← Акыда

Акыда · id 37816

الإخنائية أو الرد على الإخنائي ت زهوي

ابن تيمية

Полный текст (247 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فقلت: سلّمت على النبي ﷺ . فقال: «إذا دخلت المسجد فسلم عليه». ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا بيتي عيدا ولا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم». ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء «١». ورواه إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتاب «فضل الصلاة على النبي ﷺ » ولفظه قال: ما لي رأيتك وقفت؟ قلت: وقفت أسلّم على النبيّ ﷺ . فقال: إذا دخلت المسجد فسلّم، وذكر الحديث، ولم يذكر قول الحسن. وقال إسماعيل: حدّثنا إبراهيم بن الحجاج، عن وهيب، عن أيوب السختياني قال: بلغني والله أعلم أن ملكا موكّل بكل من صلّى على النبي ﷺ حتى يبلغه «٢». وأما السلام؛ ففي النسائي وغيره من حديث سفيان الثوري، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام» «٣». وفي الحديث الذي تقدم من رواية أبي يعلى الموصلي، وقد تقدم إسناده عن علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها، فنهاه وقال: ألا أحدّثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا بيتي عيدا ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم». فهذه الأحاديث المعروفة عند أهل العلم التي جاءت من وجوه حسان، يصدّق بعضها بعضا وهي متفقة على أنه من صلّى عليه وسلم عليه من أمته فإن ذلك يبلغه ويعرض عليه، وليس في شيء منها أنه يسمع صوت المصلّي والمسلم بنفسه، إنما فيها أن ذلك يعرض عليه ويبلغه ﷺ في مدينته ومسجده أو مكان آخر. فعلم أن ما أمر الله به من ذلك فإنه يبلغه، وأما من سلّم عليه عند قبره فإنه يرد عليه ذلك كالسلام على سائر المؤمنين؛ ليس هو من خصائصه، ولا هو السلام المأمور به الذي يسلّم الله على صاحبه عشرا، كما يصلّي على من صلّى عليه عشرا، فإن هذا هو الذي أمر الله به في القرآن، وهو لا يختصّ بمكان دون مكان.

стр. 142

وقد تقدّم حديث أبي هريرة أنه يردّ السلام على من سلّم عليه، والمراد عند قبره، لكن النزاع في معنى كونه عند القبر، هل المراد به في بيته، كما يراد مثل ذلك في سائر ما أخبر به من سماع الموتى إنما هو لمن كان عند قبورهم قريبا منها، أو يراد به من كان في المسجد أيضا قريبا من الحجرة، كما قاله طائفة من السلف والخلف، وهل يستحبّ ذلك عند الحجرة لمن قدم من سفر أو لمن أراده من أهل المدينة أو لا يستحب بحال؟ وليس الاعتماد في سماعه ما يبلغه من صلاة أمته وسلامهم إلا على هذه الأحاديث الثابتة. فأما ذاك الحديث وإن كان معناه صحيحا فإسناده لا يحتجّ به، وإنما يثبت معناه بأحاديث أخر، فإنه لا يعرف إلا من حديث محمد بن مروان السّدي الصغير، عن الأعمش كما ظنه البيهقي، وما ظنه في هذا هو متفق عليه عند أهل المعرفة بالحديث، وهو عندهم موضوع على الأعمش، قال عباس الدوري عن يحيى بن معين: محمد بن مروان ليس بثقة. وقال البخاري: سكتوا عنه، لا يكتب حديثه البتة «١». وقال الجوزجاني: ذاهب الحديث «٢». وقال النسائي: متروك الحديث «٣». وقال صالح جزرة: كان يضع الحديث [و] قال أبو حاتم الرازي والأزدي: متروك الحديث «٤». وقال الدارقطني: ضعيف «٥». وقال ابن حبان: لا يحل كتب حديثه لا اعتبارا ولا للاحتجاج به بحال «٦». وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ، والضعف على روايته بين. فهذا الكلام على ما ذكره من الحديث مع أنّا قد بيّنا صحّة معناه بأحاديث أخر، وهو لو كان صحيحا فإنما فيه أنه يبلغ صلاة من صلّى عليه نائيا ليس فيه أنه يسمع ذلك، كما وجدته منقولا عن هذا المعترض، فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم ولا يعرف في شيء من الحديث، وإنما يقوله بعض المتأخرين الجهال، يقولون: إنه ليلة الجمعة ويوم الجمعة يسمع بأذنيه صلاة من يصلي عليه. فالقول إنه يسمع ذلك من نفس المصلّي باطل، وإنما في الأحاديث المعروفة أنه يبلّغ ذلك ويعرض عليه، وكذلك السلام تبلّغه إياه الملائكة. وقول القائل: إنه يسمع الصلاة من البعيد ممتنع، فإنه إن أراد وصول صوت المصلّي إليه فهذه مكابرة، وإن أراد أنه هو يكون بحيث

стр. 143

يسمع أصوات الخلائق من بعيد، فليس هذا إلا لله رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلهم. قال تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف: ٨٠] وقال: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ [المجادلة: ٧] الآية. وليس أحد من البشر بل ولا من الخلق يسمع أصوات العباد كلهم، ومن قال هذا في بشر فقوله من جنس قول النصارى الذين يقولون إن المسيح هو الله، وإنه يعلم ما يفعله العباد ويسمع أصواتهم ويجيب دعاءهم، قال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [المائدة: ٧٢] إلى قوله: وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [المائدة: ٧٦]. فلا المسيح ولا غيره من البشر ولا أحد من الخلق يملك لأحد من الخلق لا ضرا ولا نفعا، بل ولا لنفسه؛ وإن كان أفضل الخلائق، قال تعالى: قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً [الجن: ٢١] وقال: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الأنعام: ٥٠] الآية. وقال: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ [الأعراف: ١٨٨] الآية. وقوله: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ فيه قولان، قيل: هو استثناء متصل وأنه يملك من ذلك ما ملّكه الله، وقيل هو منقطع، والمخلوق لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا بحال. فقوله: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ استثناء منقطع، أي لكن يكون من ذلك ما شاء الله، كقول الخليل ﵇: وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ [الأنعام: ٨٠] ثم قال: إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً [الأنعام: ٨٠] أي: لا أخاف أن تفعلوا شيئا، لكن إن شاء ربي شيئا كان وإلا لم يكن، وإلا فهم لا يفعلون شيئا. وكذلك قوله: وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ ثم قال: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِ [الزخرف: ٨٦] فيه قولان؛ أصحهما أنه استثناء منقطع؛ أي: لكن من شهد بالحق تنفعه الشفاعة وتنفع شفاعته، كقوله: وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٣] وقال: قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً [الزمر: ٤٤]. وبسط هذا له موضع آخر.

стр. 144

فصل [مذهب السلف في زيارة قبره ﷺ ] وأما ما ذكره من تضافر النقول عن السلف بالحضّ على ذلك وإطباق الناس عليه قولا وعملا. فيقال: الذي اتفق عليه السلف والخلف وجاءت به الأحاديث الصحيحة هو السفر إلى مسجده والصلاة والسلام عليه في مسجده وطلب الوسيلة له وغير ذلك مما أمر الله به ورسوله، فهذا السفر مشروع باتفاق المسلمين سلفهم وخلفهم وهذا هو مراد العلماء الذين قالوا إنه يستحبّ السفر إلى زيارة قبر نبينا ﷺ ، فإن مرادهم بالسفر إلى زيارته هو السفر إلى مسجده، وذكروا في مناسك الحج أنه يستحب زيارة قبره، وهذا هو مراد من ذكر الإجماع على ذلك، كما ذكر القاضي عياض قال: «وزيارة قبره سنة بين المسلمين مجمع عليها، وفضيلة مرغب فيها». فمرادهم الزيارة التي بيّنوها وشرحوها كما ذكر القاضي عياض في هذا الفصل؛ فصل زيارة قبره، وقال إسحاق بن إبراهيم الفقيه: ومما لم يزل من شأن من حجّ المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد النبي ﷺ والتبرك برؤية روضته، ومنبره، وقبره، ومجلسه، وملامس يديه، ومواطئ قدميه، والعمود الذي كان يستند إليه وينزل جبريل بالوحي فيه عليه، وبمن عمره وقصده من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، والاعتبار بذلك كله. قلت: وذلك أن لفظ زيارة قبره ليس المراد بها نظير المراد بزيارة قبر غيره، فإن قبر غيره يوصل إليه ويجلس عنده ويتمكن الزائر مما يفعله الزائرون للقبور عندها من سنة وبدعة، وأما هو ﷺ فلا سبيل لأحد يصل إلى مسجده أن يدخل بيته ولا يصل إلى قبره، بل دفنوه في بيته بخلاف غيره، فإنهم دفنوا في الصحراء. كما في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذّر ما فعلوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره. ولكن خشي أن يتّخذ مسجدا، فدفن في بيته لئلا يتخذ قبره مسجدا ولا عيدا ولا وثنا. فإن في سنن أبي داود من حديث أحمد بن صالح، عن عبد الله بن نافع، أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 145

«لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». وفي الموطأ وغيره عنه أنه قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وفي صحيح مسلم عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك». فلما لعن من يتخذ القبور مساجد تحذيرا لأمته من ذلك ونهاهم عن ذلك، ونهاهم أن يتخذوا قبره عيدا ودفن في حجرته، لئلا يتمكن أحد من ذلك، وكانت عائشة ساكنة فيها، فلم يكن في حياتها يدخل أحد لذلك، إنما يدخلون إليها هي، ولما توفّيت لم يبق بها أحد. ثم لما أدخلت في المسجد سدّت وبني الجدار البرّاني عليها فما بقي أحد يتمكن من زيارة قبره كالزيارة المعروفة عند قبر غيره، سواء كانت سنيّة أو بدعية، بل إنما يصل الناس إلى مسجده، ولم يكن السلف يطلقون على هذا زيارة لقبره ولا يعرف عن أحد من الصحابة لفظ زيارة قبره البتة ولم يتكلّموا بذلك، وكذلك عامة التابعين لا يعرف هذا من كلامهم، فإن هذا المعنى ممتنع عندهم فلا يعبّر عن وجوده وهو قد نهى عن اتخاذ بيته وقبره عيدا. وسأل الله أن لا يجعل قبره وثنا ونهى عن اتخاذ القبور مساجد فقال: «اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». ولهذا كره مالك وغيره أن يقال: زرنا قبر النبي ﷺ . ولو كان السلف ينطقون بهذا لم يكرهه مالك، وقد باشر التابعين بالمدينة وهو أعلم الناس بمثل ذلك، ولو كان في هذا حديث معروف عن النبي ﷺ لعرفه هؤلاء ولم يكره مالك وأمثاله من علماء المدينة، الإخبار بلفظ تكلم به الرسول ﷺ ، فقد كان ﵁ يتحرى ألفاظ الرسول في الحديث، فكيف يكره النطق بلفظه؟ ولكن طائفة من العلماء سمّوا هذا زيارة لقبره وهم لا يخالفون مالكا ومن معه في المعنى، بل الذي يستحبه أولئك من الصلاة والسلام وطلب الوسيلة له ﷺ ونحو ذلك في مسجده يستحبه هؤلاء، لكن هؤلاء سمّوا هذا زيارة لقبره وأولئك كرهوا أن يسمّى هذا زيارة لقبره. وقد حدث من بعض المتأخرين في ذلك بدع لم يستحبها أحد من الأئمة الأربعة كسؤاله الاستغفار. وزاد بعض جهّال العامة ما هو محرم أو كفر بإجماع المسلمين كالسجود للحجرة والطواف بها، وأمثال ذلك مما ليس هذا موضعه. ومبدأ ذلك من الذين ظنوا أن هذا زيارة لقبره فظن هؤلاء أن الأنبياء والصالحين تزار قبورهم لدعائهم والطلب منهم واتخاذ قبورهم أوثانا حتى يفضلون تلك البقعة على المساجد، وإن بني عليها مسجد فضلوه على المساجد التي بنيت لله، وحتى قد يفضلون الحج إلى قبر من يعظمونه على الحج إلى البيت العتيق، إلى غير ذلك مما هو كفر وردة عن الإسلام باتفاق المسلمين.

