بإجماع المسلمين. فمن ظن أن هذا يقتضي أنه لا يستحبّ سفر أحد إلى مدينة الرسول ﷺ ولا مسجده ولا قبره؛ فقد غلط، فإن هذا لم يقله أحد، والقولان حكيا في جواز القصر لمن سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، فإنهما قولان معروفان في مذهب مالك والشافعي وأحمد، ومالك وجمهور أصحابه يقولون: إن السفر لغير المساجد الثلاثة كقبور الأنبياء وغيرها محرّم حتى قبر نبينا، كما صرح به مالك، ونهى الناذر عن الوفاء به. وابن عبد البر ومن وافقه جعلوا ذلك جائزا لا يجب بالنذر، لكن لو فعله جاز، واستدلوا بإتيان مسجد قباء. وكذلك طائفة من أصحاب أحمد؛ كأبي محمد المقدسي، وطائفة من أصحاب الشافعي كأبي المعالي والغزالي والرافعي، حملوا هذا الحديث على نفي الاستحباب والفضيلة. وكذلك أبو حامد الأسفراييني وأبو علي بن أبي هريرة ومن اتبعهما.
قال أبو المعالي: كان شيخي- يعني أبا محمد الجويني- يفتي بالمنع من شدّ الرحال إلى غير هذه المساجد الثلاثة. وربما كان يقول: يحرم، قال: والظاهر أنه ليس فيه تحريم ولا كراهة، وبه قال الشيخ أبو علي. ومقصود الحديث تخصيص القربة بالمساجد الثلاثة. وقال الشيخ أبو حامد في توجيه أحد قولي الشافعي: إنه لا يجب بالنذر؛ قال: يحتمل أن يريد به لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد واجبا، ويحتمل أن يريد به لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مواضع مستحبا، فيحمل الحديث على نفي الوجوب مع النذر، أو نفي الاستحباب.
وأما قدماء أصحاب أحمد فقولهم كقول مالك، وعليه يدل كلام أحمد. وكذلك أبو محمد الجويني وغيره من أصحاب الشافعي، وأبو محمد الجويني من أصحاب الوجوه. والوجهان في مذهب الشافعي ذكرهما أبو المعالي والرافعي وغيرهما، كما ذكر القولين أبو زكريا النووي في شرح مسلم فقال: «واختلف العلماء في شدّ الرحال وإعمال المطيّ إلى غير المساجد الثلاثة؛ كالذهاب إلى قبور الصالحين، وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك، فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: هو حرام، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره. قال: والصحيح عند أصحابنا وهو الذي اختاره إمام الحرمين، والمحققون؛ أنه لا يحرّم ولا يكره» «١».
قلت: والقاضي عياض مع مالك وجمهور أصحابه يقولون: إن السفر إلى غير المساجد الثلاثة محرّم كقبور الأنبياء. فقول القاضي عياض: إن زيارة قبره سنة مجمع عليها، وفضيلة مرغّب فيها؛ أراد به الزيارة الشرعية، كما ذكره مالك وأصحابه من أنه يسافر إلى مسجده ثم يصلّي عليه ويسلّم عليه، كما ذكروه في كتبهم. وقد قال القاضي
стр. 177
عياض في هذا الفصل- فصل الزيارة- قال بعضهم: رأيت أنس بن مالك أتى إلى قبر النبي ﷺ فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة، فسلّم على النبي ﷺ ثم انصرف. قال: وقال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلّم على النبي ﷺ ودعا يقف بوجهه إلى القبر، لا إلى القبلة، ويدنو ويسلّم ولا يمس القبر بيده. وقال في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلّم ويمضي.
فهذا مالك لم يستحبّ إلا السلام خاصة، كما كان ابن عمر يفعل. قال نافع:
رأيت ابن عمر يسلّم على القبر، رأيته مائة مرة وأكثر يجيء إلى القبر فيقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف. قال مالك في رواية ابن وهب يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. قال القاضي عياض: وعن ابن قسط والقعنبي: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا دخلوا المسجد مسّوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون.
فهذا المنقول عن الصحابة أنهم كانوا يدعون في الروضة من ناحية المنبر، لا من ناحية الحجرة، ويمسكون بميامنهم رمانة المنبر، وقد ذكرنا في مواضع اختلاف العلماء عند السلام عليه هل يستقبل الحجرة ويستدبر القبلة كما قال مالك، أو يستقبل القبلة كما قال أبو حنيفة؟ وفي مذهب أحمد نزاع. والمشهور عند أصحابه كما قال مالك، وفي منسك المروزي الذي نقله عن أحمد أنه قال في السلام على النبي ﷺ :
ولا تستقبل الحائط، خذ مما يلي صحن المسجد فسلم على أبي بكر وعمر. وقال:
فإذا أردت الخروج فائت المسجد وصلّ ركعتين، وودّع رسول الله ﷺ بمثل سلامك الأول، وسلّم على أبي بكر وعمر ﵄، وحوّل وجهك إلى القبلة، وسل الله حاجتك متوسلا إليه بنبيه ﷺ تقض من الله . فقد نهاه عن استقبال حائط القبر، وأمره إذا سلّم على الشيخين أن يأخذ مما يلي صحن المسجد، وهذا يقتضي أن يسلّم عليهم مستقبل الحجرة، بحيث يكون مستقبلا للمغرب مستدبرا للمشرق، والقبلة عن يمينه، ويسلّم عليه عند رأسه. فإذا أراد السلام على الشيخين أخذ مما يلي صحن المسجد لا يستقبل حائط المسجد من جهة القبلة، بل ينصرف عن يساره إلى رأسيهما فيسلم عليهما هناك. وهذا السلام واستقبال القبلة هو الذي يفهم من سلام ابن عمر، فإنه كان يسلّم قبل أن تدخل الحجرة في المسجد، ولم يكن حينئذ يمكن أحد أن يستقبل الحجرة ويستدبر القبلة، فإن قبلي الحجرة لم يكن من المسجد، ولا كان منفصلا طريقا، بل كان متصلا بحجرة حفصة وغيرها. فعلم أن ابن عمر وغيره من الصحابة لم يكن يمكنهم السلام من جهة القبلة جهة الوجه، بل كانوا يكونون إما مستقبلا أحدهم للقبلة والحجرة النبوية عن يساره، كما قال أبو حنيفة، أو يستقبل الحجرة ويستدبر المغرب كما قال أحمد. وهذا يوافق سلام ابن عمر وغيره من
стр. 178
الصحابة، فإنهم لم يكونوا يسلّمون عند وجهه. وما ذكره القاضي عياض عن أنس بن مالك لا يدل على هذا القول، بل يدل على قول أبي حنيفة؛ فإنه ذكر عن بعضهم قال: رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبي ﷺ فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة فسلم على النبي ﷺ ثم انصرف.
فقول الراوي: إنه رفع يديه حق ظننت أنه افتتح الصلاة؛ دليل على أنه كان مستقبل القبلة، فإن المصلي لا بد أن يستقبلها، ولو كان يستقبل الحائط من ناحية القبلة أو من الغرب لم يظن أنه يصلي، فإن أحدا لا يصلي إلى الشمال، ولا إلى الشرق، لكن روى القاضي إسماعيل بن إسحاق في المصنف الذي له في «فضل الصلاة على النبي ﷺ » قال: حدّثني إسحاق بن محمد الفروي حدّثنا عبيد الله بن عمر حدّثنا نافع: أن ابن عمر كان إذا قدم من سفر صلّى السجدتين في المسجد، ثم أتى النبيّ ﷺ فيضع يده اليمنى على قبر النبي ﷺ ، ويستدبر القبلة، ثم يسلّم على النبي ﷺ ، ثم يسلم على أبي بكر وعمر «١». فهذه الرواية فيها نظر، فإن فيها خلاف ما قد جاء عن مالك وأحمد من فعل ابن عمر أنه كان يدنو إلى القبر ولا يمسه.
وحديث ابن عمر هذا رواه مالك عن نافع وعن عبد الله بن دينار، ورواه عن نافع أيوب السختياني وغيره، وعن أيوب حماد بن زيد ومعمر.
وقد ذكر ذلك مالك وغيره أنه لا يمس القبر، وكذلك كان سائر علماء المدينة.
وكذلك قال أحمد أن ابن عمر فعل ذلك. قال أبو بكر الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل:
قبر النبي ﷺ يمسّ ويتمسّح به؟ فقال: ما أعرف هذا. قلت له: فالمنبر؟ قال: أما المنبر فنعم قد جاء فيه- قال أبو عبد الله- شيء يروونه عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن ابن عمر أنه كان يمسح على المنبر، وقال: ويروونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة. قلت: ويروونه عن يحيى بن سعيد أنه حيث أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا فرأيته استحسنه، ثم قال: لعله عند الضرورة والشيء. قيل لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر. وقلت له: رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يرونه، ويقومون ناحية فيسلمون عليه. فقال أبو عبد الله:
نعم؛ وهكذا كان ابن عمر يفعل، ثم قال أبو عبد الله: بأبي وأمي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما.
стр. 179
وقد يقال: هذه الرواية لا تخالف ما عليه الأئمة من أنه لا يتمسح بالقبر، فإن ابن عمر لم يكن يتمسح بالقبر، بل كان يريد أن يسلم من جهة الوجه فلا يمكنه أن يستقبل الوجه، فكان يحاذي ما يكون مستقبل الوجه ليكون أقرب إلى الاستقبال، ويضع يده على الحائط ليعتمد عليها ويكون أبلغ في القرب إلى القبر، لكن هذه الرواية تخالف ما قيل إنه كان يقف ناحية. إلا أن يقال: كان يتقدم إلى القبر فيكون ناحية بهذا الاعتبار. وبسط هذا له موضع آخر.
والصواب أن هذه الزيادة انفرد بها إسحاق بن محمد الفروي، عن عبيد الله بن عمر، غلط فيها وخالف فيها من هو أوثق منه عن ابن عمر، فإن أيوبا رواه عن عبيد الله، عن عبد الله بن عمر خلاف ما رواه إسحاق، مع أن رواية أيوب عن نافع رواها حماد بن زيد ومعمر وغيرهما. ورواية مالك عن نافع مشهورة، وكذلك روايته عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ليس في شيء منها ما ذكره إسحاق بن محمد الفروي. ولا يقال إنه ثقة انفرد بزيادة، لوجهين:
أحدهما: أنه خالف من هو أوثق منه، كما رواه يحيى بن معين قال: حدّثنا أبو أسامة، عن عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يكره مسّ قبر النبي ﷺ . وممن ذكر هذا الشيخ الصالح الزاهد شيخ العراق في زمنه عند العامة والخاصة أبو الحسن علي بن عمر القزويني في «أماليه» قال: قرأت على عبيد الله الزهري حدثك أبوك قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر، عن أبي داود الطيالسي، عن يحيى بن معين، فذكره.
وهذا أبو أسامة يروي عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يكره مسّ قبر النبي ﷺ . وهذا موافق لما ذكره الأئمة أحمد وغيره عن ابن عمر، كما دلّت عليه سائر الروايات. فلو لم يكن إلا معارضة هذه لرواية إسحاق الفروي وكلاهما عن عبيد الله، لوجب التوقف فيها، كيف وأبو أسامة أوثق من الفروي؟ وقد روى ما وافقته العلماء عليه ولم يزد شيئا انفرد به كما في رواية الفروي.
الثاني: أن الفروي وإن كان في نفسه صدوقا وكتبه صحيحة، فإنه أضرّ في آخر عمره فكان ربما حدّث من حفظه فيغلط، وربما لقّن فيلقّن. ولهذا كانوا ينكرون عليه روايته للحديث على خلاف ما يرويه الناس، مثل ما روى حديث الإفك على خلاف ما رواه الناس، وكذلك حديث ابن عمر هذا رواه على خلاف ما رواه الناس. وقد روى عنه البخاري في صحيحه. وقال أبو حاتم الرازي: «كان صدوقا وذهب بصره وربما لقن وكتبه صحيحة» وقال مرة: «مضطرب» «١» وقال أبو عبيد الآجرّي: سألت أبا داود عنه فوهّاه جدا. وقال النسائي: ليس بثقة. وذكره
стр. 180
أبو حاتم بن حبان في كتاب «الثقات» «١». وقال الدارقطني: لا يترك ومما أنكر عليه حديث الإفك، فإنه رواه غير ما رواه الناس.
فهذا كلام الأئمة يبيّن ما ذكرناه فيه من التفصيل. وبذلك يعرف ضعف ما ذكره من حديث ابن عمر، يبيّن ذلك اتفاق العلماء على كراهة مس قبر النبي ﷺ ، فكيف يكون ابن عمر قد مسّه ولا يعرفون ذلك كما عرفوا مسه لمنبره؟ وقد ثبت عن ابن عمر أنه كره مسه. وروى أبو الحسن علي بن عمر القزويني أيضا في «أماليه» قال: قرأت على عبيد الله الزهري قلت له: حدّثك أبوك قال: حدّثني عبد الله بن أحمد قال:
حدّثني أبي قال: سمعت أبا زيد حماد بن دليل قال لسفيان- يعني ابن عيينة- قال:
أكان أحد يتمسح بالقبر؟ قال: لا؛ ولا يلتزم القبر ولكن يدنو. قال أبي: يعني إلا عظاما لرسول الله ﷺ .
وحماد بن دليل هذا الذي سمعه أحمد يسأل ابن عيينة هو معروف من أهل العلم، روى عنه أبو داود وكان قاضي المدائن.
وروى أيضا أبو الحسن القزويني عن الزهري عن نوح بن يزيد قال: أخبرنا أبو إسحاق، يعني إبراهيم بن سعد، قال: ما رأيت أبي قط يأتي قبر النبي ﷺ ، وكان يكره إتيانه. ونوح بن يزيد بن سيار المؤدب هذا الراوي عن إبراهيم بن سعد هو ثقة معروف بصحبة إبراهيم وله اختصاص به، روى عنه أحمد بن حنبل وأبو داود وغيرهما. قال أبو بكر الأثرم: ذكر لي أبو عبد الله نوح بن يزيد المؤدب فقال: هذا شيخ كبير، أخرج إليّ كتاب إبراهيم بن سعد فرأيت فيه ألفاظا. وقال محمد بن المثنى: سألت أحمد بن حنبل عنه فقال: اكتب عنه فإنه ثقة حجّ مع إبراهيم بن سعد وكان يؤدب ولده. وذكره ابن حبان في «الثقات» «٢».
