← Джавами‘

Джавами‘ · id 37817

دروس للشيخ إبراهيم الفارس

إبراهيم بن عثمان الفارس

Полный текст (556 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

من العوامل المؤثرة في البيت: الجيران أختم هذه المسائل بالحديث عن العامل السادس ألا وهو: الجيران، فالجيران من العوامل المهمة جداً في إعمار البيت أو دماره، فكما قيل: الجار قبل الدار، وكما روي أن أحد الأشخاص أراد أن يبيع منزله، فحرج عليه بأربعة آلاف دينار، فقيل له: إن هذا المنزل لا يساوي إلا ألفين فقط، قال: نعم، هو لا يساوي إلا ألفين دينار، لكن ألفي دينار قيمة البيت وألفي دينار قيمة جار البيت، الذي هو أبو دلف العجلي المشهور، فعندما سمع أبو دلف بهذه الحالة أعطى صاحب هذا البيت مبلغاً من المال؛ لأنه أراد أن يبيعه بسبب دين عليه. إذاً: الاهتمام بالجار هنا عامل مهم جداً في تحويل البيت إلى عمار أو دمار، ولذلك كثير من الأسر يتساهلون في مسألة اختلاط أبناء الجيران مع بعضهم البعض، ولا يدري الجار عن هذا الجار ما هي حالته وما هي أحواله، فيترتب على ذلك انتشار عوامل سيئة أو حسنة بدون أن يعلم هذا الأب أو هذه الأم أو تلك الأسرة، ولذلك على الإنسان أن يراعي دائماً ويركز دائماً على مسألة جاره، وينتبه لذلك انتباهاً شديداً. فالذي ينبغي للمسلم أن يوجه الجيران دعوياً؛ لأنهم عوامل مساعدة في جعل بيتك بيتاً عامراً بالخير، فعندما تدعو هذا الجار وترسل له هدية وتعطيه مثلاً شيئاً حسناً ليستفيد منه، فإن ذلك يؤثر في تربية هذا الجار وتربية أولاده الذين سيتأثرون به لا محالة، وهذه الهدايا من الأمور التي حث عليها شرعنا الإسلامي الحنيف، فقد قال المصطفى ﵊: (تهادوا تحابوا). والله الموقف والهادي إلى سواء السبيل، والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 142

الأسئلة

стр. 143

طرق الوقاية من العوامل الجانبية المفسدة لأخلاق الأبناء السؤال ما رأيكم فيمن يسير مع أطفاله ببرنامج تربوي معين، ولكن إذا أتى إلى أهله أو أهل زوجته ولو ساعة واحدة أفسد ما كان يجني، بسبب الجهل خصوصاً من الكبار كالوالدين، وأنا أربي أولادي تربية حسنة جادة، ولكن هذه التربية يفسدها الأقارب، وأنا لا أستطيع أن أمنع أبنائي من الذهاب إليهم؟ الجواب نعم، ذكرت وأشرت إلى أن قضية تأثر الأبناء بالعوامل الجانبية هذه مسألة عامة وشاملة، والانفكاك عنها قد يكون صعباً، لكن هناك مسألة إصلاح ما أفسدوا، فأنت الآن تسير على برنامج تربوي منظم ومرتب له بطريقة أو بأخرى، ثم حصلت ثغرات معينة إلزامية بسبب الاحتكاك بأقربائك أو أنسابك أو أهل زوجتك أو أخوال أولادك أو غير ذلك أو حتى أبيك أو أمك فأقول: إن هذه الثغرات ضعها في حسبانك أثناء وضع البرنامج التربوي، بمعنى أنك عندما تذهب بأبنائك إلى هؤلاء الناس ثم ترجع بهم فإنك تقوم بجمع المعلومات عما حصل، وبناءً عليه تستطيع أن تتخذ القرارات المناسبة فيما بعد. وأذكر لكم مثالاً: هذا أحد الإخوة يقول: أذهب إلى خالي في كل أسبوعين إلزاماً من والدتي، وخالي هذا عنده أجهزة تلفاز في كل مكان، وأمي فيها صلاح وتقوى ولا تحب التلفاز، فقلت لأمي: أنا ما عندي مانع أن أحب خالي وأقبله لكن تعرفين أن أبنائي وعيالي يتأثرون بهذا التلفاز، وبعد ذلك قد يطلبون مني أن أشتري لهم تلفازاً فأنا لا أريد أن أذهب بهم إلى بيت خالي من أجل ذلك، قالت: لا، ليس معقولاً إنه أخي، قال: قلت: يا أمي أنا عندي رأي وهو إذا ذهب أبنائي معي إلى بيت خالي لا يفتح التلفاز، فوافقت أمي، فطلبت من خالي إغلاق التلفاز، وفعلاً حصل أنها إذا ذهبت إلى هناك أُطفئت الأجهزة بأكملها، يقول: وهذا مكسب ليس باليسير فيما يتعلق بالجانب التربوي، وصحيح أنا أتمنى ألا يذهبوا، لكن لا أستطيع، وبالتالي حاولت أن أحل بعض القضية، وحل القضية كاملة لعله يتيسر فيما بعد. فأقول لكم: إن على الإنسان أن يسدد ويقارب، وإن شاء الله إذا كان ممن يتقي الله فإنه سيوفق في إيجاد الحلول تجاه هذه المشاكل التي تدخل عليه أو تفسد عليه ولو جزءاً يسيراً من برنامجه التربوي.

стр. 144

ضرورة التدرج في إزالة المنكر من البيوت السؤال يقول شخص: إني محافظ على الصلاة والحمد الله وأولادي كذلك، لكن الأولاد يرغبون بمشاهدة التلفاز، فكانوا يشاهدونه عند الجيران أو عند أصدقائهم، فذهبت واشتريت لهم تلفازاً خوفاً عليهم من الخروج من المنزل والمخالطة بالغير فما توجيهكم؟ الجواب وجود الأجهزة الإعلامية بهذه الصورة في داخل الأسرة جانب تربوي خاطئ، وهذه مصيبة، وعلاجها يحتاج إلى صبر ومصابرة، فلو أخذت الجهاز منهم فجأة فإن هذا سيحدث لهم صدمة، وقد لا يتحملون هذه الصدمة، لكن تستطيع أنت بطريقة أو بأخرى أن توجد البدائل لهم فمثلاً تقول: انظروا يا أولادي إذا ما شغلتم التلفاز اليوم وبكرة أبداً فسوف أوصلكم إلى المكان الذي يحبونه كثيراً، مثلاً: حديقة الحيوان، ألعاب معينة، طلعة بر، أو أشتري لكم من المطعم الفلاني المشهور شيئاً أكلة معينة، ففي هذه الحالة تكون قد أبعدتهم عن الجهاز بطريقة تدريجية، ثم توجد لهم بدائل، فمثلاً: تشتري لهم جهاز الكمبيوتر ويعمل على التلفاز، ومعنى هذا إما أن تشغل التلفاز أو جهاز الكمبيوتر، فتكون قد سحبت جزءاً من الوقت ووجهته إلى هذا الجهاز، فتحتاج المسألة إلى صبر ومصابرة، وبالتدرج ستجد أنك قد سحبت منهم الجهاز من تحت أقدامهم وهم راضون عن عملك هذا. لكن تحتاج المسألة مثل ما قلت إلى أن تدرس نفسية أولادك ووضع البيت، وبعد ذلك تتخذ القرار البطيء التنفيذ، لكنه أكيد النتيجة.

стр. 145

نصيحة تبين خطر اقتناء الدش وحكم تأجير المحلات على الفاسدين السؤال لقد انتشرت أجهزة الدش في هذه البلدة بكثرة فهل من كلمة في هذا الأمر ونصيحة إلى أولئك الذين يؤجرون الاستراحات لهؤلاء الفاسدين من الناس؟ الجواب ذكرت لكم القصة قبل قليل عن ذلكم الطفل الذي في أول ثانوي الذي كان يفعل الفاحشة في إخوانه بسبب الدش، وأنا أقول لكم جميعاً: أبلغوا هؤلاء وناصحوهم أن السعيد من وعظ بغيره، والشقي من وعظ بنفسه، وإذا وقع الفأس بالرأس لم ينفع العلاج إلا بصعوبة، ولذلك فالإنسان يحتاط كل الاحتياط ألا تكون العظة فيه، وألا تكون التجربة فيه، وألا تكون المصيبة فيه وفي أولاده. يعني: دعوني أذكر لكم قصة موجزة صغيرة: استدعت الهيئة أحد الآباء - وهو أب صالح فيه خلق، ولكنه غني واشترى لأبنائه جهاز الدش، على أساس أنه نوع من التطور، والرجل الأب لو جالسته لرأيت فيه خلقاً دمثاً وصلاحاً بيناً، ففي يوم من الأيام يقول أحد أعضاء الهيئة: اتصلنا به وقلنا له: نريدك في حاجة ضرورية جداً، فجاء وقلنا له: لقد قبضنا على بنتين من بناتك في وضع مسيء للغاية، يقول: وقبل أن يأتي حققنا مع البنات فذكرن أن سبب وقوعهن في هذا الفساد هو مشاهدة الأفلام في جهاز التلفاز الذي يستقبل البث المباشر، المهم جاء الأب فقيل له بتلطف: الوضع كذا وبين له الوضع فسقط مغمياً عليه، ثم بعد أن استيقظ من الإغماء صار يبكي كالطفل، ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم:٢٣] فضيحة. إذاً: فإذا كنا سعداء فعلاً فعلينا أن نتعظ بغيرنا ونجعل غيرنا عظة لنا، نعم. أما قضية تأجير الاستراحات لهؤلاء الفاسدين فأقول: إن تأجير الإنسان لاستراحة أو لمحل أو لدكان أو غير ذلك وهو يعلم قطعاً أنهم سيستخدمونه لفساد، فإن هذا المال الحاصل لهذا الإنسان حرام، ويكون بذلك قد أكل حراماً وأكّل أولاده حراماً، وصار سحتاً، وقد جاء في الحديث: (أيما جسد نبت من سحت فالنار أولى به) والإنسان عندما ينمي جسده من الحرام يأكل الحرام ويلبس الحرام كان ذلك أدعى في عدم إجابة دعائه، فتجده كلما رفع يديه إلى السماء: يا رب اغفر لي، يا رب ارحمني، يا رب أرزقني، يا رب أعطني، قيل له: لا لبيك ولا سعديك؛ لأن ملبسك حرام ومشربك حرام وغذاءك حرام، ومعنى هذا أن دعاءك لن يستجاب لك؛ بسبب هذا الحرام الذي أكلته، فلذلك يحتاط الإنسان في هذه المسألة: نعم.

стр. 146

أثر الخلاف بين الأبوين على الطفل السؤال هذا شاب يقول: إنني ملتزم والحمد الله، وأمي مطلقة من صغري، فقدت حنان الأب وبعض حنان الأم، فإذا جلست عند أمي غضب أبي، وإذا جلست عند أبي غضبت أمي، فيضيق صدري، وأتمنى لو أمت لكي أتخلص من هذه المأساة، فما قولك في مشكلتي بارك الله فيك؟ الجواب نعم، هذه مأساة أضيفها إلى كلامي الذي ذكرته فيما يتعلق بالحنان وأثره في الطفل، لكن أقول لهذا الشاب: أعانك الله وصبرك الله، ورزقك الله الصبر، وأتمنى أن تذهب إلى شخص موثوق وصالح وأكبر منك في السن، وتعرض القضية عليه، ثم بعد ذلك تطلب منه أن يذهب إلى والدك ويحدثه بمصيبتك التي تعيشها؛ لأن المشاعر الداخلية لا يطلع عليه الأب ولا تطلع عليها الأم؛ ولأن البعض لا يتعامل حقيقة إلا بالأمور المادية الحسية، ثم يحاول هذا الشخص أن يتصل بأمك عن طريق وسيط إما زوجته أو أمه أو غير ذلك، فتحاول هذه الأم كذلك أن تعالج المسألة، ويحاول أن يجعل هناك نوعاً من التوافق بين أمك وأبيك فيما يتعلق بمكوثك عند هذا أو ذا.

стр. 147

بيان متى يتم التفريق بين الأبناء الذكور والإناث في المضاجع السؤال نريد من فضيلتكم أن تبينوا لنا متى يتم العزل بين الأطفال عند النوم؛ لأنك ذكرت في أثناء المحاضرة أن الطفل في السنة الأولى ونصف السنة يطبق ما يرى؟ الجواب نعم، أنا قلت: يطبق ما يراه إذا كان يشاهد شيئاً؛ لأن الطفل مقلد كما هو معروف، ولذلك طفلك الآن عندما يتحدث أو يتكلم هل تراه يتكلم من ذات نفسه؟ لا، هو يقلدك عندما تقول له: بابا يقول لك: بابا، وعندما تقول له كلمة معينة يقول لك نفس الكلمة، فهو يقلدك ولا يفهم معنى ما تقوله، ولذلك عندما تأخذ طفلك الصغير إلى مربية أجنبية سيتعلم منها من لغتها وسلوكها وحركاتها وسكناتها وغير ذلك. فأقول: إن الطفل يقلد ما يشاهده، لكن إذا ألغينا مسألة التقليد وهذه تعتبر مسألة طارئة فيما يتعلق بالحركات السيئة أو غير ذلك، فإن الأطفال الذكور والإناث يفرق بينهم منذ السابعة؛ لقول النبي ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع) قال العلماء: معنى قوله: (وفرقوا بينهم في المضاجع) إنها تعود إلى العشر، وقال البعض: لا، بل تعود إلى السبع، واستنبطوا ذلك من نصوص أخرى في هذا المسألة، فالأولى أن نأخذ بالأحوط في هذه المسألة، وهو التفريق بين الأولاد في سن السابعة، وإذا أردنا أن نجمع بين بعض النصوص في هذه المسألة وشروح الحديث، فإننا نقول: يفرق بين الأبناء في العاشرة ويفرق بين البنات والأبناء في السابعة.

стр. 148

حكم ضرب الطفل دون سن العاشرة السؤال ورد في الحديث: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر) هل نفهم من ذلك أن الأطفال دون سن العاشرة لا يضربون من ناحية تربوية بارك الله فيكم؟ الجواب مسألة الضرب من المسائل التربوية التي في الحقيقة أغفلنا النظر عنها، يقول أحد الشعراء قولاً جميلاً حول مسألة ضرب الأولاد: لا تأسفن على الصبيان إن ضربوا فالضرب يبرا ويبقى العلم والأدب الضرب ينفعهم والعلم ينفعهم لولا الإخافة ما خطوا وما كتبوا فقضية وجود الضرب من القضايا التربوية، لكن لا بد من استخدامها الاستخدام المناسب، فإذا لم يضرب الابن ولم يستخدم معه أسلوب الضرب، فإنه قد لا يلقي بالاً فيما بعد للمناصحة أو الكلام العنيف أو غير ذلك. فالضرب هو أسلوب تربوي ورد ذكره في القرآن الكريم وفي السنة النبوية: (فاضربوهن ضرباً غير مبرح) فهناك الضرب فيما يتعلق بالذنوب كجلد الزاني البكر مائة جلدة، أو الجلد في القذف ثمانون جلدة، لكن لا يضرب في غير الحد أكثر من عشرة أسواط. فإذاً: إذا بدأ الابن ودخل سن السابعة فإنه يأمر بالصلاة ويركز على قضية الصلاة ويحاول معه بالترغيب بالهدية والشكر والثناء، والترهيب بالمقاطعة وغير ذلك، فإذا وصل سن العاشرة ورفض الصلاة في يوم من الأيام فعلى الأب أن يبين له أنك إذا ما صليت فسوف أضربك، ترى العصا قريبة، وإذا أصر على تركها فإنه يضربه ضرباً خفيفاً، وإذا أصر مرة أخرى فإنه يضربه ضرباً أشد حتى ينصاع؛ لأن الضرب يعد جانباً تربوياً مهماً غفلنا عنه.

стр. 149

قيام الليل الصلاة على وجه العموم زاد المتقين، وقرة عيون الصالحين، ولكن لها في جوف الليل البهيم عندما تسترخي الجفون، وتسكن العيون لذة لا يشعر بها إلا المتهجدون.

