← Акыда

Акыда · id 37805

شرح القصيدة اللامية لابن تيمية - عبد الرحيم السلمي

عبد الرحيم السلمي

Полный текст (140 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

القصيدة اللامية لابن تيمية [١] تضمنت القصيدة اللامية لشيخ الإسلام ابن تيمية بيان معتقده رحمه الله تعالى الذي هو معتقد أهل السنة والجماعة في جملة من المسائل, ومنها محبة الصحابة الكرام والثناء عليهم, واعتقاد تفاضلهم فيما بينهم, ومحبة آل بيت النبي ﷺ , ومجانبة مسلك الطوائف الضالة من الغلاة المنحرفين في صحابة رسول الله ﷺ وأهل بيته, كالشيعة والخوارج.

стр. 2

بيان فضل العلم وأهله الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد: فإن طلب العلم من أشرف الأعمال وأجلها، ولهذا أثنى الله على أهل العلم، فقال : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، وأشهدهم على أكبر قضية في الوجود، وهي: توحيده، فقال : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨]. قال ﵊: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين). والفقه في الدين والفهم له يقتضي العمل به، ولهذا يقول علي بن أبي طالب ﵁: (العلم يهتف بالعمل؛ فإن أجاب وإلا ارتحل). فطلب العلم له أهمية كبرى في حياة الإنسان الخاصة والعامة؛ ولهذا ينبغي علينا أن نعتني به ونحيي مجالسه، ونهتم بمذاكرته في كافة التخصصات، ولعل من أبرز العلوم التي ينبغي على طالب العلم أن يعتني بها: علم العقيدة؛ فهي التي يصح بها دين الإنسان، وهي أصل الدين وأساسه، ولا غنى للإنسان عنها، خصوصاً في هذا الزمان الذي كثر فيه الخلاف، والنزاع، وكثرت فيه الطوائف والجماعات، والفرق والمذاهب والآراء والفلسفات. هذا الوقت أحوج ما يكون فيه طالب العلم إلى معرفة العقيدة الصحيحة التي يأخذها من كتاب الله ومن سنة النبي ﷺ . ولعل هذا الدرس -بإذن الله تعالى- يؤدي جزءاً من هذا الغرض، وهو متن صغير لطيف لعالم من أكبر علماء أهل السنة، وهو: شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحنبلي الحراني ابن تيمية ﵀، وهو عالم مشهور معروف، له مصنفات كبرى سارت بها الأخبار، وأصبحت معلماً من معالم الإسلام، ولعل من أكبر مصنفاته، كتابه العظيم: درء تعارض العقل والنقل، وقد طبع في أكثر من عشر مجلدات، وله: منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة القدرية، وله رد خاص على النصارى في كتاب: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، وله كتاب كبير لم يطبع بعد وهو من أنفس كتبه ﵀ وهو: بيان تلبيس الجهمية، وقد يسمى: نقض التأسيس، وهو رد على كتاب لإمام الأشعرية الثاني الفخر الرازي في كتابه المشهور: أساس التقديس، والذي بدأه بقانون من أعظم القوانين التي عارضت نصوص الكتاب والسنة وهو القانون الكلي العقلي. وهذا المتن الذي بين أيدينا لشيخ الإسلام ابن تيمية العالم الموسوعي الذي كان يتقن اللغة العبرية بالإضافة إلى اللغة العربية: هو عبارة عن منظومة صغيرة نظمها ﵀ في ستة عشر بيتاً تقريباً، وقد اشتملت على أهم المسائل العقدية، وسيكون شرحنا لها بإذن الله تعالى على ثلاث نقاط: النقطة الأولى: شرح مختصر للمعاني العامة. والنقطة الثانية: شرح المسائل العقدية في الأبيات. والنقطة الثالثة: إعراب الأبيات.

стр. 3

ثبات عقيدة أهل السنة وتيقنهم منها قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [يا سائلي عن مذهبي وعقيدتي رزق الهدى من للهداية يسأل اسمع كلام محقق في قوله لا ينثني عنه ولا يتبدل حب الصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسل ولكلهم قدر علا وفضائل لكنما الصديق منهم أفضل] يقول رحمه الله تعالى: (يا سائلي عن مذهبي وعقيدتي رزق الهدى من للهداية يسأل) هذا البيت جعله ابن تيمية ﵀ بداية لهذه المنظومة، فحدد فيه المقصود من هذه المنظومة، وهي بيان مختصر لعقيدته التي هي عقيدة أهل السنة والجماعة. قوله مذهبي: يعني المذهب في الأصول الذي يذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وعقيدته أيضاً: هي عقيدة السلف الصالح رضوان الله عليهم، فـ شيخ الإسلام لم يأتِ بعقيدة جديدة، ولم يأتِ بمذهب جديد، وإنما هو مجدد لمذاهب الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وهو مجدد لمذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة والشافعي ومالك، ومن كان في القرن الثالث والرابع والخامس من علماء السلف إلى زمنه ﵀. قال: (رزق الهدى من للهداية يسأل) فإن أعظم ما يحتاج إليه الإنسان في هذه الدنيا هو الوصول إلى الهداية، والإنسان خلق في هذه الدنيا من أجل أن يهتدي إلى الحق والصدق، ويجتهد في أن يصل إلى العقيدة الصحيحة من بين العقائد الكثيرة الموجودة في هذا الزمان، وهذه العقائد موجودة من قبل زمن ابن تيمية ﵀؛ فإن الافتراق ظهر في الأمة من القرن الأول ابتلاء وفتنة، كما أخبر الله في قوله: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩]، قال العلماء في قوله: ((وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)) يعني: خلقهم للاختلاف والتفرق ابتلاء وامتحاناً؛ ليرى من يهتدي إلى الحق، ومن يتنكب الصراط المستقيم. قال: (اسمع كلام محقق في قوله) محقق بمعنى موقن في قوله، يعني: أنه يعتقد هذه العقيدة، وهو موقن بها غير شاكٍ ولا متردد، فهو إنسان متيقن بما يعتقد، ليس عنده ذلك الاضطراب أو الحيرة التي وقع فيها أهل الفرق الضالة من أهل الكلام وغيرهم، فإن عظماء علماء أهل الكلام الكبار قد أظهروا الحيرة والشك والريب والتعب النفسي من الضياع الفكري الذي وقعوا فيه، فهذا أحد كبار علماء الكلام المشهورين وهو الشهرستاني يقول في كتابه: نهاية الإقدام في علم الكلام: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تروي غليلاً، ولا تشفي عليلاً، فلم أجد مثل الكتاب والسنة، ثم قال: اقرأ في الإثبات قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ونحوها، واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، ثم قال: نهاية إقدام العقول عقال وآخر سعي العالمين ضلال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا وهذه الأبيات تنسب أيضاً للفخر الرازي. والرازي أيضاً جاء هو وأحد المعتزلة إلى أحد العباد، وقالا له: هل أنت موقن بما تعتقد؟ فقال لهم: نعم، قالوا: وعلى أي شيء تستند؟ -فالعابد ليس عنده شبهات عقلية، وليست عنده مشكلات عقلية كما هي موجودة عندهم، فهم يتصورون بسبب الشبه الموجودة عندهم أن العقل مناقض للنصوص الشرعية، ويحاولون أن يجمعوا بين العقل والنقل- فقال لهم هذا العابد: شيء أجده في قلبي لا أستطيع أن أدفعه، فقال المعتزلي: أما أنا فقد أحرقت قلبي الشبهات، فسألزم هذه الطريقة التي أنت عليها، وأما الرازي فإنه اعتذر ببعض المعاذير، وكانت نهايته الحيرة والاضطراب. فقوله: (اسمع كلام محقق في قوله) يعني: اسمع كلام إنسان موقن بما يعتقد وما يقول. وهذه السمة واضحة عند أهل السنة ولله الحمد؛ فإن الله يقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، ويقول الله عن ضد ذلك: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]، ولهذا سمى الله مصدر هذه العقيدة -وهو القرآن-: (روح)؛ لأن الحياة الحقيقة تتوقف على هذا القرآن، وسماه: (نور)؛ لأن الإنسان يعيش في دياجير الظلام حتى يهتدي بهذا القرآن، قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْر

стр. 4

اعتقاد أهل السنة في الصحابة قال ﵀: حب الصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسل ولكلهم قدر علا وفضائل لكنما الصديق منهم أفضل بدأ أولاً بأصل من أصول العقيدة وهو حب الصحابة. موضوع الصحابة من أهم الموضوعات لورود الأدلة الشرعية من القرآن والسنة في كيفية التعامل مع أصحاب النبي ﷺ . هذا من جهة. ومن جهة أخرى: لكثرة من سب أصحاب النبي ﷺ ، واتخذ سبهم ديناً يتدين لله به، وما أقبحه من دين!

