← Джавами‘

Джавами‘ · id 37817

دروس للشيخ إبراهيم الفارس

إبراهيم بن عثمان الفارس

Полный текст (556 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الأسئلة

стр. 107

حكم الدعوة إلى الله بالنسبة للمرأة السؤال هل المرأة كالرجل في وجوب الدعوة إلى الله تعالى، أرجو إيضاح هذا؟ الجواب لابد أن يعلم الإنسان أن كل مخلوق قد يُسر له أمر، ويُسر له منهج، والإنسان مطالب بهذا المنهج، فالرجل له مجالاته الدعوية التي لا يمكن للمرأة أن تقوم بها، فالجهاد في سبيل الله مجال دعوي قوي، لكن المرأة لا تطالب بالجهاد، كذلك للرجل أن يخطب على المنابر أمام الناس، والمرأة لا تستطيع أن تفعل ذلك، لكنها تستطيع أن تكمل هذا العمل بما تستطيعه أمام النساء، فالمرأة مطالبة بالبلاغ، والمرأة في هذا الجانب مساوية للرجل تماماً؛ لقول النبي ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده) فكل أمر فيه حث على الدعوة إلى الله يخص الرجل والمرأة، وإذا قصر الرجل والمرأة فإنهما يأثمان على ذلك، وهما في هذا الأمر سواسية لا فرق بينهما.

стр. 108

شمول الدعوة إلى الله للحث على فعل الأوامر واجتناب المنهيات السؤال يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: الدعوة إلى الله تعالى تشمل كل ما أمر الله به من الواجبات والمستحبات، وكل ما نهى عنه من المحرمات والمكروهات، أرجو إيضاح ذلك؟ الجواب يعني: أن الإنسان يدعو إلى الله ، فهو حين يرى منكراً معيناً، ينهى عن هذا المنكر، وحين يرى إنساناً قد وقع في أمر مكروه ولو استمر فيه فليس عليه شيء، لكنه يريد أن يرفعه إلى الأحسن والأولى والأفضل، فبالتالي ينبه ذلك الإنسان على ذلك. كذلك في مسائل المستحبات حين ترى إنساناً لا يؤدي السنة الراتبة بعد الصلاة، تقول له: يا أخي تعلم ما للسنة الراتبة من فضل؟! ومن قام بها وأداها ماذا سيترتب على ذلك من أجر وغير ذلك؟! وهذا مستحب وليس بفرض على الإنسان، فأنت تحث هذا الإنسان وتدعوه للمحافظة على السنة الراتبة. كذلك تدعو فلاناً من الناس أن يلتزم بأداء صلاة الجماعة في المسجد وإذا كان لا يصلي في المسجد. إذاً: وبالتالي فقضية الدعوة إلى الله سواء كانت سلباً أو إيجاباً، أو سواء كانت مرتبطة بجوانب المحرمات والمكروهات أو جوانب المستحبات والمفروضات فالإنسان مرتبط بالدعوة في كلا الحالتين، فيأمر من وقع في منكر محرم أن يرجع عنه ويبتعد عنه، ويأمر من وقع في مكروه بأن من الأولى أن تترك ذلك؛ لأن الرسول ﷺ بين لنا أن هذا أمر مكروه، وهذا أمر فيه وضوح.

стр. 109

حصول الأجر والفضل للمرأة الداعية بهداية الناس مثل الرجل السؤال هل الفضل المذكور في الحديث: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) يتناول المرأة؟ الجواب نعم، يتناول المرأة مثل ما ذكر العلماء أن المرأة والرجل سواء في كل شيء إلا في مسائل خصها الشرع، وهي يسيرة، أما بقية المسائل فالرجال والنساء سواسية في ذلك، فقوله ﷺ : (لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من حمر النعم) كذلك هو للمرأة؛ لأن يهدي الله بك رجلاً أو امرأة خير لك من حمر النعم. كذلك الرجل ممكن تقول: لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من حمر النعم، باعتبار أنك هديت رجلاً وأدخلته في الإسلام، أو جعلته ينتقل من سبيل الغواية إلى طريق الصلاح، وتكون بذلك قد نلت أجراً ليس باليسير، وهذا الأجر قد لا تشعر به في حال حياتك، لكنك ستراه يوم القيامة عندما تنال أجر اهتداء الرجل وصلاته وصيامه وحجه وزكاته، وتنال أجر أولاده الذين صلحوا على يدي هذا الوالد الصالح، وأحفاده وأحفاد أحفاده إلى أن تقوم الساعة، وكل هذا يعود لك ولا ينقص من أجورهم شيء، ولذلك يقول العلماء: إن الصحابة هم أفضل الناس ولا يمكن أن يجاريهم أحد، بل حتى لو أنفق أحد الصحابة الذين تأخر إسلامهم مثل أحد ذهباً لم يبلغ مد أحد الصحابة الذين تقدم إسلامهم ولا نصيفه، كما ثبت ذلك عن الرسول ﷺ ، وذلك عندما تكلم خالد بن الوليد في شأن عبد الرحمن بن عوف. يعنى: أن الصحابة اهتدى على أيديهم أناس، وهؤلاء الأناس ستكون أجورهم لهم، وفي نفس الوقت سترجع أجورهم إلى هؤلاء الصحابة، وأبناؤهم وأبناء أبنائهم سترجع أجورهم إلى هؤلاء الصحابة، ونحن وأبناؤنا وآباؤنا مدينون بالفضل الذي نحن ننعم به فضل الإسلام، لهؤلاء الصحابة الذين نقلوه لنا صافياً كاملاً لم يتطرق له شك ولا شائبة ولا غير ذلك.

стр. 110

واجب المرأة الداعية تجاه الخادمة في البيت السؤال كيف تكون المرأة داعية مع الخدم في منزلها؟ الجواب الخدم ينقسمون إلى أقسام، فهناك خادمة ملتزمة، وقد تكون الخادمة أحياناً أكثر التزاماً من ذات المرأة التي تسكن معها، وقد تكون الخادمة غير ملتزمة، وقد تكون الخادمة غير مسلمة، وهنا لابد من وضع كل قضية في موضعها، فإن كانت المرأة الخادمة غير مسلمة فينبغي أن تنتبه المرأة إلى هذا الجانب من أساسه، وألا تستقدم كافرة وخاصة إلى هذه البلاد، وتحرص على أن تستقدم المسلمة، فإن حصل واستقدمت هذه الكافرة فلتنتبه المرأة إلى أن هذه الكافرة قد تؤثر في أولادها وفي زوجها، وقد تنشر شراً داخل البيت وهي لا تعلم إلى غير ذلك من الأمور المعروفة، فإن قررت المرأة وكانت حريصة على دعوتها إلى الإسلام، فتحاول قدر جهدها أن تستفيد من الإمكانات المتاحة، قد تكون المرأة المسلمة مجيدة للغة الإنجليزية والخادمة تجيد اللغة الإنجليزية فرضاً فيتم التفاهم بينهما نتيجة لذلك، وإذا كانت المسلمة لا تعرف الإقناعات فتحاول أن تستفيد مما كتب ومما سجل، وقد تستعين بمكاتب دعوة الجاليات في إمدادها بالأشرطة والكتيبات لتعطيها لهذه المرأة الخادمة تباعاً، مع العلم أن المرأة المسلمة لابد أن تعي أن هذه الخادمة غير المسلمة عندما جاءت إلى بيتها صارت مسئولة عنها، فإذا رجعت إلى أهلها ولم تعرضي عليها الإسلام فإنها ستتعلق في رقبتك يوم القيامة، وستطالبك أمام الله بأنها جاءت إليك وأنت مسلمة ولم تعرضي عليها الإسلام لا من قريب ولا من بعيد. أما إن كانت المرأة الخادمة غير ملتزمة وهي مسلمة فيؤتى إليها بالكتيبات والأشرطة التي تحث على الالتزام بدين الله ، وتجالسها وأن تتخلق معها بالأخلاق الحسنة، وتعاملها المعاملة السليمة التي يعامل بها الخدم في الإسلام، وقد ثبت عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه خدم الرسول ﷺ عشر سنين، والرسول ﷺ لم يتذمر منه أي تذمر، ولم يقل له في يوم من الأيام: لم فعلت كذا؟ ولم لم تفعل كذا؟ وهذا يدل على الخلق العظيم عند المصطفى ﷺ مع الجميع حتى مع خدمه، فهنا هذه المرأة لكي تؤثر في خادمتها لابد أن تضع قضية القدوة الحسنة نصب عينيها، نعم.

стр. 111

قصص مؤثرة لقد أكثر من ذكر القصص في القرآن الكريم، وذلك لما فيها من العظة والعبرة، ولما فيها من قوة التأثير على سامعيها وقارئيها، فهذه قصص واقعية مؤثرة، ويكمن شدة تأثيرها عندما تأتي من بلدان حملت على كاهلها محاربة هذا الدين الإسلامي، كيف يخرج من أهلها من يثبت على هذا الدين ويصبر ويتحمل المشاق من أجله.

стр. 112

الكشف عن مخططات المنصرين في محاربة القرآن الكريم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الأحبة الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تعلمون ما للقصة من أثر في القلب والضمير والكيان، فهي تشكل بمجموعها أثراً على الجسد فتقوده إلى الخير وتدفعه إلى الصلاح، والله قد أكثر من القصص في كتابه الكريم، وبينها وأوضحها بطرق متعددة وكيفيات مختلفة، وقال في بعض هذا القصص: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ [يوسف:١١١]، عبرة لمن؟ ﴿لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١] أي: لأولي العقول الذين يدرسون هذه القصص بعقولهم، ويستنتجون منها الأثر والمؤثر والدرس والعبرة، فيطبقونها في مجالات حياتهم المختلفة. أيها الأحبة الكرام! إن ما سأطرقه في هذا اللقاء الطيب المبارك عبارة عن جملة من القصص التي عايشتها أو كان لي معايشة بجزئيات منها، وهذه القصص حقيقة فيها تأثير لمن ألقى السمع وهو شهيد، فعليك أيها الأخ المبارك أن تفقه هذه القصة وتجعلها عبرة، بل ونبراساً تسير على هداه. أيها الأحباب! لعلكم تعرفون جميعاً أن أعداء الله على مر الأزمنة قد علموا وعرفوا أن القرآن الكريم الذي هو مصدر قوة المسلمين ومرجع عزتهم، وعلموا مدى تأثيره العظيم عليهم، فماذا فعلوا؟ لقد بذلوا جهودهم في سبيل إيجاد انفصال وانفصام وفرقة وافتراق بين هذا الكتاب العظيم وبين المسلمين، وهذه الفرقة وهذا الانفصام ليس مداره على سحب القرآن من أيدي الناس وإبعاده عنهم لا، ليس هذا هو الهدف، إنما الهدف هو إبعادهم عن الاعتصام به والاقتداء بهديه، وإبعادهم عن قراءته وتدبر معانيه، وهذا الهدف قد سعوا إلى تحقيقه وتطبيقه ولا يزالون يسعون لذلك جاهدين بكل قوة، قد يقول قائل: وما دخل هذا الكلام بما ستطرحه من قصص مؤثرة؟! أقول: لا تستعجل، فإن هذه مقدمة لها ما بعدها. وأحب أن أشير في هذه المقدمة إلى أن هؤلاء القوم قد نطقت أفواههم وطبقت فعالهم في مجتمعاتنا الإسلامية، بل وما تخفي صدورهم أكبر: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٥]. استمع أيها الحبيب المبارك إلى بعض زعماء هؤلاء القوم من المنصرين المتميزين المشهورين المعروفين ماذا يقولون تجاه كتاب الله، ثم بعد ذلك قارن بين هذه المقولات المختلفة وبين ما سأذكره لك من قصص؛ لترى أن الله ناصر دينه، حتى ولو تخلى عنه أقرب الأقربين إليه، وهم الذين يعيشون في داخل ذاك البلد الذي يعلن الإسلام، أو تلك الدولة التي تدعو إلى الإسلام، وهذه المسائل وهذه القضايا ستتضح بعد قليل فلا تستعجل الأمر. يقول المنصر الأول ويدعى: وليم جيفورد: متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد المسلمين، يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في طريق الحضارة الغربية بعيداً عن محمد وكتابه. أما تاكري -وهو منصر آخر ومشهور- فيقول: يجب أن نستخدم القرآن وهو أمضى سلاح في الإسلام ضد الإسلام نفسه؛ حتى نقضي عليه تماماً، ثم يواصل قائلاً: كما يجب أن نبين للمسلمين أن الصحيح في القرآن ليس جديداً وأن الجديد ليس صحيحاً. أما الحاكم الفرنسي الذي حكم الجزائر إبان الاستعمار الذي تم في القرن الماضي، فيقول في ذكرى مرور مائة سنة على استعمار الجزائر: يجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم، ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم؛ حتى ننتصر عليهم. ولذلك تواتر عن كثير منهم مقولة لا تنسب إلى أحدهم، لكن كل منهم ينطق بها إما بلسان الحال أو المقال، فيقولون: لن ننتصر على الإسلام إلا إذا خلعنا حجاب المرأة المسلمة وغطينا به القرآن. وأختم هذه النقولات أيها الأخ الحبيب بمقولة رئيس وزراء بريطانيا في فترة سابقة، يقول في مجلس العموم البريطاني: ما دام هذا القرآن موجوداً فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان. وعندما كان يتكلم بهذه الكلمات كان يرفع القرآن بيده، فقام أحد أعضاء مجلس العموم وخطف المصحف من يده ومزقه قطعة قطعة، فما كان منه إلا أن ضحك عليه وقال: ما أحمقك وما أغباك، إنك بهذا الفعل تثير المسلمين، وتجعلهم يطبعون بدل الكتاب مائة وبدل المائة ألفاً، ولكن ليست هذه الطريقة، ثم بدءوا يتناقشون في طريقة إبعادنا نحن المسلمين عن القرآن.

