← Джавами‘

Джавами‘ · id 37817

دروس للشيخ إبراهيم الفارس

إبراهيم بن عثمان الفارس

Полный текст (556 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثانياً: أهداف المنهج العقلاني المنهج العقلاني منهج لم يمت، بقي حياً قبل عهد المأمون إلى زماننا هذا، لكنه يتعرض للمد والجزر بحسب حالات معينة، ويظهر أحياناً ويبرز بقوة، ويتدلس أو ربما يتوقف أو يصاب بالبيات فترةً من الزمن، ولعلنا في هذا الزمن نعيش فترة بروز وانتشار له كما سنعرف بعد قليل. من أهداف هذا المنهج في القديم والحديث: الهدف الأول: رفض الفقه وتمييع الإجماع، يقولون هؤلاء الذين أجمعوا وأفتوا في المسألة الفلانية، هل هم أنبياء؟ لا، هل هم ملائكة؟ لا، هل المسألة جاءت من الله ؟ لا، إذاً: جاءت عمن؟ عن الإمام أحمد؟ عن الإمام أبي حنيفة؟ عن الشافعي عن الثوري عن الأوزاعي؟ إذاً: هم رجال، ونحن رجال، فلماذا يفرضون علينا آراءهم ومسائلهم الفقهية، فنحن نأتي بالأحكام، كما أتى هؤلاء بالأحكام. فهم لا ينظرون إلى قضية الخلفية العلمية، والدراسة العميقة للقضايا الفقهية، إنما ينظرون إلى قضية أن هؤلاء علماء لهم عقول، ونحن لنا عقول فقط، أما القضايا الأخرى فلا ينظر إليها. فترتب على ذلك مدارس الرأي، فكل واحد يأتي برأي من عنده ويعتبره حكماً يدين به، وقالوا: إن الفتاوى غير محكورة على أحد، فمن أراد أن يفتي أفتى. ولذلك في هذا الزمن، تجد أناساً ليسوا بالعلماء بل أشكالهم وسلوكهم وتصرفاتهم بعيدة كل البعد عن سلوك العلماء ومناهجهم، ولعلكم تقرءون في بعض المجلات أو الجرائد أنهم يصدرون فتاوىً في قضايا مصيرية للأمة، لا أقول: قضايا جزئية، بل قضايا مصيرية للأمة، ولا داعي لذكر النماذج في هذه المسألة. الهدف الثاني: الانفتاح الفكري عن طريق الأخذ من المصادر المختلفة، كما أخذ أسلافهم المعتزلة من الفكر اليوناني ومن الهنادكة، ومن الفرس ومناهجهم، كذلك العقلانيون المعاصرون يريدون الانفتاح على الغرب، ويأخذون منه كل شيء. ولذلك تجد أن الفكر العقلاني المعاصر -كما سنعرف من النماذج- يأخذ من الغرب كل شيء، حتى القوانين الوضعية والأفكار الفلسفية والفتاوى المتعلقة في الشئون الحية الخاصة والعامة والأحوال الشخصية، فتجد بعضاً ممن يدعو إلى الإسلام ويحمل رايته يدعو إلى الاحتفال بالقانون السويس أو إلى الأخذ بالقضايا الفلانية، في القانون الفرنسي، وهكذا. الهدف الثالث: الهجوم على الخلافة، وهم لا يريدون الخلافة التي تتم عن طريق الانتخاب أو البيعة أو بطريقة معروفة، إنما يريدون نشر ما يسمى بالديمقراطية، وحكم الشعب للشعب، والناس ينتخبون من شاءوا، فيأتي الفاسد والصالح والطالح، ويتساوون في الحكم على الشخص، كأن تأتي برجل ساقط ليس له قيمة في المجتمع، بل إنه ضار جداً على المجتمع بفساده وضياعه وضلاله ومخدراته وفسقه، وتقارنه تماماً بنفس المنزلة برجل يملك أعلى المؤهلات العلمية، فصوت هذا هو صوت هذا في انتخاب ذلك الرجل، وهذه هي الديمقراطية المزيفة المرفوضة التي لا يقرها الإسلام. لكن العقلانيين يدعون إليها ويحاولون إحياءها على أنها منهج إسلامي، ويؤصلون بذلك كتباً ومؤلفات. الهدف الرابع: تمييع الجهاد فمسألة الجهاد العسكري عند أهل العقل مرفوضة، فليس هناك شيء اسمه جهاد العدو، بل العالم كله قرية واحدة ودولة واحدة، ولا بد أن يعيش باطمئنان، وليس هناك شيء اسمه عقائد مختلفة، إنما هناك اختلاف في وجهات النظر، من الممكن أن تقترب هذه الوجهات أو تبتعد بحسب الحوار. ولذلك تجدهم يدعون إلى الحوار بين الأديان، وإلى عقد المناظرات بين الأديان، حتى يتفق على دين مستقل، وآخر صيحات العقلانيين في هذا الزمن ما دعوا إليه عن طريق إيجاد دين مشترك يسمى الدين الإبراهيمي بين الإسلام واليهودية والنصرانية، وهذا ناتج عن لقاءات متتابعة، عقدت في عدة دول عربية وأوربية. إذاً: هم يريدون تمييع الجهاد؛ لأن الجهاد في هذه الحالة يترتب عليه أن يتكتل المسلمون على منهج واحد، ويتكتل النصارى على منهج، واليهود على منهج، ثم تقوم المعارك، مع العلم أن هؤلاء لا يعلمون أن هذا تمييع، لكن بالنسبة لليهود والنصارى انتصار، لأنهم عندما يرون المسلمين بهذا الوضع في تمييع الجهاد، فإنهم سيبدءون في غزوهم والدخول عليهم من جميع الأبواب المتاحة. وهذا ما هو مشاهد في هذا الزمن. الهدف الخامس: مسائل الاختلاط والحجاب، فلا يوجد عند العقلاني مسائل مرتبطة بالحفاظ على الستر والحجاب وما يتعلق بالاختلاط وغيرها، بل هي مسألة عادية، تعد من الأحوال الشخصية التي تخضع للمتغيرات الزمنية، وليست مربوطة بالمنهج الشرعي، بل هي مربوطة بالمنهج الذوقي، فإذا كان الأمر يتطلب أن تغطي المرأة وجهها غطت المرأة وجهها. وإذا كانت المسألة لا تتطلب وليس هناك مجال للفتنة فلا داعي لذلك، وإذا كان الاختلاط فيه فتنة وستؤذى المرأة فلا تختلط، وإن لم يكن هناك فتنة فلا بأس أن تختلط، فالمسألة مسالة ذوقية، راجعة إلى التصرف الشخصي فقط لا غير. وهذا -كما ذكر بعض من رد عليهم- ترتيب تدريجي للوصول إلى أهداف إلغاء ما يسمى بالحجاب والستر، ونشر السفور والاختلاط داخل المجتمع المسلم مسايرةً للمنهج الغربي. لأن الغرب كانوا يقولون لهم: إنكم أنتم مقلدون ولا تحكمون عقولكم، فكأن هؤلاء يقولون: لا نحكم عقولنا لكن التقاليد تضغط علينا، فنريد أن نتدرج في مسألة رد هذه التقاليد خطوة خطوة. الهدف السادس: إباحة الربا، وإباحة الربا مأخوذ من مسألة النظام الاقتصادي العالمي؛ لأن هذا أمر يتطلبه الوضع الاقتصادي، والحياة قديماً حياة ساذجة وبسيطة، ومنزوية داخل مجتمع صغير، أما الآن فلا. فالعالم كله متشابه، والاقتصاد كله متداخل، وبالتالي لا تستطيع إلا أن تعايش هذا المجتمع ومن سبل المعايشة إباحة الربا. إذاً: ستجد في نهاية المطاف من خلال هذه الأهداف أن المجتمع العقلاني وعلماء العقلانية يدعون إلى السير في ركاب الغرب تماماً. ويدعون إلى الأخذ بالمنهج الغربي، ويضفون عليه طابع أنه منهج عقلي.

стр. 37

سير المنهج العقلاني وأسلوبه في الحكم على الأشياء العقل عند العقلانيين مقدس؛ ولذلك يقول الإيجي: لو وجد المعارض العقلي لقدم على الدليل النقلي قطعاً، أي: بصورة كلية قطعية لا مجال للأخذ فيها، وهذا قول موجود في كتاب القائد إلى خارجة العقائد للإيجي صفحة ١٦٣.

стр. 38

كيفية الحكم على الأمور من خلال العقل لدينا عقل شخص معتزل أو عقلاني آمن بقضية أو بفكرة وأقرها بعقله، فجئت أنت بدليل شرعي من القرآن أو السنة، فإنه يأخذ هذا الدليل ويعرضه على العقل، فلا يكون أمامه إلا خياران اثنان: إما أن يكون هذا الدليل موافقاً للفكرة العقلية الموجودة لديه. وإما أن تكون معارضة، فإن كانت موافقة فالقضية انتهت وليس هناك إشكال. وإن كان هناك تعارض بين الدليل النقلي والعقلي فإنه ينظر إلى هذا الدليل النقلي: هل هو قرآن أو سنة، فإن كان قرآناً فإنه هو المقدم، لكن العقل مقدس عنده، والفكرة العقلية هي الأساس، والقرآن يعارضه فالحل هو أن يحرف القرآن، ويغير أو يعدل شيئاً في القرآن تعديلاً يوافق الفكرة العقلية. وإن كان الدليل العقلي معارضاً للسنة فإنه ينظر إليها: هل هي سنة متواترة أو آحاد؟ فإن كانت سنة متواترة عاملها معاملة القرآن من ناحية التحريف والتعديل والتبديل. وإن كانت آحاداً ردها رداً كلياً. مثال ذلك: المعتزلة يقولون: إن الإنسان هو الذي خلق الشخص ولم يخلقه الله ، مع العلم أن الله يقول: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]. فالإنسان هو الذي خلق الشر فقط، أما الله فلم يخلقه، فهم آمنوا بهذه العقدية فجئنا لهم بقول الله : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق:١ - ٣]. فالله يأمرنا أن نتعوذ من الشر الذي خلقه، إذاً: الله كما في الآية هو الذي خلق الشر، فجئنا بالآية وعرضناها على العقل فكانت مخالفة، إذا: معنى هذا أنهم يتجهون معها اتجاهاً آخر، وهو التحريف والتعديل والتغيير، فقالوا: لا، الآية هي: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١]. ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:٢]، فما: نافية عند المعتزلة وليست موصولة، أي: ما خلق الله الشر، فباعتبار أنه قرآن ثابت قطعي الدلالة قطعي الثبوت ما ردوه، لكن أثبتوا هذا المعنى. وخذوا مثالاً آخر على هذه المسالة: المعتزلة قرروا أن الإنسان هو الذي يخلق فعل نفسه، فهو الذي يقرر أنه سيفعل المعصية، أو سيفعل الخير أو غير ذلك، والله لا يعلم شيئاً عن ذلك -تعالى الله عما يقولون- وهذا إنكار لعلم الله، ويترتب عليه أن الله لا يعلم ماذا ستعمل، ولا يعلم متى ستموت، ولا يعلم من سيدخل الجنة ومن سيدخل النار إلى غير ذلك. وهذه القاعدة عقلية تعارض سورة المسد: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:١ - ٣]. فالسورة لما نزلت كان أبو لهب على ظهر الأرض حياً، فمن الممكن أن يقول: أنا من أهل النار، إذاً: سأؤمن وأكون من أهل الجنة، لكن الله قد كتب في علمه أن هذا الإنسان سيعاند ويموت معانداً ويكون من أهل النار. فوجدوا أن هذه السورة تعارض الفكرة فحاولوا أن يحرفوا السورة ما استطاعوا فقد روي عن عمرو بن عبيد أنه قال: والله لوددت أن أحك سورة تبت من المصحف. فالعقل عند هؤلاء مقدم على كل شيء، حتى لو ترتب على ذلك أن يلغي السورة كاملة من القرآن لكي يؤصل فكره العقلاني.