стр. 150

وقفات بين يدي الموضوع إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: قبل أن أتناول موضوع هذه الصفحات أحب أن أقف وقفات ثلاثاً: أما الوقفة الأولى: فهي وقفة موجزة مختصرة مع الحديث العظيم الذي تعد هذه الوريقات جزءاً من فقراته، فقد اشترط الحديث العظيم لدخول الجنة نقاطاً أربعاً، وتمثل هذه النقاط الأربع تنظيماً كلياً للمجتمع، ولا عجب فإن المصطفى ﷺ قد أوتي جوامع الكلم، فعندما بين هذا في النقاط الأربع بين فيه ترابط المجتمع في التربية الذاتية، وتربية الروح وترويض النفس لقيام الليل، والتآلف والتكاتف الاقتصادي، وعدم التعالي والتكبر، ونبذ الطبقية بإطعام الطعام، والألفة الاجتماعية الخاصة بصلة الأرحام، ثم الألفة الاجتماعية العامة بإفشاء السلام، فلو تحقق ذلك فينا لوجدنا ترابطاً عجيباً في المجتمع، ولكننا وللأسف الشديد نجافي كل هذه الأمور الأربع؛ فلذلك نجد أن التفكك موجود داخل المجتمع وبكل وضوح، وعدم تطبيق هذه النقاط سبب من أسباب هذه الفرقة. أما الوقفة الثانية: فإن البعض يشير إلى أن سبب زهد الناس في قيام الليل هو قلة المبادرة إلى صلاة الفجر، تقول بنت موشي دايان في مذكرات والدها الذي كان وزيراً للدفاع أو للحرب الإسرائيلية عام ٦٧م، والذي قاد الجيوش اليهودية في الحرب ونجح في احتلال سيناء والجولان والضفة الغربية والقدس، تقول عنه: إن والدي بعد دخوله للقدس ذهب في جولة تفقدية ومعه أركان حربه، فرأى مجموعة من الشبيبة الفلسطينيين جلوساً يدخنون، فعندما رأوا هذا الرجل -وكان مميزاً فقد كان أعور، وكان يلبس غطاءً أسود على عينه- ثاروا في وجهه وقالوا: سنحرر فلسطين وسنطردكم أيها اليهود، وسنقضي عليكم، فابتسم ابتسامة الشامخ، وكان يجيد اللغة العربية أكثر من أهلها، فقال لهم: نعم. إنكم ستدمروننا وستقضون علينا وستطردوننا، ولكن أتدري متى يا فتى؟ فقال هذا الشاب: لا؛ لأنه لا يعلم، فقال موشي دايان عبارة ربما كثير من خطباء المسلمين ومحاضريهم قد لا يأتي بها، ومع أن هذه عبارة أخذت من مجرم لكن فيها بيان عجيب، يقول: إذا كنتم في صلاة الفجر كأنكم في صلاة الجمعة. إنها أربع كلمات لكن لها دلالتها، فنحن في صلاة الجمعة نذهب إليها مبكرين نشطاء متذللين جميعاً صغاراً وكباراً، ونحن في شوق واستعداد تام، فلو انطبق هذا الأمر على صلاة الفجر فلا شك أنه سيكون قد تمكن الإيمان منا، وبالتالي سنستطيع أن ندحر هذا العدو اليهودي الرابض على أرضنا. أما الوقفة الثالثة بين يدي هذا الموضوع، فيقول الشاعر: امنع جفونك أن تذوق مناما وذر الدموع على الخدود سجاما واعلم بأنك ميت ومحاسب يا من على سخط الجليل أقاما لله قوم أخلصوا في حبه فرضى بهم واختصهم خداما قوم إذا جن الظلام عليهم باتوا هنالك سجداً وقياما خمص البطون من التعفف ضمراً لا يعرفون سوى الحلال طعاما

стр. 151

فضل قيام الليل أيها الأحبة الكرام! إن الصلاة على وجه العموم زاد المتقين، وقرة عيونهم، ولها في جوف الليل البهيم عندما تسدل الجفون، وتستر العيون لذة لا يشعر بها إلا المتهجدون المخلصون. يقول أحد السلف وهو ينظر إلى الشمس ويخاطبها: أيتها الشمس لقد أطلت المكوث، أما آن لك أن تتواري، ألا فلتغربي! فهو يريد أن يأتي الظلام حتى يصف قدميه بين يدي رب العالمين، فيعيش لذة لا يعلم مداها ولا يشعر بحلاوتها إلا من عاشها. أيها الأحبة! لقد وصف الله عباده المتقين فقال جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات:١٥ - ١٦] أي: في دار الدنيا، ثم بين إحسانهم في العمل فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨]، فهم يحيون الليل بالعبادة فلا تراهم إلا مستيقظين حين ينام الناس، ومنتبهين حين يغفل الناس، فترى نور الطاعة على وجوههم. قيل للحسن البصري ﵀ التابعي الجليل: ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوهاً؟ قال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره. ولما بين لنا الباري جملة من أوصاف عباد الرحمن كان من هذه الأوصاف التي نتلوها ونسمعها وتقرأ علينا: أنهم تميزوا عن غيرهم بأنهم يمضون ليلهم في قيام وسجود حباً في الملك المعبود، يقول الباري سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٤]. ويقول الحق ﵎: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]. يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: من أحب أن يهون الله عليه الوقوف يوم القيامة فليره الله في ظلمة الليل ساجداً وقائماً؛ يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه. الله أكبر إنها سلعة تريد شيئاً يقدم بدلاً عنه لتنال ما وعد الله . وقد ذكر الباري في كتابه العزيز هذه العبادة الجليلة ثم أعقبها بالجزاء الأوفى، فقال جل ذكره وتعالى في صفاته: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦]. ثم عقب سبحانه بقوله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]. فكما أنهم أخفوا العمل الذي يقومون به سواءً كان هذا العمل قياماً أو نفقة، واستتروا بجنح الظلام، فأخفى أحدهم ما ينفق فلا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، أخفى الله لهم الأجر في الآخرة، فلهم من الكريم الوهاب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

стр. 152

قيام النبي ﷺ إخوة الإيمان! لقد وفق الله المؤمنين بقيام الليل، وكيف لا وقد كان إمامهم وقدوتهم وأسوتهم المصطفى ﷺ يقوم الليل حتى تتفطر قدماه الشريفتان، وما ذاك إلا لأن هناك لذة تنسي هذا التفطر والتشقق، إنها لذة تطغى على الألم. تقول عائشة كما صح في البخاري ومسلم: (إن نبي الله ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله! وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً، فلما كثر لحمه ﷺ -بأبي هو وأمي- صلى جالساً، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع)، فلم يترك القيام شاباً ولا هرماً بل حتى عندما شق عليه صار يصلي جالساً، أليس لنا فيه قدوة حسنة؟! قالت عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها وهي توصي عبد الله بن أبي موسى النصري: لا تدع قيام الليل؛ فإن رسول الله ﷺ كان لا يدعه، وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعداً.

стр. 153

القيام قهر للشيطان وإحباط لمكره روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن المصطفى ﷺ قال: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد) أي: في كل ليلة يعقد ثلاث عقد. فلو أراد أحد منا أن يحصي كم عقدة لم تنحل طوال لياليه السابقة ما أظنه إلا سيحتاج إلى رقم كبير؛ لأن غالب العقد عندنا لا نحلها، بل يعقدها الشيطان ثلاثاً ونستيقظ وهي ثلاث، يقول ﷺ : (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، ويضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطاً طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان). فكم منا من يقوم خبيث النفس كسلان، وكم منا من يقوم وهو كما يقال: نفسه في طرف أنفه، وما ذاك إلا لأننا لا نقوم الليل؛ ولأننا لا نهتم بهذا الأمر، بل حتى عقدة واحدة نعجز عن حلها، فبدلاً من أن يستيقظ أحدنا في الساعة الرابعة أو الثالثة ثم إذا سمع جرس ساعته أطفأه وقال: لا إله إلا الله، فتنفك عقدة واحدة، وإنما تجده يتلفظ بغير الذكر ويكسل عن حل هذه العقدة.

стр. 154

الرسول يدعو للزوجين الحريصين على قيام الليل بالرحمة روى النسائي في سننه عن المصطفى ﷺ أنه قال: (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى، ثم أيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، ثم أيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء). فماذا لو فعلت امرأتك بك كذلك؟ لا شك أنك لغضبك وحنقك عليها قد ترميها بالطلاق.

стр. 155

قيام الليل أنس بالله وقرب منه أيها الأحبة الكرام! يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: إن الناس تجاه الأنس بالله على أصناف أربعة، فانظر في أي مرتبة أنت: أما المرتبة الأولى: فهم الذين يأنسون بالله في الظاهر وفي الخلوة، أي: يأنسون به في ظاهر الأمر مع أهليهم وأولادهم وزملائهم، في أسواقهم وكلياتهم وأعمالهم، همهم الإسلام والدعوة إلى الله، همهم نشر الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهم كذلك إذا اختلوا، فإنهم يتمنون هذه الخلوة، فإذا سنحت لأحدهم أغلق على نفسه الباب، ثم وقف بين يدي الله متفكراً منادياً داعياً مصلياً ذاكراً قارئاً للقرآن، كل ذلك على انفراد؛ لأنه يشعر أن هذا السلوك تربية تمنحه طاقة هائلة، ودافعاً قوياً لمواصلة مشوار النهار. وهذه الحالة من الأنس بالله في الليل وفي النهار، في الظاهر وفي الخلوة لا يطيقها إلا الأنبياء والصالحون والصديقون ومن سار على منهجهم واهتدى بهداهم. وأما المرتبة الثانية: فهم الذين لا يأنسون بالله إلا في الظاهر وأما في الخلوة فلا، ولعل هذا -تجاوزاً- ينطبق علينا أو على بعض منا، فنجد أن ثلث أوقاتنا استماع لمحاضرة أو إلقاء لدرس، أو مشاركة في ندوة، أو جلسة دعوية، أو جلسة مذاكرة، أو حلقة للقرآن، لكن ليس كل الوقت، بل لو طالت المحاضرة قليلاً لأصيب الناس بالتضايق، ولو طال الدرس قليلاً لتململ الإنسان، فإذا كانت جلسة مرح أو لعب أو لهو فإنها مهما طالت فستكون قصيرة، ومهما امتدت فسنقول: ما أسرع دقائقها، أما خلوتنا فالله المستعان، فتجد أن كثيراً من الناس إذا اختلى بكتاب فإنه يقرؤه أي كتاب كان، أما القرآن فلا يطلع عليه إلا نادراً، وإن حدثت منه الخلوة مع الله ذكراً وتفكراً وقياماً وصلاة وغير ذلك فلا تكون إلا على عجل. وأما الصنف الثالث: فهم الذين يأنسون بالله في الخلوة دون الظاهر، ولعل هذا كذلك -تجاوزاً- ينطبق على بعض الكبار من السن الذين يحرصون على أداء الصلاة مبكرين، فهم يدخلون أول الناس ويخرجون آخر الناس، ويختمون في كل ثلاث أو في كل سبع وربما في كل نصف شهر، وإذا جلسوا ذكروا الله إن كانوا لوحدهم، لكن في مجالسهم مع أترابهم، ومن يشابههم تجد أن هم الإسلام في قلوبهم وعقلوهم، وذكره على ألسنتهم ضعيف. أما الصنف الرابع: فهم الذين لا يأنسون بالله لا في الظاهر ولا في الخلوة، وهؤلاء لا يقال عنهم: إنهم فسقة، أو ضائعين، أو منحرفين، بل قد يكونون من أفضل الناس، لكن روتين الحياة العامة يجعله متنقلاً من عمله إلى منزله فيجد أولاده بانتظاره ليتناولوا وجبة الغداء، ثم يرتاح قليلاً، ثم يصلي صلاته، ثم يرجع إلى بيته، ويشرب شيئاً من الشاي مع أهله، ثم يذهب إلى زيارة أهله أو أقربائه بعد المغرب، ثم يرجع إلى بيته ويقرأ جريدة أو مجلة أو غير ذلك، ثم يسمر مع زوجته، ثم ينام انتظاراً لدوام الغد، فهو لم يفعل منكراً بيناً، ولم يفعل خطيئة ظاهرة، ومع ذلك فهو محروم من الأنس بالله. فسل نفسك أيها الحبيب في أي مرتبة أنت، ثم بعد ذلك اجعل لنفسك همة عالية ترتقي بها إلى المرتبة الأعلى، واجعل المرتبة الأولى التي هي مرتبة الأنبياء والمرسلين هي همتك، فأولئك الذين يأنسون بالله في الظاهر وفي الخلوة.

стр. 156

نماذج من القائمين أيها الحبيب! أريد أن أقف معك وقفات أعرض لك فيها بعضاً من النماذج المختصرة الموجزة عن حال السلف الصالح تجاه قيام الليل، فبعد أن استعرضنا بعضاً من الآيات وبعضاً من الأحاديث نريد أن نأخذ صوراً نطبق فيها هذه الأصول، فقد يقول قائل: إن ما ذكرت هي أحاديث للمصطفى ﵇، والمصطفى ﵊ مميز عن غيره من البشر. فأجيب عليه: بأن هناك من سار على نهج المصطفى ﵇ وطبق ذات المنهج الذي دعا إليه وانتهجه، فهذا عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما كان إذا قام في الصلاة كأنه عود من شدة الخشوع، وكان يسجد فتنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلا جذع حائط. وصلى يوماً في الحجر فجاءه حجر كبير من منجنيق، وذلك أثناء حصار الحجاج الثقفي لمكة أيام عبد الملك بن مروان، فذهب الحجر ببعض ثوبه وأصاب شيئاً من بدنه، ومع ذلك لم يتحرك في صلاته، وما ذاك إلا لشدة خشوعه بين يدي ربه سبحانه، ويذكر من ترجم له في أمر صلاته وقيامه الليل شيئاً عجيباً، فيقولون: كان يقوم الليل بتسليمة واحدة، لا تحس فيها بأي حركة! ولا عجب فإنه يستشعر لذة وسعادة المحروم من حرمها. وكان منصور بن المعتمر إذا ادلهم الليل وبسط جناحه المظلم على البيوت يصلي في سطح بيته، فلما مات قال غلام صغير يسكن في البيت المجاور لبيت منصور بن المعتمر: يا أماه! الجذع الذي كان على سطح آل فلان لست أراه الآن، فقد كان يظنه جذعاً واقفاً طوال الليل لا يتغير، فقالت أمه باكية متأثرة: يا بني! ليس ذلك والله بجذع، إنما ذلك منصور وقد مات. فقد كان ﵀ يقوم قياماً طويلاً حتى تخيله هذا الطفل هذا التخيل العجيب. وكان رياح بن عمرو القيسي من التابعين الذين تميزوا بالثقة والعبادة والصلاة، وقد خطب امرأة اسمها: ذؤابة، وكانت امرأة عابدة صالحة، وعندما تزوج بها أراد أن يختبرها في أول ليلة تجمعهما، فلما أخذها إلى بيته وجاء الصباح رآها تعجن العجين، والمعلوم أن العروس لا تعجن العجين في العرس أو بعده بقليل، بل الأصل أن يأتي لها بأحد يعينها أو بأكل جاهز على الأقل في أول ليلة، فلما رآها تعجن العجين قال لها: يا ذؤابة، هل أحضر لك أمة؟ فقالت له: أنا يا رياح تزوجت رياحاً -رجلاً عابداً زاهداً متواضعاً- ولم أتزوج جباراً عنيداً، يأتي بإماء وخادمات، كما هو حادث هذه الأيام، فنجحت في الاختبار الأول، فلما جاء الليل تناوم رياح والأصل أنه يقوم كعادته، ولكن لابد أن يتحقق النتيجة لهذا الاختبار، فقامت ذؤابة تصلي ربع الليل الأول، فقالت: يا رياح، قم فصل، فقال: أقوم إن شاء الله وتناوم، فواصلت ذؤابة القيام إلى الربع الثاني ثم نادت: قم يا رياح! فقد انتصف الليل، فأجابها: أقوم إن شاء الله وواصل تناومه، وهكذا في الربع الثالث، حتى لم يبق إلا ربع فنادت: قم يا رياح! لم يبق إلا القليل. فقال كمقالته السابقة، ولما اقترب الربع الأخير من الرحيل واقترب معه ظهور الفجر قالت: يا رياح قم، فقال: أقوم إن شاء الله، فقالت له: يا رياح! لقد عسكر المعسكرون، وفاز المحسنون، يا ليت شعري! من غرني بك. وكأن ما وقع لها من زواجها به مصيبة حلت عليها أو مشكلة ألمت بها؛ لأنها رأت رجلاً نواماً وهي تريد رجلاً قواماً، وقد حسبت أن زواجها من رياح كان غرراً، وبذلك نجحت في الامتحان الذي أعده لها رياح. وكان الداراني ﵀ يملك أمة فباعها؛ لأنه احتاج إلى مال، وعندما نزلت في منزل من اشتراها وانتصف الليل قامت هذه الأمة بإيقاظ أهل البيت: قوموا، قوموا إلى الصلاة، فقالوا لها: هل ظهر الصبح؟ قالت: لا، لم يظهر الصبح بعد، قالوا لها: فلماذا توقظينا؟ قالت: قوموا صلوا الليل. قالوا: نحن لا نقوم إلا لصلاة الفجر. قالت: أعوذ بالله وهل هناك أناس لا يصلون الليل! -وهي في ذاك الزمان فكيف لو جاءت هذه الأمة في وقتنا هذا- فقالت: والله لا أبقى عندكم، فرجعت إلى الداراني وقالت: إنك بعتني إلى أناس سوء -لأنهم لا يصلون الليل- فردني جزاك الله خيراً، فردها. ويقول الداراني رحمه الله تعالى: والله لولا قيام الليل ما أحسست بطعم الدنيا، والله إن أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، وإنه لتمر بالقلب ساعات يرقص فيها طرباً بذكر بالله . وفي هذه العبارة من الجمال والروعة ما ينبغي للمرء أن يستحضرها دوماً، ثم يقول: إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه من النعيم إنهم لفي نعيم عظيم. وذلك مما يجدونه من لذة المناجاة، ولذلك ذكر عن بعض السلف أنه كان يكثر من الدعاء: اللهم لا تحرمني اللذتين: لذة المناجاة في الدنيا، ولذة النظر إلى وجهك الكريم في الآخرة. اللهم لا تحرمنا اللذتين، اللهم ارزقنا لذة مناجاتك في الدنيا قائمين وقاعدين ومضطجعين، ولا تحرمنا يا ربنا لذة النظر إلى وجهك الكريم. أيها الأحبة! كان الشيرازي أحد العباد الزهاد، وكان إذا جاء الليل يقوم ويناجي ربه قائلاً: لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا وقمت أشكو إلى مولاي ما أجد وقلت يا عدتي في كل نائبة ومن عليه بكشف الضر أعتمد أشكو إليك أموراً أنت تعلمها ما لي على حملها صبر ولا جلد وقد مددت يدي بالذل مفتقراً إليك يا خير من مدت إليه يد فلا تردنها يا رب خائبة فبحر جودك يروي كل من يرد ويظل يردد هذه الأبيات ويبكي حتى يطلع الفجر. إنه ارتباط بالله وثيق وتربية رائدة، ولذلك فكل من ربى نفسه على قيام الليل فإنه في النهار يشعر بنشوة ولذة تمتد معه طوال النهار، فإذا جاء الليل قام ليأخذ زاداً مرة أخرى، فيقوم وهو نشيط، صحيح البدن، صحيح الفكر، صحيح القلب من أثر تلك المناجاة وذلك القيام، فمن لنا بهذه الصحة التي فقدناها منذ أمد بعيد؟