стр. 113

قصة اهتمام امرأة بريطانية مسلمة بتحفيظ أولادها القرآن قبل الدراسة المنهجية هذه العبارات وهذه الألفاظ وهذه النقولات ما علاقتها في موضوعنا الآن؟ صحيح أن غالب هؤلاء الذين سمعت كلامهم من المنصرين البريطانيين من بريطانيا، لكن استمع إلى هذه القصة: ففي دولة من دول الخليج كان هناك رجل يحمل الجنسية الليبية، سافر هذا الرجل إلى بريطانيا لظروف معينة كلاجئ سياسي أو هارب أو غير ذلك، فالذي حصل أنه تعرف على بريطانية مسلمة فتزوجها ثم أنجب منها مجموعة من الأبناء أظنهم ثلاثة، ثم حصل له عمل في هذه الدولة الخليجية فقدم إلينا ومعه زوجه وأبناؤه الصغار، وزوجته لا تعرف من اللغة العربية إلا بضع كلامات فقط، أما حديث هذه الزوجة مع زوجها فباللغة الإنجليزية، وعندما قدمت إلى هذا البلد الخليجي بدأت تتعلم شيئاً من اللغة العربية، لكن أولاد هذه الزوجة أو هذه المرأة البريطانية قد بلغوا سن الدراسة، فبدأ والدهم في البحث عن مدرسة متميزة بسلكوها بمنهجها بفكرها بأخلاق أساتذتها؛ حتى يكون لهم سمة بارزة وظهور مميز في تربية أولاده، وفعلاً وجد هذه المدرسة فقرر إدخال هؤلاء الأبناء الصغار في هذه المدرسة، وهي مدرسة أهلية، وعندما أخبر زوجته بهذه البشارة أنه وجد مدرسة بهذه الصفات العجيبة، قالت له زوجته: لا أنا لا أؤيد، فتعجب وقال: لماذا لا تؤيدين أن يدخل الأبناء في هذه المدرسة المتميزة التي يقوم عليها أناس متميزون بالصلاح والتقى وحب الخير؟! قالت له: لي وجهة نظر اسمعها ثم بعد ذلك نتناقش، قال: ما هي وجهة النظر؟ قالت: نحن مسلمون -وهي لم يمض على إسلامها إلا قليل- والقرآن الكريم هو دستورنا وهو منهجنا وهو عزنا وهو سعادتنا، فلماذا لا نهتم بالقرآن الكريم أولاً ثم بعد ذلك نضيف العلوم الأخرى عليه؟ قال: ما فهمت، أوضحي لي أكثر، فقالت له: أريد أن نعلم أولادنا القرآن الكريم حفظاً وتجويداً وتلاوةً وإن استطعنا تفسيراً، وعندما ننهي ذلك الأمر بعد ذلك ممكن أن ننتقل إلى تعليمهم العلوم الأخرى، يقول: وجدت المسألة صعبة، كيف أدرس وأحفظ أولادي الصغار أبناء ست سنوات أو خمس سنوات القرآن الكريم، وتريد زوجتي مني أن أحفظهم القرآن كاملاً؟ ولكن إصرار هذه الزوجة كان عجيباً، وكان النقاش بيني وبينها يدوم طويلاً ويستمر ليالي وأياماً إلى أن استطاعت أن تقنعه. هذه امرأة بريطانية لا تجيد اللغة العربية ومع ذلك استطاعت أن تقنع هذا الزوج بأن يدخل هؤلاء الأولاد في مدرسة لتحفيظ القرآن فقط، وهذه المدرسة هي مدرسة متميزة بجوانب تخصصت فيها، الجانب الأول: أنها مدرسة أهلية، أنها مدرسة داخلية تضم الطلاب إليها ولا تخرجهم إلا في وقت العطلات الأسبوعية فقط، والجانب الثالث: أنها لا تركز إلا على القرآن. يقول: أدخلت أولادي هذه المدرسة وصبرت على حرمان وألم أكن أتصوره وأتوقعه، تخيل عندما تحرم من أولادك ستة أيام في الأسبوع لا تراهم إلا يوماً واحداً فقط، لكن في سبيل القرآن يهون كل شيء، وفي سبيل كتاب الله تذل الصعاب، يقول: وكان هذا هو النبراس الذي ربتني عليه زوجتي، المفروض أنا أربيها على هذا النبراس، لكن هي التي عكست الأمر، قلت لها قبل إدخالهم مدرسة التحفيظ: انتبهي ستحرمين من أبنائك، قالت: نعم سأتحمل وأصبر، لكن في سبيل النتائج التي سأقطفها، وفعلاً يقول: درسوا وتعلموا وبعد سنة كاملة تقريباً وإذا بالأولاد يخرجون من هذا المدرسة حفظة لكتاب الله، وليس حفظاً فقط، بل حفظاً مقروناً بالتجويد والترتيل، أسأل الأول: ماذا تحفظ؟ يقول: كتاب الله تعالى، أقول له: اقرأ من كذا، يقرأ وتتمنى أن يواصل وإلا يسكت. عندما تتذكر أن أمه لا تعرف من العربية إلا قليلاً تلوم نفسك وتقول: أنا عشت في بيئة إسلامية خالصة وفي جو إسلامي كامل، فما هو حالي مع كتاب الله، أنا أخشى أن يكون ما دعا إليه أهل التنصير من أمثال تاكلي ووليم جيفور وغيرهم أخشى أن يكون قد انطبق علينا فعلاً. إذاً: علينا أن نتدارك الأمر، علينا أن ننتبه إلى أنفسنا وأولادنا، وأقول من المبشرات ولله الحمد والمنة أن نرى الإقبال الشديد الآن على مدراس تحفيظ القرآن، وعلى حلقات القرآن في المساجد، وعلى دور القرآن، فهذه القصة ينبغي أن تجعلوها صورة أمام ناظريكم حتى تدفعكم لمضاعفة الجهود في سبيل رفعة دين الله، لنكون بذلك محاربين لهؤلاء النصارى، فأنت الآن عندما تجعل أولادك يذهبون إلى حلقات تحفيظ القرآن فإنك تعلن الجهاد على النصارى من حيث لا تشعر، عندما تجعلهم يحفظون القرآن ويتعلمون ما فيه ويطبقون ما تعلموه تكون بذلك قد جهزت جيشاً قوياً قوامه ابني وابنك وابن فلان وفلان وفلان.

стр. 114

قصة امرأة أمريكية تحض زوجها على الجهاد في سبيل الله القصة الثانية: هذه امرأة أمريكية لاحظ أن القصة الأولى كانت متعلقة بامرأة بريطانية، أما القصة الثانية فمتعلقة بأمريكية، والثالثة: بامرأة أخرى أشير إليها في وقتها، لكنها ليست عربية، وهذه الجنسيات المختلفة تنتمي لدول تعلن الحرب صراحة على الإسلام والمسلمين، وهذه تعطيك دلالات على أن الله ناصر دينه، وعلى أن الله معز كلمته ولو كره الكافرون، ولو كره المجرمون، ولو كره المشركون: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢]. فيا أيها الحاقدون رويدكم، فالله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. أيها الأحبة! هذه المرأة الأمريكية كانت تعيش في أمريكا مع زوجها وأبنائها، أسلم هذا الزوج واقتنع فنشر الإسلام في أسرته، فأسلمت هذه المرأة عن قناعة وعن يقين وعن حب، فأخلصت في إسلامها، وحصل أن قدم هذا الزوج إلى دولة خليجية، وعندما وصل إلى هذه الدولة كان متخصصاً في علم متميز، وكان يعطى راتباً جزلاً ضخماً كبيراً، ولكنه وجد مجال العمل غير إسلامي، فطلب نقل كفالته إلى شركة أخرى، فأعطته نصف المرتب، واشترطت عليه شروطاً من أبرزها أن يحلق لحيته. والشرط الثاني: أن يلبس البدلة الإفرنجية، فقال لهم: أما حلق اللحية فلا يمكن أبداً أن أفعل ذلك، أما لبس البدلة الإفرنجية فدعوني أسأل الشيخ عبد العزيز بن باز -كان في حياته ﵀ فإن أفتاني بجواز ذلك لبستها وإلا فلا، قالوا: نحن شروطنا متكاملة ولا نريدك أن تنفذ شرطاً وتترك شرطاً، فتركهم ثم ذهب إلى شركة أخرى فوافقت على توظيفه لكن بربع المرتب الذي قدم به، ولكن تحققت في هذه الشركة الشروط التي يريد، فبدأ يعمل في هذه الشركة وينفق على هذه الأسرة، ويمارس الجوانب الدعوية المتعددة التي يتطلبها إسلامه من طلب العلم، والقراءة في القضايا الشرعية، وتعليم الأولاد، وتعليم الزوجة، قد يقول قائل: ما موضع الشاهد في هذه القضية؟ موضع الشاهد هو زوجة هذا الرجل، فقد كانت امرأة عجيبة، فهي عندما حصلت مشكلة كوسوفو وقام الصرب الأرثوذكس بمهاجمة المسلمين، ولو خرجنا قليلاً أيها الأحبة فالأرثوذكس يتميزون على مدار زمن الدولة الإسلامية منذ نشأتها إلى الآن بأنهم أشد الناس عداءً للإسلام؛ لأن النصارى فرق متعددة: الأرثوذكس والكاثوليك إلى آخره، هؤلاء تميزوا بحرب الإسلام، بل لديهم قواعد في دينهم تدعو إلى محاربة المسلمين، ولذلك من تتبع التاريخ الإسلامي لوجد أن الذين حاربوا الإسلام في المقدمة على مدار تاريخه هم الأرثوذكس، وتتلوهم بقية الفرق النصرانية مع فارق مميز، ولذلك هم الذين حاربوا المسلمين في مؤتة وفي تبوك، وفي مؤتة، وفي وقت الخلافة الراشدة في اليرموك وفي بيسان، وبعد ذلك في عين جالوت كلهم من النصارى الأرثوذكس. كذلك في عهد الدولة الأموية انحسر النصارى شيئاً فشيئاً إلى تركيا في عمورية وفي غيرها، وفي وقت الخلافة العباسية، وعندما قامت الدولة العثمانية كانت الحرب بين الدولة العثمانية والروس الأرثوذكس. إذاً: حرب الأرثوذكس ضد الإسلام قوية ومستمرة، وهذه نقطة اجعلها في ذهنك؛ لأنهم وإلى الآن يحاربوننا في الشيشان وفي كوسوفا وفي البانيا وفي البوسنة والهرسك. نعود إلى القصة ونقول: عندما حصلت المعارك الطاحنة في كوسوفا، قالت المرأة الأمريكية لزوجها: لماذا لا تذهب وتجاهد وأنت تعرف أن الجهاد ذروة سنام الإسلام؟ أقول: الأصل أن المرأة تتمسك بزوجها أكثر فأكثر، خاصة إذا كانت تعيش غربة متعددة: من غربة الوطن، وغربة الدين، وغربة أخرى متعلقة بالجنسية، فهي لا تتكلم العربية، عندها غربة في اللغة، وربما غربة الكراهية؛ لأنها من جنسية أمريكية، فهل هذه المرأة نظرت إلى هذه الجوانب؟ لا، بل قالت لزوجها: لماذا لا تجاهد؟ لماذا لا تسعى لتكون شهيداً في سبيل الله؟ ما فكرت المرأة بأن وراعي أبنائها سيموت، لا، وإنما فكرت في أن يجاهد، يقول: أنا كنت خائفاً، فقد كنت أنظر إلى أولادي الصغار فأخاف، وأنظر إلى غربة زوجتي وأولادي فأخاف، يقول الزوج: لكن المرأة نظرت من منظار آخر، هذا المنظار هو أن اسمي قبل الإسلام جورج فصار اسمي عبد الله، قال: فلما ترددت وخفت صارت تسميه: يا جبان، تعال يا جبان، اذهب يا جبان، ادخل يا جبان، كل يا جبان، لماذا؟ لأن المسلمين يقتلون في كل مكان وأنت جالس لماذا؟ اذهب فجاهد، يقول: والله صارت هذه الكلمات كخناجر تطعن في قلبي ليل نهار، بل وحفرت حفراً في فؤادي جعلتني أفكر فعلاً في نسيان كل شيء إلا الجهاد، فكانت النتيجة أن ذهبت إلى هناك وجاهدت ولم يكتب الله لي الشهادة فرجعت، وبعد أن رجعت وكان هذا الأمر على بدايات الحرب في الشيشان، فقالت لي: استعد وجهز نفسك وأعد العدة لتذهب وتجاهد في الشيشان، انظر إلى هذه المرأة، هل يا ترى هناك امرأة تنهج هذا المنهج؟ أنا لا أقول هذه المرأة امرأة أحد الصحابة أو التابعين، أو الأئمة الأعلام، أو أنها نشأت في جيل إسلامي وفي مجتمع إسلامي، لا، بل هي حديثة عهد بالإسلام، بل ولا تعرف من اللغة العربية إلا بضع كلمات تعد على الأصابع، كما ذكر لي ذلك زوجها، بل وحتى زوجها لا يتكلم من العربية شيئاً، ومع ذلك انظر إلى هذا المنهج، فهذه المرأة وتلكم المرأة الأولى الإنجليزية، هذه أمريكية وتلك إنجليزية، يقول شخص يحدثني عنهن: كن إذا خرجن إلى السوق فإنك لا تكاد ترى منهن شيئاً أبداً، يقول: نساء البلد الملتزمات ربما ترى أطراف العيون أو شيئاً من العين، أما هذه المرأة الأمريكية فهي تلبس حجاباً كاملاً يغطيها من القمة إلى القاع، ولا يظهر منها شيء، أليس في هذا درس وعبرة لمن وعى ولمن فقه؟!