стр. 39

نماذج معاصرة في المنهج العقلاني لو قرأت في كتب محمد عمران وكتب محمد الغزالي، وكلاهما من المعاصرين، وفي كتب أحمد أمين وقد مات وفي كتب كثيرة لهؤلاء العقلانيين؛ لوجدت أن فيها أموراً تحكم العقل. مثال ذلك: في النصوص الشرعية الثابتة (ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) وهو حديث ثابت في الصحيحين فالعقلانيون أصلوا في أذهانهم أن المرأة مثل الرجل، وتحكم كما يحكم الرجل، والدليل على ذلك عندهم: أنديرا غاندي ومارجريت تاتشر وتنسوتشيلر وغيرهن من النساء اللاتي يحكمن، فما الفرق بين المرأة والرجل في هذه الحال؟ فلما جاءهم الدليل: (ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) فوجئوا أن هذا الدليل معارض، لكنهم وجدوا أن هذا الحديث آحاد فردوه. فهم ردوه لأنه عارض المنهج العقلي، فجعلوا العقل هو المحكم للنقل، والنقل مجرد محاك للعقل، فما قبله العقل أخذ، وما رده العقل رد، ولا يهم كيف يكون شأن هذا المردود: هل هو قرآن أو سنة ثابتة أو غير ثابتة؟ فأهم شيء عندهم الرد لأنه عارض العقل. مثال آخر حديث الذبابة: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء) فالعقلانيون يقولون: مرفوض عقلاً وبالتالي فهو مردود، بالرغم من أنه حديث ثابت وشبه متواتر. كذلك حديث: (من اصطبح بسبع تمرات لم يضره سحر في ذلك اليوم) يقولون: هذا مرفوض عقلاً؛ لأن السحر داء نفسي والتمر علاج عضوي، ولا يمكن أن يؤثر هذا في هذا، فهو مرفوض، في نصوص كثيرة طبقوا عليها هذا المنهج. وختام القول في هذا المنهج: أن العقلانيين المعاصرين يدعون دعوة مؤصلة إلى إخضاع كل النصوص الشرعية للجوانب العقلية, وخاصة مسائل العقيدة، وهذا هو لب الموضوع، أي: إذا تحدثت عن صفات الله أخضعها للعقل، وإذا تحدثت عن يوم القيامة أخضعها للعقل، فعذاب القبر مثلاً قضية عقدية، فالعقلانيون لا يتصورون أن في القبر عذاباً؛ لأنهم يحفرون القبر فلا يجدون فيه إلا عظاماً، فأين عذاب القبر؟ إذاً: ليس هناك عذاب قبر. لكن الآيات القرآنية تبين عذاب القبر كما في قول الله حاكياً عن فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦]. ويوم القيامة ليس فيه غدو ولا عشي، فهم يعرضون على النار غدواً وعشياً قبل يوم القيامة، أما يوم القيامة فيدخلون أشد العذاب، فهذه الآية أثبتت عذاب القبر. ومما يثبت عذاب القبر حديث ثابت صحيح: (مر الرسول ﷺ على قبرين فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يتنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة). فقال العقلانيون: إن العذاب المقصود به: هو عذاب قبل دخول النار، والحديث هذا مردود، وهكذا قاسوا العقائد بهذا المنطلق، فضلوا حتى وصل الأمر بهم إلى أن كثيراً من معتزلة اليوم، قد خرجوا عن الإسلام تماماً، للاختلال الواضح في عقائدهم وفيما يتعلق بعقائدهم في الإيمان بالله أو في الملائكة، حتى وصل بهم الأمر إلى أن أنكروا الملائكة والجن بحكم أنها أمور غيبية، والقرآن تحدث عن الجن، وبين الله ذلك في قوله: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]. فإذا أنكرت الجن أنكرت هذه الآية، وإذا أنكرت آية فكأنك أنكرت القرآن كله، ومن أنكر شيئاً من القرآن فقد كفر وخرج عن ملة الإسلام، وهكذا يسير معتزلة اليوم على منهج يبتعد شيئاً فشيئاً عن دين الله .

стр. 40

المنهج الذوقي المنهج الذوقي: منهج ينتسب إلى الصوفية الغلاة، الذين يتذوقون الأشياء، فما أعجبهم ذوقاً أخذوه ليس عقلاً، بل كأنهم يتذوقون الأشياء فما كان حلواً أخذوه وما كان مراً رفضوه. والمصدر الأول عندهم في تلقي العقائد هو القرآن الكريم، لكنهم يؤمنون به لفظاً ويخالفونه معنىً فالقرآن عندهم له ظاهر وباطن، فالظاهر هو لنا إذ يسموننا نحن أصحاب الظواهر، ويسمون أنفسهم أصحاب البواطن، ويسموننا أصحاب الشريعة، ويسمون أنفسهم أصحاب الحقيقة؛ ولذلك روي عن أحد زعمائهم الكبار -وهو الحلاج - يقول لأحد أتباعه: ستر الله عنك ظاهر الشريعة، وكشف لك حقيقة الكفر، فإن ظاهر الشريعة كفر خفي، وحقيقة الكفر معرفة جلية، ولذلك فإن الصوفية يصلون في نهاية المطاف إلى إعلان الكفر المحض عن طريق إسقاط التكاليف جميعاً.

стр. 41

مصدر الصوفية في التلقي الصوفية يأخذون كتاب الله للزينة، وعلى أنه كتاب أنزل من عند الله لعصر من العصور ثم انتهى، أما في هذا الزمن فلا. ولذلك لا تكاد تجد صوفياً يقبل على كتاب الله، بل ربما جميعهم يعكفون على الأذكار، فلو راقبتهم في الحرمين، وفي دول أخرى لوجدت معهم كتب أذكار فقط، أما القرآن لا يقرءونه؛ لأن هذه الأذكار قد وردت عن مشائخهم الأكابر. إذاً: مصدرهم في التلقي ليس القرآن وإن ادعوا ذلك، بل مصدرهم في التلقي المشائخ الأكابر: حزب الإمام الشاذلي، حزب عبد القادر الجيلاني، حزب فلان بن فلان، من قال: كذا وكذا في اليوم أربعة آلاف وأربعمائة وأربعة وأربعين مرة دخل الجنة على ما كان من العمل، ومن قال: كذا وكذا ألف مرة دخل الجنة، ويأتون بأساليب مختلفة تأخذ على الإنسان جل وقته، فمنهجهم الأول في التلقي ليس القرآن الكريم وإن ادعوا ذلك، إنما منهجهم في التلقي هي الأذكار التي حلت محل القرآن الكريم، فلا يخلو لسان أحدهم ولا بيت أحدهم من كتاب أذكار يقرؤه ليل نهار. المصدر الثاني للصوفية -لأصحاب المنهج الذوقي- السنة النبوية، لكن ليست من صحيح البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرها، بل السنة النبوية التي تؤيد فكرهم ومذهبهم، فهم يريدون تأييد مذهبهم عن طريق مشائخهم، فيأتي الشيخ مثلاً يحدث أتباعه ويأمره ألا يأخذ إلا منه، وألا يرجع إلى أي كتاب أو مخطوط أو قول أو شخص آخر، كما قيل: كن بين يدي شيخك، كالميت بين يدي غاسله. ومن قال لشيخه: لم؟ فقد ضل عن الطريق، وهكذا يؤصلون العبودية المطلقة للشيخ. فالشيخ يريد أن يقربهم من أن الأحاديث مصدر من مصادر التلقي، ولكنه يأتي بالأحاديث التي تناسب، مثلاً الحديث الموضوع: (من أحسن ظنه بحجر نفعه هذا الحجر)، إذاً: هذا دليل على اتخاذ الأضرحة، وهو دليل شرعي تستطيع أن تناقش به، كذلك: (من حج ولم يزرني فقد جفاني)، إذاً: هذا يوافق الضريح والحج، وللضريح أساس شرعي، وهكذا يأتون بالأحاديث الموضوعة المتتابعة لتأصيل هذا المنهج الذي يدنون به. إذاً: الأذكار المطبوعة أو المكتوبة هي المصدر الأول، والسنة المنتقاة التي تؤيد مناهجهم وأفكارهم هي المصدر الثاني، والثالث: حكايات وكرامات الأولياء والمقبورين. فتجدهم يطوفون على القبر ويتجمعون عنده، ويدعونه ويستشفون به، ثم يؤصلون في ذلك الكرامات المتتابعة. وهكذا ألف الشعراني طبقات الأولياء، وألف النبهاني كرامات الأولياء في مجلدين ضخمين جداً، يذكر فيهما مجموعة ضخمة من الكرامات. يقول أحدهم: أعطاني شيخي من قبره -لاحظ أعطاه وهو في قبره- كحلاً، إذا اكتحلت به فتح لي ما بين العرش إلى الفرش. فيحاولون أن يؤصلوا هذه الكرامات حتى يرتبط الناس بأصحاب القبور، ويقدسونهم تقديساً كاملاً، ويأخذون دينهم من أصحاب هؤلاء القبور. المصدر الرابع في التلقي: نشر مسائل المنامات، ينشرون الرؤيا بين أتباعهم على أنها معتقد يدينون به.

стр. 42

أهداف الصوفية في تأصيل هذا المنهج من أهدافهم ربط أصحابهم بهم بشكل قطعي كلي، وربط هؤلاء الأصحاب أو الأتباع بالأذكار التي ألفوها، وربطهم بالأضرحة والأولياء الذين يطوفون بهم ويدعونهم من دون الله. والهدف من ذلك كله: هو الغنى والثروة التي يريدها هؤلاء المتبوعون. فزعمائهم زنادقة ملاحدة كفرة، يريدون المال والزعامة والشهوة، فكلما وجدوا لذلك طريقاً تلبسوا باللباس الشرعي لهذا الطريق. ولذلك عندما تذهب إلى قبر من القبور الضخمة جداً في دولة من الدول، تجد القبر بجانب المسجد، وبجانب القبر، أو خارج المسجد مستودعات ضخمة جداً لتلقي النذور، فهذا يأتي بخروف، وهذا يأتي بعجل، وهذا يأتي بنقود، وهكذا كل واحد على حسب قدراته وطاقته. وتقسم الأموال إلى أقسام: فالدولة تأخذ الثلث، والثلث الآخر يؤخذ ليصرف على المكان: ترميم وتحسين وتجميل حتى يعطي رهبةً أكثر وأكثر، والثلث الآخر يعطى للسدنة والمشرفين على هذه القبور. ولذلك فإن الذين يشرفون على هذه القبور من الأغنياء، حتى إن أحدهم قد فضح جملة من هؤلاء بعد أن كان معهم، قال: إن أحد هؤلاء السدنة يملك عشرات العمائر والقصور، ويملك ملايين كثيرة نتيجةً لعمله في هذا المكان. مثلاً ضريح البدوي في طنطا، يقدم إليه كل سنة أكثر من ١. ٥ مليون نسمة كالحج، هؤلاء كلهم يحتفلون بمولد البدوي وكل واحد منهم يأتي بنذر، فلو أن كل واحد مثلاً جاء بعشرين ريالاً، فإن المبلغ سيكون ضخماً، إذاً: هؤلاء الصوفية جميعاً يهدفون إلى مسألة الكسب المادي. أما الشهرة فإن زعماء الصوفية عندما يتحرك أحدهم تتحرك وراءه آلاف مؤلفة، فهم لهم صولة وجولة وتأثير في الحكومات. أما الشهوات فإن الأتباع أذلة صاغرون بين أيدي شيوخهم، يقولون: لو رأيت شيخك على امرأتك فظن الحق ولا تظن الباطل، ويقولون من كرامات الأولياء أن شيخاً من مشائخهم أراد أن يختبر تلميذاً له، فذهب مع تلميذه إلى بيته -أي: بيت التلميذ- ودخل إلى غرفة نومه، ودعا امرأته وقال لها: تزيني للشيخ فتزينت، ثم قال للتلميذ: قف أمام الجدار ووجهك إلى الجدار ولا تلتفت، فقضى الشيخ حاجته وانتهى، وأخذ بيد تلميذه وقال: لقد نجحت في الاختبار. إذاً: يبحثون عن الشهوة، فهذا هو المنهج الذوقي الذي يدعون إليه، ولذلك تجد أن عقائد هؤلاء جميعاً منصبةً على مسألة واحدة، ألا وهي عبادة الأضرحة، ودعوة أصحابها والركون إليهم ودعاؤهم والتمسح بها، وجعلها الآلهة المعبودة من دون الله . فعقيدتهم تدور من أولها إلى آخرها على أصحاب القبور، وعلى من في هذه القبور.

стр. 43

المنهج العاطفي هو المنهج الذي تدين به طائفة الرافضة في جميع أرجاء الأرض، وهو مبني على مسألة العاطفة، أي: أنهم لا يحكمون العقل، بخلاف العقلانيين الذين أعطوا العقل دوراً مهماً، أما هؤلاء فقد عطلوا العقل تماماً، وجعلوا العاطفة هي المتحكمة، ولذلك لو دخلت أي مكان من أماكن تجمعاتهم، فإنك تجد منهم من يقرأ كتاباً أو ينصح بنصيحة أو غير ذلك، قد أثر في الحضور تأثيراً عجيباً، حتى إنهم ليبكون بكاء الأطفال الصغار، وقد استمعت أنا إلى كلمات من هذا القبيل، ليس فيها تلك المواعظ المحزنة التي تؤثر في القلوب أبداً، بل هي أشياء تتحدث عن مقتل الحسين أو غير ذلك، ولكنهم يبكون بدموع غزيرة؛ لأنهم نشئوا على المنهج العاطفي، وعلى هذا الفكر.

стр. 44

مصادر الرافضة في التلقي المنهج العاطفي مصدره في التلقي أربعة مصادر: المصدر الأول: القرآن الكريم. والثاني: السنة. الثالث: الرقاع. الرابع: أقوال الأئمة.