стр. 157

قيام الليل تربية للنفس وتصفية للقلب ومرضاة للرب أيها الأخ المبارك! اعلم حفظك الله ورعاك: أن قيام الليل هو طريق الصالحين، وسبيل العالمين، وتكفير لذنوب المذنبين، وهداية للعاصين، وقد قال المصطفى ﷺ : (عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة للإثم). وفي صحيح مسلم أن المصطفى ﵇ قال: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل). وأحب أن أشير هنا إلى نقطة هامة يركز عليها العلماء كثيراً وهي أن قيام الليل مجاهدة للنفس، وهي بحق كذلك؛ لأن الجنة حفت بالمكاره، والنار حفت بالشهوات، فقيام الليل مجاهدة، ولذلك تجد أن كثيراً من السلف يقول: جاهدت نفسي سنيناً طوالاً فتلذذت في آخر الأمر بقيام الليل، فالأمر إذاً مجاهدة وبذل في أول الأمر، ثم بعد ذلك يتمتع الإنسان في آخره، ومثل ذلك مثل البناء، فإن الإنسان إذا أراد أن يبني سكناً أو متجراً وهو لا يملك إلا خطة غير ممولة للبناء فإنه ولا بد سيقوم بالضغط على النفس ويعمل دأباً في الليل والنهار حتى يتم البناء، ثم يتمتع بالسكن فيه إن كان أراده للسكن، وهذا فيما يتعلق بالمادة، وكذلك فيما يتعلق بتربية الروح، فقيام الليل إذاً: مجاهدة للنفس، وتقوية للإرادة، وشحذ للعزيمة، ومغالبة للشيطان، وترغيباً للجسد، ومقاومة لرغبات الهوى ونزغاته. أيها الأخ الحبيب المبارك! والناس نيام فيه تجرد، وفيه إخلاص لله ، وتخلية للقلب عن أي أثر من آثار الرياء؛ لأن الغالب في الليل أنه لا أحد يراك من البشر، ولا يستمع إليك، ولا يرى فعلك، فيكون في ذلك صفاء للقلب، وحياة للروح. قم في ظلام الليل وادع مهيمناً يداك إليه في الدجى تتوسل وقل يا عظيم العفو لا تقطع الرجا فأنت المنى يا غايتي والمؤمل

стр. 158

فوائد قيام الليل أيها الأحباب! إن في قيام الليل فوائد كثيرة، فإليك نبذة منها: أول فائدة من هذه الفوائد: أن العبد إذا قام من الليل وصف قدميه لمولاه عابداً خاشعاً سهل الله عليه القيام يوم يقوم الناس لرب العالمين، ومن استراح هنا تعب هناك، والجزاء من جنس العمل، فمن استراح في الدنيا سيتعب هناك والعكس صحيح، فمن أتعب نفسه في الدنيا فإنه سيجد الثمرة يوم القيامة، وليس المراد أتعب نفسه في شقاء الدنيا وتعبها، أو في جمع المال بطرقه المشروعة وغير المشروعة، بل أتعب نفسه وأجهد قلبه، وأجهد جسده في طاعة مولاه فإنه سيقطف ثمار عمله يانعة يوم القيامة. الفائدة الثانية: أن من أكثر من قيام الليل من الرجال بالذات فإن الله سيزوجه من الحور العين تعويضاً له عن ترك الفراش الوثير، والزوجة الحسناء لأجل التعبد لرب الأرض والسماء. الفائدة الثالثة: صحة جسم القائم لله ، وصفاء روحه وبهاء وجهه، وقد مر بنا قول القائل للحسن البصري: ما بال الذين يتهجدون أحسن الناس وجوهاً؟ فقال: لأنهم خلوا بربهم فألبسهم نوراً من ونوره. الفائدة الرابعة: أن الفتوحات الربانية، والتوفيقات الإلهية، والإلهامات الجلية تتم بفضل قيام الليل، يقول الباري : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]. وكم من عالم استغلق على فهمه مسألة فقام يناجي ربه في جوف الليل البهيم ففتح الله عليه، ويسر له ما كان معسراً من قبل، ولذلك يقول السبكي ﵀: الفوائد ترد في ظلمات الليل. وقد علمنا من خلال قراءتنا لسيرة الإمام البخاري رضي الله تعالى عنه، أنه كان يقوم في الليل أكثر من عشرين مرة، فيوقد السراج ثم يكتب المسألة، ثم ينام، ثم يقوم فيوقد السراج ويكتب المسألة، فكان حين ينام يتفكر ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يسلم ويكتب مسألة إلى أن أخرج لنا هذا السفر العظيم الذي تلقته الأمة بالقبول منذ ظهر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. الفائدة الخامسة: أن الله يمتع القائمين برؤية وجهه الكريم يوم القيامة، فكما أنهم تلذذوا بمناجاته في الدنيا فسيكمل لهم الباري سبحانه هذه اللذة برؤية وجهه الكريم يوم القيامة، وهي الزيادة التي وعد بها في قوله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]. أيها الحبيب المبارك! إن الليل موطن تَنَزلُ الرحمات، ونزول رب الأرض والسموات، فعليك باغتنامه بالطاعات، والإكثار من القربات، يقول الحبيب ﷺ : (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟). ويقول المصطفى ﵇: (إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه، وذلك كل ليلة)، ففي كل ليلة ساعة استجابة من أدركها أدرك خيري الدنيا والآخرة، لكنا عن ذاك غافلون، وفي هذه الساعة مفرطون.

стр. 159

الوسائل المعينة على قيام الليل قد يقول قائل: أنا أريد أن أقوم الليل وأتمنى ذلك فما هي الوسيلة المعينة على ذلك؟ و الجواب أن هناك وسائل كثيرة وعديدة تعين على قيام الليل، يقسمها العلماء إلى قسمين: القسم الأول من هذه الأمور: الأمور الظاهرة. والقسم الثاني: الأمور الباطنة. ومعلوم أن قيام الليل فيه مشقة على الإنسان، كما قال الله : ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦]. إلا أن دراسة هذه الوسائل التي تعين على قيام الليل والأخذ بها سوف ييسر على الإنسان قيام الليل، فنبدأ أولاً بالأسباب الظاهرة المملوكة المحسوسة: السبب الأول: ألا يكثر العبد من الأكل والشرب في المساء فيغلبه النوم، ويصعب عليه القيام، وقد قيل: لا تأكل كثيراً، فتشرب كثيراً، فتنام كثيراً، فتخسر كثيراً، وقال لقمان لابنه وهو ينصحه: يا بني! إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وقعدت الأعضاء عن العبادة. وقد قيل: إن أردت أن يصح جسمك، ويقل نومك: فأقلل من الأكل. ما حالنا اليوم؟ حالنا اليوم جميعاً في المرتبة الثالثة، بل وربما المرتبة الرابعة وربما المرتبة الخامسة، وقد يسأل سائل: كيف؟ وما هي المرتبة الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة؟ فأقول: تأمل ولا تشمت إلا بنفسك، سئل أحد الزهاد عن وجبة واحدة في النهار أو في اليوم كله؟ فقال: ذاك طعام الأنبياء، قيل: فاثنتان؟ قال: ذاك طعام الصالحين، قيل: فثلاث؟ قال: ينبغي أن يقدم له أهله معلفاً. فكلنا أهل معالف وللأسف الشديد، فكيف إذا كانت أربع وجبات أو خمس وجبات كما يفعل بعض الناس اليوم؛ إذ يتناولون وجبة في الصباح، وقبل الظهر شيئاً خفيفاً، وبعد الظهر الغداء، وفي العصر وجبة مع الشاي، وقبل العشاء قهوة وتمر، وبعد العشاء العشاء!! فإذا كنا نأكل أكلاً كثيراً كيف نريد أن نربي أنفسنا وقلوبنا وأجسامنا على قيام الليل! السبب الثاني: ألا تتعب نفسك بشكل دائم، فبعض الناس يمارس الرياضة مثلاً، ولا يمارسها إلا في الليل بعد صلاة العشاء، وقد تكون الرياضة عنيفة وقوية، ومن يمارسها يريد أن يكون رياضياً وهذا أمر حسن، لكن من يفعل ذلك يكسب شيئاً ويخسر آخر، فهو يكسب شيئاً من ناحية الرياضة، ويخسر عندما ينام متعباً ثم لا يقوم الليل، بل وللأسف الشديد قد لا يقوم لصلاة الفجر. السبب الثالث: ألا يترك الإنسان القيلولة، فإن الرسول ﷺ يقول: (قيلوا فإن الشياطين لا تقيل). فإذا استطاع الإنسان أن يقيل فليفعل، فإنه سيكتسب طاقة تعينه على أن يقوم لأداء بعض الصلاة في الليل، فإنك إذا نمت ساعة مثلاً في النهار فستستبدلها بساعة في الليل، وإياك أن تستبدلها بسهر لا فائدة منه إلى الساعات المتأخرة من الليل، بل اجعل نومك المعتاد في الساعة ١٢ مثلاً، أو الساعة ١١، واجعل هذه القيلولة حتى تستيقظ نصف ساعة لتصلي لله ما شاء الله لك أن تصلي. السبب الرابع: أن يتجنب الإنسان ارتكاب المعاصي؛ لأن قلب العبد إذا قسا فإنه سيبتعد عن الله، وسيبتعد عن الطاعة، فالمعصية تقول: أختي أختي، والطاعة تقول: أختي أختي، فإنك إذا ارتكبت المعصية وتلتها الأخرى، ثم أتبعتها بالثالثة قسا القلب، وإذا قسا القلب كان أبعد القلوب عن الله ، وكان القيام بالنسبة له شاقاً جداً، وقد كان أحد العلماء يقول: من أحسن في نهاره -أي: بالعمل الصالح- وفق في ليله. وقد قال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد! إني أبيت معافى، وأحب قيام الليل، وأعد طهوري، فما بالي لا أقوم؟ فقال الحسن له: قيدتك ذنوبك. فنحن اليوم إذا نمنا فإننا ننام وقد ربطنا بالحبال وبالسلاسل من كل جهة؛ لأن ذنوبنا كثيرة، وقد قيدتنا في كل اتجاه، ولذلك سأل رجل عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه ما لنا لا نستطيع قيام الليل؟ قال: أقعدتكم ذنوبكم. السبب الخامس: أن يبتعد الإنسان عن التنعم الزائد في الفراش، وفي الأكل وفي الشرب، فإنه إن فعل ذلك فسيدعوه إلى أن يربي نفسه على الزهد والورع، ويربي نفسه على الاقتصار على الأقل الذي يجعله سهل القيام، بسيط النوم، وأنت تلحظ في نفسك هذا، فإنك إذا أكلت ليلة من الليالي أكلة دسمة وأكثرت منها حتى ازداد أكلك عن المعتاد فستجد أنك لا أقول لن تقوم لليل، بل قد لا تقوم حتى لصلاة الفجر، وهذا أمر بين ومجرب. ولابد هنا أن أشير إلى أن الرسول ﷺ كان ينام على فراش من أدم حشوه ليف، أي: من جلد مدبوغ حشوه ليف نخل قاس شديد، وليس مثلنا اليوم فإن فراشنا قد يكون وثيراً حتى إذا نام الإنسان اختفى في هذا الفراش لا يكاد يرى من تنعم الفراش ولينه، فكيف يقوم الإنسان لصلاة الليل بعد ذلك؟ ولذلك كان السلف يسعون إلى تخشين فرشهم؛ لأن هذا أدعى لقيامهم. وقد دخل عمر رضي الله تعالى عنه يوماً على الرسول ﷺ وقد كان نائماً على حصير قد أثر في جنبه الشريف، فتأثر عمر لذلك وبكى، وقال: كسرى وقيصر يتنعمون وأنت يا رسول الله تنام على حصير قد أثر في جنبك؟ فقال ﵇ جملة طويلة، أقتصر على ما يهمنا هنا قال: (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة)، وإنما تكون لنا الآخرة بالقيام، والصلاة بالخشوع، والإكثار من الذكر، فهذا هو حال المصطفى ﵇، ونسأل الله أن نكون من هؤلاء. السبب السادس: الابتعاد عن فضول النظر والكلام؛ فإن ذلك يقسي القلب، ويبعده من الرب. السبب السابع: كثرة ذكر الله ؛ فإن الإنسان كلما أكثر ذكر ربه لان قلبه، ودبت فيه الحياة، وكلما كان القلب حياً كان أقرب إلى الله، وكلما ابتعد الإنسان عن ذكر الله كان قلبه قاسياً، ثم يموت هذا القلب، وأبعد القلوب عن الله القلب القاسي، فكيف بالقلب الميت! فعليك أيها الأخ الحبيب! أن تكثر من ذكر الله، فإذا ركبت السيارة اذكر الله ، وإذا كنت في مجلس اذكر الله ، وكن دائماً ذاكراً لله، فإنك إن فعلت ذلك فستجد أثره في قلبك، ومن ثم ستجد أثر ذلك على سلوكك وحياتك وفي تعاملك مع الناس. وقد عرفت رجلاً من الصالحين أحسبه كذلك، كان مسافراً فتخطته سيارة وأخطأت عليه خطأ شنيعاً حتى كاد أن يذهب ضحية هذا الخطأ، فذهب وأوقفه وهو غاضب شديد الغضب، وربما الحالة تستوجب أن يأخذ من أخطأ ويضربه، ويتلفظ عليه بكل الألفاظ القذرة، لكن الرجل كان معتاداً على الذكر باستمرار فأخذ بتلابيب السائق الآخر وكان يقول له: الله يغفر لك لم تفعل هذا؟ الله يرحمك لم تفعل هذا؟! وهذا شيء عجيب، وما ذاك إلا لأنه عود نفسه على الذكر فكانت النتيجة هكذا السبب الثامن: أكل المال الحلال والابتعاد عن الحرام، وهذه مسألة سهلة النطق صعبة التطبيق، فكلما كان العبد متحرياً للحلال كان موفقاً، وقد صح عن المصطفى ﷺ فيما رواه مسلم عن أبي هريرة أنه قال: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟!). فإذا كان الإنسان قد أودع ماله في بنك ربوي، أو تعامل بالربا، أو تعامل بالأمور المحرمة بيعاً وشراءً وغصباً وأخذاً وخيانة وغير ذلك ثم قام في الليل البهيم يدعو الله، ويرفع يديه إلى السماء: اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، اللهم اغفر لي وارحمني، فيأتيه الجواب من الله : لا لبيك ولا سعديك؛ لأن جسده غذاه بالحرام، (وأيما جسد نبت من حرام فالنار أولى به). فانظر إلى حالك في أكلك وشربك، وإن كنت ولابد فاعلاً فارحم من تحت يدك: أبناءك وبناتك، وأمك وأباك، وزوجتك، فلا تؤكلهم حراماً وإن أكلت حراماً، ولا تجر غيرك إلى النماء من الحرام. السبب التاسع: التبكير في النوم بعد العشاء؛ فإن الرسول ﷺ : (كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها). والملاحظ هذه الأيام أن النوم بعد العشاء صار مذمة لا محمدة وللأسف الشديد، وقد كان حال السلف متغيراً عن حالنا، فلو رأى الواحد منا اليوم إنساناً ينام بعد العشاء ربما سخر منه، مع أن هذا الذي ينام بعد العشاء إن لم يكن ممن يقوم الليل فعلى أقل تقدير يكون قد ابتعد عن سهرة قد يكون فيها المنكر من غيبة أو نميمة أو غير ذلك من المنكرات، وقد تكون جلسة مباحة لكن ليس فيها ذكر لله، ومثلها ستكون حسرة على صاحبها يوم القيامة. السبب العاشر والأخير من الأسباب الظاهرة الحسية: أن نتواصى بيننا بقيام الليل، والله يقول: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [العصر:١ - ٣]، فقيام الليل من الحق الذي ينبغي أن نتواصى عليه، وهو طاعة ينبغي أن نتواصى بالصبر عليها، إذ الصبر على طاعة الله نوع من أنواع الصبر؛ لأن الطاعة فيها مشقة، فالشيطان حريص دائماً أن يجعلها شاقة على المسلم، وهو يحاول أن يباعد بينه وبينها، فهو يريد أن يكون معه في نار جهنم، ولذا لابد من المجاهدة والمصابرة والتعب حتى يظفر بالنتيجة المرضية. أما الأمور الباطنة أيها الأخ المبارك! فإنها أمور متعددة أيضاً، ومن أبرزها: الأول: سلامة القلب عن الصوارف المختلفة كالحقد والحسد والبغضاء، فشأنها أن تجعل القلب قاسياً مهموماً حاقداً، وحينها لا يستطيع القيام بأي صورة من الصور. الأمر الثاني: لابد أن يكون عند الإنسان خوف من

стр. 160

مراتب قيام الليل أيها الحبيب! قبل أن ننتهي أحب أن أشير إلى مجموعة نقاط من النقاط تتعلق بمراتب قيام الليل، والمراتب كثيرة ومتعددة فسأعرضها بإيجاز: أول هذه المراتب: صلاة العشاء في جماعة: (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل) أي: له أجر قيام نصف الليل. المرتبة الثانية: صلاة الفجر في جماعة: (من صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله)، أي: وصلى العشاء في جماعة، ومعنى هذا: أن من صلى الفجر في جماعة ولم يصل العشاء، فكأنه قام نصف الليل. المرتبة الثالثة: أن يصلي العشاء ويوتر بعد العشاء، فكل صلاة بعد العشاء تسمى قياماً. المرتبة الرابعة: أن يوتر قبل أن ينام. المرتبة الخامسة: أن يوتر في ثلث الليل الآخر. المرتبة السادسة: أن يصلي -متأسياً بالرسول ﷺ في ثلث الليل الآخر إحدى عشرة ركعة. المرتبة السابعة: أن يقوم ما استطاع ويطيل القيام، ويدخل في ذلك أجزاء من أثلاث الليل التي تسبق الثلث الآخر، ويضم لها الثلث الآخر، وهذا هو حال الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع.

