Полный текст (556 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
منهج السلف في تلقي العقيدة
إن لأهل السنة والجماعة ثوابت وقواعد لا يمكن أن تتغير على مر الأزمان وإن من أعظمها وأبرزها ثوابت العقيدة والمنهج المستقى من كتاب الله وسنة رسوله الله ﷺ ، فالعقيدة لها شأن عظيم ومنزلة كبيرة؛ لذا كان لزاماً على أهل السنة أن يلتزموا ثوابت معينة ويعملوا على نشرها بين الناس.
стр. 2
من منهج السلف في تلقي العقيدة اقتصارهم على الكتاب والسنة في التلقي
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أيها الأحبة! أيها الإخوة! إن الحديث عن السلف رضي الله تعالى عنهم أجمعين حديث ذو شجون، كلنا يحبه؛ لأننا نقدر هؤلاء السلف الذين حملوا لنا الرسالة من لدن بعثة المصطفى ﷺ إلى زماننا هذا.
والحديث عن السلف يأخذ مناحي متعددة، فهناك حديث عن بطولاتهم، وهناك حديث عن زهدهم وورعهم، وهناك حديث عن عباداتهم، وهناك حديث وهناك حديث.
ومن ضمن هذه الأحاديث حديث عن منهجهم في تلقي العقيدة.
أولاً: لم اخترنا هذا الموضوع؟ هذا الموضوع - كما ستعرفون بعد قليل - علمي يحتاج إلى تركيز ومتابعة، ولعل السبب الذي جعلني أختار هذا الموضوع: هو أن هناك فئات متعددة، وتجمعات كثيرة كل منها يدعي أنه على الحق، ويقول: إنه حامل راية الصدق، لكن هذه الادعاءات المختلفة تحتاج إلى مقياس وميزان ومعيار يستطيع الإنسان بموجبه أن يقيس هذا الكلام هل هو حق أم باطل؟ إذاً: ما الذي يعرفني أن كلام هذه الطائفة صحيح أو تلك الطائفة صحيح أو الثالثة أو الرابعة؟ الذي يعرفني ذلك هو هذا المنهج الذي سنتلقاه بشكل موجز في هذا اللقاء.
ولنعلم أن منهج السلف في تلقي العقيدة منهج مطول وموسع، لكن سأحاول قدر جهدي أن أجعله في نقاط رئيسة، وفي تتابع سهل وميسور؛ حتى يسهل استيعابه، وسترون من خلال هذا الطرح أن هناك جماعات من الطوائف والفرق تخرج من هذا المنهج، وبالتالي لا يبقى لدينا إلا طائفة واحدة فقط، وهي الطائفة التي ذكرها المصطفى ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق، لا يضرهم من خذلهم) أي: الطائفة الناجية أو الطائفة المنصورة، وهذه الطائفة هي المتمسكة بمنهج السلف، أما بقية الطوائف فإنها تبتعد أو تقترب من منهج السلف بحسب تمسكها بما جاء عن السلف، فكلما كثر هذا التمسك اقتربت من هذا المنهج، وكلما صار العكس حصل العكس.
إذاً: منهج السلف في تلقي العقيدة هو معيار أو ميزان أو مقياس نستطيع أن نقيس به مناهج الفرق الأخرى، وما أكثر الفرق التي تحيط بنا! وما أكثر الجماعات التي تلتف حولنا! لن أذكر شيئاً منها بالأسماء الآن، وقد يتطرق الحديث عنها بعد حين إن شاء الله.
أولاً: من هم السلف؟ هل هم الذين مضوا وانتهوا أي: عصر الصحابة؟ هل هم الذين ذكرهم الرسول ﷺ في قوله: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) أم أن من سار على منهجهم فهو منهم حتى في العصور المتأخرة؟! التعريف الصحيح: أن من سار على منهج السلف، وطبق طريقتهم، فإنه منهم ولو كان متأخراً عنهم.
إذاً: سيكون هناك أناس من السلف سيأتون بعدنا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أو قبل ذلك؛ لأن القيامة لا تقوم وفي الأرض من يقول: الله الله! ما معنى كلمة منهج؟ كلمة (منهج) قد تكون غريبة، لكنكم تعايشونها دائماً في مناهج التعليم، كمادة القراءة، ومادة العلوم، المنهج: عبارة عن كتلة أو كيان أو شيء يحتوي على جملة أشياء أو جملة نقاط متكاملة ومتجانسة مع بعضها البعض، ويجمعها عامل واحد، أو يجمعها فقه واحد، أو أسلوب واحد.
فإذا ذكرنا منهج السلف في الزهد فمعنى هذا: أن نتحدث عن كل ما له صلة بالزهد عند هؤلاء السلف، وهكذا في الأمور الأخرى.
دعونا نبدأ في عرض منهج السلف في تلقي العقيدة.
النقطة الأولى في هذه المسألة: اقتصارهم - أي: السلف - على مصدري التلقي: القرآن الكريم والسنة الصحيحة، فلا يأخذون من العلوم الأخرى، ولا يأخذون من القوانين الأخرى، ولا يأخذون من مناهج الغرب أو الشرق، إنما منهجهم في التلقي هو القرآن، ثم السنة، فإن لم يوجد في القرآن والسنة شيء من ذلك كنوازل العصر الحاضر فإنهم يجتهدون في ذلك، وإذا أجمعوا على هذا الأمر أخذوا به.
والإجماع يكون في أمور الفقه، أما في أمور العقيدة فلا؛ فإن مسألة الإجماع هنا غير واردة، وإنما يقتصرون في تلقي العقيدة على القرآن وعلى ما ورد في السنة فقط، ولا يكاد يوجد إجماع أو كلام حول الإجماع في مسائل العقيدة.
فهذه النقطة ميسورة وسهلة، وربما أقول: هي الأساس الذي بنى عليه السلف منهجهم ولا شيء غيره، وهذه النقطة يتفرع منها عدة نقاط: النقطة الأولى: اقتصارهم على مصدري التلقي القرآن والسنة الصحيحة، وذكرنا الصحيحة هنا لأن هناك بعض الطوائف الذين قد تخرجهم هذه المسألة مباشرة.
فإذا جئنا مثلاً إلى طوائف الصوفية تجد أحدهم يعبد قبراً أو يطوف به أو يتمسح به تقول له: يا أخي! هذا لا يجوز، هذا حرام، يقول لك: لا، لقد ورد عن الرسول ﷺ الأمر بذلك.
ما هو الدليل؟! قال: يقول الرسول ﵇: (من أحسن ظنه بحجر نفعه ذلك الحجر) نقول: هذا نص حديثي ذكر عن الرسول ﷺ ، ونحن في منهجنا أن التلقي في العقيدة يقتصر على القرآن والسنة الصحيحة، فنأتي إلى هذه السنة ونناقشها، وندرسها سنداً ومتناً، وفي النهاية سنجد أن هذا حديث موضوع.
إذاً: أنتم يا طائفة الصوفية! تخرجون من الحلبة في أول جولة من جولات الصراع إن صح التعبير.
ولو جئنا إلى العقلانيين، وهم الطوائف التي تأخذ بالعقل وتحكم به، أمثال المعتزلة قديماً، ومن أمثال أهل العقل حديثاً ممن يعيشون بيننا ويتواجدون ربما في بلاد الإسلام بكثرة، ولعل لهم مؤلفات كثيرة، ولهم كتب موجودة ومنتشرة، ويشاركون في المؤتمرات والدراسات والدروس وغيرها، من أمثال فهمي هويدي، ومحمد الغزالي، ومحمد عمارة، وغيرهم يأخذون بمبدأ العقل ويحكمونه، وتجد أنهم يحكمون العقل في مجال العقيدة فعلاً، وبالتالي إذا أردتم معرفة المزيد عن هذه المسألة انظروا إلى الردود الموجودة في الأسواق على كتاب محمد الغزالي: السنة النبوية بين أهل الفقه والحديث، ستجدون أنه أخضع أحاديث العقيدة الصحيحة إلى العقل، فيحكمها عقلاً.
إذاً: هذا المنهج - الاقتصار على التلقي في ما يتعلق بالعقيدة على القرآن والسنة الصحيحة - يخرج هؤلاء العقلانيين.
стр. 3
الاعتقاد الجازم أن رضا الله يكون بالإيمان بالكتاب والسنة
وهذه النقطة يتفرع عنها جملة نقاط ومسائل، أولى هذه المسائل: الاعتقاد الجازم بأن رضا الله والفوز بجنته لا يمكن أن يتم إلا بالإيمان بهما، والعمل بما جاء فيهما.
فهم يعتقدون اعتقاداً كلياً لا يخالطه شك ولا ريب أن رضا الله في الدنيا الذي يترتب عليه مزيد من الرزق والعافية والتمكين في الأرض، ورضا الله في الآخرة الذي يترتب عليه المغفرة والرحمة وبعد ذلك دخول الجنة؛ لا يمكن أن يتم إلا بالعمل بعد الإيمان، بعد أن تؤمن بما في القرآن، وتؤمن بما في السنة، وتطبق ما فيهما، فإن هذا الرضا سيكون من نصيبك.
هذه القضية قد تخرج كثيراً من الأشخاص الذين لهم توجه عقدي يخالف منهج أهل السنة، هم منا وفينا ولكنهم منحرفون في مجال السلوك، فإنهم يعيشون مثلاً في المعاصي أو في كبائر الذنوب معيشة مستمرة متواصلة؛ فهؤلاء لا نقول: إنهم ليسوا من السلف، ولكن نقول: إنهم بعيدون عن منهج السلف بقدر بعدهم عن التمسك بالقرآن والسنة، فكلما ابتعد الإنسان عن تطبيق ما في القرآن والسنة قيل له: إنك مبتعد عن منهج السلف بمقدار ابتعادك عن تطبيق ما فيهما.
إذاً: تلحظون أن هذه النقطة - وهي الفرع الأول من النقطة الأولى - تخرج كذلك مجموعات من الناس، وستجدون في نهاية المطاف أن الذين يسيرون على الحق - فعلاً - هم قلة قليلة؛ ولذلك يقول الله : ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣] هم قلة، ويقول تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:٣٩ - ٤٠]، ويقول: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠].
إذاً: تجد أن أهل الحق قلة، وبالتالي لا يلزم من هذا أننا إذا أخرجنا هذه الطوائف والفرق أنه ينتهي أهل الإسلام، لا، بل إن أهل السنة هنا هم القلة، وهذا أمر واضح وبين: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة) طائفة هنا تعتبر جزء قليل من عموم الأمة.
стр. 4
كمال الدين
المسألة الثانية من النقطة الأولى: أن هذا الدين كامل، وهذه نقطة من أهم النقاط؛ لأن هناك طوائف وفرق تعيش بيننا وتعاشرنا تقول: إن هذا الدين ناقص، فهناك مثلاً الرافضة الذين يقولون: إن الرسول ﷺ انشغل بالحروب وبالمعارك، ولم يكن متمكناً - بسبب ذلك - من تبليغ عموم الرسالة، فخشي من أن يأثم؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧] ولم يجد أمامه أناساً مؤهلين، فهم يقولون: إن الصحابة كانوا منافقين، وبعضهم كان كافراً، وبعضهم كانت أهدافه دنيوية، فالمصطفى ﵇ كان منشغلاً بالحروب أولاً ولم يجد لديه الجيل المؤهل لتبليغ الرسالة، وأمامه إشكالية أخرى، وهي: أنه يجب عليه أن يبلغ؛ فذهب بالعلم كله وأعطاه لـ علي بن أبي طالب.
ثم علي بن أبي طالب لم يجد من الناس مؤهلين للعلم، فأعطاه الحسن، والحسن أعطاه للحسين، فتناقل بين أئمة الشيعة.
ثم جاء الإمام الحادي عشر عند الشيعة الحسن العسكري فوجد أن الناس غير مؤهلين فنقله إلى المهدي المنتظر: محمد بن الحسن العسكري الذي اختفى في سرداب سامراء سنة مائتين وستين للهجرة، ولا زال مختفياً على قولهم.
إذاً: اختفى هذا الطفل ومعه الشريعة كاملة، ومن هذه الشريعة - كما يذكرون - مصحف فاطمة، فهو مثل قرآننا ثلاث مرات، وليس فيه من قرآننا حرف واحد.
وفي روايات أخرى تقول: إن الله أنزل هذا القرآن سبعة عشر ألف آية! والقرآن الموجود عدد آياته ستة آلاف ويزيد قليلاً معناه: أن الموجود هو الثلث، وهذا يصدق الرواية الأولى.
إذاً: الشيعة يدعون أن الدين ناقص، وأن الله لم يكمل الدين، وأن قول الله : ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] غلط، وليست بصحيحة، وبالتالي: فهذه الطائفة تخرج من هذا المعيار والمقياس.
وهناك طائفة أخرى، وهي طائفة الصوفية، فهم يقولون: إن هذا الدين ناقص؛ لأنهم يقولون: إنكم تأخذون علومكم من ميت عن ميت، ونحن نأخذ علومنا عن الحي الذي لا يموت! ويقول أحدهم: حدثني قلبي عن ربي، فيقولون: أنتم تأخذون علومكم من البخاري الذي أخذها عن فلان وفلان، أو من أبي هريرة الذي أخذها عن الرسول ﷺ ، وكلهم موتى، أما نحن فنأخذ علومنا عن الله مباشرة.
إذاً: معنى هذا: أنهم يأخذون علوماً متواصلة ومستمرة من الله لهؤلاء الصوفية، فكأن دين الله الذي أنزله إلى محمد ﷺ ناقص.
ويدل على ذلك تقسيمهم لأنواع التوحيد، يقولون: التوحيد ثلاثة أنواع: توحيد العامة الذي يشترك فيه جميع الناس، ومنهم الأنبياء والمرسلين.
وتوحيد الخاصة الذي يشترك فيه مبتدئو الصوفية.
وتوحيد خاصة الخاصة، الخاص بعلماء الصوفية أو بأقطابهم.
إذاً: معنى هذا: أن هؤلاء يعيشون مراحل من التوحيد لم يصل إليها بعد الأنبياء والمرسلين؛ ولذلك تقول هذه الطائفة بشتى فرقها: خضنا بحراً وقف الأنبياء بساحله، أي: نحن خضنا علوماً لم يستطع الأنبياء أن يخوضوا فيها؛ لعدم مقدرتهم ومعرفتهم.
فقولنا: (إن الدين كامل) أخرج مجموعات من الطوائف والفرق التي تدعي أنها تحمل لواء الإسلام، وأنها تدعو إلى دين الله ، ولو ناقشت أي إنسان من هذه الطوائف لقال لك: إنني على الحق، وأنت على الباطل، وهذا أمر مشاهد، بل وتخرج هذه الكلمة - إن الدين كامل - كذلك طوائف أخرى من أمثال الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية الذين يدعون أنهم على الحق.