стр. 146

فالذي تضافرت به النقول عن السلف قاطبة وأطبقت عليه الأمة قولا وعملا هو السفر إلى مسجده المجاور لقبره والقيام بما أمر الله به من حقوقه في مسجده، كما يقام بذلك في غير مسجده، لكن مسجده أفضل المساجد بعد المسجد الحرام عند الجمهور، وقيل: إنه أفضل مطلقا؛ كما نقل عن مالك وغيره. ولم يتطابق السلف والخلف على إطلاق زيارة قبره، ولا ورد بذلك حديث صحيح، ولا نقل معروف عن أحد من الصحابة، ولا كان الصحابة المقيمون بالمدينة من المهاجرين والأنصار إذا دخلوا المسجد وخرجوا منه يجيئون إلى القبر ويقفون عنده ويزورونه، فهذا لم يعرف عن أحد من الصحابة. وقد ذكر مالك وغيره أن هذا من البدع التي لم تنقل عن السلف، وأن هذا منهيّ عنه وهذا الذي قاله مالك مما يعرفه أهل العلم الذين لهم عناية بهذا الشأن، يعرفون أن أصحابه لم يكونوا يزورون قبره لعلمهم بأنه قد نهى عن ذلك، ولو كان قبره يزار كما تزار القبور قبور أهل البقيع والشهداء شهداء أحد؛ لكان الصحابة يفعلون ذلك، إما بالدخول إلى حجرته، وإما بالوقوف عند قبره إذا دخلوا المسجد وهم لم يكونوا يفعلون لا هذا ولا هذا، بل هذا من البدع كما بين ذلك أئمة العلم، وهذا مما ذكره القاضي عياض وهو الذي قال: «زيارة قبره سنة مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها». وهو في هذا الفصل ذكر عن مالك أنه كره أن يقال: زرنا قبر النبي ﷺ . وذكر فيه أيضا: «قال مالك في «المبسوط»: وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر وإنما ذلك للغرباء. وقال مالك في المبسوط أيضا: ولا بأس لمن قدم من سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ ويدعو له ولأبي بكر وعمر. قيل له: فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو الأيام المرة أو المرتين أو أكثر عند القبر فيسلّمون ويدعون ساعة؟ فقال: لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده». فقد بيّن مالك أنه لم يبلغه عن السلف من الصحابة المقيمين بالمدينة أنهم كانوا يقفون بالقبر عند دخول المسجد إلا لمن قدم من سفر، مع أن الذي يقصد السفر فيه نزاع مذكور في غير هذا الموضع. وقد ذكر القاضي عياض عن أبي الوليد الباجي أنه احتجّ لما كره مالك فقال: أهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم وقال ﷺ : «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وقال: «لا تجعلوا قبري عيدا». قلت: فهذا يبيّن أن وقوف أهل المدينة بالقبر وهو الذي يسمي زيارة لقبره من

стр. 147

البدع التي لم يفعلها الصحابة، وأن ذلك منهي عنه لقوله ﷺ : «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وقوله ﷺ : «لا تتخذوا قبري عيدا». وإذا كانت هذه الزيارة مما نهي عنها في الأحاديث فالصحابة أعلم بنهيه وأطوع له، فلهذا لم يكن بالمدينة منهم من يزور قبره باتفاق العلماء، وهذا الوقوف الذي يسميه غير مالك زيارة لقبره الذي بين مالك وغيره أنه بدعة لم يفعلها الصحابة؛ هي زيارة مقصود صاحبها الصلاة والسلام، كما بين ذلك في السؤال لمالك، لكن لما قال ﷺ : «لا تتخذوا قبري عيدا وصلّوا عليّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». وروي مثل ذلك في السلام عليه؛ علم أنه كره تخصيص تلك البقعة بالصلاة والسلام، بل يصلّي عليه ويسلّم في جميع المواضع وذلك واصل إليه. فإذا كان مثل هذه الزيارة للقبر بدعة منهيا عنها فكيف من يقصد ما يقصده من قبور الأنبياء والصالحين ليدعوهم ويستغيث بهم ليس قصده الدعاء لهم. ومعلوم أن هذا أعظم في كونه بدعة وضلالا، فالسلف والخلف إنما تطابقوا على زيارة قبره بالمعنى المجمع عليه من قصد مسجده والصلاة فيه كما تقدم، وهذا فرق بينه وبين سائر قبور الأنبياء الصالحين، فإنه يشرع السفر إلى عند قبره لمسجده الذي أسّس على التقوى، فهذا السفر مشروع باتفاق المسلمين والصلاة مقصورة فيه باتفاق المسلمين. ومن قال: إن هذا السفر لا تقصر فيه الصلاة؛ فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وليس ذلك سفرا لمجرد القبر، بل لا بد أن يقصد إتيان المسجد والصلاة فيه، وإن لم يقصد إلا القبر فهذا يندرج في كلام المجيب، حيث قال: أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين فهل يجوز له قصر الصلاة؟ على قولين معروفين فهو ذكر القولين فيمن سافر لمجرّد قصد زيارة القبور، وأما من سافر لقصد الصلاة في مسجده عند حجرته التي فيها قبره فهذا سفر مشروع مستحب باتفاق المسلمين، وقد تقدم قول مالك للسائل الذي سأله عمن نذر أن يأتي قبر النبي ﷺ ، فقال: إن كان أراد مسجد النبي ﷺ فليأته وليصل فيه، وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». فالسائل سأله عن من نذر أن يأتي إلى قبر النبي ﷺ ، ففصّل مالك في الجواب بين أن يريد القبر أو المسجد، مع أن اللفظ إنما هو نذر أن يأتي القبر، فعلم أن لفظ إتيان القبر وزيارة القبر والسفر إلى القبر ونحو ذلك يتناول من يقصد المسجد، وهذا مشروع يتناول من لم يقصد إلا القبر، وهذا منهي عنه كما دلّت عليه النصوص وبينه العلماء مالك وغيره. فمن نقل عن السلف أنهم استحبوا السفر لمجرد القبر دون المسجد بحيث لا يقصد المسافر المسجد ولا الصلاة فيه، بل إنما يقصد القبر كالصورة التي نهى عنها

стр. 148

مالك، فهذا لا يوجد في كلام أحد من علماء السلف استحباب ذلك فضلا عن إجماعهم عليه، وهذا الموضع يجب على المسلمين عامة وعلمائهم تحقيقه ومعرفة ما هو المشروع والمأمور به الذي هو عبادة الله وحده وطاعة له ولرسوله وبر وتقوى وقيام بحق الرسول، وما هو شرك وبدعة وضلالة منهي عنها لئلا يلتبس هذا بهذا، فإن السفر إلى مسجد المدينة مشروع باتفاق المسلمين، لكن إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، وقد تقدم عن مالك وغيره أنه إذا نذر إتيان المدينة إن كان قصده الصلاة في المسجد يوف بنذره وإلا لم يوف بنذره، وأما إذا نذر إتيان المسجد لزمه لأنه إنما يقصد الصلاة، فلم يجعل إلى المدينة سفرا مأمورا به إلا سفر من قصد الصلاة في المسجد، وهو الذي يؤمر به الناذر بخلاف غيره، لقوله ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى». وجعل من سافر إلى المدينة أو إلى بيت المقدس لغير العبادة الشرعية في المسجدين سفرا منهيا عنه لا يجوز أن يفعله وإن نذره، وهذا قول جمهور العلماء، فمن سافر إلى مدينة الرسول أو بيت المقدس لقصد زيارة ما هناك من القبور أو من آثار الأنبياء والصالحين؛ كان سفره محرما عند مالك والأكثرين، وقيل: إنه سفر مباح ليس بقربة، كما قاله طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، وهو قول ابن عبد البر، وما علمنا أحدا من علماء المسلمين المجتهدين الذين تذكر أقوالهم في مسائل الإجماع والنزاع ذكر أن ذلك مستحب، فدعوى من ادّعى أن السفر إلى مجرد القبور مستحب عند جميع علماء المسلمين كذب ظاهر. وكذلك إن ادّعى أن هذا قول الأئمة الأربعة أو جمهور أصحابهم، أو جمهور علماء المسلمين فهو كذب بلا ريب، وكذلك إن ادّعى أن هذا قول عالم معروف من الأئمة المجتهدين، وإن قال: إن هذا قول بعض المتأخرين أمكن أن يصدّق في ذلك، وهو بعد أن يعرف صحة نقله؛ نقل قولا شاذا مخالفا لإجماع السلف مخالفا لنصوص الرسول، فكفى بقول فسادا أن يكون قولا مبتدعا في الإسلام مخالفا للسنة والجماعة لما سنّه الرسول ولما اجتمع عليه سلف الأمة وأئمتها، والنقل عن علماء السلف يوافق ما قاله مالك، فمن نقل عنهم ضد ذلك فقد كذب، وأقل ما في الباب أنه يجعل ممن طولب بصحة نقله والألفاظ المجملة التي يقولها طائفة قد عرف مرادهم. وعياض نفسه الذي ذكر أن زيارته سنة مجمع عليها قد بين الزيارة المشروعة في ذلك، وقد ذكر عياض في قوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» ما هو ظاهر مذهب مالك أن السفر إلى غيرها محرّم، كما قاله مالك فهو أيضا يقول إن السفر لمجرد زيارة القبور محرم، كما قاله مالك وسائر أصحابه مع ما ذكره من استحباب الزيارة الشرعية ومع ما ذكره من كراهة مالك أن يقول القائل: زرت قبر النبي ﷺ .

стр. 149

فصل [خلط المعترض بين زيارة الأحياء وبين زيارة القبور] قال المعارض المناقض: وروى مسلم في صحيحه في الذي سافر لزيارة أخ له في الله ولفظ الحديث: «إن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله على مدرجته ملكا فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في تلك القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا؛ إلا أني أحببته في الله. فقال: إني رسول الله إليك فإن الله أحبك كما أحببته فيه» «١». وفي موطأ مالك عن معاذ بن جبل في حديث ذكر فيه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أي عن الله «وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتجالسين فيّ والمتزاورين فيّ والمتباذلين فيّ» «٢». قال: «فقد علمت أيها الأخ بهذا فضيلة زيارة الإخوان وما أعد الله بها للزائرين من الفضل والإحسان، فكيف بزيارة من هو حي الدارين وإمام الثقلين الذي جعل الله حرمته في حال مماته كحرمته في حال حياته؟ ومن شرّفه الحق بما أعطاه من جميل صفاته، ومن هدانا ببركته إلى الصراط المستقيم، وعصمنا به من الشيطان الرجيم، ومن هو آخذ بحجزنا أن نقتحم في نار الجحيم، ومن هو بالمؤمنين رءوف رحيم؟». والجواب: أما زيارة الأخ الحيّ في الله كما في الحديث فهذا نظير زيارته في حياته يكون الإنسان بذلك من أصحابه وهم خير القرون، وأما جعل زيارة القبر كزيارته حيا كما قاسه هذا المعترض فهذا قياس ما علمت أحدا من علماء المسلمين قاسه، ولا علمت أحدا منهم احتج في زيارة قبره ﷺ بالقياس على زيارة الحي المحبوب في الله. وهذا من أفسد القياس. فإنه من المعلوم أنه من زار الحيّ حصل له بمشاهدته وسماع كلامه ومخاطبته وسؤاله وجوابه وغير ذلك ما لا يحصل لمن لم يشاهده ولم يسمع كلامه، وليس رؤية قبره أو رؤية ظاهر الجدار الذي بني على بيته

стр. 150

بمنزلة رؤيته ومشاهدته ومجالسته وسماع كلامه، ولو كان هذا مثل هذا كان كل من زار قبره مثل واحد من أصحابه، ومعلوم أن هذا من أبطل الباطل. وأيضا فالسفر إليه في حياته؛ إما أن يكون لما كانت الهجرة إليه واجبة كالسفر قبل الفتح، فيكون المسافر إليه مسافرا للمقام عنده بالمدينة مهاجرا من المهاجرين إليه، وهذا السفر انقطع بفتح مكة قال ﷺ : «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية» «١». ولهذا لما جاء صفوان بن أمية مهاجرا أمره أن يرجع إلى مكة، وكذلك سائر الطّلقاء كانوا بمكة لم يهاجروا. وإما أن يكون المسافر إليه وافدا إليه ليسلّم عليه ويتعلّم منه ما يبلّغه قومه؛ كالوفود الذين كانوا يفدون إليه- لا سيما سنة عشر- سنة الوفود. وقد أوصى في مرضه قبل أن يموت بثلاث فقال: «أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفود بنحو مما كنت أجيزهم» «٢». ومن الوفود وفد عبد القيس لما قدموا عليه ورجعوا إلى قومهم بالبحرين، لكن هؤلاء أسلموا قديما قبل فتح مكة، وقالوا: لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام لأن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وهم أهل نجد كأسد وغطفان وتميم وغيرهم، فإنهم لم يكونوا قد أسلموا بعد. وكان السفر إليه في حياته لتعلّم الإسلام والدين ولمشاهدته وسماع كلامه، وكان خيرا محضا، لم يكن أحد من الأنبياء والصالحين عبده في حياته بحضرته، فإنه كان ينهى من يفعل ما هو دون ذلك من المعاصي فكيف بالشرك؟ كما نهى الذين سجدوا له، والذين صلّوا خلفه قياما، وقال: «إن كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم، فلا تفعلوا» رواه مسلم «٣». وفي المسند بإسناد صحيح عن أنس قال: «لم يكن شخص أحبّ إليهم من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك» «٤». وفي الصحيح أن جارية قالت عنده: وفينا نبي يعلم ما في غد فقال: «دعي هذا وقولي الذي كنت تقولين» «٥».