стр. 161

آداب قيام الليل أما الوقفة قبل الأخيرة: فهي عرض لبعض آداب قيام الليل. فأول أدب من هذه الآداب: أن يتوضأ الإنسان قبل أن ينام؛ لأن هذا معين، فإنك عندما تتوضأ وتستشعر أن هذا الوضوء هو من آداب قيام الله سيكون ذلك هماً في قلبك، وبالتالي ستجد أن الاستيقاظ سيكون عليك سهلاً ميسوراً، وهذا أمر واضح، فأنت عندما تضع الساعة مثلاً على الرابعة قبل الفجر لأن إقلاع الطائرة سيكون في الساعة ٥. ٣٠ فستجد أن نومك سيكون خفيفاً جداً ولو كنت مرهقاً ومتعباً، وستستيقظ مسرعاً؛ لأنك جعلت قيامك للسفر أصلاً مهماً، وبالتالي استيقظت. الأدب الثاني: أن تنوي أن النوم للراحة؛ حتى يعينك على قيام الليل، فتكسب كسبين: الكسب الأول: أنك جعلت النوم أجراً. والكسب الثاني: أنك جعلت النوم راحة أو وسيلة لقيام الليل. الأدب الثالث: أن تذكر الله عند القيام من النوم، فعن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (من تعار من الليل -أي: استيقظ- فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم قال: اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته)، رواه الإمام البخاري. الأدب الرابع من آداب قيام الليل: أن يتسوك الإنسان عند القيام، فقد ثبت: (أن النبي ﷺ كان يشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل) يعني: بعد أن يتوضأ أو أثناء الوضوء، وكان يشوص فاه لأنه سيقف بين يدي الله، فلا بد أن يكون طيب الرائحة، فالواحد منا عندما يذهب إلى العمل، أو إلى أي مكان سيقابل فيه الآخرين يريد من فاه أن يكون حسن الرائحة، فلابد أن يكون ذلك في وقوف العبد بين يدي الله من باب أولى. الأدب الخامس: أن تجعل قراءتك بين الجهر والسر، ففي مستدرك الحاكم بسند صحيح أن النبي ﷺ مر على أبي بكر الصديق وهو يتهجد خافضاً صوته، ثم مر بـ عمر وهو قائم يرفع صوته، فسأل أبا بكر، فقال: يا رسول الله؟ لقد أسمعت من ناجيت، وسأل عمر، فقال: لأطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان -يعني: النائم- فقال النبي ﷺ لـ أبي بكر: (ارفع قليلاً، وقال لـ عمر: اخفض قليلاً). الأدب السادس: أن تستحضر في لحظات قيامك نزول الرب إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله وعظمته، وهو يقول: (هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من داع فأستجيب له؟)، وذلك في ثلث الليل الآخر كما مر بنا. فإنك عندما تستحضر هذا وتربي نفسك على استحضاره تعلم أن هذا الثلث الأخير هو لحظات استجابة، وأن الله قد بسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، فتتوب من ذنوبك كلها، وتسأل الله من فضله. الأدب السابع: التفكر والتدبر فيما تقول وتقرأ، فإنه ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها. الأدب الثامن: أن تفتتح صلاة الليل بركعتين خفيفتين، كما ثبت عن المصطفى ﷺ أنه قال: (إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين)، رواه مسلم. ولعل ذلك حتى تنحل العقدة الشيطانية الثالثة؛ لأنه إذا قام وذكر الله، ثم توضأ، ثم صلى ركعتين انحلت العقدة الثالثة، فكان نشيطاً، وبالتالي يكون نشطاً للصلاة الباقية. يا خاطب الحور في خدرها وطالباً ذاك على قدرها انهض بجد لا تكن وانياً وجاهد النفس على صبرها وقم إذا الليل بدا وجهه وصم نهاراً فهو من مهرها فلو رأت عيناك إقبالها وعقد يشرق في نحرها لهان في نفسك هذا الذي تراه في دنياك من زهرها وأخيراً: أسأل الله لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا ممن يذكره قياماً وقعوداً وعلى جنبه، وأن يجعلنا ممن يقوم الليل، وأن يعيننا على قيام الليل إنه ولي ذرك والقادر عليه، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 162

قصص معبرة للشباب خلق الله الخلق وابتلاهم بأنواع من البلايا، وجعل في واقعنا قصصاً حقيقية؛ لنأخذ منها العبرة والعظة، وليتذكر العبد ربه إذا غفل، وليعود إليه في الرضا كما يعود إليه في الشدة، وليكون الصالحون له قدوة في الهداية والصلاح ونصرة هذا الدين.

стр. 163

قصة امرأة ذاقت مرارة العيش مع البدو الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: إن ما لدي في هذا اللقاء عبارة عن مواقف معبرة، وقصص مؤثرة، فيها الدرس والعبرة والأسلوب والتجربة، فهي قصص من الحياة، ودروس من الواقع، وأنتم تعلمون أن الحياة مدرسة، والواقع تربية، وهي قصص معاصرة، تطرق قضايا مستجدة ومسائل جديدة، ربما لم تسمع هذه القصص من قبل، لكنني سمعتها، وبعضها قرأتها، بل وبعضها عايشتها. هذه القصص أيها الأحبة! موجهة للجميع، للكبار وللصغار، للشيب وللشباب، بل وللنساء وللفتيات، هذه القصص أيها الأحبة الكرام! لا أطرقها للتسلي، ولا نستمع إليها للتزاور، إنما أريد مني كمتحدث ومنك أيها المبارك كمستمع أن تستجلي منها الدرس والعبرة في مجالات حياتك التربوية، والدعوية، وفي مجالات حياتك المختلفة، فإن القصة أيها الحبيب! من أفضل وسائل التربية، ومن أفضل وسائل الحث على سلوك الطرق المختلفة أياً كانت هذه الطرق، ولعلك تعلم أن القرآن الكريم قد ركز كثيراً على القصص واهتم بها، وبين هذا الأمر بشكل مفصل وموجز، مطول ومختصر، ولا يخفى عليك قصص الأنبياء وقصص من خالف الأنبياء، ماذا كان حالهم؟ بل وقد استغل الأعداء القصة في سبيل دعم باطلهم، وأنت ترى المسلسلات والأفلام والمسرحيات والروايات ما هي إلا قصص، ومع ذلك فهي تفعل في الشباب على وجه الخصوص ما تفعله النار في الهشيم. أيها الأحبة! لا نطيل عليكم، وأبدأ بالموقف الأول، الموقف الأول: موقف عايشت بعضه، وشاركت في بعض جزئياته، وهي قصة -حقيقة- لم تستمع من قبل، وفيها العجب، فيها دروس غريبة، وفيها مواقف عجيبة. في أحد الأيام اتصلت بي امرأة وهي تبكي بل وتشتكي، وتحس أن قلبها يتفطر، وتكاد أن تموت، وتتمنى أن تبتلعها الأرض، هذه المرأة أيها الأحبة! تسألني وتقول لي: ما حكم الانتحار؟ قلت لها: لا يجوز، هذا أمر محرم، قالت لي وهي تبكي: ابحث لي عن مخرج، أريد أن أنتحر، أريد حكماً شرعياً بأي صورة من الصور؛ لأقطع سبيل حياتي، ومن حب الاستطلاع أردت أن أشاركها المأساة، فطلبت منها أن تشرح لي بعضاً من واقعها، فقالت لي الواقع التالي: توفي أبي وأمي في حادث سيارة، ولم يبق لهم إلا أنا، فكفلني عمي، جلست عنده فترة من الزمن وأنا أذوق الأمرين، كنت خادمة، بل أقل من الخادمة، الخادمة لها عزة، أو بعض من العزة، قد ترفض العمل فترجع إلى بلادها، أما أنا فكنت أقل من الخادمة في هذا المنزل، وكان أهل البيت يتمنون التخلص مني بأي صورة من الصور، وبأي كيفية من الكيفيات، تقول: عندما بلغت التاسعة وإذا بعمي يزوجني من ابن عمتي، شاب كبير في السن في الخامسة والعشرين وأنا في التاسعة، فضغط علي عمي إلى أن قررت أن أتزوج؛ لأن عمي يريد أن يتخلص مني، تقول: أخذني ابن عمتي ولكنه كان يعاملني معاملة الأخت، إذ كنت ألعب مع أخواته، كنت صغيرة وساذجة لا أعرف شيئاً اسمه زواج أو زوجية، وعندما بلغت الثانية عشرة أو الثالثة عشرة طلقني ولم يمسني، تقول: كانت الحياة الذهبية التي عشتها في حياتي هي الثلاث سنوات التي مرت علي، من التاسعة إلى الثانية عشرة، عندما رجعت إلى عمي كان الأمر بالنسبة لي انتحاراً بطيئاً، لقد أصيب عمي بصدمة، لقد تخلص مني وهأنذا أرجع إليه، لقد انتهت علاقته بي وها أنا أعود إليه، يا ترى ما العمل؟ تقول: انتظرت فترة من الزمن، وإذا بأناس يطرقون باباً يريدونني زوجة، لمن؟ لرجل كبير في السن يعيش في البادية وهم أهل بادية، يعيشون في منطقة تبعد عن القصيم ثلاثمائة كيلو متر تقريباً. تقول: أنا لا أعرف من هو زوجي الجديد، ولكن الذي خطبني رجل كبير في السن، عمره يتجاوز الخمسين، وأنا لا زلت في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة، تقول: عندما سمعت أن هناك زوجاً يخطبني فرحت ولم أعلم ماذا ينتظرني، تقول: وافقت على الزواج، ولكنني رأيت أن عمي قد أخذ أموالاً هائلةً مهراً لي، فاستغربت ولم أعلم ما هو السبب. تقول: أخذني هؤلاء إلى هجرتهم أو إلى منطقتهم، وأدخلوني على زوجي في تلكم الديار النائية، كانت هجرة صغيرة مكونة من عشر بيوت تقريباً، تقول: فرأيت زوجي، لقد كان رجلاً مجنوناً بمعنى الكلمة، فمن أول ليلة دخلت عليه وإذا به يكاد أن يقتلني من الضرب، لا أستطيع أن أفعل شيئاً، لا أستطيع أن أهرب، فالمنطقة صحراوية برية، ماذا أصنع يا ترى؟ قلت: الصبر، ولعلي أن أصبر، تقول: صبرت وصبرت، ثم تحرك بطني وإذا به شاب أو غلام صغير، ألده فأفرح، وأصبر على عناء الحياة مع هذا الزوج الذي أراه مرة في الأسبوع، فإذا رأيته لم يفتأ يضربني طوال الليل، تقول: عندما جاء ابني الصغير فرحت به فرحاً شديداً، وعندما كبر هذا الابن وبلغ أربعة أشهر وإذا بطامة تأتي إلي، لقد كان لهذا الزوج أخت -عمة لهذا الطفل- ولكنها عاقر ليس لها أبناء، فقررت مع زوجي ومع إخوان زوجي أن تأخذ ابني لتتبناه، عارضت، بكيت، صحت، صرخت ولكن لا مجيب، فأخذته مني، وأقسمت يميناً ألا أراه ولا لحظة واحدة، تقول: عمر ابني هذا تسع سنوات الآن، ولم أره فعلاً ولا لحظة واحدة. قالت: مكثت فترة من الزمن وأنا أبحث عن مهرب ولكن لا نجاة، لا ملتجأ إلا إلى الله ، تقول: رزقت بابن ثانٍ، فتكررت العملية مرة أخرى، لقد أخذ مني ابني هذا، من الذي أخذه؟ نفس العمة المجرمة، أخذته ورفضت أن أراه مرة أخرى -أي: هذا الابن الآخر- تقول: وإلى هذه اللحظة لم أر ابني الآخر، تقول: فقررت ألا أحمل بعد ذلك، أحمل وألد لغيري، تقول: مكثت أربع سنوات وأنا أعيش عذاباً لا يعلمه إلا الله . تقول: بعد ذلك قدر الله لي فحملت، وكان غلاماً ثالثاً، وتعرفون أهل البادية وللأسف الشديد يحبون الذكور محبة شديدة، ففرح هؤلاء فرحاً شديداً بهذا الغلام، وفي اللحظة التي ولدت فيها وإذا خالة لي تأتي إلى المنطقة؛ لأن لها أراضي في تلك المنطقة وتريد أن تبيعها، ففرحت فرحاً شديداً وذهبت إليها، وقلت لها: يا خالتي! إما أن أذبح نفسي، وإما أن أعود معك، فأصرت على الرفض، فأصررت على الذهاب معها، وكانت النتيجة أن وافقت، وعند السفر قال لي أهل الطفل: تذهبين بولدنا؟ لا والله، لا يمكن، فأخذوه مني بالقوة، ثلاثة أبناء ليسوا لي، تقول: عندما رجعت مع خالتي ووصلت إلى الرياض واجهت ثلاث مشاكل، أنا أذكر هذه القصة أيها الأحبة لآخذ منها درساً، أو تأخذون منها درساً، وهو أن أي إنسان يتعرض لأي مصيبة أو لأي مشكلة أو لأي ابتلاء، فليعلم أن هناك من يعيش ابتلاءً أكبر منه وأكثر منه. تقول: عندما رجعت إلى الرياض أقسم عمي أيماناً مغلظة أن لا يستقبلني في بيته، وعندما أردت أن أسكن عند خالتي أقسم زوج خالتي أن لا أسكن في بيته، لم؟ لأنه يعيش مرحلة عداء مع عمي ومع أبي قبل ذلك، فهل يسكن عنده ابنة أعدائه؟ لا يمكن، تقول: فذهبت وسكنت عند عم آخر هو عمي الآخر وليس لي غيره، هذا العم كان أبكم لا يتكلم، فجلست عندهم فترة من الزمن، ولكن زوجته حقدت علي لا تريدني، قالت: لا نريدك بأي صورة من الصور، اذهبي، اخرجي، تقول: أين أذهب؟ فتقول لها هذه المرأة: أنت دخيلة علينا، لا نريدك عندنا أبداً، تقول: بدأت تضغط علي، تقول: والله إنني لا آكل إلا بقايا أكلهم، تقول: أخرج الأكل من زبالة المنزل وآكلها، تقول: أنام على البلاط، حتى الفراش والحصير تصادرهما هذه المرأة مني. وهي تبكي بكاءً حاراً: لو سمحت -بلهجتها طبعاً- ابحث لي عن مجال للخروج من هذه الطامة، أريد أن أنتحر، أريد أن أموت، عمري واحد وعشرون سنة الآن أو اثنان وعشرون سنة، ولم أذق فيها طعماً للحياة أبداً. طبعاً أنا اندهشت حقيقة وأصبت بصدمة، جلست فترة من الزمن وأنا لا أفكر إلا في وضعية هذه المرأة، طلبت منها أن تتصل بي بعد يومين أو ثلاثة، لعلي أبحث لها عن حل، وفعلاً عرضت القضية على بعض الإخوة، فكل منهم استعد بأن يبذل جهده، ولكن وللأسف الشديد، ولا زال خنجراً حقيقة يؤثر في إلى هذه اللحظة، لها عدة أشهر وهي لم تتصل، هل هي على قيد الحياة؟ هل ماتت، هل انتحرت؟ هل حلت مشكلتها؟ هل؟ هل؟ الله أعلم. إذاً: أنا عرضت هذه القصة المؤثرة، وهذا الموقف المعبر، لكي يكون درساً لك أيها الشاب! ولك أيتها الفتاة! ولك أيها الرجل! ولك أيتها المرأة! حتى نعي أن كل إنسان في هذه الدنيا إذا تعرض لبلاء وابتلاء، فليعلم أن هناك من هو أشد منه بلاءً وابتلاءً.

