← Джавами‘

Джавами‘ · id 37817

دروس للشيخ إبراهيم الفارس

إبراهيم بن عثمان الفارس

Полный текст (556 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

صور من التحدي اليهودي لا يخفى على ذي لب وباحث في التاريخ أن اليهود وراء معظم جرائم التاريخ ونكباته، فهم قتلة الأنبياء، والمتطاولون على الذات الإلهية، وهم يكيدون لهذه الأمة منذ عهد النبوة، وبسببهم تفرقت هذه الأمة واختلفت، وهم مع ذلك لم يكلوا ولم يملوا من التخطيط للكيد بهذه الأمة.

стр. 492

من صور التحدي اليهودي

стр. 493

عرض لجهود اليهود في حرب الدعوة الإسلامية في نشأتها الأولى الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فقد أخبر النبي ﷺ بأن هذا الدين سيظهر وينتشر ويعم البلاد، بل ويظهر في كل الكرة الأرضية. هذا الدين الذي سيظهر وقف له أعداء، ووجد له معادون، وهؤلاء الأعداء كثر ومتعددون، ولعل من أبرزهم: اليهود. وما سألقيه اليوم عبارة عن محاضرة ألقيتها في الرياض بعنوان: صور من التحدي اليهودي، وقد ألقيتها هناك لظروف خاصة مرتبطة بقضية الهجمة اليهودية الأخيرة بمساعدة جم هائل من النصارى والعلمانيين والزعامات النفعية التي تريد الاستسلام لهؤلاء اليهود والتسليم لهم. عندما أطرق هذا الموضوع عليكم بالذات أطرقه من نواح علمية خاصة؛ لأني أرى هذه الوجوه الطيبة المباركة تصبو إلى العلم، وتسمو إلى العلم، وتطلب العلم، ولعلي أستسمحكم عذراً أولاً وآخراً إذا أطلت عليكم أو أثقلت، فالعلم حمل ثقيل، ولابد من أن نتحمل، فلا علم إلا بتعب، ولا طلب إلا بتعب، والعلم لا يؤخذ كشربة ماء بل يؤخذ كشربة علقم، فإذا صبرت وصابرت فإنك ستشفى إذا أخذتها كدواء. ولعل بعضاً منكم يقرأ في كتاب الله تعالى نصوصاً متعددة وكثيرة تتحدث عن اليهود، وتتكلم عنهم فيتساءل ويقول: لماذا أطال القرآن الكلام عن فئة وشرذمة قليلة مقارنة بمجموعات وتجمعات بشرية أكثر من اليهود؟! علماً بأن النصارى في وقت نزول القرآن كانوا أضعاف اليهود، والمجوس والهندوس كانوا أضعاف اليهود، فلماذا التركيز على اليهود بالذات؟ هذا سؤال ينبغي أن نجد له إجابة، والإجابة على هذا السؤال هي ما سنلقيه في هذه المحاضرة. لا بد أن نعلم أننا عندما نناقش ونتحدث عن اليهود فإننا لا نناقش تحدي اليهود للنصارى أو للعلمانيين أو غير ذلك، بل نناقش تحديهم للمسلمين فقط، هذا هو الذي سيطرق، وهذا هو الذي سيطرح، ولعل الناحية التأصيلية لهذه القضية تأخذ الاتجاه التالي: أولاً: تمهيد وتوطئة: وهو عبارة عن عرض موجز مختصر عن جهود اليهود في حرب الدعوة الإسلامية في نشأتها الأولى، ثم الصورة الأولى من صور التحدي: المساهمة في إبراز المنهج الكلامي، ثم الصورة الثانية من صور التحدي اليهودي: المساهمة في إبراز المنهج الباطل، أما الصورة الثالثة من صور التحدي: فهي نقل النجاح من موقع إلى موقع جديد، والرابعة: تأخذ مظلة الإعلام والإفساد الشبابي، أما المظلة الخامسة: فالضغط والتحكم، والسادسة: السيطرة والتطبيع، ثم نتوقف وقفات مع صور من المواجهة؛ نطرق الدفاع ثم نطرق الهجوم ثم وقفة أخيرة، ثم ننهي المحاضرة على خير إن شاء الله تعالى. أما التمهيد والتوطئة في هذه المسألة: فإن اليهود ما فتئوا يكيدون للإسلام والمسلمين منذ بعث المصطفى البشير ﵇، ولا أريد أن أرجع إلى الوراء لأناقش لماذا وجد اليهود في المدينة وهم من أهل الشام أصلاً؟ لن أناقش هذا؛ باعتبار أن هذا موضوع تاريخي يحتاج إلى عرض، فإن كان هناك مجال عرضناه في الأسئلة إن كان هناك نشاط من قبلكم. فمن مناهج اليهود في تحدي المسلمين في نشأة الإسلام الأولى: طرح الأسئلة المعجزة؛ وذلك لتثبيط الإسلام والمسلمين، والدعوة والدعاة، عن طريق دعم هؤلاء المشركين بأسئلة التحدي المستمر، كسؤالهم عن الروح، أو عن الرجل الذي طاف البلاد، وعن الفتية الذين ذهبوا وتاهوا أول الدهر وغيرها. فالمشركون يتلقون ويسألون ليستخرجوا تحدياً معيناً، فينشرون بين الناس: أن هذا الرجل لا يفهم، وأن هذا الرجل لا يعي، فيجدون ثغرة بين هذا الرجل الداعية وبين الناس. ولعلكم تعرفون ما حصل من اليهود: يوم أن جاء المشركون إليهم وقالوا: أنتم أهل كتاب، وأنتم أهل علم، وأنتم أهل معرفة، فأينا على الصواب نحن أم هذا الرجل ومن معه؟ فقالوا: بل أنتم أيها المشركون! على صواب، وهؤلاء على باطل؛ ولذلك قال الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء:٥١]. إذاً: هذا منهج مساندة المشركين في مكة، لكن كانت الفجوة المكانية بين اليهود والمسلمين عاملاً من عوامل ضعف التأثير، لكن عندما هاجر الرسول بدأ التحذير القرآني يتتابع وينزل، ولعل خير مثال على ذلك: سورة البقرة، السورة المدنية التي نزلت أول ما نزلت في أثناء الهجرة إلى المدينة، وفيها قصة كاملة لليهود، لأوضاعهم، لقضيتهم، لأسئلتهم، لمشاكلهم، لمصائبهم؛ وذلك لينتبه المصطفى لهؤلاء ويحذرهم، ولذلك ما إن قدم المدينة حتى أخذ عليهم العهود والمواثيق، فهذا عهد مع بني قريظة، وهذا ميثاق مع بني النضير، وهذه معاهدة مع يهود بني قينقاع، وفعلاً سارت الأمور على ما هي عليه، لكن هؤلاء قوم غدر وخيانة، فبعد الهجرة عملوا جملة أعمال. فأول عمل عملوه أن قالوا: إن هذا الإسلام الذي ظهر سيقضي على ديننا وعقيدتنا، فلا بد من القضاء عليه، وأبرز قضية هي: أن نقضي على الرمز وهو الرسول ﷺ ، فعندما ذهب الرسول ﵊ إلى يهود بني النضير ليستعين بهم في دية قتيل معينة باعتبار المعاهدة، فعندما جلس مستنداً ﵇ إلى أصل حصن من حصونهم قام عمرو بن جحاش بن غريب! وصعد إلى أعلى الحصن ليرمي على رسول الله حجر الرحى لعله يشق رأسه فيموت. فجاءه الوحي فخرج وعرف الخيانة وقضى على هؤلاء، لكنهم لم يأخذوا الدرس ولا العبرة، فقام رجل آخر: وهو لبيد بن الأعصم بعمل سحر للرسول ﷺ ، فسحره حتى إنه يخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله، وقد استمر شهراً كاملاً بهذه الطريقة. وهذا الرسول هو أفضل البشر، ويوحى إليه من الله، لكن لا يعلم من سحره، ويخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، وكان هذا التنفير سينجح لو كان المؤمنون أصحاب قاعدة هشة، لكن المصطفى ﵇ كان يربي ويقوي القاعدة، ولم يكن يبذر البذرة ويدعها تخرج وينتهي الأمر، بل بذر وسقى وجعلهم يترعرعون حتى صلب عودهم فتحدوا كل شيء يأتيهم، ولذلك كانت قاعدة صلبة لم تتأثر، وأفشل الله خطة اليهود، لكن هل سكتوا؟ قامت زينب بنت الحارث الخيبرية بوضع السم في شاة أكل الرسول منها ومعه بشر بن البراء بن معرور رضي الله تعالى عنه، فمات بعد أن ازدرد اللقمة، أما الرسول ﵇ فعلم وأخرجها من فمه، وقيل: إنه مات منها، فكان نبياً شهيداً ﷺ . إذاً: لم تنجح هذه الطريقة فماذا نفعل؟ قالوا: لننتقل إلى طريقة أخرى، وفعلاً انتقلوا إلى طريقة أخرى، والطريقة الأخرى: هي أن ننشئ طابوراً إضافياً خاصاً داخلياً مستوراً يبث الفرقة بين المسلمين، فأنشئوا المنافقين؛ ولذلك تجد غالب المنافقين لهم ارتباط باليهود بأي صورة وبأي كيفية وفي أي زمان وفي أي مكان. والمنافقون في هذا الزمان (الطابور الخامس) مرتبطون باليهود، ولذلك لو رأيت أحد الصحفيين الذين يكيدون للإسلام والمسلمين فارجع إلى تاريخه فستجد أنه تتلمذ على اليهود مباشرة أو كتابة أو غير ذلك، ولكن هذا الطابور لم ينجح؛ لأن الوحي ينزل ويحذر، وتأتي الآيات المتتابعة التي تفضح هؤلاء واحداً تلو الآخر، فهذا يقول: ائذن لي ولا تفتني، إذاً: هو الرجل فلان! وهؤلاء أنشئوا مسجد الضرار، وهم فلان وفلان وفلان! وهذا يقول: لا تنفروا في الحر، إذاً: هذا فلان! ففضحهم الله واحداً بعد الآخر، وفي نهاية المطاف تساقطوا ولم ينجح هذا المنهج. إذاً: ننتهج منهجاً ثالثاً: وهو الحرب الجماعية؛ فنحن أقوياء متمرسون على القتال، ولدينا عتاد وأفراد وسلاح، فلنرفعها في وجه هذه القلة القليلة، فحاربت بنو النضير وبنو قينقاع وبنو قريظة ويهود خيبر وفشلوا وتحطموا جميعاً واحداً تلو الآخر. إذاً: لم تنجح الحرب الجماعية فانتقلوا إلى منهج آخر: فقد مات الرسول ﵊ والأمة قوية ومسيطرة ومتمكنة وتمتد بسرعة فأخذوا يساهمون في اغتيال من ينوب عن هذا الإمام: كـ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فـ عمر بن الخطاب قتل على يد أبي لؤلؤة المجوسي ومعه جماعة، تقول بعض كتب التاريخ: إن لليهود في ذلك دوراً غير مباشر، فقد كانوا هم الذين استقدموا أبا لؤلؤة المجوسي وباعوه للمغيرة بن شعبة، ويقولون: إن الهرمزان كان مدعوماً كذلك من قبل اليهود، ويقولون: إن الخنجر المسموم ذا الرأسين سمه اليهود منذ فترة طويلة الزمن. إذاً: فقد ساهموا في هذا كما ساهموا أيضاً في اغتيال عثمان عن طريق عبد الله بن سبأ كما سنعرف بعد قليل، وساهموا في أشياء كثيرة، والقضية أنهم ساهموا في اغتيال الزعامات المشهورة. لكن هذا المنهج لم ينجح؛ لأن الرجل من هؤلاء إذا سقط قام بدلاً عنه شخص آخر له نفس الإمكانيات أو أقل قليلاً، فلم ينجح هذا المنهج، فحاولوا بمنهج آخر: تذكية الفتنة بين المسلمين، فلما قتل عثمان وتولى علي قامت الفتنة فقام أهل الخير من الصحابة وغيرهم للم الشمل وللقضاء على مصدر الفتنة؛ وقامت عائشة تطالب بدم عثمان، وكان هناك اختلاف في وجهات النظر. وكادت أن ترجع المياه إلى مجاريها، لكن اليهود ساهموا في إيقاظها من جديد؛ ولذلك تروي كتب التاريخ: أن وفود صلح التقت من جيشي علي وعائشة لفض الخلاف، وليرجع كل جيش إلى مكانه، فعندما رأى اليهود أن هذا الصلح يكاد أن يتم التقوا ليلاً واتفقوا فيما بينهم على أن يقوموا بالحرب مباشرة هذا من هنا وهذا من هنا، وفعلاً بدءوها وتوقع كل فريق من الصحابة أن الخيانة صدرت من الجيش المقابل، فقامت المعركة المريعة المخيفة الهائلة التي ذهب ضحيتها عشرة آلاف من ا