стр. 151

ومثل هذا كثير من نهيه عن المنكر بحضرته، فكل من رآه في حياته لم يتمكن أن يفعل بحضرته منكرا يقر عليه. وأما الذين يزورون القبور فيفعلون عندها من أنواع المنكرات ما لا يضبط، كما يفعل المشركون والنصارى وأهل البدع عند قبر من يعظّمونه من أنواع الشرك والغلو، وبحسبك أنه ﷺ لعن اليهود والنصارى لأجل اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، فإذا اتّخذ القبر مسجدا فقد لعن صاحبه. ومعلوم أنه لو كان حيا في المسجد لكان قصده في المسجد من أفضل العبادات، وقصد القبر الذي اتخذ مسجدا مما نهى عنه ولعن أهل الكتاب على فعله، وأيضا فليس عند قبره مصلحة من مصالح الدين وقربة إلى رب العالمين إلا وهي مشروعة في جميع البقاع، فلا ينبغي أن يكون صاحبها غير معظّم للرسول التعظيم التام والمحبة التامة إلا عند قبره، بل هو مأمور بهذا في كل مكان. فكانت زيارته في حياته مصلحة راجحة لا مفسدة فيها، والسفر إلى القبر لمجرده بالعكس مفسدة راجحة لا مصلحة فيها، بخلاف السفر إلى مسجده فإنه مصلحة راجحة وهناك يفعل من حقوقه ما يشرع كما في سائر المساجد. وهذا مما يبين به كذب الحديث الذي فيه: «من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي» «١». وهذا الحديث معروف من رواية حفص بن سليمان الغاضري، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من حجّ فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي». وقد رواه عنه غير واحد، وهو عندهم معروف من طريقه، وهو عندهم ضعيف في الحديث إلى الغاية حجة في القراءة. قال يحيى بن معين: حفص ليس بثقة. وقال الجوزجاني: قد فرغ منه منذ دهر «٢». وقال البخاري: تركوه. وقال مسلم بن الحجاج: متروك. وقال علي بن المديني: ضعيف الحديث، وتركته على عمد. وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه. وقال مرة: متروك. وقال صالح بن محمد: لا يكتب حديثه، وأحاديثه كلها مناكير. وقال زكريا الساجي: يحدث عن سماك وغيره، أحاديثه بواطيل. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: لا يكتب حديثه، هو ضعيف لا يصدق متروك الحديث. وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث. وقال الدارقطني ضعيف. وقال ابن عدي: وعامة أحاديثه عمن يروي عنه غير محفوظة. وقد رواه الطبراني في «المعجم» من حديث الليث بن بنت ليث بن أبي سليم،

стр. 152

عن زوجة جده عائشة، عن ليث. وهذا الليث وزوجة جده مجهولان لأن ليثا غير معروف بضبط ولا عدالة مع غرابتهما، ونفس المتن باطل. فإن الأعمال التي فرضها الله ورسوله لا يكون الرجل بها مثل الواحد من الصحابة. بل في الصحيحين عنه أنه قال: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» «١». فالجهاد والحج ونحوهما أفضل من زيارة قبره باتفاق المسلمين، ولا يكون الرجل بهما كمن سافر إليه في حياته ورآه، كيف وذاك إما أن يكون مهاجرا إليه كما كانت الهجرة قبل الفتح، أو من الوفود الذين كانوا يفدون إليه يتعلّمون الإسلام ويبلّغونه عنه إلى قومهم، وهذا عمل لا يمكن أحدا بعدهم أن يفعل مثله. ومن شبّه من زار قبر شخص بمن كان يزوره في حياته فهو مصاب في عقله ودينه. والزيارة الشرعية لقبر الميت مقصودها الدعاء له والاستغفار كالصلاة على جنازته، والدعاء المشروع المأمور به في حق نبينا- كالصلاة عليه والسلام عليه وطلب الوسيلة له- مشروع في جميع الأمكنة لا يختصّ بقبره، فليس عند قبره عمل صالح تمتاز به تلك البقعة، بل كل عمل صالح يمكن فعله هناك يمكن فعله في سائر البقاع، لكن مسجده أفضل من غيره. فللعبادة فيه فضيلة بكونها في مسجده، كما قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» «٢». والعبادات المشروعة فيه بعد دفنه مشروعة فيه قبل أن يدفن النبي ﷺ في حجرته، وقبل أن تدخل حجرته في المسجد، ولم يتجدد بعد ذلك فيه عبادة غير العبادات التي كانت على عهد النبي ﷺ وغير ما شرعه هو لأمته ورغّبهم فيه ودعاهم إليه، وما يشرع للزائر من صلاة وسلام ودعاء له وثناء عليه كل ذلك مشروع في مسجده في حياته، وهي مشروعة في سائر المساجد، بل وفي سائر البقاع التي تجوز فيها الصلاة، وهو ﷺ قد جعلت له ولأمته الأرض مسجدا وطهورا، فحيثما أدركت أحدا الصلاة فليصلّ فإنه مسجد، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عنه ﷺ «٣». ومن ظن زيارة القبر تختص بجنس من العبادة لم تكن مشروعة في المسجد، وإنما شرعت لأجل القبر فقد أخطأ، لم يقل هذا أحد من الصحابة والتابعين، وإنما غلط في بعض هذا بعض المتأخرين، وغاية ما نقل عن بعض الصحابة- كابن عمر- أنه كان إذا قدم من سفر يقف عند القبر ويسلم، وجنس السلام عليه مشروع في

стр. 153

المسجد وغير المسجد قبل السفر وبعده، وأما كونه عند القبر فهذا كان يفعله ابن عمر إذا قدم من سفر. وكذلك الذين استحبوه من العلماء استحبوه للصادر والوارد من المدينة وإليها من أهلها، أو الوارد والصادر من المسجد من الغرباء، مع أن أكثر الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك، ولا فرّق أكثر السلف بين الصادر والوارد، بل كلهم ينهون عما نهى عنه رسول الله ﷺ . وقد قال أبو الوليد الباجي: إنما فرّق بين أهل المدينة وغيرها لأن الغرباء قصدوا لذلك وأهل المدينة يقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم. وقال: قال ﷺ : «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وقال: «لا تجعلوا قبري عيدا»، وهذا الذي ذكره من أوله سواء في النهي. فإن قوله: «لا تجعلوا- أو: لا تتخذوا- بيتي عيدا» نهي لكل أمته؛ أهل المدينة والقادمين إليها، وكذلك نهيه عن اتخاذ القبور مساجد وخبره بأن غضب الله اشتدّ على من فعل ذلك هو متناول للجميع، وكذلك دعاؤه بأن لا يتّخذ قبره وثنا عام. وما ذكره من أن الغرباء قصدوا لذلك تعليقا على العلة ضد مقتضاها، فإن القصد لذلك منهيّ عنه، كما صرّح به مالك وجمهور أصحابه، وكما نهى عنه وليس بقربة وإذا كان منهيا عنه لم يشرع الإعانة عليه، وكذلك إذا لم يكن قربة. وابن عمر ﵄ لم يكن يسافر إلى المدينة لأجل القبر بل المدينة وطنه، وكان يخرج عنها لبعض الأمور ثم يرجع إلى وطنه، فيأتي المسجد فيصلي فيه ويسلّم، فأما السفر لأجل القبور فلم يعرف عن أحد من الصحابة؛ بل ابن عمر كان يقدم إلى بيت المقدس فلا يزور قبر الخليل. وكذلك أبوه عمر ومن معه من المهاجرين والأنصار قدموا إلى بيت المقدس ولم يذهبوا إلى قبر الخليل، وسائر الصحابة الذين كانوا ببيت المقدس لم يعرف عن أحد منهم أنه سافر إلى قبر الخليل ولا غيره، كما لم يكونوا يسافرون إلى المدينة لأجل القبر كما تقدم. وما كان قربة للغرباء فهو قربة لأهل المدينة كإتيان قبور الشهداء وأهل البقيع، وما لم يكن قربة لأهل المدينة لم يكن لغيرهم؛ كاتخاذ بيته عيدا واتخاذ قبره وقبر غيره مسجدا، وكالصلاة إلى الحجرة والتمسح بها وإلصاق البطن بها والطواف بها، وغير ذلك مما يفعله جهال القادمين فإن هذا بإجماع المسلمين ينهى عنه الغرباء كما نهي عنه أهل المدينة، ينهون عنه صادرين وواردين باتفاق المسلمين، وبالجملة فجنس الصلاة والسلام عليه والثناء عليه ونحو ذلك مما استحبه بعض العلماء عند القبر الواردين أو الصادرين هو مشروع في مسجده وسائر المساجد. وأما ما كان سؤالا له فهذا لم يستحبه أحد من السلف لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم. ثم بعض من يستحب هذا من المتأخرين يدعونه مع الغيب، فلا يختص هذا

стр. 154

عندهم بالقبر، وأما نفس داخل بيته عند قبره فلا يمكن أحدا الوصول إلى هناك، ولم يشرع هناك عمل يكون هناك أفضل منه في غيره، ولو شرع لفتح باب الحجرة للأمة، بل قد قال: «لا تتخذوا بيتي عيدا وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم». وقد تقدم ما رواه سعيد بن منصور في سننه عن عبد العزيز الدراوردي، عن سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فناداني فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلّمت على النبي ﷺ . فقال: إذا دخل المسجد فسلّم على النبي ﷺ ، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا بيتي عيدا ولا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلّوا عليّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني». ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء. وكذلك سائر الصحابة الذين كانوا ببيت المقدس وغيرها من الشام؛ مثل معاذ بن جبل، وأبي عبيدة بن الجراح، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء. وغيرهم لم يعرف عن أحد منهم أنه سافر لقبر من القبور التي بالشام لا قبر الخليل ولا غيره، كما لم يكونوا يسافرون إلى المدينة لأجل القبر، وكذلك الصحابة الذين كانوا بالحجاز والعراق وسائر البلاد كما قد بسط في غير هذا الموضع. وروى سعيد بن منصور في سننه أن رجلا كان ينتاب قبر النبي ﷺ ، فقال له حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب: يا هذا؛ إن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا قبري عيدا وصلّوا عليّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني». فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء. فإن قيل: الزائر في الحياة إنما أحبه الله لكونه يحبه في الله، والمؤمنون يحبون الرسول أعظم، وكذلك يحبون سائر الأنبياء والصالحين، فإذا زاروهم أثيبوا على هذه المحبة. قيل: حب الرسول من أعظم واجبات الدين. وفي الصحيحين عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاث من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان؛ من كان الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، ومن كان يحبّ المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» «١». وفي الحديث الصحيح، عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» «٢». وفي البخاري عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي ﷺ وهو آخذ بيد عمر فقال: يا رسول الله؛ لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي ﷺ : «لا والذي نفسي بيده؛ حتى أكون أحبّ إليك من نفسك». فقال له عمر: إنه الآن والله لأنت إليّ أحب من نفسي. قال: «الآن يا عمر» «٣». وتصديق هذا في القرآن في قوله: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ

