً في لغة العرب غير متصور؛ لأن في لغة العرب لم يكونوا يعرفون معنى غير منقسم، بل كانوا يسمون واحداً للشيء المنقسم، فيقولون: فرس واحد، وثوب واحد، مع أنه يمكن تقسيمه، ويمكن وصفه بمجموعة من الصفات، ويقولون مثلاً: بيت واحد، ويقول الله : ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر:١١]، وهو رجل له صفات متعددة، له أيدي، وله أرجل، وله أعين، وله لون، وله أوصاف متعددة، فهم يقولون: إن الواحد هو الذي لا يمكن وصفه، بل هو معنى لا يمكن انقسامه باعتبار الحقيقة وباعتبار الوهم أيضاً، يعني: لا يمكن أن تتوهم انقسامه، وهذا المعنى لا يعرفه العرب أصلاً، وهذا التوحيد عند أهل الكلام صار له معنى غريب عن لغة العرب، وغريب عن ثقافتهم؛ لأنه معنى فاسد، وهكذا ما يتعلق بالمصطلحات الموجودة الأخرى، المصطلحات الصوفية المشهورة.
أما بالنسبة لصفات الله فقد سبق أن أشرنا إلى أنها تنقسم إلى قسمين: صفات ذاتية: وهي التي لا تنفك عن الله بأي وجه من الوجوه، ولا تعلق لها بالإرادة.
وصفات فعلية: وهي الصفات المتعلقة بإرادة الله ، وقد تسمى الصفات الاختيارية، وقد تسمى الصفات الإرادية، وقد تسمى الصفات الفعلية.
وهذه الصفات الذاتية والصفات الاختيارية والفعلية أثبتها أهل السنة والجماعة، كما وردت في النصوص، ويمكن أن نمثل للصفات الذاتية بالعلم، والحياة، والإرادة، ويمكن أن نمثل للصفات الفعلية بالضحك، والنزول، والاستواء، والغضب ونحو ذلك.
من الصفات الذاتية أيضاً: صفة العينين، واليدين، والقدم ونحو ذلك أما الصفات الاختيارية فإنهم يقسمونها إلى قسمين: صفات لازمة، وصفات متعدية.
الصفات اللازمة: هي الصفات الخاصة بالله ، وليس لها تعد على بقية المخلوقات، مثل: الاستواء، ومثل: الضحك.
والصفات المتعدية مثل: الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، والانتقام ونحو ذلك من الصفات التي يكون لها أثر على المخلوق، لكن الحقيقة التي ينبغي أن ندركها هي أن الصفات الذاتية والصفات الفعلية لا بد أن يكون هناك ارتباط بينها وبين المخلوقات، ولهذا سبق أن أشرنا إلى أن لقيط بن صبرة في الحديث الطويل: (جاء إلى النبي ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : يضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، قال: يا رسول الله أو يضحك الرب؟! قال: نعم.
قال: لن نعدم من رب يضحك خيراً).
فأخذ منها فائدة سلوكية وتربوية إيمانية عظيمة: وهي الرجاء، وهي من أعظم أعمال الإيمان كما هو معلوم؛ لأن الخوف والرجاء لا يتم إيمان الإنسان إلا بهما مع المحبة، ولهذا قال مكحول: من عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف والرجاء والحب فهو المؤمن الموحد.
رواه أبو نعيم في الحلية، وإسناده حسن.
إذاً: هذا التقسيم لصفات الله يجعلنا نحدد كل صفة من صفات الله ، وأنها داخلة تحت هذا التقسيم، فصفة العلم غير داخلة تحت الإرادة، وصفة الاستواء داخلة تحت الإرادة، وقد أنكر أهل الكلام الضالين من الأشعرية والماتريدية الصفات الذاتية، بالذات المتأخرين منهم أنكروا الصفات الذاتية، باعتبار أن هذه الصفات تستلزم التركيب، وأنكروا الصفات الاختيارية؛ لأنها تستلزم الحدود، والتركيب والحدود مصطلحات جديدة ذات معان خاصة جاءوا بها،
стр. 110
ثبوت اللفظ الاصطلاحي للاسم والصفة
من القواعد المتعلقة بالأسماء والصفات: أن الأسماء كلفظ اصطلاحي وارد في القرآن والسنة، ولهذا يقول الله : ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وأن الصفات جمع صفة، وهي عبارة اصطلاحية واردة أيضاً في النصوص الشرعية، فقد روى البخاري في كتاب التوحيد في قصة الرجل الذي كان يقرأ في كل ركعة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فسأل النبي ﷺ ذلك الرجل عن سبب هذه القراءة فقال: (إنها صفة الرحمن أحب أن أقرأ بها، فقال: أعلموه أن الله يحبه).
فقال: (إنها صفة الرحمن) ولم ينكر النبي ﷺ هذه العبارة ذات المدلول الاصطلاحي المتعلق بتوحيد الله .
следующие страницы →