стр. 494

المساهمة في إبراز المنهج الكلامي إذاً: المظلة الأولى: قالوا: هذه العقيدة الصافية السلسة السمحة هي التي وحدت المسلمين، وجعلتهم بهذه الصورة، فلننشئ مظلة عقائدية تسحب عدداً منهم وتجعلهم ينافسون المظلة الأم. قالوا: من أكبر علمائنا: لبيد بن الأعصم الذي سحر الرسول، فقالوا له: عندك عقائد قوية يا لبيد! فأخرجها، قال: والله لا أستطيع إخراجها؛ لأن عندي أناساً أقوياء من الصحابة، فلو أخرجت كلمة واحدة لأسكتوني وأنا ذمي. إذاً: هل تموت ويموت علمك معك؟ قال: لا، بل سآتي بواحد وأدرسه عقائدي، وهذا الرجل هو: طالوت ابن أخت لبيد، وفعلاً تربى طالوت على هذا المنهج، ثم بعد ذلك جاء طالوت ليبث هذه العقائد، لكنه وجد التابعين، إذاً: لم ينجح هذا وهو يهودي، فصار يطبق نفس المنهج على رجل مسلم اسمه: بيان بن سمعان التميمي، وهو رجل ضال مضل ساذج، فأخذه وعلمه، ثم قام بيان بتعليم الناس وإغواء السذج، وما أكثر الذين يستجيبون للسذاجة خصوصاً عامة الناس. ولا بد أن نعي أن هؤلاء العامة يسيرون مع كل أحد؛ ولذلك يقول أبو الدرداء عن هؤلاء: الناس صنفان: عالم ومتعلم، وباقي الناس همج ولا خير فيهم. فإما أن يكون عالماً، وإما أن يكون متعلماً، فإن لم يكن عالماً ولا سائلاً عن منهج العلم، فإن هذا من الذين لا خير فيهم. ولذلك بدأ هذا يؤثر في العامة، فجمع له عامة كثيرين جداً، وترتب على هذا أنه أغواهم واستهواهم حتى إنه ادعى في آخر الأمر أنه نبي، وهو الذي يقول: إن الله أنزل في قرآناً عندما قال: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٨]؛ لأن اسمه: بيان بن سمعان التميمي. وكان من تلامذته: الجعد بن درهم، فعندما وصل الأمر في نهاية المطاف إلى أنه ادعى أن الإله حل فيه وادعى الألوهية نفر منه تلميذه الجعد وتركه، فجاء بآراء منها: أن الإله لا يمكن أن يحل شيء فيه، وبالتالي لا يمكن أن يرى ولا يشاهد وليس له صفات، فنفى الصفات تماماً، وكانت هذه ردة فعل قوية لعمل بيان بن سمعان هذا الذي وصل إلى قمة التشبيه. وفعلاً نجح الجعد في تكوين جماعة، وكان من جماعته أو حزبه: الجهم بن صفوان، وهذا الجعد قبض عليه، وحقق معه فأقر واعترف، فحكم عليه بالقتل، وقتله خالد بن عبد الله القسري حيث ذبحه كما تذبح الشياه في أصل المنبر، فإنه قال في الخطبة: ضحوا تقبل الله ضحايكم! فإني مضح بـ الجعد بن درهم؛ فإنه يزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، ثم نزل وذبحه في أصل المنبر كما تذبح الشياه. فعندما رأى الجهم هذه القضية هرب إلى اليهود في حران في شمال العراق، وتلقى منهم علماً غير العلم الذي تلقاه من الجعد، ثم كان الطلب عليه قوياً فهرب إلى الهند، ومكث في الهند فترة عند الهندوس، وتلقى منهم علماً، ثم رجع مرة أخرى واختفى في العراق عند الصابئة الذين يعبدون الكواكب، وتلقى منهم علماً، وانظروا إلى هذا الخليط من العقائد التي أخذها، ثم بدأ يدرس في طرف من أطراف العالم الإسلامي. لكن المسلمين كانوا له بالمرصاد، فكانت هناك قصة عجيبة طويلة لا أذكرها لكم إلا بشكل موجز: فقد كان يدرس أتباعه في نفي الصفات والأسماء وغير ذلك، فوقف أعرابي يستمع إليه، ثم عندما انتهى هذا من درسه قام الأعرابي وارتجز قصيدة سهلة: ألا إن جهماً كافراً بان كفره ومن قال قول جهم يوماً فقد كفر لقد جن جهم إذ يسمي إلهه سميعاً بلا سمع بصيراً بلا بصر إلى آخر الأبيات الطويلة، وقد ذكرها الألوسي في (جلاء العينين)، فترتب على ذلك أن سلم بن الأحوز حاكم الأمويين آنذاك قبض عليه فقتله، لكن هل انتهى مذهب الجهمية الذي أسسه الجهم بن صفوان؟ لا لم ينته. إذاً: فمنهج الجهمية ينسب إلى اليهود، لكن جاءت المعتزلة بعد ذلك وأخذت مذهب الجهمية فرممته من هنا وهناك وأخرجته للناس، واستجابت السلطة لمنهج المعتزلة وفرضته فرضاً على الناس، واستجاب الناس له بقوة السلاح والحديد والنار، إلا ذلك العالم العظيم أحمد بن حنبل الذي وقف وقفة عجيبة قوية في وجه هؤلاء. ولذلك يقول العلماء: إن الناس ثلاثة: أبو بكر في وقفته في حروب الردة، وعمر في وقفته في وجوه بني أمية، وأحمد بن حنبل في وقفته تجاه المعتزلة. فقد وقف لهم وحيداً وتحداهم ونصره الله عليهم، ثم قامت فئة أخرى وأخرجوا لنا مذهب الأشاعرة. إذاً: منهج الأشاعرة يرجع إلى المعتزلة، والمعتزلة يرجع إلى الجهمية، والجهمية يرجع إلى اليهود، وهذه نقطة مهمة لا بد أن نعيها جميعاً، فهذه المظلة التي كانت خاصة بالمنهج الكلامي، وقد كان لها قوة عجيبة في مسألة حرب المظلة الأساسية: وهي مظلة العقيدة الصافية، وقد يقول قائل: كيف الحرب؟ أقول: تذكروا واعرفوا ماذا فعلت المعتزلة من أفاعيل عجيبة في ضرب التوحيد وأهل السنة؟ ماذا فعل الأشاعرة عندما نشروا المذهب الأشعري في كل مكان وحاصروا أهل السنة؟

стр. 495

صور من إبراز اليهود للمناهج الباطلة ودعمها إياها لتقويض أركان الأمة المحمدية لكن اليهود وجدوا أن هذه المظلة قد تجد قبولاً من أناس، لكنها ربما لا تجد قبولاً من أناس آخرين، ففكروا في إنشاء مظلة أخرى تستهوي أناساً آخرين، فجاءوا لرجل منهم يمتاز بالذكاء والحصافة والقدرة والقوة، وهو عبد الله بن سبأ الصنعاني اليهودي من اليمن، دخل المدينة فأعلن الإسلام وبدأ يعكف على العبادة، ويعكف على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لكي يراه الجميع. فصار يدخل الأسواق ويأمر وينهى، فأحبه كل الصحابة، وعندما زرع الثقة القوية في قلوبهم قال: إنني مسافر لأنشر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع أرجاء العالم الإسلامي، فذهب إلى البصرة والكوفة والشام ومصر، لكنه كان يدعو ظاهراً وينظر إلى أناس من اليهود أو المجوس أو المنافقين فيحتك بهم، فكون خلايا ترعرعت ونمت شيئاً فشيئاً إلى أن كبرت. وفي عهد عثمان نشأت هذه التجمعات الصغيرة، وبدأ يثير هؤلاء في أواخر خلافة عثمان على عثمان، فبدأت هذه التجمعات تدعو في الظاهر إلى نقد منهج عثمان في الحكم فقط، هذا هو الأمر الأساسي. وفعلاً هذا هو الذي بدر منهم، لكن اندس بينهم الذين ينهجون المنهج العقائدي الذي تبناه ابن سبأ، فتجمعوا وكبروا، وكانت النتيجة مقتل عثمان وظهور الفتنة، بعد ذلك نشر عبد الله بن سبأ في أتباعه الخلص عقائده التي يريد، من الرجعة والعصمة والتقية والبداء وغير ذلك من العقائد التي أخذ بها الشيعة الرافضة إلى زماننا هذا. فنشأ هذا المنهج وترعرع شيئاً فشيئاً، وصار شوكة عجيبة في جسد الأمة الإسلامية، بل وكان له قدرة وقوة في كثير من الأزمنة على ضرب الأمة وإجهاض كثير من مقدراتها، ومن أمثلة ذلك: الدولة العبيدية التي استمرت قريباً من ٢٧٠ سنة، وهي تضرب في الأمة الإسلامية التي تسمى ظلماً وعدواناً: الدولة الفاطمية، فقد قضت على العلماء وعلى الإسلام والمسلمين داخل مصر، بل إن آثار هذه الدولة موجودة إلى الآن في مصر، ومن مظاهر ذلك: الكتب التي أنشأها الفاطميون لتشغل الناس عن ذكر الله تعالى، مثل كتاب: تغريبة بني هلال، أو كتاب حمزة البهلوان، أو كتاب سيف بن ذي يزن في أربعة مجلدات، وهي كتب قوية وفيها تشويق وباللغة الشعبية العامية وأشعار وغير ذلك. ومن آثارها كذلك مثلاً: ما يسمى بعيد شم النسيم، وهو عيد النيروز (العيد المجوسي المعروف) وهو موجود في مصر، والدولة العبيدية نجحت نجاحاً باهراً في سبيل تقويض كثير من مقدرات الأمة، بل كان لها قدم قوية في استجلاب الصليبيين لضرب الأمة الإسلامية، واستنجاد هؤلاء بالصليبيين لا يخفى على أحد. ومن النكت اللطيفة في هذا الجانب: أن العبيديين أو الدولة الفاطمية عندما وقفت وقفة عجيبة ضد المسلمين تنبه المسلمون وبدأت تظهر صحوة في القاهرة، هذه الصحوة التي بدأت تظهر وجدت مجابهة رهيبة من قبل هؤلاء، وكانت هذه الصحوة في وقت الحاكم بأمر الله الفاطمي المعروف، فكان يأمر عبيده الذين يبلغون الآلاف بأن يهاجموا هؤلاء الذين التزموا الحق، فصاروا يهاجمونهم في المساجد ويقتلونهم، فقامت معركة بين أهل القاهرة وبين هؤلاء العبيد، فكان الخليفة الفاطمي يخرج ويرى المعركة في النهار فيبكي، وفي الليل يأمرهم بالضرب فيهم والجلد معهم، بل إنه يعتق الشجعان منهم، ولعل هذا المنهج هو منهج الشيعة الآن. تجد مثلاً: نبيه بري أو (منظمة أمل) أو (حزب الله) أو (إيران) تتباكى على فلسطين وعلى القدس وعلى الفلسطينيين، ومع ذلك لم يضرب الفلسطينيين مثل هؤلاء، ولم يقض على الفلسطينيين مثل هؤلاء، فقد قتلوهم في تل الزعتر، وفي مذبحة صبرة وشاتيلا، وهم الذين ساندوا اليهود في مخيم نهر البارد، ثم يدعون أنهم ينصرون الفلسطينيين والقضية الفلسطينية. فهم يستخدمون منهج الحاكم بأمر الله حرفاً بحرف وسهماً بسهم. ومن الأمثلة كذلك: الدولة البويهية التي ظهرت إبان الخلافة العباسية، وكان لها دور قوي جداً في نصرة المذهب الشيعي، بل وصل الأمر بهم إلى منع أهل السنة من الدروس واللقاءات، وكانت الأوضاع آنذاك مأساوية كما ذكر ذلك ابن كثير رحمه الله تعالى. وأما الشيعة فدروسهم عامرة، ومساجدهم ظاهرة، والفرح والسرور بادٍ على وجوههم؛ لأن الوزارة بأيديهم؛ وزارة الدولة البويهية. وكذلك القرامطة، فقد فعلوا الأعاجيب عندما سيطروا على نجد والحجاز وجنوب العراق وجنوب سوريا، فقد سيطروا عليها سيطرة تامة، فقد كانوا يقتلون الحجاج، ويرمونهم في بئر زمزم، في حقد عجيب على الأمة المسلمة، مثلاً: الدولة الصليحية في اليمن، فعلت الأعاجيب، وكذلك علي بن الفضل كان من زعماء الصليحيين في اليمن، وهو الذي نشر المذهب الباطني، وهم الآن موجودون في نجران وفي اليمن، وهذا بفعل جهود علي بن الفضل. ولعلي أذكر لكم طرفة: علي بن الفضل هذا كان يحمي نفسه بحراسة شديدة جداً ففكر أحد الصلحاء في قتله، لكن كيف يقتله مع هذه الحراسة؟ فادعى أنه طبيب، فتعلم الطب فصار يطبب الناس، وفعلاً ظهرت آثاره، فاحتاج علي بن الفضل هذا إلى أن يحتجم فقال: جاءتني فرصة؛ لأنهم طلبوه ليحجم علي بن الفضل، لكنه عرف أن هؤلاء إذا جاءهم الشخص غيروا ثيابه وأخذوا الأدوات كلها، وغسلوها بالماء الحار، فلا يستطاع على قتله بأي شيء، فوضع سماً أسود في لحيته، ووضع عليه نوعاً من العود فصارت لحيته لحية إنسان متطيب، ثم ذهب إليه. وعندما أخذ المحجم ليضعه مرره بسرعة عفوية دون أن يشعر به أحد على لحيته، فالتصق السم بها ثم وضعه على رقبته فمات بعد دقائق معدودة لقوة السم، فلما علموا به أخذوه وقتلوه. ومن ضمن النماذج كذلك: الدولة الصفوية في إيران، وإيران كانت دولة سنية إلى عام (١١٥٠هـ) ثم ظهرت الدولة الصفوية وكان من أبرز زعمائها: إسماعيل الصفوي، وهذا الرجل تذكر كتب التاريخ التي تحدثت عن هذه الدولة -ومن أبرزها كتاب العصامي (سمط النجوم العوالي) - تقول: إنه في يوم واحد قتل مائة ألف سني في مدينة واحدة في مجزرة لا يتخيلها عقل، وذلك لأنهم تحدوه ورفضوا أن ينضموا إلى التشيع، ثم نقل المنطقة كلها من التسنن إلى التشيع. ومن النماذج الأخرى: ما فعله مؤيد الدين بن العلقمي، ونصير الدين الطوسي في مسألة القضاء على الخلافة العباسية؛ فقد أرسل ابن العلقمي خطاباً إلى هولاكو يحثه على دخول بغداد لكي تسقط الخلافة السنية، فيقيم خلافة شيعية بدلاً عنها. فأرسل له هولاكو يعتذر عن دخول بغداد؛ لوجود مائة ألف جندي مدربين وأقوياء، فتعهد له ابن العلقمي بصرفهم جميعاً، ولم يبق في بغداد آنذاك إلا مائة ألف جندي كلهم ضعفاء، فقدم هولاكو وحاصر بغداد حصاراً يسيراً فسقطت، وفعل بها الأفاعيل، وكان الشيعة يقودون الجند المغول ويقولون: هذا بيت فلان! وهذا بيت العالم فلان! وهذا بيت المؤرخ فلان! فيدخلونها ويقتلونهم واحداً تلو الآخر، فقضي على أعداد كبيرة، ولم يبق عالم ولا طالب علم من السنة إلا قضي عليه من قبل هؤلاء الشيعة. إذاً: فقد نجحت هذه المظلة في أن تقضي على كثير من مقدرات المظلة الأساسية الأم، ولكن الله تعهد بحفظ هذه المظلة، ولم يوكل حفظها لنا نحن، بل قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فإذا حفظ الله القرآن حفظ بحفظ القرآن أهل القرآن، فكانت المسألة مسألة شد وجذب، فينخفضون ويقلون لكنهم باقون: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم إلى أن يأتي الله بأمره)، والنماذج الحالية الآن في هذا الزمان: إيران وسوريا وما يحصل في الأحساء، وما يحصل في الكويت الآن، فهم يبرزون الشيعة قليلاً قليلاً، ويظهرونهم ظهوراً قوياً، وهؤلاء يخططون ليس على مدار سنة أو سنتين، بل على مدار سنين طويلة، فإذا ظهروا فسيضربون ضربتهم، فوالله إن كتبهم لتفوح بالحقد المرير علينا، الآن في المنطقة الشرقية: يتناسلون تناسلاً عجيباً ويقولون لأتباعهم ولأفرادهم: إن من يتزوج زوجة ثانية فله كذا وكذا من المال، ومن أنجب أطفالاً فوق العدد الفلاني فله مصروف مغر وهكذا.