стр. 45

المصدر الأول القرآن الكريم أما القرآن الكريم فإن أصحاب هذا المنهج هم نسل اليهود ونتاجهم وبالتالي فإن اليهود يريدون من أتباعهم ألا يرتبطوا بالقرآن الكريم، فوجدوا أن إدعاء تحريف القرآن منهج يجعل أتباع هذا المنهج يبتعدون عنه، فبدأوا أولاً في القدح في حملة القرآن من الصحابة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعائشة ومعاوية وفلان وفلان، فبدءوا في المرحلة الأولى في ذم كل من ينتسب إلى رسول الله ﷺ بصحبة، إلا عدداً يسيراً من هؤلاء الصحابة. فإذا كان أبو بكر كافراً، وعمر كافراً، وعثمان كافراً، وعائشة كافرة، ومعاوية كافراً، فكيف نثق بقرآن نقله لنا هؤلاء الكفرة. إذاً: تجد أن الشك سيتوارد إلينا؛ لأن هذا القرآن نقل إلينا من قبل أناس كفرة، ولذلك أصلوا هذا الفكر منذ أول ظهور المنهج، ولا زال يسير عليه أتباعه إلى زمننا هذا. ثم وجدوا أن هناك أناس يقبلون على الدعاء بالرغم من أن هذا الكلام قد نشر بينهم، فأصدروا أمراً آخر، قالوا: إن من حفظ شيئاً من القرآن الكريم، فإنه سيفقد ما يعادله من مصحف فاطمة في قبره. فهم يدعون أن هناك مصحفاً لـ فاطمة، وذلك عندما توفي رسول الله ﷺ نزل جبريل ﵇ يسليها ويحدثها كل يوم، وكان علي بن أبي طالب مختفياً وراء الجدار، ويكتب ما يقول جبريل لمدة ستة أشهر، وبعد أن ماتت فاطمة رضي الله تعالى عنها جمع علي هذا المصحف ونسقه ورتبه، وخرج بسبعة عشر ألف آية، ثم ذهب إلى أبي بكر وقال: هذا هو المصحف الحق، فنظر إليه أبو بكر وفتحه فوجد فيه: تبت يدا أبي بكر وتب، تبت يدا عمر وتب، فقال: لا حاجة لنا به فأعاده. ثم جاء به إلى عمر فأعاده كذلك، بل الغريب لماذا لم يمزقه أبو بكر وعمر؟ وهذا فيه دلالة على كذب هؤلاء القوم، وفي النهاية قالوا: إن مصحف فاطمة أخذه المهدي المنتظر وأخفاه معه، وسيخرج في آخر الزمان. وإذا سألت أتباع الشيعة: إن مصحف فاطمة هو المصحف الحقيقي، فلماذا لا نحفظه الآن؟ قالوا: ليس موجوداً. يعني: يعيشون هكذا بدون مصحف، قالوا: لا، فإن الله رحمنا فأوكل للملائكة أن يحفظوا مصحف فاطمة في قبورنا، واقتنع الناس بهذه الفكرة. بقيت القضية الثانية ألا وهي أن هؤلاء الأشخاص الذي اقتنعوا بهذا الأمر يريدون أن يبعدوا الناس عن مسألة حفظ القرآن، فقالوا: من مات جاءه الملك ليحفظه مصحف فاطمة، وإن من حفظ من القرآن شيئاً لا يوازي ما حفظه من مصحف فاطمة. أي: أن الإنسان عندما يموت يأتيه الملك في قبره، فيقول له مثلاً: افتح سورة البقرة، وعدد صفحاتها خمسون صفحة، فيقول الملك: إذاً: نخصم عليك مائة وخمسين صفحة من مصحف فاطمة. ولذلك لا تكاد تجد رافضياً يحفظ القرآن، أو يحفظ إلا أجزاء بسيطة جداً من القرآن الكريم. فالرافضة أصلوا عند أتباعهم مسألة عدم حفظ القرآن، حتى لا يفقد ما يوازيه من مصحف فاطمة. ولو أن إنساناً أراد أن يقرأ القرآن فإنهم قد أتوا بعقبات أخرى فقالوا: إن القرآن لا يمكن أن يحتج به إلا بقيم. والقيم عندهم هو الإمام، والإمام المهدي المنتظر مختف لم يظهر، إذاً: القرآن ليس بحجة، لأن القيم غير موجود. ثم جاءوا بقول آخر قالوا: إن الأئمة اختصوا بمعرفة القرآن فلا يسبقهم فيه أحد، فلا يمكن أن يعرف القرآن إلا بوجود الإمام، والإمام مختف، وبالتالي فالقرآن غير مفهوم بالنسبة لهم. وقالوا: إن القرآن له معان ظاهرة وباطنة، فالمعاني الظاهرة تفهمها أنت، أما الباطنة فلا. وبما أنك تفهم المعاني الظاهرة فقط فإنه يلتبس عليك الأمر، ولذلك تجدهم لا يقرءون القرآن. فإن قيل: نراهم في الحرم يقرءون القرآن كثيراً؟ الجواب خذ واحداً من هؤلاء الذين يقرءون القرآن، واعمل دراسة عليه، راقبه في الحرم وفي مكانه الذي يعيش فيه، فتجد أنه لا يقرأ القرآن أبداً إلا في الحرم، والسبب في قراءتهم للقرآن ليس تقديساً له، وإنما لأنهم يمارسون مبدأ التقية، التي هي في حد ذاتها عبادة، فهي دين آبائهم وأجدادهم، يقولون: من لا تقية له لا دين له، والتقية عندهم تسعة أعشار الدين، فيمارسون التقية عن طريق قراءة القرآن، وليس لذات القراءة، بل لممارسة هذا المنهج.

стр. 46

المصدر الثاني السنة إن الرافضة لا يعترفون بالسنة التي جاءت عن الصحابة، لأن الصحابة كلهم كفار عندهم، وبالتالي فلا يأخذون إلا من الصحابة الذين يعترفون بهم، فـ أبو بكر وعمر وعثمان كل هؤلاء مرفوضين، ويقولون: ارتد الناس بعد رسول الله ﷺ إلا ثلاثة: سلمان وعمار وأبو ذر، وفي رواية: إلا أربعة ومعهم المقداد. أما بقية الصحابة فكلهم مرتدون، إذاً: أي كلام منقول عن الرسول ﷺ عن غير هؤلاء الأربعة مرفوض. فلا ينقلون إلا عن هؤلاء الأربعة مع العلم أن أبا ذر والمقداد وغيرهم رواياتهم ضعيفة وقليلة جداً. فجاءوا لأحاديث البخاري ومسلم والترمذي ووضعوها أمامهم، فما أعجبهم منها أخذوه، ثم ركبوا عليه سنداً في آخره أبو ذر أو المقداد أو عمار أو سلمان الفارسي، وركبوا عليه سنداً معيناً ثم جعلوه في الكتب، فكان من الصعوبة أن يجعلوا آلاف الأحاديث منسوبة إلى سلمان، أو أبي ذر؛ لأن معنى هذا أن أبا ذر كان يجلس مع الرسول ﷺ أربعةً وعشرين ساعةً يستمع إليه، وهذا لا يمكن أن يتصور، فبتروا النصوص وجعلوها عن فلان عن فلان عن جعفر الصادق، فقيل لهم: إن هذا الحديث موجود في البخاري الذي وجد قبل جعفر الصادق فوجدوا في ذلك إشكالية، فقالوا: إن جعفراً الصادق جاء به بوحي من الله، إذاً: الأئمة يوحى إليهم.

стр. 47

المصدر الثالث الأئمة إن الرافضة جعلوا الأئمة يوحى إليهم، وتنقل إليهم النصوص من الله عن طريق الملائكة. فصار الأئمة أناساً تنتقل إليهم النصوص الشرعية وحياً من الله، فجعلوهم بمثابة الأنبياء.

стр. 48

المصدر الرابع الرقاع والرقاع: عبارة عن لعبة حصلت لكنها صارت ديناً، ومعتقداً بنيت عليه كثير من معتقدات الرافضة. والرقاع: عبارة عن فتاوى صدرت من المهدي المنتظر، يقولون: إن هناك رجلاً يدعى ابن عثمان بن سعيد العمري، هذا الرجل أراد أن يكسب المال فلم يجد وسيلة، فذهب إلى قرية كل أهلها من هذا الصنف وسكن معهم، وبدأ ينسق مع صاحب له بطريقة معينة على خدمته، فصار يعبد الله في المسجد طوال الوقت، لا يأكل ولا يشرب وإذا أراد أن يقضي الحاجة، أخذ قليلاً من الماء لا يكفي للوضوء وهم ينظرون إليه، يأخذه ويذهب إلى منطقة بعيدة عند صخرة ويقضي حاجته ثم يتوضأ ويرجع، فيرونه يجلس أياماً طوالاً لا يأكل ولا يشرب، فقالوا: هذا ولي من أولياء الله. وحقيقة الأمر أنه إذا ذهب يقضي حاجته، يقضيها ولا يتوضأ، بل يشرب الماء الذي معه، فيأتي صاحبه ويضع له قرصاً على الحجر، يشبه براز الإنسان فيأكلها، والذي يراه يعتقد أنه برازاً أو غير ذلك. فاعتقدوا فيه الولاية، وفي يوم من الأيام قرر السفر زاعماً أنه على موعد مع المهدي المنتظر، فقالوا: بلغه سلامنا، فذهب وجاء بعد أيام وبشرهم أنه راض عنهم وعن سلوكهم، وبعد شهر أراد أن يذهب، فأرسلوا له أن لديهم أمور دينية فيها اختلافات ومشاكل، فأخذ الفتاوى وذهب، فجلس على جانب الطريق يجيب عليها وجاء بها، وقال: إنها فتاوى من المهدي المنتظر وفي يوم من الأيام قال لهم: يقول لكم المهدي المنتظر: إن القرية الفلانية تعيش أزمة ماليةً لكوارث معينة، ويريدون جمع تبراعات، فجمع عدداً هائلاً من الأموال، وذهب بها وأخفاها، وهكذا، فصار يأخذ الفتاوى ويجمع الأموال إلى أن انقطعت أخباره، فجمعوا هذه الفتاوى في رقاع. وهناك شخص آخر فعل مثله ونجح في ذلك، فجمع الرقاع وهي عبارة عن فتاوى. طبعاً فهؤلاء أناس دجالون ومحتالون، إذ طبعت هذه الفتاوى وكتبت فوجدوها متفاوتة، هذا يقول: حلال، وهذا يقول: حرام وهذا يقول: يجوز، وهذا يقول: لا يجوز، فطرحوها وزينوها وعدلوها، ثم أخرجوها وطبعت في كتب على أنها مصدر من مصادر التلقي في العقيدة. فيسألونه مثلاً عن الإيمان بالملائكة فيجيب، ويسألونه عن الإيمان بالرسل فيجيب وهكذا، فالرقاع هي مصدر من مصادرهم التي يدينون بها. وخلاصة الكلام حول هذه المسألة: أن المنهج العاطفي أو منهج معتمد على تعطيل العقل، تدين به طائفة كبيرة جداً في المجتمع المسلم، وتحكم العاطفية في مسألة التلقي، فما قبلته العاطفة قبلوه، وما ردته ردوه، ولذلك يشعرون بعاطفتهم أن الحسين قتل ظلماً، وأنه عذب قبل أن يقتل. واستغلت هذه العاطفة وبالغوا فيها إلى أن جعلوا هؤلاء الرافضة يعبدون الحسين ويطوفون بقبره ويتمسحون بتربته، ويرون أن الحج لقبره يعادل أكثر من مليون حجة، كما صرح بذلك محمد بن الحسن العاملي في كتابه وسائل الشيعة، وفي كتاب الكافي وغيرهما، يقولون: الحجة إلى قبر الحسين تعادل أكثر من ألف ألف حجة، وهكذا أصلوا عند أتباعهم مسألة الاعتقاد بأئمة أهل البيت، وأنهم هم الذين بأيديهم كل شيء، ونتج عن ذلك التأصيل أن جعلوا الأئمة هم الآلهة تماماً. ففي كتاب مشارق أنوار اليقين للحافظ رجب الفرسي -من أتباعهم- كتب مجموعة كبيرة من الخطب لـ علي بن أبي طالب، يقول في خطبه مثلاً: أنا محيي الأرض بعد موتها، أنا خالق السموات والأرضين، أنا محيي الموتى من قبورهم، أنا الذي خلق الجنة وخلق النار، أنا الذي يدخل أهل الجنة الجنة، وأدخل أهل النار النار، أنا الذي أنفخ في الصور، أنا الذي أخرج من في القبور، أنا وأنا وأنا، فلم يبقوا لله شيئاً من ملكه أبداً. ويقولون عن جعفر الصادق: إنه يقول: نحن أسماء الله الحسنى الذي إذا دعي بها أجاب، إذا دعينا بها أجبنا، فجعلوا الأئمة هم الآلهة الذين يعبدون من دون الله ؛ ولذلك تجد الرافضة لا يعبدون الله حقيقة، بل يعبدون الأئمة تماماً، فمعتقدهم منصب على هؤلاء الأئمة.

стр. 49

المنهج السري النقطة الأخرى: المنهج السري، وهو منهج الباطنية الذين احتكروا المنهج على مجموعة من الناس فقط. فالدروز والنصيرية من فرق الباطنية المختلفة، وليس لهم معتقد، لو سألت أحداً منهم: ما هي عقيدتك؟ لا يعلم؛ لأن العقيدة حكر وحصر على الفئة العليا عندهم، فلا يعلمون كل الناس، ولا يعلمون إلا فئات معينة من الأشخاص، وذلك إذا وصلوا إلى حد معين من الاختبار أو النجاحات المتتابعة التي يعقدونها لهم، فيعلمونهم عند ذلك حتى لا يندثر المنهج، لكن ليس كل واحد منهم يعرف. فلو افترضنا أن واحداً من هؤلاء علم عقيدتهم بطريقة أو بأخرى، فإن هذا الإنسان يعد تابعاً لهم تؤخذ منه العهود والمواثيق، والتهديد بالقتل والإعدام إذا أفشى هذه المعلومات، حتى لأتباعهم، فتعد عقيدتهم عقيدة سرية. ومع ذلك ظهر أناس فضحوا هذه العقائد، وعلى رأسهم رجل اسمه سليمان الأذلي من اللاذقية، وهو من النصيرية قبل أن يتركها، ثم استدرجه النصيريون تدريجياً حتى جاء إليهم، فأعدموه وأحرقوه؛ لأنه فضحهم في كتاب الباكورة السليمانية. قال: إن عقائد الباطنية حكر، وهي عقائد تتوجه إلى أن مصدر التلقي في العقيدة هم هؤلاء الزعماء، والعقيدة تتأصل في أن علي بن أبي طالب للنصيرية هو الإله، والحاكم بأمر الله الفاطمي للدروز هو الإله، والآغاخان للآغاخانية هو الإله، وهؤلاء الزعماء الدينيون هم الذي يتلقون من هؤلاء الآلهة ويضعون العقائد بأتباعهم، بناءً على معرفتهم بهؤلاء الآلهة. إذاً: المناهج المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة: أولاً: المنهج العقلي، وأصل التلقي عند أهل العقل هو العقل. فالعقل هو الذي يحكم، فما أحبه العقل أحبوه، وما كرهه العقل كرهوه، وما حكم به العقل حكموا به، وما رفضه العقل رفضوه، فالعقل هو مصدرهم الأول في التلقي. يعني: القرآن والسنة وأقوال الأئمة وغيرها هي مصادقة، لكنها ليست مصادر أصلية، إنما هي مصادر فرعية تابعة للعقل. فالعقل هو الحاكم عليها، فما حكم به العقل على هذه المناهج أخذ، وما رده رد، وبالتالي فمصدرهم هو العقل لا غير. ثانياً: المنهج الذوقي: المنهج الذوقي وهو منهج المتصوفة ومصدرهم في التلقي ليس القرآن ولا السنة ولا الكتب والأذكار، بل مصدرهم في التلقي هم الأقطاب أو الرجال الذين يعدون زعماءً لهؤلاء المتصوفة. فما قاله القطب فقوله لا يرد، ولا يمكن أن يناقش، ولا يمكن أن يجادل فيه بحال من الأحوال. إذاً: كلام هذا القطب كلام مقدس يعد بمنزلة القرآن الكريم بالنسبة لهم. فمصدر التلقي عند أصحاب المنهج الذوقي هم هؤلاء الأقطاب أو هؤلاء الأوتاد، ولذلك أصلوا لذلك نوعاً من التقديس، فقالوا: إن الكون يحكمه أربعة أقطاب: الجيلاني، والرفاعي، والشاذلي وغيرهم، فالكون مقسم إلى أربعة أقسام، كل واحد يحكم قسماً، وكل واحد من هؤلاء الأقطاب له كذا وكذا من التدرجات المعروفة. وكل واحد يحكم شيئاً، فهذا يحكم السماء، وهذا يحكم القمر، وهذا يحكم الشمس، وهذا يحكم المشتري، ومن يحكم عليه ويأمره يخرج من الصورة ومع ذلك هناك أناس يصدقونهم ويؤمنون بأقوالهم. إذاً: مصدر المنهج الذوقي الذين يتذوقون الأحكام فقط، يعني: يأخذونها على أنها أمر مسلم لا يمكن أن ترد. ثالثاً: المنهج العاطفي، فإن أصحاب هذا المنهج منهجهم في التلقي هم الأئمة، فما قاله الأئمة فإنه لا يرد، ولا يمكن أن يناقش، ومن أقوالهم: إن الرد على الإمام كالرد على الله . وبالتالي فما قاله الإمام يعد أمراً مقدساً لا يمكن أن يناقش بحال من الأحوال. رابعاً: المنهج السري المرتبط بالباطنية، والأشخاص الذين يدينون بهذا المنهج يأخذون عقائدهم من أناس متخفين لا يظهرون للناس أمرهم، وهؤلاء هم زعماء هذه المناهج الباطنية، وهم الذين يصدرون لهم الأحكام في مجال العقائد وغير العقائد، وهذا هو مصدرهم في التلقي.