ولو ذهبنا إلى بعض المكتبات لوجدنا فيها كتب أبي منصور الماتريدي إمام أهل السنة والجماعة، وللعلم فإن فرقة الماتريدية فرقة منحرفة في باب الأسماء والصفات ومع ذلك يدعون أنهم أهل السنة! فتجد كتباً موجودة في المكتبات الإسلامية بعنوان: انتشار المذهب السني - كتاب تاريخي عقدي - في المشرق العربي، في القرن كذا وكذا تقرأ الكتاب وإذا هو يتحدث عن انتشار المذهب الأشعري، وهل هو المذهب السني؟! هكذا ادعى، وهكذا قال! إذاً: كل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك فهم يدعون أنهم على منهاج الحق، ولكن قولنا: (إن هذا الدين كامل) يخرجهم، فعندما تأتي إليهم تقول لهم: ماذا تقولون في باب الأسماء والصفات؟ يقولون أقوالاً متعددة، فهؤلاء ينفون أسماءً، وهؤلاء ينفون صفاتٍ، وهؤلاء يثبتون البعض ويؤولون البعض، وهؤلاء يحرفون البعض ويغيرون البعض، وهكذا.
أما السلف فيثبتون ما ورد في القرآن والسنة كما جاء من غير تشبيه ولا تعطيل.
стр. 5
تقديم النقل على العقل
المسألة الثالثة: تقديم النقل على العقل عند توهم التعارض، ولا تعارض بين نقل صحيح وعقل صريح.
هذه المسألة من المسائل التي ركز عليها شيخ الإسلام تركيزاً قوياً جداً، وأشار إليها في عدة مواضع في كتابه: درء تعارض العقل والنقل، وهو كتاب مكون من إحدى عشر مجلداً، مطبوع وموجود.
هذه القضية لو أردنا أن نستفيض في دراستها والنظر في خفاياها لطال بنا المقام إلى حد بعيد، ولكن أحصرها في أمثلة: لو سألت أحداً منكم عن أيهما يكون نجساً المني أو الغائط؟ كلكم ستجيبون أن المني طاهر والغائط نجس، ومع ذلك إذا خرج من الإنسان قطرة من المني أوجبت عليه أن يغسل جسده من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه.
لكن إذا خرج منه غائط هل يلزمه ذلك؟ لا، يلزمه غسل الموضع، وتجديد الوضوء فقط، أما غسل الرأس والأكتاف والظهر والبطن والأفخاذ والسيقان هذه ليست واردة.
إذاً: العقل يقول لك: الأصل أن هذا نجس وهذا طاهر فالأولى أن يغتسل الإنسان من الغائط ولا يغتسل من المني، خاصة أن المني طاهر، لكن الشرع يقول لك: لا، بل اغسل جسدك كاملاً لخروج المني ولا تغسله لخروج الغائط أو البول.
إذاً: كأن هناك تعارض بين النقل والعقل، فالذين يأخذون بالمبدأ العقلي يقولون: لا، هذه مسألة حقيقة تحتاج إلى أن نتوقف معها، هذه غير مقبولة عقلاً، فهي مرفوضة عقلاً، لكن أهل الحق يقولون: لا، نقدم النقل على العقل، والعقل هنا صحيح أنه يفرض على الإنسان أن يغتسل من خروج الغائط ولا يغتسل من خروج المني، لكن الشرع يقول لنا: لا بد أن نغتسل للمني، إذاً لا بد أن نغتسل، فقدمنا النقل على العقل.
جاءت الاكتشافات الحديثة والتي تعد مصداقاً لقول الله : ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣].
يقول أحد الأطباء الألمان: إنني اكتشفت - بعد دراسة مستفيضة لمدة عشر سنوات - أن الإنسان الأوربي يوجد لديه سرطان الجلد بنسبة تفوق وجودها في العالم الفقير - ومنه العالم الإسلامي - تكاد تصل إلى (١٠%).
يقول: بعد دراسة ومتابعة مستفيضة دقيقة تبين لي أن السبب في ذلك هو أن الإنسان إذا أفرز شيئاً من المني فإن الجلد يفرز إفرازاً معيناً، فإذا تراكم هذا الإفراز مرة وثانية وثالثة وعاشرة أدى ذلك بالإنسان إلى أن يصاب بسرطان الجلد.
أما المسلمون فإنهم عندما يخرج من أحدهم شيء من ذلك فإن عباداته لا تقبل إلا بعد أن يغتسل غسلاً كاملاً، حتى إن الفقهاء يذكرون لك أنه لا بد أن يغسل كل نقطة في جسده، كل شيء حتى ما تحت منابت الشعر، وما تحت الآباط، حتى مغابن الجلد وغير ذلك؛ حتى يزول هذا الإفراز.
إذاً: تلحظون أن التعارض هنا لا يمكن، إذاً: لا تعارض بين نقل صحيح وعقل صريح، لكنه تعارض وهمي زال وانتهى في هذا الزمن.
مثال آخر: حديث الذبابة، الحديث المشهور المعروف: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه؛ فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء).
أنت في نعمة وفي خير، فعندما يقع الذباب في الكأس تسكبه وتنتهي، لكن افترض أنك فقير لا تملك إلا هذا الكأس في البر، حال الجوع والعطش فماذا تفعل؟ هل تخرج الذباب مباشرة وتشرب الماء؟ لا، نص الرسول ﷺ يقول لك: (فلتغمسه، فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء).
في الفترة القريبة - قبل عشرين سنة أو خمس عشرة سنة - اكتشفت هذه المسألة، وإذا بأحد جناحي الذباب يحوي ميكروبات مرض، والجناح الآخر يحوي فطريات تقضي على المرض، فإذا جمع هذا الجناح مع هذا الجناح قضت الفطريات على الميكروبات وانتهى المرض.
ويقول الذين حللوا هذه القضية من العلماء الغربيين: أنهم اكتشفوا أن الذباب عندما يقع في الإناء فإنه يغمس جناحاً ويرفع آخر.
وعندما درسوا هذا، وأجمعوا على أن الجناح المرفوع هو الجناح الذي يحتوي على الدواء، أما الجناح الذي يسقط في الماء أو في العصير أو في غيره فهو جناح الداء، ولذلك جاءك النص: (فليغمسه) فيسحب الماء أو الحليب أو العصير الجراثيم أولاً، وهذا بفعل الذباب وليس بفعلك أنت، ثم بفعلك أنت تغمس الذباب؛ حتى يختلط هذا مع هذا فيزيل هذا هذا.
إذاً: تلحظون أنه لا تعارض بين نقل صحيح وعقل صريح، فتقديم النقل على العقل منهج من مناهج السلف، وهذا يرد على طوائف من أهل العقل وهم موجودون وبكثرة في كثير من البلاد الذين يخضعون نصوص الشرع العقدية بالذات للعقل، وأضرب مثال على هذا: أحدهم يقول: قضية عذاب القبر من القضايا التي لا يمكن أن يؤمن بها الإنسان؛ لأننا نحفر القبور ولا نجد فيها مد البصر نعيماً أو عذاباً، أو حيات أو عقارب، لا نجد ذلك، نحفر القبر فنجد جثة هامدة أو عظاماً بالية، ليس فيها شيء، إذاً: هذا يدل على أنه ليس هناك عذاب قبر، ليس هناك عذاب للقبر نهائياً، فيا ترى ما هو الجواب على هؤلاء؟ الإجابة على هؤلاء: أننا أولاً نقدم النقل، فنؤمن إيماناً قطعياً بأن عذاب القبر ثابت نصاً من القرآن ومن السنة، وأنها من عقائد الإسلام التي ذكر بعض العلماء أن من أنكرها قد يخرج من الإسلام؛ لأنه رد نصوصاً ثابتة لا أقول من السنة بل حتى من القرآن، كما في قول الله عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، فغدواً وعشياً هذه ليست موجودة في الآخرة، الآخرة ليس فيها صباح وظهر وعصر ومغرب وعشاء، فغدواً وعشياً هذه في الدنيا، يعرضون على النار، ثم يوم القيامة يتغير العذاب فيدخلون النار، ويوم القيامة سيكون مآلهم إلى النار بشكل مستمر أو متتابع، هذا دليل من القرآن.
ويوجد في السنة عدة نصوص كما في حديث البراء بن عازب في الصحيحين، وكما في حديث أصحاب القبرين اللذين يعذبان وما يعذبان في كبير، وغير ذلك.
أقول: ليس هذا مجال الرد حقيقة على هؤلاء، لكن هؤلاء يثيرون هذه المسائل، فنحن نقول لهم: لا، بل إن قضية إثبات النقل وتقديمه على العقل هو منهجنا، فإن عرفت الحكمة من ذلك فبها ونعمت، وقد لا أعرفها أنا وتعرفها أنت، وقد لا أعرفها أنا وأنت وغيرنا، وقد لا نعرفها جميعاً ويعرفها من يأتي بعدنا عن طريق دراسات أو بحوث إلى غير ذلك من الوسائل.
стр. 6
الاستشهاد بنصوص الوحيين
المسألة الرابعة: الاستشهاد بنصوص الوحيين، وهذه مسألة من المسائل التي تميز بها السلف، خذ إن شئت كتاباً من كتب أهل العقل أو من كتب المبتدعة أو غيرهم فستجد أن الاستشهاد بالقرآن والسنة فيه نادر.
وقد اطلعت على مجموعة كبيرة من الكتب - بحكم التخصص - فأجد أن الكتاب من أوله إلى آخره لا يحتوي ولا على آية واحدة، وهو كتاب في العقيدة! لاحظ كتاباً في العقيدة ولا آية واحدة تذكر فيه! حديث أو حديثين أو ثلاثة في ثلاثمائة صفحة، لكن خذ إن شئت كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وكتب ابن القيم، وكتب محمد بن عبد الوهاب، وخذ أياً شئت من كتب السلف ستجد أن الصفحة الواحدة فيها عشرات من الاستشهادات القرآنية والدلائل النبوية.
فهذا يدل على أنهم فعلاً يأخذون من مصدري الوحي القرآن والسنة، ويرجعون إليهما، ويستشهدون بهما.
стр. 7
التأدب مع نصوص الوحيين
المسألة الخامسة: التأدب مع نصوص الوحيين، وهذه من النقاط الهامة التي نقع فيها نحن وللأسف، وهذا منهج سار عليه السلف، أما نحن فإننا وللأسف نخالفه.
مثال ذلك: عندما يأتيك إنسان وأنت قد عملت مخالفة معينة صريحة ويقول لك: يا أخي! اتق الله، الرسول ﷺ يقول كذا وكذا، الله يقول كذا وكذا، أنت تسمع وتقول: طيب إن شاء الله، جزاك الله خير، وتمشي ولا تلقي بالاً لهذا الكلام، الله يخاطبك والرسول يخاطبك وأنت تضرب بهذا الكلام عرض الحائط.
هل هذا هو منهج السلف؟! دخل عبد الله بن مغفل المزني الصحابي الجليل على ابن أخيه وإذا هو يحذف بالحصى، فقال له: يا ابن أخي! لقد نهى رسول الله ﷺ عن الحذف بالحصى وقال: (إنها لا تصيد صيداً، ولا تنكأ عدواً، ولكنها تفقأ العين، وتكسر السن).
إذاً: نقل له نص الرسول ﵇، جاء إليه في اليوم الثاني وإذا هو يحذف بالحصى؛ فغضب غضباً شديداً وقال: أقول لك قال رسول الله كذا وكذا وتعود! والله لا أكلمك أبداً، لاحظوا ابن أخيه فلم يكلمه؛ لأنه لم يتأدب مع نصوص الوحيين، ولم يأخذها على أنها نهي من الرسول ﷺ .
وهذا عبد الله بن عمر ﵁ كان جالساً مع أولاده، فإذا بـ عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، فقال ابنه بلال: والله لنمنعهن) فغضب عبد الله بن عمر غضباً شديداً وقام إلى ابنه وضربه، ثم حلف ألا يكلمه.
أين التأدب مع نص الرسول ﷺ ؟ أين التأدب مع قوله ﵇؟ هنا كان الجزاء في عدم التأدب هو الضرب والمقاطعة.
أما نحن في هذا الزمن فكثيراً ما تأتينا الأحاديث والنصوص، بل والآيات القرآنية الصريحة وليس أن ندخلها من هنا ونخرجها من هنا، بل لا ندخلها أبداً، وهذه مسألة تخرج كثيراً من الناس من منهج السلف؛ ولذلك منهج السلف هنا منهج يحتاج إلى مجاهدة وبذل وعمل، ويحتاج إلى ضبط النفس حتى يكون الإنسان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
المسألة ليست غاية في السهولة، لا، إذا كنت تريد أن تسير على منهجهم فلا بد أن تكون مثلهم، أو لا بد أن تقلدهم، أو على الأقل تقترب منهم قدر جهدك شيئاً فشيئاً؛ حتى تكون معهم، وتحشر معهم.
стр. 8
من منهج السلف في تلقي العقيدة عدم الخوض في علم الكلام والفلسفة
أما النقطة الثانية فهي من النقاط المهمة كذلك، وهي: عدم الخوض في علم الكلام والفلسفة والاقتصار في بيان العقيدة على القرآن والسنة، وهذه كأنها مشتقة من الأولى، لكن فيها تركيز على جانب مهم، وهو علم الكلام والفلسفة.
جاء مجموعة من الناس إلى الخليفة العباسي المشهور المعروف بـ المأمون الخليفة السابع من خلفاء بني العباس، وهو من أشهر خلفاء بني العباس وأقواهم، وكان رجلاً مشهوراً بالحلم والفضل وغير ذلك، لكنه سود عصره بتقريب المعتزلة وابتلاء أهل الحق من أهل السنة.
هذا الرجل - أي: الخليفة المأمون - احتوته المعتزلة وأثروا عليه؛ فجعلوه معتزلياً مثلهم، ثم طلبوا منه أن يأتي بكتب الفلاسفة القدماء من يونان أو رومان أو فرس أو روم أو هنود أو غيرهم، وفعلاً بدأ يرسل الرسل والمراسلات إلى أصحاب هذه الدول؛ فتقدم الكتب تباعاً.
كان من ضمن هذه المراسلات رسالة موجهة إلى ملك صقلية جورج الأول، فتلقى الرسالة من خليفة المسلمين يطلب فيها نسخاً من كتب موجودة في الخزانة الخاصة بمكتبة كذا وكذا في هذه البلدة أو في هذه الدولة.
فجمع هذا الملك أعيان الدولة وعرض عليهم الأمر؛ فكلهم رفض، قالوا: لا، نحن في حرب مع المسلمين ولا يليق أن ترسل لهم الكتب أو تنسخ لهم الكتب، إلا واحداً من هؤلاء وكان من علمائهم، فقال: بل أرسل له هذه الكتب وأعطه إياها، فوالله ما دخلت هذه الكتب على قوم إلا فرقت دينهم أحزاباً وشيعاً.