стр. 164

قصة طالب صغير ملتزم أثر في أسرته ومجتمعه الموقف الآخر: مرة من المرات جاء أحد الطلاب وهو طالب في المرحلة الثانوية يشتكي وضعه، يقول: لنا مجال خصب للاجتماع الأسري، نجتمع كل أسبوع، تلتقي الأسرة شيبها وشبابها، كبارها وصغارها، ولكن هذا اللقاء لقاء يغلب عليه طابع الفساد، الكبار متقوقعون مع بعضهم في كلامهم العادي، وفي سواليفهم المكررة ونقاشهم المعروف، والشباب إما عند الدش أو الفيديو أو لعب الورق أو غير ذلك. يقول: أنا أحترق من داخلي أريد أن أؤثر، أريد أن أبني، أريد أن أفعل، ولكنني وللأسف الشديد أتميز بميزة، هذه الميزة أنني صغير، فإذا دخلت المجلس فإن مكاني عند النعال، أي: بجانب الباب، لا أستطيع أن أجلس في وسط المجلس فأؤثر، لم؟ لصغر سني، يقول: أنا أعيش في سن الثامنة عشرة أو السابعة عشرة، أريد أن أؤثر، أريد أن أبني، أريد أن أعلم، أريد أن يكون لي دور، أنا أحترق من داخلي، أنا لدي إحساس وشعور، لدي اندفاع وحيوية ولكن لا أعرف ما الطريق؟ يقول: فالذي حصل أن أحد الإخوة أشار علي بمجموعة استشارات، يقول: طبقتها فرأيت ثماراً عجيبة، قال لي: في ظرف أربعة أشهر أو ثلاثة أشهر، أريد أن تحصي كل ما يلقى في مجلس الأسرة، وفعلاً بدأت أجلس وأتابع كلام هؤلاء الكبار، يقول: وإذا بهذا الرجل يناقض قضية (الوسم)، دخل (الوسم)، طلع (الوسم)، دخل سهيل، طلع سهيل، دخل كذا، طلع كذا، وإذا مرة أخرى يناقشون قضية النخيل وما النخيل، وماذا يحصل للنخيل؟ وأنواعها وهيئاتها وأشكالها وأفضلها. ومرة ثالثة: يناقشون قضايا الزواج وما يتعلق بها، ورابعة: يناقشون قضايا متعلقة بالحروب القبلية القريبة، ويتعرضون لها ولسيرها، وخامسة وسادسة وسابعة، يقول: وبدأت أسجل وأسجل وأسجل، ثم ذهبت إلى مستشاري وعرضت عليه القضية، فقال لي: أريد منك أن تتبحر في كل هذه القضايا، كيف أتبحر؟ أنا صغير! صحيح أنني ذكي، صحيح أنني حريص، صحيح أن لدي حافظة قوية، ولكني لا زلت صغيراً، قال: لا، الصغير هو الذي يتميز في هذا المقام، اذهب إلى مكان كذا، واحفظ كذا واذهب إلى فلان من الناس فتتلمذ عليه في كذا، يقول: وفعلاً بدأت أتبحر وأتبحر وشيئاً فشيئاً، وإذا بي موسوعة علمية في هذه المجالات التي يطرقها كبار السن. يقول: وفي اللحظة الحاسمة أردت أن ألقي بسهامي، أعددت العدة، وعندما جلس هؤلاء الكبار، وقال أحدهم: سيدخل (الوسم) بعد أربعة أيام، قال الثاني: لا، بعد ستة أيام، قال الثالث: لا، بعد ثمانية أيام أو سبعة أيام، قلت: لا، سيدخل الوسم بعد أربعة أيام وثلاث ساعات وخمسة عشر دقيقة وأربع ثوان، قال أحدهم: بسم الله الرحمن الرحيم، ما هذا الكلام؟ كلام غريب، بهذه الدقة العجيبة أثارهم، طبعاً ابتسموا، ضحكوا، سخروا، لكن ماذا قال هذا الفتى؟ عقب وقال: إن العجيري قال: كذا وكذا في موسوعته، وابن بسام قال: كذا وكذا، والمسند قال: كذا وكذا، وبدأ يأتيهم بالحقائق تباعاً واحدةً تلو الأخرى، وفعلاً شدهم في اللقاء الأول، والثاني والثالث، يقول بعد ذلك: وجدوا عندي شيئاً يهمهم، وجدوا كلاماً جديداً ومعلومات متجددة؛ لأنهم كانوا يرددون القصص دائماً، فيقول: بعد ذلك صار أحدهم إذا اتصل بأبي يذكره بموعد اللقاء، ويقول: ولا تنس أن تحضر معك محمداً، يقول: صار لي وزن، والوزن هذا ليس هو الهدف لكنه وسيلة إلى الهدف. يقول: وفي أحد الأيام عندما اجتمعنا، قلت لهم: ما رأيكم أنا سأحضر لكم أحد المتخصصين في علم الفلك، سيعرض لنا شيئاً جديداً عن الفلك والنجوم بالصور وبالفيديو وإلى آخره، قالوا: جيد، يقول: فاتفقت مع أحد الدكاترة، وجاء إلينا ومعه جهاز فيديو، ومعه شاشة ضخمة كبيرة لا يستطيع أن يحملها إلا أربعة أشخاص، ومعه صور وخرائط وأطفأ الأنوار، وبدأ يعرض: وهذا نجم كذا، وهذا نجم كذا، والنجم هذا يسمى كذا، إلى آخره من المعلومات، عندما انتهوا وذهب الدكتور إلى حال سبيله، يقول: شد الجميع على يدي، قالوا: هذا الذي نريد، نريد منك أن تأتينا بهذه المعلومات دوماً. يقول: بعدها بفترة جئت لهم بأحد الأشخاص الذين تخصصوا في الحيات وفي العقارب وفي الأشياء السامة، وكانت عنده عدد من الصور والأفلام، بل والأشياء الحية التي يحفظها في صناديق، فجئت به إلى هذا المكان، أو إلى استراحة كنا نجتمع فيها، وعندما رأوا الحيات والعقارب تهولوا، وكل يشير: هذه الحية التي لدغت أمي، وهذه العقرب شبيهة بالتي لدغت أبي. وهكذا يقول: صار لي وزن وصارت لي أهمية، فاستطعت بعد ذلك أن أجذب الشباب قبل المشيب، وأن أكون محبوباً من الصغار قبل الكبار، ثم بدأت أحرك المجلس: هذه مسابقة، وهذه كلمة، وهذه ندوة، وهذا درس، وهذه معلومة، وهذه كذا، وهذا توزيع شريط، وهذه وهذه، يقول: وفي نهاية المطاف ولله الحمد صارت أسرتنا الكبيرة أسرةً لا تعرف شيئاً اسمه اجتماع على فيديو أو على دش، أو على ورق أو على دخان أو حتى على كلام فارغ. إنه رجل واحد، إنه شاب واحد، ولكنه أمة أمة، كيف أثر؟ وكيف بنى؟ التخطيط، التنظيم، الدقة، بل الحرص، فأنا أقول لكم هذا الموقف لتأخذوا منه الدرس والعبرة والسيرة والتجربة، وكل منكم أيها الأحبة الكرام! لديه هذه القدرات، كل منكم لديه هذه الإمكانات، ولكننا وللأسف الشديد قد أغلقنا هذه الإمكانات بحجب وحوافز أغلقناها بحيث إننا لم نستثمرها، وإلا لو استثمر كل منا ما لديه فإنه سينتج ويثمر، وأنتم أمام مجال خصب التجربة، فالله الله، اسعوا وجربوا وسترون صحة ما قلت لكم.

стр. 165

قصة امرأة بارة بأبيها أما الموقف الثالث أيها الأحبة: فهو موقف غريب لا يصدق، لولا أنني عشت بعض أحداثه. في أحد الأيام قبل فترة -ربما أقول: لا تتجاوز ستة أشهر- اتصلت امرأة -وهذه قضية حقيقية أي: قضية الاتصال من النساء أحياناً؛ لأنهن لا يجدن من يقف بجوارهن- اتصلت وهي تبكي وتقول: إنني أعيش قضية، أريد منك أن تعينني أو تساعدني على حلها، ما هي؟ تقول: نحن نعيش في مدينة مجاورة للرياض، لن أذكر الأسماء، تقول: أنا متزوجة ولي مجموعة أبناء وبنات، ولي أخت متزوجة كذلك، والدي كبير في السن يعيش في هذه المدينة، وأمي كذلك، ولي أخوان اثنان، الأول يعمل في منطقة نائية بعيدة عن الرياض، والثاني لا يعمل، وللأسف الشديد هو منحرف، تقول: حالتنا المادية ضعيفة، ووصلت الحالة في مرة من المرات بوالدي إلى أن استدان أو اقترض سيارة من أحد الأشخاص، ووعده أن يعطيه المبلغ في وقت معين، تقول: حان الوقت المحدد، ولم نجد مجالاً لمعاونة والدنا إلا بالتضحية، فأخذت ما لدي من ذهب وما لدى بناتي من ذهب، وأنا أعمل معلمة -طبعاً كان اتصالها وقت الظهيرة- يعني: مثل ظهر اليوم، تقول: وأنا أحدد الوقت؛ لأن له أهمية، تقول: وجمعنا المال وأخذنا ما عند أختي كذلك، واستدنت بعض المال من بعض المعلمات وشيئاً فشيئاً إلى أن اجتمع المبلغ، وكان مقداره واحداً وأربعين ألفاً، هذا المبلغ الذي ذكرته، تقول: فرحت فرحاً شديداً بتحصيل هذا المبلغ؛ لأنني أعلم فرح والدي به، وكان والدي قد أصيب قبل فترة بجلطة، فنجاه الله منها. تقول: أخذت المبلغ وأعطيته لوالدي فشكرني شكراًً عجيباً عظيماً، وشكر أختي كذلك، وأخذ المبلغ ووضعه في دالوب الغرفة، ثم نام مطمئناً بعد أن اتصل بصاحب الدين وقال: أبشرك أن المبلغ موجود وحاضر، وعليك أن تأتي إلي إن شاء الله غداً في المساء، تتعشى عندي أنت وبعض الأشخاص. تقول: ذهب أبي واشترى خروفاً يريد أن يعمل وليمة من الغد في الليل لهذا الرجل، تقول: ونمت وأنا قريرة العين، وعند الساعة الواحدة في الليل -التي هي البارحة، طبعاً هي تتصل ظهراً- تقول: البارحة الساعة الواحدة اتصلت بي أمي وهي تبكي، وتقول: إن المبلغ قد سرق، ولو علم والدك بما حصل لمات من الفاجعة، ماذا ترين؟ كيف؟ وإذا بالابن الفاسد قد علم بالمبلغ فسطا عليه وأخذه وأعد عدته وجهز شنطته وأخذ ملابسه وسافر بالمبلغ، تقول هذه الأم: لم أجد في غرفة أخيك شيئاً من ثيابه ولا ملابسه، أخذها وذهب، فلا بد من عمل شيء، تقول: لم أستطع الذهاب إلى المدرسة هذا اليوم، وبدأت أفكر في الوضع، تقول: بدأت أتحدث مع أختي ومع زوجي، ومع زميلاتي، وقررنا أن نجمع شيئاً من هذا المبلغ، وفعلاً بدأنا نجمع ونجمع إلى أن استطعنا أن نجمع شيئاً يسيراً من هذا المبلغ، فلم نستطع أن نجمع إلا سبعة عشر ألف ريال، إذاً: بقي أربعة وعشرون ألفاً. تقول: في الساعة الثامنة -يعني: قبيل أذان العشاء أو مع أذان العشاء- توفر لدي سبعة عشر ألف ريال، طبعاً هذه المرأة تقول: طبعاً بعد أن جمعنا هذا المبلغ سبعة عشر ألف ذهبنا بالمبلغ وأعطيناه أمي ولم نخبر والدي، طبعاً جاء الرجل ومعه الضيوف -وطبعاً هذه المكالمة جاءت على شقين: جزء منها أنا شاركت فيه، وجزء آخر أهل البيت -تقول: فجاء الضيوف وجاء الرجل -يعني: أكرمهم أبوها- ثم جاء إلى زوجته وقال: أعطيني المبلغ، لم تستطع الزوجة أن تخبره بشيء، وقالت للبنت: أخبريه أنت، فقالت البنت لوالدها: يا أبي! المبلغ موجود -وطبعاً كان هذا نوع من الخطة أو من المنهج، أنا أعطيتها هذه الفكرة حقيقة ولو أنها كذبة لكنها تخفف من الواقعة- فقالت: المبلغ موجود، ولكنني خفت عليه فأودعته البنك وأبقيت منه سبعة عشر ألفاً، أربعة وعشرون ألفاً موجودة في البنك، وسبعة عشر ألفاً موجودة الآن. تقول: عندما سمع أبي هذا الكلام شق ثوبه -كعادة أهل البادية- تقول: شق ثوبه إلى آخره، تقول: ولو أخبرته أن المبلغ سرق عن بكرة أبيه ماذا سيكون حاله؟ تقول: صار يبكي كالثكلى، وشق ثيابه ثم هونت عليه وقلت: المبلغ موجود وسآتي به غداً، الآن الوقت ليل، وليس هناك أحد يعمل، وليس هناك بنك مفتوح، غداً إن شاء الله سيتيسر الأمر، فاعتذر من ضيفك، وأعطه السبعة عشر ألفاً، وإن شاء الله سيكون المبلغ متيسراً. تقول: أخذ المبلغ واعتذر من صاحبه، وقال: إنه موجود، وإن شاء الله غداً يكون لديك، تقول البنت: من الآن إلى الغد هناك حل. تقول: عندما جاء الليل ذهبت إلى منزلي في طرف من أطراف الرياض -طبعاً تقول: ذاك اليوم: ما درست كذلك -وعندما جاء العصر حاولت أن أستخدم كل إمكاناتي لتجميع المبلغ فما استطعت، كل ما جمعت: مائة، مائتين، خمسين فقط. تقول: وجاء العصر فإذا بوالدي يطرق الباب، قلت: إلى أين؟ قال: إلى البنك، تقول: لبست عباءتي وذهبت إلى البنك، دخلت قسم النساء وجلست، ماذا أصنع؟ لا شيء إلا أن آخذ تلفون البنك وأتصل، أبحث عن حلول فما استطعت، فخرجت في آخر الدوام إلى والدي وقلت: والله يا أبي! ما استطعت أصرف، قال: لماذا؟ قلت: زحمة، تقول: والبنك ليس فيه أحد أصلاً إلا القليل، النساء يدخلن ويخرجن وأنا أقول لوالدي: زحمة، وأبي كبير في السن لا يعرف واقع البنوك، قال: سنأتي غداً، تقول: فذهبت اليوم التالي إلى البنك ثم اليوم الثالث واليوم الرابع تقول: أربعة أيام وأنا أجلس في البنك من بدء فتح أبوابه إلى أن يغلق أبوابه. تقول: وفي اليوم الثالث صرت أبكي؛ لأنني لم أجد حلاً، وأنا أحب أبي، وأخاف عليه، لكنني لا أستطيع أن أحضر المبلغ، هو مبلغ بسيط، ولكننا أناس على قدرنا لا نستطيع أن نحضر هذا المبلغ. تقول: وفي اليوم الرابع بلغ مني الأمر مبلغه، تمنيت أن تبتلعني الأرض، تمنيت أن أموت، وتمنيت كل شيء إلا البقاء على ظهر الأرض، لأني لا أريد لأبي أن يموت أمام ناظري، تقول: وأنا جالسة وإذا بامرأة تدخل البنك، وتجلس بجانبي تنتظر دورها في تسديد مبلغ من المال، تقول: فعندما جاء دورها ذهبت، ومعها كيس فيه نقود، تقول: بعد قليل رجعت وجلست بجانبي، ثم ذهبت للتسديد ورجعت، وأثناء جلوسها بجانبي كانت تسمع بكائي، لم أستطع أن أصبر، كنت أبكي وأضغط على نفسي، ولكن صوت البكاء وحشرجته كان يظهر علي، تقول: حنت علي، وقالت: بالله عليك أخبريني، قلت: لا والله ليس هناك شيء، قالت: والله إلا أخبرتيني، تقول: وأيمان مغلظة مني ومنها، وفي النهاية أخبرتها بكل القصة، فقالت المرأة: الله أكبر، الله أكبر، الذي معي في الكيس أربعة وعشرون ألفاً خذيها، قالت: لا والله لا آخذها أنا لا أعرفك، قالت: والله إلا تأخذينها، على أنه دين مفتوح السداد، أنت ذكرت لي أنك معلمة في المدرسة الفلانية، وأنا أعرف هذه المدرسة، فإذا تيسرت أمورك سددي، لكن على المدى الطويل. تقول: أخذت المبلغ وقبل آن آخذ المبلغ قالت لي: اسمعي، أنت قصتك عجيبة، لكن قصتي أنا أعجب، تقول هذه المرأة صاحبة المال: منذ أربعة أيام وزوجي يصر علي أن آخذ المبلغ وأودعه في البنك، وأنا أقول: لا، زوجي يصر وأنا أرفض، تقول: وفي هذا اليوم قلت لزوجي: أريد أن أودع الأربعة والعشرين ألفاً في البنك، فقال لي زوجي: لا أستطيع فإني مشغول، قلت: لا بد أن أودعها في البنك، قال: يا امرأة! أنا مشغول لا أستطيع عندي موعد فليكن غداً، قلت: لا، بل اليوم، تقول: كأن هناك دافعاً قوياً يدفعني إلى أن آخذ المبلغ وأذهب به إلى البنك، تقول: وتخاصمت أنا وزوجي، وقلت: إذا لم تذهب بي إلى البنك ذهبت في سيارة أجرة، قال: اذهبي، تقول: والله إنها المرة الأولى التي أركب فيها سيارة أجرة في حياتي، فذهبت إلى البنك وعندما جلست بجانبك سمعت البكاء ولم ألق له بالاً، وكأنه أمر عادي بالنسبة لي، وعندما ذهبت لأودع المال قالت المرأة التي تستلم المبالغ: كم لديك؟ قلت: أربعة وعشرون ألفاً، كتبتها في ورقة وأعطيتها، ثم سحبتها، أحس أن يدي تنسحب وأنها لا تتقدم، فقررت أن أرجع وأستريح قليلاً فاسترحت، ثم ذهبت لأودعه مرة أخرى، ثم رجعت مرة ثانية، كأن هناك مانعاً يمنعني من أن أودع المبلغ، والله إني لأرى هذا خيراً ساقه الله إليك. تقول هذه المرأة: أخذت المبلغ وأنا أبكي بكاء يسمعه كل من في البنك وخرجت -طبعاً هذه المكالمة الأخيرة من المرأة لأهل البيت تخبر المرأة بما حصل، وتحمد الله على ذلك- تقول: فذهبت به إلى والدي وكاد يموت من الفرح، جاء المال ولا يدري كيف جاء، المال سحب من البنك، ولكنه لا يدري كيف سحب. فانظروا إلى هذه المرأة كيف برت بوالدها، وانظروا عندما برت بوالدها كيف ساق الله لها أموراً خيالية وغير متصورة، وكيف ساق الله لها أشياءً غير متوقعة: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].