стр. 115

قصة إسلام امرأة روسية أرثوذكسية وما حصل لها من بلاء بعد إسلامها أيها الإخوة الأحباب! لب موضوعنا هو القصة التالية، وجعلتها هي الأخيرة؛ لتكون هي الخاتمة، وجعلتها هي الخاتمة؛ لأنها هي المؤثرة وهي المتميزة، هذه القصة رويت لي حقيقة بأسلوب، ولعلي أنا أحكيها لكم بأسلوب آخر، قد يكون هناك بعض الزيادات اليسيرة، لكنها لا تؤثر ولا تغير في أصل القصة، هذه القصة دائرة حول امرأة روسية، فأنا لا أتحدث الآن عن امرأة من هنا أو من هناك من عالمنا الإسلامي، لا، بل بريطانية أمريكية روسية؛ لنأخذ من ذلك عبراً مؤثرة. هذه المرأة الروسية جاءت من روسيا مع رجل روسي ضمن مجموعة من الفتيات جاء بهن هذا الرجل الروسي إلى دولة خليجية مجاورة، وكان الهدف من هذا الجلب هو شراء بعض البضائع الشخصية من الأجهزة الكهربائية وإدخالها إلى روسيا، باعتبار أنها للاستعمال الذاتي فلا تؤخذ عليها جمارك مضاعفة، إنما جمارك يسيرة، فيقوم التاجر الروسي بسحب هذه الأجهزة من هؤلاء النسوة ثم يبيعها بأسعار مضاعفة، وإعطاء هؤلاء النسوة بدل أتعاب، وهذا أمر دارج وبكثرة، باعتبار رخص هذه الأجهزة في هذه البلاد الخليجية. فلما قدم هذا الرجل ومعه مجموعة من الفتيات لهذا الهدف الذي ذكرته، لكنه عندما وصلن عرض عليهن الرجل خطة مخالفة لما اتفق معهن، قال: أنتن جئتن إلى هنا للحصول على مبلغ يسير من المال، وهذا بلد متميز بثرائه الفاحش، وبغناه المتميز، وبأهله الذين يدفعون بغير حساب، فعرض عليهن جانب الرذيلة، بيع الأجساد، والمتاجرة بالأعراض، فمن أرادت فلتبشر بالثراء السريع، وبدأ في بسط شباكه، وبدأ في طرح الإغراءات، وبدأ وبدأ إلى أن اقتنع أكبر عدد من هؤلاء الفتيات بخطته، والاقتناع وارد؛ لأنه لا رادع إيماني يردعهن، ولا وازع خلقي يمنعهن، والفقر الذي يعيش في قلوبهن يدعوهن فعلاً إلى هذه الممارسة، إلا امرأة واحدة رأت أن هذا الأمر لا يمكن أن تسلكه، فضحك عليها وقال: أنت في هذا البلد ضائعة ليس معك إلا ما تلبسين من ثياب، ولن أعطيك شيئاً، فبدأت تدرس الموضوع بشكل سريع جداً في ذهنها، فماذا فعلت؟ تصرفت تصرفاً حكيماً ألا وهو أنها خطفت جوازها من هذا الرجل ثم خرجت من الشقة وهربت إلى الشارع، وليس عليها ما يسترها؛ لأنها جاءت متبرجة ليس عليها إلا شيء يسير من الثياب، ومعها جوازها، فخرجت إلى الشارع هائمة على وجهها، وهذا الرجل ناداها وقال: إذا ضاقت عليك السبل وإذا سدت في وجهك الطرق فتعالي، فهذا هو عنواني. يقول المتحدث: كنت أسير في الشارع أنا وأمي وأخواتي، وفجأة وإذا بتلكم المرأة تسرع وتركض مقبلة ناحيتنا، فبدأت تتكلم باللغة الروسية، فأفدناها أننا لا نتكلم اللغة الروسية، فقالت لنا: هل تتكلمون الإنجليزية؟ قلت أنا: نعم، وقلن أخواتي: نعم، عند ذلك فرحت، لكن فرحها كان مشوباً بحزن، بل ومقروناً ببكاء، فقالت: أنا امرأة من روسيا وقصتي كذا وكذا، وأنا أريد منكم فقط إيوائي لفترة يسيرة من الزمن حتى أتدبر أمري مع أهلي وإخوتي في بلادي، يقول: بدأت أتدارس الأمر مع أمي وأخواتي هل نقبلها أو لا نقبلها، قد تكون مخادعة، قد تكون محتالة، قد تكون قد تكون؟ وفي نهاية المطاف رأينا أن نقبل هذا العرض منها، فأخذناها معنا وذهبنا بها إلى البيت، وبدأت تتصل بأهلها في روسيا ولكن لا مجيب؛ لأن الخطوط متعطلة في تلكم البلاد، وكانت تحاول كل ساعة تريد أن تتصل لكن دون جدوى. يقول: صرن أخواتي يعاملنها معاملة أخت، فصرن يعرضن عليها الإسلام ولكنها تنفر وتبتعد وترفض ولا تريد أن تناقش في هذا الموضوع؛ لأنها من أسرة أرثوذكسية متعصبة تكره الإسلام والمسلمين، فيقولون: فوجدنا أن اليأس بدأ يتسرب إلى داخلنا، ولكن لا يأس مع الإصرار، يقول: فكنت أدعم أخواتي في المناقشة وأصر عليهن، وكنت أتدخل أحياناً، وذهبت في أحد الأيام إلى مكتب الدعوة في تلكم البلد، وصاحب المكتب هو الذي يحدثني يقول: دخل علي هذا الرجل فقال لي: هل عندك كتب تتحدث عن الإسلام باللغة الروسية أو الإنجليزية؟ قلت: نعم عندي لكنها قليلة، لكن أعطيك ما لدي، وبإمكانك أن تأتيني بعد أسبوع أو عشرة أيام وأعطيك دفعة أخرى، يقول: أخذ هذه الدفعة القليلة وذهب، وبعد فترة من الزمن جاء إلي ولكن جاء ومعه أربع نسوة، ثلاث عليهن شبه حجاب، يعني: يظهر منهن الوجه والكفان، أما الرابعة فكانت آية في الجمال وعليها بعض الستر، ولكن شعرها ظاهر ووجها ظاهر، يقول: طلبت منه بسرعة أن يدخل النساء إلى غرفة الانتظار، فدخل وجلس وقال لي: إن هذه المرأة الروسية قصتها كذا وكذا، وأنا جئت الأسبوع الماضي أو قريباً منه طلبت كتباً، وأريد الآن كتباً أخرى وأشرطة؛ لأنني عرضت عليها الإسلام فبدأت توافق، ووعدها بالزواج منها إن أسلمت، يقول: أعطيته مجموعة أخرى من الكتب وذهب بها ثم رجع إلي بعد فترة، وقال: إنها وافقت على الإسلام وتريد أن تعلن إسلامها، ثم طلبت منها أن تقرأ جملة من الكتب؛ لأن النظام في ذاك البلد يتطلب عمل اختبار، فقرأتها ثم جاء بها إلي واختبرتها فنجحت، ثم وعدته وقتاً آخر ليأخذ صك إعلان الإسلام في قصة طويلة، المهم عندما أعلنت إسلامها، قلت له: هناك مجموعة من الأخوات في أحد المراكز يتعلمن القرآن الكريم ويعلمنه، وهن متميزات في العلم والثقافة والدراسة العالية، فيمكن أن يتفاهمن مع هذه المرأة بلغتها أو بالإنجليزية، يقول صاحب المكتب: بعد فترة جاء إلي هذا الرجل ومعه هذه الزوجة لاستلام الوثيقة المصدقة وثيقة الزواج، فقال لي: أبشرك أنني تزوجت وأنا مستريح الآن ولله الحمد والمنة، يقول صاحب المكتب: لكن الذي أثارني أن هذه المرأة متغطية تماماً ليست كأخواته وأمه، عليها حجاب كامل لا يظهر منها شيء، فسألته من باب الفضول عن هذا؟ فقال: هذه لها قصة ظريفة، يقول: بعد الزواج ذهبت أنا وهي إلى السوق لشراء بعض الحاجات فرأت زوجتي امرأة متحجبة، وهذه أول مرة ترى فيها امرأة متحجبة تماماً، فاستغربت من هذا الشكل لأنها أول مرة ترى هذا الشكل، فقالت: لماذا هذه المرأة بهذا الشكل أو بهذا المنظر، لعل هذه المرأة فيها علة تخفيها؟! يقول: أنا من دافع الغيرة الإسلامية قلت: لا، هذه المرأة تحجبت الحجاب الذي ارتضاه الله لعباده، والذي أمر به رسوله ﵊، يقول: فقالت لي بعد تفكير: نعم فعلاً هذا هو الحجاب الإسلامي، قلت: ما أدراك؟ قالت: أنا الآن إذا دخلت أي محل تجاري لا تنزل أعين أصحاب المحل عن وجهي، تكاد أن تلتهم وجهي قطعة قطعة، إذاً وجهي هذا لا بد أن يغطى، لا بد أن يكون لزوجي فقط، كذلك لا أخرج من هذا السوق إلا بحجاب، يقول: والله واضطررت أن أشتري لها حجاباً ولبست هذا الحجاب.

стр. 116

قصة رجوع المرأة الروسية المسلمة إلى بلدها مع زوجها وما حصل لها مع مدراء الجوازات هناك يقول هذا الرجل المتحدث صاحب المكتب: انقطعت أخبار هذا الرجل زوج الروسية وهو فيما يبدو لي من فلسطين، قال: انقطعت أخباره فترة طويلة من الزمن خمسة أشهر أو ستة أشهر أو قريباً من ذلك، يقول: ثم جاء إلي بعد ذلك فقلت له: أين أنت هذه المدة لم نرك فيها، لقد كنت تأتي إلي كل أسبوع أو أسبوعين والآن مدة طويلة فماذا حصل لك؟ فقال لي: لا أنا ما انقطعت عنك لأن هناك مصلحة بيني وبينك فانتهت فقطعتها بانتهاء المصلحة لا؛ بل لأن هناك ظروفاً ألجأتني إلى هذا الانقطاع، وجئت إليك الآن لأريها لك؛ لأن فيها درساً وعبرة. وهذه أيها الأحبة الكرام هي لب موضوعنا الآن، يقول: بعد أن تزوجت هذه المرأة وعشت معها مستريحاً وأحببتها حباً كاملاً ملك علي كل كياني وكل قلبي وكل ضميري وكل أحاسيسي ومشاعري، يقول: وقعنا في مشكلة، وهذه المشكلة أن جواز هذه المرأة قد انتهى ولا بد أن يجدد، والإشكالية الأخرى أن هذا الجواز فيه مشكلة لا بد أن يجدد من البلد الذي تنتمي إليه المرأة، أو بمعنى أدق من المدينة التي تنتمي إليها المرأة، بمعنى: أنه لا يجدد في السفارة، بل لا بد من السفر، وإلا تعتبر إقامتها إقامة غير نظامية، يقول: فقررنا أن نسافر إلى روسيا، والحالة المادية تستدعي البحث عن أرخص خطوط موجودة، وفعلاً: وجدنا أن أرخص خطوط هي الخطوط الروسية، فأخذنا مقعدين وركبنا الطائرة، وركبت زوجتي بحجابها الكامل، يا امرأة يا أمة الله يا أمة السلام نحن سنقع في إشكاليات الآن، قالت: يا خالد أنت الآن تريد مني أن أطيع هؤلاء الكفرة الفجرة وقود النار لو ماتوا على ما هم عليه وأعصي الله ، لا يمكن أن يصدر هذا. أسلمت من أشهر، فانظروا إلى قوة تمسكها بإسلامها وحجابها. يقول: فركبنا وبدأ الناس ينظرون إلينا وبدأن المضيفات يوزعن الطعام، ومع الطعام الخمر، وبدأ الخمر يعمل في الرءوس، وبدأت الألفاظ تخرج بدون ضابط، فتندر وضحك وسخرية وإشارة ونظرات، ويقفون بجانبنا ويعلقون علينا، يقول: أنا لا أفهم كلمة، أما زوجتي فكانت تبتسم وتترجم لي هذا يقول: انظروا إليها كأنها كذا وكأنها كذا، وهذا يعلق وهذا يتندر وهذا، فأنا كلما قالت لي كلمة أحسست أن سهاماً تدخل قلبي ولا تخرج منه، أما هي فتقول: لا تحزن ولا يضق صدرك، فهذا أمر يسير في مقابل ما جابهه الصحابة، وما حصل للصحابيات من بلاء. يقول: وصلنا إلى المدينة المرادة، وعندما نزلنا في المطار كان في ذهني نظرة عادية جداً وهي أن نذهب إلى أهلها ونسكن عندهم، ثم بعد ذلك ننهي إجراءاتنا ونعود، لكن نظرة المرأة هذه كانت بعيدة، قالت: أهلي متميزون بتمسكهم وعصبيتهم لدينهم، فلا أريد أن أذهب إليهم، لكن نستأجر غرفة ونبقى فيها، وننهي إجراءات الجواز، ثم بعد ذلك نزور أهلي، فرأيت أن هذا رأياً صواباً، يقول: استأجرنا غرفة، ثم ذهبنا ودخلنا على الموظف الأول والثاني والثالث نريد إنهاء الإجراءات، وكل منهم يطلب منا الجواز القديم وصورة للمرأة، فتخرج المرأة صوراً لها بالأسود والأبيض وعليها حجاب لا يظهر في هذه الصورة إلا دائرة الوجه فقط، فكل موظف يقول: لا، هذه الصور مخالفة، لكن نريد صورة ملونة ويظهر فيها الوجه والشعر والرقبة كاملةً، فتقول المرأة: لا يمكن أن أصور هذه الصورة أبداً، فكان كل موظف يقول: لا يمكن أن أعطيك جوازاً إلا بهذه المواصفات، فكل موظف يحيلنا على الآخر والثالث والرابع إلى أن أحالونا إلى المديرة الأصلية في الفرع وكانت امرأة، فذهبت إليها زوجتي وقالت لها تقنعها: ألا ترين صورتي الحقيقية وتقارنيها بالصور التي معك، قالت: نعم، ولكن النظام يقول: لا بد من صورة ملونة بالمواصفات التالية وأصرت، قلنا لها: ما الحل؟ كانت خبيثة فعلاً، قالت: لا يحل لكم الإشكال إلا مدير الجوازات الأصلية الكبرى في موسكو، فالتفتت إلى خالد وقالت له: يا خالد نسافر إلى موسكو، قال: قلت لها: يا زوجتي العزيزة أحاول أن أقنعها، يقول تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ويقول : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وهذا جواز يراه مجموعة من الأشخاص فقط للضرورة ثم تخفينه في بيتك إلى أن تنتهي مدته، كم مدته خمس ست سبع سنوات، فقالت: لا، لا يمكن أن أظهر بصورة متبرجة بعد أن عرفت دين الله ، إذا كنت رافضاً أن أسافر إلى موسكو فلعلي للضرورة أسافر لوحدي، وألتمس في ذلك حكماً؛ لأن الأمر ضروري، وهذا لعله أسلوب ضغط على زوجها، يقول: قررت وسافرت معها ووصلنا موسكو واستأجرنا غرفة، ومن الغد ذهبنا إلى مدير الجوازات، فدخلنا على الموظف الأول والثاني والثالث، وحصل في المدينة في موسكو نفس الذي حصل في المدينة، وفي نهاية المطاف وصلنا إلى المدير الأصل ودخلنا عليه، وكان من أشد الناس كفراً، فعندما رأى الجواز ورأى الصور قال: من يثبت لي أنك صاحبة هذه الصور، يريد أن تكشف وجهها، قالت: قل لأحد الموظفات عندك أو السكرتيرات تأتي وتقارن، أما أنت فلن تقارن، فأخذ الجواز وأخذ الصور وجعلها مع بعضها وأدخلها في درج مكتبه وأغلقها، وقال: ليس لك جواز قديم ولا جديد إلا بعد أن تأتي إلي بالصور المطابقة تماماً، يقول: حاولنا نقنعه وحاولنا ما فيه فائدة، فعدت كذلك أناقشها في قضية الصورة، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولكنها كانت ترد علي بآية وتقول لي: يا خالد لقد تعلمت في دار تحفيظ القرآن: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، وأثناء النقاش بيني وبينها غضب مدير الجوازات، فطردنا من مكتبه، خرجنا من دار الجوازات بأكملها وذهبنا لنتدارس الأمر في غرفتنا، أنا أقنع وهي ترد، أنا آتي بحجة وهي تأتي بحجة إلى أن جاء الليل، وعندما جاء الليل صلينا العشاء ثم أكلنا ما تيسر، ثم أردت أن أنام، قالت لي: خالد في هذا الموقف العصيب تنام؟! نحن نعيش موقفاً يحتاج منا إلى لجوء إلى الله ، قم لنلجأ إلى الله، فإن هذا وقت اللجوء، يقول: قمت وصليت ما شاء الله لي أن أصلي ثم نمت، أما هي فاستمرت تصلي، وكان كلما استيقظت ونظرت فرأيتها إما راكعة أو ساجدة أو قائمة أو داعية أو باكية إلى أن ظهر الفجر، ثم أيقظتني وقالت: لقد دخل وقت الفجر فهلم لنصلي الفريضة، يقول: قمت وتوضأت وصلينا، ثم نامت قليلاً، ثم بعد ذلك قالت: لنذهب إلى الجوازات، نذهب بأي حجة أين الصور؟! ليس معنا صور؟! قالت: لنذهب ونحاول لا تيئس من روح الله، لا تقنط من رحمة الله، يقول: فذهبنا، ووالله منذ وطئت أقدامنا أول مكتب من مكاتب الجوازات، وزوجتي شكلها مميز ومعروف، عليها عباءة كاملة تغطي كل أجزاء جسدها، وإذا بأحد الموظفين ينادي فلانة بنت فلان؟ وتقول: نعم، قال: خذي جوازك، لقد أنهي الجواز بذات المواصفات المطلوبة، ولكن ادفعوا الرسوم فقط، يقول: ففرحنا، ووالله لو طلبوا كل المال الذي معنا لدفعناه، أخذنا الجواز ودفعنا الرسوم ثم عدنا وهي تنظر إلي وتقول: ألم أقل لك: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:٢]، يقول: والله إن الكلمة التي صدرت منها حفرت في قلبي تربية إيمانية لم أتلقها منذ سنين طوال من تربية تلقيتها، من دروس ومحاضرات سمعتها إلى غير ذلك.