стр. 50

مصادر أهل السنة والجماعة في التلقي هل نقول: إن مصادرنا في التلقي هم فلان وفلان وفلان من الناس، فما قاله فلان أخذناه، وما رده رددناه؟ لا. إن مصدرنا الأول في التلقي: هو القرآن، فإذا قرأت آية في كتاب الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، علمت أن الله لا يشابه أحداً من خلقه، وإذا عرفت أنه: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، أقررت وآمنت أن الله يسمع ويبصر، لكن ليس كسمع البشر وليس كأبصارهم. وإذا قرأت قول الله تعالى: ﴿﵃﴾ [المائدة:١١٩]، عرفت أن الله يرضى ويغضب. وإذا قرأت قول الله تعالى: ﴿بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، أثبت لله اليد. وإذا قرأت: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، أي: ليس له شبيه. إذاً: مصدرنا في التلقي هو القرآن الكريم، فهذا هو المصدر الذي نتلقى منه عقائدنا في الله وفي الملائكة وفي النبيين والكتب وفي اليوم الآخر وفي القدر، كل ذلك نتلقاه من كتاب الله ونؤمن به، ونقر أمام الآخرين أجمعين أن كتاب الله لا ولن يتعرض إلى تحريف أو تغيير أو تبديل؛ لأن الله أوكل حفظ القرآن الكريم لنفسه. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. بخلاف مناهج الكتب الأخر التي أوكل الله حفظها لأصحابها، كالتوراة والإنجيل، فخانوا الأمانة وما رعوها فحرفوها وغيروها. المصدر الثاني من مصدر التلقي عند أهل السنة: السنة النبوية الصحيحة، فإذا ثبت أمر في السنة ثبت، وليس حديثاً موضوعاً أو ضعيفاً أو منكراً أو باطلاً، أو فيه كذا وكذا من الأمور القادحة، فإن هذا يعد أمراً واجب التسليم، وواجب الأخذ، فإن الرسول ﷺ بين لك أموراً في العقيدة كثيرةً جداً لم ترد في القرآن، فأنت تأخذ بها وتؤمن بها وتقر على أنها منهج شرعي، وإذا خالفته أو عارضته فإن ذلك يعد معارضة لدين الله. إذاً: نحن لم نرتبط بأشخاص مثلنا مثلهم، إنما ارتبطنا بكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وارتبطنا بالسنة بما ثبت لدينا ثبوتاً قطعياً من السنة على أنه صحيح، وجعلناه هو المصدر لنا نأخذ منه العقيدة ونستقي منه المنهج. إذاً: من خلال هذه المقارنة ينقسم الناس إلى قسمين: القسم الأول: أهل السنة والجماعة، ويرجعون في تلقيهم العقيدة إلى القرآن، وكلام الرسول ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. والقسم الآخر: بشتى أصنافه وفرقه ودياناته، يأخذون من غير القرآن والسنة، بل ويأخذون من رجال، وهؤلاء الرجال هم الذين يقررون لهم أحكامهم. حتى العقلانيين الذين يحكمون العقل يحكمون أنفسهم، أي: أنهم يحكمون الرجال في مناهجهم، ولذلك فإن العقلانيين لا يمكن أن يتفقوا على رأي. ذكر أن المعتزلة اجتمع من زعمائهم أكثر من تسعة عشر زعيماً للاتفاق على توحيد المنهج المعتزلي، ومراجعة الأخطار التي يتعرض لها هذا المنهج، فخرج هؤلاء التسعة عشر بعشرين رأياً يعني: دخلوا بتسعة عشرة رأياً كي يخرجوا برأي واحد، فخرجوا بعشرين رأياً أي: زاد رأي إضافي. وفي رواية أخرى للشرساني: أنهم دخلوا تسعة عشر، للاتفاق والاتحاد، وخرج كل منهم يكفر الآخر، وهذا يدلك على أن كلاً منهم يحكم عقله، والعقل يختلف من شخص لآخر، وبالتالي فكل منهم يعد رجلاً بحد ذاته يحكم كيفما يشاء، ويقرر كيفما يشاء. هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، والله أعلم. وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 51

الأسئلة

стр. 52

طرائق النجاة من العقائد الباطلة السؤال لقد أرسلت في شرح العقائد وتنوعها وتشعب مدلولاتها خاصة ونحن قليلو المعرفة بهذه العقائد كيف نعرف العلاج من حيث السبيل والنجاة من هذه العقائد المتشعبة؟ الجواب أنتم تلاحظون الآن أننا نعيش في مجتمع لم ترد إليه هذه العقائد بشكل واضح، بالرغم من تكاثرها، لكنها دخلت على دول أخرى بالتدرج، وقليلاً قليلاً حتى وصل الأمر إلى انتشارها انتشار النار في الهشيم. فنحن نخشى أن يصل الأمر بنا إلى أن نشابه بقية الدول. فلابد أن يحصن الإنسان نفسه، ويحصن أولاده عن طرق بث المعتقد الصحيح الواضح المفصل في ذاته أولاً، ثم في ذوات أبنائه ومن يعول ويعرف ثانياً. وعن طريق القراءة المتأنية والهادفة لكتب العقيدة المبسطة، وحضور دروس العقائد السهلة الميسورة، التي تناسب كل الأعمار، والتأصيل بذلك في النفس وفقهه وفهمه. عند ذلك لو وردت إليك أي عقيدة أخرى، ستجد أنها من العقائد المردودة فعلاً. ويكون من الممكن أن ترد أي عقيدة، حتى ولو كان فهمك ضحلاً جداً، ولكن هذه الضحالة مقابل العقيدة الباطلة القادمة من الشرق أو الغرب كالجبل. فقد ذكر شيخ الإسلام أن العامي من أهل السنة يستطيع أن يرد على العالم من أصحاب البدع والأهواء الأخرى؛ لأن العقيدة الصافية البسيطة في قلبه وفي كيانه تستطيع في قوتها أن تجابه فكر العالم الضال الذي فيه تداخلات كثرة. فإذا حصن الإنسان نفسه فإن هذا يعد علاجاً أولياً، ثم لا يحاول أن يدخل في مناقشات ومجادلات، فإنه قد يتأثر بالفكر الآخر إن لم يكن محصناً، فليس لك أن تقرأ التوراة إن لم يكن لك في ذلك حاجة. لأنك قد تتأثر ببعض الفكر الموجود في التوراة. وقد تقرأ في كتاب من كتب الصوفية وكاتب هذا الكتاب قوي الحجة واسع الاطلاع قوي البيان، فيؤثر في فكرك، وأنت لا تحتاج لهذا الشيء وليس من الضرورة في شيء، وبالتالي فعليك أن تبتعد عن هذه المناهج إلا إذا اضطررت لها اضطراراً. وبذلك تجد أنك قد حصنت نفسك من الوقوع في مزالق هذه الاتجاهات.

стр. 53

التحذير من اتباع المناهج الشيعية السؤال هناك كتاب انتشر في بعض المكتبات يسمى بـ (يا شيعة العالم استيقظوا) للدكتور موسى، فما رأيك في هذا الكتاب. الجواب إن الصحوة منتشرة في جميع أرجاء الأرض، ليس عند المسلمين فقط، بل الصحوة بالإطلاق العام. فاليهود لديهم صحوة، والهندوس لديهم صحوة والرافضة لديهم صحوة، والصوفية لديهم صحوة، فالجميع لديهم صحوة، وبالتالي كل منهم يريد أن يظهر، ويريد أن يدعو أكبر قدر ممكن من الأتباع حتى ينضموا إلى صفه، ويريد كل منهم أن يرتب صفوفه ويعد عدته. ومن ضمن المناهج التي تعد من باب الصحوة ما يدعو إليه موسى. هذا الرجل رأى أن المنهج الشيعي في دول الغرب منهج منبوذ ومرفوض، لأن هؤلاء الناس كانوا يقرءون عن الشيعة فيما يتعلق بضرب الصدور بالسلاسل، حزناً على رجل قتل قبل (١٣٠٠سنة)، فتراهم يضربون أنفسهم بالسكاكين، ويموتون أحياناً من شدة النزيف، فكانت تصور هذه المشاهد وتنشر في التلفزيونات العالمية، فيضحك الناس على هذا الدين الذي يدعو إلى مثل هذه المنهج، فهذا الرجل أراد أن يلمع المنهج الرافضي، ويبعد عنه كل ما يقدح فيه. فتجده يدعو إلى التشيع بثوب جديد، وهو ليس على منهج الحق إنما هو شيعي؛ لكنه يريد أن يظهر التشيع بمظهر آخر. فلذلك لا تفخر بهذا المنهج؛ لأنه شيعي معاد لأهل السنة، وهو على غير الطريق المستقيم، فمهما لمع في المنهج فهو بعيد عنك كل البعد، وبالتالي فهذه خطة لإبراز هذا المنهج بثوب جديد.

стр. 54

الطرائق الجيدة في دراسة كتب العقيدة السؤال أريد أن أبدأ في طلب العلم، خاصة في علم العقيدة، فما هي الطريقة الجيدة في ذلك؟ الجواب إن مسألة دارسة العقيدة وفهمها في هذا الوقت يعد أمراً متعيناً أكثر من غيره لانتشار العقائد الباطلة، وظهورها بمظهر جميل وتلميعها بطرق متعددة. فعلى كل من يرغب في دراسة العقيدة أن ينظر أولاً إلى مستواه العلمي، فهناك من لا يعرف القراءة فكيف يدرس العقيدة؟ وهناك من يحمل شهادة عالية ويريد أن يدرس العقيدة. فكل منهم له منهجه الذي يختلف به عن الآخر، فإن كان هذا الإنسان لديه بعض المعلوم فعليه أن يبدأ بالمبسطات من كتب العقيدة. والذي يريد دراسة العقيدة لا يستطيع أن يقرءها بنفسه، فقد تكون هذه المبسطة صعبة على المبتدئ، وقد تكون سهلة، لكن بحسب حكمك على نفسك تستطيع أن تحدد لك المنهج؛ فتبدأ في أخذ الكتب التي تناسبك ثم تقرءها على أحد المشايخ وطلبة العلم وتكتب وتعلق، ومدار ذلك كله على رجل يعرف مستواك العلمي. فمن الممكن أن تأتي إلى شخص ليعلمك، وتعرف أن لديه علماً، فتقول: أريد أن أدرس كتب العقائد. فإنه من الممكن أن يسألك مجموعة من الأسئلة، وبناءً على إجابتك يقرر الكتاب الذي يناسبك. وإذا كنت إنساناً مبتدئاً لا تعرف أنواع التوحيد، فليس من الممكن أن أقول لك: اقرأ كتاب التدمرية لـ ابن تيمية. لأنك لو قرأت كتاب التدمرية لـ ابن تيمية سنة كاملة لن تفهمه. لأنك لا تفهم مبادئ العقيدة، وبالتالي لا يتم الحكم في هذه القضية إلا من خلال مجالستك لأحد طلبة العلم، حتى يستطيع أن يحدد مستواك الفهمي تجاه مسائل العقيدة، وبناء عليها يستطيع أن يحدد لك كتاباً يناسب مستواك العلمي الذي تحمله. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 55

اللحظات الحاسمة عند الموت إن لسوء الخاتمة وحسن الخاتمة علامات وأسباباً، فينبغي للمؤمن أن يبتعد عن أسباب سوء الخاتمة، وأن يسعى إلى تحصيل أسباب حسن الخاتمة، فإنما الأعمال بالخواتيم.