فيبدو أن هذا الملك انصاع لرأي هذا الكاهن أو هذا العالم فأخذ هذه الكتب ونسخها، وكانت مكتوبة باللغة اليونانية القديمة.
جاءت هذه الكتب إلى المأمون باللغة اللاتينية فما الحل؟ الحل أن يبحث عن أناس يترجمونها، فما وجد أناساً يجيدون اللغة اللاتينية إلا اليهود، واليهود لأنهم يقرءون التوراة باللاتينية فإن بعض فرق اليهود تحرم أن تترجم التوراة للغات أخرى، فكانوا يقرءونها باللاتينية.
فجمع هؤلاء اليهود وعرض عليهم الأمر، فأبدوا استعدادهم للترجمة، ثم بدءوا يكتبون ويكتبون، فوجدوا أن هذه الكتب فيها بغيتهم؛ لأن فيها إفساد لعقائد المسلمين، وفيها تحزيب وتفريق لهم، فبدءوا يكتبونها بسرعة، ثم أعطوها للمأمون بعد أن نسخوا نسخاً منها لهم خاصة.
ثم تقول الروايات: إنهم بدءوا يكتبونها ويعطونها للوراقين بعد الترجمة بأسعار رخيصة، حتى ذكرت الرواية أن الكتاب ذات المائة صفحة كان يباع بعشرة دنانير، ومن كتب الفلاسفة ذات المائة صفحة يبيعونها بدينار يعني: المجلد من كتب أهل الإسلام بعشرة دنانير، والمجلد من كتب هؤلاء بدينار، وأنا شخص لا أعرف، أحب القراءة، فأدخل في مكتب الوراق وأجد أن هذا بدينار، وهذا بعشرة، آخذ ما كان سعره بدينار، فظهرت هذه الكتب وبدءوا يقرءونها ويتأثرون بما فيها، ثم ظهرت الآراء العقدية المختلفة؛ لأنهم لم ينهجوا منهج السلف في عدم الخوض في علم الكلام والفلسفة؛ ولذلك كان السلف يؤكدون على أن علماء الكلام ليسوا من العلماء، ويقولون: لو أوصى بماله لعلماء بلده لم يدخل في ذلك علماء الكلام.
ويقولون عن أحد السلف: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في الأسواق ويقال: هذا جزاء من ترك القرآن والسنة وأقبل على علم الكلام.
ما هو علم الكلام؟ هو دراسة المسائل العقدية بمنأى ومعزل عن الكتاب والسنة، يعني: يدرسونها بالأشياء العقلية، وبالاجتهادات والآراء، فيقولون مثلاً: اسم الله ، نأتي بمعناه من عندنا، ونأتي بصفة من صفات الله من عندنا، ومن صفات الله كذا وكذا، فيضيفون صفات لله ليست موجودة في القرآن ولا في السنة، وهكذا، فإخضاع مسائل العقيدة للجوانب العقلية هذا نهى عنه السلف نهياً كلياً.
стр. 9
النهي عن البدع
ينبثق من هذه النقطة عدة مسائل: المسألة الأولى: النهي عن البدع، ومن ذلك علم الكلام، إذاً القضية هنا ليست قضية علم الكلام فقط، فعلم الكلام ركز عليه في بند مستقل؛ لأنه هو المهم، لكن أعطيت البدع جانباً آخر من الأهمية، فنهى عن البدع نهياً تاماً؛ لأن الرسول ﷺ قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وقال: (كل بدعة ضلالة).
وقال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ) إلى آخر ذلك.
فالبدع هنا: كل ما استحدث في دين الله مما ليس له أصل في منهج الرسول ﷺ ، وصحابته الكرام، وخاصة الخلفاء الأربعة.
يأتي شخص مثلاً يقول: هؤلاء الصوفية يقيمون احتفال المولد النبوي، ويقيمون احتفال ليلة النصف من شعبان، ويقيمون احتفال رأس السنة الهجرية، ويجلسون جلسات للأذكار، ويقرءون أذكاراً إضافية بعد الصلوات، وأذكاراً مستقلة بأن يتحلقوا فيذكرون الله بشكل جماعي إلى غير ذلك.
نقول لهم: هذه عبادات لكن هل لها أصل في القرآن أو في السنة؟ سيقولون: لا.
نقول: إذاً أنتم تخرجون من منهج السلف؛ لأنكم جئتم بشيء لم يرد عن السلف.
стр. 10
الرد على المنحرفين بمنهج متميز
المسألة الثانية: الرد على المنحرفين بمنهج متميز، شخص الآن سلك مسلك علم الكلام، وبدأ يؤلف في ذلك مؤلفات، وشخص بدأ يدخل في البدع ويدافع عنها، ويكتب فيها المؤلفات، فما هو منهج أهل السنة في هؤلاء وفي الرد عليهم؟ ليس منهجهم منهج السب والشتم واللعن، وإظهار العيوب كما يحصل من كثير من الناس، حتى الذين ينتمون أو يدعون الانتماء إلى المنهج السلفي.
وهنا مثال على ذلك: ابن حجر الهيتمي له كتاب اسمه: الفتاوى الحديثية، له في هذا الكتاب فتوى قدر صفحة كاملة، سئل فيها: ما رأي فضيلتكم فيمن يقول: إن الطلاق بالثلاث يقع واحدة، وإن ابن تيمية يقول كذا وكذا؟ جاءوا بقول ابن تيمية فقط وهم يريد الحكم في ذلك، فماذا كانت النتيجة؟ قال: أما ابن تيمية فهو شيخ أضله الله وأعماه، وأعمى بصره، وكلام طويل قدر ثلاثة أرباع الصفحة، ثلاثة أرباع الصفحة هذه كلها سب وشتم لـ ابن تيمية.
ثم في الأخير جاء بقوله الفقهي أو حكمه الذي يراه: أنا رأيي في هذه المسألة كذا وكذا في حدود سطر.
نقول: انتقل الآن إلى شيخ الإسلام ابن تيمية وانظر كيف يرد على المنحرفين! يذكر القول مثلاً عن ابن سيناء ثم يقول: أما هذا القول فهو قول ساقط متهافت، ما يتعرض إلى شخصيته، مع العلم أن ابن سيناء ثبت كفره، فقد كان يقول عن نفسه: إنني أنا وأبي من أصحاب دعوة الإمام العبيدي، أي: الدولة التي تسمى خطأً الدولة الفاطمية، ومع ذلك نجد ابن تيمية يقول: قال ابن سيناء كذا ويرد عليه.
ويقول: ابن المطهر الحلي، ولا يقول: قال ابن المطهر الحلي الرافضي المجرم الكافر، لا يقول هذا؛ لأن القضية ليست قضية رد على ذوات، وإنما رد على فكر.
إذاً: منهج الرد على أهل الأهواء أو أهل البدع أو أهل الأخطاء عند السلف منهج متميز.
ودعونا ننقل هذه الصورة إلى واقعنا الآن، أنت الآن ترى الشيخ فلاناً من العلماء أو من طلبة العلم أخطأ أو اجتهد اجتهاداً معيناً في مسألة معينة، وهذا الخطأ أمر عادي؛ لأن الرسول ﷺ قال لنا: (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) وقال: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم).
إذاً: تجد أن الأخطاء هذه مسألة حاصلة، فليس هناك أحد معصوم إلا الأنبياء والمرسلين، فماذا يترتب على ذلك؟ تجد أن هؤلاء يأخذون هذا الخطأ، ثم يقيمون الدنيا ولا يقعدونها على هذا الخطأ، ويردون عليه ردوداً كثيرةً ومستفيضة، وربما يكبرون القضية حتى يخرجوا هذا الشخص من الإسلام، أو يتهمونه بأنه من غير أهل ملة رسول الله ﷺ .
هذا أمر حاصل، لكنه ليس من منهج السلف، من سار على هذا المنهج فليس من السلف في هذه المسألة بالذات، فما بالكم بالمسائل الأخرى! أنت الآن تسير في الشارع ورأيت رجلاً مثلاً عليه سيما الانحراف في جوانب معينة، فيا ترى عندما ترى ذلك عليه كيف ستتعامل معه هل تقول له: يا كلب! لماذا تفعل هذا الفعل؟ هذا ليس من منهج السلف، إن فعل أحد ذلك قيل له: تعال، أنت خالفت ما عليه السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم في مناقشة أصحاب الأخطاء، بل فتأخذه جانباً وتعرض عليه خطأه بأسلوب لطيف جميل هادئ، وهذه مسألة لعلكم كلكم تطبقونها.
فمثلاً: إمام المسجد جمع يوماً من الأيام خمسة أو ستة أو سبعة من أهل الحي ويقول: يا جماعة! فلان من الناس جارنا لا يصلي معنا الفجر، وفلان جارنا هذا ما نراه يصلي معنا أبداً، وفلان عليه ملاحظات كذا وكذا ما هو الأسلوب الحسن لدعوته؟ هل أحد منكم سيقول: نذهب ندق عليه الباب ثم نسحبه بقوة، ثم نأتي به إلى المسجد هنا ونضربه ونحقق معه؟ لا يوجد أحد يقول هذا أبداً، إنما كل واحد يأتي بأسهل الأفكار والطرق وأيسرها لإبلاغه بهذه النصيحة.
ممكن نزوره يوماً من الأيام ونجلس نتحدث معه في كل المواضيع إلا موضوع الصلاة، ثم نضع له كتيباً وشريطاً بدون ما يشعر، ثم نخرج، فهذا منهج متميز في الرد، لكن أهل الأهواء والبدع يتسقطون الأخطاء، تجد أحدهم يبحث عن أي خطأ، ثم بعد ذلك يكبره ويكبره ويكبره! ثم بعد ذلك ينشره بين الناس على أنه خطأ فلان ابن فلان من طلبة العلم أو من العلماء أو غيره، هذا هو منهج دارج وموجود وللأسف الشديد، وبالتالي فمن فعل ذلك فقد خالف منهج السلف.
стр. 11
من منهج أهل السنة والجماعة في تلقي العقيدة التزام العدل والإنصاف مع الأعداء
النقطة الثالثة: التزام العدل والإنصاف مع الأعداء، أنا جئت بهذه المسألة متأخرة حتى أربطها بالنقطة التي سبقتها.
التزام العدل والإنصاف حتى مع الأعداء قال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] هذا هو منهجنا.
منهجنا أننا إذا رأينا المحسن قلنا له: أحسنت، وإذا رأينا المسيء قلنا له: أسأت، وإذا رأينا صاحب الخطأ قلنا: هذا خطأ، وإذا رأينا صاحب الحسنة قلنا: جزاك الله خيراً على هذه الحسنة، هذا هو منهجنا.
إذاً: نحكم على الجميع بناءً على أعمالهم، ولا نغطي أعيننا عن الحسنات ونظهر السيئات أو العكس، وهذه مسألة لا داعي للدخول في تفصيلاتها، ولكنكم تعرفون أن هناك كثيراً من الناس يعيشونها بطرفيها المتناقضين.
يعني: بعض الناس الآن يغمض عينيه عن أخطاء هائلة جداً تصدر من أشخاص أو من جماعات أو من تجمعات أو من غير ذلك ولا يلقي لهذه الأخطاء بالاً أبداً؛ لأنه يحب هذا التجمع فيثني عليه على وجود الخطأ.
وإذا كره جماعة أخرى أو أفراداً أو أشخاصاً أو غير ذلك فإنه يظهر مساوئهم بشكل كامل، ولا يلقي بالاً للحسنة، هذا ليس من منهج السلف؛ فمن سار على ذلك فقد خالف السلف، وما أكثر الذين يخالفون السلف في هذه المسألة! وقد ورد عن أبرز السلف - وهم الصحابة - أنهم كانوا يثنون حتى على الغرب، عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه أثنى على الروم، فبين في كلام طويل له أن الروم فيهم وفيهم وأنهم يعدلون مع رعيتهم، لاحظوا! الروم وكفرة ومن أهل النار إذا ماتوا على ما هم عليه ومع ذلك أثنى عليهم.
إذاً: قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ [المائدة:٨] طبقها عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ولا بد أن نكون على نفس المنهج، وأن نسير على ذات المنهج، فلا نتطرف يمنة ولا يسرة، بل نقول للمحسن: أحسنت، وللمسيء: أسأت.
стр. 12
من منهج السلف في تلقي العقيدة أنهم لا يتعصبون لأحد إلا للرسول
النقطة الرابعة: أنهم لا يتعصبون لأحد إلا للرسول ﷺ ، فكل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا البشير الهادي النذير ﷺ .
فهم لا يتعصبون لجماعة ولا لحزب ولا لتجمع ولا لفكر ولا لمنهج، إنما التعصب هو لما قاله المصطفى ﵇؛ ولذلك ورد عن كثير من أئمة السلف كالإمام أحمد والشافعي والإمام مالك وغيرهم أنهم كانوا يقولون مقولات متشابهة: إن الحق هو هدفي، وما عارضه فاضربوا به عرض الحائط.
قال الإمام مالك: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، ويشير إلى قبر الرسول ﷺ ، وكان يحدث في مسجد المدينة.
ويقول الشافعي: إذا جاءكم من قولي ما يخالف قول الرسول ﷺ فاضربوا بقولي عرض الحائط.
هذا هو المنهج! إذاً: ما في تعصب، ولكن وللأسف الشديد تجد أن هذه التعصبات موجودة ومنتشرة، فإذا كنت أنا منطوياً تحت لواء حزب معين أو فكر معين أو حتى مذهب معين تجد أنني أتعصب لهذا المذهب.
ومن الطرائف في المسائل الفقهية: أنه يروى عن الأحناف أنهم يقولون: إذا جاء نص من القرآن أو من السنة يخالف ما جاء عن الإمام أبي حنيفة فإن النص إما أن يكون مؤولاً أو منسوخاً! معنى هذا: أن هذا تعصب مقيت، ويوجد في بعض الطوائف: إذا وقع الفأر في إناء كذا وكذا فيه كذا وكذا فلا يجوز أكله، بل لا بد من إلقائه أو بيعه لفرقة كذا أو لمذهب كذا لا داعي لذكره! هذا تعصب، وهذا التعصب نهى عنه الشرع، وبين أن التعصب هنا هو للقرآن وللسنة، فإذا ورد فيه الأمر أخذنا به، وإذا ورد فيه النهى انتهينا عنه.
ورد عن الإمام أحمد قول، ثم رأينا أن هذا القول مخالف لأقوال أئمة أخر، نحن نقول: نحن حنابلة، لكن إذا جاء عالم من العلماء وقال: الإمام أحمد يقول كذا وبقية العلماء يقولون كذا وكذا، ودليلهم هو القوي، ودليل أحمد ضعيف، إذاً نأخذ بدليل هؤلاء الأئمة ولا نأخذ بدليل الإمام أحمد؛ لأننا نبحث عن الحق فهو مظنتنا أياً كان موقعه.