وأما إبراهيم بن سعد فهو من أكابر علماء المدينة وأكثرهم علما وأوثقهم، وكان قد خرج إلى بغداد. روى عنه الناس؛ أحمد بن حنبل وطبقته، ومن سعة علمه روى عنه الليث بن سعد، وهو أقدم وأجل منه.
وأما أبوه سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري الذي ذكر عنه ابنه إبراهيم أنه قال: ما رأيت أبي قط أتى قبر النبي ﷺ وكان يكره إتيانه. وهو من أفضل أهل المدينة في زمن التابعين ومن أصلحهم وأعبدهم، وكان قاضي المدينة في زمن التابعين في زمن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وأمثاله، وهو أدرك بناء الوليد بن عبد الملك المسجد وإدخال الحجرة فيه، وأدرك ما كان عليه السلف قبل
стр. 181
ذلك من الصحابة والتابعين. قال أبو حاتم الرازي «١»: وهو من جلة أهل المدينة وقدماء شيوخهم، كان على القضاء. وقد ذكروا أنه رأى عبد الله بن عمر، وروى عن عبد الله بن جعفر، وفي سماعه منه نظر، ومات قديما بعد القاسم بن محمد بقليل، فإن القاسم توفي سنة إحدى وعشرين ومائة وهذا توفي سنة ست وعشرين ومائة، وقد خرج من المدينة غير مرة تارة إلى الحج، وتارة كان قد استعمل على الصدقات، ومرة خرج إلى العراق وإلى واسط، فروى عنه سفيان الثوري وشعبة والعراقيون، وهو الذي روى حديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد» «٢» عن القاسم عن عائشة عن النبي ﷺ . وقد أدرك بالمدينة جابر بن عبد الله وسهل بن سعد الساعدي وغيرهما من الصحابة، ورأى أكابر التابعين مثل سعيد بن المسيب وسائر الفقهاء السبعة، ومعلوم أنه لم يكن ليخالفهم فيما اتفقوا عليه، بل قد يخالف ابن عمر فإنه ما نقله عنه ابنه يقتضي أنه كان لا يأتيه لا عند السفر ولا غيره، بل يكره إتيانه مطلقا، كما كان جمهور الصحابة على ذلك لما فهموا من نهيه ﷺ عن ذلك وأنه أمر بالصلاة والسلام عليه في كل زمان ومكان، وقال ﷺ : «لا تتخذوا قبري عيدا». وقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد». كما قد بيّن هذا في مواضع. مع أن سعد بن إبراهيم هذا في دينه وعبادته وصيامه وتلاوته للقرآن بحيث كان يختم باليوم والليلة كثيرا. وأبو الحسن علي بن عمر القزويني وغيره من أهل العلم والدين ذكروا هذه الآثار عن الصحابة والتابعين وتابعيهم ليبينوا للناس كيف كان السلف يفعلون في مثل ذلك، وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود أن ما حكى القاضي عياض الإجماع فيه لم ينه عنه في الجواب، بل السفر إلى مسجده وزيارته التي يسميها بعضهم زيارة وبعضهم يكره أن تسمى زيارة على الوجه المشروع سنة مجمع عليها، كما ذكره القاضي عياض، ولا يدخل في ذلك السفر إلى غير المساجد الثلاثة؛ كالسفر إلى قبور الأنبياء والصالحين، ولا من سافر لمجرد قبره فلم يزر زيارة شرعية بل بدعية، فهذا لا يقول أحد أنه مجمع على أنه سنة، ولكن هذا الموضع مما يشكل على كثير من الناس. فينبغي لمن أراد أن يعرف دين الإسلام أن يتأمل النصوص النبوية، ويعرف ما كان يفعله الصحابة والتابعون، وما قاله أئمة المسلمين، ليعرف المجمع عليه من المتنازع فيه، فإن في الزيارة مسائل متعددة تنازعوا فيها، لكن لم يتنازعوا في استحباب السفر إلى مسجده واستحباب الصلاة والسلام عليه، ونحو ذلك مما شرعه الله في مسجده. ولم يتنازع الأئمة الأربعة والجمهور في أن السفر إلى غير الثلاثة ليس بمستحب، لا لقبور الأنبياء والصالحين ولا لغير ذلك.
стр. 182
فإن قول النبي ﷺ : «لا تشدّ الرحال» حديث متفق على صحته وعلى العمل به عند الأئمة المشهورين، وعلى أن السفر إلى زيارة القبور داخل فيه، فإما أن يكون نهيا وإما أن يكون نفيا للاستحباب. وقد جاء في الصحيح بصيغة النهي صريحا، فتعين أنه نهي، فهذان طريقان لا أعلم فيهما نزاعا بين الأئمة الأربعة. والجمهور والأئمة الأربعة، وسائر العلماء؛ لا يوجبون الوفاء بالنذر على من نذر أن يسافر إلى أثر نبي من الأنبياء قبورهم أو غير قبورهم، وما علمت أحدا أوجبه إلا ابن حزم فإنه أوجب الوفاء على من نذر مشيا أو ركوبا أو نهوضا إلى مكة أو إلى المدينة أو بيت المقدس قال: وكذلك إلى أثر من آثار الأنبياء. قال: فإن نذر مشيا أو نهوضا أو ركوبا إلى مسجد من المساجد غير الثلاثة لم يلزمه.
وهذا عكس قول الليث بن سعد فإنه قال: من نذر المشي إلى مسجد من المساجد مشى إلى ذلك المسجد. وابن حزم فهم من قوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» أي لا تشد إلى مسجد. وهو لا يقول بفحوى الخطاب وشبهه، فلا يجعل هذا نهيا عما هو دون المساجد في الفضيلة بطريق الأولى، بل يقول في قول النبي ﷺ : «لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه» «١» أنه لو بال ثم صب البول فيه لم يكن منهيا عن الاغتسال فيه «٢».
وداود الظاهري عنه في فحوى الخطاب روايتان وهذه إحداهما.
وابن حزم ومن قال بإحدى روايتي داود يقولون إن قوله: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ [الإسراء: ٢٣] لا يدل على تحريم الشتم والضرب. وهذا قول ضعيف جدا في غاية الفساد عند عامة العلماء، فإنهم يقولون: إذا كان البائل الذي يحتاج إلى البول قد نهي أن يبول فيه ثم يغتسل فيه فالذي بال في إناء ثم صبّه فيه أولى بالنهي. كما أنه لما نهي عن الاستجمار بطعام الجن وطعام دوابهم العظام والروث كان ذلك تنبيها على النهي عن الاستجمار بطعام الإنس بطريق الأولى، وكل ما نهي عن الاستجمار به فتلطيخه بالعذرة أولى بالنهي، فإنه لا حاجة إلى ذلك.
فلهذا فهم الصحابة من نهيه أن يسافر إلى غير المساجد الثلاثة أن السفر إلى طور سيناء داخل في النهي، وإن لم يكن مسجدا، كما جاء عن بصرة بن أبي بصرة وأبي سعيد وابن عمر وغيرهم.
والصحابة الذين سمعوا هذا الحديث من الرسول ﷺ وغيرهم أدخلوا غير المساجد الثلاثة في النهي، ونهوا أن تشدّ الرحال إلى الطور الذي كلّم الله عليه موسى
стр. 183
مع أن الله لم يعظّم في القرآن جبلا أعظم منه، وسماه الوادي المقدس والبقعة المباركة. فإذا كان مثل هذا الجبل لا تشدّ الرّحال إليه فإنه لا تشدّ الرحال إلى ما يعظم من الغيران «١»، والجبال؛ مثل جبل لبنان وقاسيون ونحوهما بالشام، وجبل الفتح ونحوه بصعيد مصر؛ بطريق الأولى. بل إذا كان الصحابة لم يكونوا يسافرون إلى الطور ونحوه، بل ولا يزورون إذا قدموا مكة لا جبل حراء الذي نزل فيه الوحي ابتداء، ولا غار ثور المذكور في القرآن الذي كان فيه النبي ﷺ وصاحبه والله ثالثهما.
وفيه قال النبي ﷺ لأبي بكر: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة: ٤٠]. والنبي ﷺ بعد نزول الوحي عليه لم يقرب ذلك الغار ولا غيره مما بمكة إلا المسجد الحرام والمشاعر. وكذلك لما حجّ إنما ذهب إلى المسجد الحرام والمشاعر. وقد ثبت في الصحيح أنها أحب البقاع إلى الله تعالى، فأغنى ذلك عن غيرها، ولهذا لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد باتفاق الأئمة، ولو نذره في غير مسجد لم يوف بنذره فإنه غير جائز.
وقد تقدم عن الصحابة؛ أبي سعيد وابن عمر وبصرة بن أبي بصرة أنهم نهوا عن السفر إلى الطور لقول النبي ﷺ : «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». ولفظ أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم وغيره: «لا تشدّوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» بصيغة النهي الصريحة، ورواه أحمد في «المسند» من حديث أبي هريرة من طريقين.
والأماكن التي ينهى عن الصلاة فيها كأعطان الإبل والحمام هي مأوى الشياطين، وكذلك ما يسافر إليه بعض الناس من المغارات ونحوه من الجبال، قاصدين لتعظيم تلك البقعة بالشام ومصر والجزيرة وخراسان وغيرها، وكل موضع تعظّمه الناس غير المساجد ومشاعر الحج فإنه مأوى الشياطين، ويتصورون بصورة بني آدم أحيانا حتى يظنّ كثير من الناس أنهم من الإنس وأنهم رجال الغيب، ويقولون: الأربعون الأبدال بجبل لبنان أو غيره من الجبال، وهي مأوى الجن وهم رجال الغيب، كما قال تعالى: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً [الجن: ٦] سماهم الله رجالا، وسمّوا جنا لأنهم يجتنون عن الأبصار؛ أي:
يستترون، كما تسمّى الإنس إنسا؛ لأنهم يؤنسون أي: يبصرون، كما قال موسى ﵇: إِنِّي آنَسْتُ ناراً [طه: ١٠] أي: أبصرت نارا.
والحكايات عنهم في هذا الباب كثيرة معروفة، لكن كثير من الناس يعتقد أنهم من الإنس، وأنهم صالحون يغيبون عن أبصار الخلائق، ولا ريب أن بعض الإنس قد يحجبه الله أحيانا عن أبصار بعض الناس إما إكراما له، أو منعا له من ظلمهم إن كان
стр. 184
وليا، وأما احتجاب إنسي طول عمره عن جميع الإنس؛ فهذا لم يقع، بل هذا نعت الجن الذين قال الله فيهم: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف: ٢٧].
والمسافرون إلى هذه الجبال إنما يسافرون إلى مأوى الشياطين، وما يرونه من الخوارق هناك هو من إضلال الشياطين لهم، كما تفعله الشياطين عند الأصنام؛ فإنهم يضلّون عابديها بأنواع حتى قد يظن أن الصنم كلّمه، وقد يظهرون للسدنة أحيانا كما كانوا في الجاهلية. وكذلك يوجد عند النصارى من هذا كثير، وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا؛ أن الصحابة كأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر، وبصرة بن أبي بصرة؛ فهموا من الحديث شموله لغير المساجد كالطور، وحديث بصرة معروف في السنن والموطأ، قال لأبي هريرة وقد أقبل من الطور: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تعمل المطيّ إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى». وأما ابن عمر فروى أبو زيد عمر بن شبه النميري في كتاب «أخبار المدينة». حدّثنا ابن أبي الوزير حدّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طلق، عن قزعة قال: أتيت ابن عمر فقلت: إني أريد الطور؟ فقال: «لا؛ إنما تشدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، فدع عنك الطّور لا تأته» «١» رواه أحمد بن حنبل في «مسنده».
وهذا النهي من بصرة وابن عمر، ثم موافقة أبي هريرة؛ يدل على أنهم فهموا من حديث النبي ﷺ النهي، فلذلك نهوا عنه، لم يحملوه على مجرد نفي الفضيلة.
وكذلك أبو سعيد الخدري وهو راوية أيضا وحديثه في الصحيحين، فروى أبو زيد حدّثنا هشام بن عبد الملك حدّثنا عبد الحميد بن بهرام حدّثنا شهر بن حوشب، سمعت أبا سعيد وذكر عنده الصلاة في الطور فقال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينبغي للمطي أن تشدّ رحالها إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» «٢».
فأبو سعيد جعل الطور مما نهي عن شدّ الرحال إليه، مع أن اللفظ الذي ذكره إنما فيه النهي عن شدّها إلى المساجد، فدل على أنه علم أن غير المساجد أولى
стр. 185
بالنهي، والطور إنما يسافر من يسافر إليه لفضيلة البقعة، وأن الله سماه الوادي المقدس، والبقعة المباركة، وكلّم الله موسى هناك. وما علمت المسلمين بنوا هناك مسجدا، فإنه ليس هناك قرية للمسلمين وإن كان هناك مسجد. فإذا نهي الصحابة عن السفر إلى تلك البقعة وفيها مسجد، فإذا لم يكن فيها مسجد كان النهي عنها أقوى، وهذا ظاهر لا يخفى على أحد. فالصحابة الذين سمعوا الحديث من النبي ﷺ فهموا منه النهي، وفهموا منه تناوله لغير المساجد، وهم أعلم بما سمعوه، وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا، ذكر ما تنازع فيه الأئمة المشهورون أو غيرهم وما لم يتنازعوا فيه، فإن بين الطرفين اللذين لم تتنازع فيهما الأئمة مسائل متعددة فيها نزاع، ولكن طائفة من المتأخرين يستحبون السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين، ويفعلون ذلك، ويعظّمونه، لكن هل في هؤلاء أحد من المجتهدين الذين تحكى أقوالهم وتجعل خلافا على من قبلهم من أئمة المسلمين؟ هذا مما يجب النظر فيه. وأيضا فالذين قالوا: السفر إليها جائز ليس بمحرّم ولا مكروه؛ قد يفهم منه أنه مستحب، لأن الذين يفعلون ذلك إنما يفعلونه لأنه قربة، فإذا قيل في ذلك إنه جائز، قد تقولون: نحن قلنا هو جائز مباح، لم نقل إنه مستحب، ولا قلنا إن التقرب به جائز، فمن جعله قربة فقد خالف قولنا الصريح، فقد يفهم منه أن التقرب بذلك جائز، لكن قولهم مع ذلك إنه ليس بمستحب ولا فضيلة فيه لأجل الحديث ينفي ذلك، فلا بدّ لهم من اتباع الحديث، فصار في قولهم تناقض. وهذا مما احتجّ به عليهم أهل القول بالتحريم. فهذا الجواب على ما ادّعاه من التناقض في نقل الخلاف والإجماع.