стр. 496

نقل النجاح من مكان إلى مكان آخر أما المظلة الثالثة: فهي نقل النجاح من مكان إلى آخر، ولعلكم تعرفون أن الحكومة الرومانية حاولت بعد رفع عيسى ﵇ إلى السماء، وبعد أن رأى اليهود هؤلاء النصارى يتغلبون عليهم واحداً تلو الآخر، ومعركة تلو الأخرى، فحاول اليهود إفساد الديانة النصرانية، فجاء شاءول اليهودي ودخل في دين النصرانية محاولاً إفساد ديانتهم، وسمى نفسه: بولس، فبدأ يتلقى عقائد الرومان، ويدخلها بسهولة وبيسر في عقائد النصارى ويستجيبون له، فأدخل التثليث والصلب والفداء وقضايا كثيرة، إلى أن جعل عقيدة النصارى متفرقة شيعاً وأحزاباً، فقام اليهود بالقضاء عليهم واحداً تلو الآخر. ثم تجاوز اليهود حدهم فناوشوا الرومان، فعندما رأى الرومان هؤلاء اليهود قد كبروا أكثر من اللازم شردوهم وقضوا عليهم وطردوهم، فتشردوا في بلاد الله الواسعة، وذهبوا إلى أوروبا وتشردوا فيها، والأوروبيون آنذاك يعرفون أن الذي قتل عيسى ابن مريم هم اليهود، إذاً: لا بد من محاصرتهم والقضاء عليهم ومضايقتهم، وفعلاً ضايقوهم مضايقة عجيبة، وجعلوهم ينحصرون فيما يسمى: بالغيتو أو الفيتو، وهو: عبارة عن تجمعات صغيرة مجاورة للمدن، حتى إنه وضع عليها أسلاك شائكة لا يدخل اليهودي ولا يخرج إلا باستئذان، فبدأ اليهود يفكرون في القضاء على الكنيسة المسيطرة آنذاك على أوروبا، فبدءوا باستخدام المال والنساء في إغواء الطبقة القوية، والطبقات آنذاك كانت طبقتين: طبقة الإقطاعيين، وطبقة العمال، فبدءوا بالاحتكاك بالنبلاء على أن يعطوهم الاحترام والتقدير في بداية الأمر، ثم بدءوا بالتركيز على فرنسا؛ حتى لا يتشتتوا، فبدأ النبلاء الفرنسيون يثقون باليهود، فصار اليهود يتحكمون بهم، ثم بعد ذلك أشاروا على النبلاء هؤلاء بالخروج على الكنيسة فوافقوهم، وحصلت الثورة الفرنسية في القرن السابع عشر بقيادة اليهود. وعندما نجحت الثورة قام اليهود لهؤلاء العمال فأعطوهم الأموال الطائلة، والأراضي والمزارع، فلما رأت ذلك البلدان الكنسية طمعوا في الوصول إلى مستوى فرنسا المعيشي فحصلت بعد ذلك الثورات وتتابعت، وكل يدرى أن السبب الرئيسي في الجوع والفقر هو الكنيسة، فأسقطت الكنيسة وحوصرت في منطقتها، واستطاع اليهود بنجاح فصل الناس عن دينهم، ثم أخذوا ببث أبواقهم التي تدعو إلى عقائد منحرفة من نسيج خيال اليهود، فظهر أمثال: فرويد داروين، ودور كليم، وأسبينوزا، وسارتر، وماركس، وأنجلز، وهيقل، فبدءوا ينشرون أفكارهم وعقائدهم حتى صارت أوروبا أحزاباً وشيعاً يتحكم بها اليهود كيفما شاءوا. فاليهود الآن يتحكمون في أوروبا وفي أمريكا، وأمريكا تعتبر امتداداً لأوروبا، فعندما رأى اليهود النجاح الذي حققوه في أوروبا طمعوا في نقل هذا النجاح إلى العالم الإسلامي، فلجئوا إلى المظلة الرابعة. والمظلة الرابعة تختص بالأفكار والمذاهب المعاصرة، كالعلمانية، والحداثة، والاشتراكية، والماركسية، والقومية، وقد وجدت هذه الأفكار من يتلقفها واحداً تلو الآخر، ثم نقلوها إلى العالم الإسلامي، ثم ظهرت الطريقة العسكرية عن طريق الاستعمار الحديث الذي فرضه الأعداء على دول كثيرة: كالجزائر وتونس والمغرب والعراق ولبنان وغيرها، وهناك طريقة أخرى غير مباشرة: إما عن طريق بعثات التعليم التي ذهبت وتلقت العلم ثم رجعت تنفذ الأهداف، وإما عن طريق النصارى العرب الموجودين داخل المجتمع المسلم.

стр. 497

الإفساد الشبابي من خلال الإعلام المقروء والمسموع والمشاهد أما الصورة الخامسة: فتختص بالإعلام والإفساد الشبابي، فقد وجدوا أن كثيراً من الشباب والفتيات غير مستعدين أن يستخدموا عقولهم، فبدءوا يبثون فيهم قضية الرياضة والفن والتمثيل وما إلى ذلك. ولذلك يقولون في البروتوكول الرابع عشر لهم: علينا أن نشغل الشعوب بالفن والرياضة؛ حتى يسهل علينا تمرير مخططاتنا عليهم. وفعلاً الآن ترى كأس العالم للشباب، كأس العالم للناشئين، وكأس آسيا، وكأس أفريقيا، وكأس الخليج، وكأس العرب، وكأس الملك، وكأس ولي العهد، وهكذا كئوس مستمرة واحداً تلو الآخر، فما ينتهي هذا إلا ويأتي هذا، والشاب مسكين إذا انتهى من مشاهدة المباراة انتقل للجريدة، ويبدأ يقرأ المعركة وكأنهم يصفون معركة بدر! فينشغل بها الشاب طول وقته. وفعلاً: نجحوا بهذه الكيفية فشغلوا عدداً كبيراً من الشباب، ولعلي أضرب لكم مثالاً على هذا: روبرت ماكسوي هذا اليهودي الذي يملك عدداً كبيراً من الصحف في أمريكا وبريطانيا وإسرائيل، وله صحيفة: معاريف الإسرائيلية، الصحافة المسلمة التي في بلاد التوحيد عندما مات أقامت الدنيا وأقعدتها، وتحدثت عنه وعن جميع ما يتعلق به، وهو يهودي ماكر كان همه الأول هدم الإسلام والمسلمين، وقد كان أيضاً من هؤلاء الذين ركزوا على الجانب الإعلامي، وعندما تحدثت الصحافة عن جبهة الإنقاذ، وعن عباس المدني مثلاً، وعن حسن الترابي، وعن الغنوشي -على ما عندهم من أخطاء- إلا أن التركيز لم يكن على أخطائهم الخاصة؛ لأنهم مسلمون، وبدأت الصحف تنقل ما قالته صحيفة واشنطن بوست أو التايم، وتنشره كما هو تقليد الإعلام في أيديهم، وهذه كلها بأيدي اليهود. إذاً: فهذه سيطرة إعلامية رهيبة جعلتنا نرضخ ونسير في اتجاهها، والآن البث المباشر الذي بدأ يبرز ويظهر وسيكون له أثر أكبر وأكبر فيما بعد.

стр. 498

تدريب اليهود للقادة والحكام المسلمين بأساليب مباشرة أو غير مباشرة أما الصورة السادسة: فتختص بالسلطات والحكام والرؤساء الذين تربوا عندهم، سواء عن طريق التربي في المناهج أو في المحافل الماسونية المعروفة، فيؤخذ عليه ما يؤخذ، وبالتالي إما أن ينفذ هذا الحاكم أو يفضحونه أو ينقلبون عليه أو يقطعون عنه الدعم، فيقوم هذا الرئيس المسكين وهذا الزعيم الذليل بالضغط على الشعوب أو تنفيذ طلبات رؤسائه، فلا يجد الناس وقتاً كافياً للدعوة إلى الله تعالى؛ لأنهم مشغولون أكثر الوقت في البحث عن لقمة العيش، فنجحوا فترة من الزمن. ولذلك ترون الآن أن الدول الإسلامية كلها تعيش في الفقر مع غناها العجيب، مثاله: ما يحصل وترون في المغرب، والجزائر، وتونس، ومصر، والسودان، وسوريا، ولبنان، والأردن، والعراق، واذهبوا إلى الجهة الشرقية فكلها فقيرة، ولم يبق إلا دول الخليج، ودول الخليج الآن جاءها الدور، فالفقر يبرز في غلاء الأسعار، وانخفاض معدل الرواتب وما إلى ذلك.

стр. 499

السيطرة والتطبيع أما الصورة التي تليها فهي: قضية السيطرة والتطبيع، فقد وجدوا الآن أن العالم الإسلامي صار في أيديهم؛ لأن الزعامات في أيديهم، فسيطروا على مناهج التعليم، وبدءوا يقولون للناس: اليهود هؤلاء أحبابكم وأصدقاؤكم وأبناء عمومتكم، فلماذا تبتعدون عنهم؟ إذاً: احذفوا شيئاً اسمه: المقاطعة أو العدو الصهيوني أو الإسرائيلي، وهم يأملون في أن يجدوا اليهودي عالماً أو سائحاً أو غيره يجوب العالم الإسلامي وكأن هذه البلدان أصبحت بلداً له، ولعلكم قد سمعتم شريط (التطبيع) للشيخ سلمان العودة ففيه خير عظيم تجاه هذه القضية.

стр. 500

كيف نواجه الأعداء أما النقطة الأخرى -وهي النقطة قبل الأخيرة- فهي: أسلوب المواجهه، إذاً فهؤلاء الأعداء ضغطوا علينا لأن المظلة الأساسية وهي مظلة العقيدة لا يريدونها، ويريدون القضاء عليها، فهذه المظلة مظلتنا لا نريد لها أن تتناقص بفعل نمو هذه المظلات الكبيرة القوية، بل لا بد أن نتوسع ونكبر هذه المظلة؛ لتسيطر على هذه المظلات، بل ولتقضي عليها، فما هو الأسلوب الذي نستخدمه؟ هناك أسلوبان: أسلوب المواجهة، وأسلوب الهجوم. فالتلفزيون والغزو الفضائي الذي يستهوي الشباب عبارة عن هجوم، والنصيحة لهؤلاء الشباب وترشيدهم وبيان خطر هذا الغزو عليهم بالتي هي أحسن عبارة عن دفع لهذا الهجوم، والأمثلة على ذلك كثيرة. ولابد أن يعلم الداعية أن لدى كل إنسان غريزة تقبل الوعظ والإرشاد إذا كان بأسلوب حسن وطريقة طيبة، فقد فطره الله على ذلك وجبله، يقول سبحانه في الحديث القدسي: (خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين)، ويقول الرسول ﷺ : (كل ابن آدم يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه). إذاً فهناك شياطين حرفتهم، فأنت تحاول أن تعدل المسار بهذه الكيفية وبهذه الطريقة.

стр. 501

لأغلبن أنا ورسلي وفي خاتمة هذا الموضوع: لا بد أن تعي -أيها الأخ المؤمن- أن العزة والنصر لهذا الدين، قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١]، ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ﴾ [الحج:٤٠]. فالنصر لنا بإذن الله ، لكن النصر يحتاج إلى صبر ومجاهدة، والرسول ﷺ في إمكانه أن يرفع يديه إلى السماء ويدعو بالنصر مرة واحدة فيقضي الله على المشركين أجمعين، لكنه مكث ثلاثاً وعشرين سنة وهو يصبر ويصابر ويدعو شيئاً فشيئاً إلى أن تكونت الإمبراطورية الإسلامية العظمى التي يسعى اليهود والشيعة إلى تقويض بنيانها، ولعلكم تعرفون أن هناك نشرة يصدرها الشيعة يكتبون فيها: الإمبراطورية الإسلامية الشيعية العظمى، التي تشمل إيران وأجزاء من أفغانستان والعراق وسوريا ولبنان والأردن والخليج العربي بأجمعه والمدينة المنورة كاملة، كل هذه داخلة في الإمبراطورية الإسلامية الشيعية العظمى التي يخططون لنشأتها. والواجب علينا أن نعي خطط الأعداء ونعرفها، فإذا وعيناها أخذنا الحيطة والحذر، ولعل الله يجعل ما قلت نافعاً لكم ولي قبل ذلك، في تثبيت ما قلت من علم أو من معلومات، والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 502

الأسئلة

стр. 503

حقيقة وقوف إيران بجانب الجزائر في الانتخابات النيابية السؤال إيران من أقوى الدول التي وقفت ظاهرياً مع انتخابات الجزائر، حيث وصل بها الأمر إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الجزائر بسبب قمع الإسلاميين، فهل هذا وقوف ظاهري؟ الجواب نعم، طبعاً لا بد أن تعلموا مبدأ التقية عند هؤلاء، وهو من المبادئ التي يتعبدون الله بها، فمثلاً: الخميني يدعو إلى قتل سلمان رشدي وأنه سيدفع مليون دولار لمن يقتل هذا الرجل؛ لأنه ألف كتاب: (آيات شيطانية) ولم يرد بذلك وجه الله ، بل أراد الدعاية والشهرة والانتشار لهذا المذهب، وإلا فكتب الشيعة الموجودة المطبوعة الآن تفوق كتاب (آيات شيطانية) خسة ونذالة وعهراً وكذباً ونفاقاً تجاه أصحاب رسول الله ﷺ . فهم يأخذون هذا المبدأ لمجابهة هؤلاء الأعداء؛ ولتوضيح أنهم مع الحق باستمرار، فيصدقهم السذج ويسيرون في ركابهم، وبالتالي يتشيعون أو ينهجون منهج التشيع، ولذلك يستخدمون مناهج الكذب باستمرار، فالكذب على أهل السنة يعد فضيلة بالنسبة لهم.

стр. 504

عدم صحة نسبة الاستعاذة إلى الله كلاماً له السؤال نود معرفة معنى قولك: إنه غير صحيح أن تقول: يقول الله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؟ الجواب المقصود أنك عندما تقول: قال الله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ﴾ [العصر:١ - ٢]، الله ما قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر:١]، يعني: أنه لم يرد في القرآن الكريم أن الله قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بهذه الصيغة أو بهذا النص. لكن الإنسان يقول ذلك من باب حسن النية، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨].

стр. 505

واجبنا تجاه أصحاب العقائد الفاسدة والمنحرفة السؤال ما هو واجبنا من أصحاب العقائد الفاسدة كالأشاعرة والجهمية وغيرهم؟ الجواب الموقف من أصحاب هذه العقائد كأشاعرة أو معتزلة أو جهمية أو رافضة أو غير ذلك، أن المؤمن مطالب بالتزام العقيدة الصحيحة خصوصاً في هذا الزمان؛ لأن الصراع بين جميع الناس بلا استثناء صراع في مجال العقيدة، فصراعنا مع الرافضة في العقيدة، وصراع المعتزلة مع أهل السنة في العقيدة، وصراع الأشاعرة مع أهل السنة في العقيدة، وصراع اليهود مع المسلمين أو اليهود مع النصارى أو الملاحدة مع كذا أو كذا صراع في العقيدة، بل إن صراع الملاحدة مع بعضهم البعض صراع في العقيدة. عندما اختلفت الصين مع روسيا قبل انهيارها كان هذا الاختلاف بسبب العقيدة؛ لأن هؤلاء يطبقون مناهج لينين، وهؤلاء يطبقون مناهج استالين؛ لأن استالين حرف بعضاً من أقوال لينين فصار هناك خلاف عقائدي بينهما. إذاً: أولاً: الاهتمام بالعقيدة التي تحرك الناس، ولا يمكن أن يوجد إنسان على وجه هذه البسيطة ليس في قلبه عقيدة، فكل الناس في قلوبهم عقائد، لكن هذا مسلم وهذا بوذي وهذا هندوسي وهذا نصراني وهذا ملحد يعبد هواه وهذا ماركسي إلى آخره، لذلك أقول: موقفنا جميعاً من هؤلاء يختلف بحسب هذا المنهج. ثانياً: أن تبدأ في نقاشهم إذا كنت ممن يستطيع، وإلا فرد ذلك إلى أهل العلم.

стр. 506

نصيحة لطلاب العلم السؤال ما هي نصيحتكم لطالب العلم؟ الجواب النصيحة الأولى لطالب العلم: أن تضع نصب عينيك قول الرسول ﷺ : (من طلب علماً مما يبتغى به وجه الله لا يريد بذلك إلا عرض الدنيا لم يرح ريح الجنة). إذاً: لا بد أن يكون طلبك للعلم خالصاً لوجه الله تعالى، وألا تشوب ذلك شائبة من عجب أو رياء أو تطلع إلى منصب أو جاه. الثانية: العكوف المستمر على طلب العلم؛ لأنك إذا أعطيته كلك أعطاك بعضه. النصيحة الثالثة: أن العلم صيد والكتابة قيد، فيجب عليك أن تقيد وتراجع وتستمر على هذه المراجعة دائماً، وقد كان الشيخ ابن باز يقرأ عليه من بعض الكتب وهو يحفظها عن بكرة أبيها لتثبت المعلومة، فلعله قد نسيها أو فاتت منه.

стр. 507

عطاؤنا لمن ؟ الإنفاق في وجوه البر له أبواب كثيرة ومتنوعة، فينبغي للمسلم أن يتخير الباب النافع في الإنفاق، بحيث يكون إيجابياً لا سلبياً، والإنفاق له فضل كبير وعظيم قد بينه الشارع، وهذا الفضل العظيم يكون عائداً على المنفق في دنياه وأخراه.

стр. 508

وقفات حول الإنفاق والعطاء والبذل في وجوه الخير الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيد الأولين، نبينا محمد الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: أحبتي الكرام! أهلاً بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، وفي هذا المكان المبارك، وأسأل الله أن ينفعنا بما نسمع وبما نقول، وأن يجعل ذلك حجة لنا، لا حجة علينا. أيها الأحبة الكرام! أيها الإخوة الأفاضل، عندما قرأت العنوان الذي تعهدت بالحديث عنه قلت في نفسي: يا ترى هل أتحدث عن عطائنا المادي أم المعنوي؟! عن عطائنا الروحي أم الجسدي؟! عن عطائنا الذاتي أو الاجتماعي؟! عن عطائنا الإلزامي أم العطاء التطوعي؟! هل أتحدث عن عطائنا التربوي أم العطاء الدعوي؟! هل أتحدث عن العطاء الجهادي؟! هل أتحدث عن عطاء القلم عن عطاء الفكر؟! عن ماذا يا ترى؟! كما تلحظون هي عناوين كثيرة، وفقرات عديدة كل منها يحتاج إلى وقفات تليها وقفات، بل إلى دروس ومحاضرات، بل يا ترى هل نتدارس هذا العطاء الذي نقدمه والذي نعطيه، والذي ندفع بموجبه من مالنا، ومن جهدنا، ومن وقتنا، ومن إمكاناتنا وقدراتنا؟ هل نتدارس هذه العطاءات المتنوعة ذات العناوين المتعددة، هل نتدارسها سلباً وإيجاباً، أم تشاؤماً وتفاؤلاً، أم إفراطاً وتفريطاً، وقوة وضعفاً؟ أيها الأحبة! حيث إن فعاليات المعرض تدور حول سنابل العطاء، لذلك سوف ينحصر كلامي حول الإنفاق والعطاء والبذل؛ لتستمر هذه السنابل مورقة مزدهرة عالية، تمد الآخرين بالعطاء بكل جمال، وتنشر النعمة في كل مكان، وأنتم تعرفون أحبتي الكرام أن المال هو صلب النفقة وأسها وأساسها، بل ورأسها وقاعدتها، وقد قدمه الله في مواضع كثيرة من كتابه على بذل الروح؛ لأهميته، ولرغبة الناس فيه، بل ولتمسكهم به ادخاراً وحفظاً، بل بعداً وشحاً. والمال أيها الأحبة الكرام نعمة من النعم العظيمة التي يهبها الله من يشاء من عباده، ويمنعها عمن يشاء من عباده ابتلاءً وامتحاناً؛ ليرى من يشكر هذه النعمة، ومن يصبر على هذا البلاء، فمن رزقه الله مالاً واتقى الله فيه وصرفه فيما يرضيه، بارك الله له فيه، ورزقه من حيث لا يحتسب، وحفظه عليه ونماه له. وأنتم تعرفون أحبتي الأفاضل أن قضية النفقة والإنفاق والإعطاء والبذل من القضايا التي وجد كثير منا أن هناك شحاً في هذا الزمان في بذلها، والمساهمة فيها، ولعل الأمر مبني على أسباب كثيرة ومتعددة، لعل هناك وقفات سأبينها في ثنايا هذا اللقاء المبارك. أحبتي الكرام! سوف يشتمل هذا اللقاء على جملة وقفات، من هذه الوقفات أريد أن أشير إلى قضية الصور المشرقة المضيئة لبعض العطاءات التي حقيقة عندما تسمع لها وعندما تقرأ عنها ولا أظنها مكتوبة -ستعطيك دفعات إلى الأمام، وتعطيك قوة للمساهمة والمشاركة والبذل والتضحية، حتى تكون مثل ذاك الشخص الذي بذل، وفي نفس الوقت ستكون هناك وقفات مصورة أو صور مسموعة لبعض السلبيات المتعلقة بالعطاء، فأحياناً يعطي الإنسان ويقدم ويضحي، ولكنه لا يحرص على وضع الأمور في نصابها، فتكون النتيجة ردة فعل عكسية لا تؤتي الثمار المرجوة، وأستفتح بصورة من صور العطاء الإيجابية وصورة من الصور السلبية، ثم بعد ذلك أدخل في بعض فقرات المحاضرة، ثم أختمها بصور أخرى سلباً وإيجاباً، حتى تتحدد لنا صورة عطائنا إلى أين؟! إذاً: نحن نفقه الآن أن العطاء سيتركز على العطاء المادي، فلن يكون هناك حديث عن العطاء التربوي، ولا عن العطاء الروحي، ولا عن العطاء الفكري، ولا حتى عن العطاء الاجتماعي أو غيره، باعتبار أن كل موضوع من هذه المواضيع يحتاج إلى محاضرات وجلسات ودروس متعددة. أيها الأحبة! أثناء الغزو الصربي للبوسنة والهرسك كان الإخوة الذين يساهمون بالبذل يقومون بالسفر إلى تلك البلاد، ويستقبلون التبرعات التي تقدم من هذا البلد ومن أبناء هذا البلد، تبرعات عينية، سيارات مليئة بالنعم المتعددة، وهذه النعم هي احتياجات الناس من أكل وشرب، فكانوا يقدمون هذه الأطعمة لهؤلاء المساكين الذين هجمت عليهم الصرب هجمة شرسة بقصد استئصالهم، ولكن كما قال سبحانه: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩] وقال : ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] فهذا الغزو على أنه شر كما يتبادر إلى الأذهان؛ إلا أن فيه من الخير العظيم ما لا يدركه الكثير من الناس، فإن تلكم البلاد كانت بلاداً ضائعة بمعنى الكلمة، فالإسلام مجرد اسم، أما الفعل فلا وجود له، عندما حصل الغزو وجاء الناس يناصرون من ينتسبون إلى دينهم، وإذا بهم يجدون الجهل والضياع والانحراف، فبدأت مسيرة التغيير والتجديد، وكانت النتيجة أن المساجد الخاوية والتي لا يرتادها إلا كبار السن، بدأت تعج بالمصلين الشباب، وهؤلاء النساء السافرات اللاتي لا يعرفن من الدين إلا إسمه بدأن يرتدين الحجاب الكامل، وبدأت المدارس تنتشر، وبدأ الخير يعم، وبذلك يقول أحدهم: والله إننا نرى أن هذا الغزو خير من الله لنا، قدمنا الآلاف، ولكننا كسبنا الآلاف، ولا يقصد بالآلاف الآلاف المادية، ولكن إنما يقصد بذلك آلاف الحسنات.

стр. 509

من الصور السلبية للعطاء والبذل: عدم اليقظة عند توزيع المساعدات أيها الأحبة! أعطيكم صورة من الصور السلبية، ثم أنتقل إلى الصور الإيجابية، فأبدأ بالضعف ثم أنتهي بالقوة. كان الإخوة يساهمون في توزيع المساعدات، وكان هناك رجل يوزع أكياس الأرز الصغيرة، وآخر يوزع علب الحليب، وثالث يوزع الزيت، ورابع يوزع شيئاً من الشاي أو غير ذلك فكان البوسني يجمع هذه الأغراض علبة في يد وكيساً في يد وشيئاً فوق الرأس، ويتضايق من كثرة ما معه، ولا يستطيع أن يتركه؛ لأنه زاده وزاد أبنائه، فلا بد أن يصبر، وفي نفس اللحظة يجد رجلاً يعمل خيراً ويدعو إلى خير، ويتبنى مساعدة هذا المسكين الذي انشغل بهذا الحمل المتنوع، فيقول له: تعال خذ هذا الكرتون الفارغ، فيفرح هذا الرجل، وإذا به يأخذ الكرتون ويعينه ذاك الرجل في وضع هذه المواد والأدوات والنعم والخيرات في هذا الكرتون، ثم يقوم بإغلاق الكرتون بقطعة من اللاصق، ثم يحمله على رأسه ويذهب به. عندما يضعه في بيته يتجمع الأولاد، بل ربما الأحباب، الزوجة والأبناء، البنات والأخوات، كلهم يتجمعون على هذا الخير الذي جاء، يا ترى من أين جاء؟! من الذي قدمه؟! من الذي أعطاه؟! وإذا بهم يجدون على الكرتون مكتوب هدية من جمهورية الإسلامية، هذه الجمهورية التي تتبنى الفكر المنحرف الذي يدعو إلى سب وشتم أفضل جيل بعد الأنبياء والمرسلين، هذا الفكر الذي يقول: إن القرآن محرف، وتتبناه هذه الدولة، وإذا بها تقول: هدية من حكومة جمهورية الإسلامية، ثم على جوانب الكرتون الأخرى: نسأل الله لكم العون والسداد والتوفيق والنجاح، وفي الجهة الأخرى دعوة إلى مواصلة الجهاد والحرب، دعوة إلى التحمل والصبر، كل ذلك بلغة بوسنية واضحة بينة، فالأبناء جميعاً والبنات لا يعرفون من يدعمهم إلا هذه الجهة، ولا يعرفون من يعطيهم إلا هذه الجهة، وقد غاب الأمر على الكثير ممن يقدِّم هذه المساعدات، إلى أن اكتشف الأمر في آخر المطاف، ولذلك عندما عملت مجموعة مقابلات إبان المعركة وإبان الغزو، كان كل منهم يثني على ذاك البلد، بالرغم أنه لم يقدم ولا حبة أرز واحدة، إنما كان يقدم كراتين فارغة، ولكن الخدعة انسرت، ولذلك تبقى قضية سلبية العطاء تحتاج إلى وقفة مراجعة، وسأشير إلى صور أخرى من هذه السلبية في حينه إن شاء الله.