стр. 13
من منهج السلف في تلقي العقيدة عدم الاقتصار على جزء من النص دون الآخر
النقطة الخامسة: أن السلف رضي الله تعالى عنهم إذا جاءوا إلى النصوص الشرعية لا يقتصرون على جزء دون الجزء الآخر، بل يأخذون النصوص الشرعية كاملة، فإذا جاءوا إلى نصوص شرعية آيات أو أحاديث لا يأخذون بجزء منها ويغضون الطرف عن الجزء الآخر، لا، بل يأخذون الجميع.
فمثلاً: الخوارج فرقة من الفرق، والمرجئة فرق من الفرق وجدت في الزمن القديم، ولا زال لها امتداد في الزمن الحاضر، هذه الطائفة أو تلك الطائفة كل منها أخطأت في مسألة الأخذ بالنصوص، فأخذوا جزءاً وأغفلوا النظر عن جزء آخر.
فالخوارج مثلاً قالوا: ثبت في الصحيح أن الرسول ﷺ يقول: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر) فهذا قلب الإنسان مليء بالإيمان، لكن عنده شيء يسير جداً من الكبر، فمعنى هذا أن هذا الإنسان لا يدخل الجنة، لكن السرقة، والزنا، والقتل كل ذلك أكبر من شيء يسير من الكبر، فمعنى هذا أنه لم يدخل الجنة، إذاً معنى هذا أنه في النار، وأنه كافر، فكفروا الناس بناءً على هذه القاعدة.
وجاءت طائفة أخرى - المرجئة - وقالوا: يقول الرسول ﷺ : (لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان) يعني: القلب كله فسق وفساد ومعصية إلا نقطة واحدة من إيمان؛ فإنه لا يدخل النار، قالوا: إذاً الحمد لله قلوبنا فيها إيمان أكثر من مثقال ذرة فلنفعل المعاصي والمنكرات والسيئات إلى غير ذلك.
أما السلف فجاءوا بالنص هذا وبالنص هذا وجمعوا بينهما فقالوا: إن حديث الكبر فيه دلالة على التحذير من غلظ الكبر، وأنه من الذنوب الخطيرة، وأن الرسول ﷺ بين أن الإنسان الذي في قلبه جزء بسيط من الكبر إن لم يتعرض لنفحة من نفحات مغفرة الله فإنه سيعذب في النار بقدر ذنبه، ثم يدخل الجنة؛ لأنه لا يخلد في النار مسلم.
وعلى نفس مذهب المرجئة: كثيراً ما يحصل الإرجاء في مجالسنا، فمثلاً: تجد مجموعة من الناس يتحدثون عن فلان ابن فلان من الناس غيبة، فيأتي شخص ويقول: يا جماعة! اتقوا الله، حرام عليكم، هذه غيبة، قالوا: يا أخي! إن الله غفور رحيم، هذا إرجاء، هذا هو منهج المرجئة تماماً، وهي فرقة خارجة عن منهج أهل السنة والجماعة.
فعندما يقولون: إن الله غفور رحيم، فلماذا يقطعون النص ويأخذون جزءاً منه ويتركون الباقي؟! إن الله غفور رحيم وإن الله كذلك شديد العقاب، والله توعد الذين يغتابون عن طريق آيات ونصوص عن المصطفى ﵇ كثيرة، ومع ذلك فأنت أغفلت النظر إلى هذه النصوص وأخذت بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٣].
كذلك أحياناً من الإرجاء - وهذا يحصل أحياناً مع الكبار، ومع علية القوم أو الكبار - أن يأتي بعض الناس أو بعض المشايخ أو بعض طلبة العلم أو غيرهم يقولون: شرب الخمر معفو عنه مع الإيمان فإن الصحابة شربوا الخمر، وكان هناك رجل اسمه حمار، كان يشرب الخمر دائماً، وكان يؤتى به إلى رسول الله ﷺ ، فكانوا يجلدونه، وسبه أحدهم؛ فقال الرسول ﷺ : (لا تسبوه، فإنه يحب الله ورسوله) وهو مدمن يشرب الخمر دائماً.
وعبد الرحمن بن عمر بن الخطاب شرب الخمر في مصر، وكذلك مثلاً يروون أن هناك صحابة زنوا كـ ماعز، والغامدية، هؤلاء زنوا ومع ذلك فالرسول ﷺ قال: (إن هؤلاء في بحبوحة الجنة).
فتجده يأتيه بالنصوص التي فيها وعد وتركيز على العفو والمغفرة، ويترك النصوص التي فيها وعيد وفيها تشديد على من يفعل هذا الفعل، وهذا يعد كذلك من الإرجاء.
стр. 14
من منهج السلف في تلقي العقيدة عدم محاكمة النصوص إلى العقل
النقطة السادسة: أن السلف ما كانوا يأتون إلى النصوص الشرعية فيحاكمونها إلى العقل، وهذا امتداد للنقطة التي ذكرناها في ما يتعلق بعدم التعارض بين النقل والعقل.
أهل السنة لا يأتون إلى النصوص الشرعية ويأخذون النص الشرعي، ثم يحاكمون النص الشرعي بناءً على العقل، يعني: لا يأتون إلى النص ثم يبدءون في دراسته عقلاً، فإن وافق العقل أخذوا به، وإن عارض العقل وجهوه توجيهات مختلفة.
فأهل العقل أصلوا قضايا عقلية عن طريق التلقي من الفكر الغربي اليوناني أو الروماني أو غيرها من الأفكار، ثم بعد ذلك جاءوا إلى القرآن والسنة، وبدءوا يدرسون ما في القرآن والسنة، فإن وافق العقل انتهت القضية، لكن إن عارض العقل ما هو الحل؟ الحل: أن يبقى ما في العقل على أصله ولا يغير، ولكن النص الشرعي هو الذي يغير؛ ولذلك غيروا آيات الصفات، وغيروا آيات الأسماء تأويلاً وتحريفاً وتغييراً وتبديلاً كالمعتزلة والجهمية والأشاعرة والكرامية والكلابية والماتريدية، وكثير من الطوائف غيروا بناءً على هذه القاعدة.
إذاً: هذه القاعدة تخرج عدداً كبيراً من الفرق من المنهج السليم، وبالتالي لا يبقى إلا من سار على المنهج الصحيح وهم قلة.
والأمثلة على هذه النقطة كثيرة، وأضرب مثالاً لعله قد يكون فيه بعض الصعوبة: أهل العقل والمعتزلة على رأسهم قالوا: إن الإنسان هو الذي يخلق الشر، الله يقول: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦].
فيقول هؤلاء: إن الإنسان هو الذي يخلق الشر، والله هو الذي يخلق الخير على منهج المجوس، إذاً: هذا قولهم أصلوه في عقولهم.
ثم جاءوا بآيات القرآن فعرضوها، وإذا بآية تعارض هذا الفكر، وهي قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١ - ٢] أمرنا الله أن نتعوذ من الشر الذي خلقه الله، ومن هذا الشر ما ذكر في بقية السورة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١ - ٢] هل هذه تعارض فكرهم أو توافقهم؟ تعارضه؛ لأنهم قالوا: إن الإنسان هو الذي خلق الشر، والله ما خلق الشر، الذي خلق الشر هو الإنسان فقط، لكن الآية تقول: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١ - ٢] أي: إن الله هو الذي خلق الشر، فماذا فعلوا؟ قاموا وحرفوا الآية، فقالوا: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] (من شرٍّ ما خلق) جعلوا (ما) هنا نافية بدلاً من أن تكون موصولة! إذاً: حرفوا النص حتى يوافق ما ذهبوا إليه، وهناك حادثة طويلة أذكر خلاصتها وهي أن عمرو بن عبيد -وهو من زعماء المعتزلة المشهورين- عارضته سورة المسد، وهو في ذهنه أفكار تتعلق بالقضاء والقدر، فعارضته هذه السورة؛ فأراد أن يحرفها ويغير فيها، فعجز وما استطاع؛ ولذلك ورد عنه أنه قال: وددت لو أحك سورة المسد من المصحف.
لماذا؟ لأنها عارضت فكره المنحرف.
أما السلف الصالح فلا، لا يأتون إلى نصوص عقلية يجعلونها في أذهانهم، ثم يأخذون نصوص الشرع ويحكمونه، لا، وإنما يأخذون نصوص الشرع فيجعلونها في أذهانهم، ثم بعد ذلك يأتون إلى المسائل العقلية، فإن وافقت فبها ونعمت، وإن عارضت ممكن أن توافق النصوص فيما بعد، ممكن أن يعرفها غيرنا، إنما النص الشرعي هو المقدم.
أما النص العقلي فهذا أمر غير مقبول إذا كان هناك تعارض وهمي، والأصل أنه لا تعارض بين نقل صحيح وعقل صريح.
هذا ما سمح به الوقت في عرض جزء من منهج السلف في تلقي العقيدة، ونخلص من ذلك إلى: أن السلف رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم هم من سار على هذا المنهج من لدن الرسول ﷺ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن من خالف هذا المنهج فإنه يبتعد عن منهج السلف بمقدار هذه المخالفة.
فهناك أناس خالفوهم مخالفة تامة، فخرجوا حتى عن مسمى الإسلام تماماً، ككثير من فرق الصوفية وفرق الرافضة وغيرها، وفرق الجهمية وغيرها، والمعتزلة.
وهناك أناس وافقوا السلف في كثير من النقاط ولكنهم خالفوهم في نقاط أخر، فهم يبتعدون عن منهج السلف في وقت ويقتربون بقدر ما أخذوا من هذا المنهج، فيكون بذلك هذا المنهج هو الميزان والمقياس، وهو المعيار الذي نستطيع أن نقيس به ما نراه أمامنا من أفكار عقدية تطرح من قبل أمم أو جماعات أو فرق أو تنطوي تحت لواء الإسلام.
ونحن الآن لا نناقش في عقائد هؤلاء اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم، لا، وإنما نتحدث عن كل من تسمى باسم الإسلام، وادعى أنه على المنهج الصحيح نقول: هذا هو المنهج الذي أخذ من القرآن ومن السنة، فإن ابتعدت عنه فقد ابتعدت عن منهج السلف بقدر ابتعادك عنه، وإن اقتربت منه وحققته كاملاً فأنت سائر على منهج السلف، وآخذ بطريق السلف، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 15
الأسئلة
стр. 16
حكم توهم صفات الله بالعقل
السؤال
هل يجوز توهم صفات الله بالعقل؟ وكيف الخلاص ممن يحصل له ذلك ولا يستطيع دفعه؟
الجواب
هذه المسألة لعلي أقربها لك من خلال ما يلي: أنت الآن كم تشكل بالنسبة للرياض؟ أنت نقطة صغيرة ربما لا تشاهد بالنسبة للرياض كعاصمة، وكم تشكل أنت بالنسبة للمملكة؟ وكم تشكل أنت أيها المرء بالنسبة لقارة آسيا بالنسبة للكرة الأرضية؟ أو كم تشكل بالنسبة للمجموعة الشمسية؟! كم تشكل بالنسبة للمجرة التي نعيش فيها؟ وكما يقول علماء الفلك: فإن أمامنا في السماء مئات الآلاف من المجرات، وكل مجرة فيها مئات الآلاف من النجوم! يقول النبي ﷺ في الحديث في الصحيح: (إن السماوات السبع والأرضين بالنسبة إلى الكرسي - أي: كرسي الله - كدراهم - يعني: قروش - ألقيت في فلاة) في بر، في صحراء! تخيل السماوات السبع والأرضين السبع، فكم تشكل أنت الآن بالنسبة للأرض؟ لا شيء، فما بالك بالأرضين السبع والسماوات السبع كدراهم ألقيت في فلاة؟! إذا كان الكرسي العظيم جداً الذي لا تشكل السماوات والأرض بالنسبة إليه إلا كدراهم ألقيت في فلاة والعرش لا يقدر قدره إلا الله، والله فوق ذلك، فأنت الآن كيف تستطيع أن تتخيل صفة من صفات الله وهو بهذه العظمة التي لا يمكن أن تتخيل حتى ما ورد في الحديث، لا يمكن أن تتخيله؟ يعني: الكرسي بالنسبة للعرش، والسماوات السبع بالنسبة للكرسي، والإنسان بالنسبة للأرض، والأرض بالنسبة للمجرات، وهكذا ستجد أن الله هو العظيم، ستجد أن الله هو الكبير، وستجد أن الله هو العلي.
إذاً: هذه الصفات عندما ترد إلى ذهنك ينبغي أن تضع في اعتبارك هذا الأمر، ويحضرني هنا ما ذكره أحد العلماء، يقول: من أراد أن يتخيل صفة من صفات الله فليطبق على نفسه هذه التجربة، يجلس على فراشه، ويخرم البطانية خرماً صغيراً ويضعه على عينه، ثم ينظر من خرم البطانية على فتحة الباب حق القفل إن كان من الأقفال الأولى، ثم يوازنها ويقول: يا جماعة! أنا أسمع بقارة اسمها استراليا ولا أشوفها الآن، أين هي؟ فنحن نلاحظ الآن أن القارة بعيدة جداً وأنت ما عندك إلا إمكانات ضعيفة جداً، وتريد أن تتخيل هذه القارة الضخمة الكبيرة البعيدة.
إذاً: معنى هذا فأنت إذا أردت أن تتخيل صفات الله فضع في اعتبارك هذا الأمر أولاً، ثم ضع في اعتبارك قول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فمهما تخيلت أن الله له الصفة الفلانية هذا خطأ، ثم ضع في اعتبارك كذلك أن الله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار.
إذاً: ضع في اعتبارك هذه الأمور، ثم بعد ذلك ضع في اعتبارك قضية أن هذه وسوسة من الشيطان، وأن الرسول ﷺ كذلك أمرك بأن تتعوذ من الشيطان، وتطرد هذه الوسوسة عن قلبك ونفسك، وتتجه إلى شيء آخر؛ حتى لا يزداد فيك الوسواس وينقلب ذلك إلى تأثر أو تأثير فيك.
стр. 17
حكم دراسة علم النفس والمنطق
السؤال
هل تعتبر دراسة علم النفس وما يتبعه من دراسة التقييم الإنساني للدين والأخلاق من علم الكلام؟ وهل هناك فرق بين علم الكلام وعلم المنطق؟
الجواب
أولاً: لدينا علم الكلام وعلم المنطق وعلم النفس.
أما دراسات علم النفس وما يتعلق بالنفس الإنسانية من خوف ورجاء ومحبة وقلق واضطراب وانفصام شخصية وغير ذلك من المسائل، فهذه تدرس في مدارس نفسية متعددة.
فهناك مدارس نفسية غربية، وهناك مدارس نفسية شرقية ترتب هذه المسائل على عقائدهم هم، لكن نحن عندما ندرس قضية الخوف عند الإنسان فهذه مسألة نفسية.