стр. 186
فصل [كلام المصنف على حديث النهي عن شدّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة]
وأما قوله: «إن الزيارة إذا كانت جائزة فالوسيلة إليها جائزة فيجوز السفر».
فيقال له: هذا باطل؛ فليس كل ما كان جائزا أو مستحبا أو واجبا جاز التوسل إليه بكل طريق، بل العموم يدّعى في النهي، فما كان منهيا عنه كان التوسل إليه محرما، ومن هذا سد الذرائع. وأما ما كان مأمورا به فلا بدّ أن يكون له طريق، لكن لا يجب أن يجوّز التوسل إليه بكل طريق، بل لو توسّل الإنسان إلى الطاعة بما حرّمه الله؛ مثل الفواحش، والبغي، والشرك به، والقول عليه بغير علم؛ لم يجز ذلك. فلو أراد أن يفعل فاحشة وزعم أنها تفضي إلى طاعة؛ لم يكن له ذلك. وكذلك لو أراد أن يشرك بالله ببطانه ويقول عليه ما لم يعلم، نعم يجوز أن يقول بلسانه ما لا يعتقده عند الإكراه، وأن يستعمل المعاريض عند الحاجة.
وإتيان المساجد للجمعة والجماعة من أفضل القربات وأعظم الطاعات، وهو إما واجب أو سنة مؤكّدة. وقد قال النبي ﷺ : «صلاة الرجل في المسجد تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين درجة» «١». ولو أراد مع هذا أن يسافر إلى غير المساجد الثلاثة ليصلّي هناك جمعة أو جماعة؛ لم يكن هذا مشروعا، بل كان محرّما عند الأئمة والجمهور، ولو نذر ذلك لم يوف بنذره عند أحد من الأئمة الأربعة وعامة علماء المسلمين، وليس فيه إلا ما حكي عن الليث بن سعد، مع أن لفظه مجمل. بل ولا يجوز أن يوفي بنذره عند الأكثرين، كما قاله مالك وغيره، لقوله: «لا تشدّ الرحال» وقوله في الحديث الصحيح: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» «٢». وقد اتفق العلماء على أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به، وإن كان صاحبه يعتقد أنه نذر طاعة، كما لو نذر ذبح نفسه أو ولده، لكن تنازعوا فيما إذا نذر ذبح ولده؛ هل عليه ذبح كبش أو كفارة يمين أو لا شيء عليه؟ على ثلاثة أقوال مشهورة،
стр. 187
وهي ثلاث روايات عن أحمد، لكن ظاهر مذهبه كالأول وهو قول أبي حنيفة، ومذهب الشافعي لا شيء عليه. وكذلك سائر المعاصي قيل فيها كفارة يمين وهو ظاهر مذهب أحمد. وقيل: لا شيء فيها، وهو المنقول عن الشافعي ومالك، وقيل:
إن قصد بها اليمين لزمته كفارة يمين، وهو مذهب أبي حنيفة والخراسانيين من أصحاب الشافعي.
فالجمهور لما اعتقدوا أن قوله: «لا تشد الرحال» مراده النهي، قالوا: هو سفر معصية، فلا يجوز الوفاء به وإن اعتقده الناذر قربة كما قاله مالك والأكثرون، ولهذا قالوا: لا يجوز السفر لمن قصد القبر سواء كان قبر النبي ﷺ أو غيره وإن نذره، ومن قال السفر إلى غير المساجد الثلاثة ليس بمنهي عنه ولا هو طاعة ولا قربة، قال: لا يجب الوفاء به لكنه جائز. ومن هنا يعرف مذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما، فإن قالوا: إن من نذر السفر إلى غير الثلاثة يجوز له السفر، وإن لم يجب عليه كان قولهم بجواز السفر، وأن الحديث لنفي الفضيلة، كما قاله من قاله من المتأخرين.
وإن قالوا: إن هذا النذر لا يوفى به بحال لنهي النبي ﷺ أن يسافر إلى غير الثلاثة، كما قاله مالك وغيره؛ دل على تحريم السفر إلى غير الثلاثة، وهو لو نذر السفر للصلاة في مسجد الرسول ﷺ أو المسجد الأقصى جاز له السفر باتفاقهم، وإنما تنازعوا في الوجوب؛ فمذهب مالك وأحمد أنه يجب، ومذهب أبي حنيفة لا يجب، وللشافعي قولان.
وقوله: «كيف تكون الرحلة إلى القربة معصية محرمة»؟
يقال له: هذا كثير في الشريعة؛ كالرحلة للصلاة والاعتكاف والقراءة والذكر في غير المساجد الثلاثة، فإن هذا معصية عند مالك والأكثرين، وكما لو رحلت المرأة إلى أمر غير واجب بدون إذن الزوج؛ كحج التطوع فإنها رحلة إلى قربة وهي معصية محرمة بالاتفاق. وكذلك العبد لو رحل إلى الحج بدون إذن سيّده كان رحيله إلى قربة وكان معصية محرمة بالإجماع. وكذلك المرأة إذا رحلت بغير زوج ولا ذي محرم لزيارة غير واجبة، ومثل هذا كثير. ولو كان الطريق يحصل فيه ضرر في دينه لم يكن له أن يسافر لا للحج ولا لإتيان المسجد وإن كان ذلك قربة، والمرأة بلا سفر لها أن تشهد العيد والجمعة بل والجماعة بلا سفر، وليس لها أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم. ومن طولب بقضاء دين لزمه قضاؤه ولم يكن له أن يسافر بالمال الذي يجب صرفه في قضاء دينه، وإن كان قصده أن يتوسل بذلك السفر إلى الحج وغيره.
ففي مواضع كثيرة يكون العمل طاعة إذا أمكن بلا سفر، ومع السفر لا يجوز.
وصاحب الشرع قد قال: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي
стр. 188
هذا، والمسجد الأقصى». ومعلوم أن سائر المساجد يستحبّ إتيانها بلا سفر، فهذا الفرق ثابت بنص الرسول ﷺ .
فإن قيل: ما رحل إليه هؤلاء المنهيون عن السفر ليس بقربة في حقهم.
قيل له: ومن رحل لزيارة القبور لم يكن ما رحل إليه قربة في حقه. فزيارة القبور بالرحلة كالصلاة في غير المساجد الثلاثة، فالرحلة ليست بقربة ولا طاعة، بل معصية محرمة عند الأئمة الذين صرّحوا بذلك ومن وافقهم. وأما نقل الخطا إلى المساجد، فهو إتيان إليها بغير سفر، وهذا مشروع، فهو نظير نقل النبي ﷺ خطاه إلى زيارة أهل البقيع فإن ذلك عمل صالح، وكذلك الزيارة المستحبة من البلد نقل الخطا فيها عمل صالح.
فقد تبين أنه لا مناقضة في ذلك، ولو قدّر أن هذا تناقض كان تناقضا ممن قال ذلك؛ مثل مالك وجمهور أصحابه، ومثل من قاله من أصحاب الشافعي وأحمد، فإن المجيب ذكر القولين. فإن كان هنا عوار وشنار في القول بالتحريم كان هذا لازما لمالك الإمام ومن وافقه، وحاشى لله أن يلزم مالكا ومن وافقه تناقض فيها. في هذا وهم متّبعون لسنة رسول الله ﷺ . لكن هذا المعترض الجاهل تارة يجعل قول المتبعين للسنة كمالك وغيره تناقضا، وتارة يجعله مجاهرة للأنبياء بالعداوة وإظهارا لعنادهم، وهو يضيف ذلك إلى المجيب، والمجيب لم يقل إلا ما قاله هؤلاء، بل حكى قولهم وقول غيرهم وذكر حجّة القولين بخلاف مالك وأتباعه فإنهم جزموا بالتحريم ولم يلتفتوا إلى قول من حمل الحديث على نفي الاستحباب؛ لظهور فساد هذا القول وتناقضه.
وأيضا فهذا الذي ذكره إنما يتصوّر في زيارة غير قبر النبي ﷺ كأهل البقيع وشهداء أحد وسائر المؤمنين المدفونين في بلادهم. ومع هذا ما علمنا أحدا أنه قال يستحبّ السفر لمجرّد هذه الزيارة، بل إما أن يكون محرّما وإما أن يكون مباحا، وإن كانت الزيارة من البلد مستحبة، وأما نبينا محمد ﷺ فله شأن آخر؛ فضّله الله على غيره، فإن الله أمرنا بالصلاة والسلام مطلقا وأن تطلب له الوسيلة. ومحبته وتعظيمه فرض على كل أحد بل فرض على كل أحد أن يكون الرسول أحب إليه من ولده ووالده، وهو أولى بكل مؤمن من نفسه، فحقوقه وشريعته إيجابا واستحبابا لا يختص ببقعة، بل هي مشروعة في جميع البقاع، لا فرق في ذلك بين أهل المدينة وغيرهم.
وقد نهى أن يتّخذ قبره عيدا، وقال: «صلوا عليّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني». وقال في السلام مثل ذلك، وأخبر أن «لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام». وهو قد حيل بين قبره وبين الناس ومنعوا من الوصول إليه، إذ لم يكن داخل الحجرة عبادة مستحبة هناك دون المسجد، بل كل ما يفعل هناك ففعله في المسجد أفضل من صلاة
стр. 189
وتسليم عليه وغير ذلك، ولهذا لم تكن الصحابة والتابعون بالمدينة إذا دخلوا المسجد وخرجوا يقفون عند قبره لا لصلاة ولا دعاء ولا سلام ولا غير ذلك.
وقد ذكر أهل العلم مالك وغيره أن هذا يكره، ولم يكن السلف يفعلونه، وإنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. ومعلوم أنه لو كان الإتيان إلى عند القبر مستحبا لأهل المدينة لكان الصحابة والتابعون أعلم بذلك وأتبع له من غيرهم. ومالك وأمثاله ممن أدرك التابعين من أعلم الناس بمثل هذا، وقد ذكر أنه لم يبلغه عن أحد من صدر هذه الأمة من أهل المدينة أنه كان يقف عند القبر لا لسلام ولا لغيره. وذكر مالك أن ذلك يكره إلا عند السفر، لما نقل عن ابن عمر، وقد كره مالك وغيره أن يسمي هذا زيارة لقبره.
وحينئذ فيقال: أهل المدينة يكره لهم ما تسمّيه أنت زيارة لقبره، فلم يبق هذا مشروعا بلا سفر حتى يقال: إن السفر إليه وسيلة إلى المستحب، وإنما استحبه مالك وأحمد وغيرهما لمن سافر لأجل المسجد، فإذا صار في المسجد فيفعل ذلك، بل المستحب لأهل المدينة لا يستحب السفر له بل إذا سافر إليها فعله، فإذا صار بالمدينة زار أهل البقيع وشهداء أحد وزار مسجد قباء، وإن كان لم يسافر لأجل ذلك، فما لا يستحب لأهل المدينة أولى أن لا يستحبّ السفر إليه. وابن عمر إنما كان يقف عند القبر ويسلم إذا قدم من سفر وقدومه لم يكن لأجل الزيارة بل كانت المدينة وطنه، فيدخل المسجد فيصلي فيه ثم يسلم على النبي ﷺ .
стр. 190
فصل [الرد على المعترض فيما افتراه على أئمة المسلمين في أنهم يجوّزون السفر إلى زيارة القبور]
وأما قول المعترض: «إنه نقل الجواز عن الأئمة المرجوع إليهم في علوم الدين والفتوى، المشتهرين بالزهادة والتقوى، الذين لا يعتد بخلاف من سواهم، ولا يرجع في ذلك لمن عداهم، ونقل عدم الجواز- إن صح نقله- عن من لا يعتمد عليه، ولا يعتدّ بخلافه، ولا يعرّج عليه، بل هو ملحق بصاحب هذه المقالة في الخطأ والطغيان والجراءة على مرتبة النبيين الموجبة للخسران».
فيقال: أولا: قائل هذا هو إلى التعزير والتأديب والأمر بتعلم العلم وأن يقال له:
تعلم ثم تكلم؛ أحوج منه إلى أن يناظر ويردّ عليه، فإنه لا يعرف قدر العلماء ولا يعرف ما قاله مالك وهو إمام الأمة في زمنه، ولا يعرف ما قاله الرسول ﷺ . وكلامه يقتضي أن مالكا وأمثاله ممن لا يعتمد عليه ولا يعتدّ بخلافه، وأنه من أهل الخطأ والطغيان، وأهل الجراءة على النبيين الموجبة للخسران، ومعلوم أن من قال هذا في علماء المسلمين كمالك ونحوه استحق العقوبة البليغة. فإن هذا قول يلزم منه أن مالكا وأمثاله من الأئمة هم من الذين جاهروا بالعداوة للأنبياء وأظهروا لهم العناد، وأن فيهم جراءة على مرتبة النبيين توجب الخسران؟ ومعلوم أن هذا من أعظم الافتراء عليهم والاجتراء.