стр. 5

تعريف الصحابي لغةً الصحابي: مأخوذ من الصحبة، والأصحاب والصحبة والصحابة تطلق على من صحب أحداً قليلاً كان أو كثيراً، فإذا قيل: فلان صحب فلاناً، فمعنى هذا: أنه التقى به ولو لساعة من زمان، فلا يشترط في مدلول الصحابة كثرة المقابلة، أو أن يجلس معه سنة أو سنتين، فليس هناك حد معين للصحبة حتى يسمى صحابياً، ولهذا لا يصح التعريف الذي نقل عن سعيد بن المسيب -ويبدو أنه لا يصح عنه سنداً- قال: لا نعد الصحابة إلا من صحب رسول الله ﷺ سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين، هذا التعريف ليس بصحيح، فكل من لقي النبي ﷺ مؤمناً به، ومات على ذلك يعتبر من الصحابة، وليس هناك حد لأقل اللقيا، فلو جلس معه ساعة واحدة فقط، سواء روى عنه أو لم يروِ عنه، غزا معه أو لم يغزُ معه؛ فهو من الصحابة. والدليل على هذا: أن مدلول الصحبة في اللغة يطلق على الكثير والقليل، ولهذا قال النبي ﷺ في النساء: (إنكن صواحب يوسف)، والمعنى: إنكن كصواحب يوسف اللاتي قطعن أيديهن وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا، وهن لم يحصل لهن لقاء مع يوسف ﵊ إلا بمجرد أنه دخل إليهن، ونظرن إليه وقطعن أيديهن، فبمدلول اللغة يمكن أن تطلق الصحبة على اللقيا كثرت أو قلت، فلا يأتي شخص ويقول: ما هو حد الصحابة؟ هل بمجرد أن ينظر رجل إلى النبي ﷺ مباشرة يصبح من الصحابة؟ نقول: نعم حتى لو لم يغزُ معه حتى لو لم يروِ عنه حديثاً واحداً حتى لو كان النبي ﷺ نفسه لا يعرفه معرفة تفصيلية. وذلك لأن النبي ﷺ قال: (لا تسبوا أصحابي)، فأطلق كلمة أصحابي. وإذا حللنا الحديث لا بد أن نرجع إلى معناها اللغوي، وهل هناك تحديد شرعي من الرسول ﷺ بأن من عاش معه سنة فهو من الصحابة، ومن لم يعش معه كذلك فليس من الصحابة؟ ليس هناك تحديد شرعي لذلك، فالنبي ﷺ لم يحدد وقتاً أو عدداً من اللقاءات لمن يسمى صحابياً، وهناك قاعدة شرعية نفيسة وهي: أن الأصل في المعاني الشرعية الرجوع إلى الحقيقية الشرعية، ومعنى الحقيقية الشرعية هي ما دل الشرع عليه من الحدود والأقسام والمعاني والاصطلاحات، فالأصل الأخذ بالشرع، فإن لم نجد لهذا المصطلح أو المدلول معنى محدداً في الشرع، نرجع إلى المعنى اللغوي -الحقيقية اللغوية- فإن لم يكن هناك في لغة العرب معنى محدداً للمدلول أو المصطلح نرجع للعرف الذي تعارف الناس عليه. ولهذا في مسافة السفر لم يرد هناك حديث عن النبي ﷺ يحدد مسافة معينة، ولم يقل النبي ﷺ : من سافر مائة كيلو أو كذا وكذا من الأميال فإنه يكون مسافراً، وما كان أقل من ذلك فإنه ليس بمسافر، فلم يأت في القرآن أو السنة ما يحدد مسافة القصر، فنرجع إلى اللغة، فلا نجد أن العرب حددوا مسافة محددة وضبطوها وجعلوا هذا سفراً وما عداه ليس بسفر، فنرجع حينئذٍ إلى عرف الناس، فما تعارف الناس عليه بأنه سفر فهو سفر، وما لم يتعارف عليه الناس فليس بسفر، فقديماً كان الذهاب إلى مكة يعتبر سفراً، ويحتاج إلى شد رحال، وإلى وقت طويل ذهاباً وإياباً. أما الآن فالناس يذهبون دائماً إلى مكة، ولهذا لا يعتبروا مكة سفراً، فلا يقول أحدهم: إني أريد أن أسافر إلى مكة. وهكذا مدلول لفظة: (الصحابة) فقد وردت في كلام النبي ﷺ مطلقة، ولم يحدد لها النبي ﷺ مجموعة من اللقاءات، أو فترة معينة من أجل أن يسمى هذا صحابي وهذا ليس بصحابي. فنعود إلى المعنى اللغوي، وقد سبق أن قررت: أن المعنى في لغة العرب: كل ما اقتضى اللقيا فهو صحبة، وصحبت فلاناً، يعني: لقيته ولو ساعة واحدة.

стр. 6

تعريف الصحابي شرعاً أما التعريف الشرعي له: فهو كل من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك. قولنا: (كل من لقي النبي ﷺ يشمل من لقيه أوقاتاً كثيرة، ومن لقيه مرة واحدة، ومن لقيه ورآه أو من لقيه ولم يره لعارض مثل العمى، مثل: عبد الله بن أم مكتوم من الصحابة، فهو لم يرَ النبي ﷺ ؛ لأنه أعمى، ويشمل أيضاً كبار الصحابة ممن لقيه وهو رجل راشد، ويشمل أيضاً الصغار كـ السائب بن يزيد، وأبي الطفيل عامر بن واثلة ومحمود بن لبيد الذي قال: (عقلت مجة مجها رسول الله ﷺ في وجهي عام الفتح) وهو معدود من أصحاب النبي ﷺ ، ولهذا عدّ بعض العلماء -ومنهم الحافظ ابن حجر في الإصابة- المسيح عيسى ابن مريم عليه والسلام من الصحابة؛ لأنه لقي النبي ﷺ في السماء عندما عرج بالنبي ﷺ هناك وهو لم يمت إلى الآن، وسيموت بعد أن ينزل في آخر الزمان كما وردت به الأحاديث الصحيحة. وقولنا: (وهو مؤمن به) يخرج به من لم يكن مؤمناً بالنبي ﷺ ، مثل من لقيه من كفار قريش، أو من أهل الكتاب، أو من غيرهم، فهؤلاء لا يسمون صحابة؛ لأن الصحابة ممدوحون في الكتاب والسنة، وهؤلاء كفار فكيف يمدحون؟! وقولنا: (ومات على ذلك) يعني: مات على الإسلام، فلو أن إنساناً أسلم ثم ارتد، كما ينقل عن عبيد الله بن جحش -وإن كانت الروايات ليست قوية في هذا الباب- أنه ارتد وهو في الحبشة؛ حينئذٍ لا يكون من الصحابة، ومن لقي النبي ﷺ وهو كافر ثم أسلم بعد موته لا يعتبر من الصحابة، ومن عاش في زمن النبي ﷺ ، وأمكن لقياه بالنبي ﷺ ولم يلقه، وأسلم بعد ذلك، فهو ليس من الصحابة أيضاً، بل يسمى من كبار التابعين.

стр. 7

الثناء على الصحابة في القرآن والسنة الصحابة ممدوحون في نصوص الكتاب والسنة سواء كثرت صحبتهم أو قلت. من ذلك: قول الله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣] فقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) يعني: وكذلك جعلناكم أمة خيرة، ليس المقصود التوسط في الزمان، فإننا في آخر الزمان، كما قال النبي ﷺ : (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا)، وخير هذه الأمة: هم أصحاب النبي ﷺ . ويقول الله : ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠]، فقوله: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ) المراد به الصحابة رضوان الله عليهم من المهاجرين الذين أسلموا قبل الهجرة وهاجروا، ومن الأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان، كما أخبر الله في سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]. الصحابة في هذه الآية موصوفون بثلاثة أوصاف: المهاجرون: وهم الذين هاجروا من مكة -وقد كانت بلد كفر- إلى المدينة وهي بلد إسلام في ذاك الزمان، والأنصار: وهم الذين استقبلوهم، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر:١٠]، المقصود بهم: مسلمة الفتح بعد أن انقطعت الهجرة؛ لقول النبي ﷺ : (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية)، فبعد أن فتحت مكة لم تعد مكة دار هجرة ودار كفر، ولهذا أخذ الحافظ ابن حجر من هذا الحديث فائدة جليلة، قال: إن مكة لا يمكن أن تنقلب في يوم من الأيام إلى دار كفر، ولا يمكن أن يحكمها الكفار، ولا يمكن أن تستعمر؛ لقول النبي ﷺ : (لا هجرة بعد الفتح)؛ لأنه لو كان هناك إمكانية أن تستعمر مكة، وأن يستقر فيها الكفار ويحكمونها ويحتلونها، لما قال النبي ﷺ : (لا هجرة بعد الفتح)؛ لأنها ستكون حينئذٍ مكان هجرة. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠] المقصود بهم: مسلمة الفتح، وهم الطلقاء الذين قال لهم النبي ﷺ : (ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء)، فهم الذين أسلموا بعد الفتح، وهذه الآية تنزل عليهم، وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة:١٠٠] إلى آخر الآية، كل ذلك مدحاً لهم، فإنه قال: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)، وهذا يشتمل على أوصاف: الوصف الأول: رضا الله عنهم، والوصف الثاني: رضاهم عنه، والوصف الثالث: ((وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا))، ثم قال: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠]. ويقول الله في فضل الصحابة: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]، فهذه الأوصاف في أصحاب النبي ﷺ كلها أوصاف مدح وثناء لهم، ولهذا جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفس محمد بيده! لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مثل مُدّ أحدهم ولا نصيفه)، وهذا عام في الصحابة جميعاً. وما ورد في سبب هذا الحديث من كون خالد بن الوليد ﵁ كان بينه وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فتكلم عليه، فقال النبي ﷺ هذا الحديث، فلا يصح، فإن هذه الرواية شاذة. والصحيح: أن هذا الحديث باقٍ على عمومه، وأنه شامل لكل أنواع الصحابة رضوان الله عليهم.

