← Джавами‘

Джавами‘ · id 37823

خطب المسجد النبوي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (54 стр.). Показаны 36–54 · переход к 41.

стр. 36

خطبة المسجد النبوي - ١٢ رمضان ١٤٣٢ - رمضان شهر التوبة والإنابة - الشيخ عبد المحسن القاسم الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى. أيها المسلمون: تتوالَى نعمُ الله الظاهرة والباطنة على عباده، وقد أكرم - سبحانه - عبادَه بشهرٍ عظيمٍ مخصوصٍ بالقدر والتكريم، مُفضَّلٍ على سائر الشهور، أنزل فيه كتابَه وفرضَ صيامَه، زمنُ العتقِ والغفران، موسمُ الصدقات والإحسان، وتتوالَى فيه الخيراتُ وتعمُّ البركات. كان النبي ﷺ يقول لأصحابه: «أتاكم رمضان شهرٌ مبارَك، فرضَ الله عليكم صيامَه، تُفتَّحُ فيه أبوابُ السماء، وتُغلَّقُ فيه أبوابُ الجحيم، وتُغلُّ فيه مرَدةُ الشياطين، لله فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهرٍ، من حُرِم خيرَها فقد حُرِم»؛ رواه النسائي. قال ابن رجب ﵀: "وكيف لا يُبشَّرُ المؤمنُ بفتح أبواب الجِنان؟ وكيف لا يُبشَّرُ المُذنِبُ بغلقِ أبواب النيران؟ كيف لا يُبشَّرُ العاقلُ بوقتٍ تُغلُّ فيه الشياطين؟ من أين يُشبِه هذا الزمان زمان؟ ". رمضان أشرفُ الشهور وأزكاها عند الله، جعله تعالى ميدانًا لعباده يتسابقون فيه بأنواع الطاعات والقُرُبات، شهرُ منحةٍ لتزكية النفوس وتنقيتها من الآفات والضغائن والأحقاد، في هذا الشهر مغانمُ لطاعات الله: قرآنٌ وقيام، صدقةٌ وصيام، عطفٌ وإحسان؛ قال ﵊: «من فطَّر صائمًا كان له مثلُ أجره غيرَ أنه لا ينقصُ من أجر الصائم شيءٌ»؛ رواه الترمذي. والعُمرةُ فيه فاضلة، قال ﵊: «عُمرةٌ في رمضان تعدِلُ حجَّة»؛ متفق عليه. وللصائم دعوةٌ لا تُردُّ، وفي الثُلثِ الأخير من الليل ينزلُ ربُّنا ويقول: «من يدعُوني فأستجيبَ له»؛ رواه مسلم. شهرُ رمضان يغتنِمُه المُشمِّرون لبرِّ الوالدَين والقُرب منهم والتودُّد إليهم، ولصِلَة الأرحام، والإحسان إلى الأهل والأولاد بالتوجيه الرشيد والمعاملة الحسنة. قال ابن رجب ﵀: "الصائمُ في ليله ونهاره في عبادة، ويُستجابُ دعاؤُه في صيامه وعند فِطره؛ فهو في نهاره صائمٌ صابر، وفي ليله طاعمٌ شاكر". والصدقةُ ميدانٌ لتفريجِ الكروبِ عن الغني قبل الفقير، يظهرُ أثرُها على المُتصدِّق في نفسه وماله وولده، وتدفعُ عنه البلاءَ وتجلبُ له الرخاء، قال ابن القيم ﵀: "للصدقةِ تأثيرٌ عجيبٌ في دفع البلاء، وهذا أمرٌ معلومٌ عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلهم مُقرُّون به؛ لأنهم جرَّبوه، وما استُجلِبَت نعمُ الله واستُدفِعَت نقَمُه بمثلِ طاعته والتقرُّب إليه والإحسان إلى خلقه". وفي نسمات الخير والبركات في أعظم شهرٍ في العام في الناس من يتجرَّأ على العصيان؛ من إطلاق البصر في المحظورات، أو إرخاء الأذن للمحرمات، وفيهم من يُضيِّعُ لحظاته الثمينةَ بكثرة لهوٍ يُبعِدُه عن الطاعة، وكل مُتعةٍ بمحرَّمٍ نهايتُه حسرةٌ وندامة. والتوبةُ بابُها مفتوحٌ وخيرُها ممنوح، وفي شهر الخير أرجَى؛ قال ﷺ : «قال الله ﵎: يا عبادي! إنكم تُخطِئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوبَ جميعًا، فاستغفروني أغفِر لكم»؛ رواه مسلم. والذنبُ يغفِره الله وإن تعاظَم؛ قال النبي ﷺ : «قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتَني ورجوتَني غفرتُ لك على ما كان منك ولا أُبالِي، يا ابنَ آدم! لو بلغَت ذنوبُك عنانَ السماء، ثم استغفرتَني غفرتُ لك»؛ رواه الترمذي. واليأسُ والقنوطُ سلاحٌ لإبليس ليُبقِي العاصي على عصيانه، والعبدُ مهما عمِلَ من المعاصِي والخطايا فاللهُ لا يُيأَسُ منه؛ فالتوبةُ تهدِم ما قبلَها، والإنابةُ تجُبُّ ما سلَفَها. ومن أعظم أسباب المغفرة: أن العبدَ إذا أذنبَ ذنبًا لم يرجُ مغفرتَه من غير ربه، قال لقمان لابنه: "يا بنيَّ! عوِّد لسان: اللهم اغفر لي؛ فإن لله ساعاتٍ لا يردُّ فيها سائلاً". وعلامةُ التوبةِ: الندمُ على ما سلَف، والخوفُ من الوقوع في الذنب، ومُجانبَةُ رُفقة السوء، ومُلازمَةُ الأخيار. واحفظ لسانَك وسمعَك وبصرَك على الدوام عما حرَّم الله؛ قال الإمام أحمد ﵀: "ينبغي للصائم أن يتعاهَد صومَه من لسانه، ولا يُمارِي في كلامه، كانوا إذا صاموا قعَدوا في المساجد وقالوا: نحفَظُ صومَنا ولا نغتابُ أحدًا". وليكن يومُك خيرًا من غابِرِك، واغتنِم زمنَ الأرباح، وسابِق فيها غيرَكَ إلى الخيرات؛ فأيامُ المواسم معدودة، وأوقاتُ الفضائل مشهودة، وفي رمضان كنوزٌ غالية، فلا تُضيِّعها باللهو وما لا فائدة فيه، فلا تعلمُ هل تُدرِك رمضان الآخر أم لا، واللبيبُ من نظر في حاله، وفكَّر في عيوبه، وأصلحَ نفسَه. وعلى المرأة أن تكون شامخةً بشرفها، صائنةً عفافَها، مُتزيِّنةً بزينةِ الدين، مُتجمِّلةً بجمال السترِ والحياء، فليالي رمضان معدودة، والأنفاسُ في الحياة يسيرة، والسعيدُ من ملأ حياتَه بالطاعة والإحسان، وابتعدَ عن المعاصي والأوزار، واغتنمَ مواسمَ العام. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٣]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا. أما بعد، أيها المسلمون: ستنقضِي الدنيا بأفراحها وأحزانها، وتنتهي الأعمارُ بطولها أو قِصَرها، وكم من إنسانٍ انتظرَ رمضانَ بأقوى الأملِ في فباغَته الأجل، فافتح فيه صفحةً مُشرقةً مع مولاك، واسدِلِ الستار على ماضٍ نسيتَه وأحصاهُ الله عليك، وتُب إلى التواب الرحيم من كل ذنبٍ وتقصيرٍ وخطيئة، وفي اغتنامِ مواسم الخير في الجدِّ بالعمل الصالح والتوبة مما سلَف من القبائح ما يُعوِّضُ الله به العاملين عما مضى من نقصِ العمل، ويصرِفُ به عقوبةَ ما اقترفَ من الزَّلَل. ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه، فقال في محكم التنزيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا [الأحزاب: ٥٦]. اللهم صلِّ وسلِّم على نبينا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدِلون: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنَّا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمنًا مُطمئنًّا رخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم تقبَّل منا صيامنا وقيامنا، اللهم تقبَّل منا الصيامَ والقيامَ، واصرِف عنا الفتنَ ما ظهر منها وما بطَن. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]، واجعلنا ربنا في هذا الشهر الكريم من عُتقائك من النار. اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم احقِن دماءهم، واحفَظ أموالَهم وأعراضَهم، وأطعِم جائعَهم يا رب العالمين. اللهم وفِّق إمامنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، ووفِّق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وتحكيم شرعك يا ذا الجلال والإكرام. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 37