لكن نحن نرتبها الآن: على أن الخوف عند الإنسان ينبع من جملة أشياء منها: الخوف من الله، والخوف من العقاب، والخوف من النار، والخوف من سوء الخاتمة.
إذاً: تلاحظ أننا رتبنا مسائل نفسية على قضايا عقدية، وهذا ليس فيه إشكال، ليس فيه شيء، إذاً: إخضاع المسائل أو القضايا النفسية للمسائل الشرعية هذا أمر مطلوب؛ ولذلك تجد في جامعة الإمام قسماً خاصاً بعلم النفس، وهو يدرس هذه المسائل من الواقع الإسلامي، فهذا ليس فيه إشكال.
أما علم الكلام: فهو دراسة العقائد وإخضاعها للجوانب العقلانية، فهذا هو علم الكلام.
وأما علم المنطق: فهو استخدام القدرات العقلية والكلامية في الجدل والنقاش في دحض شبهات الخصم ورده، وعلم المنطق منه ما هو ممدوح، وهو قليل، وغالبه مذموم؛ لأنه يستند على المغالطات، فيغالط الإنسان في قضايا، ثم يرد بناءً على ذلك بأسلوب جدلي منطقي فلسفي يؤدي في النهاية إلى اقتناع الخصم بصحة نظرية خصمه، مع العلم أنها خاطئة عن طريق القوة والقدرة والإقناع، وفي الإلقاء والمقاطعة.
إذاً: علم المنطق هنا مذموم في غالبه، وممدوح في جزء منه؛ ولذلك تجد شيخ الإسلام رد على المناطقة في كتابه: نقض المنطق، وكثير من العلماء يردون على المناطقة وأهل المنطق، بل يذمون علم المنطق جملة وتفصيلاً، إلا أقل القليل منهم، وهذا القليل تجد أنهم يركزون أولاً على فهم أساليب المناطقة، حتى يناقشوهم بناءً على ذلك، ثم بعد ذلك تدرس العلوم المنطقية المسموحة والمأذون بها.
стр. 18
نبذة عن تاريخ الفرقة التيجانية ومؤسسها
السؤال
هذا سائل يسأل عن ورد لازم كان موجوداً عند إخوانهم، ولكن الخط سيء جداً؛ فلم أستطع قراءة هذا الخط، وكأنه يذكر الصلاة على النبي ﵊ مائة مرة، والاستغفار مائة مرة، وكأن هذا على شيء من شكل جماعي أو نحو ذلك؟
الجواب
نعم، هذا الورد سلمك الله هو ورد الفرقة التيجانية، يقول: اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، ويقول ذلك مائة مرة، ويقال كذا مائة مرة، وغيرها المرات المعروفة، فهذه من أوراد التيجانية، بل ويقولون من الغرائب في هذا الورد أنهم يقولون: من قال: اللهم صل وسلم على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق ألف مرة في اليوم فإنه - لا حظوا - يدخل الجنة ويدخل معه سبعين من أهل الجنة، ويكون في أعلى عليين، ويكون مع الرسول ﷺ بجانبه، ويكون ويكون ويذكرون فضائل لهذا الورد.
بل ويذكرون أن هذا الورد أفضل من القرآن، أي: ورد قولهم: اللهم صل وسلم على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق يقولون: أنه أفضل من قراءة القرآن.
ولو رجعت إلى الوراء قليلاً، إلى الفرقة التيجانية التي ظهرت في المغرب العربي، وفي الجزائر في الأصل وفي تونس، وفي المغرب كفروع، فهذه الفرقة - أي: التيجانية - لو دققت النظر فيها لوجدت أنها صنيعة الاستعمار الفرنسي؛ ولذلك زعيم هذه الطائفة المدعو أحمد التيجاني كان من أكبر المخلصين لفرنسا إبان الاستعمار الفرنسي للجزائر، حتى إن فرنسا لم تجد وسيلة لمكافأته إلا أن تزوجه جاسوسة فرنسية - نسيت اسمها حقيقة - وكانت امرأة جميلة، فأفسدت عقله، واستطاعت أن تخضع الفرقة التيجانية للفكر الفرنسي، فصارت التيجانية مع الفرنسيين ضد المجاهديين الجزائريين الذين يجاهدون ضد الاستعمار.
стр. 19
حكم من احتج على نشر البدع بحديث (من سن في الإسلام سنة حسنة)
السؤال
يقول: بماذا نرد على من يجعل قوله ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها) حجة في ابتداع بعض الأمور؟
الجواب
نعم.
هذا الحديث: (من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أجورهم إلى أن تقوم الساعة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فعليه وزرها، ووزر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً إلى يوم القيامة).
مثلما قلت قبل قليل: أن السلف يرجعون إلى النصوص كجملة واحدة متكاملة فهناك نص آخر يقول: (وكل بدعة ضلالة)، ونص يقول: (عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي).
ونص يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).
إذاً: تجد الآن أن هناك نصوصاً تبين أن الإحداث في الدين أمر منكر ومردود، وهذا الحديث يقول: (من سن في الإسلام سنة حسنة) إذاً: لا بد أن نجمع بينها؛ لأن ظاهرها التعارض، والجمع بين هذا كما ذكره أئمة الإسلام أن الدين كامل، وإحداث شيء في الدين جديد هذا غير جائز؛ أخذاً من هذه النصوص.
أما من سن في الإسلام سنة حسنة فإن لها سبب، وهي فيما يتعلق بالأمور الجائزة المشروعة، وسببها: أن الرسول ﷺ رأى أناساً فقراء من أهل اليمن، فدعا إلى التصدق عليهم في خطبة خطبها ﵇، والناس كانوا واقفين لم يتبرعوا فجاء رجل بعد زمن معين بصرة من تمر، ثم جعلها أمام الرسول ﷺ ، ثم توافد الناس يتصدقون، فقال الرسول ﵇: (من سن في الإسلام سنة حسنة)، فهو عبارة عن أمر في مسألة مشروعة كالصدقة أو الدعوة أو الأساليب الدعوية أو غير ذلك مما لا يمس أصول الدين، ولا حتى فروعه، فنكون بذلك قد جمعنا نوعاً ما بين هذا وهذا، وإلا فمسألة الجمع بينهما تحتاج إلى مزيد من التفصيل.
стр. 20
حكم الإكثار من الحلف بالله
السؤال
هناك نساء يكثرن من الحلف بالله على الناس، وبعضهن تقول: قد حلفت أكثر من ثلاثين مرة، وبعضهن على أولادهن كي لا يفعلوا شيئاً أو ليفعلوا شيئاً، وهن يسألن: هل في ذلك كفارة؟ وهن يردن التوبة.
الجواب
أولاً: تعويد الإنسان لسانه على كثرة الحلف هذا أمر نهي عنه، فقد ورد في قول الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٤] هذه أصل من الأصول التي ينبغي أن نجعلها أمامنا باستمرار.
ثم إن قضية الحلف الكثير هنا سيجعل الإنسان يستهين به حتى في المسائل التافهة البسطية، وفي المسائل المهمة جداً، فيجعلها على درجة متساوية، فلا يجعل للحلف تلك القيمة والمنزلة.
النقطة الثالثة: أن الحلف ينقسم إلى أقسام، فهناك اليمين المعروفة الثابتة التي إذا خالفها كفر، وهناك الأيمان التي تعد من باب اللغو، مثل: أن تحلف بطريقة سلسة وسريعة وأنت تحلف عليه كأنك معتاد لهذا الكلام، لكن هذا الأمر الأصل فيه ألا يكثر منه الإنسان، أخذاً بقول الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٤].
وهذه المسألة تعد من لغو اليمين: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥] فتعد من لغو اليمين، لكن الحلف على شيء معين: والله العظيم لأذهبن مع هذا لفعل كذا، والله إن ذهبت من هنا لأفعلن كذا، فذهب، فعليه كفارة معينة حول هذه المسألة، وكلكم تعرفون مسألة الكفارات وما يتعلق بها.
стр. 21
كيفية صلاة وحج من به سلس بول
السؤال
إني أشكو من نزول البول منذ ثلاث سنوات ولم أتحكم فيه؛ فما الحكم إذا ذهبت لقضاء فريضة الحج هذا العام؟
الجواب
سلس البول له أحكامه المعروفة، وسلس البول - كما تعرفون - هو عبارة عن ضعف في العضلات القابضة في مجرى البول، وبالتالي ستجد أن البول ينزل بطريقة لا شعورية، بدون ما يشعر الإنسان، فهذا إذا عالجه ولم يحصل على الشفاء فعليه أن يتوضأ عند كل صلاة، يعني: يغسل ذكره وبعد ذلك يتوضأ قبيل الصلاة بقليل، ثم بعد ذلك يشد على نفسه خرقة معينة مبطنة مثلاً من بلاستيك أو غير ذلك حتى لا ينزل البول فيوسخ ثيابه الداخلية وثيابه الخارجية، أو حتى المسجد.
فإن لم يتمكن من هذا وخشي أن يتسخ المسجد أو غيره لا يصلي مع الجماعة، لا يصلي مع المسلمين في المسجد؛ لأن في ذلك ضرراً متعدياً على المسجد، وعلى غير ذلك.
وهذه المسألة الآن ميسورة وسهلة وبسيطة، يعني: بالإمكان أن لهذا الشخص أن يأتي إلى المسجد قبيل الإقامة بدقيقة أو دقيقتين ويذهب إلى دورة المياه ويغسل ذكره والمنطقة المحيطة به ثم بعد ذلك يشد على نفسه خرقة معينة لا ينفذ منها البول ثم بعد ذلك يتوضأ الوضوء للصلاة، ثم يدخل المسجد ويصلي ويفعل، ذلك في كل صلاة.
وبالنسبة للحج ليس هناك إشكال، فإذا ذهب إلى مكة وأراد أن يطوف بالبيت، أو أراد أن يقف في أي موقف ننظر هل يحتاج إلى طهارة؟ فكثير من المواطن في مكة أو في الحج لا تحتاج إلى طهارة، يعني: لا يلزم أن يكون الإنسان مثلاً طاهراً في يوم عرفة، وهو الأولى، والأصل أن يكون الإنسان طاهراً في كل وقت، لكن لا يلزم أنه إذا رمى الجمرات أن يكون على طهارة، وإذا بات في المزدلفة أن يكون على طهارة، وإذا بقي في منى أن يكون على طهارة، إنما اشترطت الطهارة فقط في الطواف بأشكاله المختلفة: طواف القدوم، طواف الإفاضة، طواف الوداع.
حتى السعي يرى جمهور العلماء أن السعي لا يلزم منه الطهارة، وبالتالي فتستطيع أن تشد على نفسك بالخرقة حتى على الأقل لا تلوث المكان الذي أنت فيه، ثم بعد ذلك تقضي حجك بيسر وسهولة إن شاء الله.
стр. 22
كيفية التدرج في علم العقيدة للمبتدئين
السؤال
كيف يمكن التدرج في تعلم العقيدة بالنسبة للمبتدئ في طلب العلم؟ وهل يمكن أن تخبرنا أو ترشدنا إلى كتب للقراءة والحفظ، والتدرج فيها من السهل إلى الصعب؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
مسائل العقيدة أو دراسة العقيدة هي مثل الرياضيات إن صح التعبير، الرياضيات تحتاج إلى تفهيم وإلى شرح، وإلى فهم وإلى دراسة متدرجة شيئاً فشيئاً، يعني: لا تستطيع أن تحل مسائل معقدة إلا بعد أن تحفظ جدول الضرب، فإذا لم تحفظ جدول الضرب لن تستطيع حل هذه المسائل؛ لذلك تجد أن هناك تدرجاً.
نفس العملية بالنسبة لمجال العقيدة، يحتاج الأمر بك إلى أن تأخذ الأمر بطريقة تدريجية واحدة تلو الأخرى، وأبرز نظام لفهم العقيدة بشكل كلي هو: التدرج مع المشايخ وطلبة العلم عن طريق أن تبدأ معه منذ الصفر، وتتابعه شيئاً فشيئاً وتعلق، ولا تأتي مثلاً وتستمع فقط، لا، تأتي لتعلق وتستمع، ثم بعد ذلك تذهب إلى البيت لتحفظ وتستفيد، وبركة المسجد إن شاء الله قد حلت عليك، لكن لتعلم أن العلم صيد، والكتابة قيد، فالصيد هنا سيفر منك، فإذا لم تقيده وتسجله وتحفظه في الصدر فإنه سيزول وينتهي ويضيع، وبالتالي لا بد أن تراجع نفسك مثلاً بعد فترة من الزمن، فعندما تستمع إلى درس في العقيدة أو غير ذلك فستجد كأنك لم تحضر هذا الدرس، وكأنه غريب عليك؛ لأنك لم تجلس مع ما سجلته في بيتك لمراجعته ومدارسته شيئاً فشيئاً، وتركيزه في الذهن شيئاً فشيئاً.
الشيخ عبد العزيز بن باز الآن يأتي بعض الطلبة إليه يقرءون عليه كتباً، وتصوروا أن الكتب التي تقرأ على الشيخ بعض منها يحفظه حفظاً كاملاً من أوله إلى آخره، ومع ذلك يقرءون عليه؛ لأنه إذا لم يقرأ عليه اليوم وبكرة وبعد سنة وسنتين فإنه سيضيع.
فقضية ترداد العلم والمعلومات في الذهن وتكريرها فهذا يثبتها، وكذلك بالنسبة لحفظ القرآن قد يعزم يوماً على حفظ سورة البقرة، فيحفظها، لكن بعد الحفظ يتوانى عن مراجعتها، وبعد شهر أو شهرين وإذا هي قد تفلتت، وهكذا طبق ذلك على بقية العلوم.
بالنسبة للكتب: هناك كتب كثيرة جداً ومختلفة، فهناك كتب تناقش مسائل توحيد الألوهية، ومسائل توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وكتب تجمع بين هذا وهذا، وكتب تناقش مسائل أركان الإيمان وما يتعلق بها.
فأنت حسب مقدرتك وعلمك وفقهك، لكن أنصح في هذا أولاً: بالاستماع إلى الأشرطة الموجودة في السوق حول مسائل العقيدة.
فهناك أشرطة كثيرة جداً في مسائل العقيدة للشيخ محمد بن عثيمين، وكذلك الشيخ سفر وسماحة الشيخ: عبد العزيز.
إذاً: هذه الأشرطة أحياناً تأتي بالتدرج، فممكن تسمعها وتستفيد منها، وهناك كتب مبسطة وسهلة تستطيع أن تسير معها بالتدرج من أمثال الكتيبات الصغيرة التي تبسط العقيدة، كالتوحيد للناشئة، وهناك كتاب التوحيد، وأنت لا تقل أنك من الناشئة، لكن لا تحصر المسألة، خذها واقرأ ما فيها واهضمها، ثم بعد ذلك تدرج إلى غيرها من الكتب.