стр. 117

قصة زيارة المرأة الروسية لأهلها مع زوجها وما حصل لهما معهم قال الموظف أثناء ذلك: لا بد أن تختمي الجواز من مدينتك أيها المرأة التي تنتمين إليها، فتقول هذه المرأة: وفعلاً ذهبنا إلى مدينتا، وقالت: فرصة نزور أهلي، نقول: فلما وصلنا مدينتي استأجرنا غرفة وختمنا الجواز وجعلنا فيها كل ما يخصنا، ثم ذهبت أنا وخالد لزيارة أهلي، فلما طرقنا الباب فتح الباب أحد الشباب الكبار، عندما نظر إلى أخته فرح واستغرب، أصيب بفرحة وردة فعل، الوجه وجه أخته، واللباس ليس لباس أخته، رأى سواداً يغطي كل شيء إلا الوجه، دخلت وهي تبتسم وتعانق أخاها ثم بعد ذلك دخلت وراءها فجلست في صالة المنزل، يقول: كان منزلاً شعبياً بسيطاً متواضعاً تحس آثار الفقر فيه، يقول خالد: جلست وحيداً، أما هي فدلفت إلى الداخل، يقول الزوج: كنت أسمع كلاماً لرجال ونساء بالروسية لا أفقه ما يقولون، ولا أعرف عن ماذا يتحدثون، ولكنني بدأت أسمع نبرات الصوت تزداد واللهجة تتغير والصراخ يزيد، فأحسست أن الأمر فيه شر، ولكنني لا أستطيع أن أقدر الأمور بقدرها، بناءً على عدم فقه اللغة، يقول: بعد مضي فترة من الزمن وإذا بثلاثة من الشباب ورجل كهل يدخلون علي، توقعت أن هذا بداية الترحيب بزوج ابنتهم، وإذا بالترحيب ينقلب إلى لكمات وضربات وكفوف، ويقول: وعندما نظرت إلى نفسي بين هؤلاء الوحوش رأيت أنني سأودع الدنيا، وليس أمامي إلا الهرب النجاة النجاة، وفعلاً فتحت الباب مسرعاً وهربت وهم ورائي، وضعت بين الناس، ثم اتجهت إلى غرفتي، وكانت ليست ببعيدة عن المنزل، نظرت إلى نفسي وإذا بورمات في وجهي وفي أنفي، وإذا بالدم يسيل من فمي، وإذا بثيابي ممزقة، فقد تلقيت ضربات عنيفة فعلاً، قلت: الآن أنا نجوت، لكن ما حال زوجتي؟ يقول: نسيت نفسي وبدأت أفكر في زوجتي، يقول: مشكلتي أنني أحببت زوجتي وعشقت زوجتي، لذلك لا يمكن أن أنساها وأفكر في نفسي، يقول: كانت صورتها أمام ناظري، هل فعلاً هي تتعرض في هذه اللحظة لنفس اللكمات والضربات والصفعات التي تلقيتها، أنا رجل وتحملت، لكن هي امرأة لن تتحمل أكيد ستنهار وستتركني، وسترتد، يقول: بدأ الشيطان يعمل عمله، وبدأت الأفكار تنقلب في رأسي يمنة ويسرة، لتستقر على أن لا زوجة لك بعد اليوم، يقول: ماذا أفعل؟ أذهب لا يمكن، النفس في ذلك البلد رخيصة، ممكن أن يستأجروا رجلاً لقتلي بعشرة دولارات، إذاً لا بد أن أبقى في غرفتي، يقول: فبقيت في غرفتي إلى أن أصبحت، ثم غيرت ملابسي وذهبت أتحسس الأخبار، أنظر إلى بيتهم عن بعد أرقبه وأتتبع كل ما يحصل فيه، لكن الباب كان مغلقاً، وفجأة فتح الباب وخرج منه ثلاثة من الشباب وكهل هو أبوهم، يقول: هؤلاء الشباب هم الذين ضربوني، وقد بدا لي من هيئتهم أنهم ذاهبون إلى أعمالهم، أغلق الباب وأقفل وأنا أرقب وأرقب وأنظر وأتمنى أن أرى وجه زوجتي، ولكن لا فائدة، وإذا بالرجال يرجعون من عملهم. انظروا ساعات طوال يقول: وأنا أذهب وآتي في ذات الشارع، لكن لا فائدة، وفي اليوم الثاني كررته، وفي اليوم الثالث كررته، يقول: يئست وتوقعت أن زوجتي ماتت أو أنها قتلت، لكن لو كانت ماتت على الأقل سيكون هناك حركة في البيت، سيكون هناك نوع من العزاء القليل من بعض الأقربين، لكن لا أرى شيئاً، إذاً لا زالت على قيد الحياة، يقول: وفي اليوم الرابع بعد أن ذهب هؤلاء إلى أعمالهم وإذا بالباب يفتح، يقول: وإذا بوجه زوجتي ينظر يمنة ويسرة، يقول: لم أر منظراً في حياتي أروع من ذاك المنظر ولا أجمل من ذاك المنظر بالرغم من أن ذاك الوجه الذي رأيته كان وجهاً أحمر مخضباً بالدماء، يقول: فاقتربت مسرعاً ونظرت إليها وكدت أن أموت؛ لأنها انقلبت إلى لون أحمر بالدماء على وجهها وعلى ساعديها وفخذيها وساقيها، يقول: وليس هناك إلا خرقة صغيرة تسترها، وإذا بيديها وقدميها مربوطة بسلسة، وعندما نظرت إليها بكيت ولم أستطع أن أتمالك نفسي، قالت: اسمع يا خالد أولاً: اطمئن علي فأنا لا زلت على العهد، ووالله الذي لا إله إلا هو إنما ألاقيه الآن لا يساوي شعرة مما لاقاه الصحابة والتابعون، بل والأنبياء والمرسلون. ثانياً: أرجوك يا خالد لا تتدخل بيني وبين أهلي. ثالثاً: انتظر في الغرفة إلى أن آتيك إن شاء الله، ولكن أكثر من الدعاء، وأكثر من قيام الليل، وأكثر من الصلاة، فإن الصلاة هي الملجأ بعد الله ، يقول: ذهبت وبقيت في غرفتي يوماً ويومين وثلاثة أيام، وفي آخر ليلة اليوم الثالث في آخر الليل يطرق الباب، قلت: من بالباب؟ أول مرة أسمع الباب يطرق ويشدة، يقول: أصبت بخوف شديد من الذي سيأتي في هذا الوقت المتأخر من الليل، لعل هؤلاء الرجال علموا بي، لعل زوجتي اعترفت نتيجة الضرب والجلد، فقالت: إنه يسكن في الغرفة الفلانية، فجاءوا إلي لقتلي، يقول: أصبت برعب الموت، يقول: لم يبق بيني وبين الموت غير قليل، وأنا أقول في هذه اللحظة: من بالباب؟ وأنا أشعر فعلاً أن يدي وقدمي قد وصل الموت إليها، يقول: وإذا بصوت ينساب لم أسمع أروع منه ولا أجمل منه ولا أجمل منه إنه صوت زوجتي، تقول: أنا فلانة، يقول: فتحت الباب وأضأت النور، قالت لي: الآن نذهب، قلت: على وضعك؟ قالت: نعم، يقول: أخرجت بعض الملابس فلبستها وأخرجت حجاباً وعباءة احتياطية فلبستها، ثم أخذنا كل ما لدينا، وركبت السيارة وقلت لها المطار؟ قالت: لا لن نذهب إلى المطار، بل نذهب إلى القرية الفلانية، لماذا نحن نريد أن نهرب؟ قالت: لا، إذا عرف أهلي بهروبي فسيبحثون عنا في المطار، لكن نهرب إلى قرية كذا، ثم من قرية كذا إلى قرية أخرى وثالثة ورابعة وخامسة، ثم إلى مدينة من المدن التي فيها مطار دولي، وفعلا ًوصلنا إلى مطار دولي وحجزنا، وكان الحجز متأخراً، ثم استأجرنا غرفة وسكنا، يقول: فكنت أنظر إلى زوجتي وما حصل لها، وفي أثناء الطريق كنت أسألها ما الذي حصل؟ قالت: عندما دخلنا إلى البيت جلست مع أهلي، قالوا لي: ما هذا اللباس؟ يعني: تفاجئيننا بهذه المفاجأة الحلوة، قلت لهم: لا هذا لباس الإسلام، طيب من هذا الرجل؟ هذا زوجي، أنا أسلمت وتزوجت بهذا الرجل المسلم، قالوا: لا يمكن هذا، فقالت: اسمعوا أحكي لكم القصة أولاً، فحكت لهم قصة ذلك الرجل الروسي الذي أراد أن يجرها إلى الدعارة وبيع العرض، قالوا لها: لو سلكت طريق الدعارة وبعت عرضك كان أحب إلينا من أن تأتينا مسلمة، انظروا إلى التعصب الشديد عند هؤلاء القوم، لكن لن تخرجي من هذا البيت إلا أرثوذكسية أو جثة هامدة، يقول: من تلك اللحظة أخذوني ثم كتفوني ثم جاءوا إليك وبدءوا يضربونك وأنا أسمع الضرب، تقول: وأنا مربوطة، ثم بعد ذلك تقول: عندما هربت أنت رجع إخوتي وذهبوا واشتروا سلاسل فربطوني بها، وبدءوا يجلدونني بأسواط عجيبة غريبة، من العصر إلى وقت النوم، أما في الصباح فإخواني في الأعمال وأبي وأمي في البيت، وليس عندي إلا أخت صغيرة عمرها خمس عشرة سنة، تأتي إلي وتتندر بي، تقول: هذا التندر هي فترة الراحة الوحيدة عندي، تقول: أحياناً أنام وأنا مغمى علي، فقد كانوا يجلدونني إلى أن يغمى علي وأنام، وكانوا يطالبونني فقط بأن أرتد وأنا أرفض، تقول هذه المرأة لزوجها: بعد ذلك حصل أن أختي أثناء التندر بدأت تسألني: لماذا تتركين دينك ودين أمك ودين أبيك ودين أجدادك إلى آخره، فكنت أقنعها وأبين لها وأوضح لها، فبدأت فعلاً تشعر باقتناع، وبدأت الصورة أمامها تتضح، وبدأت صورة الباطل الذي تعيش فيه يظهر، ففعلاً قالت: معك حق هذا هو الدين الصحيح، وهذا هو الدين الذي ينبغي أن ألتزمه أنا، عند ذلك قالت لي: اسمعي يا أختاه أنا سأعينك، فقلت لها: إذا كنت تريدين إعانتي فاجعليني أقابل زوجي، تقول: فبدأت أختي تنظر من علو، فقالت: إني أرى رجلاً صفته كذا وكذا، فقالت: هذا هو زوجي فإذا رأيته فافتحي لي الباب لأكلمه، وفعلاً تقول: فتحت الباب فخرجت وكلمتك، لكن هناك مشكلة كنت مربوطة بسلسلتين، أما الثالثة فكان مفتاحها مع أختي، وهي مربوطة في أحد أعمدة البيت حتى لا تخرج، وأختي معها هذا المفتاح حتى أتحرك في نطاق معين لو أردت أكرمكم الله الدورة، تقول: في الثلاثة الأيام التالية أختي اقتنعت بالإسلام، وقررت أن تضحي تضحية تفوق تضحيتي، فقررت أن تجعلني أهرب من البيت، لكن مفاتيح السلاسل مع أخي وهو حريص عليها، تقول في اليوم الثالث أعدت أختي لإخوتي خمراً مركزاً، إلى أن ثملوا بحيث صاروا لا يعون شيئاً، ثم أخذت المفاتيح من جيبه وفتحت السلاسل وجئت إليك في آخر الليل، إذاً: قلت لها: وأختك ما مصيرها؟ قالت: طلبت من أختي ألا تعلن إسلامها علانية وأن تستخدم السر الآن إلى أن نتدبر أمرها. يقول: فحجزنا ورجعنا إلى البلد وأدخلت زوجتي المستشفى ومكثت فيه عدة أيام للعلاج من آثار الضربات والتعذيب. أيها الأحبة: أنا أعتذر حقيقة عن الإطالة، ولكن طبيعة القصة تتطلب الإطالة، وهذه القصة تحتاج إلى وقفات ووقفات مطولات لاستنتاج واستجلاء الدروس والعبر، ولكني أترك ذلك لعقولكم ولقلوبكم، لأخذ الدرس والعبرة، فهذه امرأة حديثة عهد بإسلام لا تتكلم اللغة العربية ومن روسيا، ومع ذلك نهجت منهجاً قد لا يسلكه أو قد يتراجع عنه كثير من الرجال وليس النساء ممن ارتضعوا الإسلام من الصغر، وقد توافقنني على ذلك. إذاً: هذه القصة فعلاً مؤثرة، وهذه القصة فيها عبرة وعظة ودرس، بل وفيها دروس، وأتمنى من الله أن نعيها جميعاً، وأن نأخذها لتكون أمام ناظرينا، وننقلها لتكون في قلوب وعقول زوجاتنا وبناتنا وأخواتنا، بل وأمهاتنا، ومن نعرف ومن لا نعرف؛ ليكون في ذلك نشر للخير ونشر للفضل، وليعرف الناس ويعلم الناس أن دين الله منصور، وأن الله ناصر دينه حتى ولو تخلى عنه أهله، حتى ولو حاربه وتزعم حربه أناس يعيشون بيننا ويتكلمون بلغتنا، وربما يصلون إلى قبلتنا ويتسمون بأسمائنا. أسال الله لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل ما سمعنا جميعاً حجة لنا لا حجة علينا، وأن يعيننا على أنفسنا، وأن يجعلنا ممن يستمع القول ويتبع أحسنه، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله

стр. 118

البيت عمار أو دمار هناك عوامل كثيرة تؤثر في البيت والأسرة سلباً وإيجاباً، فينبغي للمسلم أن يسعى إلى تحقيق العوامل التي تعود على البيت والأسرة بالإعمار والخير، وفي المقابل عليه أن يسعى جاهداً إلى إبعاد العوامل التي تعود على البيت والأسرة بالدمار والفساد.