خطبة المسجد النبوي - ١٩ رمضان ١٤٣٢ - أسرار العبودية في رمضان - الشيخ علي الحذيفي الخطبة الأولى الحمد لله ذي العزِّ والكرم، أسبغَ على الخلق النعَم، وعافَى من شاءَ من النِّقَم، أحمد ربي وأشكره على آلائه الظاهرة والباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو المعروف الذي لا ينقطع أبدًا، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله المبعوثُ بالهُدى، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أولي الفضل والتُّقى. أما بعد: فاتقوا الله حقَّ التقوى، وتمسَّكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى. أيها الناس: إن هذا الدار ليست بدار قرار، فلكم في هذه الدنيا أعمارٌ محدودة وأيام معدودة، ثم تُنقَلون إلى دار الخلود إما نعيمٌ أبديٌّ مُقيم، وإما عذابٌ أليم، وقد قضى الله بعلمه وحكمته ورحمته أن الناس يُجزَون بأعمالهم في هذه الحياة، قال الله تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم: ٣١]، وقال تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى [طه: ٧٤ - ٧٦]، وقال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨]. وقال الله تعالى في الحديث القدسي: «يا عبادي! إنما هي أعمالكم أُحصيها لكم ثم أُوفِّيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمَد الله، ومن وجدَ غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه»؛ رواه مسلم من حديث أبي ذرٍّ ﵁. أيها المسلمون: إن شهر رمضان المبارك زمانٌ لعمل الأعمال الصالحات كلها، ووقتٌ فاضلٌ لفعل الخيرات جميعها، وفيه تتضاعفُ الأجور بعظيم ثواب الحسنات، وقد جمع الله للمسلم في هذا الشهر مع الصيام إقامةَ الصلاة التي هي عمود الإسلام، والزكاةَ التي هي حقُّ المال ومواساةُ الفقراء، والنفقةَ على من يعولهم المسلم، والإحسانَ إلى المحرومين المُحتاجين. كما جمع الله للمسلم في هذا الشهر العُمرة لمن تيسَّت له، وهي من أعمال الحج، ومنَّ الله تعالى في هذا الشهر بتلاوة القرآن الذي هو غذاءُ الروح، وفيه الهُدى والخيرُ كلُّه؛ فقد أنزل الله هذا القرآن في هذا الشهر المبارك، والقرآن يهدي إلى كل خير، وبه تقوى الروح، وتتهذَّبُ النفوس، وتتقوَّمُ الأخلاق. وكذلك جمع الله في هذا الشهر مع الصيام الذكرَ الذي هو أزكى الأعمال، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبرَّ الوالدين، وصلةَ الأرحام، وأنواعَ البرِّ الأخرى. وحفِظ الله بالصيامِ المسلمَ من المحرمات، لما صُفِّدت الشياطين وسُلسِلَت، فطُوبَى لكل مسلمٍ على ما وفَّقه الله له وأعانه عليه من الحسنات. أيها المسلمون: إن الله تعالى قد أقام الحُجَّة على المُكلَّفين، وأنزل على رسوله ﷺ هذا القرآنَ العظيم، وحفِظَ لنا السنةَ النبوية، فلا يضلُّ من تمسَّك بهما ولا يشقَى أبدًا، وقد بيَّن الله لنا أعظمَ بيان أعمالَ أهل الجنة ودعانا إليها لنكون من المُقرَّبين إلى ربنا في جنات عدنٍ مع النبيين - صلى الله وسلم عليهم أجمعين -. فمما أنزل الله من كتابه: قوله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦]. وقولَه تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: ٦٣ - ٧٠]. وقال ﷺ : «سبعةٌ يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه: إمامٌ عادل، وشابٌّ نشأ في عبادة الله، ورجلٌ قلبُه مُعلَّقٌ بالمساجد، ورجلٌ تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شِمالُه ما تُنفِقُ يمينُه، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجلٌ دعَتْه امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمال فقال: إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمين، ورجلٌ ذكرَ اللهَ خاليًا ففاضَت عيناه»؛ رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة. كما بيَّن الله لنا أعمال أهل النار أعظمَ بيان لنبتعِد عنها، قال الله تعالى: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر: ٤٢ - ٤٧]، وقال تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم: ٥٩] وهو وادٍ في جهنم. فاسلُك - أيها المسلم - في هذا الشهر وفي غيره سبيلَ المُهتدين، واعمل بأعمال الصالحين، وابتعِد عن سُبُل الغاوين الفاسقين لتفوزَ بجوار رب العالمين، وتنجُو من العذاب المُهين. عباد الله: إن شهرَكم الكريم قد ولَّت أكثرُ أيامه وانقضَت، فاختِموه بخير ما تقدِرون عليه من الصالحات، فالأعمالُ بالخواتيم، وأنتم تستقبِلون لياليَه العشر أفضلَ الليالي، وقد كان رسولُنا ﷺ يجتهِد في العشر ما لا يجتهِدُ في غيرها رجاء موافقة ليلة القدر، فمن قام ليلة القدر فقد فاز بالخيرات ونجا من الكُربات والحسرات، ومن حُرِمها فقد حُرِم الخير. وما أعظمَ قولَ النبي ﷺ فيها: «من قام ليلةَ القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه»؛ رواه البخاري. فقدِّم - أيها المسلم - ما تنالُ به رضوانَ رب العالمين، وتُقيمُ به أبدًا في جنات الخُلد التي لا ينفَدُ نعيمُها، ولا يبلَى شبابُها، ولا يتحوَّلُ عنها أهلُها، نعيمُهم في ازدياد قد حلَّ عليهم الرضوانُ من رب العباد، قال الله تعالى في هؤلاء أهلِ كرامته: يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ [الزخرف: ٦٨ - ٧٣]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله رب الأرض والسماوات، الذي وفَّق من شاءَ لفعل الحسنات وترك المُنكرات، ومنَّ على أمة الإسلام بالفضائل والخيرات، أحمدُ ربي وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وليُّ الكلمات مُجيبُ الدعوات، وأشهد أن نبينا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله أفضلُ المخلوقات، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه ذوي العلم والمكرُمات. أما بعد: فاتقوا الله في سرِّكم وعلانيتكم يُصلِح لكم أمورَكم، ويُزكِّ أعمالكم، ويغفِر ذنوبَكم. أيها المسلمون: إن طرق الخير كثيرة، وأبواب الحسنات واسعة، فاحرِص على كل خير، واحذر كل شرٍّ، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: ٧٧]، وقال تعالى: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٢٣]. عباد الله: إن شهركم شهرُ الخير والإحسان؛ عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول ﷺ أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكون في رمضان، فلرسولُ الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجودُ بالخير من الريحِ المُرسَلة؛ رواه البخاري ومسلم. معشر المسلمين: إن لكم إخوةً قد أثقلَتهم الديون، وغيَّبَتهم السجون، ولازمَتهم الهُموم، وانقطَعوا