стр. 166

قصة شاب صالح يعيش أزمة مالية وهذا أيها الأحبة يقودني إلى قصة حصلت لي أنا شخصياً حقيقة، والدنيا دروس وتجارب، وأفضل شيء في هذه الحياة أن ينقل الإنسان تجاربه ودروسه للآخرين. في أحد الأيام اتصل بي أحد الإخوة من الأساتذة عندنا في الكلية، فقال لي: إن فلان بن فلان يعيش أزمة مالية عجيبة، وهذا الرجل أعرفه، وهو رجل من أفريقيا، لكنه متميز بالتقى والصلاح والتدين وهو خريج من الجامعة الإسلامية. يقول: إنه يحتاج إلى تسعة آلاف ريال؛ لأن إيجار البيت انتهى، وصاحب البيت يطالبه الآن بالإيجار أو يخرج، قلت: والله لا أملك شيئاً الآن، فلو أخبرتني قبل أسبوع، إذ كان عندي بعض الزكوات، ومن الممكن أن أعطيك إياها، لكن الآن والله لا أملك شيئاً. وضعت السماعة، تصوروا يا إخوة ما إن وضعت السماعة إلا وجرس الباب يدق في نفس اللحظة، رفعت سماعة جرس الباب وسماعة التلفون في يدي الأخرى، قلت: نعم؟ قال: أنا فلان بن فلان، لكنني لا أعرفه، قال: معي كل خير إن شاء الله، وضعت السماعة ونزلت إليه وسلمت عليه، قال: أنا فلان، مرسل لك من فلان، يقول: هذا مبلغ تسعة آلاف ريال، هي زكاة له يقول: ضعها فيما شئت، قلت: أعطاني حرية في التصرف؟ قال: نعم، وفي نفس اللحظة اتصلت بهذا الرجل، قلت: بشر صاحبك أن الله أعطاه رزقه من السماء، أتذكر هذا الرجل المعسر وأنا أنتظر الأخ ليأخذ المبلغ ويعطيه إياه، هذا الطالب أرى فيه سيما الصلاح وقيام الليل وصيام الإثنين والخميس، أرى فيه التقى والورع وحب الخير والفضل، وحب دعم الخير، أتصور هذا فيه بشكل متتابع، وهو يجيد عدة لغات: الإنجليزية والفرنسية والعربية وعدة لغات أفريقية، ومع ذلك رفض أن يعمل في عدة سفارات طالبت به، لماذا؟ لأنه يرى أن العيش في هذه المناطق قد يكون موبوءاً، فرضي بمبلغ يسير في أماكن مأمونة موثوقة. أليس في هذا درس وعبرة أيها الأحبة؟ أقول: نعم.

стр. 167

قصة امرأة نجحت في أن تجعل زوجها يعفي لحيته الموقف الآخر: رجل متزوج ويحب أسرته وزوجته وأولاده، والألفة قائمة بين هذه الأسرة، وبينهم مودة ومحبة، وهذا الرجل متميز بسلوكه الحسن وسمته المقبول، إلا أنه يحلق لحيته. حملت زوجته وثقل عليها الحمل وأتعبها وولدت بمشقة، ومن شدة فرح هذا الزوج بصحة زوجته وبنجاة مولوده قال لها: اطلبي هديتك، اطلبي ما شئت وسأعطيك، قالت: آلله -تحلفه- أن تنفذ لي طلبي؟ قال: اطلبي، المال موجود والخير متوفر، ولو اضطررت لاستدنت، قالت: أريد طلباً واحداً فهل تحققه؟ قال: نعم، والله لأحققنه، قالت: تعفي لحيتك فقط، وفعلاً كان موقفاً صعباً، لم يكن متعوداً على هذا، وكان عمره يقارب الأربعين ومع ذلك لم يعف لحيته يوماً ما، وهذا الطلب من زوجته لا بد أن ينفذ؛ لأنه وعد بالتنفيذ، ولكن المسألة قد تكون صعبة، ولكن الألفة بين هذين الزوجين جعلته ينفذ هذا الأمر، وكانت النتيجة أن أعفى الرجل لحيته، فمن لنا بمثل هذه المرأة؟ من لنا بنساء بهذه الكيفية وبهذه الصورة؟ عندما طلبت من زوجها هذا الطلب، لو طلبت منه أساور من الماس أو عقوداً من ذهب، أو مما غلا ثمنه لنفذه وجاء به، لنفذ الطلب وحقق الرجاء، ولكنها لم تطلب منه إلا هذا الطلب، الذي تحس فعلاً أنه سيقرب هذه العشرة أكثر فأكثر من الله . هذا موقف أحببت حقيقة أن أذكره؛ ليكون درساً للفتاة المسلمة، التي ينبغي لها أن تكون ذات همة عالية، وتكون نظرتها عالية فعلاً.

стр. 168

قصة رجل صالح أصيب بحادث في سيارته مع امرأته وأولاده وهذا يقودني حقيقة إلى ذكر قصة وموقف أريد أن أقرأه عليكم نصاً، وأن أعرضها كما وردت وكما جاءت والعهدة على راويها. يقول: سافرت إلى مدينة جدة في مهمة رسمية، وفي الطريق فوجئت بحادث سيارة يبدو أنه وقع للتو كنت أول من وصل إليه، أوقفت سيارتي، واندفعت مسرعاً إلى السيارة المصطدمة، تحسستها في حذر، ونظرت إلى داخلها وحدقت النظر، وخفقات قلبي تنبض بشدة، وارتعشت يداي، وتسمرت قدماي، وخنقتني العبرة، إذ ترقرقت عيناي بالدموع ثم أجهشت بالبكاء. إنه منظر عجيب وصورة تبعث الشجن، وتثير البكاء، كان قائد السيارة ملقىً على مقودها جثة هامدة، وقد شخص بصره إلى السماء رافعاً سبابته، وفي ثغره ابتسامة جميلة، ووجهه تحيط بها لحية كثيفة، يقول: كأنه الشمس في ضحاها، والبدر في سناه، والعجيب أن طفلته الصغيرة كانت ملقاة على ظهره، محيطة بيديها على عنقه، وقد لفظت أنفاسها وودعت حياتها. يقول: لم أر ميتة كمثل هذه الميتة، طهر وسكينة ووقار، هذا المتوفى قد أشرقت شمس الاستقامة على محياه ظاهرة بينة بارزة، يقول: منظر سبابته التي ماتت توحد الله ، وجمال ابتسامته التي فارق بها الحياة حلقت بي بعيداً وبعيداً، تفكرت في هذه الخاتمة الحسنة، وازدحمت الأفكار في رأسي، وسؤال يتردد صداه في أعماقي ويطرق بشدة: كيف سيكون رحيلي؟ وعلى أي حال ستكون خاتمتي؟ يقول وهو متأثر يعيش المأساة في هذه اللحظات الحرجة فيمزق حجب الغفلة، وتنهمر دموع الخشية، ويعلو صوت النحيب: من رآني هناك ظن أني أعرف الرجل، أو أن لي به قرابة، كنت أبكي بكاء الثكلى، لم أكن أشعر بمن حولي، وفجأة انساب صوتها، وصوتها يحمل برودة اليقين، هذا الصوت لامس سمعي وردني إلى شعوري، تنادي: يا أخي! لا تبك عليه، إنه رجل صالح، إنه رجل صالح، إنه رجل صالح، صارت تردد في مسامعي، لم تقل هذه المرأة: هيا، أخرجنا وبسرعة من هذا المكان جزاك الله خيراً! يقول: التفت إليها لم أرها، إنها امرأة تقبع في المقعد الخلفي من السيارة، وتضم إلى صدرها طفلين صغيرين جميلين لم يمسا بسوء ولم يصابا بأذى، كانت شامخة في حجابها شموخ الجبال، هادئة في مصاف مصابها هدوء النسيم، لا بكاء، لا صياح، لا زئير، لا عويل، أخرجتها ومن معي من السيارة، يقول هذا الرجل: من رآني ورآها ظن أني صاحب المصيبة دونها، من شدة بكائي وتأثري، يقول: قالت لنا وهي تتفقد حجابها، وتستكمل حشمتها في ثبات الراضي بقضاء الله وقدره: لو سمحتم احملوا زوجي وطفلتي إلى أقرب مستشفى، وسارعوا في إجراءات نقله إلى المستشفى، ثم احملوني وطفلي إلى منزلي جزاكم الله خيراً. بادر بعض المحسنين إلى حمل الرجل والطفلة إلى أقرب مستشفى، وحاولنا أن نحمل المرأة معنا في هذه الصحراء المقفرة إلى مكانها، ولكن المرأة رفضت وردت علينا بثبات وقالت: لن أركب مع رجل أعزب، لن أركب معكم ولو مت في مكاني هذا، تقول: لا أركب إلا في سيارة فيها نساء. يقول: ثم انزوت عنا جانباً، ممسكة بطفليها الصغيرين ريثما نجد بغيتها، وتحققت منيتها، إذ استجبنا لرغبتها وأكبرنا هذا الموقف منها، ومر وقت طويل ونحن ننتظر على تلك الحالة العصيبة وفي تلك الأرض الخلاء ساعتين كاملتين حتى مرت بنا سيارة فيها رجل ومعه أسرته، فأوقفناه وأخبرناه خبر هذه المرأة، وسألناه أن يحملها إلى منزلها فلم يمانع. عدت إلى سيارتي وأنا أعجب من هذا الثبات العظيم: ثبات الرجل على دينه واستقامته، والرجل على خلقه في آخر لحظات حياته وأول طريق آخرته، ثم العجب الآخر من ثبات هذه المرأة على حجابها وعفافها وصبرها، وثباتها على ما لم يصدر منها تأثراً بما حصل لزوجها وابنتها في لحظة من أصعب المواقف وأحلك الساعات، التي ربما ينهار عندها الرجال، إنه الإيمان، نعم أيها الأحبة! إنه الإيمان الذي قال الله فيه: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].

стр. 169

قصة طفل صغير كان سبباً في هداية أسرته أما الموقف الذي يليه أيها الأحبة الكرام! فهو موقف شاب صغير، هذه القصة ذكرت حقيقة في الإذاعة، ولعل بعضاً منكم لم يسمعها، شاب صغير في الثالثة الابتدائية، كان يدرس في المدرسة، وكان فيها شباب يحثونه على طاعة الله ، وعلى أداء صلاة الفجر، وعلى الاستجابة لله ، وكانت النتيجة أن تأثر هذا الغلام الصغير بهذه الدعوة من المدرسة، واستجاب لأداء صلاة الجماعة في المسجد، ولكن الفجر صعب بالنسبة له، إذ قرر أن يصلي الفجر في المسجد، ولكن من الذي يوقظه؟ أمه؟ لا، والده؟ لا، ماذا يصنع يا ترى؟! قرر قراراً خطيراً وصارماً، وهو أن يسهر الليل ولا ينام، وفعلاً سهر الليل إلى أن أذن الفجر، وخرج إلى المسجد مسرعاً يريد أن يصلي، ولكن عندما فتح الباب إذا بالشارع موحش ومظلم، وليس هناك أحد يتحرك فخاف وارتاع: ماذا يصنع؟ ماذا يفعل يا ترى؟ وفي هذه اللحظة سمع مشياً خفيفاً، رجلاً يمشي رويداً رويداً وعصاه تطرق الأرض، وأقدامه لا تكاد تمس الأرض، فنظر إليه وإذا به جد صديقه أحمد، فقرر أن يمشي خلفه دون أن يشعر به، وفعلاً بدأ يمشي خلفه إلى أن وصل إلى المسجد، فصلى ثم عاد مع هذا الكبير في السن دون أن يشعر به، وقد ترك الباب مفتوحاً، دخل ونام ثم استيقظ للمدرسة وكأن شيئاً لم يحدث، واستمر على هذا المنوال فترة من الزمن، أهله لم يستغربوا منه إلا كثرة نومه في النهار، ولا يعلمون ما هو السبب، والسبب هو سهره في الليل. وفي لحظة من اللحظات أخبر هذا الطفل الصغير أن هذا الجد قد توفي، مات جد أحمد، مات هذا الرجل الكبير في السن، صرخ أحمد وبكى، قيل له: ما الذي حصل؟ لماذا تبكي يا بني؟! لماذا تصيح يا بني؟! إنه رجل غريب عنك، إنه ليس أباك ولا أمك ولا أخاك، فعندما حاول والده أن يعرف السبب قال لوالده: يا أبي! ليتك أنت الميت قال: أعوذ بالله! هكذا يتمنى الابن أن يموت الأب ولا يموت ذلك الرجل؟ قال: نعم، -من براءة الأطفال- قال: يا أبي! ليتك أنت الميت؛ لأنك لم توقظني لصلاة الفجر، أما هذا الرجل فقد كنت أمشي في ظلاله دون أن يشعر إلى صلاة الفجر ذهاباً وإياباً، وقص القصة على والده، كاد الأب تخنقه العبرة، فبكى وتأثر، فكان تغيراً جذرياً كلياً في حياة هذا الأب بفعل سلوك هذا الابن، بل بفعل سلوك هذا المعلم، فانظروا إلى ثمرة هذا المعلم، ماذا أثمرت؟ أثمرت أسرة صالحة وأنتجت منهجاً صالحاً.

стр. 170

همة امرأة غير متعلمة في الدعوة امرأة كبيرة في السن، عمرها الآن يكاد يقترب من الثمانين، ولكن هذه المرأة أيها الأحبة! تفوقنا جميعاً فيما يتعلق بالدعوة والحرص عليها، هي غير متعلمة ولا تقرأ ولا تكتب، ولكنها تنهج منهجاً دعوياً يصعب عليها تركه. يقول هذا الرجل الذي يحدثني بنفسه عنها إبان الدعوة إلى جمع التبرعات لبعض الجماعات المتميزة في أفغانستان، يقول هذا الأخ: جاءني مجموعة من الأشخاص من الأفغان، وقالوا: نريد أن نجمع مبلغاً من المال لإنشاء معهد شرعي في المنطقة الفلانية، يقول هذا الرجل: وليس لدي شيء، فاتصلت بعمتي وقلت: نريد ثلاثين ألفاً لمعهد كذا وكذا في المكان الفلاني فما رأيك يا عمة؟! قالت: أنا ليس لدي شيء، قلت: يا عمة! القصة كذا وكذا، والإخوان عندهم حجز غداً للعودة، فلا بد من تدبير المبلغ، قالت: إذاً: اتصل بي بعد العشاء إن شاء الله، يقول: فاتصلت بها بعد العشاء وإذا بها تقول: المبلغ موجود. يقول: مررت عليها وأخذت الثلاثين ألفاً، وسألتها: من أين جئت به؟ كيف صنعت يا عمة؟! قالت: اتصلت بأحد أقربائي وطلبت سلفة ثلاثين ألفاً وجاء بها إلي، ولكني لا أستطيع أن أسدده، فقلت لابنتي الصغيرة: تعالي، فجاءت، فقلت لها: أعطيني دليل التلفون، وأعطيني التلفون، يقول: فبدأت تتصل: أم محمد! ما رأيك في مشروع كذا وكذا وكذا، ووضعه كذا، أم محمد مائتين ريال، أم صالح أربعمائة، أم عبد العزيز خمسمائة، أم كذا أربعمائة، أم أم، قالت: إلى أن استوفينا ثلاثين ألفاً، لاحظوا أيها الأحبة! كيف حضرت المبلغ بعد طلبه بساعات، وبذلت من أجل ذلك الجهد؟ والدال على الخير كفاعله، فهذه امرأة كبيرة في السن وأمية، ولكن انظروا كيف فعلت؟ أليست أيها الأحبة! تفوق الكثير من الدعاة إلى الله بهذا المنهج. أقول هذه القصص؛ لكي يكون في ذلك نبراساً لنا، ودروساً لنا، وتجارب لنا في مسائل حياتنا، ومسيرتنا العلمية والدعوية، لعل الله أن ينفعنا بها جميعاً، وأن يجعلها إن شاء الله معينة لنا على التوجه إلى الله ، وعلى نصرة دينه. وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.