стр. 56

قصة النهاية

стр. 57

قصة شاب حدث له حادث مروري بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فقد انطلقت سيارة فارهة فيها ثلاثة من الشباب، وكانت مسرعة سرعة عالية، وهي متجهة من الرياض إلى المنطقة الغربية، كانت الموسيقى تصدح بكل قوة من مسجل السيارة، والمغني الغربي يصرخ بكل شدة، وثلاثة من الشباب يصفقون جذلين فرحين مستبشرين لسماعهم لمغنيهم المحبوب، وفجأة حصل ما لم يكن في الحسبان في منطقة قريبة من حلبان، وذلك أن السيارة انقلبت وتدحرجت عدة مرات ثم توقفت، تتقدم سيارة الإسعاف مسرعة وتحمل المصابين، وكان أحدهم وهو قائد السيارة مصاباً إصابة شديدة، فحُمل على نقالة الإسعاف وركب صاحباه بجانبه، وركب أحد رجال الأمن معهم، واتجهت السيارة منطلقة إلى أقرب مستشفى، ولعله مستشفى القويعية، وكان هذا المسجى يتنفس بصعوبة، والدم يغطي وجهه وعينيه، بل كان يغطي كل جسده باعتبار قوة الإصابة، فبدأ هذا الضابط ينظر إليه بشفقة وحنان؛ لأنه يرى فيه إصابات تكاد أن توصله إلى النهاية، وفجأة يبدأ التنفس يزداد صعوبة ويتغير، ويحس الضابط بحكم المعاشرة والمعايشة لمثل هذه الحالات أن هذا الرجل يلفظ أنفاسه الأخيرة، فبدأ يلقنه الشهادة، فقد عرف اسمه من صاحبيه، فكان يقول: يا فلان قل: لا إله إلا الله، يا فلان قل: لا إله إلا الله، يرددها مرات ومرات؛ لأنه يعلم قول المصطفى ﵊: (من كان آخر كلامه من هذه الدنيا: لا إله إلا الله دخل الجنة)، فرفع هذا المسجى عينيه ناظرتين إلى هذا المتحدث، وركز النظر وحدده، فكان كلما قال له: يا فلان قل: لا إله إلا الله، قال: إنني في سقر، يا فلان قل: لا إله إلا الله، يقول: إنني في سقر، يا فلان قل: لا إله إلا الله، يقول: إنني في سقر، ثم يغمض عينيه ويسقط رأسه بعد ارتفاعة يسيرة، حينها طأطأ الضابط رأسه؛ فقد كان مشهداً مريعاً مخيفاً لأول مرة يرى مثل هذا المشهد! التفت الضابط إلى صاحبيه بسرعة، وقال: ماذا كان يصنع زميلكما؟ أكان يصلي؟ قالا: لا، والله ما كان يعرف الصلاة قط، وما كنا نعرف الصلاة قط، عند ذلك جعل هذا الضابط يردد قول الله : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٣٨ - ٤٣]. إذاً: كانت لحظة حاسمة وحرجة ودقيقة، حددت المصير، وبينت النهاية لهذا الشاب.

стр. 58

الأعمال بالخواتيم موقف ثان: ولعل المواقف التي ستتردد كلها مواقف موثوقة مذكورة على ألسنة علماء أفاضل قدماء ومعاصرين. هذا شاب نشأ في فساد وضلال، درس في جامعة الملك عبد العزيز في جدة تخصص لغة إنجليزية، تخرج من هذا التخصص، وعمل في شركة، ترقى درجاته في هذه الشركة، وكان يمضي كل وقته في لعب ولهو وضلال وفساد، ولكن الله هيأ له سبل الهداية، وبين له طريق الحق فالتزمه وتمسك به وتشبث به، فأراد أن يكفر عما أمضاه من سنين عديدة في مجال الفساد، فصار يعتكف الخميس والجمعة في الحرم، ولكن هذا لم يكفه، فقرر قراراً ونفذ هذا القرار: وهو أنه اتجه إلى أفغانستان للجهاد أيام الروس، وكان قد أخذ إجازة استثنائية من عمله ثلاثة أشهر، ثم عاد بعد ذلك إلى بلده، وهو في شوق للعودة مرة أخرى إلى أفغانستان، وفي السنة الثانية ذهب إلى أفغانستان للجهاد ومعه زوجته تعلم وتدرس وتربي. وفي السنة الثالثة ذهب لوحده إلى أفغانستان ودخل في معارك في جلال آباد حارب حرباً يريد بها الشهادة، يريد بها الانتقال إلى الله ، وفعلاً نالها، فقد أصابته قذيفة هاون مزقت جسده قطعة قطعة، فحمل هذا الرجل في سيارة أحد المجاهدين -وهذا الرجل ممن أعرفهم- حمل هذا الرجل ولف في عمامته الأفغانية الكبيرة، وأثناء عودة السيارة به إلى أقرب قرية آمنة كانت رائحة المسك تفوح منه بشكل نفاذ، ودفن، وأخذت العمامة إلى الشيخ عبد الله عزام ﵀ فسافر إلى الرياض في زيارة له بهذه العمامة كدليل وكبيان لوالده بأن ابنه قد استشهد، أخذ هذا الوالد هذه البشارة وحفظها لديه وأبقاها في حقيبة عنده، كان الزوار الذين يزورونه وبالذات الذين لهم صلة قوية به، كانوا يشمون رائحة المسك بعد أن تفتح لهم هذه الحقيبة بعد مضي أكثر من سنة من استشهاد هذا الرجل. إذاً: هذه لحظة حاسمة ودقيقة وحرجة بينت النهاية، وأوضحت المصير لهذا الشاب.

стр. 59

خطر رفقة السوء ووجوب الحذر منهم موقف ثالث: هذا شاب نشأ في هداية وفي طاعة، ولكن أهل الضلال وأهل الباطل -وما أكثرهم! وما أكثر ما يخططون، وما أكثر ما يعملون، وما أكثر ما يبذلون- نجحوا في استمالته إليهم، فمال معهم وازداد ميلاً، فانحرفت أعماله، بل وانحرف فكره، وكان له أخ صغير بدأ يبذل الوسع لعل الله أن يعيد هذا الأخ إلى جادة الحق وطريق الصواب، ولكن هيهات هيهات: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]. مرض هذا الشاب المنحرف، ورقد في المستشفى فترة معينة ثم أعيد إلى منزله، مكث في المنزل فترة، وفي ليلة ما كان المرض قد ازداد عليه واشتد، وتحلق حوله والداه وإخوته، وطلب من أخيه الصغير في لحظة من اللحظات المصحف، فرح هذا الأخ الأصغر فرحاً شديداً بهذا الطلب، لعل هذا هو الطريق الذي ينقذ أخي، فركض الأخ الصغير بسرعة وبحث عن أقرب مصحف فجاء به وهو مستبشر وهو مسرور وهو فرح وهو يبتسم، وأعطاه لأخيه، فأخذه بين يديه يقلبه يمنة ويسرة، ثم رفعه ودار به بيده على أهله الذين يتحلقون من حوله، وقال لهم: أشهدكم يا أهلي أني كافر بهذا، ثم أغمض عينيه ومات! إذاً: لحظة حاسمة وحرجة ودقيقة حددت النهاية، وبينت المصير لهذا الشاب.

стр. 60

اسوداد وجه قاطع الصلاة عند تغسيله غسل الموت موقف رابع: هذا شخص آخر جيء به إلى مسجد الراجحي أو لعله جامع زياد لا أعلم، إنما الحادثة وقعت بهذه الصورة التي سأذكرها لكم، وتعرفون أن جامع الراجحي في الربوة، وجامع زياد في حي سبيع، كلها لديها إمكانية في تغسيل الموتى، جيء بشاب جميل القسمات أبيض مشرباً بحمرة، وهذا الشاب مات في حادث، وكان عمره يتراوح بين الثالثة والعشرين إلى الخامسة والعشرين فأدخل إلى المغسل، فبدأ أحد الشباب المتطوعين يغسله، وكان معه أحد المعاونين، وفجأة بدأ ينظر إلى وجه هذا الشاب الجميل فعلاً، لكن هذا الوجه بدأ يتغير تدريجياً من البياض إلى السمرة، والسمرة تزداد وتزداد حتى اسود وجهه تماماً وصار كالفحم. ارتاع هذا الشاب الذي تطوع بغسله، فهو لأول مرة أو للمرة الثانية يشارك في تغسيل الموتى، خرج من المغسلة وهو في أشد حالات الخوف، لأنه شاهد الجسد أبيض والوجه أسود، فسأل عن ولي أمر هذا الشاب، فقيل له: ذلك الرجل الذي في الركن الفلاني، فذهب إليه مسرعاً، وقال له: أنت والده؟ قال: نعم، قال: ماذا كان يعمل ابنك؟ قال: لا أعرف، قال: أكان يصلي؟ قال: لا، والله ما كان يعرف الصلاة قط، قال: فأخرج ابنك فو الله لا أغسله في هذه المغسلة، فحُمل ولا يعلم أين ذهب به. إذاً: لحظة حاسمة وحرجة ودقيقة، حددت المصير وبينت النهاية لهذا الشاب.

стр. 61

قصة الشيخ المؤذن موقف خامس: هذا رجل آخر يسكن في منطقة الملز بالقرب من كلية أصول الدين، وكان في مسجد من مساجدها مؤذناً، وكان يؤذن في المسجد قبل إنشاء ما يسمى بوزارة الحج، منذ زمن بعيد، فكبر في عمره، وكان يمضي وقته في قراءة القرآن، وفي القيام بالمسجد، وفي الأمر بالمعروف في الأسواق القريبة في شارع الأمير عبد الله وما جاوره، عند ذلك قرر بعض جماعة في المسجد أن يقترحوا عليه اقتراحاً وهو: أن يترك الأذان باعتبار أنه قد بلغ من العمر ما بلغ، فذهبوا إليه وطرحوا عليه هذه الفكرة، لكنه أجابهم بإجابة صارمة حازمة، قال لهم: والله! إن الأذان يسري في دمي ولا أستطيع أن أتخلى عنه، فإذا كان قصدكم الراتب فخذوا الراتب لا أريد منكم قرشاً واحداً، لكن اتركوا لي الأذان، قالوا: ما كنا نقصد ذلك، وإنما أردنا أن نريحك، فاستمر في عمله، وكانت زوجته كفيفة، وكان يسكن مع قريب له، فاستمر فترة من الزمن، ولكن حصل ما لم يكن بالحسبان. لقد قرر هذا القريب الانتقال إلى مكان بعيد في حي السلام، فلابد أن ينتقل هذا الرجل الكبير مع قريبه، وكذلك هذا الرجل الكبير المؤذن فقد بصره فصار كفيفاً مثل زوجته، فرفض هذا الكفيف أن ينتقل مع قريبه، وأصر هذا القريب أن ينقله معه، باعتبار أنه لا يمكن أن يعيش لوحده، وفي النهاية اتفقوا على حل وسط، ألا وهو أن يقوم أحد أقرباء هذا الكفيف أو أي إنسان يسكن معهم في توصيله إلى المسجد قبيل أذان الظهر، ويعود لأخذه بعد أذان العشاء، فكان يمكث في المسجد وهو كفيف الظهر والعصر والمغرب والعشاء، كل هذا الوقت كان يقضيه في ذكر وطاعة وعبادة، وفي قيام بمهمة الأذان. فأصيب هذا المؤذن بمرض أقعده الفراش، وهذا المرض جعله لا يستطيع الحركة، حتى إنه كان يؤخذ ما تحته من قاذورات وغير ذلك، لعجزه وشدة مرضه، وفي ليلة من الليالي يقول أحد الصالحين الذين كانوا يسكنون معه: في وسط الليل استيقظ وطلب مني أن أدله على دورة المياه، فقلت له: إنك لا تستطيع، فأنت مقعد وكبير ومريض، قال: أقول: دلني على دورة المياه، فنهض كأحسن ما يكون النهوض، فأخذت بيده وذهبت به إلى دورة المياه، فتوضأ كأحسن ما يكون من وضوء، ثم انطلق على وجهه إلى صالة البيت، واتجه إلى القبلة وهو كفيف بدون دلالة مني، ثم رفع صوته بالأذان كأحسن ما يكون الأذان، ثم بعد أن انتهى أقام للصلاة كأحسن ما تكون الإقامة، ثم سقط ميتاً. كانت لحظة حاسمة وحرجة ودقيقة، حددت المصير لهذا الرجل، وبينت النهاية له.