стр. 119

من العوامل المؤثرة في البيت: الأسرة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين. أيها الأحبة! أحييكم بتحية الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فإن الحديث عن البيت حديث ذو شجون، فالبيت عموماً يعد مؤسسة مستقلة، له منهجه الاقتصادي، والاجتماعي والإداري، فهو مؤسسة مستقلة لها مدير، وفي هذه المؤسسة أعضاء يديرون هذا الصرح؛ ليسير إلى خط يريده مدير هذه المؤسسة. والبيت عماد الأسرة التي تتكون من الأب والأم والذرية والأحفاد، وتتكون من الجد والجدة، والإخوة والأخوات إن كانوا موجودين، هذا البيت إذا أردنا أن نتحدث عنه من ناحية العمار لا بد أن نسلك خطاً مستقلاً، وإن أخذنا الجانب السيئ الذي قد يحصل في بعض البيوت فلا بد أن نأخذ جانباً آخر. لا تكاد تجد بيتاً إلا وفيه شيء من هذا العمار وشيء من ذاك الدمار، لا تكاد تجد بيتاً إلا وعليه ملاحظات إلا ما رحم الله وقليل ما هم، وكلما صفا البيت وارتقى في جو السماء ليقترب من الملائكة كان ذلك بيتاً ملائكياً إن صح التعبير، وكان ذلك البيت بيتاً سماوياً مرتبطاً بالله ، وكلما انحدر في براثن الفساد وأسرع إلى دمار نفسه اقترب من الشيطان، حتى صار بيتاً شيطانياً، وبين هذا البيت وذاك البيت بيوت كثيرة على درجات متعددة. أيها الأحبة! رب البيت هو ملك البيت، فإن صلح صلح هذا البيت، وإن فسد فسد هذا البيت، وهو القائد الأعلى الذي يتحكم في شئون البيت ويدير دفته، ويوجهه الوجهة التي يريد، فإن كان يسير بالأسرة السير السليم كانت النهاية سليمة، والعكس هو الصحيح، يقول الشاعر: إذا كان رب البيت بالطبل ضارباً فلا تلم الصبيان فيه على الرقص ويقول آخر: رأيت صلاح المرء يصلح أهله ويعديهم داء الفساد إذا فسد يعظم في الدنيا بفضل صلاحه ويحفظ بعد الموت في الأهل والولد أيها الإخوة! لقد ركز ديننا الإسلامي تركيزاً شديداً على مسألة الأسرة، وأعطاها أهمية قصوى، ولو تتبعنا النصوص الشرعية في القرآن والسنة لوجدنا الشيء الكثير الذي يطرق ذا أو ذا بشكل موسع، ولو أردنا أن نستقصي الآيات والأحاديث والقصص المرتبطة بالبيت لكان ذلك أمراً عسيراً؛ لأن الإسلام ما جاء إلا لإصلاح الفرد الذي هو جزء من الأسرة، وما جاء إلا لإصلاح الأسرة التي هي جزء من المجتمع، وما جاء إلا لإصلاح المجتمع الذي هو جزء من الأمة. إذاً: فالإسلام هو دين الأمة، وتلاحظون أن الفرد هو الأساس، فإذا صلح الفرد صلحت الأسرة وصلح المجتمع وصلحت الأمة، وإن كان العكس فإن مآل الأمة إلى الضياع والتشتت والتفرق والفساد. هذه وقفات مع بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية حول البيت وما يتعلق به، ترد علينا تباعاً خلال هذا اللقاء الذي أسأل الله أن ينفعني به أولاً وينفعكم به بعد ذلك. أيها الأحبة! هذه المحاضرة ستطرق جوانب وعوامل من مؤثرات البيت، فالبيت يتأثر بعدة عوامل: العامل الأول: الأسرة. العامل الثاني: الأطفال، وركزنا على الأطفال؛ لأنهم حيوية الأسرة، فإذا فقدت الأسرة الأطفال أو لم ترزق بأبناء كان هذا البيت بيتاً يشبه المقابر، والذين ابتلاهم الله بعدم وجود الأطفال يحسون بذلك، وهذا ابتلاء يحتاج إلى صبر وجزاؤه الجنة إن شاء الله. العامل الثالث: من العوامل المؤثرة في البيت: الخادم أو السائق أو كلاهما. العامل الرابع: الأجهزة التي تعمل في البيت ليل نهار أياً كان نوعها. العامل الخامس: تصميم البيت وشكله ومظهره وداخله وما يتعلق بذلك. العامل السادس: جيران صاحب المنزل وما يتعلق بهم. العامل السابع: الأسواق والمحلات المحيطة بالمنزل وهكذا. إذاً: تجدون أن البيت لكي يصبح بيتاً عامراً بالخير والنصح وبالتربية السليمة فلا بد أن يأخذ بالعوامل الإيجابية المؤدية إلى الخير والإعمار، أما إن كان بيتاً فاسداً يسير إلى الدمار فلا بد أن يكون متأثراً بالعوامل السلبية المؤدية إلى الدمار، ولذا سنتعرض لهذه العوامل عاملاً عاملاً أو واحداً واحداً، ثم نقف معها وقفات مختصرة مركزة، ونربط ذلك بالواقع المعايش وبالأمثلة المحسوسة الملموسة. أولاً: الأسرة، الأسرة كما تعرفون هي نواه المجتمع، فكلما تجمعت أسرة صالحة طيبة كان ذاك مجتمعاً سليماً متجهاً إلى الخير، وكلما كان العكس كانت هذه الأسرة نواة لمجتمع فاسد وضال، وهذا أمر تشاهدونه بأنفسكم، فإن الأسر تختلف والمجتمعات تختلف، والمجتمعات تختلف بحسب صلاح الأسرة وفسادها، ولذلك في هذا اللقاء ركزنا على موضوع الأسرة، فلكي تكون أسرتي أنا وأنت وأخي وأخوك أسرة صالحة لا بد من التركيز على القضايا التالية، حتى يكون بيتاً عامراً بالحق، وإن فقدنا هذه النقاط أو بعضاً منها أدى ذلك إلى أن يكون البيت عامراً بالفساد ويشرف على الدمار، وهناك نقاط إذا أخذ بها كان ذلك علامة خير وعمار، وإن تركت وفرط فيها كان ذلك بداية شر ودمار.

стр. 120

البناء العقدي السليم للأسرة المسلمة أول نقطة في هذه المسألة: البناء العقدي للأسرة أي: بناء العقيدة السليمة داخل الأسرة، وهذه قضية التركيز فيها بالنسبة لنا نادر أو ضعيف أو غير موجود، فمثلاً: من منا يحدث أولاده وزوجته وإخوانه عن عظمة الله ؟ من منا جمع أولاده وبدأ يحدثهم عن قوة الله وعن رحمة الله وعن كرم الله، وأخذ أسماء الله وصفاته وبدأ يبحث عن آثار هذه الأسماء على ذاته وعلى أولاده؟ لا أحد إلا ما رحم الله. من منا جلس مع أولاده أو مع إخوته وبدأ يحدثهم عن أهوال يوم القيامة وعن اليوم الآخر وعن الموت وعن عذاب القبر وما فيه، وعن حياة البرزخ وعن حسن الخاتمة وسوئها؟ من منا فعل ذلك مع أولاده؟ لا أدري. من منا حدث أولاده بأمور يفقهونها عن عظمة خلق الله في جسد الإنسان، قال سبحانه: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]؟! من منا حدث أولاده عن قلب الإنسان وكيف يعمل؟ وعن الكلية وكيف تعمل؟ وعن الدم وما هي وظائفه؟ لا تحدثه بطريقة طبية، لكن اربط ذلك بقوله تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢٠ - ٢١]. عندما تقول لهذا الطفل: إن جسد الإنسان ينتج في الثانية الواحدة خمسة وعشرين مليون كرة دم حمراء ويهلك في نفس الثانية خمسة وعشرين مليون كرة دم حمراء. عندما تقول لهذا الابن هذا الكلام تحسسه فعلاً بعظمة الله. والإنسان لا يستطيع أن يزيد هذه الكمية كرة دم واحدة ولا أن ينقصها كرة دم واحدة، بل إذا زادت أصيب الدم بالثقل، وإذا نقصت أصيب الدم بالتكسر، أي: أن الكريات فيها تعادل وتوازن عجيب جداً، وكل ذلك ينطبق عليه قول الله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١] وينطبق عليه كذلك صنع الله الذي أتقن كل شيء. وأعطيتك هذا المثال لكي تحسس هذا الابن بهذه العظمة، من خلال ما يستطيع أن يتصوره من أشياء معايشة مرئية مشاهدة، وهي الدم. إذاً: البناء العقدي من المهمات التي ينبغي أن يركز عليها دائماً وينتبه لها دائماً، وينبغي أن تربط هذا البناء العقدي بالعمل، فأنت عندما تأمر طفلك بأداء الصلاة تأمره أن يصلي لله الذي حدثتهم عن عظمته وعن كرمه ورحمته ومغفرته وجوده، وعن عذابه وعظيم عقابه. فإذاً: سيستشعر الابن عندما يقف في الصف ليصلي أنه يقف أمام الله، وهذه مسألة للأسف الشديد قد لا يشعر بها حتى الكبار.

стр. 121

الوسطية في بناء الأسرة وإصلاحها النقطة الثانية من الأمور المعايشة التي ينبغي أن يزرعها رب الأسرة وملك الأسرة في أسرته: قضية الوسطية في كل شيء. الوسطية أيها الإخوة من الأمور المفقودة في الأسرة، الوسطية في التعامل مع الآخرين، الوسطية في التربية، الوسطية في معاملة الزوجة، الوسطية في الزيارات والخروج والذهاب والإياب، كل ذلك لا بد أن يأخذ طابع الوسطية، كذلك الوسطية في الإنفاق، فلا يكثر الإنسان من الصرف والبذخ في الأكل مثلاً وهو لا يجد إلا الشيء القليل من المال، ولا يقصر على نفسه في الأكل والشرب ولديه الملايين، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] في جميع الأمور، إذا أنفق الإنسان لم يسرف ولم يقصر، وإذا ربى الإنسان لم يسرف ولم يقصر في التربية، أي: لم يضغط ولم يتساهل. إذاً: ستجد أن التعامل الوسطي سيؤدي بك في نهاية المطاف إلى التوازن، فتجد أنك تعامل أبناءك معاملة حسنة؛ لأنك استخدمت الجانب الوسط.

стр. 122

الفراغ الأسري وطرق علاجه النقطة الثالثة، وهذه نقطة في غاية الأهمية فيما يتعلق بالأسرة: ألا وهي الفراغ، أي: الفراغ الأسري، انتبه كلما وجدت الأسرة فراغاً كان ذلك مدخلاً شيطانياً عظيماً أو عجيباً أو مخيفاً أو رهيباً للتأثير؛ لأن الأسرة إذا وجدت الفراغ فإنها ستتجه إلى إشغال هذا الفراغ بكل ما فيه فساد، فهناك مجموعة من العوامل التي تجعل المرء يشغل فراغه بما يضر: كالشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، والهوى، والدنيا، وأقران السواء، كل ذلك سيجعله يملأ هذا الفراغ بما يضر، فالولد يعيش مع الفراغ في ملل، فكيف يتخلص من هذا الملل؟ إذاً: في جهاز التلفاز إذهاب الملل، أو سماع أشرطة معينة أو زيارة الأصدقاء أو غير ذلك، كذلك زيارة الأسواق بالنسبة للنساء، أو استخدام الهاتف وهكذا. وهذا الفراغ إذا لم يكن هناك تربية ولا بناء عقدي ولا خوف من الله صرف إلى المسلك السيئ، وإن كان هناك بناء عقدي فهذا الفراغ صرف إلى المسلك الحسن. إذاً: فعلى كل إنسان ألا يوجد فراغاً عند أولاده أو أهله أياً كان، حتى لو كان يغلب على ظنه أن هذه الأسرة ستمضي هذا الفراغ في الأمور الخيرة، لا، بل لا بد أن تكلفهم بقراءة كتيب وتختبرهم فيه وتعطيهم عليه جوائز، بهذا تشغل الفراغ الموجود لديهم بشيء يستفيدون منه.

стр. 123

أثر الصراع داخل الأسرة وكيفية الحد منه النقطة الرابعة: الصراع داخل الأسرة، هذه مسألة موجودة في كل الأسر، سواء كان ذلك على مستوى الصراع بين الأبناء الصغار، أو الصراع بين الأبناء الكبار، أو الصراع بين البنين والبنات، أو الصراع بين الأب والأم، أو الصراع بين الإخوة الكبار المتزوجين، فهذه عوامل ستولد آثاراً سيئة فيما يتعلق بالتربية. إن مسألة الصراع داخل الأسرة شر، وهو موجود في كل أسرة، ولكن تختلف الأسر في وجوده قلة وكثرة، ومن الأسباب الأساسية في وجوده: الفراغ، ولو أن كل واحد في الأسرة منشغل بأعمال متتابعة وارتباطات مفيدة متتابعة فلن يجد وقتاً ليتكلم مع هذا أو ذاك أو المشادة أو حتى التضارب أو غير ذلك. لعل هذه المسألة قد يفهما البعض بأنها مسألة اعتيادية أو مسألة طبيعية، لا، هذه لها ردات فعل ليست باليسيرة، خاصة إذا مال الأب إلى أحد الأبناء وأيده، فإن الابن الآخر أو البنت الأخرى ستحاول أن تنتقم، ولكنها لا تستطيع فماذا تصنع يا ترى؟ تتجه لتنفيذ ما في نفسها أو يتجه الطفل لتنفيذ ما في نفسه مع الأقران، ثم يبدأ أهل الشر بالتقاط هؤلاء الذين يعيشون هذه الحالة النفسية، ثم يبدأ الفساد. لذلك ينتبه لهذا الجانب، ويحاول كل أب أن يضيقه شيئاً فشيئاً ويحاول ألا يجعل له امتدادات لا من هنا ولا من هناك.

стр. 124

ضرورة التوازن بين عمل رب الأسرة وبين اهتمامه بأهله وأبنائه من ضمن النقاط التي ترتبط بالأسرة حتى تكون أسرة عامرة: قضية التوازن بين العمل وبين الأسرة، فبعض الآباء نتيجة للكبر والتعب وتحصيل لقمة العيش تجده يذهب منذ الصباح ولا يعود إلا في المساء، ثم بعد أن يأتي في المساء يجد هؤلاء الأبناء قد ناموا، أو يجلس معهم ساعة نصف ساعة ربع ساعة ثم الذهاب إلى المنام، أو تجد الأب يدخل إلى البيت وهو في حالة من الإعياء الجسدي والإرهاق النفسي، فلا يكون لديه أي قابلية للتفاهم من الأبناء بمحبة وود، والأبناء يحتاجون إلى الحنان، والأبناء يحتاجون إلى من يقف معهم ومن يجالسهم، فإن لم يجدوا هذا الحنان في الأب، فإنهم سيبحثون عنه في أي مكان آخر. أذكر لكم مثالاً حول هذه القضية: كان هناك طفل في المدرسة التي بجوار البيت في الخامسة الابتدائية تعرف على بعض الأطفال الذين معه في الفصل، وكانوا يسكنون بجوار المدرسة، أما هذا الطفل فمكانه بعيد وأمه مطلقة، ويسكن مع زوجة أبيه، وكانت تعامله بقسوة، والأب يصدق هذه الزوجة ويقسو على الطفل، فهذا الطفل عندما آلف بعض الأولاد صار يدخل معهم إلى بيتهم، فرأى أمهم تعطف عليهم وتعاملهم بحنان زائد، فكان يلحظ هذا الحنان من هذه الأم، ويفتقده تماماً، فهو لا يجد شيئاً منه أبداً في بيته، فكان يجلس معهم في البيت، فإذا طلبوا منه أن يذهب إلى بيتهم قال: لا، أبي وزوجته غير موجودين ذهبا في زيارة، مع أنهما موجودان في البيت، وإذا وصل إلى البيت وسئل عن سبب تأخره قال: أنا جالس مع فلان أحل أنا وإياه الواجبات، فبقي على هذه الصفة، حتى إن الأب لاحظ أن الابن يتأخر كثيراً، فصار يضغط على هذه الأسرة ألا تستقبل الطفل، فكان الطفل يأتي إلى باب هذه الأسرة وهو مغلق ويطرقه ولا يفتحون له، وإذا ما فتحوا الباب جلس يبكي عند الباب، تقول أم الأطفال: أحياناً يجلس من حين يخرج من المدرسة حتى أذان العصر، يرفض أن يعود إلى بيته، ما هو السبب في ذلك؟ السبب في ذلك أن هذا الابن ما وجد الحنان فقد الحنان، فأراد أن يبحث عنه في مكان آخر، ولذلك ينتبه الإنسان لهذا الناحية أو هذه النقطة، فيعطي العمل وقتاً محدداً ويعطي البيت وقتاً محدداً: (إن لنفسك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً) الأهل هم الأبناء والأم والزوجة لا بد أن يأخذ كل حقه، (أعط كل ذي حق حقه) هذا هو الأصل وهذا هو التوازن في قضية الداخل والخارج.