стр. 8

تفاضل الصحابة فيما بينهم مسألة: الصحابة مع فضلهم جميعاً، ومع مكانتهم جميعاً، إلا أنهم يتفاضلون فيما بينهم، فأفضل الصحابة على الإطلاق: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وهذا الأمر انعقد عليه الإجماع؛ ولهذا قال ابن عمر: كنا نفاضل بين أصحاب النبي ﷺ فنقول: أفضل الصحابة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت، لكن الإجماع منعقد على أن أفضل الناس بعد عثمان هو علي بن أبي طالب ﵁، والبدريون أفضل المهاجرين والأنصار، والمهاجرون أفضل من الأنصار، وأيضاً من بايع تحت الشجرة، وأصحاب بيعة العقبة الأولى والثانية، ومن أسلم من قبل الفتح أفضل ممن أسلم من بعد الفتح، كما قال الله : ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠]، قال: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ)) الفتح المقصود به: فتح مكة، فمن أسلم قبل الفتح أفضل من الطلقاء الذين أسلموا بعد ذلك، وأفضل ممن لقيه النبي ﷺ في حجة الوداع، فإنهم في حجة الوداع اجتمع خلق كثير كانوا في مكة، ورأوا النبي ﷺ ، ومنهم أشخاص لم يروه إلا في تلك اللحظة ولم يروه بعد ذلك، فمن أسلم من قبل فهو أفضل، قال: ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا))، ثم قال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠]، وقوله هذا يدل على فضيلة الصحابة ومكانتهم وعلو منزلتهم عموماً. وهناك كما قلت: فضل فيما بينهم، فأفضلهم على الإطلاق أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي بن أبي طالب ﵃، ومن فضل أحداً على أبي بكر ﵁ فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، فهذا أمر أجمعوا واتفقوا عليه، وذلك لكونه صديق هذه الأمة، ولأنه جاهد مع النبي ﷺ بنفسه وماله، وهو من أوائل الصحابة رضوان الله عليهم إسلاماً، وله من المميزات ما ليست في غيره.

стр. 9

محبة أهل بيت النبي ﷺ أهل البيت لهم من الفضيلة ما ليس لغيرهم، فقوله: (ومودة القربى بها أتوسل) يعني: أتوسل بمحبتي للقربى من النبي ﷺ ، وهم أهل البيت. والمقصود بأهل البيت: أقارب النبي ﷺ كآل علي بن أبي طالب: الحسن والحسين، وآل العباس وآل عقيل، فكل هؤلاء يعتبرون من قرابة النبي ﷺ ، وقد أمر النبي ﷺ بمحبة قرابته والتزامهم، ولهذا قال: (عليكم بشيئين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي)، والعترة: هم أهل البيت، وهم قرابة النبي ﷺ . وقوله: (ومودة القربى بها أتوسل) يعني: أتوسل إلى الله بمودة القربى، وهذا نوع من أنواع التوسل الجائز، فإن التوسل ينقسم إلى قسمين: توسل مشروع وتوسل ممنوع، فالتوسل المشروع يكون بثلاثة أمور: الأمر الأول: التوسل بأسماء الله وصفاته. والأمر الثاني: التوسل بدعاء الصالحين في حياتهم. والأمر الثالث: التوسل بالأعمال الصالحة. وهذا النوع من التوسل بالأعمال الصالحة، فإن مودة القربى من الأعمال الصالحة، وأما التوسل الممنوع فله مجال آخر. ومن هنا نلاحظ: أن محبة الصحابة فريضة، وأن بغض الصحابة كبيرة من كبائر الذنوب، وقد توصل إلى الكفر.

стр. 10

الطوائف التي قدحت في الصحابة وبيان ضلالهم وقد ظهرت طوائف ممن عادت الصحابة إجمالاً، أو عادت بعض الصحابة رضوان الله عليهم، وهذه الطوائف معدودة عند أهل العلم من الفرق الضالة المبتدعة، فالشيعة قبحهم الله يتقربون إلى الله بسب وذم وتكفير أغلب الصحابة! فهم يكفرون أبا بكر وعمر وعثمان وعائشة وطلحة والزبير وأبا هريرة وأبا سفيان وأبناءه وكل الصحابة إلا مجموعة يسيرة مثل سلمان الفارسي والمقداد بن الأسود وعدد قليل من أصحاب النبي ﷺ ، فهم ويكفرون جماعات من أصحاب النبي ﷺ ويذمونهم ويسبونهم، بل إنهم يعتقدون أن من سب أصحاب النبي ﷺ فإن له الأجر عند الله، وأنه له المكانة العظمى عند الله؛ لأنهم -قبحهم الله- يزعمون أن هؤلاء ظلموا علي بن أبي طالب. وهم يحصرون دينهم في الولاية، ويقولون: إن الولاية هي أصل الدين، وأنها مقارنة لعبادة الله، وللشهادة للنبي ﷺ بالرسالة. فيقولون: من لم يؤمن بأن علي بن أبي طالب هو الولي بعد محمد ﷺ فهو زنديق كافر خارج عن الإسلام، ولا شك أن هذه العقيدة عقيدة كفرية خطيرة، فإن تكفير أصحاب النبي ﷺ بهذا الأسلوب معناه في الحقيقة طمس للدين وتغيير لمعالمه، فإن هؤلاء الصحابة هم الذين نقلوا الدين والقرآن، وأقوال النبي ﷺ وأحكامه ﷺ ، وهم الذين ربوا هذه الأمة على الإيمان والتقوى وفتحوا هذه البلاد الشاسعة الكبيرة، والذين أقاموا فيها الدين، وهم حواريو النبي ﷺ الذين لا يسبهم إلا خبيث مجرم. وبعض الفرق الضالة تسب بعض الصحابة مثل الخوارج؛ فإنهم نواصب، يسبون علي بن أبي طالب ﵁، وبعض من وقف معه من الصحابة، وبعضهم كان يطعن في بعض الصحابة، مثل معاوية بن أبي سفيان ويسبه ويذمه، أو في مسلمة الفتح، وبعض المعاصرين -قبحهم الله- يتكلمون فيهم، ويذمونهم ذماً قبيحاً، ولا شك أن هؤلاء مخالفون للنصوص الشرعية؛ فإن الله يقول: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] يعني: من أسلم من قبل الفتح أو بعده. والسب والذم لا يمكن أبداً أن يكون مبدءاً ولا ديناً لأحد إلا من قبح فعله، وخبثت سريرته كحال الروافض ومن شايعهم. هؤلاء الذين يذمون معاوية يذمون كاتب الوحي، كما ثبت في الصحيح أن أبا سفيان جاء إلى النبي ﷺ ، واستأذنه بأن يكتب معاوية الوحي، فأذن له بذلك، فكان يكتب الوحي، وكان من أفضل ملوك الإسلام على الإطلاق، ولهذا لابد من معرفة قاعدة أهل السنة والجماعة فيما شجر بين الصحابة رضوان الله عليهم. وقعت فتنة في آخر زمن عثمان قتل فيها عثمان ﵁، ووقعت معركتان كبيرتان، الأولى: الجمل، والثانية: صفين، كانت هذه من الفتن التي وقعت في زمن الصحابة رضوان الله عليهم، وعقيدة أهل السنة والجماعة في هذه الفتنة: أنه يجب الإمساك وترك الكلام فيما شجر بين الصحابة، وأن هؤلاء ثبت فضلهم بنصوص الكتاب والسنة، وما وقع منهم في هذه الفتنة فهو ما بين خطأ واجتهاد، فما وقعوا فيه من خطأ فإن ما لهم من الفضل أعظم من هذا الخطأ، والله يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، وما وقعوا فيه من اجتهاد، فالنبي ﷺ يقول فيه: (إذا اجتهد المجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)، فهم ما بين الأجر والأجرين. ولهذا لا يجوز لأحد أن يتكلم فيهم، ولا يجوز لأحد أن يفتح هذا المجال للقدح في الصحابة رضوان الله عليهم، فإن عمر بن عبد العزيز ﵁ لم يجلد أحداً في ولايته إلا رجلاً سمعه يسب معاوية، والشيعة -قبحهم الله- يروون أحاديث موضوعة في ذم معاوية وكل ما ينقلونه فهو من الكذب؛ لأن الشيعية يتدينون لله بالكذب. والحقيقة أن الشيعة من أحمق الطوائف كما قال عدد من العلماء، قال أبو الربيع الزهراني: (الشيعة لو كانوا من البهائم لكانوا حمراً، ولو كانوا من الطيور لكانوا رخماً، وصدق فهم شر الطوائف، حتى أنه ينقل عن الشعبي أنه كان له جني يلتقي به، فقال له: من شر الطوائف لديكم؟ قال: الروافض، قال: وكذلك نحن، فشر الطوائف لدينا هم الروافض. ولهذا فاليهود مع كونهم بدلوا كلام الله -التوراة- إلا أنهم لا يسبون أصحاب موسى، والنصارى مع تحريفهم الإنجيل، لكنهم مع هذا لا يسبون أيضاً أصحاب عيسى، ووقعت هذه الشرذمة الخبيثة في أصحاب النبي ﷺ . قال: (ولكلهم قدر علا وفضائل) ولهذا أفرد العلماء -مثل الإما