стр. 62

خطر إطلاق النظر في الحرام موقف سادس: ذكره الشيخ ابن القيم ﵀: أن رجلاً شاباً كان يقوم بمهمة الأذان في أحد المساجد، وكان يصعد المنارة في كل فرض لأداء الأذان، ولكنه لم يلتزم بالنهي الشديد فيما يرتبط بغض البصر، فكان يطلق لبصره العنان، يقلبه يمنة ويسره، وكانت المنارة تعلي البيوت، فنظر في لحظة من اللحظات إلى بيت، وإذا بفتاة جميلة في شكلها، ولم تكن متسترة باعتبار أنها في حرزها وفي بيتها ومأمنها، فأخذت بلبه وسلبت عقله، وأكمل الأذان بصعوبة، وعرف مكان البيت، ونزل مسرعاً متجهاً إلى البيت، وعرف أن هذا منزل رجل نصراني، فرجع إلى المسجد وأكمل الصلاة بصعوبة، ودخل بيته وتزين بأحسن الأزياء، ثم ذهب إلى هذا الرجل النصراني في منزله وطرق الباب واستأذن، ولم تكن هناك حشمة باعتبار أنهم لا يلقون بالاً للحشمة، ودخل فرأى البنت وإذا هي أجمل مما رآها من قبل، فطلب من صاحب البيت أن يتزوج من هذه البنت؛ لأنه علم أنها لم تكن متزوجة، فقال له صاحب البيت: لا نستطيع أن نزوجك باعتبار أنك لست على ديننا، فإذا كنت على ديننا فلا مانع من أن نعطيك ما تريد، فخرج وهناك صراع هائل رهيب بين العاطفة وبين العقل، صراع هائل يعيش في داخله، هل يا ترى يضحي بدينه في سبيل هذه الفتاة الجميلة، أم يصمد على دينه ويتمسك به ويفقد هذه الدرة التي لم يرَ أحسن منها؟ وفي النهاية تغلب الهوى وتغلبت النفس، فذهب إليهم وقال: ليس عندي مانع من الدخول في دينكم، وفي قرارة نفسه أنه سيعود إلى الإسلام بعد أن يظفر بها، قالوا له: لا، والله، إلا بعد أن نختبرك، بعد أن تعيش معنا فترة من الزمن. ولعل تلك الفترة التي تحدث عنها ابن القيم كانت فترة ضعف للأمة الإسلامية، بحيث لم يكن هناك إمكانية لإقامة حد الردة على هذا المرتد فاتجه هذا الشخص معهم إلى كنائسهم وبدأ يرعى الخنازير ولبس الزنار، واستخدم كل العبادات التي يستخدمونها، وأكل مما يأكلون وشرب مما يشربون، وترك الدين جملة وتفصيلاً، وعندما وثقوا منه، قالوا له: إن موعد الزواج الليلة، فاتجه إلى منزله وبدأ يتجهز ويجهز ما استطاع تجهيزه، فصعد إلى سطح بيته وبدأ ينظم بعض الأشياء، وكان سطحاً خرباً، وكان الرجل قد تعب من التنظيم والترتيب فأرد أن يتكئ على الجدار قليلاً، فاتكأ على جدار مهترئ ضعيف البنية، وعندما اتكأ عليه سقط الجدار وسقط الرجل وكانت النهاية، فمات على دين النصرانية. وكانت لحظة حاسمة وحرجة ودقيقة، حددت المصير وبينت النهاية لهذا الشاب.

стр. 63

الأسباب المؤدية إلى حسن الخاتمة لعل المواقف كثيرة جداً ومتكررة، ولكن الوقت ربما لا يسعف بذكرها كلها، فندخل في نقطة أخرى من النقاط التي لابد أن يعملها كل مسلم، هذه النقطة: هي أن كل فرد على وجه هذه الأرض لا يمكن أن يخطئ واحداً من هذين الطريقين: إما أن يختم له بخاتمة حسنة، وإما أن يختم له بخاتمة سيئة، وليس هناك طريق ثالث غير هذين الطريقين، فانظر يا أخي إلى أي الطريقين تسلك. قد يسأل سائل وقد يطرح سؤالاً: يا ترى ما هي الوسائل وما هي الطرق وما هي الإمكانات التي إذا تمسكت بها وسرت عليها أظفر بالطريق الذي يدلني والذي يرشدني إلى النهاية السعيدة، والخاتمة الخسنة؟! كنت قد ألقيت هذه المحاضرة في منطقة القويعية قبل فترة في العطلة الصيفية، وسبحان الله العظيم! كانت الفترة التي ألقيت فيها هذه المحاضرة، قبلها بيومين قد حصلت حادثة في هذه المنطقة تدل على حسن الخاتمة، عرفها كل أهل القويعية والمناطق المجاورة لها. يقولون: إن هناك سيارة فيها رجلان وامرأة اتجهت من القويعية إلى قرية قريبة من القرى في تلك المنطقة، واصطدمت هذه السيارة مع سيارة أخرى وجهاً لوجه، واحترقت السيارة التي تحمل الرجلين والمرأة، وجاءت وسائل الإطفاء والإسعاف، وقد رأيت السيارة وأخرجوا الجثث المحترقة، كانت الجثث محترقة تماماً ليس فيها شيء يميز هذه الجثث عن بعضها، فحملت لتدفن، وقبيل الدفن فقد أهل المرأة يد المرأة، وهي لم تغسل باعتبار عدم إمكانية التغسيل. فقالوا: إن يد المرأة غير موجودة، فاتجهوا مرة ثانية إلى السيارة ففتشوا فيها ووجدوا يد المرأة منقطعة من الكتف، وإذا هي لم تتعرض لأي أثر من آثار الحريق، وإذا هي قد ضمت أصابعها بهذه الكيفية، ورفعت إصبعاً، وأغلب أهل القويعية رأوا هذه اليد بهذه الصورة، يقولون: فذهبنا لنسأل عن هذه المرأة، فقالوا لنا: إنها امرأة صوامة قوامة تمضي الليل في قيام، وتمضي النهار في صيام، وكانت خاتمة حسنة لهذه المرأة. إذاً: هذا المنهج وهذا السبيل وهذا الطريق لابد له من عمل، ولا بد له من بذل، وهو ما اصطلح على تسميته بالأسباب المؤدية إلى حسن الخاتمة.

стр. 64

السبب الأول من الأسباب المؤدية إلى حسن الخاتمة تذكر الموت الأسباب كثيرة ومتنوعة ومتعددة، لكن يمكن أن نحصرها في الأسباب التالية: أولاً: تذكر الموت وما بعد الموت باستمرار. للأسف الشديد ليس لدينا أي جانب من جوانب التذكر المرتبط بالموت وما بعد الموت وما في الموت وما حول الموت، ليس لدينا أي اهتمام بذلك؛ باعتبار الانشغال المستمر بالدنيا الذي جعل كل حياتنا تمضي في هذا الجانب، وربما يكون الإنسان مشتغلاً بأمور قد حث عليها الشرع، ولكن الأصل في ذلك أن يخصص المرء شيئاً يسيراً من وقته لتذكر الموت وما بعد الموت باستمرار. إن تذكر الموت يجعل الحياة هينة بالنسبة للإنسان، ويجعل قيمة هذه الحياة تنحدر تدريجياً حتى تصل إلى لا شيء بالنسبة لهذا الإنسان، حتى يصل به الأمر إلى أن يرى هؤلاء التجار وهؤلاء الأغنياء وهؤلاء الفساق ممن أنعم الله عليهم بالنعم الهائلة من ملك وسلطان ووزارة وغير ذلك، ينظر إلى هؤلاء على أنهم قد ابتلاهم الله ببلية عظيمة، لكنهم لم يحسنوا التصرف فيها، فتهون عليه الدنيا، بل تذكر الموت يجعلك يا أيها الإنسان تعمل الطاعات باستمرار. يذكر عن أحد الصالحين أنه حفر قبراً في منزله، وكان إذا أحس بضعف إيماني رقد في قبره، وكان يغطي هذا القبر بغطاء قوي، فيبدأ في التذكر ومحاسبة النفس، فكان يخاطب نفسه: يا نفس ماذا تتمنين؟ يا نفس ماذا ترغبين؟ يا نفس ماذا تريدين؟ فتجيبه أريد أن أصلي ركعتين، أريد أن أتصدق بدرهمين، أريد أن أفعل وأفعل، فيقول: الطريق أمامك مفتوح، والباب أمامك واسع، فيخرج من قبره وقد ازداد إيماناً، يا ترى هل طبقنا مثل هذا؟ هل ذهبنا إلى المقابر؟ هل زرنا المقبرة؟ هل جلسنا على شفير القبر؟ هل مكث أحد منا لوحده بجانب قبر يتذكر ماذا يلاقي صاحب هذا القبر؟ هل دخل أحد منا في القبر لوحده؟ هل رقد فيه لوحده؟ هل غطى على نفسه؟ كلنا لم يفعل ذلك للأسف الشديد إلا من رحم الله، لماذا يا ترى؟ مثل هذا الموقف يجعل إيماننا يزداد، ونحن نعيش في وقت قست فيه قلوبنا قسوة عجيبة، وصلت فيه الأمور إلى أن هذه القلوب ربما تفوق الحجارة في القسوة وفي الشدة، لماذا لا نرققها؟ لماذا لا نلينها بهذا العمل وبغيره من الأعمال؟

стр. 65

السبب الثاني من الأسباب المؤدية إلى حسن الخاتمة زيارة المقابر وتشييع الموتى وغسلهم السبب الذي يليه: زيارة المقابر وتغسيل الموتى وتشييع الجنائز، فقضية تغسيل الموتى وتشييعهم مع زيارة المقابر قضية مترابطة، فلابد أن تذهب إلى المقبرة، وتجلس فيها لتتفكر وتنظر من يأتي ومن يخرج، وتتفكر في موقف هؤلاء، فمثلاً تقول: كان هذا الرجل وزيراً يقود وزارة كاملة فيها آلاف الموظفين، وأمره مطاع ونهيه مطاع، ومع ذلك لا قيمة له في هذه الحالة. وهذه ضابط كبير قائد معسكر كبير ومع ذلك انتهى كل ذلك فلا قيمة له؛ لأن القيمة في العمل، فإن كان قدم خيراً فهو الذي سيجد، وإن كان غير ذلك فلا حول ولا قوة إلا بالله، وقد يكون تغسيل الموتى له دور في ذلك، بل وقد ترى موقفاً من مواقف حسن الختام أو من مواقف سوء الختام وأنت جالس، بل وربما تجلس بجانب رجل يحتضر، وربما يكون لهذا الاحتضار دور في إنماء الإيمان وتقويته في قلبك، بعد أن أوشك على الموت والاندثار. كنت بجانب الوالد في المستشفى المركزي، وكان مصاباً بكسر في حوضه، وكان في الغرفة المجاورة لنا رجل كان يبدو عليه لا أقول سماع خير، إنما سماع شر، وفي ليلة من الليالي وفي آخر الليل بدأ هذا الرجل يصرخ، ذهب إليه الأطباء ولم أكن موجوداً، لكن حدثني أحد المرافقين الذي كان في مرافقة الوالد، قال: إنه عندما بدأ هذا الرجل يحتضر كان أحد الأطباء الصالحين الطيبين معه الأكسجين، وكان يحاول أن ينقذ حياته، فعندما وجد أن لا فائدة ولا نتيجة، بدأ يلقنه الشهادة، فكان يقول وللأسف الشديد بصوت عالٍ: هل رأى الحب سكارى مثلنا، كان يصرخ بكل قوة وبكل شدة، يقول هذا المرافق ومعه مجموعة: والله لقد ارتسمت الصورة في أذهاننا، ولن تزول أبداً صورة هذا الرجل. إذاً: جلوسهم بجانبه أعطاهم دفعة إيمانية قوية ارتسمت في قلوبهم، ولن تزول ولن تضيع بمشيئة الله تعالى.

стр. 66

السبب الثالث من الأسباب المؤدية إلى حسن الخاتمة الابتعاد عن مقسيات القلوب هذا سبب إذا اتبعه الإنسان مع أسباب أخرى أحسن الله له الخاتمة ألا وهو: الابتعاد عن مقسيات القلوب، ومقسيات القلوب كثيرة، ولعل الحديث عنها يطول ويطول، ولكن أبرز مقسيات القلوب في هذا الوقت بالذات هي وسائل الإعلام بصورها وأشكالها وأنواعها المتعددة المتكررة، كالفيديو والسينما والتلفاز والصحافة والمجلات وغير ذلك مما هو موجود لدينا، عندما يعكف الإنسان عليها باستمرار وبشكل متتابع ومستمر، فإن قلبه يميل معها، وقلبه يحب هذا الشيء الذي يعرض فيها، ثم بعد ذلك يلتصق به التصاقاً لا ينفك عنه إلى أن يموت؛ لأن من أحب شيئاً مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه. فهذا الرجل الذي يعكف على الغناء أو على الأفلام، أو على كذا، سيترتب على ذلك أن هذا الرجل سيدمر نفسه وحياته وأسرته. ومجال الدخول في وسائل الإعلام ليس هذا وقته، ولعل هناك من هو أقدر مني ممن يستطيع التحدث عنه ومناقشته.