خذ مثلاً كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب وشروحه، ثم بعد ذلك اقرأ هذه الشروح شيئاً فشيئاً فستجد في ذلك فائدة كبيرة، ثم بعد ذلك انتقل إلى الكتب الأخرى المتعلقة بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، وأركان الإيمان من أمثال: شرح العقيدة الطحاوية، ومن أمثال معارج القبول وما يتعلق بها، فستجد في ذلك الفوائد الكثيرة.
أقول لك: إن كتب العقيدة كثيرة جداً، والأولى والأصل في ذلك أن ترتبط بأحد طلبة العلم أو المشايخ الكبار ارتباطاً دائماً، وهذا سينقلك بالتدرج مع كتب العقيدة إلى أن تهضم الصغير؛ لتنتقل بعد ذلك إلى الكبير، ثم الأكبر.
стр. 23
الحرب الشرسة على المسلمين في البوسنة والشيشان
السؤال
قد انقطعنا عن أخبار الشيشان والبوسنة وغيرهم، فلو سمحت تحدث عن أخبارهم، وجزاك الله خيراً؟
الجواب
إذا كنت أنت انقطعت فتتوقعني أنا لم أنقطع؟! فأنا كذلك منقطع عن هذا الأخبار كما انقطعت أنت، قبل كل شيء أحب أن أشير إلى أن الحرب ضد الإسلام يزداد وهجها، وتقوى ثورتها، ويزاد لواؤها شيئاً فشيئاً، وهذا تحقيقاً لقول الرسول ﷺ : (كيف بكم إذا تداعت عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها؟ قالوا: أو من قلة نحن يا رسول الله؟ قال: لا، بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل).
الآن تجد الحرب ضد الإسلام والمسلمين تأخذ أشكالاً متعددة ومختلفة ومتنوعة في كل البلاد، وهذه الحرب المختلفة المتنوعة من ضمنها ما يجري في البوسنة وما يجري في بلاد الشيشان.
أنا سأذكر لكم الجديد في هذا الأمر في ما يتعلق بالبوسنة، عندنا في الكلية أحد القادة البوسنيين الذي يحضر رسالة الدكتوراة، هذا القائد يجلس في الكلية ستة أشهر في الرياض يعمل في بحثه، ثم بعد ذلك يسافر ثمانية أشهر أو سبعة أشهر ليقود كتيبة من كتائب الحرب في داخل البوسنة، ماذا يقول؟ يقول هذا الرجل: إن إهلاك الصرب أو القضاء عليهم من السهولة بمكان، ولكن يقف أمامنا عقبات ثلاث: العقبة الأولى: السلاح، فتعرفون أن منظمة الأمم المتحدة - التي تسمى منظمة الأمم - بإجماع الدول إسلامية وغير إسلامية حرمت على المسلمين اقتناء الأسلحة، وبالتالي يقول: لا يوجد بأيدينا سلاح إلا ما نأخذه من هؤلاء المعتدين الصرب، أو ما يأتينا تهريباً بطريقة معينة؛ لأن الموانئ محاصرة.
يقول: وهذه حلها سهل ولله الحمد، فقد حصلنا على كثير من الأسلحة.
العقبة الثانية: جنود الأمم المتحدة، يقول: الأمم المتحدة تملك الآن قريباً من خمسين ألف جندي داخل أراضي البوسنة، وهؤلاء هم لحماية الصرب، فإذا ازداد ضربنا عليهم أخرجوا لنا مبادرة سلمية جديدة، أو قالوا: إن هناك أسلوباً لوقف الحرب إلى غير ذلك.
يقول: وهؤلاء حجرة عثرى في وجوهنا.
أما الحجر الأساسي والرئيس في هذه المسألة فهي المساعدات الهائلة الضخمة جداً التي ترد إلى الصرب من دول الغرب المختلفة، من روسيا في الدرجة الأولى، وبعد ذلك من بلغاريا ورومانيا واليونان، ومن الدول الغربية المعروفة كألمانيا وهولندا وبلجيكا وبريطانيا، وكل هذه الدول تساعد الصرب سواء كان ذلك بالسلاح أو بالعتاد أو بالمؤن والأغذية.
ويقول هذا الشخص: تصور أن الشاحنات المملوءة بالأغذية والأطعمة والأدوية والأسلحة والرجال ترد بشكل لا ينقطع إلى البوسنة، يقول: يستحيل أن تمر ساعة أو ساعتان ولا ترى فيها شاحنة مليئة بهذه الأشياء تدخل أرض البوسنة لإمداد هؤلاء الصرب.
يقول: لو انقطع هذا المصدر فإننا سننتصر عليهم في فترة بسيطة من الزمن.
إذاً: فالحرب كما قال الله ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣] فهؤلاء الروس أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت، وهؤلاء يهود وهندوس، ومع ذلك كلهم يتساعدون في سبيل ألا تقوم للإسلام قائمة في وسط أوروبا.
أما الشيشان فكذلك تسير على هذا المنهج، لماذا هذه الدولة طالبت بالاستقلال عن دولة نصرانية لتعلن راية الإسلام؟! وروسيا تجزأت، فسمحت للدويلات بالتجزؤ مثل دول البلطيق إستونيا ولاتفيا وغيرها، ما في إشكال؛ لأنها دول نصرانية، لكن الشيشان بلد مسلم أراد الاستقلال فقيل له: لا، لن تستقل، ثم بعد ذلك وجهت روسيا عشرات الآلاف من الجند، وبدأت المعارك الطاحنة، فهناك معارك هائلة جداً ومريعة ومخيفة تفوق في ضرواتها ما يحصل في كل دول العالم الآن، لكن هناك تعتيم إعلامي غربي، وتعرفون الإعلام العربي بأجمعه هو عالة على الإعلام الغربي وبالتالي فلا أخبار تأتينا عن هؤلاء إلا ما يتصدق به الغرب.
فإذا قال الإعلام الغربي: خذوا هذا الخبر أخذناه، وإذا قال: حرفوا هذا الخبر بهذه الصورة حرفناه، وهكذا! ولذلك تجد أن أخبار هؤلاء لا ترد إلينا إلا بالأسلوب الذي يريده الإعلام الغربي.
فالوكالات المعروفة كوكالة بريس، ووكالة رويتر، ووكالة كذا هذه من يملكها؟ يملكها يهود ونصارى وغيرهم، وهم الذين ينقلون الأخبار.
ولو ذهبت إلى أي جريدة في جميع دول العالم فستجدها مربوطة بهذه الوكالات، فيذكرون الخبر بالأسلوب الذي يريدون، ثم يرسلونه بالفاكسات إلى هذه الجرائد وتتلقاه.
إذاً: القضية الآن أن التعتيم الإعلامي الغربي أثر تأثيراً في قصور المعلومات عن هؤلاء، ولكن الله معهم، فلا يضر ألا نعرف أخبارهم، صحيح أننا نتمنى ذلك، لكن لا يضر ألا نعرف أخبارهم، فإن الله ناصرهم ومؤيدهم، وسيرفع من شأنهم.
الأخ البوسني هذا يقول: صحيح قتل منا مئات الآلاف، وشرد أعداد هائلة، ودمرت البوسنة، ولكن والله تتصورون أننا استفدنا فوائد عجيبة جداً، وكانت هذه الحرب خير لنا بشكل غريب.
يقول: كنا قبل هذه الحرب مسلمين اسماً، لا نصلي ولا نصوم، نأكل الخنزير، ونشرب الخمر، لا صلاة، لا عبادة، شرك، كفر، كل الشعب البوسني، يقول: ما الذي يمنع أن نموت على هذه المسألة وندخل في النار؟ لكن جعل نصف هؤلاء أو ربعهم يموتون في سبيل أن يحيا الناس الآخرون ويحيا نصف شعب البوسنة، أو ثلاثة أرباع شعب البوسنة حياة الإسلام، حياة العزة، يقول: هذا هو الانتصار الذي حصلنا عليه الآن، وسنعززه وسندافع عنه.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 24
أصول التلقي في الاعتقاد بين أهل السنة ومخالفيهم
افترقت الأمة المحمدية كافتراق اليهود والنصارى، ولا تزال الأمة الإسلامية تواجه تيار العقائد الباطلة، التي تأخذ أصول تلقيها في الاعتقاد من الرجال بعيدة عن الكتاب والسنة، ولكل مذهب أو فرقة مصدر تلق في العقيدة، ومصدر التلقي في الاعتقاد لأهل السنة والجماعة هو الكتاب والسنة.
стр. 25
معرفة دين الإسلام ونشره في الآفاق
الحمد لله رب العالمين، وصل الله وسلم على نبينا محمد الأمين وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن العنوان عنوان علمي يتعلق بمنهج ندين به جميعاً ونحبه ونجعله في قلوبنا، يتعلق بمنهج ندافع عنه بأرواحنا ونفتديه بأبنائنا وأزواجنا وأموالنا، ذلكم المنهج هو معتقدنا وديننا وبالتالي فمعرفة هذا المعتقد مما يتعين بالضرورة على كل طالب علم.
ويتحقق من معرفته والالتزام به: الدعوة إليه ونشره في الآفاق.
ولا يغيب عن أذهانكم إن كنتم ممن يسعون إلى هذا المنهج ويدعون له، ويرفعون من شأنه ويحبون نشره في الآفاق، أن هناك أناساً يسيرون على نفس المنوال ولكنهم يدعون إلى مناهج باطلة، فكما أنكم تدعون إلى منهجكم بقوة مستخدمين في ذلك كل الوسائل المشروعة في نشر هذا المنهج، فكذلك هناك أناس يرفعون مناهجهم، ويحاولون بثها في الآفاق مستخدمين في ذلك كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة.
إن الحديث عن أصول التلقي في الاعتقاد بين أهل السنة ومخالفيهم يتطلب منا أولاً الحديث بشكل مجمل عن أصول التلقي في الاعتقاد عند بعض الديانات؛ لأننا قارنا بين فئات على رأسها أهل السنة والجماعة، وفئات أخرى تمثل مشارب عقائدية مختلفة.
стр. 26
الحياة هي العقيدة
أن الحياة هي العقيدة، فلا حياة بدون عقيدة معنى هذا: أنه لا يوجد على وجه الأرض في مشارقها ومغاربها منذ أن نزل آدم على وجهها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها إنسان لا يحمل بين جوانحه عقيدة أبداً، لأن هذه القضية متلازمة مع الجسد، فلا يمكن أن يوجد جسد إلا وفيه عقيدة، فخذ جولة على جميع أرجاء الأرض في هذه اللحظات بفكرك وخيالك، ستجد أن الجميع يؤمنون بعقائد متفاوتة.
فالنصراني له عقيدة واليهودي له عقيدة، والهندوسي له عقيدة، والبوذي له عقيدة، والوثني المشرك له عقيدة، حتى في المذاهب التي تدخل مجتمع المسلمين: الصوفي له عقيدة، والباطني له عقيدة، والزيدي له عقيدة، وهكذا.
بل حتى الملحد الذي يعلن الإلحاد له عقيدة؛ لأن الإلحاد بحد ذاته عقيدة لها أصول ولها مناهج، ولها طرق وأساليب لا يخرج عنها من يدين بها، إذاً: العقيدة هي الحياة والحياة هي العقيدة، ولا يمكن أن يوجد إنسان إلا وله معتقد.
إذاً: عندما تتحدث عن العقيدة فأنت تتحدث عن شيء لا غنى للناس عنه، وبالتالي تبرز أهمية الحديث عن العقيدة في كل مجال، ويتأكد هذا الحديث إذا كان حديثاً عن عقيدة أهل الحق الصحيحة.
стр. 27
العقيدة المنزلة من عند الله
الوقفة الثانية: هل العقائد المنتشرة في جميع أرجاء الأرض عقائد توفيقية من الناس جاءوا بها من عندهم، واخترعوها من بنات أفكارهم، أم أنها توقيفية من الله ؟ هذه مسألة تتضح بشكل سهل وميسور، في أن العقائد تنقسم إلى قسمين: عقيدة صحيحة واحدة ثابتة، هي التي من الله ، وبقية العقائد إما أن تكون عقيدة صحيحة حرفت وغيرت وبدلت فصارت تأخذ الطابع البشري، أو أنها عقيدة بشرية في أصلها وأساسها.
стр. 28
أصول التلقي في الاعتقاد لبعض الديانات المختلفة
الوقفة الثالثة: تتحدث هذه الوقفة عن أصول التلقي في الاعتقاد عند بعض الديانات المختلفة، سواء كانت هذه الديانات سماوية أو أرضية، كأصول التلقي عند اليهود وأصول التلقي عند النصارى، وأصول التلقي عند الهندوس، وأصول التلقي عند المذاهب الوضعية، كالوجودية مثلاً والماركسية إلى غير ذلك.
فاليهود مثلاً: ما هي أصول التلقي في عقيدتهم؟ عندما تناقش يهودياً وتسائله، فإنك ترى أن لديه عقائد ومعتقدات قد أدخلها في كيانه وفؤاده وقلبه، يؤمن بها ويدافع عنها، ويقاتل ويقتل دونها.
وتأتي للنصراني والهندوسي وكذا، وتسألهم في ذاك السؤال فإن الإجابة ستكون على الصورة التالية: اليهودي سيقول لك: إن معتقدي آخذه من ثلاثة مصادر: المصدر الأول: التوراة والمصدر الثاني: التلمود.
المصدر الثالث: ما يقوله لي علماء الدين الذين أنتمي إليهم أو الذين أرتبط بهم.
стр. 29
مصادر تلقي العقيدة عند اليهود
стр. 30
مصدر عقيدة اليهود الأول التوراة
التوراة: هي كتاب الله المنزل على موسى ﵇، ولكن عندما تتدبر في التوراة وتفحصها، وتدرسها دراسة دقيقة متأنية تجد أنها محرفة تحريفاً ليس باليسير، وهذا التحريف لم يطل القصص التاريخية أو المناهج الفقهية فقط، بل طال حتى المسائل العقدية، فمثلاً تقرأ في كتاب الله عن اليهود أنهم قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١].
وقالوا عن الله : ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤].
وقالوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠].
وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨].
فتجد أن هذه الآيات قد سطرت في التوراة بمعان مختلفة وألفاظ مختلفة، ولكن المعنى واحد.
إذاً: معنى هذا أنهم عندما يتحدثون عن الله ، يتحدثون معه على أن له أوصافاً سبحانه، أقل من بعض الناس.
فلو وصفت أحداً بأنه بخيل، لنقد عليك وانتقدك، ولو وصفته بأنه فقير، لربما غضب عليك، ولو ولو، لكنك تجد أن اليهود يصفون ربهم بأوصاف هم أقل من أوصاف بقية البشر، أو من علية القوم على الأقل.