стр. 171

العدو الدائم حقائق ووثائق ليس هناك أمة من الأمم تعادي أمة الإسلام كاليهود، والتاريخ شاهد على ذلك، فهم ناقضو العهود والمواثيق، وهم عبدة العجل وقتلة الأنبياء كما شهد بذلك القرآن الكريم. فاليهود هم العدو الدائم والمستمر للإسلام والمسلمين، وهذه العداوة لن تنتهي بمعاهدات ولا باتفاقات، بل ستبقى دائمة، ولن يوقف زحفهم ومكرهم وكيدهم إلا القوة وجمع الكلمة.

стр. 172

عرض تاريخي لبعض مراحل اليهود بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد الأمين، وعلى آله، وأصحابه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين حديثنا في هذا اللقاء سيكون عن عدو، وهذا العدو تميز بميزة أساسية هي الدوام والاستمرار، وقد يخطر على البال أنه العدو الدائم إبليس أو الشيطان، وهذا يوصف بهذا الوصف فهو عدو دائم مستمر، وعدو لصيق للجميع بلا استثناء ولكن الحديث لن يتطرق إلى هذا النوع من الأعداء، بل سيكون عن عدو يسمع به الكثير في هذه الأيام: إنهم اليهود. نسمع كثيراً عن كلمة السلام الدائم مع اليهود، فعندما نأتي بكلمة العدو الدائم نجد أن هذه الكلمة تضاد هذه الكلمة بشكل كلي، فأيهما أولى بالأخذ؟ وأيهما أولى بالصواب؟ هذا ما ستتحدث عنه الحقائق، وما ستطرقه الوثائق التي سأشير إلى بعض منها، مع ملاحظة أن الحديث عن هذا العدو الدائم حديث طويل ويحتاج إلى عرض متواصل؛ لأن العرض الموجز والقصير قد لا يعطي الموضوع حقه، وحسبي أنني سأشير إلى بعض الوثائق، وسأعرض لبعض الحقائق فقط، وأحاول أن أنتقي منها ما يهم، وما يفهم، وما يُعرف عند البعض. أقول وبالله التوفيق: إن موضوع هذه المحاضرة سيشتمل على وقفات: الوقفة الأولى أستطيع أن أسميها مقدمة، أو تمهيد، أو تقعيد، أو قاعدة لما سأشير إليه بعد ذلك، ثم الوقفة التي تليها وقفة متعلقة ببعض الحقائق والوثائق عن هذا العدو، ثم بعد ذلك أختم بقصيدة جميلة كتبها أحد الطلاب وهي من القصائد التي ربما لم تُسمع قبل ذلك باعتبار أنها جديدة. فأقول أيها الأحبة الكرام! فيما يتعلق بالتمهيد: لكي نفقه ونفهم الحديث عن هذا العدو لا بد أن نفقه جذوره، وأسسه وأصوله، وهذا أمر تاريخي متشعب الأركان، وبالتالي لا يمكن أن نستعرضه مفصلاً، إنما سأعطي لمحات. إن إبراهيم ﵇ عندما جاء من منطقة حران في العراق إلى الشام بعد أن نجاه الله من النمرود تناسل أبناؤه، وكان حفيده يعقوب ﵇ ممن استقر في فلسطين، ويعقوب ﵇ رُزق بأبناء، ومن هؤلاء الأبناء يوسف ﵇ الذي حقد عليه إخوته، ثم أُلقي في الجب -في البئر- ثم انتقل إلى مصر عبداً رقيقاً، ثم تطور به الأمر إلى أن صار ملكاً حاكماً، ثم بعد ذلك جلب أباه وإخوته إلى مصر، وتملك مصر وتناسل إخوته وأبناؤه وكونوا تجمعاً قوياً في مصر، وكان الحكم بأيديهم، ثم زالت دولتهم وضعف شأنهم وعاد الملك مرة أخرى إلى الفراعنة. وهؤلاء الفراعنة كانوا يحسدون يوسف ويحسدون إخوة يوسف، فقلبوا ظهر المجن لهم وكانت النتيجة أن استعبدوهم، فصار الفراعنة يقتلون أبناءهم ويستحيون نساءهم ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٤٩] واستمر الأمر على هذا المنوال، وبنو إسرائيل يعيشون في ذلة وفي مهانة إلى أن استنقذهم الله ببعثة موسى ﵇. وعندما بُعث موسى إليهم دعاهم أولاً قبل أن يدعو الفراعنة، وطلب منهم أن يعودوا إلى الله ، فهل يا ترى استقبلوا هذا المنقذ الذي أراد أن ينقذهم من وهدة الذلة والمهانة إلى قمة العزة والنصر؟ لقد جابهوه مجابهة غريبة وعجيبة، ثم اتجه موسى بعد ذلك إلى دعوة فرعون، ولكن النتيجة كانت السخرية والاستهزاء، ونتج عن ذلك خروج موسى ﵇ من مصر ومعه بنو إسرائيل، وهلك فرعون وملأ فرعون وجميع من معه من جنده في البحر. وذهب موسى متجهاً إلى منطقة الشام متجاوزاً صحراء سيناء، وعندما خرج هؤلاء القوم إذا بهم يقابلون قبيلة من البدو الرحّل في سيناء، وكان هؤلاء البدو يعكفون على أصنام لهم يسجدون لها ويخضعون، ويستنجدون ويستغيثون بها، فبنو إسرائيل عندما رأوا نجاتهم وهلك عدوهم ورأوا الآية العظمى التي جاءت مع موسى -العصا- ورأوا أثرها في فلق البحر وجعله يبساً، ثم هلاك فرعون أمام أعينهم لم يسجدوا لله شكراً وتذللاً، بل قالوا له: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨] وكأنهم لا رب لهم، ولا إله لهم، ولا خالق ولا معبود فيطلبون من موسى المخلوق الضعيف أن يجعل لهم إلهاً وأن يوجد لهم رباً، فعاتبهم موسى وصبر عليهم. ثم اتجه بهم ووعدهم بنصر عظيم وخير عميم في فلسطين، ولكن هناك عقبة كئود موجودة أمامهم، وهي مدينة من مدن الجبارين، وهذه المدينة كما ذكر بعض العلماء هي مدينة أريحا الآن، فلكي يتجاوز هؤلاء القوم هذه المنطقة إلى وسط فلسطين لا بد من اجتياز منطقة أريحا، فماذا قالوا له؟ هل قالوا له: هلم لنقاتلهم، ومن يُقتل منا فهو شهيد ومن يبق فهو منتصر؟ لا، وإنما قالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] وهذه غاية في الذلة من هؤلاء القوم. فكانت النتيجة أن حكم الله عليهم بالتيه أربعين عاماً يتيهون في صحراء سيناء، كانوا ينامون في الليل في الصحراء، فإذا استيقظوا قالوا هذا الطريق فيتجهون معه، فإذا ناموا واستيقظوا ضاعت معالم طريقهم؛ لأن المنطقة صحراوية والرياح شديدة فتضيع المعالم وتضيع الآثار، فيعودون من نفس الطريق الذي جاءوا منه، فصاروا يدورون في هذه المنطقة أربعين سنة. فعاشوا عقاباً في مصر بذلة الفراعنة وإهانتهم لهم، وعاشوا شظف عيش عجيب في صحراء سيناء، فهل هذه التربية القاسية أعطتهم دروساً وعبراً في الرجوع إلى الله؟ أم جعلتهم يزدادون عتواً ونفوراً؟ هذا ما سنعرفه بعد قليل.

стр. 173

تحريف اليهود للتوراة انتهى التيه ودخلوا أرض فلسطين، وعندما دخلوها وجدوا رزقاً لم يكونوا يحلمون به، ونعيماً لم يكونوا يتصورونه، وملكاً في أيديهم يتصرفون فيه كيفما شاءوا. خرجوا من فقر وذلة ومهانة، وشظف عيش فوجدوا كل شيء تحت أيديهم، ولكنهم وجدوا التوراة أمامهم تقول لهم: لا تسرقوا، وتقول لهم: لا تخونوا، وتقول لهم: خذوا كل شيء بحقه، ولا تأخذوا أموال الناس بالباطل وغير ذلك من الأوامر والنواهي فيما يتعلق بجمع المال، لكنهم يريدون جمع المال بأي صورة وبأسرع وقت، فماذا يصنعون يا ترى؟ هل يطيعون التوراة التي هي أوامر من الله؟ أم يغفلون النظر عنها ويجمعون المال حتى يكونوا أغنياء بأقصى سرعة؟ تأرجحت لديهم هذه المسألة وتلك، فكانت النتيجة أن قر قرارهم على رد نصوص التوراة، فجاءوا إلى نصوص التوراة التي تحرم عليهم السرقة والاغتصاب، والأخذ بغير حق إلى آخره فحذفوها من التوراة، فكان المظلوم إذا جاء إليهم يقول: هذا حرام عليكم، قالوا: من أين علمت أن هذا الأمر حرام؟ فإن التوراة لا تحرم ذلك، أثبت لنا نصاً من التوراة يُحرّم أن أخذ المال من فلان أو فلان حرام. هذا الأمر تحدث عنه بعض علماء الملل والنحل، عندما تحدثوا عن أسباب تحريف اليهود للتوراة، ومعلوم أن اليهود والنصارى أوكل الله لهم حفظ كتبهم، فلم يراعوا الأمانة فحرفوا وبدلوا. أما القرآن فإن الله تكفّل بحفظه، كما قال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ولذلك تعرّض القرآن الكريم لهجمات من التحريف والتأويل والتغيير أضعاف ما تعرض له الإنجيل وقبله التوراة، ومع ذلك بقي كما أنزل لم يُغير منه حرف واحد، بل ولا حتى علامة إعرابية؛ لأن الله تكفّل بحفظه. فأقول هذه النظرية تقول: بأن هؤلاء الذين ظُلموا صاروا يأتون من ظلمهم ويذكرونهم بأحوال الأنبياء وما كانوا عليه من طهر، وأنفة، وعزة، وخلق، ودين، وتقى، وورع، فغاظ هؤلاء الذين يجمعون المال من غير حله أن يسمعوا هذه السير، فذهبوا إلى سير هؤلاء الأنبياء وحرّفوها وغيّروها فذاك نبي زان! بل وزان ببناته! وذاك نبي يسرق! وذاك نبي يقتل! وذاك نبي يعبد الأصنام! وذاك نبي يعتدي على العرض! وذاك نبي يفعل ويفعل! ولم يبقوا نبياً إلا ووصفوه بأوصاف يتنزه عنها كثير من البشر، فصار المظلوم لا يجد مجالاً للتذكير بالأنبياء؛ لأنهم إذا ذُكِّروا بالأنبياء قالوا: أي أنبياء؟ هؤلاء أردى منا! نحن نأخذ مبلغ كذا وكذا والأنبياء انظروا ماذا يفعلون. بل ويقولون: انظروا إلى لوط كيف زنا ببناته! ففي التوراة نص أن لوطاً زنا ببناته! هذا مذكور عندهم بشكل صريح، بل ورزق بأبناء من هؤلاء البنات! لكن لم يسكت هؤلاء المظلومون على مر الزمن وتوالي العصور، بل جاءوا يخاطبون الذين ظلموهم: إن هناك آخرة، وهناك جنة، وهناك ناراً، وهناك حساباً، وهناك عقاباً، وهناك أعمالاً توزن، وهناك صحفاً تتطاير، وهناك أهوالاً يوم القيامة، وهناك عذاب قبر، وهناك سوء خاتمة، فأخذ هؤلاء التوراة وحذفوا منها كل ما يمت إلى الآخرة بصلة، ولذلك تجد التوراة عندما تقرأها من أولها إلى آخرها لا تجد فيها نصاً يتحدث عن جنة أو عن نار أو عن آخرة أو عن عذاب أو حساب أبداً؛ لأنها حذفت، وحُرِّفت وغُيِّرت وبُدِّلت. فلم يسكت هؤلاء المظلومون بل صاروا يأتون هؤلاء الظلمة ويذكرونهم بالله، ويخوفونهم من عقابه، فلم يسكت هؤلاء بل ذهبوا إلى صفات الله في التوراة وأرادوا حذفها، ولكنها كثيرة ومتعددة ولا يمكن أن تُحذف، فحرَّفوها وغيروها وبدلوها، فوصفوا الله في التوراة بأوصاف يتنزه أخس الناس عنها. والله ذكر لنا شيئاً من ذلك عندما قال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤] وقال: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨١] وذكروا أوصافاً منها: أنه حزن على إغراق قوم نوح، وأنه ندم وبكى على إغراقهم، حتى رمدت عيناه. وأنه تعب أثناء الخلق، وارتاح واضعاً قدماً على قدم وذكروا كلمات يقشعر الجلد من سماعها، لكنها موجودة في التوراة. فعاش اليهود هذه الفترة بهذه الكيفية يجمعون المال بأي صورة وبأي كيفية. هذه هي الوقفة الأساسية في هذه المقدمة.

стр. 174

موقف اليهود من أركان الإيمان الستة

стр. 175

موقف اليهود من الإيمان بالله الوقفة الثانية: موقف اليهود من أركان الإيمان الستة: أولاً: موقفهم من الإيمان بالله: سبق أنهم يصفون الله بأوصاف يتنزه عنها البشر، ولم يكفهم هذا بل هم ممن يعبد كل شيء إلا الله ، وأول دليل: عبادتهم للعجل، فهم عندما خرجوا من مصر خرجوا وهم أذلة مغلوبون في نفس الوقت، والفراعنة كانوا يقدسون عجلاً مشهوراً لديهم يُدعى عجل أبيس، وعندما مات أبيس أقيمت له جنازة أسطورية لا تشابهها جنازة أي فرعون من فراعنة مصر كما تذكر ذلك كتب التاريخ، هذا العجل أبيس له معبد ضخم جداً في ذاك الزمان ربما اندثر الآن، لكن هذا العجل كان مقدساً في قلوب الفراعنة، وبالتالي في قلوب اليهود. وعندما ذهبوا إلى صحراء سيناء وعاشوا فترة التيه ذهب موسى ﵇ لموعد ربه، وليتلقى وحياً من ربه ، فاستغل السامري هذا الفراغ بالرغم من وجود هارون، فجمع ذهباً وصنع منه عجلاً، وجعله إلهاً لهم. هذا العجل شبيه تماماً بعجل أبيس الذي مات في مصر، والله دلل على شدة ارتباط اليهود بالعجل بقوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة:٩٣] فكلمة أشربوا من الشرب وهو هنا الارتواء، فكأن قلوبهم امتلأت وارتوت من محبة وعبادة العجل. إن العجل الذي عبده اليهود قبل آلاف السنين لا زال يُعبد إلى الآن، فاليهود الآن يعلقون سلاسل في رقابهم فيها العجل، بل ومن شعارات الماسونية التي هي وليدة اليهودية والصهيونية من شعاراتها العجل والحية. إذاً: لا زال العجل موجوداً في قلوبهم إلى هذا الزمان، وعبادة العجل عندهم باقية ومستمرة، فهم يعبدون أشياء كثيرة ما خلا الله فلا يعبدونه. من الأشياء التي يعبدونها كذلك الحية؛ تخليداً لمعجزة موسى ﵇، فهم يخلدونها، طبعاً لا زالوا كذلك يلبسونها على شكل أساور، ولكن وللأسف الشديد أن هذا أمر واقع عندنا في أسواق الذهب، فهناك أساور على شكل حية! وخواتم على شكل حية، وهذه تقديس لحية موسى. ومعلوم معروف أن غالب مصانع الذهب والفضة العالمية في أيدي اليهود إلى هذا الزمان، بل ومن العجائب كذلك في أصفهان في إيران أن هناك قرية تسمى اليهودية، وقرية أصفهان متميزة بغناها، ومتميزة بوجود فئة من اليهود أغنياء، هؤلاء اليهود يتحكمون في شيئين اثنين في منطقة أصفهان: في السجاد العجمي غالي الثمن، وفي صياغة الذهب. وبالتالي تجد أن الذهب وصياغته بأيديهم، ولذلك غالب مصانع الذهب في أمريكا وفي إيطاليا بأيدي اليهود، فهم الذين يصنعون هذه الحيات على شكل أساور أو خواتم أو قلائد أو غير ذلك، لكن تنطلي علينا هذه القضايا نتيجة لجهلنا. من الأشياء التي عبدها هؤلاء القوم بعل، وهو صنم موجود في منطقة بعلبك في سهل البقاع في لبنان، وبك معبد بلغة الكنعانيين، وبعل اسم الصنم، والله بين ذلك بقوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات:١٢٥] فالكنعانيون كانت لهم قوة وتأثير على اليهود، وبالتالي أعجبوا بصنمهم فعبدوه، ولا زالت طوائف من اليهود إلى الآن تزور منطقة بعلبك تقديساً لهذا الصنم، بالرغم أنه ليس موجوداً، لكن تقديساً للمنطقة التي كان فيها صنم يُعبد من قبل آبائهم وأجدادهم. وعبدوا عزيراً كذلك، وقالوا: إن عزيراً ابن الله. وعبدوا أشياء كثيرة غير هذا.