стр. 510

من الصور الإيجابية للعطاء والبذل همة داعية وثمراتها أيها الأحبة! من الصور الإيجابية في هذا المقام: في أحد الأيام كان هناك رجل متميز، والشباب ليس مقيداً بسن؛ لأنك قد تجد الرجل الكبير الذي يحمل روح الشباب، ويحمل اندفاع الشباب وحيوية الشباب وعطاء الشباب، وتجد كثيراً من الشباب عندهم خمول وكسل وفتور وجلوس وعدم عطاء، وهذا أمر تلحظونه. فهذا الرجل المتميز ذهب ليحضر شهادتي الماجستير والدكتوراه في أمريكا، وبعد أن أنهى دراسة اللغة الإنجليزية إذا به يقرر أن يطبق ما درسه في سجن قريب من منزله، خاصة أنه إنسان متميز بالتزامه، فقال: أستفيد وأفيد، فأستفيد أسلوب عرض ونقاش وحوار ودعوة، وأفيد هؤلاء الذين يستمعون إلي، فذهب إلى مأمور السجن واستأذن منه، فقال: حتى أستشير مرجعي، فأخذ منه العناوين، ثم بعد فترة من الزمن إذا بمأمور السجن يتصل به، ويقول: لقد جاءت الموافقة بالسماح لك بإلقاء محاضرة عن الإسلام في هذا السجن. يقول: فذهبت وألقيت المحاضرة، وكنت قد قررت لها ساعة واحدة، وإذا بها تمتد ثلاث ساعات في نقاش وحوار وجدل وأخذ وعطاء، ثم عندما ودعتهم خارجاً من السجن، وإذا بثلاثة من الجنود يعلنون إسلامهم أمامي وعلى يدي، ووالله لقد أحرجت؛ لأني لا أعرف كيف أجعلهم ينطقون بالإسلام كما هو معلوم ومعروف، لكني طلبت منهم إعلان الشهادتين فقط، وهذا هو الأصل، ثم خرجت وأنا فرح مستبشر، وجلست في منزلي وأنا أعيش فرحة لا تعادلها فرحة؛ انطلاقاً من قول الرسول ﷺ : (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم). وبعد فترة من الزمن، إذا بمأمور السجن يتصل علي، ويقول لي: هل بالإمكان أن تتحفنا بمحاضرة أخرى؟ فقلت له: محاضرة أخرى؟! أردت أن أستفزه ألا تعلم أنني أخرج بني جلدتك في ذاك السجن من دينك النصرانية إلى دين الإسلام؟ فقال: هذا لا يهمني، الذي يهمني هو أن سجني قد أخذ درجة السجن المثالي على سجون الولايات المتحدة بأكملها في الشهر الماضي، ولو أخذت المركز مرة أخرى، فإن هناك ترقية سأنالها وأنا أسعى إليها، فقلت: نعم سآتيك، واتفقت أنا وهو على موعد وألقيت محاضرة في السجن، ثم فتح لي هذا الرجل النصراني باب العطاء، وسنابل العطاء، تفتحت هذه السنابل أزهاراً متفتحة رائعة ومورقة، ثم بدأت هذا السنابل تؤتي ثمارها. ثم يقول: كلما وجدت فرصة انطلقت إلى سجن وألقيت محاضرة أو درساً أو كلمة أو لقاء، وطوال فترة دراستي وأنا أفعل ذلك، فسأله من سأله: كم من شخص دخل في الإسلام على يديك؟ قال: والله لا أعلم عددهم؛ فهم كثر. انتهى هذا الإنسان من مشروعه العلمي وقرر العودة إلى بلده، لكن يا ترى هل تنقطع وتتوقف سنابل العطاء؟! إن هناك رجالاً الرجل الواحد منهم كأمة، والعكس صحيح وللأسف، فهناك أناس كثيرون، ولكنهم غثاء، يقول هذا الرجل: قررت في ذاتي قراراً: وهو لماذا لا أقوم بإنشاء مكتبة إسلامية في كل سجن من سجون أمريكا، وإن كان هذا المشروع مستحيلاً أو أكبر من المستحيل؟ لماذا لا أجرب؟ ما الذي يمنع؟! يقول: اتصلت بالبريد الإلكتروني بإدارة السجون، وطرحت عليهم الفكرة، فقالوا لي: اعرض علينا محتوى هذه المكتبة، فعرضتها بعد استشارة مع بعض الإخوة، وهذه المكتبة هي عبارة عن مصحف مترجم، ومجموعة من الكتيبات، ومجموعة من الأشرطة التي ليس فيها أي مهاجمة للدين النصراني حتى تلقى القبول، وعندما عرضتها عليهم درسوها، ثم أرسلوا لي بالموافقة، فدرست تكاليف كل مكتبة وإذا بها تصل إلى ألف ريال، وهي عبارة عن دالوب صغير ومسجل ومجموعة أشرطة، ومجموعة كتب وكتيبات، ثم طلبت من إدارة السجون إعطائي رقماً لأعداد سجون هذه الولايات، فإذا بهم يخبرونني أنها تتجاوز خمسة آلاف سجن، وهذا يدلك على مدى الإجرام في ذاك البلد الذي يعتبر بلد القمة عند الكثير والكثير. وللعلم أنهم لما ضاقت سجونهم بأهلها صاروا يستأجرون بواخر قد انتهت صلاحيتها، وهي في ساحل البحر، وقرروا تحويلها سجوناً. ثم يقول: بدأت التموين والتمويل، وبدأت آخذ من أهل الخير أموالاً لإقامة المكتبات في هذه السجون، وعندما عاد إلى هذه البلاد المباركة إذا به يعلن أنه قد تم تمويل ألف مكتبة لألف سجن. تخيل ألف سجن فيه ألف مكتبة، وهذا رجل واحد! إذاً: هذه صورة من العطاء تعطيك دفعات قوية للبذل، وتجعلك لا تحتقر نفسك، فكل منا لديه قدرات ولديه طاقات وإمكانات بإمكانه أن يستثمرها استثماراً بيناً واضحاً، فتؤتي كل سنبلة ثمارها، وتتفرع إلى مئات السنابل حتى تنشر الخير في كل مكان وزمان. أيها الأحبة! تعلمون وتعرفون من خلال الصورتين السابقتين السلبية والإيجابية أن محور العمل ومحور البذل ومحور التحرك هو المال. إذاً: المال هو -كما يقال- عصب الحياة، المال هو الأصل الذي حرك هذه الجوانب الدعوية، والحديث عن المال يحتاج منا أن نقف معه وقفة، فهذا المال أيها الأحبة! هو سماد هذه السنابل، هو ماء هذه السنابل، هو تربة هذه السنابل، هو شمس هذه السنابل، فلا يمكن لسنابل العطاء أن تنمو إلا بوجود المال، فإذا أخذ الإنسان المال وتملكه وجعله في حوزته، فلا يفيد إلا إذا خصص جزءاً من هذا المال واعتبره صدقة يتقرب بها إلى الله . أيها الأخ المبارك! لا بد أن تعلم أن الصدقة مهما قلّت فإن شأنها عظيم، وأثرها كبير، يقول الرسول ﷺ : (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة)، ونلاحظ في هذا الحديث أن النفقة الحسية قدمت على النفقة المعنوية، باعتبار أثرها وتأثيرها، ولو كانت قليلة ويسيرة، فلا تحقرن من المعروف شيئاً بأي صورة من الصور.

стр. 511

من الصور الإيجابية للعطاء والبذل همة أخرس في الدعوة إلى الله من الصور المشرقة: أن شاباً أصيب بعلة في حلقه فانقطع كلامه، فأصبح لا يستطيع الكلام بأي صورة من الصور، ثم نما وترعرع ونشأ وكبر، ولكنه مع ذلك بدأ يمارس الإيجابية في الدعوة في قصة جميلة ظريفة خلاصتها: أن هذا الشاب بعد أن تلقى العلم على أيدي مجموعة من المشايخ وطلبة العلم، وإذا به يحاول أن يقتطع جزءاً من مرتبه البسيط اليسير -حيث إنه يعمل طابع آلة- للإنفاق في وجوه الخير، فكان يشتري بمائة ريال في كل شهر مجموعة كتيبات وأشرطة، ثم يزور محلات التجارة في الأسواق المعروفة، فكان إذا رأى صاحب المحل وقد بدت عليه علامات مميزة في المنكر أو غيره أعطاه ما يناسبه، فسئل نطقاً: هل رأيت أثراً من آثارك؟ قال: نعم، في مرة من المرات دخلت محلاً من المحلات التجارية وفي أحد العمال من مصر، فرأيته يدخن ويشاهد التلفاز وفيه أغنية، وكنت أحمل بطاقة أنني لا أتكلم ولا أستطيع أن أتكلم، فأعطيته الشريط ثم خرجت، وبعد أشهر قمت بجولة ونسيت أنني دخلت ذلك المحل قبل ذلك، فدخلت وسلمت بالإشارة وكنت معلقاً البطاقة، وعندما رآني صاحب المحل إذا به يخرج من خلف طاولته ويأخذني بالأحضان ويقبل رأسي، فأشرت إليه أنني لا أعرفه، فقال: أنت لا تعرفني، ولكنني أنا الذي أعرفك، فأنت الذي جئت إلي قبل أشهر، وأعطيتني شريطاً لا يتجاوز سعره ثلاثة ريالات؛ وبسبب هذا الشريط وإذا بثمانية من أصحابي الذين يسكنون معي، والذين تميزوا وأنا منهم بأننا لا نعرف حقاً ولا نترك باطلاً إلا وارتبطنا به، فلا صلاة ولا صيام ولا حج ولا زكاة، والآن ولله الحمد والمنة صرنا من أول من يبادر إلى المسجد. انظروا! شيء يسير ومع ذلك أثمر.

стр. 512

فضل الصدقة وثمارها في الدنيا والآخرة لا بد أن نعلم أن الصدقة ظل ظليل يتفيؤه المؤمن يوم لا ظل إلا ظله ، ومن الذين يستظلون بظل العرش يوم القيامة: رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، وكما هو معلوم لبعضكم أن الرسول ﷺ يقول: (كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس)، الله أكبر! فأنت تستطيع أن تنشئ لنفسك شيئاً يظلك يوم القيامة عندما تدنو الشمس من الخلائق، بحيث يخرج العرق منهم حتى يغطي بعضهم إلى رقبته، والبعض إلى حقويه، والبعض إلى ركبتيه، والبعض إلى عقبيه، بحسب صلاحه وبحسب فساده وكثرة معاصيه. إذاً: إذا كانت لديك صدقات فأنت ستظفر بأن الشمس لن تؤثر فيك؛ لأنك ستكون في ظل هذه الصدقة التي قدمتها. أيها الأخ المبارك! لو تصفحنا آيات القرآن الكريم وتمعنا فيها لوجدنا أن فيها وقفات ووقفات كثيرة متعددة تدعونا إلى النفقة، وإلى المسارعة في الإنفاق قبل فوات الأوان، وهذا جانب تربوي مهم جداً ينمي فينا صفة المسارعة إلى الخيرات، والمبادرة إليها قبل الفوات، لنقدم بين أيدينا زاداً نستظل به بعد الممات، حين نقوم لرب العالمين، يقول الله : ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٦١]. ويقول سبحانه: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٢]. والصدقة أيها المبارك! تنمي المال وتباركه وتحفظه من الآفات وتبقيه، يقول المصطفى ﵊: (ما نقص مال من صدقة)، بل تزده.