وهذه النصوص موجودة في التوراة، فيصفون الله بالعجز وبالتعب؛ ولذلك قالوا في التوراة: إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استراح باليوم السابع، فرد الله عليهم ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨].
ويصفون الله بالعجز والحزن والبكاء ويصفون الله بأوصاف ربما تعد أوصافاً كلها نقص، وهذا مسطر في التوراة.
وإذا كان أساس العقيدة هو الإيمان بالله ، ووصفه بما يستحق من الوصف، وعبادته بما يستحق من العبادة، فمعنى هذا أن أساس العقيدة في التوراة الذي هو الإيمان بالله قد انهار، أو انهارت أركانه جملة.
فما بالك بقضية الأنبياء الذين يتهمونهم بكثير من الفواحش كاللواط والزنا وغيرها في التوراة؟ وكذلك ما يتعلق بالملائكة وما يتعلق باليوم الآخر لا تكاد تجد له ذكراً في التوراة.
стр. 31
المصدر الثاني لعقيدة اليهود التلمود
يقولون فيه -أي: التلمود- إنه كتاب جمعت فيه أقوال الحاخامات -أي: علماء اليهود وأحبارهم- وسطرت وبوبت وفصلت وشرحت، والتلمود يعد كتاباً سرياً مطبوعاً في أكثر من اثنى عشر مجلداً ضخماً، ولا يظهر للناس أبداً، ولا يوجد منه إلا نسخ قليلة جداً في بعض مكتبات العالم المشهورة، هذا الكتاب يذكر قصة عيسى أنه ابن زنا وقصة زنا مريم بشكل مفصل، ويستغرق عدة صفحات، وعندما يتحدث عن بقية الأنبياء بنفس الوضع، وعندما يتحدث عن الله يتحدث بشكل يثير الاشمئزاز.
من أمثلة ذلك يقولون: إن نصوص التلمود لا يمكن أن تغير أو تعدل، حتى ولو بأمر من الله .
وهذا يوضح لك نصوص الحاخامات ولو دققت النظر في مصدرهم للتلقي العقدي فإنهم لا يأخذون من التوراة؛ لأن التوراة الأساسية حرفت من قبل رجال، لا يأخذون إلا من التلمود الذي هو كلام رجال حاخاماتهم فمصدر اليهود العقدي يرجع إلى رجالاتهم، ودل على ذلك قول الله : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾ [التوبة:٣١]، أي: علماء اليهود: ﴿وَرُهْبَانَهُمْ﴾ [التوبة:٣١] أي: علماء النصارى: ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١].
فهذا يدل على أن مصدرهم في التلقي هو الرجال، وهو مصدر اليهود الوحيد في فهم العقيدة واستيعابها وتلقيها.
فالرجال يسطرون لهم ما شاءوا، ويحذفون عنهم ما شاءوا.
стр. 32
مصادر تلقي العقيدة عند النصارى
إن النصارى يسيرون على منوال اليهود تماماً، فمصادرهم في التلقي هم القساوسة والرهبان، ولذلك عاشت النصرانية فترة طويلة من الزمن يحرم على أتباعها قراءة الإنجيل، ومن وجد عنده الإنجيل صودر الإنجيل وعذب الشخص وربما قتل، ومن وجد عنده الإنجيل فإنه يعد متهماً بالهرطقة، أي: الخروج عن الدين النصراني، إذاً: الإنجيل حكر على الرجال، يأتون إلى الناس ويشرحون لهم ما شاءوا، ويخفون عنهم ما شاءوا.
فالناس لا يتلقون عقيدتهم من الإنجيل، بل يتلقونها من الرجال الذين هم القساوسة والرهبان، ولذلك بدءوا يخرجون لهم نماذج من ألاعيبهم كصكوك الغفران كما حصل ذلك في القرن السادس عشر للميلاد، يبيعون صكوكاً لأراض في الجنة بمبالغ معينة من المال، والناس ينهالون عليها فتتخم جيوب هؤلاء الرهبان بالأموال في سبيل أن يدخل هؤلاء الجنة.
стр. 33
مصادر تلقي العقيدة عند الهندوس والديانات الأخرى
لو خرجت عن الديانات السماوية المحرفة، وانتقلت إلى الهندوسية مثلاً كديانة وضعية، لوجدت أن الهندوس: عبارة عن مشركين يعبدون الأصنام والأوثان والأحجار والبقر وغيرها.
والهندوس كما هو معروف عنهم يعدون من أغبى عباد الله والسبب في ذلك يرجع إلى أنهم يعبدون كل ما يعجبهم، ولذلك لا تكاد تجد بيت هندوسي في الهند إلا وفيه عدد كبير جداً من الأصنام الصغيرة، فهذا صنم للحب، وهذا صنم للزواج، وهذا صنم للمطر، وهذا صنم للقحط، وهذا صنم للنماء والخصب إلى آخره.
فمثلاً لو أصاب أحدهم قحط أخرج صنماً من الدولاب ووضعه أمامه على الطاولة، وبدأ يدعوه ويقول: ارفع عني القحط الذي نحن فيه يا صنم القحط، وإذا انتهى القحط أعاده مكانه.
وإذا رزق بمولود فتح الدولاب وأخرج صنم الأولاد وقال: شكراً لك يا صنم الأولاد! وصلى له ثم أعاده وهكذا.
ولذلك يذكر بعض الإخوة من الهند أن العائلات الكبيرة جداً في الهند لديها غرف كاملة تحتوي على عدد هائل جداً من الأصنام يتجاوز المئات، وكل صنم له تخصص معين.
هذا بالإضافة إلى عبادتهم للبقر، فقد وصل بهم إلى أنهم يعبدون ما يخرج من البقر من روث وغيره.
ويترتب على ذلك ما هو مسطر في كل كتبهم المقدسة، ويترتب على ذلك أن مصادر التلقي من هذه الكتب عند هؤلاء الهندوس، والبراهمة هم الذين أصلوا لهم هذه العبادات، فكتبوا لهم مجموعة من القوانين، في كتاب يسمى قانون منو، وفي كتاب آخر يسمى الفيدا، وجعلوا فيه قواعد عبادة الأصنام وكيفيتها، ثم نشروها بينهم.
وتجد في النهاية أن العملية كلها شرك وكفر.
فهذه الديانات لو نظرت إليها لوجدت أن أصول التلقي متفق عليها وهم الرجال، فلو رجعت إلى الماركسية لوجدت أن أصول تلقي عقائد الإلحاد عند الماركسية ترجع إلى كارل ماركس وإنجلز ولينين واستالين وغيرهم الذين أصلوا لهم العقائد الماركسية.
إذا: يجمع بين هذه العقائد التي هي خارج نطاق الإسلام: أن مصادرها في بناء العقيدة هم الرجال.
وبما أن الرجال يتغيرون بتغير الزمن، فإن الأجيال تتغير بتغير الزمن، كذلك العقائد تتغير بتغير الزمن.
ولذلك عقيدة اليهود اليوم ليست عقيدتهم قبل مائتين سنة، وليست عقيدتهم قبل ألف سنة، وعقيدة النصارى اليوم ليست عقيدتهم قبل خمسين أو مائة سنة؛ لأن العقيدة لديهم تتغير بتغير رجالاتها ومن يعتنقها، والرجل هو الذي يؤصل، فإذا انتهى الرجل جاء رجل آخر، فعدل وغير كما تغير الدساتير وكما تغير القرارات.
إن المناهج المطروقة في هذا المقام: المنهج العقلي، والمنهج الذوقي، والمنهج العاطفي، والمنهج الوقتي، والمنهج السري، والمنهج النقلي.
أما المنهج العقلي، فيتمثل في اسمه منهاج العقلانية التي يدين بها مجموعة من الناس قديماً وحديثاً، كالمعتزلة في القديم، والتنويريون أو المستنيرون، أو العقلانيون، أو العصريون في الزمن الحاضر.
والمنهج الذوقي: تدين به مجموعة كبيرة من الطوائف الصوفية.
والمنهج العاطفي: وهي المناهج التي تدين بها طوائف الرافضة.
والمنهج السري: وهي المناهج التي تدين بها الطوائف الباطنية، كالدروز والنصيرية والإسماعيلية، والآغاخانية، والبهرة، وغيرها من الطوائف.
والمنهج النقلي: هو المنهج الذي يدين به أهل السنة والجماعة.
стр. 34
المنهج العقلي
المنهج العقلي: هو المنهج الذي ينسب نفسه إلى العقل، أي: أخذ من العقل، ومعنى ذلك أنهم يرون في العقل رؤيا معينة، بحيث إنهم سموا منهجهم بالمنهج العقلاني.
والمنهج العقلي منهج تأثر في جل أفكاره ومناهجه وأرائه بالفلسفة اليونانية والحضارة اليونانية.
стр. 35
أولاً: المنهج من ناحية نشأته
نشأ المنهج العقلاني في أوائل القرن الأول الهجري، ويقول العلماء: إن السبب الأساس لنشأته: أن الخليفة العباسي المأمون هو الذي أعطى دفعة قوية للمنهج العقلاني ليبرز؛ لأن العقلانيين المتمثلين باسم المعتزلة، أحاطوا بـ المأمون إحاطة السوار بالمعصم، واستطاعوا أن يؤثروا عليه تأثيراً قوياً حتى دان بمنهجهم.
وبالتالي استغلوا فيه القوة والملك، وبدءوا في نشر مذهبهم بطرق متفاوتة.
هو أن المأمون بإيحاء من زعماء المعتزلة أرسل مجموعة من الرسائل إلى جملة من زعماء العالم الغير مسلم، فأرسل رسلاً إلى زعماء الهند والصين، ومنها رسالة إلى الملك جورج الأول ملك صقلية، وكانت صقلية في ذلك الوقت دولة جزء منها مسلم والجزء الآخر غير مسلم، فأرسل رسالة طلب فيها من ملك صقلية إعطاءه مجموعة من الكتب التي في خزانة كنيسة كذا وكذا.
فجمع ملك صقلية الوزراء ورجالات الدين، وقرأ عليهم رسالة الخليفة المأمون، فقال: ما رأيكم؟ فأصر الجميع على عدم التجاوب؛ لأنه عدو محارب، وكلهم كان على نفس الرأي، ما عدا بابا الكنيسة، قال له: أيها الملك، لقد اطلعت على هذه الكتب، وقرأتها وعرفت ما فيها، فوالله ما دخلت هذه الكتب على قوم إلا أفسدت عقائدهم، فانسخ لهم منها نسخة وأرسلها إليهم.
فارتاح الملك لهذا الرأي، ونسخ نسخة من هذه الكتب السرية التي أغلق عليها في أماكن خاصة، ثم أرسلها إلى المأمون.
بدأ المأمون ينظر إليها فإذا هي مكتوبة باللغة اللاتينية، لغة لا يعرفها لا هو ولا أتباعه فبدأ يبحث عمن يترجم هذه الكتب، فوجد اليهود مستعدين لذلك؛ لأن اليهود في ذلك الوقت يقرءون التوراة باللغة اللاتينية، ويجيدون العربية بحكم الاحتكاك مع المسلمين والعرب.
وعندما قرءوا اليهود هذه الكتب، وجدوا فيها سلاحاً نزل عليهم فجأة ما كانوا يحلمون به، فهي كتب فاسدة عقائدياً إلى أقصى حد: كتب أفلاطون: كتب أرسطو، كتب فيثاغورث من زعماء اليونان.
فبدءوا يكتبون ويكتبون، ثم أعطوا نسخة منها إلى المأمون واحتفظوا بنسخة عندهم ثم بدءوا ينسخون هذه النسخ، ويجعلونها في أماكن الوراقين، والنسخة التي تعد خمسمائة صفحة بدينار، وكتاب موطأ الإمام مالك مثلاً مائة صفحة بعشرين ديناراً، فهذا يشتري وذاك يشتري، حتى انتشرت الفكر التي جاءت عن طريق هذا المنهج.
وبدأ الفكر ينتشر ويقوم على قضية تقديس العقل، وأن العقل هو الحكم في كل شيء، فما أحبه العقل يحب، وما كرهه العقل يكره، وما حكم به العقل يؤخذ به، وما رده العقل يرد.
هذا هو المنهج الذي دان به هؤلاء الحكماء وعلماء اليونان ثم نشروه بين الأتباع.
إذاً: هذه بداية النشأة، ثم بدأ يظهر ويتبلور، ويدعو إليه أصحابه بطرق معينة، يكتبون فيه كتابات، ويؤلفون فيه التأليف، وتظهر المناظرات والمحاضرات والدروس في المساجد لبث هذا الفكر العقلاني.
стр. 36
ثانياً: أهداف المنهج العقلاني
المنهج العقلاني منهج لم يمت، بقي حياً قبل عهد المأمون إلى زماننا هذا، لكنه يتعرض للمد والجزر بحسب حالات معينة، ويظهر أحياناً ويبرز بقوة، ويتدلس أو ربما يتوقف أو يصاب بالبيات فترةً من الزمن، ولعلنا في هذا الزمن نعيش فترة بروز وانتشار له كما سنعرف بعد قليل.
من أهداف هذا المنهج في القديم والحديث: الهدف الأول: رفض الفقه وتمييع الإجماع، يقولون هؤلاء الذين أجمعوا وأفتوا في المسألة الفلانية، هل هم أنبياء؟ لا، هل هم ملائكة؟ لا، هل المسألة جاءت من الله ؟ لا، إذاً: جاءت عمن؟ عن الإمام أحمد؟ عن الإمام أبي حنيفة؟ عن الشافعي عن الثوري عن الأوزاعي؟ إذاً: هم رجال، ونحن رجال، فلماذا يفرضون علينا آراءهم ومسائلهم الفقهية، فنحن نأتي بالأحكام، كما أتى هؤلاء بالأحكام.
فهم لا ينظرون إلى قضية الخلفية العلمية، والدراسة العميقة للقضايا الفقهية، إنما ينظرون إلى قضية أن هؤلاء علماء لهم عقول، ونحن لنا عقول فقط، أما القضايا الأخرى فلا ينظر إليها.
فترتب على ذلك مدارس الرأي، فكل واحد يأتي برأي من عنده ويعتبره حكماً يدين به، وقالوا: إن الفتاوى غير محكورة على أحد، فمن أراد أن يفتي أفتى.
ولذلك في هذا الزمن، تجد أناساً ليسوا بالعلماء بل أشكالهم وسلوكهم وتصرفاتهم بعيدة كل البعد عن سلوك العلماء ومناهجهم، ولعلكم تقرءون في بعض المجلات أو الجرائد أنهم يصدرون فتاوىً في قضايا مصيرية للأمة، لا أقول: قضايا جزئية، بل قضايا مصيرية للأمة، ولا داعي لذكر النماذج في هذه المسألة.