стр. 11

إعراب الأبيات (يا سائلي)، يا: حرف نداء، والحروف كلها مبنية، فهو مبني على السكون. (سائلي) سائل: منادى منصوب وعلامة نصبه الفتحة، لكن العلامة قد تكون ظاهرة، وقد تكون مقدرة، والتقدير أحياناً يكون للتعذر؛ لأن المحل مشتغل بحركة لوجود حرف بعدها، فالياء لا يناسبه إلا الكسرة، فيكون (سائل) منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على اللام منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، وهي الكسرة. والياء في محل جر بالإضافة. (عن مذهبي): (عن) حرف جر. ومذهب: اسم مجرور والباء في (مذهبي) عليها كسرة، فهل هذه الكسرة كسرة الجر، أم كسرة المناسبة؟ ما دام أن الكسرة موجودة فمن التعمق المذموم بحث مثل هذه المسائل، يعني: هذه المسائل كثرت عند المتأخرين إلا أنها ليست مهمة، وهي: هل هذه الكسرة علتها حرف الجر، أو علتها ياء المناسبة؟ وإن كان حرف الجر هو الأقوى، ولكن ليس مهماً أن نشتغل بهذا. (وعقيدتي) تابع لها. (رزق): فعل ماضي مبني للمجهول مبني على الفتح. (الهدى) مفعول ثاني مقدم منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر. (مَن) اسم موصول، بمعنى: الذي وهو نائب الفاعل. (للهداية) اللام الأول زائدة وهي حرف جر، (هداية) مجرور (يسأل) فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر. (اسمع) فعل أمر مبني على السكون، وفاعله ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت. (كلام) مفعول به منصوب. و (كلام) مضاف، (ومحقق) مضاف إليه. (في قوله) جار ومجرور. (لا ينثني): لا نافية، وهذا فرع عن المعنى، يعني: فائدة الإعراب هو تحديد المعنى، (ينثني): فعل مضارع. (عنه) جار ومجرور، (ولا) هنا: نافية، (يتبدل) فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة. (حب الصحابة) حب: مبتدأ، وهو مضاف والصحابة: مضاف إليه مجرور. (كلِّهم) مضاف والضمير مضاف إليه. (لي مذهب) هذه جملة مستقلة، وهي خبر حب. (ومودة القربى): معطوف على ما قبله. (بها) جار ومجرور. (أتوسل): فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر. (ولكلهم) جار ومجرور. (قدر) مبتدأ مؤخر. (علا) صفة. (و) الواو حرف عطف، (فضائل) معطوف على قدر. (لكنما الصديق منهم أفضل). (لكنما) كافة ومكفوفة. (الصديق) مبتدأ مرفوع. (منهم) جار ومجرور والميم علامة الجمع. (أفضل) خبر لقوله: (الصديق).

стр. 12

الأسئلة

стр. 13

سب الصحابة من أصول دين الشيعة السؤال هل جميع الشيعة يسبون الصحابة؟ الجواب إن من أصولهم المميزة لهم عن غيرهم: سب الصحابة.

стр. 14

كتب في مذهب التكفير للخوارج السؤال ما هو أفضل كتاب يتكلم عن مذاهب الخوارج؟ الجواب ليس هناك كتاب محدد عن مذهب الخوارج، ومن أفضل الكتب في باب التكفير: نواقض الإيمان القولية والعملية، وكتاب: الإيمان لـ ابن تيمية وكتاب: الإيمان لـ أبي عبيد القاسم بن سلام، لكن من أفضل كتب المعاصرين: نواقض الإيمان القولية والعملية، للشيخ عبد العزيز آل عبد اللطيف، وضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة للشيخ عبد الله القرني.

стр. 15

ضابط الصحبة السؤال هل الذي عاش مع النبي ﷺ أو في زمنه ولم يشاهده يعتبر صحابياً؟ الجواب اللقيا شرط في الصحبة، لكن إذا كان النبي ﷺ في المدينة ورجل في اليمن ولم يلقَ النبي ﷺ ، فهذه لا تسمى صحبة.

стр. 16

فهم الصحابة لمعاني الصفات السؤال ما حكم من يقول: إن الصحابة لم يعلموا الأسماء والصفات ولم يتكلموا عليها؟ الجواب هذا خطأ كبير، فالقرآن مليء بالصفات، والصحابة يقرءونه آناء الليل وأطراف النهار، فكيف يقرءون الأسماء والصفات ولا يفهمونها، والرجل الذي سمع النبي ﷺ يقول: (يضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، قال: أو يضحك الرب؟ قال: نعم، قال: لن نعدم خيراً من رب يضحك) فأصحاب النبي ﷺ هم من أعلم الناس بأسماء الله وصفاته، لكنهم يدرسونها بمنهج صحيح رشيد، وليس بمنهج أهل البدع والضلالة.

стр. 17

حكم دعاء المسلم لنفسه أن يكون أفضل من الصحابة السؤال هل يجوز للمسلم أن يدعو الله أن يكون أفضل من الصحابة زهداً وورعاً وعلماً؟ الجواب هذا اعتداء في الدعاء، ليس هناك فائدة أن تدعو الله أن تكون أفضل من فلان، يعني: مثلاً لو قلت: اللهم اجعلني أفضل من إمام المسجد ما هي الفائدة؟! المفترض أن تقول: اللهم اجعلني صالحاً هادياً مهدياً، فادع لنفسك بالصلاح، ولا تدع بأن تكون أفضل من فلان أو أحسن من فلان، فليس في هذا فائدة.

стр. 18

معنى المذهب والعقيدة السؤال ما الفرق بين المهذب والعقيدة، في قول الناظم: (يا سائلي عن مذهبي وعقيدتي)؟ الجواب المذهب والعقيدة بمعنى واحد، وإنما كررها للوزن في النظم.

стр. 19

الحوار مع الشيعة السؤال أعلن في الصحف قبل يومين عن مؤتمر للدعوة إلى الحوار مع الشيعة؟ الجواب كلمة (الحوار) كلمة عامة، فإذا كان المقصود بكلمة الحوار: دعوة الشيعة إلى الله وإلى السنة فهذا مطلوب، لكن الحقيقة أن أكثر من يتكلم في موضوعات الحوار أهدافه سياسية، ومع الأسف أن مثل هؤلاء يحتاجون إلى حوار مع أنفسهم قبل أن يقيموا حواراً مع الآخرين.

стр. 20

حكم خروج المرأة إلى السوق السؤال مع حكم خروج المرأة إلى السوق للضرورة؟ الجواب إذا خرجت المرأة محتشمة غير متطيبة ومتحجبة فليس في خروجها إلى السوق مانع.

стр. 21

حكم لبس العباءة السؤال ما حكم لبس العباءة التي على الكتف من غير تطريز؟ الجواب لبس العباءة التي على الكتف لا تجوز؛ لأنها تزين المرأة، والحجاب الهدف منه الستر وليس الزينة، ووضع المرأة الحجاب على الكتفين يبين جسدها: هل هي صغيرة أو كبيرة، هل هي متينة أو نحيفة، وهذا مخالف لمقصود الحجاب الذي هو الستر.

стр. 22

كيفية التعامل مع أصحاب المعتقدات المبتدعة السؤال يوجد بعض الناس تكون أفكارهم ومعتقداتهم مختلفة تماماً عما نعلمه عن الدين، فكيف نواجههم؟ الجواب الخطوة الأولى: أن يجتهد الإنسان في تعلم دينه بشكل صحيح. الخطوة الثانية: هي أن ينظر إلى ما عند الآخرين من انحرافات، إلى هذه الأفكار الغريبة عن الدين ويحددها، فإذا حددها عرف ما هو الخطأ وما هو الصواب، لكن أحياناً قد يكون الإنسان فطرته سليمة، لكن ليس عنده علم، فينظر إلى بعض الناس فيجد عندهم أفكاراً غريبة، فإذا به قد دخل معهم في نقاش بدون علم، وإنما أنكر ما هم عليه بمجرد الفطرة، فهذا قد تدخل عليه شبه لا يستطيع أن يردها، فأول ما يبتدئ الإنسان هو بالعناية بتصحيح عقيدته في نفسه.