стр. 513

وقفتان مع حديث (اللهم أعط منفقاً خلفاً وأعط ممسكاً تلفاً) يقول ﵊: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم! أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم! أعط ممسكاً تلفاً)، وهذا الحديث يجعلني أقف عنده وقفتين: الوقفة الأولى: آخذها من آخر الحديث في قوله ﷺ : (اللهم! أعط ممسكاً تلفاً)، الآن هو ممسك المال، وإذا نظرت إلى حسابه ستجده مائة مليون أو خمسين مليوناً، ومع ذلك هو ممسك للمال، فإذا كان المال عنده، فكيف يتلف هذا المال؟! أيها الأحبة! البخيل بالرغم من كثرة ماله فهو كأنه لا يملك شيئاً، وبالتالي فماله هذا يجمعه لمن سيأتي من بعده من ورثته، ففي أحد الأيام اتصلت امرأة تشكو مر الشكوى من زوجها، وتقول: إن زوجي يملك كذا وكذا وكذا من المال العيني والسيولة النقدية، ومع ذلك فإنه لا يعطينا شيئاً بطريقة لا يمكن أن تتصورها، فأنا من حب الاستطلاع أردت أن أعرف؛ لأنها قالت: هل يجوز لي أن أطالبه بالطلاق؟ فقلت في نفسي: لقد علمنا نهي الرسول ﷺ أن المرأة تطلب من زوجها الطلاق بدون وجه حق، فإنها إن فعلت لا ترح رائحة الجنة، فقلت لها: أعطيني أمثلة ونماذج من بخله؟ فقالت: تصور أنه يأتي بقارورة الجبن ويجعلها في الثلاجة، ويقول: لا تفتحيها إلا بحضوري، ويقول: لا بد أن تبقى هذه القارورة في الثلاجة شهراً كاملاً، وأسافر أنا وهو إلى أهله على بعد أربعمائة كيلو من الرياض، والله لا يأذن بشراء ولا علبة عصير لأبنائه في السيارة، ويقول: إذا وصلنا إلى أهلي ستجدون العصير والفاكهة والأكل هناك، نذهب ونعود ولم يشتر لنا شيئاً، فقلت لها: ربما أنه لا يملك شيئاً، فبدأت تعطيني قائمة بما يملك، وإذا به يملك الشيء الكثير والكثير والكثير، فتذكرت حديث الرسول ﷺ : (اللهم أعط ممسكاً تلفاً)، فهذا ممسك ولكنه كأنه لا يملك شيئاً، كأن ماله قد تلف وأتلف، فالله أكبر، دلالة الحديث عجيبة جداً، وفي نفس الحديث يقول ﵊: (اللهم أعط منفقاً خلفاً). يقول أحد الإخوة وهو يروي عمن عايش الحدث: كان هناك رجل من كبار التجار مسافر هو وصاحب له إلى مكة لأداء العمرة، وعندما عادوا من مكة ومروا على منطقة في السيل في الطائف، فقرروا أن يصلوا في أحد المساجد، فعندما دخلوا المسجد وأدوا الصلاة إذا بإمام المسجد يأخذ الميكرفون ويتحدث ويقول: يا إخوان! ترون الآن أن هذا الزمان زمان أمطار، وأنتم ترون حال المسجد، فالماء ينزل في المسجد من كل اتجاه، ويشير إلى فرجات في المسجد، وكيف تشققت نتيجة لهذا الماء الذي ينزل من السقف التالف، ثم قال: نريد أن نعمل بعض الترميم لهذا المسجد، فما رأيكم أن تجمعوا لنا بعض التبرعات، فبدأ الناس يخرجون مما يستطيعون، فهذا يعطي عشرة ريال وهذا مائة ريال وهذا خمسين ريال، وهذا الرجل التاجر تحمس وكتب شيكاً لهذا الإمام بعد أن عرف اسمه بخمسة آلاف ريال، ثم أعطاه إياه، ففرح الإمام فرحاً شديداً بهذا المبلغ الذي جاء، ولم يكن يتصور أن يأتيه مبلغ بهذه الصورة وبهذه السرعة خمسة آلاف ريال. يقول: فركبنا السيارة ومشينا، وعندما اقتربنا من الرياض ولم يبق على المسافة إلا حوالي (٩٠) أو (١٠٠) كيلو، توقفنا في أحد المحطات لمد السيارة بالوقود، وإذا بصاحبي التاجر ينزل من السيارة بسرعة، ويتجه إلى مكان آخر من المحطة، فيقابل ثلاثة أشخاص ويسلم عليهم ويسلمون عليه ويقبلون رأسه، فقلت: لعله التقى ببعض أقاربه، وبدأت أرقبه وأنظر إليه، وأنظر إلى هؤلاء الثلاثة الشبان، وكل واحد منهم يملك سيارة من السيارات الفخمة جداً يتجاوز سعرها النصف مليون، وبعد ربع ساعة تقريباً من محادثة هذا الرجل التاجر لهؤلاء الشباب إذا به يأتي إلي مطرق الرأس حزيناً متأثراً، فركب السيارة وهو ساكت لم يتكلم ثم انطلقنا، وقبيل خروجنا من المحطة قال: قف، فتوقفت وقال لي: أتعرف هؤلاء؟ قلت: أتوقع أنهم بعض أقاربك، فقال لي: هؤلاء أبناء فلان بن فلان، وكان أبوهم صاحباً لي وصديقاً لي، وقد انطلقنا في التجارة سوياً، وكل منا تملك الملايين، ولكنه كان قد أغلق على أمواله الأبواب فلم ينفقها، وقد توفي قريباً فأخذ الورثة وهم هؤلاء الأبناء الأموال، أخذ كل واحد منهم نصيبه، فكل واحد معه سيارة بهذه القيمة، وكل منهم قد اشترى استراحة ضخمة في هذه المنطقة، وبنى فيها قصراً ضخماً، فهم يأتون إليها بين الفينة والأخرى، وكان صاحبي قد قصر في حق نفسه، لا في السكن ولا في المأكل ولا في غير ذلك، فيقول: تذكرت هذا الحديث، ولكني لم أقل له شيئاً وبعد أن انطلقنا قليلاً، قال: هل بالإمكان أن نرجع إلى الشيخ؟ فكانت صدمة، كيف نرجع مسافة ستمائة كيلو تقريباً، فقال: أرجوك أتمنى أن ترجع، فقلت: لا مانع. أنا عندي إجازة ولا يمنع أن نرجع، فقال لي: احتسب ذلك عند الله ، يقول: فرجعنا إلى الشيخ ووصلنا آخر الليل، واستأجرنا غرفة ونمنا فيها، ثم ذهبنا وصلينا الفجر في ذاك المسجد، فقابل صاحبي إمام المسجد وواجهه مواجهة كانت كالصاعقة عليه، ولكنها صارت بعد ذلك برداً وسلاماً، قال له: أنا الذي أعطيتك الشيك بخمسة آلاف، هل بالإمكان أن تعيده إلي؟! فقال له: لماذا؟ فقال له: لا تخف، إنما أريد أن آخذه منك وسأتكفل بترميم المسجد كاملاً من أوله إلى آخره، ففرح هذا الإمام فرحاً شديداً، ثم أوكل هذا التاجر ترميم المسجد لمن يعرف، ورمم ترميماً رائعاً حسب ما يذكر راوي القصة. يقول: فرجعنا إلى الرياض، ثم بدأ هذا الرجل ينفق يميناً ويساراً في بناء المساجد، وكان يساهم ويساعد في مشاريع الخير وسنابل العطاء بشكل متميز، ثم بعد ذلك قابلته في أحد الأيام بعد فترة من الزمن، فقال لي: أتعلم ماذا حصل، إنك لتستغرب؟ يقول: أول ما نزلت الرياض وبدأت مشاريع النفقة، كنت أتخيل أن مالي سينتهي بعد فترة وجيزة، ولكن والله! والذي لا إله إلا هو أن مالي بعد الإنفاق تضاعف، فبدل أن يكون خمسة ملايين مثلاً صار عشرة، ويقول: كنت إذا دخلت في مشروع تجاري أو عقاري إذا بي أضرب ضربات تجعل المال يتضاعف، وكنت في السابق أبذل وأبذل ولا ينمو المال إلا بشكل يسير، أو بطيء. وهذا مصداقاً لقول الرسول ﷺ في الحديث: (اللهم أعط منفقاً خلفاً). فالذي ينفق يعطى ويزداد مالاً، ولذلك ورد في قول الله في عدة روايات: (أَنفق أُنفق عليك) فإذا أنفق الإنسان جاءته النفقة من حيث لا يحتسب ومن حيث لا يتخيل. والنفقة إذا قام بها الإنسان فإن الله يضاعفها يوم القيامة أضعافاً لا تتصورها، ومصداق ذلك قول المصطفى ﵊: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله ليتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل). انظر! تكون مثل الجبل يوم القيامة، فأنت عندما تقف بين يدي الله إذا بالموازين تنصب، وإذا بالأعمال توزن، وإذا بك ترى أعمالاً كالجبال، ما هذه الأعمال؟ أنا لم أعمل شيئاً يستحق، إنما هي صدقة بريال، أو صدقة بمائة ريال، أو صدقة بكذا، أو صدقة بكذا ومع ذلك ترى شيئاً عظيماً جداً، نعم؛ لأن الله نمى لك هذا الخير، حتى صار كالجبال العظيمة، وصارت هذه الأعمال ثقيلة في الميزان، وفي النهاية أنت الرابح في ذاك اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.

стр. 514

القليل الدائم من الإنفاق خير من الكثير المنقطع أيها الأحبة! علينا أن نستوعب مجموعة وقفات لا بد أن تكون في الذهن، ومن هذه الوقفات المهمة: أن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع، بمعنى أن تجعل لنفسك برنامجاً إنفاقياً مستمراً ولو كان يسيراً، وسيكون خيراً من الكثير المنقطع الذي لا يستمر، وهذا الأمر ليس نظرياً ولكنه أمر مجرب. والإنسان قد يحدث لديه حماس بالنفقة بعد أن يستمع إلى درس أو كلمة أو توجيه أو مناصحة حول الإنفاق والنفقة والصدقة وآثارها، أو عندما يزور معرض سنابل العطاء، فيخرج من جيبه خمسمائة ريال أو مائة ريال، وهذا كثير بالنسبة للبعض، ولكن سرعان ما يدب الفتور شيئاً فشيئاً، فتجد النفقة الكبيرة لا تعود إلا إذا جاءت وقفات مثل هذه الوقفات، لكن لو قرر هذا الشخص أن يخرج عشرة ريال أو خمسين ريال أو مائة ريال من راتبه كل شهر، ويضعه في مواضعه السليمة، فإن هذه المائة ستكون خيراً مستمراً متواصلاً، وسيجد أثرها العجيب، وفي نفس الوقت ليس لها تأثير على ميزانية الإنسان، فالبعض يقول: أنا لو أخرجت خمسمائة ريال قد تؤثر على الميزانية، أقول: نعم، لكن هذه الخمسمائة لو قسمتها على أجزاء، وجعلتها كل شهر خمسين ريالاً، فستكون النتيجة، ألا يكون هناك تأثير على ميزانيتك، وسيكون إنفاقك دائماً، وسيكون أثرها الجسدي والنفسي والقلبي والروحي والإيماني كبيراً وعظيماً عليك، وهذا الأمر يشعر به كل من طبقه وسار عليه. كذلك على الإنسان أن يعي قاعدة: أنه إذا أعطى لا يريد من عطائه هذا إلا الجزاء من الله ، ولا يريد جزاءً من أحد، كما قال تعالى حاكياً عن المتصدقين: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٩]. وعليه كذلك أن يعي أن النفقة تكون أقرب وأقوى أثراً إذا كانت مقرونة بالسر والكتمان، فإذا كتمها وأخفاها يكون أثرها عظيماً؛ لأنها أبعد عن الرياء وعن السمعة.

стр. 515

آداب الإنفاق أيها الأحبة! عندما نتحدث عن النفقة والإنفاق لا بد لنا من وقفات موجزة ومختصرة عن بعض آداب الإنفاق. هناك عدد كثير من الآداب، لكن لعلي أشير إلى أربعة منها أو ثلاثة بحسب ما يسمح به الوقت، فأقول: للإنفاق آداب كثيرة ومتعددة، ومن أبرزها وعلى رأسها: الإخلاص في النفقة، والابتعاد عن الرياء والسمعة ونحوها، فإذا أنفق على الفقراء أو المساكين، أو ساهم في مشاريع الخير وأعمال البر وسنابل العطاء، يريد بذلك الأجر والثواب من الله لا الرياء والسمعة، فله ذلك، ومن أنفق رياءً وسمعة أخذ حظه من ثناء الناس في الدنيا، وليس له في الآخرة من نصيب، ولقد صح عن المصطفى ﷺ في أول من يقضى عليه من الناس يوم القيامة، ومنهم: (رجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد فقد قيل) فقد قيل ونشر في الصحف والمجلات والمنتديات والجرائد وفي كل مكان: فلان فعل كذا، وفلان أنفق، وفلان أعطى للشهرة، للبروز، للظهور. (فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار). الأدب الثاني: عدم المن والأذى، وهذا يتفق مع ما فطر الله تعالى النفس الإنسانية عليه من الكرامة والعزة؛ لأن المان بنفقته يخدش كرامة النفوس الكريمة، ويجرح مشاعرها، ويستغلها بمنته، بل ويشعرها بالصغار والهوان، ومن هنا جعل الله تعالى الصدقات المقرونة بالمن والأذى غير مقبولة، وما أكثر ما تقترن صدقاتنا بالمن والأذى، إما من بعيد أو من قريب، يقول الباري : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٦٤]. الأدب الثالث: الإنفاق من المال الطيب؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، فقد أمر سبحانه بالإنفاق من الطيب المحبوب للنفس، يقول الباري سبحانه آمراً عباده بالإنفاق من الطيبات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة:٢٦٧]. والبر والأجر إنما ينال بالإنفاق من الطيب المحبوب، يقول الباري سبحانه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٩٢]. الأدب الرابع: الاعتدال في الإنفاق، فلا يتعالى المنفق فيه فيبذر ويسرف، ولا يقصر فيشح ويمسك، والاعتدال في النفقة صفة من صفات عباد الرحمن، حيث قال فيهم جل شأنه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:٦٧]. أخي الكريم! ما أجمل أن تسمو مشاعر المتصدق، فيحس أن حاجته للفقير ليتصدق عليه أشد من حاجة الفقير إليه؛ وذلك أنه أشد حاجة إلى الحسنات والثواب في الآخرة من حاجة الفقير إلى المال الفاني والعرض الزائل، ولهذا فعليه أن يسعى هو إلى الفقير ولا ينتظر منه شكراً وثناءً، بل عليه أن يشكر الفقير الذي أتاح له فرصة تحصيل زاد ينفعه في الآخرة، وما أجمل شعور المتصدق عندما يكون سبباً في مسح دمعة يتيم، أو تخفيف لوعة مكروب، أو سد جوعة فقير معدم أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسان أحسن إذا كان إمكاناً ومقدرة فلن يدوم على الإحسان إمكان