стр. 125

الاهتمام بمسألة الدخول والخروج ومن يزار ومن لا يزار النقطة الأخيرة المتعلقة بمسألة الأسرة: مسألة الدخول والخروج وفق قضايا الدخول والخروج، من نستقبل في بيوتنا؟ من الأشخاص الذين نزورهم؟ إننا لا نعطي بالاً لذلك، وهذا عامل تربوي مهم يؤدي إما إلى العمار أو الدمار، إذا قالت لي الزوجة مثلاً: نريد أن نذهب إلى آل فلان، فإذا بالزوج يذهب بزوجته وأولاده إلى ذلك البيت ويتركهم العصر والمغرب والعشاء إلى الساعة الحادية عشرة، وبعد أن ينهي أعماله وسهرته يأتي ويأخذهم، نقول لهذا الزوج: هل عرفت من هم آل فلان هؤلاء؟ قد يقول: نعم أعرفهم هم أقربائي، نقول: نسألك ما هو منهجهم الحياتي؟ ما هي أساليبهم في تربية أولادهم؟ قد يكونون ممن يملكون أجهزة التلفاز وأجهزة الدش، وأولادهم الكبار يدخنون، وسهرتهم بعد العشاء لعب ورق، وأولادك يمكثون عندهم ويحتكون بهم وينظرون إليهم ويجالسونهم ويشاهدون التلفاز معهم، فأنت تربي في البيت من جهة وتهدم ما بنيت من جهة أخرى، كأنك لم تفعل شيئاًَ، بل ربما يكون الهدم أشد وأكثر من البناء. وفي المقابل من الذين تستقبلهم؟ إذا جاء أحد الأقرباء لزيارتك، أنت تعرف أن أولاد هؤلاء غاية في السوء والفسق والفساد وغير ذلك، فما هو الحل في هذه المسألة؟ هل تترك أولادك معهم سبع ثمان ساعات يأخذون جوانب تربوية فاسدة منهم، خاصة إذا كان الأبناء صغاراًً والمؤثرون كباراً، وفي هذه الحالة تكون قد هدمت ما بنيت، لذا لا بد من ضبط مسألة الدخول والخروج، من الذي سيدخل ومن الذي سيخرج؟ كما قال نوح ﵇ ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ [نوح:٢٨] فقد ركز ﵇ على قضية الذي يدخل البيت مؤمناً وطلب له المغفرة والرشد. لذلك أقول: إن من عوامل تربية الأسرة أو إفساد الأسرة عماراً أو دمار مسألة وقت الدخول والخروج، ثم هناك عامل جانبي آخر وهو أن يفرغ المؤمن من وقته للأسرة لتربية الأولاد، أن تكون له جلسات تربوية وهدوء نفسي، وهذا بدوره سيؤدي إلى خلق جو تربوي سليم، أو إنشاء جو تربوي صحيح يؤدي في النهاية إلى قطف الثمار عندما يكبر المؤمن.

стр. 126

من العوامل المؤثرة في البيت: الأطفال العامل الثاني: الأطفال، والأطفال هم جزء من الأسرة، ولكننا نركز عليهم؛ لأنهم هم أبناؤنا أكبادنا أحبابنا فلذات قلوبنا، هم عماد الأمة وعماد المستقبل، فنحن نبذل ونتعب ونجتهد في سبيل أن نؤمن لهم جواً أسرياً سليماً وتعليمياً سليماً، فالأب إذا نقصت درجات ولده درجة أو درجتين يتضايق؛ لأنه يشعر بعاطفة الأبوة. إذاً: أنت أيها الأب تبذل كل شيء وكل غال ونفيس في سبيل هؤلاء الأطفال، لذلك جعلنا لهم تركيزاً خاصاً؛ لأهمية مراعاة جوانبهم سواء كانت عماراً أو دماراً. وكما تعلم أيها الأب أن ابنك يمر بمراحل متعددة، وأنت تعايشها مرحلة مرحلة، فكثيراً منا يخطئ في مسألة عدم التفريق بين المراحل فتجده يعامل الابن ذا الخمس عشرة ربيعاً كما يعامل الابن ذا الست سنوات، أو يعامل الابن الذي بلغ مبلغ الرجال معاملة الابن الذي يدرس في السادسة أو السابعة، لا، لا بد من مراعاة جانب السن في تقدير الاحتياجات وفي تقدير التربية، وفي الاهتمام بالحاجات الفطرية عند هؤلاء، كما قال العلماء: لاعبه سبع سنين وأدبه سبع سنين، وبعد أن يبلغ عمره أربع عشرة سنة صادقه سبعاً، ثم بعد ذلك هو عدو أو صديق. هذه الأمور التي ترد علينا كثيراً يعرفها كثير منا، ولكنها على بساط الواقع صعبة التنفيذ، أو ربما تجد الأب مثلاً عندما يخطئ ابنه الصغير ذو الست السنوات يضربه ضرباً مبرحاً، كذلك عندما يخطئ الابن ذو الستة عشر عاماً يضربه كما يضرب الصغير، لا، هذا بلغ مرحلة الضرب، فيحفر في ذاته حفرة ربما لا تندفن وجرحاً لا يندمل، والسبب في ذلك أنه يشعر ويحس بقسوة المعاملة، وبالتالي قد يحمل في قلبه أموراً أنت لا تعلمها، ويكون في ذلك ردة فعل في المستقبل.

стр. 127

تحذير الآباء من جعل الطفل مع قرين السوء من الجوانب التي أحب في الحقيقة أن أنبه عليها فيما يتعلق بالأولاد: مسألة التربية، وأركز على مسألة التربية وأبينها بشكل موجز ومختصر، لأن الوقت لا يكفي لعرض كل القضايا، ولكن عبر نقاط مركزة رئيسية حول هذه المسائل تجعلنا نفهم المقصود. فأول مسألة هي: جعل الابن مع قرين السوء، قد يقول قائل: لماذا ركزت على هذه النقطة كنقطة أولى؟ أقول: مع العلم أنها مسألة لا تأتي لاحقاً عندما يبلغ عمر الطفل ثماناً أو تسعاً أو عشر سنوات أو إحدى عشرة سنة راقبناه، لا، بل إن الطفل يتأثر من القرناء منذ الطفولة منذ السنة الأولى، وسأضرب لكم مثالاً على ذلك: هذا طفل صغير عمره سنة أو سنة ونصف أو سنتين كان يلعب مع طفل آخر عمره سنتين أو قريب من ذلك، وأحد هذين الطفلين كان قد رأى منظراً وموقفاً في أحد الأفلام، فأراد أن يطبقه مع هذا الطفل الآخر، فطبقه، ثم هذا الصغير بعد أن ذهب صاحبه كان يذهب إلى إخوته ويعرض نفسه وعمره سنتان أو سنة ونصف، كان يعرض نفسه ويطلب منهم فعل كذا وكذا، انظروا إلى قرين عمره سنة ونصف مع طفل عمره سنة ونصف، وكانت النتيجة أن وقع في هذه القضية التي تستغرب أن تحصل. إذاً: هذه مسألة كان يركز عليها العلماء ولذلك قيل لـ مالك بن نبي أحد المفكرين الذي عليهم بعض المآخذ، لكن له بعض الجوانب الحسنة، روي عنه أن رجلاً جاءه وقال: إنني رزقت بابن وعمره الآن شهران أو ثلاثة أشهر، وأريد منك أن تدلني على منهج تربوي أطبقه مع هذا الطفل، قال: يا أخي تأخرت في الاستشارة. لاحظ ماذا قال له: تأخرت في الاستشارة، يعني: كان ينبغي عليك أن تستشير قبل ذلك، قد يقول قائل: إن هذا فيه مبالغة، نقول: ليس هناك مبالغة، وإنما الذي ينبغي للمرء أن يهتم بالجانب التربوي من حين اختيار الزوجة الصالحة. يقول مصطفى السباعي في كتابه (هكذا علمتني الحياة) جنب ولدك قرين السوء كما تجنبه المرض المعدي، وابدأ ذلك منذ طفولته، وإلا لم ينفع الدواء، ولعل قضية التربية من القضايا التي تنمو مع الطفل وتترعرع معه شيئاً فشيئاً، فهو كلما كبر سنة أخذ هذه الجوانب التربوية وطبقها معه؛ لأنها تزرع في قلبه وتثبت في كيانه فلا تزول، ولذلك يقول الشاعر: علم بنيك صغاراً قبل كبرتهم فليس ينفع بعد الكبرة الأدب إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ولن تلين إذا قومتها الخشب

стр. 128

من واجبات الآباء تجاه الأبناء إخفاء المعاصي والابتلاءات عن الأولاد الجانب الثاني: إخفاء الابتلاء عن الأولاد، أحياناً يكون الأب مبتلى بمصيبة معينة كشرب الدخان ويظهرها عند الأبناء، فيتأثر الأبناء، يقول أحد الإخوة: إن طفلاً صغيراً عمره أربع سنوات كان مع والده، والأب يقود السيارة ومعه السيجارة في يده، فسأل الوالد الابن الصغير: ماذا تتمنى أن تصير إذا صرت كبيراً؟ قال: أتمنى إذا كبرت أن أتعلم قيادة سيارة وأمسك سيجارة بيدي، كلام الطفل طبيعي؛ لأنه تأثر بالابتلاء الذي كان قد وقع من والده، يقول الذي روى هذه القصة: إن الأب أصيب بصدمة فترك من بعدها شرب الدخان. أذكر كذلك أحد الجيران هداه الله كان له أبناء صغار، فكنت أذكره وأقول له: يا أخي إن أبناءك الصغار سيتأثرون بك في شرب الدخان، قال: لا ما يتأثرون، وأنا سوف أحاول أن أربيهم تربية سليمة، فماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة أن أولاده صاروا يدخنون؛ لأن الأب قدوة، والابن يقتدي بوالده، فنقول: إذا كان الأب إذا كان مما أبتلي بهذه المشكلة أو هذه القضية، فليحاول أن يبعدها عن الأبناء، وأن يمنع نفسه أولاً، فإذا لم يستطع فعليه على الأقل ألا يجعل المرض يستشري إلى أبنائه من شرب دخان أو تفريط في صلاة أو غير ذلك، لكن إذا كان مبتلى ويريد أن يبحث عن علاج فليعالج نفسه، وفي نفس الوقت لا يجعل المرض الخطير يستشري في أبنائه.

стр. 129

من واجبات الآباء تجاه الأبناء الحنان والعطف على الأبناء من ضمن الجوانب فيما يتعلق بتربية الأبناء: الحنان الذي ينبغي أن يعطيه الأب للأبناء، فالأب عندما يربي ابنه فأنه يؤمن له الملبس والمأكل والمشرب، ويؤمن له الأدوات المدرسية، ويؤمن له وسائل الرفاهية، لكن هل تنتهي العملية عند هذه الأمور الحسية؟ لا، بل لا بد أن يهتم بالجوانب الروحية التي يحبها الطفل، فأنت أيها الأب عندما تأتي لابنك وتضمه إلى صدرك ولو كان كبيراً فثق تمام الثقة أنه سيشعر بحنان عجيب جداً، أضرب لك مثالاً: افترض أن لديك ابناً مشاكساً لا يحل الواجبات أولاً بأول، ثم عرضت عليه أن يحل الواجبات بالتهديد فرفض أو تملص، أو أنك أعطيته عشرة ريالات ليحل الواجب ربما لا يقيم لذلك نظراً؛ لأن المبلغ قليل أو الواجب كثير أو أو إلى آخر، لكن لو أنك انتقلت إلى جانب آخر ربما أنت لا تستخدمه مع الابن إلا قليلاً، وذلك بأن تأخذ الطفل إلى حضنك وتحدثت معه وطلبت منه أن يقبلك ثم قبلته وضممته ثم قصصت عليه قصة بسيطة ثم ربت على شعره، وكل ذلك على انفراد، ثم بعد ذلك اطلب منه أن يحل الواجب، انظر ماذا تكون النتيجة؟ ستكون عجيبة فعلاً؛ لأن الحنان الذي في قلبك قد صب في قلبه، فكانت النتيجة التقارب بين قلبيكما، مما أدى إلى أن يطيعك بسرعة، وهذه الأشياء التي يفتقدها الإنسان في أبنائه إذا لم يركز على جانب الحنان، فإن هذا الابن سينحرف ويتحول البيت إلى دمار، وأنت ترغب في أن يكون بيتك عامراً. مثال على ذلك: أحد الآباء كان له ابن عمره ثلاث عشرة سنة وكان يهتم اهتماماً كبيراً جداً بالأشياء الفنية المرتبطة بالآلات وإصلاح الآلات كالسيارات والساعات والراديو هات، إلى غير ذلك، وكان والده يقسو عليه قسوة شديدة، ويفضل ابنه الصغير على هذا الأكبر، فهذا الأكبر كنت أرى عليه نوعاً من أنواع الكآبة عجيبة جداً، فكان يحبني باعتباري أني قريب له جداً، فيعطني بعض ما يشعر به، فكان يقول لي: إنه في بعض الأحيان يدخل دورة المياه بقصد قضاء الحاجة فيبقى فيها الساعة ويبكي؛ لينفس عما في قلبه، ثم بعد ذلك يخرج ولا يريد من أحد أن يشعر بالذي يحصل له، وقال لي في يوم من الأيام: أتمنى أن يموت أبي أو أنني أموت؛ لأن الأمر عنده واحد وجود أبيه وعدمه، بسبب قسوة أبيه عليه، فهو يتمنى أن يعيش يتيماً؛ لعله يشعر على الأقل ببعض الحنان من الآخرين، فما كان مني إلا أن أخذت الأب جانباً ثم قرعته قرعاً بالكلمات المتتابعة المتلاحقة، وأشعرته بخطئه في حق ولده، فقلت له: هذا الابن الذي أنت تسعى ليكون بيتك عامراً قد يحول بيتك إلى دمار؛ لأن هذا الطفل عمره ثلاث عشرة سنة يفتقد الحنان تماماً، ووالدته مريضة، وأنت قد تركته وضيعته، وربما إذا كبر قليلاً تلقفه أهل الشر فسقط في الفسق والفساد والمخدرات، ومن سجن إلى سجن ومن مصيبة إلى بلية، وأنت الذي تعيش الهم والغم، فصار بيتك دماراً، أتريد ذلك؟ قال: لا، فرجع إلى ولده وبدأ يعطف عليه ويحن عليه، وفعلاً صار الابن الآن يحب أباه محبة شديدة، صار يجالسه ويتحدث معه، ولو طلب منه شيئاً لم يتردد في تنفيذه برغبة ومحبة.