عن أُسرهم، وفقد مُجالسَتَهم أقرباؤهم وجيرانُهم، فهم أحياءُ كأموات، هم بحاجةٍ إلى من يُضمِّدُ جراحَهم، ويُخفِّفُ آلامَهم، ويُدخِلُ السرورَ عليهم وعلى ذوِيهم في شهر الإحسان؛ بتفريجِ كُربَتهم بالعطف عليهم، والصدقة التي تقضي ديُونَهم، وهم أهلٌ للزكاة؛ فالزكاةُ تكافلٌ اجتماعيٌّ بين المسلمين. ولو أدَّى الأثرياءُ زكاةَ أموالهم للمُستحقِّين والمُحتاجين لكفَت الزكاةُ ذوي الحاجات، ولوُفِّق الأثرياءُ إلى أعظم الحسنات. وإدخالُ السرور على المسلم من أكبر القُربات، قال ﷺ : «من فرَّج عن مسلمٍ كُربةً من كُرَب الدنيا فرَّج الله عنه كُربةً من كُرب يوم القيامة، ومن يسَّر على مُعسِرٍ يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة»؛ رواه مسلم. وما أسعدَ من جمع بين الأُسرة وعائلها المسجون بعد طول الغياب، وفقد الأحباب، عسى الله أن يجمع بينه وبين أحبَّته في دار السرور والحُبور. فتآخَوا - معشر المسلمين - بينكم بروح الله، وتراحَموا بأُخُوَّة الإسلام، وسُدُّوا حاجةَ الفقراء والمُحتاجين، فالرسول ﷺ قال: «ابغُوني في الضعفاء» - يعني: قوموا بحاجتهم - «فإنما تُنصَرون وتُرزقون بضعفائكم». ودعوةٌ صالحةٌ يفوزُ بها مُنفِقٌ في خيرٍ وإحسان خيرٌ له من الدنيا وما فيها، ومُدُّوا يدَ العون إلى إخوةٍ لكم عضَّتهم المجاعة وأصابَهم البُؤسُ في بعض البُلدان، فمالُ المسلم في الحقيقة هو ما قدَّم لنفسه لا ما أخَّر بعده للورثة. ولا تنسَوا المسلمين في هذا الشهر المبارك من الداء الصالح أن يكشف الله كُروبَهم ويُصلِح حالَهم وألا يُسلِّط عليهم من لا يخافُ اللهَ فيهم ولا يرحمهم. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]، وقد قال ﷺ : «من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا». فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين، وإمام المرسلين، اللهم صلِّ على محمد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمد وعلى آل محمد، كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا. اللهو وارضَ عن الصحابة أجمعين، وعن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين برحمتك يا أرحم الراحمين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم وارضَ عنا معهم بمنِّك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الكفر والكافرين يا رب العالمين. اللهم انصر دينَك وكتابَك وسنةَ نبيك يا قوي يا عزيز اللهم ألِّف بين قلوب المسلمين، وأصلِح ذات بينهم يا ذا الجلال والإكرام، واجمعهم على كلمة الحق إنك على كل شيءٍ قدير. اللهم اقمَع وأذِلَّ البدعَ إلى يوم الدين، اللهم اقمَع وأذِلَّ البدعَ واخزِ البدعَ التي تُحاربُ دينَ نبيك محمد ﷺ إلى يوم الدين يا رب العالمين، اللهم وانصر هدي نبيك محمد ﷺ وأظهِر هدي نبيك محمد ﷺ في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة يا رب العالمين. اللهم أرِنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعَه، وأرِنا الباطلَ باطلاً وارزُقنا اجتنابَه، ولا تجعله مُلتبِسًا عليه فنضِلّ يا رب العالمين. اللهم احقِن دماء المسلمين، واحفظ أموالَهم وأعراضَهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم يا رب العالمين احفَظ لنا ولهم الدين إنك على كل شيءٍ قدير. اللهم اجعل الدائرةَ على أعداء الإسلام يا رب العالمين، اللهم اجعل الدائرةَ والخِزيَ والنَّكالَ على أعداء الإسلام يا رب العالمين الذين يُحارِبون دينَك وأولياءَك يا رب العالمين، إنك على كل شيءٍ قدير. اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين، اللهم أصلِح ذاتَ بينهم، اللهم اغفر لموتانا وموتى المسلمين، اللهم اقضِ الدَّين عن المدينين من المسلمين، اللهم واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين يا رب العالمين. اللهم أعِذنا وأعِذ ذرياتنا من إبليس وذريته وشياطينه وجنوده يا رب العالمين إنك على كل شيء قدير، اللهم أعِذ المسلمين وذرياتهم من إبليس وشياطينه يا ذا الجلال والإكرام. اللهم وفِّقنا لهُداك، اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسرَرنا وما أعلنَّا. اللهم يا ذا الجلال والإكرام اجعلنا ممن وفَّقتَه للصيام والقيام، اللهم اجعلنا ممن غفرتَ ذنبَه يا رب العالمين. اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجِرنا ومن خِزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم وفِّقنا لقيام ليلة القدر على ما تحبُّ وترضى يا رب العالمين، نسألك فعلَ الخيرات، وترك المنكرات، وحبَّ المساكين يا أرحم الراحمين، واحفظنا من مُضِلاَّت الفتن. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم ولاةَ أمورنا. اللهم وفِّق خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، ولما فيه عِزُّ الإسلام والمسلمين يا رب العالمين، اللهم أعِنه على ما فيه الصلاحُ للبلاد والعباد إنك على كل شيءٍ قدير، اللهم واجزِه خيرًا على نُصرته للمسلمين إنك على كل شيءٍ قدير، وعلى اهتمامه بأمور المسلمين يا رب العالمين، أصلِح بِطانتَه، ووفِّقه لما فيه رِضاك إنك على كل شيء قدير، اللهم وفِّق نائبَيْه لما تحبُّ وترضى، ولما فيه الخير للبلاد والعباد، ولما فيه عِزُّ الإسلام يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير. اللهم إنا نسألك يا ذا الجلال والإكرام أن تختِم لنا بخواتيم الخير، وأن تجعلنا ممن ختمتَ له بالسعادة يا رب العالمين، لا تُغيَّر ولا تُبدَّل إنك ذو الفضل العظيم. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: ٩٠، ٩١]. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 38

خطبة المسجد النبوي - ٢٦ رمضان ١٤٣٢ - نعيم رمضان ولذة الأعمال الصالحة - الشيخ علي الحذيفي الخطبة الأولى الحمد لله الذي خلق فسوَّى، والذي قدَّر فهدى، الملكُ الذي لا يُعجِزُه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، يُقلِّبُ القلوب ويكشِفُ الكروب، أحمد ربي وأشكره، وأتوبُ إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له علاَّمُ الغيوب، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله دعا أمتَه إلى كل خيرٍ وحذَّر من كل شرٍّ، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه المُفلِحين. أما بعد: فاتقوا الله تعالى حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى؛ فمن اتقى اللهَ وقاه السيئات، ووفَّقه للخيرات. أيها المسلمون: اذكروا نعمَ الله عليكم في شهركم هذا شهر الخير والفضل والطاعات، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [المائدة: ١١]، وقال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [البقرة: ١٥٢]، وقال النبي ﷺ : «يا مُعاذ! إني أُحبُّك، فقل دُبُر كل صلاةٍ: اللهم أعِنِّي على ذكرك وشُكرك وحُسن عبادتك»؛ حديثٌ صحيح. وقال النبي ﷺ : «اللهم اجعلني لك ذكَّارًا، اللهم اجعلني لك شكَّارًا، أواهًا مُنيبًا مُخبِتًا». وقد صبَّ الله عليكم في هذا الشهر الخيرات صبًّا، وأعطكم أكثرَ مما تتمنَّون، وأجزلَ لكم مما ترغبون، فحقُّ ربكم عليكم أن يُشكَر ولا يُكفَر، وأن يُعبَد ولا يُجحَد، وأن يُذكَر فلا يُنسَى، وأن يُطاعَ فلا يُعصَى، لتُقابِلوا نعمَه بالشكر؛ فمن شكرَ ربَّه زادَه وأعطاه، ومن كفَرَ نعمَه حرمَه وأقصاه، وأعظمُ النعم ما أعدَّ الله للمسلم في جنات النعيم. وماذا يضرُّ المسلمَ ما زُوِي عنه من الدنيا إذا نالَ منزلتَه في جنة الخُلد؟ وماذا ينفعُ الكافرَ والمنافق ما تمتَّع به في الدنيا من اللذَّات؟ قال الله تعالى: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧]، وقال النبي ﷺ : «يُؤتَى بأشد الناس بُؤسًا في الدنيا فيُغمَسُ في الجنة غمسَة، ويقال له: يا عبد الله! هل رأيتَ بُؤسًا قط؟ فيقول: وعزة الله ما رأيتُ بُؤسًا قط، ويُؤتَى بأنعم أهل الدنيا ويُغمَسُ في النار غمسَة، ويقال له: يا ابنَ آدم! عل رأيتَ نعيمًا قط؟ فيقول: وعزة الله ما رأيتُ نعيمًا قط»؛ رواه مسلم. وقد جعل الله للجنة طرقًا وأسبابًا من سلكَها دخل الجنة، وجعل للنار طرقًا وأسبابًا وأعمالاً من عمِل بها دخل النار، قال الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى [الليل: ٥ - ١١]. ألا وإن من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار: صيامَ شهر رمضان وقيامَه، والمُسارعة فيه إلى الأعمال الصالحات. أيها المسلمون: لقد ولَّت أكثرُ أيام هذا الشهر الكريم ولياليه ولم يبق منه إلا القليل، فطُوبَى لمن صامَه وقامَه واتقى اللهَ ﵎ فيه. وإن من سعادة ابن آدم أن يُحاسِبَ نفسَه على فعل الحسنات وعلى الابتعاد عن السيئات؛ فمن أعانه الله ووفَّقه للطاعات في شهر رمضان فيما مضى من أوقاته فليحمَد الله ﵎، وليُتبِع الصالحات من الأعمال فيما كان من الأوقات الخاليات فليُتبِعها بصالح الأعمال في الأيام الباقيات. فما أحسن الطاعات بعد الطاعات، وما أقبحَ السيئات بعد الحسنات، والأعمال بالخواتيم، فاختِموا شهركم بخير ما تقدِرون عليه، وأقبِلوا على ربكم؛ فإنه ﵎ يُقبِل على المُحسنين والطائعين، والله شكورٌ عليمٌ يُضاعِف الحسنات، ويعفُو عن السيئات، وهو أرحمُ بعباده من الأم بولدها. قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ٤٠]، وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى: ٢٥]. وقد تكون ليلةُ القدر في هذه البقية من الليالي؛ فعبادةُ الله فيها خيرٌ من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، قال الله تعالى: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر: ٣]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قام ليلةَ القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه»؛ رواه البخاري ومسلم. وقيامُها هو بالعبادة والصلاة وبقراءة القرآن والذكر وبالصدقات وبكل عملٍ صالحٍ يُقرِّبُ إلى الله ، وما من ليلةٍ من ليالي العشر إلا وجاءت الأحاديث بتحرِّي ليلة القدر فيها. وما أعظم سعادة من وُفِّق للتوبة من جميع الذنوب مع العبادة، قال الله تعالى: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ١١٢]. وهي ليلةٌ يلتقي فيها أهلُ السماوات بأهل الأرض لما يتنزَّلُ فيها من الخير ويُصرَف فيها من الشر، فينزلُ جبريلُ والملائكةُ يستغفرون اللهَ للمؤمنين، ويعبدون اللهَ في الأرض، فتبقى في الأرض بركةُ العبادة التي عبدَ اللهَ فيها المؤمنون والملائكة، قال الله تعالى: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ [القدر: ٤]. فهنيئًا لهذه الأمة على هذه الفضائل والبركات التي منَّ الله بها عليها في هذا الشهر وغيره، قال الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: ٣٤]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، وليِّ الصالحين، أحمدُ ربي وأشكره على أعطى من جُوده وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القويُّ المتين، وأشهد أن نبينا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله بعثَه الله بالهُدى واليقين ليُنذِر من كان حيًّا ويحِقَّ القولُ على الكافرين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فاتقوا الله بلزوم الطاعات، ومُجانبة المحرمات؛ تنجو من عذابه، وتفوزوا بثوابه. عباد الله: قصِّروا الآمال، وتذكَّروا ما أمامكم من الأهوال؛ فإنه لا يُنجِي من ذلك إلا صالحُ الأعمال، ورحمةُ الله ﵎ وسِعَت كل شيء، قال ﵎: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف: ١٥٦، ١٥٧]. عباد الله: إن الله ﵎ قد حفِظكم من مكائد عدوكم، وإن هذا العدو إبليس وشياطينُه، لا يخلُصون إليكم في هذا الشهر مثل ما كانوا يخلُصون إليكم في غيره؛ فقد سُلسِلَت الشياطين، وإن عدوكم الشيطان والذين معه من ذريته الشياطين يتربَّصون بكم أن ينسلِخ هذا الشهر ثم إنهم يخلُصون إليكم ما لم يكونوا يخلُصون إليكم فيه في هذا الشهر المبارك، وإن الله ﵎ قد حذَّركم من هذا العدو، وأمركم بالاستعاذة منه، قال ﵎: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر: ٥، ٦]. فداوِموا على الاستقامة؛ فإن أعظم الكرامة هي الاستقامة على دين الله والثبات على دين الله ﵎، قال الله : فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود: ١١٢]، وقال ﵎ عن ثواب المُستقيمين الثابتين على الطاعات المُجانبين للمُحرَّمات، قال : إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [فصلت: ٣٠، ٣١]. وإن الله ﵎ أمركم بأن تعبدوه في كل زمانٍ وفي كل مكان، قال ﵎: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: ٩٩]. اعبُد الله في رمضان وفي غيره حتى يأتيك اليقين - وهو الموت -، وفي الحديث عن النبي ﷺ أن أبا عمرو سفيان بن عبد الله قال: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحدًا غيرَك. قال: «قل: آمنتُ بالله، ثم استقِم». عباد الله: إن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال ﵎: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]. فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين، وإمام المرسلين، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمد وعلى آل محمد، كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا. اللهو وارضَ عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم وارضَ عنا معهم بمنِّك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك فعلَ الخيرات، وترك المنكرات، وحُبَّ المساكين، وأن تحفظنا من مُضِلاَّت الفتن ما ظهر منها وما بطَن يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أعِذنا وأعِذ ذرياتنا من إبليس وجنوده وشياطينه يا رب العالمين وذريته، إنك أنت الله تُجيرُ ولا يُجارُ عليك، اللهم أعِذ المسلمين وذرياتهم من إبليس وشياطينه وجنوده يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير. اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسررنا وما أعلنَّا، وما أنت أعلمُ به منَّا، أنت المُقدِّم وأنت المُؤخِّر، لا إله إلا أنت. اللهم آتِ نفوسَنا تقواها، زكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها. اللهم أحسِن عاقبَتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خزيِ الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم ثبِّتنا عند السؤال يا رب العالمين، اللهم ثبِّتنا عند السؤال، اللهم أحيِنا في عافية، وتوفَّنا في عافية، اللهم وأدخِلنا الجنة في عافيةٍ منك يا رب العالمين. اللهم إنك أنت الله لا إله إلا أنت، اللهم ارحمنا رحمةً من عندك تُغنينا بها عن رحمة من سِواك يا رب العالمين، اللهم لا تكِلنا إلى أنفسنا طرفةَ عينٍ يا أرحم الراحمين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم ولاةَ أمورنا. اللهم وفِّق عبدكَ خادمَ الحرمين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عملَه في رِضاك يا رب العالمين، اللهم أعِنه على كل ما فيه صلاحٌ وخيرٌ لشعبه وللمسلمين يا رب العالمين، اللهم وفِّق نائبَه لما تحب وترضى يا رب العالمين، اللهم واكتُب له الشفاءَ والعافيةَ إنك على كل شيءٍ قدير، اللهم وفِّق نائبَه الثاني لما تحبُّه وترضى ولما فيه عزُّ الإسلام، ولما فيه صلاحُ البلاد والعباد، إنك على كل شيء قدير. اللهم إنا نسألك أن تغفر لموتانا وموتى المسلمين، اللهم اجعل هذا الشهر مُنسلِخًا بالغُفران منك يا رب العالمين، لنا وللمسلمين التائبين يا رب العالمين إنك على كل شيء قدير. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: ٩٠، ٩١]. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 39

خطبة المسجد النبوي - ١ شوال ١٤٣٢ - خطبة عيد الفطر ١٤٣٢هـ - السبيل الوحيد لتحقيق السعادة - الشيخ حسين آل الشيخ الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينُه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. أمة الإسلام: هنيئًا لكم على إتمام الصيام وإكمال القيام، وهنَّأكم الله بهذا العيد العظيم، دامَت عليكم الفرحةُ والسرور، والبهجةُ والحُبور. إخوة الإسلام: العيدُ في الإسلام واحةٌ فيحاء، تفرحُ فيها النفوسُ المؤمنةُ بما أنعم الله بها عليها من التوفيق إلى الطاعات، والمُسارعة إلى الخيرات، قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: ٥٨]. فاتخِذوه - أيها المسلمون - مناسبةً لتجديد النشاط في العبادة، واجعلوه فرصةً للتسامُح والصَّفح والتراحُم والعطف، تبادَلوا فيه أطيبَ التهاني وأجمل الأماني بنفسٍ راضيةٍ مُنطلِقة، وبوجهٍ مُبتسمٍ ضَحوك، فنبيُّكم ﷺ يقول: «لا تحقِرَنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقَ أخاكَ بوجهٍ طلق»؛ رواه مسلم. إن العيدَ ينبغي أن يُصيِّرنا شُموسًا مُشِعَّةً بالحب والخير، وأقمارًا تُضيءُ بالعطف والبرِّ والإحسانِ والوَصل، وينبغي أن يجعلنا العيدُ مُتمتِّعين بأريحيَّةِ الخُلُق، ولُطف الروح، ولِين الجانب، حتى نكون على هذه الحال في أزماننا كلها. فحبيبُنا ﷺ يقول: «تبسُّمُك في وجه أخيك صدقة»؛ رواه البخاري في "الأدب المفرد"، وغيرُه. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. إخوة الإسلام: إن أعظم مقاصد الشعائر - ومنها الصوم -: تحقيقُ الغاية من خلق الخلق، وهي إخلاصُ الدين لله وحده والتوحيد الخالص له - عزَّ شأنُه -، فأولُ واجبٍ يُطالِعُكم في المُصحف: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة: ٢١]، وأولُ نهيٍ تجِدونه: فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٢]. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. معاشر المسلمين: إن العلاج الناجعَ لواقع المسلمين المرير هو: التمسُّك بالإسلام الصافي الذي تعلَّمه الصحابةُ ﵁ من رسول الله ﷺ وطبَّقوه في شؤون حياتهم كلها، نظامَ حياةٍ مُتكامل ودستور إصلاحٍ شامل، فأضاءَت به مشارقُ الأرض ومغارِبُها، وعاشَت الأمةُ قويةً مُهابة تُشِعُّ للعالَم كلِّه سلامًا وإحسانًا، ورحمةً وعدلاً، وحضارةً ورخاءً. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. إخوة الإيمان: إن الضمان الأوحد لدرأ أسباب الهلاك والدمار ودفع عوامل الشر والأخطار هو الحفاظُ الكاملُ على طاعة الله - جل وعلا - وطاعة رسوله ﷺ ، مع البُعد عن الفواحِش والمُوبِقات والجرائم والمُنكرات؛ ففي الوصية الجامعة: «احفَظ اللهَ يحفَظك»، فما حُفِظَت نعمةٌ بشيءٍ قطُّ إلا بطاعة الله - جل وعلا - ولا حصَلت بها الزيادةُ بمثل شُكره - عزَّ شأنُه -، وما زالَت من العبد نعمةٌ إلا بسبب ذنوبه ومعاصيه؛ فهي النارُ المُحرِقةُ للنعَم، والجالِبَةُ للنِّقَم، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الأنفال: ٥٣]. ولهذا فما وقع للمسلمين الشقاءُ والبأسُ والضرَّاءُ إلا بسبب البُعد عن المنهج القرآني والهدي النبوي، أولم يقل ربُّنا - جل وعلا -: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا [طه: ١٢٤]. أيها الفُضلاء: إن إخوة لنا في الإسلام يُعانون في مواضع شتَّى من الظلم والاضطهاد والبطش والاستبداد والقتل والتشريد والإبعاد، فمسؤوليةُ الدول والمُجتمعات والأفراد مسؤوليةٌ عظيمةٌ أمام الله - جل وعلا -، ثم أمام الضمير البشري بمُناصرتهم والدعاء لهم ومدّ يد العون لهم والتخفيف من مُعاناتهم والوقوف معهم معنويًّا وماديًّا وسياسيًّا. أمة الإسلام: إن بعض بُلدان المسلمين - كالصومال - تُعاني من مجاعاتٍ مُهلِكةٍ ومسغبَةٍ بالغة، فمُدُّا لهم يدَ العون بكل وسيلةٍ مُمكنةٍ، إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [التغابن: ١٧]، وشكرَ الله لخادم الحرمين الشريفين وقفتَه المعهودة لقضايا المسلمين خاصةً فيما وقع لإخواننا في الصومال. معاشر الأحباب: إن تداعيات الأحداث التي مرَّت ولا زالت تمرُّ بها بعضُ بُلدان المسلمين، وما وقع لها من تغيُّراتٍ كُبرى لتُذكِّرُنا أن هذه الدنيا فانية، وأن الآخرة هي الباقية، وأن المُلكَ الحقيقي إنما هو لله وحده يُعِزُّ من يشاء، ويُذِلُّ من يشاء، قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ [آل عمران: ٢٦]. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. إخوة الدين: لنتذكَّر إزاءَ ما وقعَ من أحوالٍ يشيبُ لها الولدان أن الإعراضَ عن تحكيم كتاب الله - جل وعلا -، وأن البُعد عن التحاكُم إلى سنة رسول الله ﷺ ما سبَّبَ إلا البلاءَ العريض والشرَّ المُستطير، أولَم يقل لنا ربُّنا - جل وعلا -: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ [البقرة: ٨٥]. ونبيُّنا ﷺ وقدوتُنا يقول: «وما لم تحكُم أئمتُهم بكتاب الله إلا جعل اللهُ بأسَهم بينَهم». فالواجبُ على الحُكَّام والمحكومين الخضوعُ لله - عزَّ شأنه -، والتذلُّلُ له - سبحانه -، والوقفُ عند شرعه ودينه، فذلكم صمَّام الأمان والسببُ الأوحَد للتمكين والعِزَّة والأمن والأمان، إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: ١٢٨]. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. إنما شهِدناه من أحداث يُصوِّرُ لنا ما قرَّرتْه النصوصُ الشرعيةُ أن الظلمَ عاقبتُه وخيمة وآثاره مُدمِّرة، فعلى المسلمين جميعًا التعاوُن في كل بلدٍ على إحقاق الحق، وإنصاف المظلوم، وإرساء مبادئ الرحمة والعدل والإحسان، والحرصُ على إصلاحٍ شاملٍ لجميع شؤون الحياة يضمنُ الحقوقَ والواجبات وفقَ شرع الله - جل وعلا -. إخوة الإسلام: إن من الخِزي والعار أمام الله - جل وعلا - ثم أمام خلقه أجمعين: ما تشهَدُه المواقع من بُلدان المسلمين من إراقة الدماء وإزهاق أرواح الأبرياء، فذلكم في شرع الله وفي الشرائع كلها جُرمٌ عظيمٌ وذنبٌ جسيم، ألم يقُل لنا ربُّنا - جل وعلا -: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣]. معاشر المسلمين: إن المسلمين متى تمسَّكوا بدينهم، وحقَّقوا طاعةَ ربهم فليعلَموا أن ما يُصيبُهم من مصائب ومِحَن وظلمٍ واضطهاد فهو مما يُكفِّر الله به السيئات ويُعظِمُ به الحسنات، رسولُنا ﷺ يقول: «ما يُصيبُ المؤمنَ من همٍّ ولا حَزَنٍ ولا وصَبٍ ولا نصَبٍ ولا مرضٍ حتى الشوكةَ يُشاكُها إلا كفَّر الله به من خطاياه»؛ متفق عليه. فاصبِروا - أيها المسلمون - واحتسِبوا، وأنيبوا إلى ربكم، وتضرَّعوا إليه - عزَّ شأنُه -، والتجِئوا به، قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ [الأنعام: ٦٤]. أيها المسلمون: لقد جَّبَ المسلمون في بُلدان شتَّى - وللأسف - مناهجَ مختلفة، وأحزابًا متنوعة نابذين حكمَ الله - جل وعلا - عن الحكم والتحاكُم، ولقد أثبتَ الواقعُ - وهو أكبرُ برهانٍ - أن هذه المناهجَ البشريةَ ما جرَّت إلا شقاءً وذُلاًّ للحاكم والمحكوم، وما ولَّدَت إلا مصائب شتى للأفراد والمجتمعات؛ بل وللأمة كلها. وتالله؛ فإن هذه الأحزاب والمشارِب هي التي دخلت على المسلمين بعد الغزو الاستعماري الحاقِد ما أصلَحت دنيا، ولا جرَّت رخاءً واستقرارًا، ولا أقامَت دينًا وشرعًا، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]. ولكن على المسلمين أن يستبشِروا بمُستقبَلٍ وضَّاء لحياة الأمة مهما تعدَّدت المصائب وتكاثَرَت المِحَن، فغفي مبادئ هذا الدين: الأمرُ بالتفاؤل بالخير والظنُّ العظيم بالله - جل وعلا -، وحُسن التوكُّل عليه، فلا بد لليل أن ينجلِي، ولا بُدَّ للقيد أن ينكسِر، يقول ﷺ للصحابة في حادثةٍ ما: «أبشِروا وأمِّلوا». فيا أمة محمد في كل مكان! من منبر رسول الله ﷺ نُناديكم مُخلِصين ناصحين: أسِّسوا حياتَكم على المنهج الكامل الذي جاء به القرآن وأوضحَه سيدُ الثقَلَيْن محمد - عليه أفضل الصلاة والسلام -؛ ففيهما من مبادئ الإصلاح وقواعد الخير ما يجعلُ المسلمين في حياة عِزَّةٍ وكرامة وعيشةٍ طيبةٍ راقيةٍ مُزدهِرة، وكفى بهذه البلاد شاهدًا وبُرهانًا. أقولُ هذا القول، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهُ الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله قائدُ الغُرِّ المُحجَّلين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فيا أيها المسلمون: أُوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا - فبها يجعلُ الله لنا من كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل همّ فرَجًا، ويرزُقنا من حيث لا نحتسِب. إخوة الإسلام: إن بلاد الحرمين منذ قامَت على يد الإمام محمد بن سعودٍ والإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمهما الله، وجزاهما الله عن المسلمين خيرًا -، وهي مؤسسةٌ على القرآن والسنةٍ منهجًا وحُكمًا وتحاكُمًا، ثم جاء الملكُ عبدُ العزيز ﵀ مُؤصِّلاً هذه الدولة على ذلكم المنهج الراشد، فسعُدت - بحمد الله - بالأمن الوافر، والأمان الظاهر، والرخاء الباهر، وإن أعظم واجبٍ أمام هذه النعَم - يا شباب هذه البلاد - هو شُكرُ الله - جل وعلا -. يا مجتمع بلاد الحرمين: اشكُروا اللهَ على هذه النعمة العظيمة، والزَموا طاعتَه - سبحانه -، وتمسَّكوا بشريعته، والتفُّوا حول حُكَّامكم وعلمائكم، وحافِظوا على المسؤولية الجماعية في حفظ الأمن والاستقرار، فرسولُنا ﷺ يصِفُ حالَ المؤمنين بقوله: «مثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم كمثَلِ الجسد الواحد إذا اشتكَى منه عضوٌ تداعَى له سائرُ الجسد بالسهر والحُمَّى». فالمُحافظةُ على الجماعة من أعظم أصول الدين وقواعد الوحيَيْن، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران: ١٠٣]، والسمعُ والطاعةُ لوليِّ الأمر أصلٌ من أصول مذهبِ أهل السنة والجماعة. فاستمسِكوا بوصية النبي ﷺ حينما قال: «أُوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن تأمَّر عليكم عبدٌ حبشيٌّ»؛ رواه البخاري. ثم إن الله - جل وعلا - أمرَنا بأمرٍ عظيمٍ، ألا هو: الصلاةُ والسلام على نبينا وسيدنا محمد، اللهم صلِّ على سيدنا ونبينا وحبيبنا وقُرَّة عيوننا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم نفِّس كُرباتهم، اللهم فرِّج همومَهم، اللهم اكشِف غُمَّتَهم، اللهم اجعل عاقبةَ ما حصلَ لهم عاقبةً حميدةً خيِّرةً إصلاحية يا ذا الجلال والإكرام. اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّه وترضاه، اللهم أطِل عمره على طاعتك، ومُدَّ في حياته على التقوى يا حي يا قيوم، اللهم واحفظه بحفظِك، واكلأه برعايتك، ونائبيْه جميعًا، وجميعَ الأمراء الذين يقومون بخدمة البلاد والعباد، اللهم وفِّق جميعَ أمور المسلمين لما تحبُّه وترضاه، اللهم ولِّ على المسلمين خيارَهم، اللهم واكفِهم شِرارَهم، اللهم واكفِهم شِرارَهم، اللهم واكفِهم شِرارَهم. اللهم أنزِل الأمنَ في ديار المسلمين، اللهم أنزِل الأمن والأمان في ديار المسلمين، اللهم وعُمَّ بالرخاء والسخاء جميعَ بلاد المسلمين. اللهم إنك غنيٌّ حميد، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا غيثًا هنيئًا مريئًا، إنك على كل شيء قدير. سبحان ربك رب العزَّة عما يصِفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمدُ لله رب العالمين.