стр. 176

موقف اليهود من الملائكة أما موقفهم من الملائكة فإنهم يبغضونهم ويكرهونهم، يقول تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨] وهم اليهود، ولذلك عندما أخبرهم الرسول ﷺ أن الذي يأتيه بالوحي جبريل قالوا له: ذاك عدونا من الملائكة؛ فهم لا يحبون الملائكة.

стр. 177

موقف اليهود من الرسل أما الرسل فهم لا يؤمنون إلا بموسى، ومع إيمانهم بموسى إلا أنهم كانوا يبغضونه، وكانوا يتحدونه، وكانوا يسخرون منه، فمثلاً قالوا له: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة:٢٤] قالوها سخرية، وقالوا له: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء:١٥٣] وقالوا له: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]، فما اقتنعوا بالأشياء التي جاء بها. فهؤلاء القوم إيمانهم بالأنبياء ضعيف، وهناك آيات كثيرة توضح كيف يتعاملون مع الأنبياء، قال تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧] يعني: مجموعة أنبياء، فقتل زكريا ويحيى، وحاولوا قتل عيسى. وقتلوا أنبياء عدة. وهؤلاء هم أنبيائهم ومع ذلك يقتلونهم. والرسول ﷺ كم من مرة حاولوا قتله والقضاء عليه؟ ولكن الله قال له: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].

стр. 178

موقف اليهود من اليوم الآخر ومن الإيمان بالقضاء والقدر وأما حالهم مع اليوم الآخر فهم لا يؤمنون به كما أشرنا، أما موقفهم من القضاء والقدر فهم جملة لا يؤمنون بالقدر إلا بنطاق معين، فعندهم أن كل إنسان له اختياره الكامل بدون أي ارتباط بالله ، فليس لله أي إرادة أو مشيئة في ذلك.

стр. 179

الكتب المقدسة عند اليهود الكتب المقدسة عند اليهود تتمثل في كتابين اثنين: الكتاب الأول هو العهد القديم، والكتاب الثاني هو التلمود. والكتاب الموجود عند النصارى ينقسم إلى قسمين: العهد القديم، ويشمل التوراة وأسفار الأنبياء، والعهد الجديد خاص بالنصارى ويشمل الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل. أما العهد القديم فهو الذي يختص باليهود، فاليهود لا يؤمنون بالعهد الجديد؛ لأنهم لا يؤمنون أصلاً بعيسى، فالعهد القديم يتكون من شقين: الشق الصغير هو التوراة، وهي التي أنزلت على موسى، والشق الأعظم والأكبر هو أسفار الأنبياء. أما التوراة فتنقسم إلى خمسة أقسام: سفر التكوين، ويتحدث عن تكوين الخليقة إلى وفاة يوسف ﵇، وسفر الخروج ويتحدث من عهد يوسف إلى خروج موسى من مصر، وسفر الأحبار أو اللاويين وهو سفر فقهي، وسفر العدد وهو سفر تاريخي يذكر أخبار بني إسرائيل بالعدد، وسفر التثنية يذكر أحكاماً تفصيلة لم تذكر أو لم يشر إليها في سفر الأحبار لكن الناظر في التوراة سيجد فيها نقاط من التحريف لا حصر لها وهي عجيبة جداً بل ومضحكة، بل ومن تمعن فيها من نفس القوم علم أنها محرّفة، وأنها مغيّرة تغييراً جذرياً أو كلياً. أما أسفار الأنبياء فهي الأكبر؛ وهي الوحي الذي يقولون: إنه أنزل على الأنبياء من بعد موسى إلى وقت عيسى، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: تاريخ ويشمل -مثلاً- سفر الملوك الأول، وسفر الملوك الثاني، والثالث، والرابع، وسفر أخبار الأيام الأول، وسفر أخبار الأيام الثاني، وأخبار الأيام الثالث، وأخبار الأيام الرابع، وسفر القضاة كلها أخبار تاريخية، وكأنك تأتي بكتاب البداية والنهاية وتضمه مع القرآن، وتقول: هذا الكتاب المقدس، فهي أخبار تاريخية تتحدث عن المعارك وما الذي حصل فيها؟ ومن قتل فيها؟ وكيف قتلوا؟ وكم عدد الذين قتلوا؟ وكيف كانت الحرب؟ وسفر القضاة يتحدث عن القاضي فلان، وكيف حكم؟ وماذا حكم؟ وما القضايا التي حكم فيها؟ أما النوع الثاني فهي أسفار تشريع، والنوع الثالث أسفار نبوءات. أما أسفار التشريع فبعضها مثل سفر يوشع بن نون الذي جاء من بعد موسى، وسفر المزامير وهو سفر الزبور، وسفر كتاب سليمان ﵇، لكن بعضها غريب جداً، كسفر الأمثال، فقد جمّعوا فيه كل الأمثال الموجودة عند اليهود وضموها إلى الكتاب المقدس، وأعطوه طابع القدسية، وهناك سفر اسمه سفر الإنشاد وهو أناشيد، فمثلاً ينشد الأطفال أيام الأعياد وأيام الأفراح، فهم أتوا بالأناشيد وأعطوها طابع القدسية. فتلحظ الآن كتاباً مقدّساً، لكن إذا تمعنت فيه ستجد العجب! بل والأعجب من ذلك كله سفر يسمى سفر أستير، وأستير هذه امرأة كانت بغياً، وكانت متميزة بجمالها وذكائها، وكانت من سبي بابل، أو من النساء اللاتي ولدن في بابل بعد سبي بختنصر ليهود فلسطين؛ هذه المرأة أحبها أحد ملوك العراق، فملكت عليه قلبه وشغفت لبه حتى توصل الأمر في النهاية إلى أن أطلق يد اليهود في مقدرات الحكومة في ذاك الزمان، فبدل أن كانوا في الذلة صاروا في العزة والملك، وفُتح لهم المجال للرجوع إلى فلسطين، لذلك قدّس اليهود هذه المرأة؛ وهذا أمر قد لا يلامون فيه، لكن الغريب في التقديس ليس هذا، الغريب أنهم ركزوا على حياتها الخاصة مع الملك، فكانوا يذكرون قصصاً غرامية ووقائع فراشية متعلقة بفراش الملك، وأمور يندى الجبين عندما يذكرها الشخص أمام أولاده، ولذلك قال أحمد ديدات عندما حدّث جيم سويدرت قال له: إن في كتابكم لقصصاً ولكلاماً مقدساً أستحي أن أقرأه على بناتي، فاستغرب سويدرت هذا وقال: أين هذا؟ قال: اقرأ رقم كذا وكذا وكذا! من سفر أستير، فطأطأ سويدرت رأسه وأقر بالهزيمة في هذا الموقف بالذات. أما القسم الثالث فهو النبوءات، والنبوءات أيها الأحبة هي نبوءات مستقبلية، ولكن اليهود كانوا حريصين حرصاً شديداً على هذه النبوءات، فاستطاعوا حذف كل ما يتعلق منها بالمسلمين؛ لأنها تنبئ اليهود ببعثة محمد ﷺ ، لكن النبوءات نوعان: هناك نبوءات صريحة، وهذه الصريحة حُذفت، وهناك نبوءات ليست بصريحة، من ذلك نبوءة في سفر أشعيا، تقول هذه النبوءة: إن نور الله شع من سيناء، وظهر من ساعير، وعمّ الأرض من فاران. فهم لا يعرفون ما فاران هذه! فعندما جاء من يشرح الكتاب المقدس بيّن أن فاران هذه هي جبال مكة، وساعير هي الناصرة التي كان يسكنها عيسى ﵇، وسيناء معروفة؛ إذاً نور الله أي وحي الله، ظهر في سيناء ببعثة موسى، وشعّ ببعثة عيسى في الناصرة، وعمّ الأرض ببعثة محمد في جبال مكة، فلو كانوا يعلمون تفسير ذلك لحذفوه، لكنهم لا يعلمون. ومن أشهر هذه النبوءات نبوءة حزقيال ونبوءة دانيال، ونبوءة أشعيا، ونبوءة أرميا، وبعض هذه النبوءات من تمعن فيها رأى فيها دلالات على نبوءة الرسول ﷺ . أما الكتاب المشهور الثاني عندهم فهو التلمود، والتلمود ظهر وأنشئ قريباً من سنة (٢٠٠ ميلادية)، وأول من أبرزه رجل يُدعى يهوداهانتي، وهو أول من بدأ في تأليفه، وهو عبارة عن كلام علماء اليهود، فكلام علماء اليهود وحاخاماتهم هو أصل التلمود، ثم بعد ذلك بدءوا يأخذون هذا الكلام ويشرحونه ويطورونه ويكبرونه حتى وصل الأمر إلى أن يكون اثني عشر مجلداً من النوع الكبير جداً، وأعطوا هذا الكتاب طابع القدسية التي سطروها على صفحة الكتاب الأولى بقولهم: إن كلام الحاخامات لا يمكن أن ينقض ولو بأمر من الله! بمعنى أن هذا الكلام يأخذ طابع القدسية! ولذلك فاليهود يقدسون التلمود أكثر من التوراة. والتلمود الآن سري لا يمكن أن تطلع عليه، فلا يوجد منه إلا نسخ بسيطة جداً في مكتبات مشهورة في العالم، هذه المكتبات عليها حراسة، أو بمعنى أدق في غرف مغلقة كأنها خزائن ذهب؛ لأنه يحتوي -أي: التلمود- على نصوص تُعادي النصارى بالذات، وتعادي المسلمين بطريقة غير مباشرة، بمعنى: أن من خالف اليهود يُفعل به ويُفعل، أما النصارى فيخاطبونهم بالاسم وبالنص، ولذلك يخاف اليهود من إظهاره حتى لا ينقلب عليهم النصارى، فيكتسب طابع السرية المطلقة.

стр. 180

اليهود العدو الدائم عندما تأخذ القرآن الكريم وتبدأ في إخراج الآيات التي تتحدث عن الديانات المختلفة ستجد أن هناك أمراً غريباً! لو أخذت مثلاً اليهود، النصارى، المجوس، الوثنية، الصابئة، ثم أخذت كل ديانة ووضعت تحتها الآيات التي تتعلق بها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ثم جئت في النهاية إلى عمل إحصائية، فاليهود عددهم الآن عشرون مليوناً، والنصارى ملياران، فالآيات التي تتحدث عن النصارى تتناسب مع عددهم، لكن سترى هناك مفارقة عجيبة، فاليهود على قلتهم إلا أن الآيات التي تتحدث عنهم كثيرة جداً، وغير متخيل عددها بالنسبة للآيات التي تتحدث عن النصارى، ما هو السبب؟ السبب هو عنوان هذه المحاضرة. السبب: أن الله جعل اليهود هم عدونا الدائم إلى قبيل قيام الساعة. ولذلك تجد أن الصراع بين الأمة المسلمة واليهود متواصل مستمر منذ بعثته ﵊ إلى نزول عيسى بن مريم في آخر الزمان، ولم ينقطع لحظة، ولم يتوقف دقيقة بأي صورة من الصور. إذاً: هم العدو الدائم والمستمر. فجميع الأعداء يكون هناك شد وجذب وتوقف معهم إلا اليهود؛ لأن العدو الدائم يبقى على عداوته، لكن العدو المتقطع قد يرجع إليك فيعرف أن الحق معك فينضم إليك، فكم من نصراني أسلم؟ وكم من يهودي أسلم؟ لا تستطيع أن تقارن. تجد أن النصارى يسلمون بالملايين، لكن اليهود ليسوا كذلك؛ فلكون العداوة دائمة هنا ركز القرآن عليهم وحذر منهم ونتيجة لذلك فمنذ هاجر المصطفى ﵊ إلى المدينة وإذا به يكبّل اليهود بالعهود وبالمواثيق فعقد عهداً مع بني قريظة، وعهداً مع بني قينقاع، وعهداً مع بني النضير؛ حتى لا يخونوا؛ لأن من طبعهم الخيانة، فالذين قتلوا الأنبياء وكذّبوهم وسخروا منهم واستهزئوا بهم ليس هناك أي رادع ومانع من أن ينقلبوا على رجل ليس منهم بل هو من قبيلة مختلفة عنهم. ولو نظرنا مثلاً إلى نقضهم لعهودهم: فبنو قينقاع نقضوا العهد، حيث ذهبت امرأة مسلمة متحجبة إلى صائغ في سوق بني قينقاع، فقال لها الصائغ: اكشفي عن وجهك، فرفضت، فأصر عليها أن تكشف ليرى وجهها فرفضت، فأشار إلى رجل آخر فقام الرجل من ورائها وهي جالسة فعقد طرف ردائها، أو ربما عباءتها في أعلاها، فعندما قامت انكشفت؛ لأن الثوب ارتفع فضحكوا عليها، فقام مسلم كان في السوق بعد أن صرخت وا إسلاماه وقتل اليهودي الفاعل، فقام اليهود وقتلوا المسلم، فعند ذلك نُقض العهد، وطُرد هؤلاء القوم. بنو النضير كان هناك عهد وميثاق بينهم وبين المصطفى ﷺ ، وهو أن يكون هناك تعاون في دفع الديات، يعني: لو قُتل رجل معين قتله اليهود خطأً فالرسول يشاركهم في الدية، ولو قتل المسلمون رجلاً من نفس القبيلة خطأً فاليهود يشاركونهم في الدية، فعندما قتل عمرو بن أمية الضمري رجلاً من بني عامر ممن يدخل في هذا الحلف وهذا التعاهد ذهب الرسول لبني النضير وطلب منهم المشاركة في دفع الدية، فقالوا هذا أفضل وقت لقتل الرسول ﷺ ، من يقوم على هذا الحصن ويُلقي رحى على هذا الرجل -أي: الرسول ﷺ وهو جالس؟ فقام عمرو بن جحاف النضري وحاول أن يفعلها، ولكن الله فضحه، فكان نقضاً للعهد والميثاق، فدمِّرت ديارهم وأجلاهم المصطفى ﵊. وبنو قريظة خانوا العهد والميثاق وأعانوا المشركين فكانت النتيجة قتل سبعمائة رجل منهم صبراً في الأخاديد، ولذلك فاليهود الآن عندما يأخذهم الحماس يصيحون منادين بثارات بني قريظة، يريدون أن يثأروا لهؤلاء الذين قتلوا. وأحب أن أشير إلى نقطة أخيرة في هذا المقام فقط من مواقفهم: والآن في هذا الزمان الحرب قائمة بين المسلمين في مناطق متعددة وبين الأعداء، فمثلاً: في الشيشان هناك حرب قوية، ومتجددة وفيها أخبار سارة بشكل دائم ومستمر، طبعاً الحرب بيننا وبين الروس، وبين النصارى الأرثوذكس، لكن الذي يخفى هنا أن كثيراً من الغنائم التي يحصل عليها المجاهدون ويفحصونها يجدون فيها أسلحة إسرائيلية يهودية معونة من اليهود لدولة عظمى؛ لأن ملة الكفر واحدة، في أندونيسيا على بعدها لوحظ أن الذين يقاتلون المسلمين من المنظمات النصرانية يقاتلونهم بأسلحة يهودية. إذاً: فهم عدو دائم؛ ولذلك عندما نقول: العدو الدائم، نقصد بذلك العدو المستمر الذي لم تنقطع عداوته أبداً، طبعاً إذا قلنا: العدو الدائم، لا يذهب ذهنك إلى العداوة الحربية العسكرية، فهذه دائرة من الدوائر، لكن هناك دوائر أخرى، هناك الدائرة الإعلامية، هناك الدائرة الاقتصادية، هناك الدائرة السياسية، فالإعلام يتحكم فيه هؤلاء، وكالات الأنباء يتحكم فيها هؤلاء، العديد والعديد من المحطات الفضائية الضخمة يتحكم فيها هؤلاء، الآلة الإعلامية الضخمة في أمريكا وأوروبا يتحكم فيها هؤلاء، البنوك الاقتصادية الضخمة يتحكم فيها هؤلاء. إذاً: تجد أن عداوتهم المستمرة الدائمة شاملة لكثير من المسائل، فإن حذرنا منهم فإن أثرهم لن ينطلي علينا، ولكن نحن -وللأسف الشديد- كالنعام إن صح وصف النعام بأنها تدس رأسها في التراب؛ وهذا كما يقال غير صحيح، لكن على اعتبار أنه صحيح فإننا كالنعام فعلاً ندس دوماً رءوسنا في التراب، وينطلي علينا خداع هؤلاء، وبالتالي نجد أننا كثرة ولكننا كغثاء السيل، فنحن نعيش -وللأسف الشديد- في مرحلة الغثائية في هذا الزمان.
следующие страницы →