стр. 23

التسمية الصحيحة للشيعة السؤال هل الصحيح تسميتهم شيعة أم روافض؟ الجواب يمكن أن يسموا شيعة، ويمكن أن يسموا روافض، فهم سموا روافض؛ لأنهم رفضوا كلام زيد بن علي ﵁ ورحمه عندما سألوه عن موقفه من الشيخين، فترضى عليهما، فلما ترضى عليهما غضبوا عليه، فقال لهم: رفضتموني، فسموا رافضة. وهم شيعة؛ لأنهم يقولون: نحن شيعة أصحاب علي بن أبي طالب ﵁، وهو منهم براء.

стр. 24

حكم الإيمان بدون عمل مع ارتكاب بعض نواقض الإسلام السؤال هل الشيعة مخلدون في النار مع أنهم يؤمنون بالله؟ الجواب الإيمان بالله وحده ليس كافياً، فلابد أن يفهم أن الإنسان حتى يكون مسلماً لابد من الإتيان بأمرين: الإيمان بالله وعبادته عملياً، والأمر الثاني: ترك نواقض الإيمان، فإذا كان مؤمناً بالله وبالرسل وبالملائكة وبالكتب ويعبد الله ، لكن عنده ناقض من نواقض الإيمان كأن يسب الله يسب الرسول يسجد للصنم يتحاكم إلى غير شريعة الله، هذا لا ينفعه الإيمان. لابد من معرفة هذه القاعدة، فكثير من الناس يقول: كيف تكفره وهو مؤمن بالله؟! إن أحد الكتاب تكلم بكلام خطير في الدين، فلما قال له أحدهم: هذا كفر، قال: تكفرني وأنا مؤمن بالله، قال له: هذا الكلام الذي أنت تقوله لا شك في كونه كفراً بإجماع المسلمين، وهل يمنع هذا أن تكون مؤمن بالله فقط؟ لا يمنع، إذا كنت مؤمناً بالله، فإن للإيمان بالله لوازم، منها: الابتعاد عن نواقض الإيمان، فإذا لم يبتعد عن نواقض الإيمان فإنه يقع عليه الكفر بشروطه وضوابطه بالنسبة للمعينين.

стр. 25

جزاء الشيوعيين عند الله السؤال ما جزاء الشيوعيين عند الله؟ الجواب الشيوعيون ملاحدة، وجزاؤهم هو جزاء الكفار. نسأل الله أن يوفقنا وإياكم إلى كل خير، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 26

القصيدة اللامية لابن تيمية [٢] تضمنت القصيدة اللامية لشيخ الإسلام بيان معتقد أهل السنة والجماعة في إثبات صفة الكلام لله تعالى, وأنه بحرف صوت وليس بمخلوق كما ذهب إليه المعتزلة ومن نحا نحوهم في تحريف نصوص الكتاب الدالة على ذلك, كما تضمنت بيان مذهب أهل السنة في مجانبة تأويل النصوص الذي يعني تحريفها وصرفها عن ظواهرها كما صنع نفاة الصفات ومن حذا حذوهم.

стр. 27

القرآن كلام الله غير مخلوق الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراًً إلى يوم الدين. أما بعد: في الدرس الماضي انتهينا من موضوع الصحابة، وسنبدأ في هذا الدرس بإذن الله في الحديث عن موضوع القرآن، وأنه كلام الله غير مخلوق. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [وأقول في القرآن ما جاءت به آياته فهو القديم المنزل وأقول: قال الله ﷻ المصطفي الهادي ولا أتأول]. هذان البيتان في موضوع من الموضوعات المهمة في العقيدة، وهو موضوع القرآن وهو كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.

стр. 28

إثبات صفة الكلام لله تعالى والكلام في موضوع القرآن فرع عن الكلام في صفة الكلام لله تعالى، فإن القرآن جزء من كلام الله ، وكلام الله صفة من صفاته، وهذه الصفة دلت عليها النصوص الشرعية الكثيرة، منها قول الله : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فأضاف الكلام إلى الله ، وهناك قاعدة نفيسة لأهل العلم في المضاف إلى الله ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه: (الجواب الصحيح) حيث قال: المضاف إلى الله نوعان: النوع الأول: إضافة الأعيان، والأعيان هي جمع عين، والعين ما يقوم بذاته، فالشيء الذي يقوم بذاته لا يحتاج إلى غيره، مثل: إضافة الناقة إلى الله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس:١٣]، والعباد: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣]، والعبد مثلاً: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩] والبيت: بيت الله وهكذا. وهذه الإضافة تكون على نوعين: النوع الأول: إضافة خلق. والنوع الثاني: إضافة تشريف، فمن النوع الأول: ناقة الله، ومن النوع الثاني: عبد الله، ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن:١٩]، فهذا بالإضافة إلى كونه من مخلوقات الله فالإضافة هنا لها معنى زائد وهو التشريف، ومن هذا الباب حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل). فقوله: (وأن عيسى عبد الله)، فهنا إضافة، (ورسوله) هذه إضافة ثانية، (وكلمته) هذه إضافة ثالثة، (وروح منه) هذه إضافة رابعة، فهذه الإضافات إضافات خلق وتشريف، وليس المقصود بكلمته وبروحه أن عيسى من كلام الله، أو أن عيسى صفة من صفات الله، أو أن عيسى روح الله بمعنى أنه صفة من صفاته كما فهم ذلك النصارى، فإن هذا فهم فاسد، فعيسى روح من الأرواح كغيره من الناس له روح وجسد، إلا أن عيسى لشرفه ومكانته وفضله فإن الله أضاف روحه إليه، مثل: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣]، ومثل: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [الجن:١٩]، فكل الناس عباد الله لكنه أضاف النبي ﷺ إليه إضافة تشريف وبياناً للمكانة. ومن هذه الإضافة إضافة الفطرة في قول الله : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠]. والنوع الثاني من المضاف إلى الله تعالى: إضافة الأوصاف، فالنوع الأول هو إضافة الأعيان، والنوع الثاني: هو إضافة الأوصاف، والأوصاف هي التي لا تقوم بذاتها، والأوصاف جمع وصف، والصفة لا تقوم بذاتها، فتكون الإضافة حينئذ إضافة صفة إلى الله تعالى، ومن ذلك: الكلام، فإن الكلام لا يقوم بذاته، فليس أمراً يقوم بذاته وإنما يقوم بالمتكلم، ولهذا فالإضافة في قوله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] إضافة صفة.

стр. 29

مذاهب أهل البدع في صفة الكلام والرد عليها وقد دلت النصوص الكثيرة القطعية على أن الكلام صفة من صفاته، يقول الله : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، فلفظ الجلالة هنا مرفوع بالضمة على أنه فاعل، فهو المتكلم، وموسى هو الذي تُكُلِّم إليه، فهو منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف المقصورة منع من ظهورها التعذر، ولهذا فإن المعتزلة الذين يقولون: إن الله لا يوصف بالكلام، وأن الكلام هو خلق من خلق الله تعالى جاءوا إلى أحد القراء الكبار وهو أبو عمرو بن العلاء وطلبوا منه أن يقرأ هذه الآية بالنصب: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]؛ حتى يكون المتكلم هنا هو موسى وليس الله ، فقال لهم هذا العالم الكبير - أبو عمرو بن العلاء وهو من علماء أهل السنة-: أرأيتم لو فعلت لكم ما تريدون -علماً أنه لم يفعل هذا، لكنه تنزل معهم في الخطاب- ماذا تفعلون بقول الله : ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]؟! فهذه ليس منها مفر، فإن الكلام هنا مضاف إلى الله قطعاً، وهو قائم بالله ، ولهذا فالكلام صفة من صفات الله ، وهذه الصفة معناها: أنه متكلم بحرف وصوت، فكلام الله بحرف وصوت، والحقيقة أننا لم نكن بحاجة إلى أن نبين أن الكلام بحرف وصوت؛ لأن الكلام في اللغة وعند عقلاء الناس لا يكون إلا بالصوت وبالحرف، ولكن لوجود بدعة غريبة جاء بها الكلابية والأشعرية أثبتوا فيها كلام الله اسماً وحرفوا حقيقته معنىً، فقالوا: إن كلام الله معنى قائم بنفسه ، فهم يثبتون الكلام، وربما تجد أشعرياً يقرر العقيدة فيقول: ومن صفات الله تعالى صفة الكلام، ويستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]، ويستدل أيضاً بـ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وبغيرها من الأدلة، لكن تفسيره لها مختلف عن تفسير السلف الصالح لها، فالأشعرية والكلابية ومعهم أيضاً الماتريدية يفسرون هذه الصفة على أن الكلام معنىً قائم بالله ، وأن كلام الله قديم أزلي، وأنه غير متعلق بالإرادة والمشيئة.