стр. 155

مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب: ٦] وفي قوله: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ [التوبة: ٢٤] الآية. وقال: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: ٢٢] إلى قوله: بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة: ٢٢]. وفي صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب: ٦] وأما من مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه» «١». وفي حديث آخر: «لا يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تبعا لما جئت به» «٢». لكن حبّه وطاعته وتعزيره وتوقيره، وسائر ما أمر الله به من حقوقه؛ مأمور به في كل مكان، لا يختص بمكان دون مكان، وليس من كان في المسجد عند القبر بأولى بهذه الحقوق ووجوبها عليه ممن كان في موضع آخر. ومعلوم أن زيارة قبره كالزيارة المعروفة للقبور غير مشروعة ولا ممكنة. ولو كان في زيارة قبره عبادة زائدة للأمة لفتح باب الحجرة ومكّنوا من فعل تلك العبادة عند قبره، وهم لم يمكّنوا إلا من الدخول إلى مسجده. والذي يشرع في مسجده

стр. 156

يشرع في سائر المساجد، لكن مسجده أفضل من سائرها غير المسجد الحرام على نزاع في ذلك، وما يجده المسلم في قلبه من محبّته والشوق إليه، والأنس بذكره، وذكر أحواله، فهو مشروع له في كل مكان، وليس في مجرد زيارة ظاهر الحجرة ما يوجب عبادة لا تفعل بدون ذلك، بل نهى عن أن يتّخذ ذلك المكان عيدا وأن يصلّى عليه حيث كان العبد، ويسلّم عليه، فلا يخصّ بيته وقبره لا بصلاة عليه ولا بسلام عليه، فكيف بما ليس كذلك؟ وإذا خصّ قبره بذلك صار ذلك في سائر الأمكنة دون ما هو عند قبره ينقص حبه وتعظيمه وتعزيره وموالاته والثناء عليه عند غير قبره، كما يفعل عند قبره كما يجده الناس في قلوبهم إذا رأوا من يحبونه ويعظّمونه يجدون في قلوبهم عند قبره مودة له ورحمة ومحبة أعظم مما يكونون بخلاف ذلك. والرسول هو الواسطة بينهم وبين الله في كل مكان وزمان، فلا يؤمرون بما يوجب نقص محبتهم وإيمانهم في عامة البقاع والأزمنة، مع أن ذلك لو شرع لهم لأشغلوا بحقوقهم عن حقّه، واشتغلوا بطلب الحوائج منه كما هو الواقع، فيدخلون في الشرك بالخالق وفي ترك حق المخلوق. فينقض تحقيق الشهادتين؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وأما ما شرعه لهم من الصلاة والسلام عليه في كل مكان، وأن لا يتخذوا بيته عيدا ولا مسجدا، ومنعهم من أن يدخلوا إليه ويزوروه كما تزار القبور؛ فهذا يوجب كمال توحيدهم للرب، وكمال إيمانهم بالرسول ومحبته وتعظيمه، حيث كانوا واهتمامهم بما أمروا به من طاعته، فإن طاعته هي مدار السعادة وهي الفارقة بين أولياء الله وأعدائه، وأهل الجنة وأهل النار، فأهل طاعته هم أولياء الله المتقون وجنده المفلحون وحزبه الغالبون، وأهل مخالفته ومعصيته بخلاف ذلك «١». والذين يقصدون الحج إلى قبره وقبر غيره ويدعونهم ويتخذونهم أندادا؛ هم من أهل معصيته ومخالفته، لا من أهل طاعته وموافقته، فهم في هذا الفعل من جنس أعدائه لا من جنس أوليائه. وإن ظنوا أن هذا من موالاته ومحبته، كما يظن النصارى أن ما هم عليه من الغلوّ في المسيح والشّرك به من جنس محبته وموالاته. وكذلك دعاؤهم للأنبياء والموتى؛ كإبراهيم وموسى وغيرهما، ويظنون أن هذا من محبتهم وموالاتهم، وإنما هو من جنس معاداتهم. ولهذا يتبرّءون منهم يوم القيامة، وكذلك الرسول يتبرأ ممن عصاه، وإن كان قصده تعظيمه والغلو فيه. قال تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤] إلى قوله: تَعْمَلُونَ [الشعراء: ٢١٦].

стр. 157

فقد أمر الله المؤمنين أن يتبرءوا من كل معبود غير الله ومن كل من عبده، قال تعالى: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة: ٤]. وكذلك سائر الموتى ليس في مجرد رؤية قبورهم ما يوجب لهم زيادة المحبة إلا لمن عرف أحوالهم بدون ذلك فيتذكر أحوالهم فيحبهم، والرسول يذكر المسلمون أحواله ومحاسنه وفضائله وما منّ الله به عليه ومنّ به على أمته، فبذلك يزداد حبهم له وتعظيمهم له لا بنفس رؤية القبر، ولهذا تجد العاكفين على قبور الأنبياء والصالحين من أبعد الناس عن سيرتهم ومتابعتهم. وإنما قصد جمهورهم التأكّل والترؤس بهم، فيذكرون فضائلهم ليحصل لهم بذلك رئاسة أو مأكلة، لا ليزدادوا لهم حبا وخيرا. وفي مسند الإمام أحمد وصحيح أبي حاتم عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «إن من شرار النّاس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتّخذون القبور مساجد» «١». وما ذكره هذا من فضائله فبعض ما يستحقه ﷺ ، والأمر فوق ما ذكره أضعافا مضاعفة، لكن هذا يوجب إيماننا به، وطاعتنا له، واتباع سنته، والتأسي به والاقتداء،

стр. 158

ومحبتنا له، وتعظيمنا له، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، ومتابعة سنته، فإذا هذا هو طريق النجاة والسعادة، وهو سبيل الخلق ووسيلتهم إلى الله تعالى. ليس في هذا ما يوجب معصيته ومخالفة أمره، والشرك بالله، واتباع غير سبيل المؤمنين السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان. وهو قد قال: «لا تشد الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد». وقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذّر ما فعلوا. وقال: «لا تتخذوا قبري عيدا وصلّوا عليّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». وقال: «خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ بدعة ضلالة» رواه مسلم «١». وقال: «إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كلّ بدعة ضلالة» «٢» رواه أهل السنن، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. إلى غير ذلك من الأدلة التي تبين أن الحجّاج إلى قبورهم من المخالفين للرسول ﷺ الخارجين عن شريعته وسنته، لا من الموافقين له المطيعين له، كما بسط في غير هذا الموضع.

стр. 159

فصل [تعدّي المعترض على المصنف، وجواب المصنف عليه] ثم قال المعترض: «وقد ذكر هذا القائل أن السفر إلى زيارة النبي المصطفى ﷺ معصية يحرّم فيه القصر، فارتكب بذلك أمرا عظيما، وخالف فيه السادة العلماء وأئمة العصر، فمقتضى ذلك أن يسوّي بينه وبين السفر لقتل النفوس، والحامل له على ذلك سوء معتقده وذهنه المعكوس، فهو كمن أضلّه الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة، فقلبه لا يقبل الحق لما نازله من الظلمة والغشاوة». والجواب أن يقال: ما في هذا الكلام من السبّ والشتم ليس هو علما يستحق الجواب عليه، ويمكن الإنسان أن يقابله بأضعاف ذلك ويكون صادقا لا يكون كاذبا مثله، ويتبين أنه من أجهل الناس وأسوئهم فهما وأقلهم علما، وأنه إلى التفهيم والتعليم أحوج منه إلى خروجه عن الصراط المستقيم، وهو إلى التعزير والتأديب والتقويم أحوج منه إلى أن يقفو ما ليس له به علم، ويقول على الله ما لا يعلم، وقد قال تعالى: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [الأعراف: ٣٣] الآية، وهؤلاء الذين يستحبون الحج إلى القبور ودعاء أهلها من دون الله يشركون بالله ما لم ينزّل به سلطانا، ويقولون على الله ما لا يعلمون، ويجعلون ذلك من جنس حج بيت الله ويقرنونه به، وهو لما ذكر الحج، قال: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ [الحج: ٢٦] إلى قوله: عَمِيقٍ [الحج: ٢٧]. ولما ذكر تعظيم حرماته وشعائره في الحج قال: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج: ٣٠] إلى قوله: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [الحج: ٣٥]. فهو قد ذكر التوحيد هاهنا وأمر باجتناب الشرك واجتناب قول الزور فقرن بينهما، ولهذا قال النبي ﷺ : «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» «١». وهؤلاء الضّلال

стр. 160

لهم نصيب من الشّرك بالله، ونصيب من قول الزور: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [الحج: ٧١]. وهذا المعترض لم يفهم ما قاله المجيب، بل كذب عليه كذبا يعلم جميع الناس أنه كذب، ولم يعرف ما قاله العلماء لا مالك ولا غيره، ونفس الذي أنكره على المجيب صرّح به مالك تصريحا لم يصرح مثله المجيب، فإن المجيب لم يذكر أن السفر إلى مسجده وزيارته على الوجه المشروع معصية، ولا ذكر أن ما يريده العلماء بالسفر إلى قبره وهو السفر إلى مسجده معصية. بل قد صرّح بأنه سفر طاعة مستحبّ، وكذلك ذكر ما ذكره العلماء من استحباب زيارته والدعاء وما يتعلق بذلك. وذكر لفظا عاما فيمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وحكى قولين معروفين عند أهل العلم؛ وهما قولان معروفان عند أصحاب الشافعي وأحمد. ومالك وأصحابه ﵃ أظهر قولا بتحريم السفر إلى زيارة القبور، وقد صرّح مالك بأن قبر

стр. 161

النبي ﷺ هو مما نهي عن شدّ الرحال إليه، وأن من نذر ذلك لا يجوز أن يوفي بنذره، بل مذهبه المعروف عنه في عامة كتب أصحابه أولهم وآخرهم، في الكتب الصغار والكبار؛ أن السفر إلى مدينة الرسول ﷺ وإلى بيت المقدس لغير الصلاة في المسجدين منهيّ عنه، وإن نذره ناذر لم يكن له أن يفعله لأنه منهي عنه، فلا يجوز عنده السفر إلى هاتين المدينتين إلا لأجل الصلاة في المسجدين، لا لأجل زيارة قبر ولا مسجد آخر، ولا أثر من الآثار، ولا غير ذلك مما يقصد به فضل مكان معين. وأما من سافر لتجارة أو طلب علم أو غير ذلك فليس هذا من هذا الباب. فإن هذا ليس قصده متعلقا بعين المكان. وأما السفر إلى سائر الأمصار لأجل مساجدها أو قبر فيها فلا يجوز عنده بحال، ثم إن مذهبه أن السفر المحرم لا تقصر فيه الصلاة. وأما المجيب فلم يجزم بأن الصلاة لا تقصر فيه كما ذكره هذا المفتري، بل ذكر قول هؤلاء وقول هؤلاء، ولم يرجّح قول من منع القصر، ولكن ذكر حجة من نهى عن السفر إلى غير الثلاثة فلما ذكرها تبيّن أنها الراجحة، وأنه ليس مع أولئك ما يعارضها. وأما قوله: إنه خالف في ذلك السادة العلماء وأئمة العصر. فيقال: هذا باطل؛ فإنه لم يخالف في ذلك أحدا من علماء المسلمين، وأئمة الدين المعروفين عند المسلمين بأنهم أئمة الدين. وأما من تكلم بلا علم أو تكلّم بالهوى والجهل، فهذا ليس من أئمة الدين، ولا يذكر المسلمون قول مثل هذا في كتبهم على أن يتبع ويقتدى به، بل قال تعالى للخليل لما قال: قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: ١٢٤]. فبيّن أن عهده بالإمامة لا ينال ظالما، فلا يكون الظالم إماما للمتقين، بل قال تعالى: وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ [السجدة: ٢٤] فالأئمة الذين يهدون بأمر الله هم أهل الصبر واليقين، والله تعالى أخبر أنه جعل إبراهيم وإسحاق ويعقوب أئمة يهدون بأمره، وإبراهيم إمام الحنفاء والداعي إلى توحيد الله وعبادته وحده، والتبرؤ من عبادة ما سوى الله ومن العابدين لغيره وقد أخبر الله أنه لا يرغب عن ملته إلا من كان سفيها جاهلا، وقال تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: ١٢٠] والأمة هو: القدوة الذي يؤتم به. وكان ابن مسعود يقول: إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا، فيقولون: إن إبراهيم. فيقول: إن معاذا. فيعلمون أنه لم يرد التلاوة، وإنما أراد أن يعرّفهم أن معاذا كان إماما. وكل من جعله الله إماما فإنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن دعاء ما سواه، لا دعاء عبادة ولا دعاء مسألة، ينهون عن دعاء الملائكة والأنبياء فضلا عمن سواهم. وبهذا بعث الله جميع الرسل وأنزل جميع الكتب، وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه، قال تعالى:

стр. 162

وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف: ٤٥]. وقال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]. وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦]. وقال تعالى: ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٩] إلى قوله: مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٨٠]. والحج إلى قبورهم ودعاؤهم من دون الله من الشرك بهم واتخاذهم أربابا، قال الله تعالى: قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً [الأنعام: ١٦١] إلى قوله: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: ١٦٣]. فمن أمر الناس أن يحجّوا إلى قبر مخلوق أو يدعوه؛ فقد أمرهم أن يجعلوا صلاتهم ونسكهم لغير الله، وهذا من الأئمة الذين يدعون إلى النار، لا من أئمة الهدى والتقى. فالقولان اللذان ذكرهما هما القولان المعروفان عن علماء المسلمين وأئمة الدين، وما عرف لهم قول ثالث. فمن قال قولا ثالثا فحسبه أن يحكي قوله ويبيّن خطؤه، لا يجعل قوله مقدّما على أقوال السلف الماضين وأئمة الدين وعلماء المسلمين. ولم يخالفهم أحد بحجة في الدين، ولا نقل قوله عن أحد من أئمة المسلمين، ولكن حججهم من جنس هذا وأمثاله. وقد صنف من هو أفضل منه، مصنفا أكبر من مصنفه، وحججهم كلها يشبه بعضها بعضا، ليست من حجج علماء المسلمين ولا ينقلونها، ولا موجبها عن أحد من أئمة الدين، بل هي من جنس حجج النصارى والمشركين، إما نقل عن الأنبياء هو كذب عليهم، كالأحاديث التي يحتجون بها في أنه رغّب في زيارة قبره، وكلها كذب، كما يحتج النصارى وأهل البدع بما يفعلونه من الكذب على الأنبياء. وإما ألفاظ متشابهة يحرفون فيها الكلم عن مواضعه، ويضعونها على غير مواضعها، ويدعون المحكم المنصوص كما تفعل النصارى وأهل البدع؛ يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، ويدعون المحكم المبين الذي هو أم الكتاب. وإما احتجاجهم بقول من ليس قوله حجة ولا يجب اتباعه. وإما أحوال شيطانية؛ وهذه حجج النصارى وأمثالهم، وأهل الضلال المخالفين للأنبياء وأئمة الهدى، كما قال تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [المائدة: ٧٧] فلا نقل مصدّق ولا بحث محقّق، بل هذيان مزوّق، يروج على هذا وأمثاله من الجهّال الذين لا يعرفون دين المسلمين في هذه المسألة وأمثالها، ولا يفرّقون بين عبادة الرحمن وعبادة الشيطان، ولا بين الأنبياء والمرسلين أهل التوحيد والإيمان، وبين أهل البدع المضاهين لعبّاد الصلبان. وأما قوله: «فمقتضى ذلك أن يسوّى بينه وبين السفر لقتل النفوس إلخ».

стр. 163

فعنه أجوبة، أحدها: أن هذا يلزم مثله فيمن سافر إلى المساجد للصلاة كمن سافر من مصر إلى الشام ليصلي في جامع دمشق، أو سافر من الشام ليصلي في جامع مصر، فهذا السفر منهي عنه أو غير مستحب عند الأئمة، وهو سفر معصية عند مالك وجمهور أصحابه، والأكثرين لا تقصر فيه الصلاة بمقتضى هذا الحديث، فقد سوّى بينه وبين السفر لقتل النفوس. الثاني: أن المحرمات إذا اشتركت في جنس التحريم كان الشرك محرما والنظرة محرمة، ولم يلزم من ذلك أن يسوّى بين الكفر بالمعاصي ولا الكبائر بالصغائر. الثالث: أن يقال: بل قد يكون الحج إلى القبور أعظم من قتل النفوس، وقد يكون شركا ينقل عن الملة، فإن كثيرا من هؤلاء يعتقد أن السفر إلى قبر الشيخ أو الإمام أو النبي أفضل من الحج، ويسمّونه الحج الأكبر، وينادي مناديهم من أراد الحج الأكبر أي السفر لزيارة بعض القبور المنسوبة إلى بعض أهل البيت، ومنهم من يقول له صاحبه: تبيعني زيارتك للشيخ بكذا وكذا حجّة، فلا يفعل. ويصنّف علماؤهم كتبا في مناسك حج المشاهد، كما صنّف المفيد بن النعمان. ومن الناس من يحج إلى قبر النبي ﷺ ثم يرجع من هناك لا يحج إلى البيت العتيق، ويقول: هذا هو المقصود. ومنهم من يحلف فيقول: وحقّ النبي الذي تحج المطايا إليه، ومنهم من يصلّي إلى قبر شيخه ويستقبله في الصلاة، ويقول: هذه قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة! وأنا أعرف من فعل هذا وهذا وهذا، وهم قوم لهم عبدة وزهد ودين، لكن فيهم جهل وضلال، كما أن رهبان النصارى وغيرهم هم من أزهد الناس وأعظمهم اجتهادا في العبادة، لكن بجهل وضلال، والله تعالى قد أمرنا أن نقول في صلاتنا: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة: ٦، ٧]. وقد روى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن عدي بن حاتم عن النبي ﷺ أنه قال: «اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون» «١». قال الترمذي: حديث حسن. وهكذا قال السلف. قال ابن أبي حاتم في تفسيره: لا أعلم خلافا في هذا الحرف بين المفسرين «٢». [من اعتقد أن السفر إلى قبر شيخ أو إمام أفضل من الحج فهو كافر] ومعلوم أن من اعتقد أن السفر إلى قبر شيخ أو إمام أو نبي أفضل من الحج؛

стр. 164

فهو كافر، ولو قتل نفسا مع اعتقاده أن ذلك محرّم وأنه مذنب لكان ذنبه أخفّ من ذنب من جعل الحجّ إلى الأوثان أفضل من الحج إلى بيت الرحمن. وقول النبي ﷺ : «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» دليل على أن القبور قد تجعل أوثانا، وهو ﷺ خاف من ذلك فدعا الله أن لا يفعله بقبره، واستجاب الله دعاءه رغم أنف المشركين الضّالين الذين يشبّهون قبر غيره بقبره، ويريدون أن يجعلوه وثنا يحجّ إليه ويدعى من دون الله. والله قد أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، فلا يقدر أحد من البشر أن يصل إلا إلى مسجده الذي هو بيت الله تعالى الذي بني لعبادة الله وحده، لا يصل إلى بيت النبي ﷺ البتة، ولو كان قصده بيت المخلوق دون بيت الخالق فالله تعالى لا يوصله إلا إلى بيت الخالق رحمة من الله بهذه الأمة، وإجابة لدعاء نبيه ﷺ تسليما. فإذا فعل في بيت الله من الشرك والبدع ما لا يجوز فهذا يختص به، كما كان المشركون يشركون عند البيت، ليس هذا الضّلال متعلقا بقبره، ولا يمكن أن يفعل في نفس قبر الرسول وبيته ما يمكن أهل الشرك والضلال أن يفعلوه عند القبور، والحمد لله رب العالمين. ولكن عند قبر غيره قد يفعلون ما هو من جنس فعل النصارى، بل حتى قد يفضّل هذا الشرك على التوحيد، فما كفاهم جعل الشرك كالتوحيد بل جعلوا الشرك أفضل من التوحيد، وقد قال سفيان الثوري: «البدعة أحبّ إلى إبليس من المعصية، لأن المعصية قد يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها» «١». وقد كان على عهد النبي ﷺ رجل يشرب الخمر، يقال له عبد الله [وكان يلقب] حمارا، فلعنه رجل، فقال رسول الله ﷺ : «لا تلعنه فإنه يحبّ الله ورسوله» رواه البخاري «٢». ولما أتى ذو الخويصرة- وهو رجل ناتئ الجبين، غائر العينين، كثّ اللحية- وقال: يا محمد! اعدل فإنك لم تعدل! فأراد بعض الصحابة قتله، فقال النبي ﷺ : «دعه؛ فإنه يخرج من ضئضئ «٣» هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن

стр. 165

لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السّهم من الرّميّة» وهذا الحديث في الصحيحين وغيرهما «١». فهذا العابد الظاهر العبادة هو ومن اتبعه لما خالفوا سنّة رسول الله ﷺ واستحلّوا دماء من لم يوافقهم على بدعتهم؛ أمر النبي ﷺ بقتالهم. وذاك الشارب الخمر لما كان محبا للرسول ﷺ ولسنته، لكنه قد ثبت نهي النبي ﷺ عن لعنته، وقال: «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله».

стр. 166

فصل [المردود عليه وأسجاعه الفارغة] قال: «واعلم أن الزيارة لا يتصوّر أن تكون منفكّة عن الحرمة من مكان إلى مكان، ولو حصل ذلك بطي الأرض أو الطيران فإن حصولها بغير ذلك أمر لا تقبله الأذهان، واعتقاده ضرب من الهذيان. لأن الزائر لا يطلق عليه زائر إلا بعد حركته وانتقاله وخروجه عن محله وارتحاله وكيف تكون الرحلة إلى القربة معصية محرّمة، والقصد المطلوب طاعة معظّمة؟ فالسفر إلى القبر من باب الوسائل إلى الطاعات، كنقل الخطأ إلى المساجد والجماعات، فلو علم هذا القائل ما في كلامه من الخطأ والزلل، وما اشتمل عليه قوله من المناقضة والخلل، لما أبدى لهم عواره، ولستر عنهم شناره». يقال: هذا المعترض كثير الألفاظ والإسجاع، قليل الفائدة التي يحصل بها الانتفاع. أسجاع كأسجاع الكهّان، ليس فيها برهان ولا بيان. لا استدلال بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع، ولا نقل لقول أئمة الدين أهل الإجماع والنزاع. بل يطوّل الكلام فيما يفهمه الأغنام، ويجعل عدّته انتهاك أعراض أئمة الإسلام، والطعن على شريعة خير الأنام، بقلة علم وسوء فهم وإعراض عن التفقه والتعلم والتفهم والإعلام. وهذه المسألة المتنازع فيها وفيما يناسبها عن النبي ﷺ أحاديث صحيحة محكمة، وفيها لأئمة الدين أقوال صريحة مفهمة. لم يذكر شيئا من ذلك، بل عمدته اتباع ما تشابه من القول، يبتغي الفتنة ويبتغي تأويله، وليس من الراسخين في العلم الذين يعرفون تأويله؛ الذي هو تفسيره ومعناه، وإن كان له تأويل آخر استأثر به الله، وكلا القولين في الوقف والابتداء منقولان عن السلف الأتقياء، وكل من القولين قاله طائفة من السلف العلماء. وأهل الضلال كالنصارى، وأهل البدع كالخوارج والرافضة والجهمية والقدرية؛ يتّبعون ما تشابه عليهم معناه، ويدعون المحكم المنصوص الذي بينه الله، ويقولون لمن اتبع المسيح وآمن بما قاله من أنه عبد الله ورسوله- كما صرح به في غير موضع من إنجيله- إنه قد شتم المسيح وتنقصه وعابه وعاداه، وهم قد شتموا الله وأشركوا به وكذّبوا المسيح وعصوه، فكفروا بالله ورسوله. وهكذا الغلاة في عليّ؛ يقولون لمن اتبع عليا فيما أخبر به عن نفسه، واتبع الرسول فيما قاله عن