ثم إنه قال ذلك فيما اتبعوا فيه الرسول ﷺ وأطاعوا فيه أمره ونهيه، ونهوا عما نهى وأمروا بما أمر، فصار حقيقته أنه من أطاع الله ورسوله ونهى عما نهى عنه الرسول ﷺ ؛ كالسفر إلى غير المساجد الثلاثة هو كافر معاند للأنبياء. ومعلوم أن من قال مثل هذا فإنه يستتاب فإنه تاب وإلا قتل، وإذا لم يعرف أن قوله يتضمن هذا ويستلزمه عرّف ذلك ويبين له، فإن أصرّ استحق العقوبة، ولو عرف أن هذا يلزم قوله لكان كافرا مرتدا، لكنه جاهل لم يعرف أن هذا يلزم قوله، فإنه لم يعرف مذهب مالك ولا غيره من الأئمة في مسألة النزاع، ولا عرف ما فيها من الأدلة الشرعية، ولا تدبّر ما ذكره المجيب؛ بل تكلّم بظنه وهواه، وأعرض عن سبيل الهدى الذي بعث الله به رسوله ﷺ ، قال تعالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى [النجم: ٢٣].
стр. 191
ثم يقال ثانيا: هب أن الذين نقل عنهم الجواز أفضل أهل الأرض فالمجيب؛ ذكر القولين وذكر حجة كل واحد من نصر الجواز سوغ له المجيب ذلك، فإنه قد قاله جماعة من العلماء لكن هؤلاء المعارضون خرقوا إجماع الطائفتين وقالوا: إنه يستحبّ السفر لمجرد زيارة القبور، فقالوا: إنه يستحب السفر إلى غير المساجد الثلاثة، وعلى ذلك فيجب بالنذر على قول الجمهور الذين يوجبون الوفاء بنذر الطاعة كمن نذر السفر إلى المدينة وبيت المقدس، وهو قول مالك وأحمد والشافعي في أحد قوليه. فهؤلاء خرقوا إجماع الطائفتين وما كفاهم ذلك حتى ادعوا أن هذا الخرق للإجماع إجماع، وحتى سعوا في عقوبة من قال يقول إحدى الطائفتين، إما الجواز وإما التحريم، بل استحلوا تكفيره والسعي في قتله، فهؤلاء من أعظم أهل البدع والضلال كالخوارج والروافض، وأمثالهم من الجهال الذين يخالفون السنة وإجماع السلف، ويعادون من قال بالسنة وإجماع السلف لشبه باطلة كأحاديث مفتراة وألفاظ مجملة لم يفهموها.
ويقال ثالثا: المجيب سمى من المجوزين ثلاثة: أبو حامد الغزالي من أصحاب الشافعي، وأبو الحسن بن عبدوس وأبو محمد المقدسي من أصحاب أحمد، وسمى من المانعين؛ أبا عبد الله بن بطة وأبا الوفاء بن عقيل ولكن ليس هذا قولهما فقط بل هو قول مالك. صرح بذلك في قبر النبي ﷺ وغيره، وهؤلاء ذكروا ذلك على وجه التعميم. قال أبو الوفاء بن عقيل في كتابه المشهور المسمى بالفصول وبكفاية المفتى:
فصل: فإن سافر إلى زيارة المقابر كهذه المشاهد المحدثة كمشهد الكوفة وسامرّاء وطوس والمدائن وأوانا «١»، كقبر مصعب بن عمير وطلحة والزبير بالبصرة، بينه وبينها مسافة القصر، لم يستبح رخصة السفر لأن شد الرحال نحوها منهي عنه لقول النبي ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا». والنهي يمنع أن يكون هذا سفرا شرعيا، والترخّص بما نهي عنه لا يجوز.
ولهذا قال النبي ﷺ : «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد» والميزة معتبرة بالشرع، قال:
«فإن سافر أحد إلى أحد هذه المواضع في تجارة أو زيارة نظرت، فإن كان قصده التجارة والزيارة تابعة جاز القصر، وإن كان أكثر قصده الزيارة وكان قصده لهما متساويا فلا يستبيح ذلك لأنه سفر منهي عنه أشبه سفر المعصية».
فابن عقيل ذكر المنع من السفر إلى القبور عموما، لكن احتج بحجة مالك: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». وكذلك أبو محمد الجويني وغيره من أصحاب الشافعي صرّحوا بتحريم السفر إلى غير الثلاثة عموما، لأجل الحديث، وهو قوله
стр. 192
صلى الله عليه وسلّم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». فقولهم كقول مالك يوجب التحريم إلى ما سوى الثلاثة من زيارة القبور وغيرها. وأما ابن بطة فإنه ذكر ذلك في الإبانة الصغرى التي يذكر فيها جل أقوال أهل السنة وما خالفها من البدع «البناء على القبور وتجصيصها وشد الرحال إلى زيارتها» فذكر ذلك أيضا عموما، وقوله: وشدّ الرحال إلى زيارتها يبين أن هذا الشد داخل عنده في قوله ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» كما أن تجصيصها داخل في نهيه ﷺ عن تجصيص القبور. وليس هؤلاء القائلون بالتحريم بدون أولئك، بل هم أجلّ قدرا وأحق بمنصب الاجتهاد من أولئك، فإن مالكا إمام عظيم. ثم قوله: هذا قد وافقه عليه أصحابه مع كثرتهم وكثرة علمائهم، وقوله الذي صرح فيه بالنهي عن الوفاء بالنذر لمن نذر إتيان قبر النبي ﷺ ذكره القاضي إسماعيل بن إسحاق مقررا له، وهو أولى بمنصب الاجتهاد من أولئك وهو أعلم بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين ممن خالفه من أصحاب الشافعي وأحمد، فإن المخالفين فيها مثل أبي المعالي والغزالي ونحوهما، وهؤلاء ليس فيهم عند أصحاب الشافعي من له وجه في مذهب الشافعي فضلا عن أن يكون مجتهدا بخلاف أبي محمد الجويني والد أبي المعالي فإنه صاحب وجه في مذهب الشافعي. وكان يقال: لو جاز أن يبعث الله نبيا في زمنه لبعثه في علمه ودينه وحسن طريقته، وابنه أبو المعالي إنما تخرّج به وهو معظّم لوالده غاية التعظيم؛ ولكن قول أبي المعالي مأثور عن الشيخ أبي حامد وأبي علي بن أبي هريرة وهما من أصحاب الوجوه، ولهذا كان في المسألة وجهان، وقد وافق فيها ابن عبد البر وطائفة، ولكن مالك وجمهور أصحابه مع من وافقهم من السلف والأئمة أجلّ قدرا من المخالفين لهم.
وقد تقدم أن مالكا وأصحابه ينهون عن الوفاء بنذر ذلك وأنه من نذر إتيان المدينة أو بيت المقدس لغير الصلاة في المسجد؛ لم يجز له الوفاء بنذره، لأن السفر لغير المسجد منهي عنه، سواء سافر لزيارة ما هناك من قبور الصالحين أو غير ذلك.
وابن بطة العكبري من أعلم الناس بالسنة والآثار وأتبعهم لها، ومن أزهد الناس، وهو معروف بأن دعاءه مستجاب. وقد رأى النبيّ ﷺ في منامه الحسين بن علي الجوهري أخو أبي محمد الجوهري الحسن فقال: يا رسول الله قد اشتبهت علينا المذاهب. فقال: عليك بهذا الشيخ يعني ابن بطة، فانحدر إلى عكبرا فلما رآه أبو عبد الله تبسم، وقال: صدق رسول الله ﷺ «١». وعلمه بالسنة وزهده ودينه غاية. وأبو الوفاء بن عقيل مبرّز في زمانه تعظمه الطوائف كلها لبراعته وفطنته وفهمه، وهو أعلم بالفقه والكلام والحديث ومعاني القرآن من أبي حامد، وهو في الدين من أحسن
стр. 193
الناس دينا. ولكن أبا حامد دخل في أشياء من الفلسفة هي عند ابن عقيل زندقة، وقد رد عليه بعض ما دخل فيه من تأويلات الفلاسفة. وابن عقيل يزن كلام الصوفية بالأدلة الشرعية أكثر مما يزنه أبو حامد «١». ففي الجملة من عرف أقدار العلماء تبين له أن القائلين بالتحريم للسفر إلى غير المساجد الثلاثة؛ القبور وغيرها، هم أجل قدرا عند الأمة من القائلين بالجواز.
والذين سماهم المجيب سمّى من حضره قوله وقت الجواب من هؤلاء وهؤلاء، ولم يتعرض لتفضيل أحد الصنفين، بل ذكر حجة هؤلاء وهؤلاء على عادة العلماء، فإن الأحكام الشرعية تقوم عليها أدلة شرعية فيمكن معرفة الحق فيها بالعلم والعدل.
وأما تفضيل الأشخاص بعضهم على بعض ففي كثير من المواضع لا يسلم صاحبه عن قول بلا علم واتباع لهواه، فللشيطان فيه مجال رحب. والمجيب لم يتعرّض لذلك، ولو قدّر أن المنازع واحد فالاعتبار في موارد النزاع بالحجة، كما قال تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [النساء: ٥٩].
وقول هذا المعترض:- أنه نقل الجواز عن الأئمة المرجوع إليهم في علوم الدين والفتوى، المشتهرين بالزهادة والتقوى، الذين لا يعتدّ بخلاف من سواهم ولا يرجع في ذلك لمن عداهم-.
كلام باطل، صدر عن متكلّم بلا علم، توغّل في الجهل فليس في الأمة من هو بهذه الصفة بل هذا من خصائص الرسول، فهو الذي لا يعتدّ بخلاف من سواه، وكل من سوى الرسول يؤخذ من قوله ويترك، كما نقل ذلك عن مالك قال: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر.
ولو قيل مثل هذا في الأئمة المجتهدين كالأربعة كان منكرا من القول وزورا.
فلو قال قائل: الأئمة الأربعة لا يعتدّ بخلاف من سواهم، فإذا خالفهم الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأبو عبيد ونحوهم، أو خالفهم سعيد بن المسيب والحسن البصري وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح، أو خالفهم ابن عمر أو ابن عباس أو أبو هريرة وعائشة ونحوهم لم يعتد بخلافهم لكان هذا منكرا من القول وزورا. فكيف يقال لبعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد، وهم قد خالفوا شيوخهم؛ إن هؤلاء لا يعتدّ بخلاف من سواهم ولا يرجع في ذلك لمن عداهم؟
стр. 194
فصل [زعم المعترض أن المؤلف خرق الإجماع]
قال المعترض: «ثم يلزم من دعواه أن ذلك مجمع على تحريمه؛ أن تكون السادة الصحابة مع التابعين ومن بعدهم من العلماء المجتهدين، للإجماع خارقين، مصرّين على تقرير الحرام، مرتكبين بأنفسهم وفتاويهم ما لا يجوز، مجمعين على الضلالة، سالكين طريق العماية والجهالة».
فيقال: هذا من نمط ما قبله، وفيه من القول المنكر والزور ما لا يحيط بتفصيله إلا رب العالمين. وذلك أن الجواب ليس فيه إلا الإجماع على أن السفر إلى غير المساجد الثلاثة كزيارة القبور ليس مستحبا ولا قربة ولا طاعة، ولم ينقل خلاف هذا عن أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، أن السفر لمجرد زيارة القبور مستحبّ، هذا لا يمكن أحد أن ينقله عن أحد من السلف والأئمة الأربعة ولا غيرهم، بل ولا كان على عهد الصحابة ﵃ في ديار الإسلام قبر ولا مشهد ولا أثر يسافر إليه، ولم يكن أحد على عهد الصحابة والتابعين يسافر إلى قبر الخليل ولا كان ظاهرا، بل كان في المغارة التي بني عليها البناء الذي يمنعه. وقيل: إن سليمان ﵇ بناه كما بنيت الحجرة على قبر نبينا ﷺ وكان الصحابة والتابعون يسافرون إلى بيت المقدس ولم يكونوا يسافرون إلى قبر الخليل، وقبر يوسف نفسه إنما ظهر في خلافة المقتدر أظهره بعض العجائز المتصلة بدار الخلافة ولا كان لتلك البنية باب حتى استولى الكفار الفرنج على البلاد، فهم نقبوا نقبا ودخلوا فيه وصار ذلك مثل الباب، ثم لما فتح المسلمون البلاد لم يسد ذلك النقب.
فالسنة أن يسدّ ولا يدخل أحد إلى هناك لا لصلاة ولا غيرها، كما كان عليه الأمر على عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من الصحابة والتابعين، فمتى أقر الصحابة والتابعون أحدا على شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، القبور أو غيرها؟!
وبصرة لما رأى أبا هريرة قادما من الطور الذي كلّم الله عليه موسى قال: لو أدركتك قبل أن تذهب إليه لم تذهب، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد» ووافقه أبو هريرة على ذلك. هكذا رواه أهل السنن والموطأ وفي الصحيحين أن أبا هريرة ﵁ روى هذا وذلك الحديث، فإما أن يكون أبو
стр. 195
هريرة قد نسي الحديث، أو يقال لم يكن سمعه وهو ضعيف، أو يكون ما في الصحيحين هو الصواب دون قصة بصرة بن أبي بصرة.
نعم الذي أقرّ عليه الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين هو السفر إلى مسجد النبي ﷺ وهذا مستحب مشروع بالنص والإجماع. والإنسان إذا أتى مسجده فصلى في مسجده ما يشرع له من الصلاة والصلاة على الرسول والتسليم والثناء عليه ونشر فضائله ومناقبه وسننه وما يوجب محبته وتعظيمه والإيمان به وطاعته، فهذا كله مشروع مستحب في مسجده، هذا هو المقصود من الزيارة الشرعية. والسفر إلى مسجده للصلاة فيه وما يتبع ذلك مستحب بالنص والإجماع.
ولكن كلام المعترض يشعر بأن المجيب ينهى عن السفر إلى مسجد رسول الله ﷺ وزيارته الزيارة الشرعية، وأنه حكى في ذلك قولين، وبهذا يشنّع بعض الناس ممن له غرض فاسد، أو جهل بما يقال، أو جمع الأمرين وهذا باطل، وكلام المجيب في أجوبته الكثيرة ومصنفاته كلها بيّن أن السفر إلى مسجده وزيارته الشرعية مستحبّ باتفاق المسلمين لم ينه عنه أحد. وهذا الذي اتّفق عليه المسلمون وإن تنازعوا في بعض تفاصيل الزيارة الشرعية، فثم أمور يستحبها بعضهم وينهى عنها بعضهم، قد ذكرت في مواضع.