стр. 30

كلام الله تعالى بحرف وصوت والذي عليه منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم: أن كلام الله يكون بحرف وصوت، وأنه مرتبط بمشيئة الله فيتكلم متى شاء، ويسكت إذا شاء ، وقد تكلم قديماً ويتكلم الآن ويتكلم يوم القيامة، فهي صفة من صفات الكمال يفعلها الله متى شاء كيف شاء ، والدليل على أن كلام الله يكون بحرف حديث ابن مسعود المشهور: (من قرأ حرفاً من كتاب الله كتب له عشر حسنات ثم قال: لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، فهذا يدل على أن القرآن أحرف، وأن القرآن يتفاضل أيضاً، فبعضه أفضل من بعض، فسورة الفاتحة هي أفضل ما في القرآن كما جاء في حديث أبي سعيد بن المعلى، وآية الكرسي هي أفضل آية في كتاب الله، وسورة البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كغمامتين أو غيايتين أو فرقان من طير صواف كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ ، وتحاجان عن صاحبهما يوم القيامة، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] تعدل ثلث القرآن، فهذا يدل على أن القرآن يتفاضل بناء على تفاضل معناه، فإن كل سورة أو آية مما سبق الإشارة إليه معناها مختلف عن مثلاً سورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]، أو عن أي سورة أخرى في القرآن كالنمل والنحل وغيرها، ولهذا فكلام الله حروف وأصوات أيضاً. والدليل على أن كلام الله بصوت: التعبير بالنداء في الآيات التي تبين كلام الله ، يقول الله : ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]، والنداء في لغة العرب هو الكلام بالصوت، فلا يقول أحد من العرب: أن الكلام الذي يكون في النفس يسمى نداءً، وأن خواطر النفس تسمى نداءً. ويقول الله : ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢]، ويقول: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١١] والذي ناداه هو الله ؛ لأنه قال: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه:١٢]، فالنداء هنا كان من الله لموسى ﵇، والنداء لا يكون إلا بصوت، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (يبعث الله الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً بهماً، قيل: وما بهم؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من قرب كما يسمعه من بعد: أنا الجبار، أنا الملك)، فقوله: (فيناديهم بصوت) صريح في أن لله صوتاً يختلف عن صوت المخلوقين، كما أن الله في ذاته يختلف عن ذوات المخلوقين، وكلامه مختلف عن كلام المخلوقين.

стр. 31

حكم إطلاق لفظ القديم على القرآن والقرآن هو من كلام الله ، والناظم الذي هو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذا البيت يقرر أن القرآن كلام الله ، فيقول: وأقول في القرآن ما جاءت به آياته فهو القديم المنزل والآيات القرآنية تدل على أن هذا القرآن من كلام الله، وأن هذا القرآن تكلم به الله وسمعه منه جبريل، ثم جاء به إلى النبي ﷺ وسمعه النبي ﷺ من جبريل ﵈. وأقول في القرآن ما جاءت به آياته فهو القديم المنزل وهنا لفظة القديم خطأ، وقد سبق أن بينت أن القرآن متعلق بمشيئة الله، والدليل على أنه متعلق بمشيئة الله قول الله : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وأمره يكون بكلامه، فلا يمكن أن يكون الأمر بالإشارة، فلو أن إنساناً أشار إلى إنسان هكذا يعني: اخرج من المسجد، فإن هذه الإشارة وحدها لا يؤخذ منها الأمر حتى يقول: اخرج، وهذا أمر متفق عليه بين أهل اللغة، وهذا أمر معروف لا يجادله فيه أحد، فقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، يدل على أن الأمر مرتبط بالإرادة والمشيئة، فهو إذا شاء تكلم، وإذا شاء فإنه لا يتكلم ، فهو يتكلم قديماً ويتكلم الآن وسيتكلم يوم القيامة، ولهذا يخاطب الكفار يوم القيامة عندما يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦] فيقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، فقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] سيكون يوم القيامة، فالقول: بأن صفة الكلام قديمة قول غير صحيح، ولهذا لا يصح أن تنسب إلى شيخ الإسلام هذه الكلمة الموجودة في النظم، وهي قوله: (فهو القديم المنزل) والصحيح أنه قال: فهو الكريم المنزل، وهذا موجود في بعض النسخ، فكلمة القديم هنا غير صحيحة، بل إن ابن تيمية ﵀ في بعض كتبه صرح بأنه لا يقال في وصف القرآن بأنه قديم، وقال: لا يوجد أحد من السلف يقول: إن القرآن قديم، فكيف يقال: بأن ابن تيمية ﵀ يقول هذا القول، فالقرآن لا يقال عنه إنه قديم، والذين قالوا: إن القرآن قديم كان ذلك فرع عن قولهم: إن صفة الكلام قديمة، وهم يريدون أن يصلوا إلى أن كلام الله معانٍ ليست متعلقة بالمشيئة، وليست بحرف وصوت، وأنه لا يتكلم متى شاء، وكيف شاء، والسبب في هذا: هو أن أهل الكلام عندهم أصل عقلي فاسد، وهو ليس عقلياً في الحقيقة بل هو جهالة، وهذا الأصل الفاسد هو أن كل ما يدل على الحدوث عندهم فهو يستلزم الخلق، وكل ما يدل على الحركة ويدل على الوقت فهو يستلزم الحدوث، والحدوث وصف للمخلوق وليس وصفاً للخالق، وبناء على هذا أولوا كل الصفات الاختيارية، أي: أو لو كل الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئة الله ، فقولهم هذا في كلام الله ليس خاصاً بصفة الكلام بل هو عام في كل الصفات الاختيارية، فهم يؤولونها جميعاً ويقولون: إنه ليس هناك صفات متعلقة بالمشيئة، وهذا لا شك أنه قول باطل، فالصحيح إذاً: (فهو الكريم المنزل).

стр. 32

الأدلة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق والقرآن كما قلت: هو كلام الله غير مخلوق، والسلف ينصون على هذا؛ لأن المعتزلة قالت: بأن القرآن مخلوق من الخلق، ويقولون: إن القرآن ليس صفة من صفات الله، بل هو خلق من خلقه، ويقولون: إن الله خلق الكلام في الهواء فأخذه جبريل وجاء به إلى النبي ﷺ ، فالقرآن مخلوق. ولا شك أن هذا باطل، ويدل على بطلان هذا أدلة كثيرة، منها: قول الله : ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، ففرق بين الخلق والأمر، ولا شك أن القرآن من أمر الله وليس من خلقه، وهذا ما استدل به الإمام أحمد ومن قبله سفيان بن عيينة الهلالي رحمهما الله، فاستدلوا على أن القرآن ليس مخلوقاً بالتفريق بين الخلق والأمر واعتبار الأمر غير الخلق، فالأمر صفة من صفات الله كما أن الخلق صفة من صفاته، لكن لا يصح أن يقال في صفة: إنها مخلوقة. الدليل الثاني: قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٤]، والقرآن من البيان، ولهذا قال الإمام أحمد: القرآن من علم الله تعالى، واستدل على أنه من علم الله بقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٦١]، والذي جاء النبي ﷺ هو القرآن، فاعتبر القرآن من علم الله ، ومن قال: إن علم الله مخلوق فلا شك في كفره؛ فإن علم الله صفة من صفاته، وليس في صفات الله مخلوق؛ لأنه لو كان علم الله مخلوق لاقتضى هذا أن يكون الله مخلوق، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، ولهذا يجب الحذر من هذه المقالة البدعية الضالة وهي: القول بأن القرآن مخلوق. ومما يدل على أن القرآن ليس مخلوقاًَ وإنما هو صفة من صفاته: أنك تحلف بأسماء الله فتقول: وعزة الله، وتقول: والله العظيم، ونحن عرفنا هذه الأسماء من القرآن، فلو كان القرآن مخلوقاً لاستلزم أن تكون هذه الأسماء مخلوقة، ولو كانت هذه الأسماء مخلوقة لما جاز الحلف بها؛ لأن الحلف بالمخلوق شرك، فالنبي ﷺ يقول: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، وهذا دليل صريح على أن القرآن ليس مخلوقاً، بل هو من كلام الله الذي هو صفة من صفاته ؛ ولهذا ربط السلف رضوان الله عليهم بين القول بخلق القرآن والقول: بخلق الأسماء، والتزم المعتزلة بأن الأسماء مخلوقة بناء على أنهم يقولون في القرآن بأنه مخلوق، وقد صرح السلف الصالح بأن من قال: أسماء الله مخلوقة فهو كافر. ومما يدل على أن القرآن من كلام الله وليس مخلوقاً: كل الأحاديث الواردة في الاستعاذة بكلمات الله ، منها حديث خولة بنت حكيم: (من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك)، وكلمات الله كثيرة ومنها القرآن، فلو كانت كلمات الله مخلوقة كما قالت المعتزلة لما جازت الاستعاذة بها؛ لأن الاستعاذة تكون بالله ولا تكون بالمخلوق، والاستعاذة بالمخلوق شرك كما هو معلوم. وكذلك جاء التعبير بالسماع، فالقرآن يسمع، ولو لم يكن كلاماً بصوت لما جاز التعبير بلفظ السماع، فالله يقول: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، وهذا يدل على أن السماع يكون لما كان بصوت، فكلام الله مسموع مع أنه غير مخلوق، فقد سمعه موسى ﵇، وسمعه محمد ﷺ ليلة المعراج، ويسمعه يوم القيامة أهل الجنة عندما يخاطبهم الله . ويقول : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤]. وأيضاً فالقرآن مقروء، فهو يقرأ كما قال الله : ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠]، وقال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل:٩٨]، إذاً كل هذا يدل على أن القرآن كلام الله وهو صفة من صفات الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. وقولنا: (منه بدأ) يعني: أن الكلام من الله بدأ، فهو المتكلم الأول به، قال العلماء: إن المقصود بإليه يعود أنه قبل القيامة يأخذ الله هذا القرآن من المصاحف ومن صدور الرجال، حتى لا يكاد أحد يستطيع أن يأتي بشيء منه، فيكون في آخر الزمان شرار الخلق وعليهم تقوم الساعة.