الهدف الثاني: الانفتاح الفكري عن طريق الأخذ من المصادر المختلفة، كما أخذ أسلافهم المعتزلة من الفكر اليوناني ومن الهنادكة، ومن الفرس ومناهجهم، كذلك العقلانيون المعاصرون يريدون الانفتاح على الغرب، ويأخذون منه كل شيء.
ولذلك تجد أن الفكر العقلاني المعاصر -كما سنعرف من النماذج- يأخذ من الغرب كل شيء، حتى القوانين الوضعية والأفكار الفلسفية والفتاوى المتعلقة في الشئون الحية الخاصة والعامة والأحوال الشخصية، فتجد بعضاً ممن يدعو إلى الإسلام ويحمل رايته يدعو إلى الاحتفال بالقانون السويس أو إلى الأخذ بالقضايا الفلانية، في القانون الفرنسي، وهكذا.
الهدف الثالث: الهجوم على الخلافة، وهم لا يريدون الخلافة التي تتم عن طريق الانتخاب أو البيعة أو بطريقة معروفة، إنما يريدون نشر ما يسمى بالديمقراطية، وحكم الشعب للشعب، والناس ينتخبون من شاءوا، فيأتي الفاسد والصالح والطالح، ويتساوون في الحكم على الشخص، كأن تأتي برجل ساقط ليس له قيمة في المجتمع، بل إنه ضار جداً على المجتمع بفساده وضياعه وضلاله ومخدراته وفسقه، وتقارنه تماماً بنفس المنزلة برجل يملك أعلى المؤهلات العلمية، فصوت هذا هو صوت هذا في انتخاب ذلك الرجل، وهذه هي الديمقراطية المزيفة المرفوضة التي لا يقرها الإسلام.
لكن العقلانيين يدعون إليها ويحاولون إحياءها على أنها منهج إسلامي، ويؤصلون بذلك كتباً ومؤلفات.
الهدف الرابع: تمييع الجهاد فمسألة الجهاد العسكري عند أهل العقل مرفوضة، فليس هناك شيء اسمه جهاد العدو، بل العالم كله قرية واحدة ودولة واحدة، ولا بد أن يعيش باطمئنان، وليس هناك شيء اسمه عقائد مختلفة، إنما هناك اختلاف في وجهات النظر، من الممكن أن تقترب هذه الوجهات أو تبتعد بحسب الحوار.
ولذلك تجدهم يدعون إلى الحوار بين الأديان، وإلى عقد المناظرات بين الأديان، حتى يتفق على دين مستقل، وآخر صيحات العقلانيين في هذا الزمن ما دعوا إليه عن طريق إيجاد دين مشترك يسمى الدين الإبراهيمي بين الإسلام واليهودية والنصرانية، وهذا ناتج عن لقاءات متتابعة، عقدت في عدة دول عربية وأوربية.
إذاً: هم يريدون تمييع الجهاد؛ لأن الجهاد في هذه الحالة يترتب عليه أن يتكتل المسلمون على منهج واحد، ويتكتل النصارى على منهج، واليهود على منهج، ثم تقوم المعارك، مع العلم أن هؤلاء لا يعلمون أن هذا تمييع، لكن بالنسبة لليهود والنصارى انتصار، لأنهم عندما يرون المسلمين بهذا الوضع في تمييع الجهاد، فإنهم سيبدءون في غزوهم والدخول عليهم من جميع الأبواب المتاحة.
وهذا ما هو مشاهد في هذا الزمن.
الهدف الخامس: مسائل الاختلاط والحجاب، فلا يوجد عند العقلاني مسائل مرتبطة بالحفاظ على الستر والحجاب وما يتعلق بالاختلاط وغيرها، بل هي مسألة عادية، تعد من الأحوال الشخصية التي تخضع للمتغيرات الزمنية، وليست مربوطة بالمنهج الشرعي، بل هي مربوطة بالمنهج الذوقي، فإذا كان الأمر يتطلب أن تغطي المرأة وجهها غطت المرأة وجهها.
وإذا كانت المسألة لا تتطلب وليس هناك مجال للفتنة فلا داعي لذلك، وإذا كان الاختلاط فيه فتنة وستؤذى المرأة فلا تختلط، وإن لم يكن هناك فتنة فلا بأس أن تختلط، فالمسألة مسالة ذوقية، راجعة إلى التصرف الشخصي فقط لا غير.
وهذا -كما ذكر بعض من رد عليهم- ترتيب تدريجي للوصول إلى أهداف إلغاء ما يسمى بالحجاب والستر، ونشر السفور والاختلاط داخل المجتمع المسلم مسايرةً للمنهج الغربي.
لأن الغرب كانوا يقولون لهم: إنكم أنتم مقلدون ولا تحكمون عقولكم، فكأن هؤلاء يقولون: لا نحكم عقولنا لكن التقاليد تضغط علينا، فنريد أن نتدرج في مسألة رد هذه التقاليد خطوة خطوة.
الهدف السادس: إباحة الربا، وإباحة الربا مأخوذ من مسألة النظام الاقتصادي العالمي؛ لأن هذا أمر يتطلبه الوضع الاقتصادي، والحياة قديماً حياة ساذجة وبسيطة، ومنزوية داخل مجتمع صغير، أما الآن فلا.
فالعالم كله متشابه، والاقتصاد كله متداخل، وبالتالي لا تستطيع إلا أن تعايش هذا المجتمع ومن سبل المعايشة إباحة الربا.
إذاً: ستجد في نهاية المطاف من خلال هذه الأهداف أن المجتمع العقلاني وعلماء العقلانية يدعون إلى السير في ركاب الغرب تماماً.
ويدعون إلى الأخذ بالمنهج الغربي، ويضفون عليه طابع أنه منهج عقلي.
стр. 37
سير المنهج العقلاني وأسلوبه في الحكم على الأشياء
العقل عند العقلانيين مقدس؛ ولذلك يقول الإيجي: لو وجد المعارض العقلي لقدم على الدليل النقلي قطعاً، أي: بصورة كلية قطعية لا مجال للأخذ فيها، وهذا قول موجود في كتاب القائد إلى خارجة العقائد للإيجي صفحة ١٦٣.
стр. 38
كيفية الحكم على الأمور من خلال العقل
لدينا عقل شخص معتزل أو عقلاني آمن بقضية أو بفكرة وأقرها بعقله، فجئت أنت بدليل شرعي من القرآن أو السنة، فإنه يأخذ هذا الدليل ويعرضه على العقل، فلا يكون أمامه إلا خياران اثنان: إما أن يكون هذا الدليل موافقاً للفكرة العقلية الموجودة لديه.
وإما أن تكون معارضة، فإن كانت موافقة فالقضية انتهت وليس هناك إشكال.
وإن كان هناك تعارض بين الدليل النقلي والعقلي فإنه ينظر إلى هذا الدليل النقلي: هل هو قرآن أو سنة، فإن كان قرآناً فإنه هو المقدم، لكن العقل مقدس عنده، والفكرة العقلية هي الأساس، والقرآن يعارضه فالحل هو أن يحرف القرآن، ويغير أو يعدل شيئاً في القرآن تعديلاً يوافق الفكرة العقلية.
وإن كان الدليل العقلي معارضاً للسنة فإنه ينظر إليها: هل هي سنة متواترة أو آحاد؟ فإن كانت سنة متواترة عاملها معاملة القرآن من ناحية التحريف والتعديل والتبديل.
وإن كانت آحاداً ردها رداً كلياً.
مثال ذلك: المعتزلة يقولون: إن الإنسان هو الذي خلق الشخص ولم يخلقه الله ، مع العلم أن الله يقول: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦].
فالإنسان هو الذي خلق الشر فقط، أما الله فلم يخلقه، فهم آمنوا بهذه العقدية فجئنا لهم بقول الله : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق:١ - ٣].
فالله يأمرنا أن نتعوذ من الشر الذي خلقه، إذاً: الله كما في الآية هو الذي خلق الشر، فجئنا بالآية وعرضناها على العقل فكانت مخالفة، إذا: معنى هذا أنهم يتجهون معها اتجاهاً آخر، وهو التحريف والتعديل والتغيير، فقالوا: لا، الآية هي: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١].
﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:٢]، فما: نافية عند المعتزلة وليست موصولة، أي: ما خلق الله الشر، فباعتبار أنه قرآن ثابت قطعي الدلالة قطعي الثبوت ما ردوه، لكن أثبتوا هذا المعنى.
وخذوا مثالاً آخر على هذه المسالة: المعتزلة قرروا أن الإنسان هو الذي يخلق فعل نفسه، فهو الذي يقرر أنه سيفعل المعصية، أو سيفعل الخير أو غير ذلك، والله لا يعلم شيئاً عن ذلك -تعالى الله عما يقولون- وهذا إنكار لعلم الله، ويترتب عليه أن الله لا يعلم ماذا ستعمل، ولا يعلم متى ستموت، ولا يعلم من سيدخل الجنة ومن سيدخل النار إلى غير ذلك.
وهذه القاعدة عقلية تعارض سورة المسد: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:١ - ٣].
فالسورة لما نزلت كان أبو لهب على ظهر الأرض حياً، فمن الممكن أن يقول: أنا من أهل النار، إذاً: سأؤمن وأكون من أهل الجنة، لكن الله قد كتب في علمه أن هذا الإنسان سيعاند ويموت معانداً ويكون من أهل النار.
فوجدوا أن هذه السورة تعارض الفكرة فحاولوا أن يحرفوا السورة ما استطاعوا فقد روي عن عمرو بن عبيد أنه قال: والله لوددت أن أحك سورة تبت من المصحف.
فالعقل عند هؤلاء مقدم على كل شيء، حتى لو ترتب على ذلك أن يلغي السورة كاملة من القرآن لكي يؤصل فكره العقلاني.
стр. 39
نماذج معاصرة في المنهج العقلاني
لو قرأت في كتب محمد عمران وكتب محمد الغزالي، وكلاهما من المعاصرين، وفي كتب أحمد أمين وقد مات وفي كتب كثيرة لهؤلاء العقلانيين؛ لوجدت أن فيها أموراً تحكم العقل.
مثال ذلك: في النصوص الشرعية الثابتة (ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) وهو حديث ثابت في الصحيحين فالعقلانيون أصلوا في أذهانهم أن المرأة مثل الرجل، وتحكم كما يحكم الرجل، والدليل على ذلك عندهم: أنديرا غاندي ومارجريت تاتشر وتنسوتشيلر وغيرهن من النساء اللاتي يحكمن، فما الفرق بين المرأة والرجل في هذه الحال؟ فلما جاءهم الدليل: (ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) فوجئوا أن هذا الدليل معارض، لكنهم وجدوا أن هذا الحديث آحاد فردوه.
فهم ردوه لأنه عارض المنهج العقلي، فجعلوا العقل هو المحكم للنقل، والنقل مجرد محاك للعقل، فما قبله العقل أخذ، وما رده العقل رد، ولا يهم كيف يكون شأن هذا المردود: هل هو قرآن أو سنة ثابتة أو غير ثابتة؟ فأهم شيء عندهم الرد لأنه عارض العقل.
مثال آخر حديث الذبابة: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء) فالعقلانيون يقولون: مرفوض عقلاً وبالتالي فهو مردود، بالرغم من أنه حديث ثابت وشبه متواتر.
كذلك حديث: (من اصطبح بسبع تمرات لم يضره سحر في ذلك اليوم) يقولون: هذا مرفوض عقلاً؛ لأن السحر داء نفسي والتمر علاج عضوي، ولا يمكن أن يؤثر هذا في هذا، فهو مرفوض، في نصوص كثيرة طبقوا عليها هذا المنهج.
وختام القول في هذا المنهج: أن العقلانيين المعاصرين يدعون دعوة مؤصلة إلى إخضاع كل النصوص الشرعية للجوانب العقلية, وخاصة مسائل العقيدة، وهذا هو لب الموضوع، أي: إذا تحدثت عن صفات الله أخضعها للعقل، وإذا تحدثت عن يوم القيامة أخضعها للعقل، فعذاب القبر مثلاً قضية عقدية، فالعقلانيون لا يتصورون أن في القبر عذاباً؛ لأنهم يحفرون القبر فلا يجدون فيه إلا عظاماً، فأين عذاب القبر؟ إذاً: ليس هناك عذاب قبر.
لكن الآيات القرآنية تبين عذاب القبر كما في قول الله حاكياً عن فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦].
ويوم القيامة ليس فيه غدو ولا عشي، فهم يعرضون على النار غدواً وعشياً قبل يوم القيامة، أما يوم القيامة فيدخلون أشد العذاب، فهذه الآية أثبتت عذاب القبر.
ومما يثبت عذاب القبر حديث ثابت صحيح: (مر الرسول ﷺ على قبرين فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يتنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة).
فقال العقلانيون: إن العذاب المقصود به: هو عذاب قبل دخول النار، والحديث هذا مردود، وهكذا قاسوا العقائد بهذا المنطلق، فضلوا حتى وصل الأمر بهم إلى أن كثيراً من معتزلة اليوم، قد خرجوا عن الإسلام تماماً، للاختلال الواضح في عقائدهم وفيما يتعلق بعقائدهم في الإيمان بالله أو في الملائكة، حتى وصل بهم الأمر إلى أن أنكروا الملائكة والجن بحكم أنها أمور غيبية، والقرآن تحدث عن الجن، وبين الله ذلك في قوله: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧].
فإذا أنكرت الجن أنكرت هذه الآية، وإذا أنكرت آية فكأنك أنكرت القرآن كله، ومن أنكر شيئاً من القرآن فقد كفر وخرج عن ملة الإسلام، وهكذا يسير معتزلة اليوم على منهج يبتعد شيئاً فشيئاً عن دين الله .
стр. 40
المنهج الذوقي
المنهج الذوقي: منهج ينتسب إلى الصوفية الغلاة، الذين يتذوقون الأشياء، فما أعجبهم ذوقاً أخذوه ليس عقلاً، بل كأنهم يتذوقون الأشياء فما كان حلواً أخذوه وما كان مراً رفضوه.
والمصدر الأول عندهم في تلقي العقائد هو القرآن الكريم، لكنهم يؤمنون به لفظاً ويخالفونه معنىً فالقرآن عندهم له ظاهر وباطن، فالظاهر هو لنا إذ يسموننا نحن أصحاب الظواهر، ويسمون أنفسهم أصحاب البواطن، ويسموننا أصحاب الشريعة، ويسمون أنفسهم أصحاب الحقيقة؛ ولذلك روي عن أحد زعمائهم الكبار -وهو الحلاج - يقول لأحد أتباعه: ستر الله عنك ظاهر الشريعة، وكشف لك حقيقة الكفر، فإن ظاهر الشريعة كفر خفي، وحقيقة الكفر معرفة جلية، ولذلك فإن الصوفية يصلون في نهاية المطاف إلى إعلان الكفر المحض عن طريق إسقاط التكاليف جميعاً.
следующие страницы →