فمواضع النزاع لا يصح فيها دعوى الإجماع ومحل النزاع لم يذكر في الجواب فيه نزاع، فإن كان هذا المعترض ظنّ أنه حكى الإجماع على تحريم السفر إلى مسجده وزيارته الشرعية؛ فهذا خطأ منه، ليس في الجواب شيء من هذا، بل فيه تقرير السفر إلى مسجده والزيارة الشرعية، فإنه جعل عمدة المتنازعين قوله ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا». وقد ذكر المجيب أن هذا الحديث مما اتفق الأئمة على صحّته والعمل به. فلو نذر الرجل أن يصلي بمسجد أو مشهد أو يعتكف فيه ويسافر إليه غير هذه الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة الأربعة، ولو نذر أن يسافر ويأتي إلى المسجد الحرام بحج أو عمرة وجب ذلك باتفاق العلماء، ولو نذر أن يأتي مسجد النبي ﷺ والمسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي في أحد قوليه وأحمد، ولم يجب عليه عند أبي حنيفة لأنه لا يجب عنده الوفاء بالنذر إلا فيما كان من جنسه واجب بالشرع. وأما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة، كما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه». والسفر إلى المسجدين طاعة، فلهذا وجب الوفاء به.
وأما السفر إلى غير المساجد الثلاثة؛ فلم يوجبه أحد من العلماء، هكذا في الجواب، والشافعي ﵀ في القول الذي لا يوجب فيه السفر إلى المسجدين
стр. 196
يستحبه بخلاف ما سوى المساجد الثلاثة؛ فإنه لا يوجبه ولا يستحبه، وهذا معروف من كلامه وكلام أصحابه الذين شرحوا كلامه، مثل تعليقة الشيخ أبي حامد وغيرها، وقد نقل عن الليث كلام قد بسط الكلام عليه في مواضع أخرى.
فهذا في نفس الجواب أن السفر إلى المساجد الثلاثة باتفاق العلماء، كما دل عليه الحديث الصحيح الذي اتفقوا على صحته، ولكن تنازعوا في وجوب ذلك بالنذر، مع أن الذين قالوا لا يجب السفر إلى المسجدين قالوا: إنه يستحبّ بخلاف ما سوى المساجد الثلاثة؛ فلا يجب ولا يستحب عند أحد منهم، بل صرّح بالتحريم من صرّح منه كمالك وغيره، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي وأحمد. قال الشافعي في مختصر المزني: «ولو قال لله عليّ أن أمشي لم يكن عليه شيء حتى يكون برا، فإن لم يكن برا فلا شيء عليه لأنه ليس في المشي إلى غير المواضع الثلاثة بر، وذلك مثل المسجد الحرام، قال: وأحب لو نذر إلى مسجد المدينة، أو إلى بيت المقدس أو يمشي» «١».
قال الشيخ أبو حامد الأسفرائيني: إذا نذر مشيا فلا يخلو إما أن يعيّن الموضع الذي يمشي إليه أو لا يعين؛ فإن لم يعيّن الموضع فإن هذا النذر لا ينعقد لأن المشي في نفسه ليس بقربة، وإنما يلزمه إذا نذر المشي إلى قربة؛ كالحج والعمرة والجهاد، وإن عيّن الموضع الذي يمشي إليه فلا يخلو إما أن يقول: لله عليّ أن أمشي إلى بيت الله الحرام، أو إلى مسجد الرسول ﷺ ، أو المسجد الأقصى، أو إلى أحد المساجد، قال الشافعي: كمسجد مصر أو إفريقية، فإذا نذر المشي إلى بيت الله الحرام انعقد نذره. وإن نذر المشي إلى مسجد الرسول أو إلى المسجد الأقصى فالذي في «الأم» أنه لا يلزمه لأنه قال: وأحبّ لو نذر المشي إلى مسجد المدينة. وقال في البويطي:
يلزمه المشي إليه وهو قول مالك.
وعلل أبو حامد القولين وقال في توجيه منع اللزوم: فيحمل على أنه أراد لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد واجبا، ويحتمل لا تشدّ مستحبا لكنه وجوبا أو استحبابا، فتبين أنه لا يستحبّ السفر إلى غير المواضع الثلاثة، قال: أما إذا نذر أن يمشي إلى مسجد من المساجد سوى الثلاثة مثل مسجد مصر وإفريقية، فإن هذا لا يلزمه وإن نذر أن يصلي في مسجد منها معين لزمه الصلاة ولا يتعين الموضع، وله أن يصلي في أي مسجد شاء، لأن المشي في نفسه ليس بقربة. وإنما يلزمه إذا نذر المشي إلى ما هو قربة، ومعلوم أنه ليس لغير هذه الثلاثة مزيّة بعضها على بعض في القربة، فلم يتعيّن المشي إليه أو الصلاة فيه بالنذر.
فإذا كان هذا في الفتيا فكيف يجوز أن يظنّ أن فيها النهي عن ما فعله الصحابة
стр. 197
والتابعون وأئمة المسلمين من السفر إلى مسجده؟ وقد صرح فيها بأن ذلك طاعة مشروعة بالنص والإجماع. وأما زيارته ففي نفس الجواب.
وما ذكره السائل من الأحاديث في زيارة قبر النبي ﷺ فكلّها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة لم يرو أحد من أهل السنن المعتمدة شيئا منها، ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها، بل مالك إمام أهل المدينة النبوية الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة كره أن يقول الرجل: زرت قبر النبيّ ﷺ ، ولو كان هذا اللفظ مشروعا عندهم أو معروفا أو مأثورا عن النبي ﷺ لم يكرهه عالم المدينة.
والإمام أحمد أعلم الناس في زمانه بالسنة لما سئل عن ذلك؛ أي عن زيارة قبر النبي ﷺ لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك من الأحاديث إلا حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما من أحد يسلّم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ ﵇». وعلى هذا اعتمد أبو داود في «سننه»، وكذلك مالك في «الموطأ» روى عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا دخل المسجد قال: «السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت» ثم ينصرف.
فهذا قد ذكر في الجواب؛ أن الأحاديث المروية في زيارة قبره كلها ضعيفة، لم تعتمد الأئمة على شيء منها، بل مالك كره أن يقال: زرت قبر النبي ﷺ ، ولكن أحمد وغيره كأبي داود وعبد الملك بن حبيب اعتمدوا في زيارة قبره على قوله ﷺ :
«ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد ﵇». ومالك وأحمد وغيرهما احتجّوا بحديث ابن عمر أنه كان يسلم على النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فكان عند الأئمة كمالك وأحمد من المأثور في ذلك السلام عليه، وهذا هو الذي يسمى زيارة قبره، فأحمد وأبو داود وغيرهما يسمون السلام عليه زيارة لقبره ﷺ ، وكذلك ترجم أبو داود عليه: باب ما جاء في زيارة قبر النبي ﷺ . وأما مالك فإنه يستحب هذا السلام ولا يسميه زيارة لقبره، ومالك قد تقدم كلامه وأنه في مواضع لم يستحب سوى السلام كما جاء عن ابن عمر، وقد ذكر في الجواب.
وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلّموا عليه وأرادوا الدعاء دعوا مستقبلي القبلة ولم يستقبلوا القبر.
وأما وقوف المسلّم عليه، فقال أبو حنيفة: يستقبل القبلة أيضا ولا يستقبل القبر. وقال أكثر الأئمة: بل يستقبل القبر عند السلام عليه خاصة، ولم يقل أحد من الأئمة أنه يستقبل القبر عند الدعاء يعني لنفسه، كما يفعله المستغيثون بالميت، ولم يقل أحد من الأئمة أنه يستقبل القبر في هذه الحال إلا في حكاية مكذوبة تروى عن
стр. 198
مالك ومذهبه بخلافها «١». واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي ﷺ بيده ولا يقبّله.
فقد ذكر ما ذكره العلماء في زيارته والسلام عليه، وأين يسلّم عليه وأين يدعو، وهذا كله إنما يكون في المسجد. وقد تقدّم أن السفر إلى المسجد مستحبّ مشروع بالنص والإجماع، فهذا الذي أجمع عليه المسلمون ذكر في الجواب أنه مستحبّ، فهذا الذي يزعم أن في الجواب ما يقتضي إجماع الصحابة والأئمة على تقرير الحرام قول باطل ظاهر البطلان، بل في الجواب ذكر ما أجمع عليه وما نوزع فيه، والمجمع عليه من الزيارة والسفر ذكره، وذكر أنه ثابت بالنص والإجماع.
стр. 199
فصل [افتراء المعترض على المصنف]
قال المعترض: «لكن كم لصاحب هذه المقالة من مسائل خرق فيها الإجماع، وفتاوى أباح فيها ما حرّم الله من الإبضاع، وتعرّض لتنقيص الأنبياء، وحطّ من مقادير الصحابة والأولياء، فلقد تجرأ بما ادّعاه وقاله، على تنقيص الأنبياء لا محالة، فتعين مجاهدته والقيام عليه، والقصد بسيف الشريعة المحمدية إليه، وإقامة ما يجب بسبب مقالته نصرة للأنبياء والمرسلين، ليكون عبرة للمعتبرين. وليرتدع به أمثاله من المتمرّدين. والحمد لله رب العالمين». آخر كلامه.
والكلام على هذا من وجوه:
أحدها: أن هذا ليس كلاما في المسألة العلمية التي وقع فيها النزاع، ولا عينت مسألة أخرى حتى يتكلم فيها بما قاله العلماء ودل عليه الكتاب والسنة، وإنما هو دعاوى مجردة على شخص معين. ومعلوم أن مثل هذا غير مقبول بالإجماع، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «لو يعطى الناس بدعواهم لادّعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدّعى عليه» «١».
الوجه الثاني: أن يقال: ثم من المعلوم أنه ما من أهل ضلالة إلا وهم يدّعون على أهل الحق من جنس هذه الدعوى، فاليهود يدّعون أن الرسول ﷺ وأمته أباحوا ما حرّمه الله كالعمل في السبت، ومثل أكل كل ذي ظفر كالإبل والبط والإوز، وكشحم الترائب والكليتين وغير ذلك، والنصارى تقول: إنهم تنقّصوا المسيح والحواريين، فإن الحواريين عندهم رسل الله، وقد يفضّلونهم على إبراهيم وموسى، ويقولون عن المسيح: إنه الله، ويقولون: هو ابن الله، ومن قال إنه عبد الله فقد سبّه وتنقّصه عندهم، والطائفتان يحرّمون التّسري، والنصارى يحرّمون الطلاق، واليهود إذا تزوجت المطلقة حرّمت على المطلّق أبدا، والنصارى قد يحرّمون التزوّج ببنات العم والعمة والخال والخالة، ويحرمون أن يتزوّج الرجل أكثر من واحدة.
فمحمد ﷺ وأمته عند الطائفتين قد أباحوا ما حرّمه الله من الإبضاع على
стр. 200
زعمهم. فإذا كان مثل هذا الكلام قد يقوله أهل الباطل من الكفار لأهل الإيمان كما قد يقوله أهل الحق بمجرّد دعواه لا يقبل، بل على المدعي أن يبين أن ما ادعاه مما يقوله أهل الحق في أهل الباطل دون العكس.
الوجه الثالث: إن المتنازعين من الأئمة قد يقول أهل البدع منهم والأهواء مثل هذا في أئمة السنة والجماعة، كما يقول الرافضة: إن الصحابة خالفوا نصّ الرسول ﷺ بالخلافة على عليّ وبدّلوه وكتموه، وذلك أعظم من مخالفة الإجماع، ويقولون: إن جمهور المسلمين أباحوا نكاح الكتابيات عندهم مما حرمه الله من الإبضاع. ويقولون: إن الصحابة وجمهور الأمة حطّوا من مقادير أولياء الله عليّ وأئمة أهل بيته، وهم الخلفاء الراشدون وهم عندهم معصومون، وهم غلاة في عصمتهم، وقالوا: إنه لا يجوز عليهم السهو والغلط بحال، وغلوا في عصمة الأنبياء ليكون ذلك تمهيدا لما يدّعونه من عصمة الأئمة أولياء الله، إذ هم عند طائفة منهم أفضل من الأنبياء «١»، وجمهورهم يقولون الناس أحوج إليهم منهم إلى الأنبياء، وإنهم قد يستغنون عن النبي ﷺ ولا يستغنون عن الإمام المعصوم، وذلك واجب عندهم في كل زمان، وقالوا: إنه من حين صغره يكون معصوما، حتى قالوا لأجل ذلك إن النبي يجب أيضا أن يكون قبل النبوة معصوما من الغلط والسهو في كل شيء، وزعم بعضهم أنه لا بدّ أن يكون النبيّ والإمام عارفا بلغة كل من بعث إليهم على اختلاف لغاتهم وكثرتها، ولا بد أيضا أن يكون عالما بالصنائع والمتاجر وسائر الحرف، ليكون مستغنيا بعلمه عن الرجوع إلى أحد من رعيته في دين أو دنيا، وذلك يوجب رجوع المعصوم إلى غير المعصوم وإلى من يجوز عليه الخطأ أو الغلط، ولأن رجوعه إليهم يقتضي نقصه عندهم وحاجته.
وعندهم أن من نفى هذا عن الأئمة والأنبياء فقد تعرّض لتنقيص الأنبياء وحطّ من مقادير الأئمة والأولياء. وعندهم أن من قال ذلك فقد تجرّأ بما ادّعاه وقاله على تنقيص الأنبياء لا محالة، فتعين عندهم مجاهدته والقيام عليه والقصد بسيف الشريعة المحمدية إليه، وإقامة ما يجب بسبب مقالته نصرة للأنبياء والمرسلين ولأولياء الله أئمّة الدين. وبهذا ونحوه استحلّ أهل البدع تكفير جمهور المسلمين وقتالهم، واستحلّوا دماءهم وأموالهم وسبي عيالهم، واستعانوا عليهم بالكفار من النصارى والمشركين
стр. 201
الترك التتار «١» حتى فعلوا بديار الإسلام ما فعلوه بالعراق وخراسان والجزيرة والشام، وغير ذلك. وكذلك فعلوا بمصر والمغرب في دولة العبيديين.