стр. 33

الكلام على التأويل وبيان أنواعه وحكم كل نوع يقول ابن تيمية ﵀: (وأقول قال الله ﷻ . قال الله يعني: يصح أن ينسب الإنسان القول إلى الله ، ومقتضى القول: أن الله تكلم بما قاله، فإن القول يكون بالحرف والصوت. وأقول قال الله ﷻ المصطفي الهادي ولا أتأول. المصطفي: هو الذي اصطفى من شاء من الخلق ، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢]. والهادي من أسماء الله ، ولا أتأول يعني: لا أحرف معاني القرآن ومعاني السنة النبوية على خلاف معناها، والتأويل مصطلح له معنى شرعي صحيح ثم استعمله أهل الباطل والتعطيل بمعنى فاسد، فأما المعنى الشرعي الصحيح للتأويل فهو دائر بين أمرين: الأمر الأول: أن يكون بمعنى التفسير. والأمر الثاني: أن يكون بمعنى حقيقة الشيء. ولهذا جاء في حديث عائشة: (أن النبي ﷺ كان يقول في ركوعه: سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي)، قالت عائشة ﵂: يتأول القرآن، تعني: يأتي بحقيقته، وأيضاً جاء في آية التأويل الطويلة في سورة آل عمران: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، والمقصود بالتأويل هنا: حقيقة الشيء، فلا يعلم حقائق الأشياء كما هي إلا الله ، وفي الوقف في هذه الآية خلاف مشهور بين أهل العلم، ويختلف معنى التأويل بناء على الوقف، في قوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، فالوقوف على لفظ الجلالة معناه أن التأويل يكون بمعنى حقيقة الشيء، وحينئذ يكون الراسخون في العلم لا يعلمون حقائق الأشياء، وأما إذا تم الوصل: ﴿إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] فإن التأويل يكون حينئذ بمعنى التفسير، ولهذا ورد عن ابن عباس ﵁ أنه قال: أنا ممن يعلم تأويله، على معنى أن التأويل هنا بمعنى التفسير، إذاً فالتأويل يأتي بمعنى التفسير، ويأتي بمعنى حقيقة الشيء، فحقيقة الشيء لا يعلمها إلا الله، والتفسير يعلمه الراسخون في العلم، ولهذا دعا النبي ﷺ لـ عبد الله بن عباس ترجمان القرآن فقال: (اللهم علمه التأويل)، وتفسير الطبري المشهور اسمه (جامع البيان في تأويل آي القرآن) فتأويل يعني: تفسير، فهذا معنى التأويل عند أهل السنة وفي المصطلح الشرعي. وأما التأويل عند المتأخرين فإنه أخذ مفهوماً باطلاً وهو التحريف، فإنهم قالوا: إن التأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى ظاهره المرجوح لوجود قرينة، فكل لفظ عندهم جعلوا له ظاهراً راجحاً وظاهراً مرجوحاً، فإذا كان هذا الأمر لا يوافق أهواءهم صرفوه من معنى إلى معنى آخر ويزعمون أن هناك قرينة، فمثلاً أولوا صفات الله وقالوا: إن إثبات الصفات يقتضي التشبيه بالمخلوقات كما سيأتي معنا، وأولوا كل النصوص الشرعية الواردة في إثبات الصفات، فجاءوا مثلاً إلى قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] أو ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] فقالوا: ليس المقصود باليد هنا اليد الحقيقية، وإنما معناها: النعمة، فاليد كلمة تستخدم تارة في اليد الحقيقية، وتستخدم تارة بمعنى النعمة، فقالوا: إذاً يراد بهذه الآية النعمة وليس اليد الحقيقية، وصرفوها عن اليد الحقيقية لوجود قرينة، والقرينة أن إثباتها بمعنى اليد الحقيقية يقتضي التشبيه. قلنا: ومن قال: إنها تقتضي التشبيه؟ ثم إذا صرفتموها إلى النعمة فهي أيضاً تقتضي التشبيه، فتصبح نعمته مثل نعمة خلقه، فللخلق نعمة وللخالق نعمة، ولهذا يجب أن يفرق بين أسماء الله وصفاته وبين صفات خلقه منذ البداية، فنثبت كل ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات وننفي عنها مشابهة ومماثلة المخلوقات، وسيأتي تفسير ذلك وبيانه بإذن الله.

стр. 34

من الأدلة على أن القرآن كلام الله أنه لو لم يكن من كلام الله لما كان معجزاً ويمكن أن أختم بقضية مهمة جداً وهي أن هذا القرآن لو لم يكن هو كلام الله لما كان معجزاً، يعني: لو كان هذا القرآن من كلام غير الله لما كان لنا حجة في إثبات الإعجاز، فالقرآن يتضمن أدلة ثبوته في نفسه، فهو يتضمن الإعجاز البلاغي والبياني، ولهذا تحداهم الله بأن يأتوا بمثله، أو بعشر سور، أو بسورة واحدة، وأيضاً يتضمن الإعجاز في أحكامه وسلامة هذه الأحكام من النقص، وكونها موافقة لحاجة الإنسان لطبيعته، وأيضاً هذا القرآن معجز من حيث إخباره بالمغيبات، فلو كان هذا القرآن ليس كلام الله بل هو مخلوق لما دل ذلك على هذا الإعجاز كله، ولهذا فإن القول بأن القرآن مخلوق من العقائد الفاسدة الباطلة الضالة، ولا يزال لها أتباع يروجونها إلى اليوم.

стр. 35

فتنة خلق القرآن وثبات الإمام أحمد فيها انكسرت شوكة المعتزلة في زمن الإمام أحمد وظهرت السنة ولله الحمد، وحصلت فتنة مشهورة في زمن المأمون تزعم فيها المأمون القول: بخلق القرآن، وامتحن علماء أهل السنة في ذلك الوقت، وأخافهم وأرهبهم، وكثير من علماء السنة في تلك الفترة خافوا وتأولوا وخرجوا من السجن إلا الإمام أحمد ﵀ ومحمد بن نوح، وكان شاباً صغيراً، فالإمام أحمد ﵀ جاءته هذه الفتنة وهو في الثامنة والخمسين من عمره، أي: بعد أن صار عالماً مشهوراً في الأمة، فثبت الإمام أحمد ﵀ وأوذي، واستمرت فتنته عشر سنين، ثم بعد ذلك نصره الله عليهم، وألف كتابه المشهور: (الرد على الزنادقة والجهمية) وهو كتاب مطبوع وموجود، وأتمنى من الإخوة أن يقرءوه فهو من أنفس الكتب ومن أفضلها، وعليه نور، وهذا النور جاء بفضل زهده وخوفه من الله، وتقواه، وثباته على الحق، وقد ناقش قضية خلق القرآن مناقشة تدل على العلم بالنصوص الشرعية، وأيضاً على استعمال الأساليب العقلية والمناقشات الجدلية التي تثبت أن هذا الإمام يملك العلم في العقل والنقل أيضاً. وهذه الفتنة انتصر فيها أهل الحديث ولله الحمد والمنة، فقدر الله أن تذهب شوكة المعتزلة، فذابت في الفرق، وأصبحت بعد هذه المرحلة ليس لها كيان مستقل باسم المعتزلة وإنما ذابت في الفرق، فأصبحت عند الأباضية الخوارج وعند الشيعة، فالشيعة اليوم معتزلة.