стр. 167

علي وغيره؛ إنه شتم عليا وآذاه، وهم الذين كذّبوا عليّا وخالفوه، بل خالفوا الرسول الذي به آمن عليّ، وعمدتهم التمسك بأحاديث بعضها ضعيف أو مكذوب، وبعضها متشابه لا يدل على المطلوب. كالنصارى تارة ينقلون عن المسيح وغيره من الأنبياء أقوالا باطلة، وتارة يتمسكون بألفاظ متشابهة، لا تدل على ما ابتدعوه. وهكذا أهل البدع الذين يدعون أهل القبور ويحجّون إليها ويجعلون أصحابها أندادا لله، حتى يقول بعضهم: إن الحج إليها أفضل من الحج إلى بيت الله. وأهل البدع في القبور أنواع متعددة قد بسطت في غير هذا الموضع، لكن عمدتهم إما أحاديث مكذوبة، وإما ألفاظ مجملة متشابهة؛ كلفظ زيارة القبور ونحوه مما يراد به أنواع من الأمور، وحصل فيها اشتباه ونزاع بين العلماء والجمهور، ويدعون الصحيح المنصوص المحكم الثابت من الأحاديث عن خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه التي ليس في سندها ولا فيما يستدل به من معناها نزاع بين العلماء، كما في الصحيحين عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى». ولفظ أبي سعيد الذي في صحيح مسلم وغيره: «لا تشدّوا الرّحال» بصيغة النهي. وهو أيضا مروي عنه من وجوه أخر، كما رواه مالك وأهل السنن والمسانيد عن بصرة بن أبي بصرة، عن النبي ﷺ ، ولفظه أنه قال: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد» «١». فإن هذا الحديث قد اتفق علماء المسلمين على صحة إسناده، واتفقوا على وجوب العمل بمعناه. واتفقوا على تناوله لمحل النزاع وهو السفر إلى القبور، ثم تنازعوا هل مراده النهي، أو مراده نفي الاستحباب والفضيلة؟ وما اتفقوا عليه كاف في الاحتجاج في مسألة النزاع. وأما السلف من الصحابة والتابعين والأئمة فلم يعرف بينهم نزاع أنه نهى عن السفر إلى غير الثلاثة. والحديث قد جاء في الصحيح بصيغة النهي الصريح، فقال: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» وأبو سعيد سمعه من النبي ﷺ ، هكذا في الصحيح أنه سمعه منه لم يسمعه من غيره، بخلاف رواية أبي هريرة فإنها مطلقة، وأبو هريرة كان يروي الحديث، ثم يقول حدّثني فلان، كما في حديث صوم الجنب، فقال: حدّثنيه الفضل بن عباس. ومثل ما في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت

стр. 168

عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. وفي الصحيحين أيضا عن عائشة وابن عباس ﵄ قالا: لما نزل برسول الله «١» ﷺ طفق يطرح خميصة «٢» له على وجهه فإذا اغتمّ بها كشفها، فقال وهو كذلك: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذّر ما صنعوا. فإذا كان قد لعن من يتخذ قبور الأنبياء مساجد يحذر أمته أن يفعلوا ذلك، مع أن المساجد إنما تكون لعبادة الله، لكن إذا اتّخذت القبور مساجد للعبادة؛ صار ذلك ذريعة إلى قصد القبر ودعاء صاحبه واتخاذه وثنا، فإذا كان قد لعن من يفعل الوسيلة إلى الشرك، فكيف بمن أتى بالشرك الصريح؟ وإذا كان هذا حال من دعا أهل القبور من غير حجّ إليه، فكيف بمن حجّ إليه أو جعل الحج إليهم أفضل من الحج إلى بيت الله؟ بل الحج إلى آثارهم مثل مكان نزلوا به، ويلبي ويحرم إذا حج إلى آثارهم، كما كان بعض الشيوخ بمصر يحرم إذا حج إلى مسجد يوسف، وكما حج مرة إلى قبر الرسول ﷺ ، ثم رجع ولم يحج إلى مكة، وقال: حصل المقصود بهذا. وهو ﷺ في مرضه يكرر تحذير أمته فينهاهم علانية في المسجد، ثم لعن من يفعل ذلك. وهو منزول به في السياق حرصا على هذه الأمة، وتحذيرا لأمته من مظان الشرك وأسبابه، إذ كان جماع الدين هو عبادة الله وحده، وأعظم الذنوب الشرك، والقرآن مملوء من تعظيم التوحيد بالدعاء إليه والترغيب فيه، وبيان سعادة أهله، وتعظيم الشرك بالنهي عنه والتحذير منه وبيان شقاوة أهله. ففي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متّخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» «٣». فهذا نهيه قبل أن يموت بخمس ولعنه في مرضه من يفعل ذلك، كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «قاتل الله اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وفي لفظ مسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وفي الصحيحين عن عائشة ﵂؛ أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة، ذكرتا من حسنها وتصاوير فيها لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «إن أولئك كانوا إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات؛ بنوا على قبره

стр. 169

مسجدا وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» «١». ذمهم على هذا وهذا، ولهذا نهى أمته عن هذا وهذا. وفي صحيح مسلم عن أبي الهيّاج الأسدي «٢» قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أمرني أن لا أدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته» «٣». فأمره طمس التماثيل، وتسوية القبور العالية المشرفة. إذ كان الضالون أهل الكتاب أشركوا بهذا وبهذا؛ بتماثيل الأنبياء والصالحين وبقبورهم. وفي المسند وصحيح ابن أبي حاتم عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» «٤». وفي صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تضلّوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» «٥». وبسط هذا له موضع آخر. ولكن نبهنا هنا على مثل هذا لأن هذا المعترض لم يأت في كلامه بعلم ولا حجة ولا دليل، بل حجّته من جنس ما ذكره هنا، أن الزيارة لا بدّ فيها من الحركة والانتقال، وهذا معلوم لكل أحد، فقوله والزيارة نفسها قربة، والوسيلة إلى القربة قربة؛ هذا مضمون كلامه. ونسب المجيب إلى التناقض حيث أباح الزيارة، ومنع من الوسيلة إليها وهو السفر، ولهذا قال: «فلو علم هذا القائل ما في كلامه من الخطأ والزلل، وما اشتمل عليه كلامه من المناقضة والخلل، لما أبدي لهم عواره، ولستر عنهم شناره». وجواب هذا من وجوه: أحدها: أن يقال: أنت المتناقض فيما حكيته عنه، فإنك في أول كلامك قلت أنه ظهر لك من صريح كلامه وفحواه؛ مقصده السيئ ومغزاه، وهو تحريم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور والسفر إليها، ودعوى أن ذلك معصية محرّمة مجمع عليها. وقد علم كل من وقف على الجواب أنه لم يحرم الزيارة مطلقا، ولا حكى ذلك عن أحد فضلا عن أن يحكيه إجماعا، لكن هذا قول طائفة من السلف حرّموا زيارة القبور مطلقا، كما نقل عن الشعبي والنخعي وابن سيرين، لكن المجيب لم يذكر هذا القول، فإنه قول مرجوح، ولو قدّر أنه حكاه لم يحك الإجماع على التحريم. فإن بطلان هذا لا يخفى على آحاد طلبة العلم، إذ كانت كتب العلماء مشحونة بذكر جواز زيارة القبور للرجال أو استحباب ذلك. ثم هناك جعلت المجيب يجوّز الزيارة وينهى عن الوسيلة

стр. 170

إليها وهو السفر، فجعلته متناقضا. وكذلك قلت بعدها: «لأنه نقل الجواز عن الأئمة المرجوع إليهم في علوم الدين والفتوى المشتهرين بالزهادة والتقوى، الذين لا يعتدّ بخلاف من سواهم، ولا يرجع في ذلك لمن عداهم، ونقل عدم الجواز- إن صح نقله- عمن لا يعتمد عليه ولا يعتد بخلافه ولا يعرج عليه». فإذا كان قد نقل الجواز عن هؤلاء؛ وهو جواز السفر للزيارة، فكيف يحكى عنه أنه جعل كل زيارة القبور معصية محرمة مجمعا عليها؟ هذا هو التناقض. ثم نسبته إلى التناقض وأنت المتناقض، فقلت: «ثم قال في آخر كلامه: إن ما ادّعاه مجمع على أنه حرام. وهذه مناقضة لما تقدم منه في الكلام، فليت شعري حين قال هذا أكان به جنة أم أدركته من الله محنة»؟ فيقال لك: المستحق للطعن في عقله ودينه من جعل المستقيم أعوج، وزاغ عن سواء المنهج، وتناقض فيما يقول، وجعل غيره هو المتناقض، كما قيل في المثل السائر: «رمتني بدائها وانسلّت». ولكن أهل البدع المخالفين لما جاءت به الرسل يضاهئون أعداء الرسل الذين نسبوهم إلى الجنون، قال تعالى: كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات: ٥٢]، وقال تعالى عن قوم نوح: وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ [القمر: ٥٤]، وقال فرعون: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء: ٢٧]، وقال تعالى: وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الذاريات: ٦]. فيقال: لفظ الجواب: أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، فهل يجوز له قصر الصلاة؟ على قولين معروفين. وقوله: من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء؛ احترازا عن السفر المشروع، كالسفر إلى زيارة قبر النبي ﷺ ، إذا سافر السفر المشروع فسافر إلى مسجده وصلّى فيه، وصلّى عليه، وسلّم عليه، ودعا وأثنى كما يحبه الله ورسوله؛ فهذا سفر مشروع مستحب باتفاق المسلمين، وليس فيه نزاع، فإن هذا لم يسافر لمجرد زيارة القبور بل للصلاة في المسجد، فإن المسلمين متفقون على أن السفر الذي يسمى زيارة لا بد فيه من أن يقصد المسجد ويصلّي فيه، لقوله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه». ولقوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا». والسؤال والجواب لم يكن المقصود فيه خصوص السفر إلى زيارة النبي ﷺ ، فإن هذا السفر على هذا الوجه مشروع مستحب باتفاق المسلمين، ولم يقل أحد من المسلمين إن السفر إلى زيارة قبره، محرم مطلقا، بل من سافر إلى مسجده وصلّى فيه، وفعل ما يؤمر به من حقوق الرسول ﷺ ؛ كان هذا مستحبا مشروعا باتفاق المسلمين، لم يكن هذا مكروها عند أحد منهم. لكن السلف لم يكونوا يسمون هذا زيارة لقبره، وقد كره من كره من أئمة العلماء أن يقال: زرت

стр. 171

قبر النبي ﷺ . وآخرون يسمّون هذا زيارة لقبره ﷺ ، لكنهم يعلمون ويقولون إنه إنما يصل إلى مسجده. وعلى اصطلاح هؤلاء؛ من سافر إلى مسجده وصلى فيه وزار قبره ﷺ الزيارة الشرعية، لم يكن هذا محرما عند أحد من المسلمين، بخلاف السفر إلى زيارة قبر غيره من الأنبياء والصالحين، فإنه ليس عنده مسجد يسافر إليه. فالسؤال والجواب كان من جنس السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين، كما يفعل أهل البدع، ويجعلون ذلك حجّا أو أفضل من الحج أو قريبا من الحج، حتى يروي بعضهم حديثا ذكره بعض المصنّفين في زماننا في فضل من زار الخليل قال فيه: وقال وهب بن منبه: إذا كان آخر الزمان حيل بين الناس وبين الحج، فمن لم يحج ولحق ذلك ولحق بقبر إبراهيم، فإن زيارته تعدل حجة. وهذا كذب على وهب بن منبه. كما أن قوله: «من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة» «١». كذب على رسول الله ﷺ . وقد ذكر بعض أهل العلم أن هذا الحديث إنما افتراه الكاذبون لما فتح بيت المقدس، واستنقذ من أيدي النصارى على يد صلاح الدين سنة بضع وثمانين وخمسمائة، فإن النصارى نقبوا قبر الخليل وصار الناس يتمكّنون من الدخول إلى الحظيرة. وأما على عهد الصحابة والتابعين- وهب بن منبه وغيره- فلم يكن هذا ممكنا ولا عرف عن أحد من الصحابة والتابعين أنه سافر إلى قبر الخليل ﵇، بل ولا قبر غيره من الأنبياء، ولا من أهل البيت، ولا من المشايخ ولا غيرهم، ووهب بن منبه «٢» كان باليمن لم يكن بالشام، ولكن كان من المحدثين عن بني إسرائيل والأنبياء المتقدمين مثل كعب الأحبار ومحمد بن إسحاق ونحوهما. وقد ذكر العلماء ما ذكره وهب في قصة الخليل وليس فيه شيء من هذا. ولكن أهل الضلال افتروا آثارا مكذوبة على الرسول ﷺ وعلى الصحابة والتابعين توافق بدعهم، وقد رووا عن أهل البيت وغيرهم من الأكاذيب ما لا يتسع هذا الموضع لذكره، وغرض أولئك الحج إلى قبر علي أو الحسين ﵄، أو إلى قبور

стр. 172

الأئمة كموسى «١» والجواد «٢» وموسى بن جعفر «٣» وغيرهم من الأئمة الأحد عشر، فإن الثاني عشر دخل السرداب وهو عندهم حي إلى الآن ينتظر «٤»، ليس له غرض في الحج إلى قبر الخليل.