وإذا كان مثل هذا القول يقوله أهل البدع والضلال بل أهل الردة والنفاق، كما يقوله الكفار في أهل الإيمان، وقد يقوله المحقّ فيمن يستحقّه، وأكثر من عرف أن يقوله في أهل العلم هم أهل البدع والنفاق والكفار. ولا ريب أن قول هذا المبتدع الجاهل هو بهم أشبه إذ هو من أهل البدع الجهال، ليس هو ممن يعرف النظر والاستدلال.
الوجه الرابع: أن يقال: علماء المسلمين وأئمة الدين ما زالوا يتنازعون في بعض المسائل فيبيح هذا من الفروج ما يحرّمه هذا، كما يبيح كثير نكاح أم المزني بها وابنتها، ولا يرون الزنا ينشر حرمة المصاهرة، وهو قول الشافعي وغيره. وآخرون يحرّمون ذلك وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، وتنازعوا في الخلية والبرية والبائن والبتة ونحو ذلك من كنايات الطلاق الظاهرة، فقوم يقولون هي واحدة رجعية كما قاله عمر بن الخطاب وغيره، وهو قول الشافعي وغيره. وقوم يقولون هي ثلاث؛ كما نقل عن عليّ، وهو مذهب مالك وغيره. وقوم يقولون واحدة بائنة كما نقل عن ابن مسعود، وهو مذهب أحمد. وأحمد كان يتوقّف في ذلك وترجّح عنده الثلاث ويكره أن يفتي به، وإن نوى واحدة فهي رجعية عنده، ولو نوى بائنة لم تكن إلا رجعية كقول الشافعي، وروي عنه أنها تكون بائنة، كقول أبي حنيفة.
وكما تنازعوا فيما إذا خلعها بعد طلقتين فأباحها ابن عباس وطاوس وعكرمة وغيرهم، وقالوا: الخلع ليس بطلاق، واستدلّوا بالكتاب والسنة وهو أحد قولي الشافعي، وظاهر مذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر وابن خزيمة وغيرهم من فقهاء الحديث، وقيل: بل هي طلقة واحدة كما نقل عن عثمان وغيره من الصحابة، لكن ضعّف أحمد وابن خزيمة وغيرهما كل ما نقل عن الصحابة إلا قول ابن عباس، وهو قول كثير من التابعين، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي في القول الآخر.
وتنازعوا فيما سوى ذلك، وهم كلهم مجتهدون مصيبون بمعنى أنهم مطيعون لله، وأما بمعنى العلم بحكمه في نفس الأمر فالمصيب واحد وله أجران والآخر له
стр. 202
أجر، وخطأه مغفور له، لا يطلق القول على أحدهم أنه أحلّ ما حرّم الله وحرّم الله وحرّم ما أحل الله بمعنى الاستحلال والتعمد. وإذا أريد أن ذلك وقع على وجه التأويل فعامة العلماء وقعوا في مثل هذا، والله يأجرهم ولا يؤاخذهم على خطئهم.
الوجه الخامس: أن يقال: قول القائل فيما يتكلّم فيه العلماء بالأدلة الشرعية، مثل ما إذا قيل: إنه لا يجوز الحلف بالأنبياء ولا النذر لهم، ولا السجود لقبورهم، ولا الحج إليها، ولا اتخاذ قبورهم مساجد ونحو ذلك، أو قيل: إنه لا تجب الصلاة على النبي في الصلاة، كما قاله مالك وأكثر العلماء. أو قيل: إنه يكره الصلاة عليه عند الذبح أو لا يستحب، كما هو قول مالك وأحمد. وقيل: يستحب؛ وهو قول الشافعي. فإذا قال قائل في مثل هذه المسائل: إن هذا تنقيص للأنبياء؛ فإن أراد بذلك أنّ قائل هذا القول قصد التنقيص لهم، والعيب لهم، والطعن عليهم، والشتم؛ فقد كذب وافترى كذبا ظاهرا. وإن قال: إنه نقّصهم عما يستحقونه عند الله فهذا محل النزاع، فصاحب القول الآخر يقول بل أخطأ فيما يستحقونه ولم يقل ما ينقص درجتهم التي يستحقونها، وإن قدّر أنه أخطأ في اجتهاده فلا إثم عليه في ذلك، فكيف إذا كان هو المصيب للصواب المتّبع للكتاب والسنة، ولما كان عليه التابعون مع الأصحاب.
الوجه السادس: أنه إنما يقبل قول من يدعي أن غيره يخالف الإجماع إذا كان ممن يعرف الإجماع والنزاع، وهذا يحتاج إلى علم عظيم يظهر به ذلك، لا يكون مثل هذا المعترض الذي لا يعرف نفس المذهب الذي انتسب إليه، ولا ما قال أصحابه في مثل هذه المسألة التي قد افترى فيها وصنّف فيها، فكيف يعرف مثل هذا إجماع علماء المسلمين مع قصوره وتقصيره في النقل والاستدلال؟
الوجه السابع: أن لفظ «كم» يقتضي التكثير وهذا يوجب كثرة المسائل التي خرق المجيب فيها الإجماع، والذين هم أعلم من هذا المعترض وأكثر اطلاعا اجتهدوا في ذلك غاية الاجتهاد، فلم يظفروا بمسألة واحدة خرق فيها الإجماع، بل غايتهم أن يظنوا في المسألة أنه خرق فيها الإجماع كما ظنه بعضهم في مسألة الحلف بالطلاق، وكان فيها من النزاع نقلا ومن الاستدلال فقها وحديثا ما لم يطّلع عليه.
الوجه الثامن: إن المجيب ولله الحمد لم يقل قط في مسألة إلا بقول قد سبقه إليه العلماء، فإن كان قد يخطر له ويتوجّه له فلا يقوله وينصره إلا إذا عرف أنه قد قال بعض العلماء، كما قال الإمام أحمد: «إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام» فمن كان يسلك هذا المسلك كيف يقول قولا يخرق به إجماع المسلمين، وهو لا يقول إلا ما سبقه إليه علماء المسلمين؟ فهل يتصوّر أن يكون الإجماع واقعا في موارد النزاع؟ ولكن من لم يعرف أقوال العلماء قد يظن الإجماع من عدم
стр. 203
علمه النزاع وهو مخطئ في هذا الظن لا مصيب. ومن علم حجة على من لم يعلم، والمثبت مقدم على النافي.
الوجه التاسع: إن دعوى الإجماع من علم الخاصة الذي لا يمكن الجزم فيه بأقوال العلماء، إنما معناها عدم العلم بالمنازع، ليس معناها الجزم بنفي المنازع، فإن ذلك قول بلا علم، ولهذا رد الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما على من ادّعاها بهذا المعنى، وبسط الشافعي في ذلك القول، وأحمد كان يقول هذا كثيرا، ويقول: من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريه أن الناس لم يختلفوا؟ ولكن يقول: لا أعلم مخالفا. وأبو ثور قال: إن الذي يذكر من الإجماع معناه أنا لا نعلم منازعا، ثم ما يعرف من ادعى الإجماع في هذه الأمور إلا وقد وجد في بعض ما نذكره من الإجماعات نزاعا لم يطّلع عليه، كما قد بسط الكلام على هذا في مواضع. فإذا كان هذا في ادّعاء العلماء الأكابر فكيف بما يدّعيه هذا المعترض من الإجماع، وهو من حين ادعائه الإجماع في هذه المسألة المتنازع فيها- وهو السفر إلى غير المساجد الثلاثة- فجعل السفر لمجرد زيارة القبور أمرا مجمعا عليه وإن من قال بخلاف ذلك فقد تنقّص الأنبياء وجاهرهم بالعداوة؟
والإجماع من علماء المسلمين إنما هو على خلاف ما ظنه هو وأمثاله ممن يتحكمون في الدين بلا علم، فإنهم مجمعون على أن قول رسول الله ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» متناول لشد الرحال لزيارة القبور، ثم تنازعوا هل موجب الحديث النهي والتحريم أو موجبه نفي الفضيلة والاستحباب؟ فمن قال إنه يستحب شدّ الرحال إلى غير الثلاثة كزيارة القبور؛ فهذا هو الذي خالف الإجماع بلا ريب، مع مخالفته للرسول ﷺ ، فهو ممن خالف الرسول والمؤمنين واتبع غير سبيلهم، لكن إذا لم يكن قد تبين له الهدى عرف ما قاله الرسول ﷺ والمؤمنون لم يكفر، فإن الله إنما ألحق الوعيد بمن شاق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين، فقد توعّده بأنه يولّيه ما تولّى ويصليه جهنم وساءت مصيرا.
ومن قال: إن السفر إلى غير الثلاثة كزيارة القبور مستحب، فقد خالف الرسول ﷺ وخالف علماء أمته. وأما السفر إلى مسجده ﷺ فهو سفر إلى أحد المساجد الثلاثة ليس مما نهى عنه، وإذا فعل في مسجده ما شرع من الزيارة الشرعية وصلى عليه وسلم كما أمر الله وعلّم فهو محسن في هذه الزيارة، كما كان محسنا في شد الرحل إلى مسجده، وهذا هو الذي أجمع عليه المسلمون أيضا، كما أجمعوا أنه لا تشدّ الرحال لمجرد زيارة القبور، فذاك الإجماع على شدها إلى مسجده وزيارته الشرعية حق، وهذا الإجماع على أنه لا يستحب شد الرحال إلى غير الثلاثة حق، وكلا الإجماعين معه نص عن الرسول ﷺ . والعالم من اتبع هذا وهذا، ليس هو من
стр. 204
ترك النص والإجماع من أحد الجانبين وتمسك في الجانب الآخر بألفاظ مجملة يظن الإجماع على ما فهمه منها، ولم تجمع الأمة على ما فهمه، بل ما فهمه قد تكون مجمعة على تحريمه كمن يفهم من الزيارة لقبورهم الحج إليهم ودعاءهم من دون الله، فهذا مجمع على تحريمه، فمن يفهم من الزيارة الحج إليهم ودعاءهم من دون الله فهذا مجمع على تحريمه، والله أعلم.
الوجه العاشر: أن النهي عن شدّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة كزيارة القبور؛ إنما يكون تنقّصا بالنبي لو كانت زيارة القبور المشروعة هي من باب تعظيم الزائر للمزور، والخضوع له، وإنه إنما شرع زيارة قبره لعظم قدره وجاهه عند الله، وعلوّ مرتبته عنده. فإن قيل: إنه لا يزار قبره أو لا يسافر إلى زيارة قبره، كان ذلك غضا ونقصا لمنزلته المذكورة. وليس الأمر في دين الإسلام كذلك، بل زيارة القبور التي شرعها رسول الله ﷺ إذنا فيها وفعلا لها أو ترغيبا فيها؛ إنما المقصود بها نفع الزائر للمزور، وإحسانه إليه بدعائه له واستغفاره له إن كان مؤمنا، وإن كان كافرا.
فالمقصود بها تذكرة الموت، ليس المقصود بما شرعه الله ورسوله ﷺ من زيارة القبور خضوع الزائر للمزور لعلوّ جاهه وقدره. وبهذا يظهر الفرقان بين الزيارة الشرعية والمباحة والمستحبة، وبين الزيارة البدعية المكروهة المنهي عنها. وإذا كان كذلك؛ فمعلوم أن الأنبياء والصالحين إذا كانت زيارة قبورهم إنما هي الدعاء لهم، كما يصلّى على جنائزهم، كزيارة سائر قبور المؤمنين ليست خضوعا من الزائر لهم لعلو جاههم وعظم قدرهم؛ لم يكن في ترك هذه الزيارة تنقّص بهم، ولا غضّ من قدرهم، فترك الإنسان زيارته لكثير من قبور المسلمين لا يكون تنقّصا لهم، ولو كان ترك زيارتهم تنقصا لكان فعلها واجبا. وكذلك إذا نهي عن السفر إليها كما نهي عن السفر لزيارة سائر القبور، فلا يخطر ببال أحد أن ذلك تنقّص بهم، فأن لا يكون ذلك تنقّصا بالأنبياء أولى وأحرى، وإنما ظنّ النهي أو الترك تنقصا من ظن أن الزيارة خضوع لهم لجاههم وعظم قدرهم، كالإيمان بهم وطاعتهم وتصديقهم فيما أخبروا به عن الله.
ولا ريب أن من قال لا يجب الإيمان بهم أو لا تجب طاعتهم وتصديقهم أو طعن في شيء مما أخبروا به عن الله أو أمروا به فقد تنقّصهم وهو كافر مرتد إن أظهر ذلك، ومنافق زنديق إن أبطنه. وهذا الموضع منشأ الاشتباه على كثير من الناس، فلفظ زيارة القبور في كلام الرّسول ﷺ وما فعله هو من الزيارة لم يكن شيء منها خضوعا للميت، ولا تعظيما له لجاهه وقدره، بل كان ذلك دعاء له كما يدعى له إذا صلّى على جنازته، وإذا كان الذي يصلّي على جنازته ويزار قبره أعظم قدرا كان الدعاء له أعظم، لكن فرق بين أن يقصد دعاء الله له ليرحمه ويزيده من فضله، وبين أن يقصد دعاؤه وسؤاله والاستشفاع به لجاهه وقدره عند الله. فالزيارة المشروعة من الجنس الأول من جنس
стр. 205
الأول من جنس الصلاة على الجنازة لا من جنس الثاني، كرغبة الخلق يوم القيامة إلى الرسول ﷺ أن يشفع لهم، وكرغبة أصحابه إليه في حياته أن يدعو لهم ويستسقي لهم، فهذا الطلب منه كان لعلوّ جاهه وعظم منزلته عند الله، ولهذا يأتون يوم القيامة إلى أولي العزم فيردّهم هذا إلى هذا، حتى يردّهم المسيح إليه. وفي حياته كانوا يطلبون منه الدعاء ويتوجّهون به إلى الله، ويتوسّلون إليه بدعائه وشفاعته لجاهه عند الله، ولما مات استسقوا بالعباس عمه وقال عمر: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنا نتوسّل إليك بعمّ نبينا فاسقنا؛ فيسقون» رواه البخاري في صحيحه «١».