стр. 36

الرد على القائلين بعدم جدوى دراسة الفرق الضالة بحجة أنها قد اندثرت كثير من الناس يظن أن تدريس مثل هذه العقائد بعيد عن الواقع، ويقول: إن الواجب هو أن نترك القضايا التراثية القديمة ونناقش الأمور العلمية في الحياة، وأنا أقول وأجزم بما أقول: أن هذا جزء من أمرين: الأمر الأول: من الديانة التي يجب أن نشرحها للناس؛ لأن هذا هو الحق الذي يجب أن نبينه للناس، ومن جهة أخرى أن هذا علم الواقع، ويؤسفني أنه قبل حوالي عشر سنين حضرت محاضرة لداعية على مستوى العالم الإسلامي بأكمله، داعية من خارج هذه البلاد استضيف في نادي أدبي، وكان عنوان محاضرته: (الإسلام والتحديات المعاصرة) فيقول: إن من أبرز التحديات التي تواجه المسلمين اليوم العلمانية والحداثة وغيرها، وهذا كلام صحيح وممتاز، لكنه تجاوز فأخطأ وقال: إن الذين يناقشون آراء الفرق الضالة في المساجد إن هؤلاء يحاربون في الهواء، وإن هؤلاء يتكلمون عن الماضي، وإن هذه الفرق لا وجود لها وقد اندثرت وهلكت وماتت منذ زمن بعيد، فقال بهذا النص: أعطوني شخصاً واحداً يقول: بأن القرآن مخلوق، فتعجبت غاية العجب من هذا الرجل المشهور والذي له محاضرات كثيرة في الخارج خصوصاً في أمريكا وأوروبا، وله إفتاء في الفضائيات بشكل واسع. وهذا يدل على عدم معرفة الواقع على حقيقته، فإن مفتي عمان الآن من أبرز من يقول بأن القرآن مخلوق، وقد ألف كتاباً سماه: (الحق الدامغ)، وقد بناه على ثلاث مسائل: المسألة الأولى: إنكار رؤية الله يوم القيامة، والثانية: أن القرآن مخلوق، والثالثة: أن الفاسق الملي يخلد يوم القيامة في النار، فهذا هو المفتي فكيف بغيره من تلاميذه وأساتذة الجامعات والتخصصات الشرعية، والشيعة اليوم في إيران وفي غيرها يدرسون في مناهجهم بالإضافة إلى الغلو الذي أوصلهم إلى الكفر وعبادة غير الله يدرسون أيضاً أن القرآن مخلوق، وهناك كتاب اسمه: (التوحيد) لـ ابن بابويه القمي وهو من علماء الشيعة المشهورين، وهذا الكتاب عندما تقرؤه تظن أنك تقرأ لكاتب معتزلي، بل من أئمة المعتزلة، مع أنه شيعي في نفس الوقت، ولو تجاوزنا الاعتزال وجئنا إلى الأشعرية الذين هم عدد كبير، ولعل هذا الدكتور الذي سبق أن أشرت إلى محاضرته ممن درس هذه العقيدة مع أنه لا يعتقدها، فالأشعرية يقولون: إن كلام الله معنىً قائم بذات الله ، وأما القرآن نفسه فهو مخلوق؛ لأن المعبر هو جبريل أو محمد ﷺ ، إذاً فتوصلوا إلى نتيجة واحدة، ولهذا يقول شارح (الجوهرة) وهو متن مشهور يدرس في كثير من البلاد الإسلامية يقول: ولا بأس أن نقول: بأن القرآن مخلوق على سبيل التعليم للطلاب، حتى نعلم الطلاب ونفهمهم كيف يفهمون قضية أن القرآن من كلام الله، وأن كلام الله معنى قائم بذات الله تعالى. هذا ما أحببت أن أشير إليه، وأختم هذا الدرس بالإعراب:

стр. 37

إعراب الأبيات (وأقول): الواو حسب ما قبلها. (أقول) فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا. (في القرآن): (في) حرف جر و (القرآن) اسم مجرور. و (ما) اسم موصول مبني، وهو في محل نصب مفعول به. (جاءت به) جاء فعل ماضي مبني على الفتح، فالفعل الماضي إذا اتصل بتاء التأنيث يكون مبنياً على الفتح. (به) جار ومجرور. (آياته) فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة، وهو مضاف والهاء ضمير متصل في محل جر مضاف إليه. (فهو) الفاء عاطفة، وهي تدل على التعقيب، والحروف لها معان، ومعاني الحروف لها أهمية كبيرة جداً في طلب العلم خصوصاً في الاستنباط؛ فكل حرف من هذه الحروف له معنىً، ولهذا ألف المرادي كتاب (الجنى الداني في حروف المعاني)، وللرماني كتاب بعنوان (معاني الحروف). (هو) ضمير في محل رفع مبتدأ. (الكريم) خبر. (المنزل) صفة. (وأقول) هذه مثل السابقة، (قال الله) فعل وفاعل، ﷻ جل فعل ماضي، (جلاله) هو الفاعل، وهو مضاف والضمير مضاف إليه. (المصطفي الهادي) هاتان صفتان. (ولا أتأول) (لا): هنا نافية، ولا النافية سبق وأن قلنا: إنها لا تعمل، (أتأول) فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر.

стр. 38

الأسئلة

стр. 39

الفائدة من الخوض في أسماء الله وصفاته والتفصيل في ذلك السؤال ما الفائدة من خوضنا في أسماء الله وصفاته والتفصيل فيه؟ الجواب دراسة أسماء الله وصفاته لها منهجان ينبغي الإشارة إليهما: المنهج الأول: منهج التصحيح، ومعنى منهج التصحيح: أن نصحح ما شاب هذه الأسماء والصفات من الآراء البدعية الضالة، وهذا الأمر في غاية الأهمية، وهذه الطريقة هي التي نتبعها، وغالب المتون العلمية التي تشرح على هذا المنهج، وهناك منهج ثانٍ لا بد من الإشارة إليه وهو الاستفادة من إثبات هذه الأسماء والصفات في الإيمان، فإن إثباتك مثلاً لاسم الله العليم يجعلك تتربى على الخوف من الله، وعلى مراقبة الله ، فهو يعلم كل شيء، وهذه الصفة صفة كريمة عظيمة تجعلك توقن بقضاء الله وقدره؛ لأنه ما من شيء يحصل إلا بعلم الله . وهذا المنهج هو الذي كان عليه الصحابة؛ لأنه في زمن الصحابة لم تكن هناك آراء ضالة وفرقاً منحرفة أثرت على الأمة وغيرت مدلول الأسماء والصفات أو القدر أو الإيمان، ولهذا كانوا بمجرد أن يسمعوا الصفة من النبي ﷺ مباشرة يتأثرون بها ويأخذون منها فائدة عملية وسلوكية، فهذا لقيط بن صبرة جاء إلى النبي ﷺ وسمعه يقول: (يضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، قال: يا رسول الله! أويضحك الرب؟! قال: نعم)، فلم تحصل عنده شبه في ذهنه أن هذا يقتضي أن يكون مماثل للمخلوقات كما حصل عند المتأخرين، وإنما استفاد منها فائدة سلوكية فقال: (لن نعدم من رب يضحك خيراً)، فأخذ منها عبادة عظيمة وهي الرجاء، فتعلق قلبه بالله ، فينبغي أن ندرس أسماء الله وصفاته على هذين المنهجين: المنهج الأول: تصحيح العقيدة، وهذا يقتضي الرد على الفرق الضالة، وهو الأسلوب المتبع في شرح متون العقيدة، وهذا الأسلوب ليس كافياً، فلا بد أن ينضاف إليه أن معاني أسماء الله ومعاني صفات الله وقضايا أعمال القلوب وقضايا القدر وغيرها لها آثار إيمانية عجيبة في المجتمع، لكن هذه الدروس الهدف منها التصحيح، وهناك دروس في شرح أسماء الله الحسنى الهدف منها تعميق الآثار الإيمانية، ولهذا كان الصحابة يتأملون القرآن ويتأثرون بما فيه من العقائد العظيمة.

стр. 40

حكم وصف الله بالقديم السؤال هل نقول: بأن الله قديم؟ الجواب لم يرد في القرآن ولا في السنة وصف الله بأنه قديم، لكن وصف بأنه الأول، فسمى الله نفسه فقال: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣]، وقال النبي ﷺ : (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء)، ولم يرد وصفه بالقديم في الكتاب والسنة. ولا يجوز أن يسمى الله بالقديم؛ لأن أسماء الله موقوفة على ما وردت في النصوص، وهذا لم يرد في النصوص الشرعية. ولأنه يتضمن معنى غير تام، فالقديم هو ما يكون قبله شيء، فالله يقول: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩]، فالعرجون القديم يمكن أن يدل على أن هناك عراجين أقدم منه لكن هذا قديم، ولهذا فإن استخدام الألفاظ الشرعية في وصف الله وفي العقيدة له أهمية كبرى، وأما إذا قيل: القديم من باب الإخبار عن الله فهذا لا بأس به، فإذا كان الإنسان يخبر عن الله بأنه قديم ويقصد أنه الأول فهذا لا بأس به، ولهذا قد يرد هذا اللفظ في كتب ابن تيمية ﵀ كثيراً من هذا الباب وهو: باب الإخبار، وليس من باب الصفات، وليس أيضاً من باب الأسماء، فيمكن أن يقال: بأن الله قديم من باب الإخبار عن الله ، والإخبار أوسع من باب الأسماء وباب الصفات.
следующие страницы →