стр. 173

وهؤلاء من جنس المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا. فلكل قوم هدي يخالف هدي الآخرين، قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [الروم: ٣٠] إلى قوله: فَرِحُونَ [الروم: ٣٢]. وهؤلاء تارة يجعلون الحج إلى قبورهم أفضل من الحج، وتارة نظير الحج، وتارة بدلا عن الحج. فالجواب كان عن مثل هؤلاء، ولكن ذكر قبر نبينا ﷺ لشمول الأدلة الشرعية: فإنه إذا احتج بقوله ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» كان مقتضى هذا أنه لا يسافر إلا إلى المسجد، لا إلى مجرد القبر، كما قال مالك ﵁ للسائل الذي سأله عمن نذر أن يأتي قبر النبي ﷺ فقال: إن كان أراد مسجد النبي ﷺ فليأته وليصلّ فيه، وإن كان أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء: «لا تعمل المطيّ إلا إلى ثلاثة مساجد». وهذا كما لو نهى الناس أن يحلفوا بالمخلوقات، وذكر لهم قول النبي ﷺ : «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» «١». وقوله ﷺ : «لا تحلفوا إلا بالله» «٢» ونحو ذلك.

стр. 174

وقيل: إنه لا يجوز الحلف بالملائكة ولا الكعبة ولا الأنبياء ولا غيرهم. فإذا قيل: ولا بالنبي ﷺ لزم طرد الدليل. فقيل: ولا يحلف بالنبي ﷺ كما قاله جمهور العلماء، وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين. ومن الناس من يستثني نبينا كما استثناه طائفة من الخلف، فجوزوا الحالف به، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، اختارها طائفة من أصحابه؛ كالقاضي أبي يعلى وأتباعه، وخصّوه بذلك. وبعضهم طرد ذلك في الأنبياء، وهو قول ابن عقيل في كتابه المفردات، لكن قول الجمهور أصح «١». لأن النهي هو الحلف بالمخلوقات كائنا من كان، كما وقع النهي عن عبادة المخلوق، وعن تقواه وخشيته والتوكّل عليه، وجعله ندا لله، وهذا متناول لكل مخلوق؛ نبينا وسائر الأنبياء، والملائكة وغيرهم. فكذلك الحلف بهم، والنذر لهم أعظم من الحلف بهم، والحج إلى قبورهم أعظم من الحلف بهم والنذر لهم. وكذلك السفر إلى زيارة القبور وقصر الصلاة فيه. ولأصحاب أحمد فيه أربعة أقوال؛ قيل: يقصر الصلاة مطلقا في كل سفر لزيارة القبور. وقيل: لا يقصر مطلقا في شيء من ذلك. وقيل: يقصر في السفر لزيارة قبر نبينا خاصة. وقيل: بل لزيارة قبره ﷺ وقبور سائر الأنبياء. فالذين استثنوا نبينا قد يعلّلون ذلك بأن السفر هو إلى مسجده، وذلك مشروع مستحب بالاتفاق، فتقصر فيه الصلاة، بخلاف السفر إلى قبر غيره فإنه سفر لمجرّد القبر. وقد يستثنونه من العموم كما استثناه من استثناه منهم في الحلف، ثم ظن بعضهم أن العلة هي النبوة فطرد ذلك في الأنبياء. والصواب أن السفر إلى قبره إنما يستثنى لأنه سفر إلى مسجده ﷺ . ثم إن الناس أقسام؛ منهم من يقصد السفر الشرعي إلى مسجده، ثم إذا صار في مسجده فعل في مسجده المجاور لبيته الذي فيه قبره ما هو مشروع، فهذا سفر مجمع على استحبابه وقصر الصلاة فيه. ومنهم من لا يقصد إلا مجرد القبر، ولا يقصد الصلاة في المسجد أو لا يصلي فيه، فهذا لا ريب أنه ليس بمشروع. ومنهم من يقصد هذا وهذا، فهذا لم يذكر في الجواب، إنما ذكر في الجواب من لم يسافر إلا لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين. ومن الناس من لا يقصد إلا القبر؛ لكن إذا أتى المسجد صلّى فيه، فهذا أيضا يثاب على ما فعله من المشروع كالصلاة في المسجد والصلاة على النبي ﷺ والسلام عليه، ونحو ذلك من الدعاء والثناء عليه، ومحبته وموالاته، والشهادة له بالرسالة

стр. 175

والبلاغ، وسؤال الله الوسيلة له، ونحو ذلك مما هو من حقوقه المشروعة في مسجده- بأبي هو وأمي ﷺ . ومن الناس من لا يتصور ما هو الممكن المشروع من الزيارة حتى يرى المسجد والحجرة بل يسمع لفظ زيارة قبره، فيظن ذلك؛ كما هو المعروف المعهود من زيارة القبور أنه يصل إلى القبر ويجلس عنده، ويفعل ما يفعله من زيارة شرعية أو بدعية، فإذا رأى المسجد والحجرة تبيّن له أنه لا سبيل لأحد أن يزور قبره كالزيارة المعهودة عند قبر غيره، وإنما يمكن الوصول إلى مسجده والصلاة فيه وفعل ما يشرع للزائر في المسجد لا في الحجرة عند القبر، بخلاف قبر غيره. فإذا عرف معنى أول الجواب؛ فالمجيب لمّا ذكر القولين وحجّة كل منهما وذكر أنه يحمل قوله ﷺ : «لا تشد الرحال» على نفي الاستحباب، وأن أصحاب القول الآخر يجيبون عنه بوجهين: أحدهما: أن هذا تسليم لكون هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة ولا طاعة ولا هو من الحسنات، فإذا من اعتقد أن السفر لقبور الأنبياء والصالحين قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع، وإذا سافر لاعتقاده أن ذلك طاعة كان ذلك محرما بإجماع المسلمين، فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة، ومعلوم أن أحدا لا يسافر إليها إلا لذلك. وأما إذا قدر أن الرجل يسافر إليها لغرض مباح فهذا جائز وليس من ذاك. الوجه الثاني: أن النفي يقتضي النهي، والنهي يقتضي التحريم، فهذا الإجماع المحكي هنا هو فيمن اعتقد أن ذلك طاعة وقربة وسافر لاعتقاده أن ذلك طاعة، فإن الذين قالوا بالجواز، قالوا: إن قوله ﷺ : «لا تشد الرحال إلخ» يقتضي أن السفر إليها ليس بمستحب، وليس هو واجب بالاتفاق، فلا يكون قربة وطاعة، فإن القربة والطاعة إما واجب وإما مستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب فليس قربة ولا طاعة بالإجماع. فمن اعتقد أن ذلك قربة وطاعة، أو قال: إنه قربة وطاعة، أو فعله لأنه قربة وطاعة؛ فقد خالف هذا الإجماع. ولكن من علم أن الفعل ليس بطاعة ولا قربة امتنع أن يعتقده قربة وطاعة، فإن ذلك جمع بين اعتقادين متناقضين وامتنع من أن يفعله لذلك. وإنما يعتقده قربة ويفعله على وجه التقرب من لا يعلم أنه ليس بقربة، ويكون مخطئا في هذا الاعتقاد؛ وإن كان خطؤه مغفورا له، وهذا لا يعاقب على هذا الفعل، لأنه لم يعلم تحريمه كسائر المتقربين بما نهي عنه قبل العلم بالنهي، كمن كان يصلّي إلى بيت المقدس قبل العلم بالنهي، وكمن صلّى في أوقات النهي ولم يعلم بالنهي، فإن الله يقول: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥]. لكن الأفعال التي ليست واجبة ولا مستحبة لا ثواب فيها؛ فهؤلاء لا يثابون ولا يعاقبون. وهذا الإجماع المذكور فيمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، لم يدخل فيه السفر لزيارة قبر نبينا ﷺ على الوجه المشروع، فإن هذا السفر مستحب

стр. 176

بإجماع المسلمين. فمن ظن أن هذا يقتضي أنه لا يستحبّ سفر أحد إلى مدينة الرسول ﷺ ولا مسجده ولا قبره؛ فقد غلط، فإن هذا لم يقله أحد، والقولان حكيا في جواز القصر لمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، فإنهما قولان معروفان في مذهب مالك والشافعي وأحمد، ومالك وجمهور أصحابه يقولون: إن السفر لغير المساجد الثلاثة كقبور الأنبياء وغيرها محرّم حتى قبر نبينا، كما صرح به مالك، ونهى الناذر عن الوفاء به. وابن عبد البر ومن وافقه جعلوا ذلك جائزا لا يجب بالنذر، لكن لو فعله جاز، واستدلوا بإتيان مسجد قباء. وكذلك طائفة من أصحاب أحمد؛ كأبي محمد المقدسي، وطائفة من أصحاب الشافعي كأبي المعالي والغزالي والرافعي، حملوا هذا الحديث على نفي الاستحباب والفضيلة. وكذلك أبو حامد الأسفراييني وأبو علي بن أبي هريرة ومن اتبعهما. قال أبو المعالي: كان شيخي- يعني أبا محمد الجويني- يفتي بالمنع من شدّ الرحال إلى غير هذه المساجد الثلاثة. وربما كان يقول: يحرم، قال: والظاهر أنه ليس فيه تحريم ولا كراهة، وبه قال الشيخ أبو علي. ومقصود الحديث تخصيص القربة بالمساجد الثلاثة. وقال الشيخ أبو حامد في توجيه أحد قولي الشافعي: إنه لا يجب بالنذر؛ قال: يحتمل أن يريد به لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد واجبا، ويحتمل أن يريد به لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مواضع مستحبا، فيحمل الحديث على نفي الوجوب مع النذر، أو نفي الاستحباب. وأما قدماء أصحاب أحمد فقولهم كقول مالك، وعليه يدل كلام أحمد. وكذلك أبو محمد الجويني وغيره من أصحاب الشافعي، وأبو محمد الجويني من أصحاب الوجوه. والوجهان في مذهب الشافعي ذكرهما أبو المعالي والرافعي وغيرهما، كما ذكر القولين أبو زكريا النووي في شرح مسلم فقال: «واختلف العلماء في شدّ الرحال وإعمال المطيّ إلى غير المساجد الثلاثة؛ كالذهاب إلى قبور الصالحين، وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك، فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: هو حرام، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره. قال: والصحيح عند أصحابنا وهو الذي اختاره إمام الحرمين، والمحققون؛ أنه لا يحرّم ولا يكره» «١». قلت: والقاضي عياض مع مالك وجمهور أصحابه يقولون: إن السفر إلى غير المساجد الثلاثة محرّم كقبور الأنبياء. فقول القاضي عياض: إن زيارة قبره سنة مجمع عليها، وفضيلة مرغّب فيها؛ أراد به الزيارة الشرعية، كما ذكره مالك وأصحابه من أنه يسافر إلى مسجده ثم يصلّي عليه ويسلّم عليه، كما ذكروه في كتبهم. وقد قال القاضي