ومعنى قوله: كنا نتوسل إليك بنبينا؛ أي: بدعائه وشفاعته، ولهذا توسّلوا بعد موته بدعاء العباس وشفاعته لمّا تعذّر عليهم التوسل به بعد موته، كما كانوا يتوسّلون به في حياته، ولم يرد عمر بقوله: «كنا نتوسّل إليك بنبينا»: أن نسألك بحرمته، أو نقسم عليك به من غير أن يكون هو داعيا شافعا لنا، كما يفعله بعض الناس بعد موته، فإن هذا لم يكونوا يفعلونه في حياته، إنما كانوا يتوسّلون بدعائه، ولو كانوا يفعلونه في حياته لكان ذلك ممكنا بعد موته كما كان في حياته، ولم يكونوا يحتاجون أن يتوسلوا بالعباس. وكثير من الناس يغلط في معنى قول عمر وإذا تدبّره عرف الفرق «٢».
ولو كان التوسل به بعد موته ممكنا كالتوسل به في حياته لما عدلوا عن الرسول ﷺ إلى العباس. وكذلك معاوية لما استسقى توسّل بدعاء يزيد بن الأسود الجرشي «٣». وكذلك نقل عن الضحاك بن قيس «٤». فمن فهم مراد الرسول ﷺ بزيارة القبور وفرّق بين الشرعية والبدعية، تبين له الحق من الباطل.
ونبينا ﷺ أمر الله بالصلاة والسلام عليه، وأمر عند سماع الأذان أن تطلب الوسيلة له، فهذا حقّ له على الأمة، وهو مشروع مأمور به في كل مكان، لا يختص به في مكان عند قبره، فلم يبق في زيارة قبره أمر يختصّ به ذلك المكان بخلاف غيره.
وأيضا فنهى عن اتخاذ بيته عيدا وقال: «لا تتّخذوا قبري عيدا وصلّوا عليّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». وكذلك السلام، قال: «إن لله ملائكة سيّاحين يبلغوني عن
стр. 206
أمتي السلام». فصلاة الأمة وسلامها يصل إليه من جميع الأمكنة، وقد نهى عن اتخاذ بيته عيدا لئلّا يتّخذ قبره وحدثنا ومسجدا، بخلاف قبور سائر المؤمنين، فإنه إذا دعي لأحدهم عند قبره لم يفض ذلك إلى أن يتّخذ وحدثنا ومسجدا إلا إذا اتّخذ مسجدا.
فلهذا نهى عن اتّخاذ القبور قبور الأنبياء والصالحين مساجد.
فتبين أن الذي يجعل ما أمر الله به ورسوله تنقيصا إنما هو لجهله وشركه وضلاله ونقص علمه وإيمانه بما جاء به الرسول ﷺ ، وهو المنقّص للرسول الطاعن عليه، الذام لما جاء به الآمر بما نهى عنه، الناهي عما أمر به، المبدّل لشريعته، وهو أحق بالكفر والقتل، فإنه إن كان المخطئ المخالف للرسول ﷺ في هذه المسألة كافرا يجب قتله؛ فلا ريب أنه المخالف، فيكون كافرا مباح الدم. وإن كان المخطئ معذورا لأنه لم يقصد مخالفة الرسول ﷺ وإنما خفيت عليه سنته، واشتبه عليه الحق؛ لم يكفّر ولم يقتل واحد منهما، لكن المخالف له أقرب إلى الكفر وحلّ الدم، فإما أن يكون الموافق له المتبع لسنته الآمر بما أمر به الناهي عما نهى عنه كافرا مباح الدم، والمخالف له المبدل لدينه الطاعن في شريعته المعادي لسنته المعادي لأوليائه المبلّغين لسنته معصوم الدم؛ فهذا تبديل الدين وقلب لحقائق الإيمان، وهو فعل أهل الجهل والطغيان؛ كالنصارى وعبّاد الأوثان.
الوجه الحادي عشر: أن يقال: الذين يأمرون بالحج إلى القبور ودعاء الموتى والاستغاثة بهم والتضرّع لهم، ويجعلون السفر إلى قبورهم كالسفر إلى المساجد الثلاثة أو أفضل منه؛ هم مشركون من جنس عبّاد الأوثان، قد جعلوا القبور أوثانا.
وهذا هو الذي دعا الرسول ربه فيه فقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». فقبره لا يمكن أحد أن يصل إليه حتى يتخذه وحدثنا، وإنما يصل إلى مسجده، لكن يقصد المسافر إليه أن يتخذه وحدثنا كقبر غيره، أو يظن ذلك ولكن لا يمكنه ذلك، بخلاف قبور غيره فإن فيها ما اتّخذ أوثانا، وقد ثبت بل استفاض عن النبي ﷺ أنه لعن الذين يتخذون قبور الأنبياء مساجد، ونهى أمته عن ذلك، فإذا كان من اتخذها مسجدا يصلّي فيه لله تعالى ويدعو الله ملعونا؛ فالذي يقصدها ليدعو فيها غير الله ويتضرّع فيها لغير الله ويخضع ويخشع فيها لغير الله أحق باللعنة، وإنما لعن الأول لأن فعله ذريعة إلى هذا الشرك الصريح. ومعلوم أن المسافرين لقبور الأنبياء والصالحين يفعلون هذا وأمثاله ويسافرون لذلك. فمن أمر بذلك واستحبه كان آمرا بالشرك بالله واتخاذ أنداد من دونه، آمرا بما حرّم الله ورسوله ولعن فاعله.
والشرك أعظم الذنوب، كما في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك». قلت: ثم أي؟ قال: «أن
стр. 207
تقتل ولدك خشية أن يطعم معك». قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني بحليلة جارك» «١».
وأنزل الله تصديق ذلك: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [الفرقان: ٦٨] الآية وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤٨]. ومعلوم أن الأنبياء إنما وجب تعظيمهم لأنهم صفوة عباد الله، ولأنهم أمروا بتوحيده وعبادته، وبلّغوا أمره ونهيه، قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦] وقال تعالى:
وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف: ٤٥].
فالغلاة في المخلوقين كالنصارى ونحوهم من أهل البدع صاروا بغلوّهم مشركين، قال تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: ٣١] وقال تعالى:
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [النساء: ١٧١] إلى قوله:
فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً [النساء: ١٧٢].
ومعلوم أنه إذا فرض ذنبان أحدهما: الشرك والغلو في المخلوق. والثاني:
نقص رسول من بعض حقه، كمن يعتقد في المسيح أنه صلب مع أنه رسول الله، ومعلوم أن نجاته ورفعه إلى السماء أعظم قدرا من أن يسلّط العدو عليه حتى يصلب، فلو نقصه رجل ذلك واعتقد أنه صلب، ولم يعلم أن القرآن نفى صلبه؛ كان هذا الخطأ دون خطأ من غلا فيه وأشرك به. ولو قال قائل: إنه لا تشرع زيارة القبور بحال لا بسفر ولا غير سفر، وقال آخر: بل يشرع السفر إليهم لدعائهم والتضرع لهم كما يفعله المشركون وأهل البدع؛ لكان هذا الشرك أعظم خطأ وضلالا من ذلك النقص.
فالشرك عند الله أعظم إثما، وصاحبه أعظم عقوبة، وأبعد من المغفرة من المتنقّص لهم عن كمال رتبتهم، فإنه إذا كان كلاهما كافرا، فكفر المشركين أعظم. وكل شرك بالله فهو تكذيب للرسل وتنقّص بهم، وليس كل من كذّب بعض ما جاءوا به يكون مشركا كافرا، مثل كثير من أهل الكتاب، فالشّرك أعظم الذنوب. وهؤلاء الجهال المضاهون للنصارى غلوا في التخلّص من النقص حتى وقعوا في الشرك والغلوّ وتكذيب الرسول الذي هو أعظم إثما، كما أصاب النصارى، فكانوا كالمستجيرين من الرمضاء بالنار، وكان ما فرّوا إليه من الشرك والغلوّ وتكذيب الرسل وتنقّصهم، أعظم
стр. 208
إثما وعقابا مما فروا منه مما ظنوه تنقصا، ولو فروا مما هو نقص لبعض أقدارهم فوقعوا في الشرك كان ما فروا إليه شرا مما فروا منه. والدين الحق دين الإسلام؛ عبادة الله وحده لا شريك له، وتصديق رسله كما يدلّ عليه قولنا: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. والله سبحانه جمع بين هذين الأصلين في غير موضع، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً [البقرة: ٢١، ٢٢] الآية. فبدأ بالتوحيد ثم قال: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا [البقرة: ٢٣] الآية. وفي أول آل عمران قال: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران: ٢] ثم قال: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ [آل عمران: ٣، ٤] فذكر التوحيد أولا ثم ذكر النبوات المتضمنة إنزال الكتاب. وفي سورة القصص قال: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ [القصص: ٦٢، ٦٣] إلى قوله: ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص: ٦٥] فذكر مناداتهم لتحقيق التوحيد أولا، ثم مناداتهم ماذا أجابوا المرسلين، وذكر تبرّي المعبودين من العابدين، ثم قال: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ إلى قوله: ما كانُوا يَفْتَرُونَ [القصص: ٧٥] فذكر هناك اعتراف المشركين بالتوحيد، وهنا اعتراف المعبودين، وذكر في سورة يونس نظير ما في البقرة، فقرّر التوحيد أولا ثم النبوة، فقال بعد قوله: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ [يونس: ٢٨] إلى قوله: فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [يونس: ٣٢] وذكر أنه ليس معهم إلا الظن الذي لا يغني من الحق شيئا. ثم قال: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ [يونس: ٣٧] إلى قوله: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [يونس: ٣٨] فقرّر النبوة ثم تحدّاهم بالمعارضة، ليبين عجزهم وعجز جميع الإنس والجن عن أن يأتوا بمثله، وأنه إنما أنزله الله. وكذلك سورة هود افتتحها بقوله: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١] إلى قوله: ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [هود: ٣] وافتتحها بذكر الكتاب، فإنه الداعي إلى التوحيد، فإن هذه نزلت بمكة ولم يكونوا مقرّين بالتوحيد بخلاف آل عمران فإنها من أواخر ما نزل؛ نزلت لما قدم وفد نجران سنة تسع أو عشر، والخطاب مع النصارى، وكانوا مقرّين بالتوحيد، لكن ابتدعوا شركا وغلوا واتبعوا المتشابه، من جنس الذين يحجّون إلى القبور ويتخذونها أوثانا، ولهذا لما ذكر آية التحدي في هؤلاء قال: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [هود: ١٣] إلى قوله: مُسْلِمُونَ [هود: ١٤] وأظهر عجزهم وإن القرآن منزل من الله بالإيمان بالكتاب والرسول وبالتوحيد قال: فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [هود: ١٤] وقوله بعلمه أي نزل متضمنا لعلمه أخبر فيه بعلمه كما قال: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ
стр. 209
إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء: ١٦٦] فتبين أن الذي تضمّنه هو علم الله، لا علم غيره، ولو كان كلام غيره لكان مضمونه علم ذلك المتكلم. ومن قال: أنزله وهو يعلمه؛ فقوله ضعيف، فإنه يعلم كل شيء وليس كلامه في إثبات علمه، ومثل هذا في القرآن مذكور في مواضع. وقد قال تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: ٩٢، ٩٣] قال أبو العالية- وهو من قدماء التابعين-: خلّتان يسأل عنهما الأولون والآخرون؛ ماذا كنتم تعبدون، وماذا أجبتم المرسلين. وقال تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ [البقرة: ١٣٦] الآية فجمع في هذه الآية بين الإيمان بما أنزله على أنبيائه وبين عبادته وحده لا شريك له.
وفي الصحيح: أن النبي ﷺ كان يقرأ في ركعتي الفجر بهذه الآية، وبآية من آل عمران قوله: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ [آل عمران: ٦٤] الآية «١».
وهذه الآية هي التي كتبها النبي ﷺ إلى قيصر ملك النصارى في كتابه إليه وآية البقرة قد قال قبلها: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ [البقرة: ١٣٥] الآية.
وهذا هو التوحيد ثم ذكر في هذه الآية الإيمان بما أنزل على أنبيائه، ثم قال: قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ [البقرة: ١٣٩] الآية. فأفصح في آخر الآيات الثلاث بإخلاص الدين كله لله، مع أن الربوبية شاملة، والأعمال مختصة لكل عامل عمله، والإخلاص يتناول الإخلاص في عبادته والإخلاص في التوكل عليه.
وفي المأثور عن أبيّ الدرداء رواها أبو نعيم في الحلية وغيره أنه كان يقول:
«ذروة الإيمان الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب» «٢». وهذان الأصلان؛ توحيد الرب والإيمان برسله، لا بد منهما، ولهذا لا يدخل أحد في الإسلام حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهذا يتضمّن الإسلام والإيمان، وهو الدين الذي بعث الله به جميع النبيين، فكلهم كانوا مسلمين مؤمنين قائمين بهذين الأصلين. وقد بسط الكلام على مسمى الإيمان والإسلام في مواضع، مثل شرح النصوص الواردة في الإسلام والإيمان في الكتاب والسنة وغير ذلك «٣».