стр. 40

خطبة المسجد النبوي - ٤ شوال ١٤٣٢ - الحفاظ على الطاعات بعد رمضان - الشيخ حسين آل الشيخ الخطبة الأولى الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ربُّ الأرض والسماوات، وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه أفضلُ من سارعَ إلى الخيرات، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه أهل التقوى والصالحات. أما بعد، فيا أيها المسلمون: أُوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -؛ فهي سببُ الفلاح، وهي عاملُ النجاح، وهي وسيلةُ الفوز في الدنيا وفي الآخرة، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [النور: ٥٢]. إخوة الإسلام: إن أوامر القرآن كثيرةٌ في الدعوة إلى الاستقامة على التقوى، والاستمرار على الهُدى، يقول ربُّنا - جل وعلا -: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا [هود: ١١٢]. وصايا عظيمة ربَّانية تتضمَّن الأمرَ بالإقامة على أمور الإسلام، والتزام منهج الدين، والاستمرار في التقيُّد بقيوده، والوقوف عند حُدوده، والاستجابةُ لأوامره والانتهاءُ عن زواجِره على الوجه الأكمل والطريق الأقوَم. ورسولُنا ﷺ يُوصِي أمَّتَه بوصيةٍ عظيمةٍ ذات عباراتٍ وجيزةٍ جميلة المعنى قليلة المبنى، إنها وصيةٌ تقتضي لزومَ الاعتقاد الصحيح، والتمسُّك بالصبر على الطاعات واجتناب المنهيَّات. جاء سُفيانُ بن عبد الله الثَّقَفي إليه ﷺ فقال: يا رسول الله! أوصِني وقل لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحدًا بعدك، فقال: «قُل: آمنتُ بالله، ثم استقِم»؛ والحديثُ في "صحيح مسلم". إنها وصايا في القرآن والسنة تكفَلُ العِيشةَ الرضيَّة، وتضمنُ الحياةَ الطيبة والسعادة الأبدية، يقول ربُّنا - جل وعلا -: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأحقاف: ١٣، ١٤]. فيا إخوة الإسلام: إنه ينبغي على من تفضَّل الله عليه بالمُسارعة إلى الخيرات في رمضان أن يحمَد الله - جل وعلا - وأن يشكُره حقَّ الشكر، ثم عليه أن يسير على الطريق المستقيم، وأن يزداد تقرُّبًا إلى المولى العظيم، وأن يكون حذِرًا أشدَّ الحَذَر من إهداء حسناته لغيره، أو أن يبُوءَ بفعله القبيح أن يبُوءَ بسيئات غيره، وذلك لا تحصُل السلامةُ منه إلا بأن يصُونَ لسانَه عن أعراض المسلمين، وأن يكون حذِرًا أشدَّ الحَذَر من أذِيَّة المؤمنين، وأن يتحلَّل من حقوق ومظالمِ المسلمين. في "صحيح البخاري" عن النبي ﷺ قال: «من كانت عنده مظلمةٌ لأخيه من عِرْضٍ أو من شيءٍ فليتحلَّلْهُ منه اليوم قبل أن لا يكون درهمٌ ولا دينار، إن كان له عملٌ صالحٌ أُخِذ منه بقدرِ مظلَمَته، وإن لم يكن له حسناتٌ أُخِذ من سيئاتِ صاحبه فحُمِل عليه». وفي "صحيح مسلم" أن النبي ﷺ قال: «إن المُفلِسَ من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي وقد شتمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكلَ مالَ هذا، وضربَ هذا، وسفكَ دمَ هذا، فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنِيَت حسناتُه قبل أن يُقضَى ما عليه أُخِذ من خطاياهم فطُرِحَت عليه، ثم طُرِح في النار». فالسلامةَ السلامةَ، والحَذَرَ الحَذَر - أيها المسلم -، فرسولُنا ﷺ يقول: «المسلمُ من سلِمَ المُسلِمون من لسانه ويده». ولهذا جاء في حديث سفيان - في روايةٍ عند الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ -، أن سفيان حينما طلبَ هذه الوصية من النبي ﷺ قال له: يا رسولَ الله! ما أخفُ ما تخافُ عليَّ؟ فأخذَ رسولُ الله ﷺ بلسان نفسه الشريفة، ثم قال: «عليك هذا». فكُن - يا أيها المسلم - حافظًا لجوارحك، واحفَظ أعمالكَ الصالحة حتى تلقَى الجزاءَ الحسن عند الله - جل وعلا -، وذلك لا يكون إلا بالاستقامة على طاعة الله، ولهذا أمر الله - جل وعلا - نبيَّه بقوله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: ٩٩]. بارك الله لنا في القرآن والسنة، ونفعنا بما فيهما، أقولُ هذا القول، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهُ الأولين والآخرين، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبده ورسوله أفضلُ الخلق أجمعين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اعمُروا أوقاتَكم بطاعة الله - جل وعلا -، ولا تشغلنَّكم مطالبُ الحياة الفانية عن حقائق الآخرة الباقية؛ فإن الفلاحَ والظَّفَر إنما هو في الاستقامة على طاعة الله - جل وعلا - إلى الممات، كما كان عليه نبيُّنا محمد ﷺ . ثم إنه قد صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من صامَ رمضان ثم أتبَعهُ ستًّا من شوَّال فكأنما صامَ الدهر كلَّه». ولهذا ذهب جمهورُ أهل العلم إلى استحبابِ صيام ستٍّ من شوَّال، سواءٌ كانت مُتفرِّقةً أو مُتتابِعة، إلا أنه من كان عليه صومٌ واجبٌ فإنه لا ينبغي أن يُقدَّم عليه غيرُه من التطوُّعات، لما عليه قاعدةُ الشريعة: أن الواجبَ أَوْلَى وآكَد من غير الواجب. ثم إن الله - جل وعلا - أمرنا بأمرٍ عظيم، ألا وهو: الصلاة والتسليم على النبي الكريم. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيدنا ونبيِّنا محمد، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين والأئمةِ المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة والآلِ أجمعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. اللهم أصلِح أحوالنا وأحوال المسلمين، اللهم احفظنا واحفظ المسلمين في كل مكان، اللهم احقِن دماء المسلمين في جميع الأماكن والأزمان. اللهم تقبَّل منَّا إنك أنت السميعُ العليمُ، اللهم تُب علينا إنك أنت التوَّابُ الرحيمُ. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم نفِّس كرباتِ المسلمين وفرِّج همومَهم، اللهم فرِّج هُمومَهم، اللهم واكفِهم من أمور دنياهم وأُخراهم يا حيُّ يا قيُّوم. اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّق جميعَ ولاة أمور المسلمين لما فيه خيرُ رعاياهم، اللهم ولِّ على المسلمين خيارَهم، واكفِهم شِرارَهم يا حيُّ يا قيُّوم. عباد الله: اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، وسبِّحُوه بُكرةً وأصيلاً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 41