стр. 177

عياض في هذا الفصل- فصل الزيارة- قال بعضهم: رأيت أنس بن مالك أتى إلى قبر النبي ﷺ فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة، فسلّم على النبي ﷺ ثم انصرف. قال: وقال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلّم على النبي ﷺ ودعا يقف بوجهه إلى القبر، لا إلى القبلة، ويدنو ويسلّم ولا يمس القبر بيده. وقال في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلّم ويمضي. فهذا مالك لم يستحبّ إلا السلام خاصة، كما كان ابن عمر يفعل. قال نافع: رأيت ابن عمر يسلّم على القبر، رأيته مائة مرة وأكثر يجيء إلى القبر فيقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف. قال مالك في رواية ابن وهب يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. قال القاضي عياض: وعن ابن قسط والقعنبي: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا دخلوا المسجد مسّوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون. فهذا المنقول عن الصحابة أنهم كانوا يدعون في الروضة من ناحية المنبر، لا من ناحية الحجرة، ويمسكون بميامنهم رمانة المنبر، وقد ذكرنا في مواضع اختلاف العلماء عند السلام عليه هل يستقبل الحجرة ويستدبر القبلة كما قال مالك، أو يستقبل القبلة كما قال أبو حنيفة؟ وفي مذهب أحمد نزاع. والمشهور عند أصحابه كما قال مالك، وفي منسك المروزي الذي نقله عن أحمد أنه قال في السلام على النبي ﷺ : ولا تستقبل الحائط، خذ مما يلي صحن المسجد فسلم على أبي بكر وعمر. وقال: فإذا أردت الخروج فائت المسجد وصلّ ركعتين، وودّع رسول الله ﷺ بمثل سلامك الأول، وسلّم على أبي بكر وعمر ﵄، وحوّل وجهك إلى القبلة، وسل الله حاجتك متوسلا إليه بنبيه ﷺ تقض من الله . فقد نهاه عن استقبال حائط القبر، وأمره إذا سلّم على الشيخين أن يأخذ مما يلي صحن المسجد، وهذا يقتضي أن يسلّم عليهم مستقبل الحجرة، بحيث يكون مستقبلا للمغرب مستدبرا للمشرق، والقبلة عن يمينه، ويسلّم عليه عند رأسه. فإذا أراد السلام على الشيخين أخذ مما يلي صحن المسجد لا يستقبل حائط المسجد من جهة القبلة، بل ينصرف عن يساره إلى رأسيهما فيسلم عليهما هناك. وهذا السلام واستقبال القبلة هو الذي يفهم من سلام ابن عمر، فإنه كان يسلّم قبل أن تدخل الحجرة في المسجد، ولم يكن حينئذ يمكن أحد أن يستقبل الحجرة ويستدبر القبلة، فإن قبلي الحجرة لم يكن من المسجد، ولا كان منفصلا طريقا، بل كان متصلا بحجرة حفصة وغيرها. فعلم أن ابن عمر وغيره من الصحابة لم يكن يمكنهم السلام من جهة القبلة جهة الوجه، بل كانوا يكونون إما مستقبلا أحدهم للقبلة والحجرة النبوية عن يساره، كما قال أبو حنيفة، أو يستقبل الحجرة ويستدبر المغرب كما قال أحمد. وهذا يوافق سلام ابن عمر وغيره من

стр. 178

الصحابة، فإنهم لم يكونوا يسلّمون عند وجهه. وما ذكره القاضي عياض عن أنس بن مالك لا يدل على هذا القول، بل يدل على قول أبي حنيفة؛ فإنه ذكر عن بعضهم قال: رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبي ﷺ فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة فسلم على النبي ﷺ ثم انصرف. فقول الراوي: إنه رفع يديه حق ظننت أنه افتتح الصلاة؛ دليل على أنه كان مستقبل القبلة، فإن المصلي لا بد أن يستقبلها، ولو كان يستقبل الحائط من ناحية القبلة أو من الغرب لم يظن أنه يصلي، فإن أحدا لا يصلي إلى الشمال، ولا إلى الشرق، لكن روى القاضي إسماعيل بن إسحاق في المصنف الذي له في «فضل الصلاة على النبي ﷺ » قال: حدّثني إسحاق بن محمد الفروي حدّثنا عبيد الله بن عمر حدّثنا نافع: أن ابن عمر كان إذا قدم من سفر صلّى السجدتين في المسجد، ثم أتى النبيّ ﷺ فيضع يده اليمنى على قبر النبي ﷺ ، ويستدبر القبلة، ثم يسلّم على النبي ﷺ ، ثم يسلم على أبي بكر وعمر «١». فهذه الرواية فيها نظر، فإن فيها خلاف ما قد جاء عن مالك وأحمد من فعل ابن عمر أنه كان يدنو إلى القبر ولا يمسه. وحديث ابن عمر هذا رواه مالك عن نافع وعن عبد الله بن دينار، ورواه عن نافع أيوب السختياني وغيره، وعن أيوب حماد بن زيد ومعمر. وقد ذكر ذلك مالك وغيره أنه لا يمس القبر، وكذلك كان سائر علماء المدينة. وكذلك قال أحمد أن ابن عمر فعل ذلك. قال أبو بكر الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: قبر النبي ﷺ يمسّ ويتمسّح به؟ فقال: ما أعرف هذا. قلت له: فالمنبر؟ قال: أما المنبر فنعم قد جاء فيه- قال أبو عبد الله- شيء يروونه عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن ابن عمر أنه كان يمسح على المنبر، وقال: ويروونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة. قلت: ويروونه عن يحيى بن سعيد أنه حيث أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا فرأيته استحسنه، ثم قال: لعله عند الضرورة والشيء. قيل لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر. وقلت له: رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يرونه، ويقومون ناحية فيسلمون عليه. فقال أبو عبد الله: نعم؛ وهكذا كان ابن عمر يفعل، ثم قال أبو عبد الله: بأبي وأمي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما.

стр. 179

وقد يقال: هذه الرواية لا تخالف ما عليه الأئمة من أنه لا يتمسح بالقبر، فإن ابن عمر لم يكن يتمسح بالقبر، بل كان يريد أن يسلم من جهة الوجه فلا يمكنه أن يستقبل الوجه، فكان يحاذي ما يكون مستقبل الوجه ليكون أقرب إلى الاستقبال، ويضع يده على الحائط ليعتمد عليها ويكون أبلغ في القرب إلى القبر، لكن هذه الرواية تخالف ما قيل إنه كان يقف ناحية. إلا أن يقال: كان يتقدم إلى القبر فيكون ناحية بهذا الاعتبار. وبسط هذا له موضع آخر. والصواب أن هذه الزيادة انفرد بها إسحاق بن محمد الفروي، عن عبيد الله بن عمر، غلط فيها وخالف فيها من هو أوثق منه عن ابن عمر، فإن أيوبا رواه عن عبيد الله، عن عبد الله بن عمر خلاف ما رواه إسحاق، مع أن رواية أيوب عن نافع رواها حماد بن زيد ومعمر وغيرهما. ورواية مالك عن نافع مشهورة، وكذلك روايته عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ليس في شيء منها ما ذكره إسحاق بن محمد الفروي. ولا يقال إنه ثقة انفرد بزيادة، لوجهين: أحدهما: أنه خالف من هو أوثق منه، كما رواه يحيى بن معين قال: حدّثنا أبو أسامة، عن عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يكره مسّ قبر النبي ﷺ . وممن ذكر هذا الشيخ الصالح الزاهد شيخ العراق في زمنه عند العامة والخاصة أبو الحسن علي بن عمر القزويني في «أماليه» قال: قرأت على عبيد الله الزهري حدثك أبوك قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر، عن أبي داود الطيالسي، عن يحيى بن معين، فذكره. وهذا أبو أسامة يروي عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يكره مسّ قبر النبي ﷺ . وهذا موافق لما ذكره الأئمة أحمد وغيره عن ابن عمر، كما دلّت عليه سائر الروايات. فلو لم يكن إلا معارضة هذه لرواية إسحاق الفروي وكلاهما عن عبيد الله، لوجب التوقف فيها، كيف وأبو أسامة أوثق من الفروي؟ وقد روى ما وافقته العلماء عليه ولم يزد شيئا انفرد به كما في رواية الفروي. الثاني: أن الفروي وإن كان في نفسه صدوقا وكتبه صحيحة، فإنه أضرّ في آخر عمره فكان ربما حدّث من حفظه فيغلط، وربما لقّن فيلقّن. ولهذا كانوا ينكرون عليه روايته للحديث على خلاف ما يرويه الناس، مثل ما روى حديث الإفك على خلاف ما رواه الناس، وكذلك حديث ابن عمر هذا رواه على خلاف ما رواه الناس. وقد روى عنه البخاري في صحيحه. وقال أبو حاتم الرازي: «كان صدوقا وذهب بصره وربما لقن وكتبه صحيحة» وقال مرة: «مضطرب» «١» وقال أبو عبيد الآجرّي: سألت أبا داود عنه فوهّاه جدا. وقال النسائي: ليس بثقة. وذكره

стр. 180

أبو حاتم بن حبان في كتاب «الثقات» «١». وقال الدارقطني: لا يترك ومما أنكر عليه حديث الإفك، فإنه رواه غير ما رواه الناس. فهذا كلام الأئمة يبيّن ما ذكرناه فيه من التفصيل. وبذلك يعرف ضعف ما ذكره من حديث ابن عمر، يبيّن ذلك اتفاق العلماء على كراهة مس قبر النبي ﷺ ، فكيف يكون ابن عمر قد مسّه ولا يعرفون ذلك كما عرفوا مسه لمنبره؟ وقد ثبت عن ابن عمر أنه كره مسه. وروى أبو الحسن علي بن عمر القزويني أيضا في «أماليه» قال: قرأت على عبيد الله الزهري قلت له: حدّثك أبوك قال: حدّثني عبد الله بن أحمد قال: حدّثني أبي قال: سمعت أبا زيد حماد بن دليل قال لسفيان- يعني ابن عيينة- قال: أكان أحد يتمسح بالقبر؟ قال: لا؛ ولا يلتزم القبر ولكن يدنو. قال أبي: يعني إلا عظاما لرسول الله ﷺ . وحماد بن دليل هذا الذي سمعه أحمد يسأل ابن عيينة هو معروف من أهل العلم، روى عنه أبو داود وكان قاضي المدائن. وروى أيضا أبو الحسن القزويني عن الزهري عن نوح بن يزيد قال: أخبرنا أبو إسحاق، يعني إبراهيم بن سعد، قال: ما رأيت أبي قط يأتي قبر النبي ﷺ ، وكان يكره إتيانه. ونوح بن يزيد بن سيار المؤدب هذا الراوي عن إبراهيم بن سعد هو ثقة معروف بصحبة إبراهيم وله اختصاص به، روى عنه أحمد بن حنبل وأبو داود وغيرهما. قال أبو بكر الأثرم: ذكر لي أبو عبد الله نوح بن يزيد المؤدب فقال: هذا شيخ كبير، أخرج إليّ كتاب إبراهيم بن سعد فرأيت فيه ألفاظا. وقال محمد بن المثنى: سألت أحمد بن حنبل عنه فقال: اكتب عنه فإنه ثقة حجّ مع إبراهيم بن سعد وكان يؤدب ولده. وذكره ابن حبان في «الثقات» «٢». وأما إبراهيم بن سعد فهو من أكابر علماء المدينة وأكثرهم علما وأوثقهم، وكان قد خرج إلى بغداد. روى عنه الناس؛ أحمد بن حنبل وطبقته، ومن سعة علمه روى عنه الليث بن سعد، وهو أقدم وأجل منه. وأما أبوه سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري الذي ذكر عنه ابنه إبراهيم أنه قال: ما رأيت أبي قط أتى قبر النبي ﷺ وكان يكره إتيانه. وهو من أفضل أهل المدينة في زمن التابعين ومن أصلحهم وأعبدهم، وكان قاضي المدينة في زمن التابعين في زمن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وأمثاله، وهو أدرك بناء الوليد بن عبد الملك المسجد وإدخال الحجرة فيه، وأدرك ما كان عليه السلف قبل
следующие страницы →