стр. 210
[واجب الموحّد تجاه الملائكة والأنبياء]
والمقصود هنا، أن الله أمرنا أن نؤمن بالملائكة والأنبياء، وأمر أن لا نتخذهم أربابا ولا نشرك بهم، ولا نغلو فيهم، ولا نعبد إلا الله وحده، قال تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [البقرة: ١٣٦] الآية. فأمرنا أن نؤمن بما أوتي جميع الأنبياء، ولهذا كان الإيمان بجميع ما جاءوا به واجبا، ومن كفر بنبي معلوم النبوة فهو كافر مرتدّ، ومن سبّ نبيا كان مرتدا مباح الدم باتفاق الأئمة، وإنما تنازعوا في قبول توبته. وقد بيّن كفر من يؤمن ببعض ويكفر ببعض، فقال تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ [النساء: ١٥٠] إلى قوله: أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا [النساء: ١٥١] الآية. وقال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ [البقرة: ٢٨٥] الآية. وقال تعالى:
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة: ١٧٧]. وقال تعالى:
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: ٤، ٥] ودين الأنبياء واحد وملتهم واحدة، وهي الأمة، وإنما تنوّعت شرائعهم ومناهجهم، كما قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: ٤٨].
وقد افترق اليهود والنصارى، فاليهود جفوا عنهم فكذّبوهم وقتلوهم كما أخبر الله عنهم بقوله: أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ [البقرة: ٨٧] والنصارى غلوا فيهم؛ فأشركوا بهم حتى كفروا بالله، قال تعالى:
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ [النساء: ١٧١] إلى قوله: فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً [النساء: ١٧٢] الآية. فبالإيمان بهم وتصديقهم وطاعتهم يخرج المسلم عن مشابهة اليهود، وبعبادة الله وحده والاعتراف بأنهم عباد الله، لا يجوز اتخاذهم أربابا ولا الشرك بهم والغلوّ فيهم، يخرج عن مشابهة النصارى. فإن اتخاذهم أربابا كفر، قال الله تعالى: وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٨٠]. والنصارى يشركون بمن دون المسيح من الأحبار والرهبان، قال تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة: ٣١] الآية. فمن غلا فيهم واتخذهم أربابا فهو كافر، ومن كذّب شيئا مما جاءوا به أو سبّهم أو عابهم، أو عاداهم، فهو كافر. فلا بد من رعاية هذا الأصل.
وهذا المعترض وأمثاله التفتوا إلى جانب التعظيم لهم، دون جانب التوحيد لله
стр. 211
والنهي عن الشرك، فوقعوا في الغلوّ والشرك، فبقوا مشابهين للنصارى. وهذا مخالف لدين الإسلام، كما أن من لم يؤمن بهم وبما جاءوا به ومن لم يجعل الطريق إلى الله هو اتباعهم وموالاتهم، ومعاداة من خالفهم، فهو مخالف لدين الإسلام.
الوجه الثاني عشر:
أن يقال: لا ريب أن الجهاد والقيام على من خالف الرسل والقصد بسيف الشرع إليهم وإقامة ما يجب بسبب أقوالهم نصرة للأنبياء والمرسلين، وليكون عبرة للمعتبرين ليرتدع بذلك أمثاله من المتمردين، من أفضل الأعمال التي أمرنا الله أن نتقرّب بها إليه، وذلك قد يكون فرضا على الكفاية وقد يتعيّن على من علم أن غيره لا يقوم به.
والكتاب والسنة مملوءان بالأمر بالجهاد وذكر فضيلته، لكن يجب أن يعرف الجهاد الشرعي الذي أمر الله به ورسوله من الجهاد البدعي بجهاد أهل الضلال الذين يجاهدون في طاعة الشيطان وهم يظنّون أنهم مجاهدون في طاعة الرحمن، كجهاد أهل البدع والأهواء، كالخوارج ونحوهم الذين يجاهدون في أهل الإسلام «١»، وفيمن هو أولى بالله ورسوله منهم من السابقين الأولين والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين، كما جاهدوا عليا ومن معه، وهم لمعاوية ومن معه أشد جهادا، ولهذا قال فيهم النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه أبو سعيد قال: «تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق» «٢» فقتلهم عليّ ومن معه، إذ كانوا أولى بالحق من معاوية ومن معه، وهم كانوا يدّعون أنهم يجاهدون في سبيل الله لأعداء الله. وكذلك من خرج من أهل الأهواء على أهل السنة واستعان بالكفار من أهل الكتاب والمشركين والتتر وغيرهم، هم عند أنفسهم مجاهدون في سبيل الله. بل وكذلك النصارى هم عند أنفسهم مجاهدون.
стр. 212
وإنما المجاهد في سبيل الله من جاهد لتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، كما في الصحيحين عن أبي موسى قال: قيل: يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حميّة، ويقاتل رياء؛ فأيّ ذلك في سبيل الله؟ قال ﷺ : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» «١». وقد قال الله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [الأنفال: ٣٩] والجهاد باللسان هو لما جاء به الرسول كما قال تعالى في السورة المكية الفرقان: وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ [الفرقان: ٥١، ٥٢] الآية. وإذا كان كذلك، فالجهاد أصله ليكون الدين كله لله، بحيث تكون عبادته وحده هو الدين الظاهر، وتكون عبادة ما سواه مقهورا مكتوما أو باطلا معدوما، كما قال في المنافقين وأهل الذمة، إذا كان لا يمكن الجهاد حتى تصلح جميع القلوب فإن هدى القلوب إنما هو بيد الله، وإنما يمكن حتى يكون الدين ظاهرا دين الله، كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة: ٣٣].
ومعلوم أن أعظم الأضداد لدين الله هو الشرك، فجهاد المشركين من أعظم الجهاد، كما كان جهاد السابقين الأولين، وقد قال ﷺ : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله».
وكلمة الله؛ إما أن يراد بها كلمة معينة؛ وهي التوحيد لا إله إلا الله، فيكون هذا من نمط الآية. وإما أن يراد بها الجنس أن يكون ما يقوله الله ورسوله فهو الأعلى على كل قول، وذلك هو الكتاب ثم السنة، فمن كان يقول بما قاله الرسول ويأمر بما أمر به وينهى عما نهى عنه، فهو القائم بكلمة الله، ومن قال ما يخالف ذلك من الأقوال التي تخالف قول الرسول؛ فهو الذي يستحق الجهاد.
وهذا المعترض وأمثاله قد خالفوا قول الله ورسوله وسائر أئمة المسلمين، فإنهم متفقون على أن النبي ﷺ قال: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» وأن شدّ الرحال لزيارة القبور داخل في ذلك، إما بطريق العموم اللفظي، كدخول المساجد، وإما بطريق الفحوى وتنبيه الخطاب. فإنه إذا كان السفر إلى المساجد التي هي أحبّ البقاع إلى الله غير مشروع، فما دونها أولى أن لا يكون مشروعا، ومعلوم أن الصلوات الخمس جماعة وفرادى وقراءة القرآن والاعتكاف والذكر والدعاء هو مشروع في المساجد، وهو في المساجد أفضل منه في القبور، فإذا كان لا يسافر لذلك إلى المساجد فلا يسافر لذلك إلى القبور بطريق الأولى، وإذا لم يسافر لهذه العبادات التي يحبّها الله ورسوله، وهي إما واجبة مستحبة، إذا لم يسافر لها لا إلى المساجد ولا إلى
стр. 213
القبور، فلا يسافر إلى القبور. ولما لم يأمر الله به من الشرك والبدع بطريق الأولى، فهذا أمر معلوم بالاضطرار من دين الرسول، لكن لمن عرف دينه المتفق عليه بين علماء أمته، فمن جعل هذا السفر مستحبا أو مشروعا أو استحلّ عداوة من نهى عنه وعقوبته، فهذا محادّ لله ولرسوله، وهو المستحق للجهاد دون الآمر بما أمر الله به الناهي عما نهى الله عنه، فإنه يجب نصره وموالاته، كما يجب جهاد المخالف له ومعاداة ما أتاه من الباطل. وما استحبه علماء المسلمين وأجمعوا عليه من السفر إلى مسجد الرسول وزيارته على الوجه الشرعي فهذا مستحب بالإجماع لا ينازع فيه أحد، فإن كانوا يجاهدون من نهى عن هذا فهذا لا وجود له.
وإن جاهدوا أهل النزاع من المسلمين، فمسائل النزاع إما أن لا يكون فيها جهاد بل جدال وبيان وحجة وبرهان، وهذا جهاد باللسان، وإما أن يكون فيها جهاد، فيكون لمن خالف السنة والرسول، لا من اتبع الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة.
وحينئذ فعلى كل تقدير قد تبين أن المعترض وأمثاله من أهل البدع والضلال والكذب والجهل وتبديل الدين وتغيير شريعة الرسل هم أولى بأن يجاهدوا باليد واللسان بحسب الإمكان، وإنهم فيما استحلّوه من جهاد أهل العلم والسنة من جنس الخوارج المارقين، بل هم شر من أولئك، فإن أولئك لم يكونوا يدعون إلى الشرك ومعصية الرسول، وظنهم أنهم ينصرونهم ظن باطل لا ينفعهم، كظن النصارى أنهم ينصرون المسيح ورسل الله، وقد اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:
٣١]. وقد قال النبي ﷺ لعدي بن حاتم لما قال له ما عبدوهم قال: «إنهم أحلّوا لهم الحرام وحرّموا عليهم الحلال فأطاعوهم فكانت تلك عبادتهم إياهم» «١». رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما وصححه.
стр. 214
فقد أخبر الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى أن رءوسهم لما أحلّوا لهم الحرام وحرّموا عليهم الحلال فأطاعوهم، كانت تلك الطاعة عبادة لهم وشركا بالله، وهذا يتناول ما إذا أحلوا أو حرموا، معتمدين للمخالفة أو متأولين مخطئين، لا سيما وعلماء النصارى هم عند أنفسهم لم يفعلوا إلا ما يسوغ لهم فعله، كالرؤساء إذا قدّر أنهم اجتهدوا وأخطئوا يغفر لهم، فإن من اتبعهم مع علمه بأنهم أخطئوا وخالفوا الرسول ﷺ فقد عبد غير الله وأشرك به.
ومثل هذا المعترض يريد ممن يبيّن له سنة الرسول ﷺ وشرعه وتحليله وتحريمه أن يدع ذلك ويتّبع غيره، وهذا حرام بإجماع المسلمين، فقد أجمعوا على أن من تبين له ما جاء به الرسول ﷺ لم يجز له أن يقلد أحدا في خلافه «١». وأما العاجز عن الاجتهاد فيجوز له التقليد عند الأكثرين، وقيل: لا يجوز بحال، وأما القادر على الاجتهاد فمذهب الشافعي وأحمد وغيرهما أنه لا يجوز له التقليد، وذهب طائفة إلى جوازه، وقيل: يجوز تقليد الأعلم، ويروى هذا عن محمد بن الحسن وغيره. فمن عاب من اتبع ما تبين له من سنة الرسول ﷺ ولم يستحلّ أن يخالفه ويتبع غيره فهو مخطئ مذموم على عيبه له بإجماع المسلمين، فكيف إذا كان يدعو إلى ما يفضي إلى الشرك العظيم، من دعاء غير الله، واتخاذهم أوثانا، والحج إلى غير بيت الله، لا سيما مع تفصيل الحج إليها على حج بيت الله، أو تسويته به، أو جعله قريبا منه، فهؤلاء المشركون والمفترون مثل هذا المعترض وأمثاله المستحقّين للجهاد، وبيان ما دعوا إليه من الضلال والفساد، وما نهوا عنه من الهدى والرشاد، ولتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 215
[الفرقان بين الحق والباطل]
ونختم الكلام بخاتمة في بيان الفرقان بين الحق والباطل يظهر بها طريق الهدى من الضلال، وذلك أن الله سبحانه كما تقدم التنبيه عليه أمرنا أن نؤمن بالأنبياء وما جاءوا به، وفرض علينا طاعة الرسول الذي بعث إلينا ومحبته وتعزيره وتوقيره والتسليم لحكمه، وأمرنا أيضا أن لا نعبد إلا الله وحده ولا نشرك به شيئا، ولا نتخذ الملائكة والنبيين أربابا، وفرق بين حقه الذي يختص به الذي لا يشركه فيه لا ملك ولا نبي، وبين الحق الذي أوجبه علينا لملائكته وأنبيائه عموما، ولمحمد خاتم الرسل وخير مرسل الذي جاءه بالوحي خصوصا، فإن الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، فاصطفى من الملائكة جبريل لرسالته، واصطفى من البشر محمدا ﷺ ، وأخبر أن هذا القرآن الذي نزل به هذا الرسول إلى هذا الرسول مبلغا له عن الله، قال تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة: ٩٧] وقال: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] كما قال في الآية الأخرى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ [النحل: ١٠١] إلى قوله: عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل: ١٠٣] وقوله: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ إلى قوله: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ [النحل: ١٠٢] يبيّن أن روح القدس نزل بآيات القرآن من ربه، وبعض الكفار لما زعم أنه يتعلّم من بشر، قال الله تعالى: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ [النحل: ١٠٣]- أي: يضيفون إليه التعليم-: أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ فدل على أن هذا اللسان العربي المبيّن تعلّمه من الملائكة، ولم يتعلمه من بشر، ولا من تلقاء نفسه، بل جاءه به روح القدس، وروح القدس هو جبريل، وهو الروح الأمين، فإنه أخبر أن جبريل نزله على قلبه، وأخبر أن الروح الأمين نزل به عليه، فعلم أن جبريل وهو الروح الأمين. وقال هاهنا: نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ فعلم أنه روح القدس وقال في سورة التكوير: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ١٩ - ٢١] ثم قال: وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير: ٢٢، ٢٣]. كما ذكر ذلك في سورة النجم. وقال في سورة الحاقة: فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ [الحاقة: ٣٨، ٣٩] إلى قوله: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [الحاقة: ٤٣] إلى قوله: حاجِزِينَ [الحاقة: ٤٧].
فهذا محمد كما يدل عليه الكلام كله، وهذا قول عامة العلماء، وقد غلط بعض من شذّ فزعم أن جبريل غلط كما غلط من هو أعظم غلطا منه فزعم أن التي في التكوير في محمد ﷺ وهو إنما أضافه إلى هذا تارة وإلى هذا تارة بلفظ الرسول ﷺ ليبيّن أنه قول رسول بلّغه عن مرسله لم يحدث منه شيئا من تلقاء نفسه.
ولا منافاة بين أن يكون ذلك الرسول بلّغه إلى هذا وهذا بلّغه إلى الإنس والجن، فهو