стр. 67

السبب الرابع من الأسباب المؤدية إلى حسن الخاتمة الارتباط بالصالحين الارتباط بالصالحين سبب مهم جداً؛ ليسير الإنسان في طريق صحيح، ويختم له بخاتمة حسنة، لأن الإنسان عندما يساير الصالحين ويحب الصالحين ويعيش مع الصالحين، ويسايرهم في تنقلاتهم وتحركاتهم وأعمالهم وتصرفاتهم، يسير معهم على الهدى وطريق الحق، ويكون مثلهم، هذا هو الأصل في هذه القضية. ولعل هناك قصة تحضرني حول هذا الجانب، وهي من القصص اللطيفة المعاصرة فيما يتعلق بالارتباط بالصالحين وآثار ذلك على النفس والأسرة، وهذه القصة هي: كان هناك مدرس مرحلة ابتدائية، يقول: ونحن مجموعة في أحد المجالس، فحدث موقف غريب. يقول: بجانب المدرسة التي كنت أدرس فيها قصر ضخم جداً، وكان هذا القصر الضخم العالي الأسوار مجهول الهوية، لكبره واتساعه، يقول: كان هذا القصر يسكنه أحد الأشخاص، وكان لا يصلي ولا يعرف من الإسلام إلا الاسم فقط، كان يسكن القصر هو وزوجته وأبناؤه الصغار الذين لا تكليف عليهم، فبلغ أحد الأبناء سن الدراسة، فبدأ هذا الأب يتردد ويحتار، هل يا ترى يدخل هذا الابن في المدرسة الحكومية الملاصقة لبيته، المدرسة التي تمتاز بسوء البنيان وبضعف الخدمات، أم يذهب به إلى مدرسة أهلية من أفخم المدارس وأجمل المدارس، المال لا قيمة له عنده، لكنه بدأ يفكر، المدارس الأهلية تحمل الغث والسمين، والغث هو الغالب، أما هذه المدرسة الحكومية فقد لاحظ عليها ملاحظات جميلة، ففيها نشاط جميل، والأساتذة الذين يدخلون ويخرجون كان يلحظهم كلهم من الصالحين، وكان يسمع إذاعة المدرسة في الصباح، ويسمع البرامج التي يربى عليها النشء، وأخيراً عقد العزم على إدخال ابنه هذه المدرسة، فدخل هذا الابن إلى هذه المدرسة في الأسبوع الأول. يقول المدرس: كان الطفل يخرج في الساعة العاشرة أو العاشرة والنصف، وفي الأسبوع الثاني، بدأ يمكث معنا حتى صلاة الظهر، لم يكن يعرف كيف يصلي، وكان لا يعرف الركوع ولا السجود، فأخذته جانباً وطلبت منه أن يبين لي لماذا لا تعرف الصلاة؟ قال: لم أذهب إلى مسجد قط، أبداً؟ قلت له: ألم يكن والدك يصلي؟ قال: أبداً، يقول: فعقدت العزم على أن أركز على هذا الشاب لعل الله أن يجعله سبباً لهداية أسرته. وفعلاً بدأ هذا المدرس يربيه شيئاً فشيئاً، وأحب هذا الطفل المدرس، وبدأ يحافظ على الصلاة في المسجد القريب الظهر والعصر في المدرسة، والمغرب والعشاء في المسجد، لكن بقيت صلاة الفجر، كيف يصلي الفجر يا ترى وهو لا يوقظ من أحد؛ ولا يستيقظ إلا إذا أوقظ في الساعة السابعة، فقرر قراراً -وقد كان طفلاً ذكياً- فطلب من والده أن يوقظه لصلاة الفجر، قال له والده: إنك صغير على الصلاة فأصر الطفل، ثم لم يوقظ وفي اليوم الثاني هدد أباه بأنه إذا لم يوقظه لصلاة الفجر فإنه لن يدرس، وفي اليوم التالي لم يوقظه أبوه إلا قبيل الذهاب إلى المدرسة بقليل، فبدأ يبكي بشدة، فلم يدرس باعتبار أنه طفل مدلل، ولم يرغم على الدراسة وترك في البيت، وفي اليوم الثاني نفذ التهديد وترك الدراسة، وفي اليوم الثالث أوقظه الوالد وذهب به إلى المسجد بالسيارة، فدخل الطفل المسجد وصلى، أما الأب وللأسف فكان في السيارة ينتظر، تكررت العملية مرة أو مرتين أو ثلاثاً، وفي اليوم الرابع لم يستيقظ، فغاب عن المدرسة وكانت القضية واحدة بواحدة، إن أيقظتني للصلاة درست وإلا فلا، كان الأب في فترة المكوث جانب المسجد يفكر: وهل من المعقول أن يكون هذا الطفل الساذج الصغير أفهم مني وأعقل مني وأحسن إدراكاً مني؟ وكانت الخواطر تأتيه واحدة تلو الأخرى، وأخيراً عرف أنه كان على طريق خاطئ، وعلى ضلال، فهداه الله ، واهتدت الأسرة بكاملها، بفعل هذا التصرف من المدرس. إذاً: هذا الأب عندما قرر أن يجعل ابنه في مدرسة فيها مدرسون صالحون، كان هذا سبيلاً لهدايته إلى الحق، فلعل الحكاية الطريفة حول هذا الطفل لم تنته، وهو لا زال في الصف الثالث أو الرابع الابتدائي الآن، يقول المدرس: في يوم من الأيام أخرجت الطلاب الذين لم يؤدوا الواجب، فضربتهم، وبقي هذا الطفل وكان معهم فطلبت منه أن يفتح يده لأضربه باعتبار أنه يستحق العقاب؛ لعدم أدائه واجب المادة، فقال الطفل: يا أستاذ لا تستطيع أن تضربني، لقد كانت كلمة هائلة من طفل صغير، قلت: لماذا؟! قال: لأني صليت الفجر في جماعة، وإمام المسجد الذي أصلي فيه حدثنا بعد العصر وقال: قال الرسول ﷺ : (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي)، وأنا في ذمة الله، فلا تستطيع أن تضربني. كان عملاً ذكياً وقولاً صادقاً في نفس الوقت، وهو يدل على ذكاء عجيب. وهذا الطفل الآن في السنة الدراسية الثالثة أو الرابعة وهو من أذكى أطفال هذه المدرسة.

стр. 68

السبب الخامس من الأسباب المؤدية إلى حسن الخاتمة الكسب الحلال من الأسباب المؤدية إلى حسن الخاتمة: الكسب الحلال، هذه القضية للأسف الشديد لم تلقَ منا أي اعتبار، ولعل الدخول فيها قد يؤدي إلى أخذ كثير من الوقت، لكني أحصرها في جانبين اثنين: الجانب الأول: جانب التنمية المالية للأموال الموجودة لدينا. الجانب الثاني: هو ما يرتبط بأكلنا وشربنا. أما الجانب الأول فيما يرتبط بالتنمية المالية: كلنا يسعى إلى الحصول على المال، وكلنا يتمنى أن يزداد هذا المال ويتكاثر وينمو، ليصرفه في مجالات الخير، هذا الهدف موجود لدينا جميعاً في تنمية أموال، لكن ما هو السبيل وما هو الطريق إلى تنمية المال؟ هذا الطريق وهذا السبيل هو الذي ضل فيه الكثير من الناس للأسف الشديد، فبدءوا يضعون الأموال في البنوك الربوية وتدر عليهم بالأرباح الربوية، وتزداد الأموال بهذه الطريقة وبهذه الكيفية، فيغذي جسده بمال حرام، ويترتب على ذلك وللأسف الشديد أن النار ستكون قريبة منه؛ لأنه ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (أيما جسد نبت من سحت فالنار أولى به). نحن ندعم البنوك الربوية بأموالنا لماذا يا ترى؟ لنفترض أن لدينا في هذه الحارة أحد البنوك الربوية، ولنفترض أنه البنك الأمريكي، هذا البنك يقوم بأموالنا ويعمل بأموالنا، فلو سحبنا جميعاً هذه الأموال منه وجعلناه قاعاً صفصفاً فإنه سيغلق أبوابه، وسيجر أذيال الخيبة باحثاً عن مكان آخر. إذاً: نحن الذين ندعم ونشجع هذه البنوك الربوية، قد يقول قائل: أنا لا آخذ الربا، أنا أعطي أموالي ولا آخذ عليها ربا، نقول: وأنت كذلك قد أحييت هذا البنك؛ لأنك وضعت المال فيه، وجعلت التعاون على الإثم والعدوان هو الماثل أمامك؛ لأنك دعمته وأيدته وشجعته بهذه الكيفية وهذه الطريق. إذاً: لابد أن يكون في ذهن كل منا منهج وطريق، وهو ألا تدعم هذه البنوك، وألا يساهم فيها، وألا يضع المرء المسلم ماله فيها، حتى تغلق هذه البنوك أبوابها، ثم بعد ذلك ننشئ بقدراتنا بنوكاً إسلامية، ونسأل الله أن يفك قيد هذه البنوك الإسلامية وتفتح. أما الجانب الآخر: فهو جانب الأكل والشرب، نحن لا نلقي بالاً ماذا نأكل؟ وماذا نشرب؟ فقضية أكل الحلال والبحث عنه والابتعاد عن الحرام وتركه هذا الجانب لم نلقِ له بالاً، ولعلكم تعرفون الحديث ولو أن فيه ضعفاً، ولكنه معتضد بأحاديث أخرى، عندما طلب سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه من الرسول ﷺ أن يكون مجاب الدعوة، فقال له ﵊: (أطب مطعمك تكن مجاب الدعوة)، فهل أطبنا المطعم يا ترى، أم أننا نأكل مما شئنا، ونبحث عن أي شيء لنأكله بدون النظر هل هذا من حلال أم من حرام؟! وهذا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ذلك الرجل العظيم الذي بنى للإسلام ذروة ومجداً ومكانة، هذا الرجل طلب من أحد خدامه أن يأتي له بلبن من إبله الخاصة، فذهب الخادم ولم يجد نياقه الخاصة، فوجد ناقة من إبل الصدقة فحلب منها، ثم أعطاه لـ عمر، فشرب منه شربة واحدة، ولكن نفسه عافته، فقال له: من أين جئت بهذا اللبن؟ قال: من إبل الصدقة، فحاول وبذل جهداً حتى استقاء ذلك اللبن الذي شربه؛ لأنه لا يريد أن ينمو جسده من حرام، مع العلم أن لـ عمر عذراً في ذلك؛ باعتبار أنه لا يعلم، فكيف بمن يعلم وبمن يعرف؟!

стр. 69

السبب السادس من الأسباب المؤدية إلى حسن الخاتمة إحسان الظن بالله تعالى من الأسباب المؤدية إلى حسن الخاتمة: إحسان الظن بالله تعالى، هذه القضية من القضايا التي غفلنا عنها وتناسينها؛ لأن ما في هذه الحياة من الملاهي أخذت منا كل أوقاتنا، فجعلتنا ننسى مسألة رحمة الله تعالى وعظم فضل الله تعالى، وأن الله قد ادخر عنده تسعة وتسعين رحمة، وأنزل علينا رحمة واحدة في الأرض نتراحم بها منذ خلق الله آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وتلك الرحمات العظيمة المدخرة عند الله خصصت لعباده الصالحين، فينبغي أن تكون دائماً نصب أعيننا، لعل الله يجعلنا من أهلها، لكن مع الأخذ في الاعتبار أن ما في هذه الحياة من فعل حسن فعلناه ربما لا يقبل منا، ولذلك روي عن أحد الصالحين أنه قال: والله ما كنا نخشى من قلة العمل، ولكنا نخشى من عدم القبول. وكان أحدهم يقول: والله لو علمت أن الله قد قبل مني حسنة واحدة لما وسعتني الدنيا من الفرح؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]. إذاً: ينبغي في هذه الحالة أن يكون حسن الظن نصب أعيننا باستمرار، لكن لا يطغى ذلك فيجعل القضية كلها رجاء مستمر، وليس هناك أي خوف من عذاب الله ومن عقاب الله، ومن عدم قبول العمل ورده علينا، ولعل هناك رواية تذكر عن عمر بن الخطاب فإن صحت فجدير أن تكتب بماء الذهب، تقول هذه الرواية العظيمة: والله لو أن منادياً نادى: يا أهل المحشر! ادخلوا الجنة كلكم إلا واحداً لظننت أنه أنا هذا الواحد! إذاًً: منتهى الخوف والرجاء عند عمر بن الخطاب، تعادل الرجاء وتعادل الخوف عند عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهذا الذي ينبغي أن نسير عليه باستمرار.

стр. 70

السبب السابع من الأسباب المؤدية إلى حسن الخاتمة المداومة على العمل الصالح السبب الأخير من الأسباب المؤدية إلى حسن الخاتمة: المداومة على العمل الصالح، وإن قل هذا العمل، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل، فلابد لكل منا أن يجعل لنفسه من غير الفرائض أعمالاً صالحة يلتزم بها باستمرار، ولو كانت قليلة لكنها دائمة، فالإنسان إذا داوم على عمل صالح فلعله يموت في أثناء تأديته لذلك العمل، أو بعد أن أدى هذا العمل بقليل، باعتبار أنه يداوم على أعمال متنوعة، من كونه يقرأ من القرآن قدراً معيناً، ويؤدي من الصلوات أو الركعات المسنونة قدراً معيناً، وله جلسات ذكر معينة وله وله، فهذه كلها إذا ارتبط بها الإنسان وسار عليها والتزم بها سيجد فيما بعد صعوبة في تركها، وسيجد أثر ذلك على نفسه وعلى حياته، وسيجد أهم من ذلك كله، سيجد أثر ذلك في آخرته، سيجده عندما يكون أحوج ما يكون إلى هذا العمل.