стр. 130

من واجبات الآباء تجاه الأبناء متابعة الأبناء وتفتيشهم هذه نقطة سأوردها بسرعة فيما يتعلق بقضية الأطفال، ألا وهي: متابعة الأولاد من ناحية الواجبات المدرسية، وهذا أمر مهم، لكن هل ركز أحد منا على تفتيش أولاده ومتابعتهم من ناحية الحقائب وما تحتوي جيوبهم من أمور قد تخل بالأخلاق والآداب؟ قد لا يفعل ذلك أحد من باب الثقة، وأنا أقول: لا؛ فأن الأمور تتغير بين يوم وليلة، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، والرسول ﷺ كان يدعو ويقول: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك). لذلك أقول: إن الإنسان الكبير العاقل يخشى على نفسه من الانحراف والفتنة، فما بالكم بالصغير الذي قليل العلم وقليل الخبرة، لذلك فمتابعة الابن بالتفتيش بطريقة لبقه مهمة وضرورية، ومتابعة البنت كذلك، وهذا سيعطيك نوعاً من التصور عن علاقة الابن مع زملائه، وما هي أرقام التلفونات التي لديه؟ وما هي الأسر أو البنات أو الأبناء الذين يتصلون به؟ وبهذا تستطيع أن تتصور بنفسك تصوراً كاملاً عن العلاقة الجانبية لابنك أو بنتك مع بقية أفراد المجتمع.

стр. 131

من العوامل المؤثرة في البيت: الخادمة والسائق العامل الثالث: الخادمة أو السائق، وقضية الخادمة أو السائق الآن من القضايا التي انتشرت في جميع المجتمعات إلا من رحم الله، ولعلي أخبركم أن الخادمة أو السائق من الأمور التي انتقلت من الكماليات إلى الضروريات عند بعض الناس، وهذا بحجم ذاته يعد جانباً مهماً لطرح هذه القضية، على اعتبار أنها عامل مؤثر من عوامل تحويل البيت إلى عمار أو دمار، فقضية الخادمة أو السائق لو دققنا النظر فيها لوجدناها عبارة عن دواء مر لا يحتاجه الإنسان إلا عند الضرورة القصوى، ولكننا وللأسف استمرأنا هذا الدواء، وصرنا نرجع إليه في كل وقت ونشرب. إذاً: الخادمة أو السائق ما هي عوامل الدمار العمار التي تنشأ بسببها في البيت: أقول لكم: إن عوامل العمار نادرة وقليلة، والمشهور والمعروف والمتواتر أن الخادمة أو السائق عامل من عوامل دمار البيت وإفساد الأسرة. ولعل الأمثلة كثيرة وكثيرة، ربما يضيق الوقت عن ذكرها.

стр. 132

من الآثار المترتبة السلبية على وجود الخادمة انتشار الأمراض الحسية وهذه بعض النقاط الأساسية أو القواعد التفصيلة في هذا المسألة: يقول أحد الأطباء في مستشفى الملك خالد في الرياض لقد لاحظنا في الخمس السنوات الأخيرة انتشار أمراض السكر والضغط عند النساء بنسبة عالية في منطقة الرياض، يقول: والسبب في ذلك يرجع إلى الخدم؛ لأن المرأة تنام إلى قريب الضحى ثم لا عمل لا طبخ لا غسيل ثياب لا كنس لا كذا لا كذا إنما هو نوم وجلوس، إما مع صاحبتها أو على التلفون، أو عند الأجهزة، فكانت النتيجة انتشار الأمراض مثل: الضغط والسكر والسمنة إلى غير ذلك، هذا سبب والعامل الأساس في وجوده هو وجود الخادمة، فلو لم يأتينا من الخادمة إلا هذا لكان أمراً يدعونا إلى مراجعة الأنفس، ولكن الأدهى والأمر أن الخادمة انتقل مرضها ودمارها إلى الجوانب الأخلاقية والإفسادية، فيما يتعلق بالعرض، وهذه مسألة ذات شجون وذات توسع عجيب، لو أردت أن أستعرض بعضاً من آثار الخادمات التي خارج نطاق التأثير الأخلاقي لأخذ منا ذلك جزءاً كبيراً من الوقت، لكن خذوا بعض الأشياء الأخرى بالإضافة إلى أمراض الضغط والسكر، فالآن البنات عندما يتزوجن ربما لا تعرف البنت كيف تطبخ، وهذا أمر محسوس ومشاهد، والسبب أن البيت فيه خادمة ومربية، وبالتالي العمل يترك عليهن والبنت مشغولة بدراستها وبواجباتها وبزميلاتها وزياراتها، وهذه البنت مقبلة على بيت وعلى زوج وعلى أسرة وعلى أبناء وهي لا تعرف شيئاً من ذلك، بل والبعض يتعلل بأن هذه البنت عندما تتزوج ستجلب معها خادمة، وبالتالي تقوم هذه الخادمة بأداء المهمات كما كانت تؤديها من قبل في بيت أبيها، لكن من الذي يضمن لك بقاء هذه الخادمة على طول؟ هل الحياة مضمونة؟ لا، الأمور تتغير وتتبدل فما نحن فيه من نعمة قد نبتلى بزوالها وتنتهي هذه النعمة إلى أمور أخرى، وهذا أمر قد يحصل بسبب ذنوبنا وآثامنا، ولذلك فعلى الإنسان أن ينتبه لهذا الجانب ويركز عليه.

стр. 133

من الآثار السلبية المترتبة على وجود الخادمة نشر العقائد الفاسدة في الأسرة من ضمن الأمور التي تؤدي الخادمة إلى نشرها داخل المنزل: قضية نشر العقائد الفاسدة، فكم من طفل أو طفلة بدأ يصدق ما تلقاه من عقائد تجاه بعض الأصنام أو الأوثان أو غير ذلك من الخادمة، حتى إنه ذكر ذلك في جريدة من الجرائد أن طفلاً كان يقف أمام الفرن وقد وضع يديه على جبهته، فخافت أمه أن يكون ممن يعبث بالفرن فقالت: ماذا تفعل؟ قال: أعبد إلهي؛ لأن الخادمة كانت ممن يعبد النار، أو أنها كانت ممن يريد نشر عقيدة فاسدة داخل هذه الأسرة، وعلمت الطفل هذا المنهج المنحرف. من ضمنها كذلك أن بعض الأطفال يعبدون أوثاناً أو أصناماً، وأذكر أن إحدى الأمهات كانت تقول: إن لها طفلة صغيره كانت لها لعبة على هيئة صورة، وكانت تضعها أمامها وتقف عندها بخشوع وسكون وخضوع، فكانت فيما بعد تلحظ هذا ويتكرر منها، فسألتها: لماذا تفعلين ذلك؟ قالت: أعمل مثل ما تعمل الخادمة مع لعبتها، فذهبت الأم إلى هذه الخادمة وبحثت عن لعبتها هذه وإذا هي تقف أمام صنم بوذا وتصلي له، فانظروا إلى التقليد من الأطفال للخادمة، ونحن عن هذا غافلون، والذي ينتبه منا لهذه الأشياء قليل، وكثير منا قد لا ينتبه لهذه الأمور.

стр. 134

من الآثار السلبية المترتبة على وجود الخادمة ابتذال الأطفال واستغلالهم من آثار وجود الخادمة: يقول أحد الإخوة: إنه كان يسير في ضحى أحد الأيام في سوق من أسواق الرياض، وإذا بالخادمة معها بنت تشحذ من الآخرين، والبنت عليها ثياب ممزقة وحالتها مزرية، يقول: فنظرت إلى هذه البنت وإذا بها لا تشبه الخادمة، بل بينهما فرق، يقول: فبدأت أدقق النظر في البنت وإذا هي قريبة الشبه من بنت أحد زملائي، يقول: فانتظرت قليلاً إلى أن حان رجوع الخادمة إلى البيت وتابعتها وإذا بها تدخل بيت أحد زملائي، يقول: فلقيت زميلي فأخبرته بالقصة أو بالحادثة، وحقق المسألة وتابع، وإذا بالخادمة كانت تخرج في الصباح بالبنت الصغيرة، باعتبار أن الزوج في العمل والزوجة في المدرسة وتشحذ بها.

стр. 135

من الآثار السلبية المترتبة على وجود الخادمة نشر الرذيلة في البيوت أما الجوانب الأخلاقية فحدث ولا حرج، فالفساد الأخلاقي الذي تنشره الخادمة مع الأبناء أو مع البنات أو مع الرجال الأجانب يعني على أشده، يعني: أنا سأضرب لكم مثالاً حصل معي: ففي ليلة من الليالي كنت نائماً في حدود الساعة الثانية بعد منتصف الليل فاتصلت بي امرأة فرديت على الهاتف، وإذا بالمرأة يبدو لي على ما أعتقد أنها فلبينية أو اندونيسيه، وإذا هي تتحدث باللغة الإنجليزية فبدأت أحدثها بما أستطيع، فكانت تطلب مني أن آتي في نفس بيت الأسرة الذي تعمل فيه، فهي تتصل بأي واحد ليأتي في بيت الأسرة، فتعجبت وكان بالإمكان أن أقطع الخط وأتكلم عليها وتنتهي القضية، لكن، لا، هنا مصيبة، هذه المرأة الآن تريد أن تحول هذا البيت إلى دمار، فبدأت أكلمها وألين لها القول شيئاً فشيئاً ثم وعدتها أن آتيها بعد قليل، لكن بشرط أن تخبرني باسم الأب واسم الأم واسم البنات والأبناء واسم كذا، وما هو وضع البيت وماذا كذا، وهي كانت تتكلم معي لمدة نصف ساعة، فأخذت المعلومات هذه ثم وعدتها أن آتي بعد نصف ساعة، يعني في الساعة الثانية والنصف أو الثالثة، ثم إني اتصلت بصاحب البيت، ويرد صاحب البيت فقلت: يا أخي اسمك فلان بن فلان؟ قال: نعم، قلت: وزوجتك اسمها فلانة؟ قال: ماذا تقول؟ ثم قال: نعم، ماذا تريد؟ قلت: وبناتك أسماؤهن فلانة وفلانة وفلانة؟ قال: نعم، وهو يحاول أن يعبر بطريقة تنم عن انفعالات متعددة، لماذا يتصل بي رجل غريب ويعرض هذه الأسماء بهذه الصورة، قلت: يا أخي اطمئن أنا فلان بن فلان بن فلان أعمل في المكان الفلاني، وأخبرته بقصة الخادمة وماذا تريد به وبأهله، وأقول: ليس في كل مرة تسلم الجرة، فبدأ يشكر ويثني علي إلى آخره، ثم قال: لا بد أن نتخلص من وجود الخادمة ولا حاجة للخادمة هذه.

стр. 136

من العوامل المؤثرة في البيت: وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة العالم الرابع: الوسائل الإعلامية، والوسائل الإعلامية من أهم الأمور التي تجعل البيت من البيوت التي تنتقل من الدمار إلى العمار أو العكس، فهناك أمور لا يمكن أن يتحكم فيها الإنسان ولو ادعى أنه يستطيع أن يتحكم فيها، فلو جلب تلفازاً يستقبل البث العادي أو البث المباشر أو غير ذلك، وقال: أنا أتحكم فيه وأنا أشرف عليه، فإن هذا بصراحة يكذب؛ لأنه لا يستطيع، فلو تحكم فيه اليوم أو بكرة أو بعده فلن يتحكم فيه بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة.

стр. 137

أثر الدش على الأطفال والمراهقين في الأسرة لعلي أمثل على ذلك بمثال: أحد الرجال جاء إلى مدير مدرسة ثانوية وقال لمدير المدرسة: أريدك على إنفراد، فقال المدير: إذا انتهى الطابور إن شاء الله أجلس معك، يقول المدير: دخلت الإدارة وإذا بالأب ومعه ابنه، وابنه في أولى ثانوي وهو شاب نشيط في الدراسة وهادئ ليس عليه أي ملاحظات، فقال الأب: أريد أن تعطيني ملف ابني، فقلت: عجيب لماذا؟ وكيف تنقل ولدك من المدرسة ولم يبق على الاختبار إلا شهر واحد، لكن بعد ما يختبر وينجح إن شاء الله نعطيك الملف، قال: لا، أريد أن آخذ الملف؛ لأني سأسافر به خارج البلاد، قلت: لماذا سلامات ماذا حصل؟ قال: والله هذا الولد يفعل كذا وكذا بإخوانه، أعوذ بالله، والابن جالس ما يتكلم، قلت له: حسناً أريد أن أسأل الابن بمفرده، قال: فأخذت الابن إلى غرفة مجاورة فقلت: صحيح الذي يقوله أبوك؟ قال: صحيح، قلت: بإخوانك، قال: بإخواني، كلهم؟ قال: كلهم، قلت: لماذا؟ قال: إن أبي اشترى لنا دشاً قبل ثمانية أشهر، وفي ليلة من الليالي فتحت الجهاز ونظرت كذا وكذا وكذا وكذا أشياء إباحية، وأنا مراهق، فأريد أن أطبق ولم أجد إلا هؤلاء إخوتي، وبالأمس رأيت كذا وكذا فذهبت إلى أختي وهي أصغر مني بسنة، فحاولت وحاولت وبذلت وهي تصرخ، وفي النهاية سمع أبي وأمي الصراخ فجاءوا وضربوني، وقرر والدي طردي من البلد بأكمله بل من المملكة، يقول المدير: فسألت الأب: أنت عندك دش؟ قال: نعم، قلت: لماذا اشتريته؟ قال: من أجل المباريات والأخبار، قلت: بس؟ قال: بس، قلت: إن فساد ابنك كان بسببك، بل وفساد أبنائك الصغار أنت السبب فيه، بل أسرتك كلها، فبيتك صار دماراً وأنت السب فيه؛ لأنك فعلت وفعلت وفعلت وادعيت أنك تتحكم، قال: نعم أنا أتحكم بالجهاز ولا يستطيع أحد أن يطلع عليه إلا وأنا موجود، قلت: نعم، تتحكم فيه أول شهر أو أول شهرين ثم تضعف الرقابة، وعين الرقيب تنام، وكانت النتيجة ما حصل، خذ هذا ملف ولدك بحفظ الله. إذاً: قضية ادعاء التحكم في أجهزة الأعلام غير صحيحة، ولذلك الحذر الحذر الحذر من وسائل الإعلام الفاسدة.

стр. 138

من الوسائل المهمة لمواجهة خطر وسائل الإعلام وجود البديل السليم النقطة الثانية فيما يتعلق بالوسائل الإعلامية لا بد أن تعلم أيها الأخ الحبيب أن الأطفال لهم حاجات فطرية ولهم غرائز، لا بد أن يحقق أهدافاً معينة لإشباع هذه الغرائز، فوجود البدائل أمر مهم، والبحث عنه ودفع الأموال الكثيرة في سبيله هذا أمر مهم جداً، قد تقول: هذه السلعة صعب أن أشتريها بهذا السعر، أقول: في مقابل هذا الجهاز الإفسادي ينبغي عليك أن تدفع ولو كان السعر مضاعفاً، ولكنه سيكون إن شاء الله بديلاً سليماً في إشغال وقت فراغ ابنك، حتى لا يبحث عن البدائل الضارة عند الجيران أو عند أصدقاء السوء.