стр. 516

من الصور الإيجابية للعطاء والبذل: قيام شخص واحد بتوزيع مائة ألف مظروف على الحجاج أيها الأحبة! قبل الختام أعطيكم تكملة لما بدأته في أول هذا اللقاء، حول ما يتعلق بصور العطاء، وقد أشرت إلى صورة من هذه الصورة، وأشير إلى صورة أخرى من صور العطاء، لتعرفوا وتعلموا أن هناك أناساً الفرد منهم كأمة، والرجل كجماعة، وواحد عن كثرة، وشخص عن قبيلة. هذا المثال هو متمم لما سبق وشبيه به وقريب منه. في أحد الأيام كان هناك شخص يجلس مع مجموعة زملائه، ويتدارس معهم أوضاع الذين يأتون إلى الحج من البلاد المختلفة، فقال: إن هؤلاء سيأتون إلى الحج ومنهم من يحمل البدع والخرافات، بل بعضهم يحمل الشركيات، فما دورنا في تصحيح مسار هؤلاء؟! إنهم يأتوننا ويبقون لدينا فترة من الزمن ويؤدون حجهم ثم يعودون وليس هناك أي تصحيح لمسارات الانحراف المختلفة التي يحملونها، والتي جاءوا بها من بلادهم، فلماذا لا نسعى إلى التصحيح؟! لماذا لا نختار شريحة معينة، هذه الشريحة هي شريحة البلاد العربية؟ ثم طرح فكرة وقال: لماذا لا نعطي هدية تحتوي مظروفاً فيه أمور تهم هذا الإنسان القادم للحج، ونحاول أن نصحح هذه الانحرافات الموجودة لديه؟! فقال الإخوة الذين كانوا معه: لا مانع، هذا أمر مستحسن، لكن كيف العمل؟ فأعطاهم الخطة وهي كما يلي: مظروف يحتوي على كتيبين اثنين وشريطين، ويكلف هذا كله ما يقارب عشرة ريالات، وبعد ذلك نريد أن نوزع مائة ألف مظروف، أي: بمليون ريال، فقالوا له: ممتاز جداً، ولكننا نعرف أنك لا تملك ريالاً واحداً، قال: نعم -وهو لا يملك شيئاً أبداً- ولكننا نستعين بالله ونبدأ المشروع، والذين التقوا معه هم ثلاثة وهو الرابع، فاتفقوا على توزيع العمل وانتقاء الكتيبات والأشرطة، وأن كل واحد ينتقي مجموعة كتيبات وأشرطة ثم يتدارسونها، كان الوقت ضيقاً ولم يبق على الحج إلا ما يقارب أربعين يوماً فقط لا غير، وكانت العملية تحتاج إلى جهد وبذل ومسارعة، فاتفقوا على أحد الكتيبات، واتفقوا على شريطين. فهذا الرجل الذي طرح الفكرة ذهب إلى مطبعة معروفة ومشهورة وعرض عليهم طبع الكتاب، فقال: أريد منه مائة ألف نسخة، قالوا: لا مانع، ولكن لا بد أن تأتي لنا بإذن من المؤلف، والمؤلف يسكن في منطقة تبعد عن الرياض مسافة خمسمائة وخمسين كيلو متراً تقريباً، وكان يحدثهم قريب الظهر تقريباً، فقال: لا مانع سآتي بالإذن، فشغل سيارته وانطلق إلى المنطقة التي ذكرت مسافتها، ثم وقف على باب ذلك الرجل وطرق عليه بابه، لم يكن هناك اتصالات بالجوال، فقال له: أريد منك كذا وكذا، قال: تفضل ادخل، قال: لا، الوقت لا يسمح، يقول: والله لقد أخرج لي الورقة بالأذن وأعطاني إياها، وأنا واقف أمام بابه، ثم أخذت الورقة وعدت من حيث أتيت، وكان سفره بحدود أربع ساعات ذهاب، وأربع ساعات عودة، ثم ذهب إلى المطبعة وأعطاهم هذا الإذن بعد صلاة العصر، ثم بعد ذلك ذهب إلى التسجيلات، وهو رجل واحد، ومر على هذه وتلك والثالثة والرابعة، وكل منهم يقول: لا نستطيع أن نطبع لكم مائة ألف نسخة مستحيل ذلك لا يمكن؛ لأن لدينا ارتباطات والتزامات متعلقة بالحج، قال لهم: إذاً أوزع العمل، فكم أكبر قدر تستطيعون طبعها؟ فالذي يقول: نطبع عشرين ألفاً، والذي يقول: ثلاثين ألفاً، والذي يقول: أربعين ألفاً، والذي يقول: عشرة آلاف، والذي يقول: خمسة آلاف، فبدأ يسجلها إلى أن اكتمل رصيدها، ثم بعد ذلك بقيت إشكالية أن الكثير من الخرافات والبدع الموجودة عند هؤلاء القوم الذين قدموا من خارج هذه البلاد المباركة، لا يوجد كتاب يعالج كل هذه القضايا، فقال: نؤلف كتاباً، ولم يبق على المدة إلا أقل من أربعين يوماً، قالوا: لا يمكن هذا، قال: نبدأ، وفعلاً ألف الكتاب في عجلة، وخرج كتيب يشتمل على مجموعة فتاوى تطرق كل الأمور المنحرفة الموجودة في تلكم البلاد، ثم بعد ذلك بدأ التغليف، وجاء بمجموعة كبيرة من الشباب للقيام بمشروع التغليف، ثم جعلها في استراحة وبدأ العمل، وإذا به يملأ ثلاث (تريلات) بمائة ألف مظروف، انطلقت هذه (التريلات) إلى مكة، ولكنها منعت من الدخول؛ لأنها لا تحمل تصريحاً، والتصريح هنا لا بد أن يكون في الوقت المفتوح، فقالوا له: لو كانت مواداً غذائية ممكن، ولو كنت أتيت بتصريح مسبق فلا يوجد مانع، فكان ذلك خيراً، فانطلقت واحدة من (التريلات) إلى مطار المدينة، والثانية انطلقت إلى مطار جدة، وهذا كان أفضل وأعظم أثراً؛ لأن الحاج عندما يقدم ويعطى المظروف، قد يكون أثره ضعيفاً؛ لأنه مقدم على شيء مهم، فقد يرمي المظروف أو ينساه، لكن الآن انتهى من كل شيء، فسيأخذ المظروف ويأخذه في حقيبته، وربما يقرأ في الطائرة المتجهة به إلى بلاده، فوزعت كل هذه المظاريف على هؤلاء الحجاج. حسناً! لقد كان العمل كله دائراً على رجل واحد، وقد قابله أحد هؤلاء الأشخاص وقال له بعد فترة من الزمن: يا ترى! هل سددت المبلغ الذي عليك، قال: سددت نصفه، أي: نصف مليون، والله سيعين على تسديد الباقي. هذا رجل واحد انظروا كيف نفع الله به؟ وماذا فعل؟ وزع مائة ألف مظروف على مائة ألف أسرة، وربما كل أسرة تفيد غيرها من الأسر. إذاً: صورة عظيمة من صور العطاء تجعلنا فعلاً نحتقر أنفسنا عندما لا نقدم إلا النذر اليسير والشيء القليل.

стр. 517

وقفات مع بعض سلبيات العطاء والبذل أيها الأحبة! قبل أن أنهي هذا اللقاء أريد أن أقف مع بعض سلبيات العطاء، حتى يأخذ الإنسان حذره ويتجاوزها، ويحاول أن يضع الشيء المناسب في المكان المناسب، ويضع المادة التي ينفقها في مكانها الذي يناسبها، حتى تؤتي ثمارها يانعة بمشيئة الله .

стр. 518

من الصور السلبية للعطاء والبذل وقوع المراكز الإسلامية في الغرب في أيدي أهل البدع باسم الانتخابات ذكرت لكم صورة في البدء، وسأشير إلى صور أخرى. في أوروبا وفي أمريكا على وجه الخصوص، تقوم بعض الدول بإنشاء بعض المراكز الإسلامية فيها، فمثلاً: المملكة تنشئ في أمريكا مراكز إسلامية متكاملة، وبعض أهل الكويت يساهمون في إنشاء بعض المراكز، والمراكز التي هناك تخضع في بعض الأحيان -إذا لم تضبط- إلى عامل الإدارة المتجددة أو المتغيرة، بمعنى أن الذي يدير المركز هي إدارة تتخذ تباعاً، كل ثلاث سنوات أو أربع سنوات ينتخب في هذا المركز إدارة تديره وتشرف عليه، فتخيل أن مركزاً يكلف ملايين من الريالات، ثم تقام فيه الجوانب الدعوية المختلفة، ويضم عدداً كبيراً من أهل الحق الداعين إليه المتمسكين به، ثم تنتهي فترة الإدارة الحالية ولا بد من تجديد مجلس إدارة، والذي يحدث أنه إذا قررت طائفة منحرفة بعيدة عن الحق وخاصة تلك الطائفة التي تسب أبا بكر وعمر، فهذه الطائفة تبدأ في التجمع في تلكم المدينة شيئاً فشيئاً، فتستقر ولو لفترة مؤقتة، وبعض الطلاب ينقلون دراساتهم إلى الجامعة التي في المدينة التي فيها المركز، وبعض التجار ينتقلون، وبعض وبعض، حتى يكثر عددهم، ويلتحقون بهذا المركز حتى يكثروا، ثم عندما تبدأ الانتخابات إذا بفلان من أهل الحق ينتخب نفسه لإدارة المركز، لكن الذي يؤيدونه قلة، وفلان الآخر ينتخب نفسه من الطائفة المنحرفة، وإذا بالذين يؤيدونه كثرة كاثرة، ممن جاءوا من الولايات المختلفة، فينتخبونه رئيساً، ثم أميناً، ثم إماماً، ثم مؤذناً، وإذا بالمركز يخرج من أهل الحق إلى أهل الباطل، أليس هذا الأمر حاصلاً؟ أقول: نعم، إنه حاصل وبكثرة للأسف الشديد، وبعض الإخوة بدءوا يتداركونه الآن، ولكن بعد أن فلتت بعض المراكز من أيديهم، وصارت في أيدي أهل الباطل. إذاً: هذه نفقة بذلت وبذل فيها الكثير وعمل لأجلها الكثير، ومع ذلك بدلاً من أن تكون عامل بناء صارت عامل هدم للأسف الشديد، ولكن الانتباه بدأ يحصل والملاحظة بدأت تؤتي ثمارها، فبدأ التركيز على ألا تكون الإدارة بالانتخاب، ولكن بعد أن ضاعت بعض المراكز

стр. 519

من الصور السلبية للعطاء والبذل الاغترار بالظاهر وعدم التبين والتفحص أيها الأحبة! من السلبيات أيضاً: جاءني أحد الأشخاص وقال لي: إنني أريد أن أبني مسجداً، وعندي مقاول من باكستان، وهذا المقاول أحبه وأتعامل معه منذ أمد بعيد، وهو رجل مخلص، فأعطيته المال لبناء مسجد، فقلت له: هذا الرجل الباكستاني، ما هو توجهه؟ ما هي حقيقته؟ قال: لا أعرف، لكنه من المحافظين على الصلاة معنا، قلت له: أعطني معلومات عن المنطقة التي يسكنها بدقة، فأعطاني المعلومات، وكان قد دفع للمقاول الباكستاني دفعة أولى، وقال: أنا الآن سأرسل الدفعة الثانية، قلت: توقف لا ترسلها، كانت دفعة كبيرة جداً، قلت له: لا ترسلها، فترة يسيرة، فذهبت وسألت وسألت فتبين لي أن المسجد سيبنى في منطقة كل أهلها من أهل البدع المكفرة، وسيبنى لهم هذا المسجد، وسيكون مناراً لهم في باطلهم، وهذا الإنسان الخيِّر المنفق يعرف من ظاهر هذا المقاول أنه إنسان صالح أو طيب، ولكنه لم يعرف الخفايا، لذلك جئت وأخبرته بالوضع كاملاً، فتوقف عن النفقة ولله الحمد والمنة، فقلت له: إذا أردت أن تضع مالك فضعه في المكان المناسب بعد أن تسأل وتتحقق من الأمر.

стр. 520

من الصور السلبية للعطاء والبذل عدم اقتران العطاء بالدعوة هناك إشكالية أخرى تحصل فيما يتعلق بالنفقة، بعض الأشخاص يذهبون إلى مناطق كثيرة في دول العالم لإعطاء المساعدات العينية، فيعطون أياً كان يتسمى باسم الإسلام، يعطونه الغذاء ويعطونه الكساء، وهذا أمر طيب، ولكن الإشكالية أنهم لا يقرنون العطاء بالدعوة، ولا يقرنون العطاء بدراسة الحالة الدعوية ودراسة الحالة العقدية، أو الحالة الدينية لهذا المجتمع الفقير الذي يراد به النهوض اقتصادياً على الأقل، فلا بد أن نقرن بين العطاء المادي وبين العطاء الفكري والديني والعقدي، حتى يتواءم هذا وهذا، ويمشي هذا مع هذا، بحيث عملنا وعطاؤنا اقتصادياً وفي نفس الوقت شرعياً دينياً، وهذا الأمر لا بد أن ننتبه له؛ لأننا وللأسف الشديد نرى الكثير والكثير الذين يركزون على قضية الإصلاح الاقتصادي ولا يركزون على قضية الإصلاح الشرعي لأمثال هذه المجتمعات. هذا ما لدي حول هذه المسائل المتعلقة بالعطاء، أسأل الله بمنه وفضله وكرمه أن ينعم علينا بالنعم الكثيرة، وبالآلاء الجسيمة، وأن يجعلنا ممن ينفق وممن يعطي، وممن لا يبخل ولا يشح، وأن يجعلنا ممن يجعل المال في يده لا في قلبه، وأن يجعلنا من المنفقين بالليل والنهار، ومن المستغفرين بالأسحار، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 521

الأسئلة

стр. 522

حكم الإنفاق للمال بنية أن الله يضاعفه ويزيده السؤال إذا تصدق الإنسان بنية أن الله يضاعف أمواله، كما ورد في الحديث، فهل تعتبر تلك الصدقة خالصة لوجه الله ؟ الجواب يبدو لي والله أعلم، أنها قد لا تكون خالصة؛ لأن الذين ينفقون لا بد أن تكون أمام ناظريهم قاعدة وهي: أنهم لا يريدون بعطائهم جزاءً ولا شكوراً، وإنما ينفقون ابتغاء مرضاة الله ، وقضية المضاعفة التي ستأتي بدل ما أنفق هذه ستكون مسألة جانبية، أو مسألة جزئية، لكن أن يجعلها الإنسان أصلاً، بمعنى أنني أنفق حتى يزداد مالي، وأنفق حتى تكثر أموالي، فقد تكون هناك لوثة من عدم الإخلاص أثناء النفقة، هذا الذي أقوله، والله أعلم.