стр. 71

علامات حسن الخاتمة قد يقول قائل: هل لي أن أعرف هل مات فلان على خاتمة حسنة أو خاتمة سيئة؟ نقول: هذه القضية في علم الغيب، لكن هناك علامات قد تعطيك بعض الدليل وليس كل الدليل، وتعطيك نوعاً من الرجاء وليس كل الرجاء في أن فلاناً أو فلاناً قد ختم له بخاتمة حسنة. أولى هذه العلامات: النطق بالشهادتين عند الوفاة. قد يقول قائل: إن من السهل إذا جاء الموت أن الإنسان ينطق بالشهادتين، وأن هذا أمر ميسور، ولكني أقول لك كما قال العلماء الذين سطروا هذه القضية في كتبهم: إن النطق في لحظة الوفاة يرتبط بما عاشه الإنسان طوال حياته، فعندما يعايش الإنسان قضية ما، ثم تأخذ عليه كل لبه وكل وقته، فإنه لا يتذكر في لحظة الوفاة إلا تلك القضية، فعندما يأتيه من يلقنه الشهادتين ويقول له: يا فلان! قل: لا إله إلا الله، لا يتذكر إلا تلك القضية التي عايشها. ولعل ما ذكره ابن القيم من قصة حول هذا المعنى تعطينا الدليل، يقول: كان هناك شاب ورث عن والده مالاً كثيراً، فبنى به قصراً ضخماً، وبدأ يتزين ويتهيأ أمام هذا القصر ليتصيد من يمر بهذا القصر، فمرت به فتاة جميلة وسألته: يا عبد الله! أين حمام منجاب؟ فقال لها: هذا، وأشار إلى بيته، فدخلت وكشفت عن وجهها، ودخل خلفها فرأى وجهاً جميلاً، فأخذت بعقله أخذت ولبه، وعندما رأت أنها وقعت في الفخ، رأت أنها لا تستطيع أن تنجو إلا بحيلة، فقالت: كم كنت أتمنى أن ألتقي بشاب مثلك في جمالك وفي غناك، لكن ترى أن المجلس لا يحلى إلا بكذا وكذا وكذا، وطلبت أشياء توقعت أنها غير موجودة في هذا المنزل، ففرح هذا الشاب بهذه الموافقة العجيبة من هذه الفتاة، فخرج مسرعاً إلى أقرب محل فاشترى ما أرادت ورجع إلى البيت فلم يجدها، فبحث في كل أرجاء البيت وفي كل زوايا البيت، لكنه لم يجدها، فزاغ عقله وذهب لبه في هذه الحالة؛ لأنه فقدها، فخرج من البيت وهو يردد البيت المشهور: يا رُب قائلة يوماً وقد تعبت أين الطريق إلى حمام منجاب كان يردد هذا البيت في الأسواق، فجن عقله وهو يردد هذا البيت، وكانت البنات الصغيرات يخرجن إليه عندما يرينه يمر بجوار منازلهن ويرددن: هلا جعلت سريعاً إذ ظفرت بها حرزاً على الدار أو قفلاً على الباب عندما اقترب موعد الأجل، كان أهله يلقنونه الشهادة، وكان يردد: يا رب قائلة يوماً وقد تعبت أين الطريق إلى حمام منجاب لا يتصور عقله أن في هذه الدنيا إلا هذه الكلمة فيرفض قبول الشهادة، وهذا هو واقع هذا الرجل الذي كان يردد هذا البيت من الشعر. العلامة الثانية: الموت في رشح الجبين: يروى: (أن بريدة بن الحصيب الصحابي الجليل، ذهب في زيارة أخ له في منطقة خراسان، ووجده في الموت، فرأى جبينه يعرق، فقال: الله أكبر! سمعت رسول الله ﷺ يقول: موت المؤمن بعرق الجبين). إذاً: إذا رأيت رجلاً في شدة البرد وهو يعرق منه الجبين فقط، فهذه علامة، ولقد رأيت العرق على جبين أحد المتوفين في يوم ما، ولم يكن هناك أي عرق على خديه أو على الرقبة، أو غير ذلك من المواضع التي غطيت ببعض اللحف، لم يكن هناك أي عرق إلا على الجبهة فقط، ولعل هذا فيه دلالة على حسن الخاتمة إن شاء الله. العلامة الثالثة: الموت ليلة الجمعة، أو نهار الجمعة من المؤمنين بالذات، ولعل هناك كفار يموتون ليلة الجمعة ويوم الجمعة ويصلى عليهم في الحرم النبوي أو المكي، ويدفنون في البقيع، ومع ذلك فهم كفار، إنما المؤمن إذا مات في ليلة الجمعة أو نهارها، فلعل الله أن يختم له بخاتمة حسنة. العلامة الرابعة: الاستشهاد في ساحة القتال، أو الموت أثناء الطريق إلى القتال في سبيل الله، هذا فيه دلالة على حسن الخاتمة إن شاء الله. العلامة الخامسة: موت المؤمن بأمراض متعددة إذا صبر واحتسب، كالكوليرا والطاعون والسل وغيرها، فقد ذكرت الأدلة الصحيحة في ذلك فيما يرتبط بداء البطن، الذي ذكره الأطباء أنه الكوليرا الآن والطاعون والسل، وكالموت غرقاً أو هدماً أو حرقاً بالنسبة للمؤمنين، هذا يرجى فيه أن يكون الشخص قد مات شهيداً، وهناك أنواع كثيرة للشهداء، فقد جاء في الحديث: (أن المصطفى ﵊ زار عبد الله بن رواحة وكان مريضاً فجلس على طرف السرير، وسأل سؤالاً وقال: من الشهداء في أمتي؟ فقيل له: الشهيد الذي يقتل في سبيل الله، فقال: إذاً شهداء أمتي قليل، ثم قال الرسول ﵊: إن الشهداء سبعة، وذكر منهم: المصاب بالطاعون، والمصاب بداء البطن، والغريق والذي مات بالهدم، ومات بالحرق، والمرأة تموت في نفاسها ,) إلى آخر الحديث، فذكر أن هؤلاء كلهم شهداء، وهذا من فضل الله على هذه الأمة. إذاً: أختم هذا الكلام بمقولة جميلة جداً ذكرها أحد العلماء، نقلها ابن القيم في الجواب الكافي رحمه الله تعالى، يقول: قال الحافظ أبو محمد الأشبيلي: واعلم أن لسوء الخاتمة أسباباً وطرقاً وأبواباً، أعظمها الانكباب على الدنيا والإعراض عن الأخرى، والإقدام والجرأة على معاصي الله ، وربما غلب على الإنسان ضرب من الخطيئة ونوع من المعصية وجانب من الإعراض ونصيب من الجرأة والإقدام فملك قلبه، وسبى عقله، وأطفأ نوره، وأرسل عليه حجبه، فلم تنفع فيه التذكرة، ولا نجحت فيه الموعظة، وربما جاءه الموت وهو على ذلك، وسمع النداء من مكان بعيد، فلم يتبين المراد ولا علم ما أراد، وإن كرر عليه الداعي وأعاد. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 72

الأسئلة

стр. 73

كيفية التخلص من المعاملة مع البنوك الربوية السؤال كيف نتخلص من الربا مع أن معاملة حكومات الدول الإسلامية والناس مع البنوك الربوية منتشرة، واختلط الحلال بالحرام؟ الجواب نحن نعلم أننا في الزمان الذي ربما ينطبق عليه قول الرسول ﷺ : (يأتي على الناس زمان من لم يأكل الربا أصابه غباره)، فنحن وللأسف الشديد نعيش أزمة، ولا يحس هذه الأزمة إلا من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، هذه القضية هي قضية دخول المال الحرام مع المال الحلال واختلاط هذا بهذا، لكننا نسعى ونبذل ولعل الجهود تنجح، وإذا تضافرت الجهود أتت الثمار بمسألة التقليل من هذا البلاء. وهناك مسائل ربما يطلق عليها قضايا الاضطرار ومسائل الاضطرار، فإذا اضطر الإنسان إليها اضطراراً لا مفر منه، فهذه تأخذ حكماً مستقلاً عن الحكم العام لسائر القضايا، فإذا اضطر الإنسان إلى مسألة ولم يجد مناصاً لهذه القضية، فعليه أن يتحرى أولاً مسألة البحث عن الحلال أو سلوك طريق الحلال، فإن لم يعثر على ذلك فليسأل وليستفسر لعل غيره يدله على طرق الحلال، ثم بعد ذلك إن لم يجد فالمسألة إن شاء الله فيها نوع من التخفيف، ولعل القضية هنا مثل ما ذكرها الأخ، وهي: أن قضية الحساب الجاري لبنك من البنوك ليست مسألة ملزمة بالنسبة لكل البنوك، بل عليه أن يتجه إلى بنك لا يتعامل بالربا، وبالتالي يبرئ ذمته في هذه الحالة أو بهذه الكيفية.

стр. 74

واجب الأمة في النهوض بها إلى العزة والكرامة السؤال يقول السائل: أنا تائب إلى الله ، ولقد ارتكبت كثيراً من المعاصي، وأطلب منكم بيان طريق النجاة، وأطلب من الحاضرين الدعاء لي ولهم بالهداية؟ الجواب أما بيان طريق النجاة وسلوك طريق النجاة فهذا أمره ميسور وسهل، ونحن في هذا الزمان وفي هذا الوقت بالذات نعيش مرحلة من المراحل الحرجة التي تمر بالأمة المسلمة، والتي تحتاج من كل فرد أي كان هذا الفرد كبيراً أو صغيراً ذكراً أو أنثى أن يبذل ويبذل في سبيل النهوض بهذه الأمة الشابة، بهذه الأمة الفتية التي عاشت مدة طويلة وفترات طويلة فيما يسمى بالغثائية، هذه الفترة لابد أن تنزاح ولابد أن تزول ولابد أن تنجلي، ولا تنجلي هذه القضية وهذه المسألة إلا بالعمل؛ لأن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، فلابد من البذل والتضحية، ولابد من العمل الدءوب المستمر. ولعلك أيها الشاب التائب من يساهم في نهضة الأمة وبروزها ورفعتها، فقد سامها الذل أحط الناس وأرذلهم وهم اليهود والنصارى، ولعلي أذكر لكم البشارة التي ذكرها الرسول ﷺ عندما قال لنا في الحديث الصحيح: (تكون نبوة، ثم يشاء الله لها إلى أن تنقضي، ثم تكون خلافة راشدة، ثم يشاء الله لها إلى أن تنقضي، ثم يكون ملكاً عضوضاً، ثم يشاء الله له إلى أن ينقضي، ثم تكون جبرية، ثم يشاء الله لها إلى أن تنقضي، ثم تكون خلافة راشدة تعم الأرض، ثم سكت ﵊. فالنبوة انتهت، والخلافة الراشدة انتهت، والملك العضوض انتهى بالأمويين والعباسيين والعثمانيين، ملك قوة وعزة مع وجود بلاء ودخن، لكن كان المسلمون في عزة وقوة ونشاط وحيوية، ثم انتهت الخلافة العثمانية وتبدد العالم الإسلامي إلى دويلات جبرية وتسلط فيها الناس، هذا شيوعي وهذا علماني وهذا بعثي وهذا ماركسي وهذا نفعي وهذا وهذا، وهذا هو حالنا، وهذه المرحلة ستزول عندما نعمل كلنا بلا استثناء، فإن العمل سيثمر، والثمرة ستكون هداية الآخرين، وكلما كبرت القاعدة توسعت القاعدة وازدادت القاعدة، فرتب على ذلك عودت الأمة إلى عزها وإلى قوتها. قد يقول قائل: ماذا أفعل؟ لا قدرة لي على الخطابة، لا قدرة لي على الإلقاء، لا قدرة لي على المشاركة، ماذا أصنع؟ ماذا أفعل؟ أقوال: المجال مفتوح بطرق كثيرة متعددة، خذوا مثالاً على ذلك: شاب صغير يدرس في سادس ابتدائي أصيب في حباله الصوتية بمرض، هذا المرض جعله لا يستطيع أن يتكلم إلا بصعوبة وبكلفة، فهو يتعتع في كلامه، وفي نهاية المطاف ترك الدراسة واتجه إلى مدرسة أهلية تعلم الآلة الطابعة، توظف في إحدى المصالح الحكومية براتب ضعيف، لكنه يسد الحاجة، بدأ يصرف على والده المقعد، وأمه الكبيرة وإخوته الصغار، وبدأ يجلس في المجالس، لكن هذه المجالس لا تعترف بالشخص السلبي؛ لأنه يجلس يستمع، ولا يشارك بكلام، فهو لا يستطيع أن يتكلم. بدأ يبحث عن الأماكن التي فيها الدروس والمحاضرات والندوات والخطب، وبدأ يسمع الأشرطة ويقرأ الكتب وتثقف وعلم، ثم إنه بعد ذلك عرف أنه مطالب بالدعوة والإرشاد، لكنه ماذا يفعل؟ لا يستطيع الكلام، فهداه الله إلى مجال لا يحتاج إلى كلام، فبدأ يأخذ مائة ريال من راتبه الشهري ويشتري بها مجموعة أشرطة ومجموعة كتيبات، ويذهب إلى الأسواق، مثل: سوق النسيم والهزاع وغيرهما من الأسواق، فكان إذا رأى رجلاً يستمع إلى غناء أو ينظر إلى التلفاز أو يدخن أعطاه شريطاً أو كتيباً، يقول الذي يروي الرواية عنه: في يوم من الأيام سألته وقلت له: يا ترى هل رأيت لعملك نتيجة؟ قال: نعم، في يوم من الأيام دخلت على صاحب محل وهو مصري فأعطيته شريط وكان يستمع إلى أغنية، فقلت له: أيش رأيك تأخذ مني هذا الشريط وتعطيني هذا الشريط الذي معك، يقول: أخذت ما معه وأعطيته ما معي وذهبت، يقول: وبعد أربعة أشهر دخلت على صاحب هذا المحل وأنا لا أذكر بأنني دخلت عليه، فعندما رآني بشكلي عرفني وقام مسرعاً إلي وقبلني، قلت: يا أخي أنا لا أعرفك، قال: ولكني أعرفك، فوالله بسبب شريط واحد أعطيتني إياه لقد اهتدت عزبة كاملة كنا نعيش فيها، وعدد أفرادها ثمانية أفراد، ثمانية أشخاص انضموا إلى ركب الدين بفعل شريط واحد، وجهد يسير بذله شخص، ربما لو رأيته لا تلقي له بالاً. إذاً: أقول: يجب علينا أن نساهم، ويجب علينا أن نعمل لهذا الدين.

стр. 75

بيان مكفرات الذنوب وطرق محوها وإذهابها السؤال هل بعض صغائر الذنوب تؤدي إلى سوء الخاتمة؟ الجواب مسألة صغائر الذنوب التي لا ينفك منها أحد، هذه كلنا نعملها، ليس هناك إنسان معصوم إلا الأنبياء، يقول الرسول ﷺ : (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، ويقول المصطفى ﵊: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم). إذاً: كلنا نذنب، بل ولا بد أن نذنب، هكذا أراد الله إرادة كونية، لابد من أن نواجه الذنب، لكن مطلوب منا عمل الصالحات التي تقضي على الذنوب وتمحوها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]. فإذا عمل الإنسان الصغائر وكرر الأعمال الصالحة ورددها فإن هذه تمحو هذه، وهذه تلو هذه، وهذا ما اصطلح العلماء عليه من مكفرات الذنوب، ومكفرات الذنوب كثيرة، منها: التوبة، والاستغفار، والأعمال الصالحة، ومنها: المصائب الدنيوية التي تصيب المؤمن، ومنها: ما يعمله المؤمن في حال حياته وينظر إلى نتيجته عندما يموت، ومنها: القبر وما فيه، ومنها: القيامة وأهوالها، ومنها: رحمة الله، كل هذه تعد من مكفرات الذنوب التي تلغي عن المؤمن كثيراً من ذنوبه التي فعلها في حال الدنيا.
следующие страницы →