стр. 139

من العوامل المؤثرة في البيت: تصميم البيت وما يتعلق به العامل الخامس: من العوامل التي تحيل البيت إلى إعمار أو دمار: ما يتعلق بتصميم البيت، تصميم البيت التصميم العمراني، أنتم تلحظون الآن الفلل الموجودة حالياً أو البناء حالياً، تلحظون أنه تصميم غير إسلامي، المبنى داخل السور أو الحوش، ثم بعد ذلك بجانب الفلة إذا قام واحد من أبناء الجيران وطل من الشباك على الحوش فسيرى الذين يجلسون في الحوش من نساء وبنات وغير ذلك، وفي المقابل أنت لو فعلت ذلك سترى جارك بنفس الصورة، وأنتم تعرفون أن البيوت القديمة المبنية من الطين قديماً أو حتى البيوت المسلحة الحديثة المبنية من الخرسانة في بعض الدول كما في سوريا بالذات تبنى على التصميم الإسلامي، تكون النافورة والمزرعة والاستراحة والجلسة داخل البيت، وباقي الغرف تطل عليها، فيكون البيت مستوراً لا يطلع عليه أحد، فهي خصوصية خاصة لا يمكن أن ينظر إليها أحد. إذاً: تصميم البيت له دور مهم في مسألة جعل البيت عماراً أو دماراً. وكثير من وسائل الفساد التي تحدث بين الأسر أو بين الجيران يتم بهذه الصورة، فالابن المراهق ينظر من الشباك إلى بنت الجيران فتعجبه ويميل قلبه إليها، ثم يتجه إلى الهاتف، ثم شيئاً فشيئاً تتطور العلاقة إلى ما لا تحمد عقباه، والبنت كذلك قد تفعل شيئاً من ذلك فتكون المسألة دمار لهذا البيت، لكن لو كان البيت مستوراً لكان ذلك عاملاً مساعداً في إبعاد هذه المفاسد عن الأسرة. كذلك النوافذ، بعض الأشخاص يضع نافذة إلى درجة أن الجميع ينظرون إلى بيته بسهولة، والبعض الآخر لا يركز على أن يضع النافذة في أعلى الجدار، فيكون بذلك قد حمى أبناءه من أن ينظروا إلى الجيران فيتأثروا بما عندهم، وهذا مسألة قد تغيب عن الذهن، وقد يقول قائل: أنا سأضع شباك من درجة معينة، وسأحاول أن أضغط على جاري حتى يرفع شباكه، لكي لا يراني أو لا يرى حرمي، أقول: أنت في المقابل لا بد أن تعامل جارك بنفس المعاملة.

стр. 140

الآثار المترتبة على وجود الهاتف عند الأبناء والبنات كذلك مسألة وضع الهواتف، كثيراً من المشاكل والمصائب تحصل بانفراد الابن أو البنت بهاتف مستقل في غرفتها أو في غرفته، فتراه يغلق على نفسه الباب أو تغلق على نفسها الباب، فالبنت تكون نائمة في الساعة الثانية عشر أو الواحدة أو الثانية فيرن الهاتف وأنت لم تسمعه، فسمعت البنت الهاتف وأخذته، ثم ذئب بشري على الخط يكلمها برقة وبلطف وبكلام معسول، ثم البنت بعاطفتها تلين شيئاً فشيئاً ثم يكون الدمار بعد ذلك؛ لأنك وضعت لها هاتفاً مستقلاً، لكن لو وضعت هاتفاً عاماً داخل الصالة وهاتفاً عندك أنت أو في مكتبك أو غير ذلك، هنا تستطيع أن تضبط هذه العملية، حتى لا يترتب على ذلك شيء من هذا الضرر. كذلك الابن قد يتصل بأي رقم من باب العبث ثم تكون النتيجة أن تجيبه بنت أو غير ذلك فيستخدم معها أسلوباً معسولاً، فيوافق ذلك منها هواه فتكون الطامة. هناك نقطة مهمة أختم بها قضية تصميم البيت، وهي حقيقة أتمنى من كل إنسان يريد من بيته أن يكون بيتاً إسلامياً، أن يضع في وسط البيت دولاباً، ثم يملؤه بمجموعة من الكتيبات الصغيرة ومسجل ومجموعة كبيرة من الأشرطة ويضع بجانب هذا الدولاب لوحة مثل اللوحات التي تستخدم في بعض الوزارات لوحة من الفلين المغطى ببعض القماش، ثم يطلب من أفراد الأسرة الأبناء والبنات، من كل واحد منهم أن يعمل صحيفة في كل شهر أو كل شهرين صحيفة يعملها بنفسه، يبحث في الكتب ويكتب ويخطها ويرسمها ثم يعلقها في هذه اللوحة ويكتب اسمه عليها، وأحسن واحد يسوي لوحة له مكافأة معينة، ستجد أن هذا يضفي على البيت نوعاً من إشغال الوقت بما فيه فائدة، ثم التعلم الذاتي، أي: أن الطفل يشغل نفسه بنفسه، ثم الزوار إذا جاءوا إلى هذا البيت وقرءوا هذه الصحيفة قد يستفيدون منها، فيكون ذلك خيراً منه.

стр. 141

من العوامل المؤثرة في البيت: الجيران أختم هذه المسائل بالحديث عن العامل السادس ألا وهو: الجيران، فالجيران من العوامل المهمة جداً في إعمار البيت أو دماره، فكما قيل: الجار قبل الدار، وكما روي أن أحد الأشخاص أراد أن يبيع منزله، فحرج عليه بأربعة آلاف دينار، فقيل له: إن هذا المنزل لا يساوي إلا ألفين فقط، قال: نعم، هو لا يساوي إلا ألفين دينار، لكن ألفي دينار قيمة البيت وألفي دينار قيمة جار البيت، الذي هو أبو دلف العجلي المشهور، فعندما سمع أبو دلف بهذه الحالة أعطى صاحب هذا البيت مبلغاً من المال؛ لأنه أراد أن يبيعه بسبب دين عليه. إذاً: الاهتمام بالجار هنا عامل مهم جداً في تحويل البيت إلى عمار أو دمار، ولذلك كثير من الأسر يتساهلون في مسألة اختلاط أبناء الجيران مع بعضهم البعض، ولا يدري الجار عن هذا الجار ما هي حالته وما هي أحواله، فيترتب على ذلك انتشار عوامل سيئة أو حسنة بدون أن يعلم هذا الأب أو هذه الأم أو تلك الأسرة، ولذلك على الإنسان أن يراعي دائماً ويركز دائماً على مسألة جاره، وينتبه لذلك انتباهاً شديداً. فالذي ينبغي للمسلم أن يوجه الجيران دعوياً؛ لأنهم عوامل مساعدة في جعل بيتك بيتاً عامراً بالخير، فعندما تدعو هذا الجار وترسل له هدية وتعطيه مثلاً شيئاً حسناً ليستفيد منه، فإن ذلك يؤثر في تربية هذا الجار وتربية أولاده الذين سيتأثرون به لا محالة، وهذه الهدايا من الأمور التي حث عليها شرعنا الإسلامي الحنيف، فقد قال المصطفى ﵊: (تهادوا تحابوا). والله الموقف والهادي إلى سواء السبيل، والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 142

الأسئلة

стр. 143

طرق الوقاية من العوامل الجانبية المفسدة لأخلاق الأبناء السؤال ما رأيكم فيمن يسير مع أطفاله ببرنامج تربوي معين، ولكن إذا أتى إلى أهله أو أهل زوجته ولو ساعة واحدة أفسد ما كان يجني، بسبب الجهل خصوصاً من الكبار كالوالدين، وأنا أربي أولادي تربية حسنة جادة، ولكن هذه التربية يفسدها الأقارب، وأنا لا أستطيع أن أمنع أبنائي من الذهاب إليهم؟ الجواب نعم، ذكرت وأشرت إلى أن قضية تأثر الأبناء بالعوامل الجانبية هذه مسألة عامة وشاملة، والانفكاك عنها قد يكون صعباً، لكن هناك مسألة إصلاح ما أفسدوا، فأنت الآن تسير على برنامج تربوي منظم ومرتب له بطريقة أو بأخرى، ثم حصلت ثغرات معينة إلزامية بسبب الاحتكاك بأقربائك أو أنسابك أو أهل زوجتك أو أخوال أولادك أو غير ذلك أو حتى أبيك أو أمك فأقول: إن هذه الثغرات ضعها في حسبانك أثناء وضع البرنامج التربوي، بمعنى أنك عندما تذهب بأبنائك إلى هؤلاء الناس ثم ترجع بهم فإنك تقوم بجمع المعلومات عما حصل، وبناءً عليه تستطيع أن تتخذ القرارات المناسبة فيما بعد. وأذكر لكم مثالاً: هذا أحد الإخوة يقول: أذهب إلى خالي في كل أسبوعين إلزاماً من والدتي، وخالي هذا عنده أجهزة تلفاز في كل مكان، وأمي فيها صلاح وتقوى ولا تحب التلفاز، فقلت لأمي: أنا ما عندي مانع أن أحب خالي وأقبله لكن تعرفين أن أبنائي وعيالي يتأثرون بهذا التلفاز، وبعد ذلك قد يطلبون مني أن أشتري لهم تلفازاً فأنا لا أريد أن أذهب بهم إلى بيت خالي من أجل ذلك، قالت: لا، ليس معقولاً إنه أخي، قال: قلت: يا أمي أنا عندي رأي وهو إذا ذهب أبنائي معي إلى بيت خالي لا يفتح التلفاز، فوافقت أمي، فطلبت من خالي إغلاق التلفاز، وفعلاً حصل أنها إذا ذهبت إلى هناك أُطفئت الأجهزة بأكملها، يقول: وهذا مكسب ليس باليسير فيما يتعلق بالجانب التربوي، وصحيح أنا أتمنى ألا يذهبوا، لكن لا أستطيع، وبالتالي حاولت أن أحل بعض القضية، وحل القضية كاملة لعله يتيسر فيما بعد. فأقول لكم: إن على الإنسان أن يسدد ويقارب، وإن شاء الله إذا كان ممن يتقي الله فإنه سيوفق في إيجاد الحلول تجاه هذه المشاكل التي تدخل عليه أو تفسد عليه ولو جزءاً يسيراً من برنامجه التربوي.

стр. 144

ضرورة التدرج في إزالة المنكر من البيوت السؤال يقول شخص: إني محافظ على الصلاة والحمد الله وأولادي كذلك، لكن الأولاد يرغبون بمشاهدة التلفاز، فكانوا يشاهدونه عند الجيران أو عند أصدقائهم، فذهبت واشتريت لهم تلفازاً خوفاً عليهم من الخروج من المنزل والمخالطة بالغير فما توجيهكم؟ الجواب وجود الأجهزة الإعلامية بهذه الصورة في داخل الأسرة جانب تربوي خاطئ، وهذه مصيبة، وعلاجها يحتاج إلى صبر ومصابرة، فلو أخذت الجهاز منهم فجأة فإن هذا سيحدث لهم صدمة، وقد لا يتحملون هذه الصدمة، لكن تستطيع أنت بطريقة أو بأخرى أن توجد البدائل لهم فمثلاً تقول: انظروا يا أولادي إذا ما شغلتم التلفاز اليوم وبكرة أبداً فسوف أوصلكم إلى المكان الذي يحبونه كثيراً، مثلاً: حديقة الحيوان، ألعاب معينة، طلعة بر، أو أشتري لكم من المطعم الفلاني المشهور شيئاً أكلة معينة، ففي هذه الحالة تكون قد أبعدتهم عن الجهاز بطريقة تدريجية، ثم توجد لهم بدائل، فمثلاً: تشتري لهم جهاز الكمبيوتر ويعمل على التلفاز، ومعنى هذا إما أن تشغل التلفاز أو جهاز الكمبيوتر، فتكون قد سحبت جزءاً من الوقت ووجهته إلى هذا الجهاز، فتحتاج المسألة إلى صبر ومصابرة، وبالتدرج ستجد أنك قد سحبت منهم الجهاز من تحت أقدامهم وهم راضون عن عملك هذا. لكن تحتاج المسألة مثل ما قلت إلى أن تدرس نفسية أولادك ووضع البيت، وبعد ذلك تتخذ القرار البطيء التنفيذ، لكنه أكيد النتيجة.

стр. 145

نصيحة تبين خطر اقتناء الدش وحكم تأجير المحلات على الفاسدين السؤال لقد انتشرت أجهزة الدش في هذه البلدة بكثرة فهل من كلمة في هذا الأمر ونصيحة إلى أولئك الذين يؤجرون الاستراحات لهؤلاء الفاسدين من الناس؟ الجواب ذكرت لكم القصة قبل قليل عن ذلكم الطفل الذي في أول ثانوي الذي كان يفعل الفاحشة في إخوانه بسبب الدش، وأنا أقول لكم جميعاً: أبلغوا هؤلاء وناصحوهم أن السعيد من وعظ بغيره، والشقي من وعظ بنفسه، وإذا وقع الفأس بالرأس لم ينفع العلاج إلا بصعوبة، ولذلك فالإنسان يحتاط كل الاحتياط ألا تكون العظة فيه، وألا تكون التجربة فيه، وألا تكون المصيبة فيه وفي أولاده. يعني: دعوني أذكر لكم قصة موجزة صغيرة: استدعت الهيئة أحد الآباء - وهو أب صالح فيه خلق، ولكنه غني واشترى لأبنائه جهاز الدش، على أساس أنه نوع من التطور، والرجل الأب لو جالسته لرأيت فيه خلقاً دمثاً وصلاحاً بيناً، ففي يوم من الأيام يقول أحد أعضاء الهيئة: اتصلنا به وقلنا له: نريدك في حاجة ضرورية جداً، فجاء وقلنا له: لقد قبضنا على بنتين من بناتك في وضع مسيء للغاية، يقول: وقبل أن يأتي حققنا مع البنات فذكرن أن سبب وقوعهن في هذا الفساد هو مشاهدة الأفلام في جهاز التلفاز الذي يستقبل البث المباشر، المهم جاء الأب فقيل له بتلطف: الوضع كذا وبين له الوضع فسقط مغمياً عليه، ثم بعد أن استيقظ من الإغماء صار يبكي كالطفل، ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم:٢٣] فضيحة. إذاً: فإذا كنا سعداء فعلاً فعلينا أن نتعظ بغيرنا ونجعل غيرنا عظة لنا، نعم. أما قضية تأجير الاستراحات لهؤلاء الفاسدين فأقول: إن تأجير الإنسان لاستراحة أو لمحل أو لدكان أو غير ذلك وهو يعلم قطعاً أنهم سيستخدمونه لفساد، فإن هذا المال الحاصل لهذا الإنسان حرام، ويكون بذلك قد أكل حراماً وأكّل أولاده حراماً، وصار سحتاً، وقد جاء في الحديث: (أيما جسد نبت من سحت فالنار أولى به) والإنسان عندما ينمي جسده من الحرام يأكل الحرام ويلبس الحرام كان ذلك أدعى في عدم إجابة دعائه، فتجده كلما رفع يديه إلى السماء: يا رب اغفر لي، يا رب ارحمني، يا رب أرزقني، يا رب أعطني، قيل له: لا لبيك ولا سعديك؛ لأن ملبسك حرام ومشربك حرام وغذاءك حرام، ومعنى هذا أن دعاءك لن يستجاب لك؛ بسبب هذا الحرام الذي أكلته، فلذلك يحتاط الإنسان في هذه المسألة: نعم.
следующие страницы →