стр. 523

نموذج من البرامج العملية في الإنفاق على الدعوة إلى الله السؤال أرجو عرض بيان بعض البرامج أو الأعمال العملية في الإنفاق على الدعوة إلى الله ؟ الجواب والله يا أخي الفاضل قضية الإنفاق فيما يتعلق بالواقع المعايش المعاصر الآن واقع متشعب، وواقع متغير، بمعنى أن كل مال ستنفقه ستجد أن هناك عشرات ومئات المواقع التي يمكن أن تستثمر فيها هذا المال الذي تملك، فأعطيك مثالاً على هذا: في أحد الأيام قرر أحد الأشخاص الاستفادة من (الإنترنت) في الدعوة إلى الله ، فطلب من أحد المواقع إعطاءه البريد الإلكتروني للمشاهير، وفعلاً موقع (ياهو) يملك هذا الأمر، فأعطاه البريدات الإلكترونية المسجلة لديه لمئات المشاهير، سواء كانت سياسة أو اقتصاد أو فن أو حتى في مسائل الفساد بأكملها، يقول هذا الشخص: فأخذتها، ثم بعد ذلك قررت أن أرسل لهم رسائل ليست باليد، لكن بالبريد الإلكتروني، يقول: وبدأت أراسلهم، ثم بدأت أدخل كتباً وأشرطة ومطويات في الكمبيوتر، ثم بعد ذلك أرسلها إلى أولئك، ولا تتصور كم كانت ردت الفعل عندهم، لقد كانت عجيبة جداً. أنا لا يمكن أن أشرحها الآن، لكن سأشرح لكم واحدة فقط مما فعله هذا الإنسان، يقول: كان من ضمن المراسلات مراسلة رجل اشتهر في الفلبين بأنه أعظم مجرم في ذلك البلد، وقد قبض عليه وأودع في السجن الانفرادي، وعليه حراسة مشددة لا يمكن أن تكون موجودة حتى على قصر رئاسة الجمهورية؛ لأن لهذا المجرم أتباعاً بالآلاف، فيخشون من هجوم مضاد لتخليص رئيسهم، فأرسلنا له رسالة، وأول رسالة أرسلناها له باعتبار أنه من المشاهير، رسالة فيها دعوة إلى الصبر والتحمل، وليس فيها أي إشارة إلى الإسلام، دعوة إلى الصبر والتحمل والنظر إلى الآخرين، وذكرنا له أن هناك مساجين في كل مكان، وأنه. وأنه. فلا تصاب باليأس ولا تصاب بالقنوط والإحباط، لأننا نخشى أننا لو جابهناه بالدعوة مباشرة أن يرد علينا رداً قبيحاً وسيئاً، وينقطع التواصل، فرد علينا رداً برسالة رقيقة يشكر فيها على هذه الرسالة، ويقول: أعطتني دفعة معنوية قوية، وأنا في الحقيقة أشكركم، ووجدت فيها حقيقة نقلة غير متخيلة، فقد كنت أفكر في الانتحار، وعندما جاءتني هذه الرسالة عدلت عن رأيي، فيقول: استغلينا هذا الأمر وبدأنا المراسلة معه، يقول المتحدث: وبعد فترة من الزمن سافرت إلى مكة، ثم عدت إلى المكان الذي كنت أتعاون فيه مع الإخوة، وإذا بهم يأتون بجريدة من جرائد الفلبين وفيها أن فلان بن فلان المجرم المشهور المعروف يعلن إسلامه. فانظروا! هذا جهد من الجهود، صحيح أنه جهد يحتاج إلى مال، لكنه مال يسير، لكن انظروا ما هي الثمار المقطوفة؟ إنها ثمار عديدة. إذاً: تبقى قضية الثمار لا يمكن أن نتحدث عنها؛ لأن أبوابها عظيمة وكثيرة جداً، وتستطيع أن تجالس الذين يعملون في مكاتب الدعوة، والذين يعملون في حلقة حفظ القرآن، والذين يعملون في دور تحفيظ القرآن النسائية، والذين يعملون في الجمعيات الخيرية المعروفة، في جمعيات البر، في جمعية مؤسسة الشباب الإسلامي، في المنتدى، جمعية الحرمين، وغيرها، كل ذلك يحتاج إلى المال حتى تسير المشاريع المختلفة التي عصبها هو المال.

стр. 524

هم الإسلام من يحمله ؟ المسلم لا يجعل الدنيا دائماً نصب عينيه، بل يتجه بكل أعماله المهمة إلى الآخرة، ويجعل همه الأول هو نصرة هذا الدين ونشر الدعوة الإسلامية في كل مكان، فإن للأعداء هموماً في محاربة الإسلام وأهله.

стр. 525

الهم الذي يحمله المسلم لنصرة دينه إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى أصحابه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

стр. 526

فرح النبي ﷺ بقدوم جعفر إن هذه النقاط التي ستناقش وستطرح، تهم الجميع صغاراً وكباراً ذكوراً وإناثاً، علماء ومتعلمين بل وحتى العامة، فالجميع يهمه هذا الموضوع. ففي السنة السابعة من الهجرة، عندما انتهى الرسول ﷺ من حرب اليهود في خيبر، بعد حرب ضروس ومعارك دامية وجهاد كبير، فرح المصطفى ﷺ بفتح خيبر، وباستسلام يهود فدك وتيماء، وجمعت الغنائم فأغنى الله أهل المدينة، وتيسر عيش أهل الصفة؛ لكثرة ما حصلوا من غنائم، وفرح المصطفى ﷺ عندما رأى البشر يعلو وجوه هؤلاء الفقراء وهؤلاء الأطفال الصغار؛ لما حباهم الله من رزقه . في هذه اللحظة يطرق باب المصطفى ﷺ ، فيخرج ﵇ ليعرف من في الباب، فقال: أنا جعفر، فذهل ﵇ حين سمع هذا الصوت الذي افتقده سنين طوالاً، فأخذ ﵇ رداءه يجره خلفه -لم يلبسه من شدة استعجاله وفرحه بهذا الذي قدم- إنه جعفر ابن عم النبي ﷺ ، قائد المؤمنين الصابرين في الحبشة، وفتح النبي ﷺ الباب ونظر إليه والبشر يتهلل من وجهه، ثم ضمه إليه، وقبله بين عينيه، ثم أطلق كلمته المشهورة: (لا أدري والله بأيهما أفرح: بفتح خيبر أم بقدوم جعفر) لقد عادل فرحه ﷺ بقدوم جعفر فرحه بفتح خيبر. وهذا يدل على أن لـ جعفر منزلة ومكانة في قلب المصطفى ﷺ ، إذ رحب به واحترم جهده وجهاده، ثم بعد فترة وجيزة أصدر الرسول ﷺ أمراً بأن يعطى جعفر إمرة جيش مؤتة الذاهب إلى قتال الروم أقوى جيش في ذاك الزمان، ويقول ﵊: (إن قائدكم هو زيد - زيد بن حارثة مولى النبي ﷺ فإن أصيب فـ جعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فـ عبد الله بن رواحة، فإن أصيب فارتضوا لأنفسكم قائداً). وقول المصطفى ﵇: (فإن أصيب)، فيه دلالة على أن جعفراً سيموت، ما هذا يا رسول الله؟ قدوم جعفر بعد عنائه وتعبه وجهاده يتطلب منه الراحة والجلوس ليبني مستقبله ويربي أولاده، ويهتم ببيته وأرضه؟ لكن لا، بل ذهب جعفر قائداً مساعداً لـ زيد بن حارثة، حتى إذا قتل زيد قاد خضم هذه الغزوة جعفر، فإن قتل فقائدها عبد الله بن رواحة. عجيب أمرك يا رسول الله! فمن هذا المنطلق أيها الأحبة ومن هذه القصة العجيبة نتحدث عن عنوان محاضرتنا لهذه الليلة، والتي تأخذ مسمى: ما الهم الذي تحمله أيها المسلم؟ ماذا حمل الرسول ﷺ من هم؟ هل حمل هم أن يعطي جعفراً الضياع والقصور ليعيش منعماً؟ لا. بل إن حمل راية الإسلام ونشر دعوته في أرجاء المعمورة، هو الهم الأول والأخير بالنسبة للمصطفى ﷺ . فعلى الرغم من مكانة جعفر في قلبه إلا أنه قدمه قائداً مساعداً، بل وقال لصحابته: (فإن أصيب) وهذا دلالة على أنه سيقتل، وقد مات شهيداً رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

стр. 527

ذكر قصة قائد طائرة وأخذ العبرة من ذلك يحكى أنه كان هناك قائد طائرة من مصر، كان كثير الأسفار بحكم عمله وقيادته للطائرة المدنية، فكان ينزل في كل بلدة، وفي كل مدينة، وتعرفون أن حال هؤلاء ارتباط بمضيفة ونساء وفساد، وقد ضم هذا القائد إلى ما كان يقترف من هذه المفاسد، حباً شديداً للغناء والعزف، فكان يعزف جملة من الآلات الموسيقية، فإذا جاء إلى بلدة اجتمع مع شلة من أصحابه، فبدأ يحدثهم عن مغامراته ثم يبين لهم ماذا فعل في سهرته. وبعد أن ينتهي يبدأ العزف والتصفيق والتصفير والغناء، وكان هناك صديق قريب له يأتي إليه فيسلم عليه، ولا يسأله إلا سؤالاً واحداً: من أين جئت؟ فيقول: من ألمانيا، من سويسرا، من اليابان، من الهند، من إندونيسيا، من كذا وكذا من الدول، ثم يقول له: كيف حال المسلمين في ذاك البلد؟ فيقول: بخير، إجابة عامة؛ لأنه لا يعرف أصلاً كيف حالهم، ولا يعلم ماذا يحصل لهم. فكان يجيبه بهذه الإجابة المكررة الروتينية فجعل يتضايق منها. فقال في يوم من الأيام: لماذا لا آتي بإجابة فيها بعض التفصيل، فدخل أحد المراكز الإسلامية، في إحدى الدول الأوروبية، وجمع بعض المعلومات، والتقى ببعض القائمين على المركز، وفرح بهذه المعلومات، ورأى على وجوههم البشر والصبر والطاعة، على الرغم من أنهم يعيشون في مجتمعات كافرة، إلا أن نور الطاعة يشع من وجوههم، يصابرون ويصبرون وينشرون الدعوة، بالرغم من المحاربة والجهد والجهاد الذي يبذلونه. وبعد أن جمع المعلومات وجاء إلى مصر، جاءه السؤال الروتيني المعتاد: كيف حال المسلمين في ذاك البلد؟ فانبرى يجيب؛ لأن المعلومات توافرت: زرت المركز كذا، وعندي كذا من المعلومات، وعندي وعندي وعندي، ويتضايق هؤلاء من كذا, ويفرحون بكذا. فقال له صديقه: ما رأيك أن تذهب إليهم وتزورهم بين فينة وأخرى، وتتكفل بمساعدتهم، أنا سأعطيك وسأساعدك، لماذا لا نتعاون في جمع كتب ومصاحف، ونجمع مالاً فندعمهم شيئاً فشيئاً، وهكذا استمر هذا الطيار في جمع المعلومات وإيصالها إلى قريبه فكانت ردة الفعل أن ساهما في إصلاح المركز ودفعه إلى الأمام وفي نهاية المطاف رأى الطيار أن حياته السابقة في التراب أو تحت التراب. أما حياة قريبه المهتم بأمور المسلمين فكانت في الثريا في السماء، فرأى بوناً شاسعاً بين الحياتين، ورأى فرقاً شاسعاً بين المعيشتين، فقرر الانتقال إلى العلو وترك القاع، فترك كل اهتماماته السافلة التافهة، وبدأ يهتم بهذه المراكز الإسلامية وبالدعوة. إذاً: هذه الصورة القديمة من سيرة المصطفى ﷺ ، وهذه الصورة الحديثة حكاية هذا الطيار، تدعونا إلى التوقف مع الهم الذي تحمله أنت أيها المسلم.

стр. 528

النقاط التي تدعونا إلى حمل هموم المسلمين إن الذي يدعونا لطرق هذه المسألة من خلال الأمثلة السابقة، وما سيلحقها من أمثلة، نقاط متعددة:

стр. 529

النقطة الأولى الهم الذي يحمله كل مسلم أولها: أن هذا الموضوع -أي: الهم الذي يحمله كل مؤمن- مهم جداً لجميع الناس، للذكر والأنثى، للصغير والكبير، للرجل والمرأة للعالم والمتعلم، فلابد أن يكون هذا الأمر مناقشاً ومدروساً؛ لأنه لا يمكن أن يوجد إنسان على وجه هذه البسيطة إلا وفي قلبه وفكره وكيانه هموم تشغله، وتأخذ جزءاً كبيراً من وقته. فكل إنسان له هموم، ليس المقصود بها الأمراض النفسية أو الأمراض الداخلية، بل المقصود بها: الأمر الذي يشغله ويحاول أن يحققه ويصل إليه، فمن الناس من همه البحث عن زوجة، أو البحث عن بيت، أو البحث عن مركبة، أو البحث عن وظيفة وغير ذلك. ومن الناس من عنده هموم في الشهوات والمتع وغير ذلك، فكل لا يخلو من هم. إذاً: هذا هو السبب الذي يدعونا لمناقشة هذه المسألة بشكل أكثر تفصيلاً.

стр. 530

النقطة الثانية كثرة أهل الصلاح النقطة الثانية التي تدعونا لهذا الأمر: كثرة أهل الصلاح. فأهل الصلاح كثيرون، ولكن -وللأسف الشديد- نتائجهم قليلة، فتجد الفساد منتشراً وبارزاً في كل مكان، بالرغم من أن أهل الصلاح كثيرون وفي كل مكان. وسبب ذلك: أن الكثير من أهل الصلاح قد ضعف هم الدعوة إلى الله، وهم إصلاح الذات، وهم تربية الأسرة ونشر الإسلام؛ في قلوبهم. ولذلك عندما حصل غزو العراق للكويت، وجاءت القوات الأمريكية، قام بعض الإخوة بدعوة بعض من الضباط الأمريكيين، ومن أصول هذه الدعوة: أن يذهب بهم إلى مكة لتأدية العمرة، فالتقوا الشيخ صالح بن حميد إمام الحرم، وكان عميداً لكلية الشريعة في ذلك الحين، وألقى عليهم محاضرة، وعندما انتهت المحاضرة المترجمة قام أحد الضباط وأخذ يبكي في القاعة، ويقول: كل هذا الخير عندكم، وكل هذا النعيم عندكم، وكل هذه الراحة النفسية عندكم، ما ذنب أبي وأمي وأخي الذين ماتوا على الكفر، إنهم في النار، والسبب هو أنتم، عندكم كل هذا الخير وتكتمونه، عندكم كل هذا النور وتغلقون عليه الأبواب؟! وقد كان صادقاً فيما يقول بل هو محق فعلاً!! إذاً: أهل الصلاح كثر لكن النتائج قليلة، والواقع يشهد بذلك، فقد كان هناك رجل كبير في السن، وكان لا يجلس إلا في أول المسجد خلف الإمام، وفي يوم من الأيام تأخر عن الصف الأول، إذ حضر إلى المسجد، فوجده ممتلئاً بشبان صغار، وكانوا من شباب حلقات المسجد ومكتبته، أراد أن يجلس لكنه لم يجد مكاناً وكان رجلاً يغضب بسرعة، فنظر إليهم شزراً، وقال لهم: أيها الشباب! أنتم الآن تدعون أنكم ملتزمون، وتدعون أنكم أهل صلاح، ولكن أين آثاركم؟ إنني أسكن بجوار المسجد، وبجواري أبنائي الثلاثة، لكل واحد منهم دش يحمل عدداً كبيراً من المحطات الفضائية، وكم مرة سألت أولادي: هل أعطاكم أحد نشرةً، هل أعطاكم أحد شريطاً، هل أعطاكم أحد كتيباً، هل ناصحكم مشافهةً أو غير مشافهة في هذا الشر الذي وضعتموه على سطوحكم، فكلهم يجيبون بالنفي. أين خيركم؟ أين نفعكم؟ أين أثركم؟ يتحدث بغضب، فهذا الأمر وللأسف الشديد موجود.
следующие страницы →