خطبة المسجد النبوي - ١١ شوال ١٤٣٢ - أسباب الفلاح في الدارين - الشيخ علي الحذيفي الخطبة الأولى الحمد لله، الحمد لله نحمده ونستعينُه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فاتقوا الله تعالى حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى. أيها المسلمون: إن عزَّ الإنسان في عبادة الله وحده لا شريك له، وسعادتَه في التذلُّل لربه بالطاعات مع المحبة الصادقة، فذلك هو الفلاحُ في الدنيا والفوزُ في الآخرة، ومن قرَنَ بين فعلِ أمر الله وترك ما نهى عنه فهو من السابقين الصالحين الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. قال الله تعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [الواقعة: ١٠ - ١٢]، وقال : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر: ٣٢]. والسابقون: هم الذين قاموا بالفرائض والواجبات، وهجَروا المُحرَّمات والمكروهات، واستكثَروا من المُستحبَّات، والمُقتصِدون: هو دون هؤلاء، والظالمُ لنفسه: هو الذي خلطَ عملاً صالحًا وآخر سيئًا. والعبادةُ التي يتقرَّبُ بها المسلمُ لربه ﵎: هي كل ما يُحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، وأعظمُ العبادة بعد تحقيق الشهادتين هذه الصلاة؛ فقد جمعَ الله في هذه الفريضة أعمالَ القلب وأعمالَ الجوارح؛ فمن أقام صلاتَه ووفَّاها حقَّها فقد فازَ في أعلى الدرجات، ونهَتْه عن الفحشاء والمُحرَّمات، قال الله تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت: ٤٥]، وفي الحديث: «أولُ ما يُحاسَبُ عليه العبدُ يوم القيامة الصلاةُ، فإن قُبِلَت قُبِلَت وسائرُ عمله، وإن رُدَّت رُدَّت وسائرُ عمله». وعن أبي ذرٍّ ﵁ أن النبي ﷺ خرجَ في الشتاء والورق يتهافَت، فأخذَ بغُصنٍ فجعل الورقُ يتهافَت، فقال رسول الله ﷺ : «يا أبا ذر!». قلتُ: لبيكَ يا رسول الله، قال: «إن العبدَ المسلمَ ليُصلِّي الصلاةَ يريدُ بها وجهَ الله فتهافَتُ عنه ذنوبُه كما تهافَتَ هذا الورق من هذه الشجرة»؛ رواه أحمد، قال في "مجمع الزوائد": "ورجاله ثقات". أيها المسلمون: ألا تُحبُّون أن تعلَموا ما يرفعُ الدرجات ويُكفِّر السيئات؟ ألا تُحبُّون أن تعرفوا الأعمال التي فاز بها الفائزون، وتقرَّبَ إلى الله بها المُقرَّبون؟ اعلموها من كتاب ربكم وسنةِ نبيِّكم ﵊، إنها أعمالُ القلوب؛ فأعمال القلوب أفضلُ الأعمال عند الله تعالى، فهي أساسُ أعمال الجوارح، وأعمالُ الجوارح تبَعٌ لها. وقد تعبَّدنا الله بأعمال القلوب لتسلمَ قلوبُنا مما يُضادُّ أوامر الله ﵎، ولتُحفَظَ من دواعي الهوى والوقوع في المُحرَّمات، ولتتطهَّر نفوسُنا ولتتزكَّى أعمالُنا، فتعبَّدنا الله ﵎ بالتوكُّل عليه، والرغبة فيما عنده من الفضل والخير، والرهبة منه والخوف من عقوباته، والرجاء في ثوابه والرجاء في النجاة من عذابه. كما تعبَّدنا - سبحانه - بالإخلاص في القول والعمل والاستقامة على هدي سيدنا رسول الله ﷺ . وأمرَنا بالصبر والإخبات والتواضع لله تعالى، وسلامة الصدر من المكر والخداع والنفاق والحسد، وتعبَّدنا بحُبِّ الله ورسوله ﷺ وحبّ ما يُحبُّه الله ورسوله ﷺ وبُغض ما يُبغِضُه الله ورسوله، وبالتوبة والإنابة والرحمة، والنُّصح لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، إلى غير ذلك من أعمال القلوب التي يتفاضَلُ الناسُ عند الله بها. وأفضلُ من قامَ بأعمال القلوب بعد الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، وأفضلُ من اتَّصَفَ بحقائقها وطبَّق أركانَها ومعانيها هم الصحابةُ والتابعون ﵃؛ لأنهم علِموا معانيها مُطابقةً وتضمُّنًا والتزامًا من لغتهم العربية، وما اشتبَه عليهم سألوا عنه رسولَ الله ﷺ ، قال الله تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ٤٤]. وأنت - أيها المسلم - اسلُك سبيلَهم، فاعمَل بما علِمتَ، واسأل عما تجهلُ من دينك، قال الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣]، وأهلُ العلم فرضٌ عليهم بلاغ الدين للعالم كله، قال الله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف: ١٠٨]، وقال النبي ﷺ : «بلِّغوا عنِّي ولو آيةً». أيها المسلمون: إنكم عبدتُم ربَّكم في شهر رمضان بأنواع العبادات، وملأتُم صحائفَ الأعمال بالحسنات، وأتيتُم بما يُكفِّر السيئات، فاحفَظوا أعمالكم الصالحات من النقص والمُبطِلات، فكما أن الحسنات يُذهِبن السيئات، كما قال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود: ١١٤]، فكذلك السيئاتُ تُنقِصُ ثوابَ الحسنات، أو تُبطِلُها تلك المُوبِقات. وداوِموا على العبادات، وكُن - أيها المسلم - أشدَّ حرصًا على حفظِ الطاعة من المُبطِلات أكثر من حرصِك على فعل الطاعات، واعبدوا ربَّكم في جميع الشهور والأوقات؛ فحقُّ ربنا علينا عظيمٌ، ولن نقدِر أن نعبُدَه حقَّ عبادته، ولكن سدِّدوا وقارِبوا وأحسِنوا العمل باتباع السنة، وأبشِروا وأمِّلوا. قيل لبشرٍ الحافي: إن قومًا يعبُدون اللهَ في رمضان فإذا ذهبَ انقطعوا، قال: "بئس القوم؛ لا يعرِفون اللهَ إلا في رمضان". قال الله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: ٩٩]؛ يعني: اعبُد ربَّك حتى يأتيَك الموتُ، فليس لعبادة الله نهاية إلا أن يموتَ الإنسان. واستقيموا واثبُتوا على دين الله الذي رضِيَه لنفسه وقبِلَه ممن عبدَ اللهَ به، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأحقاف: ١٣، ١٤]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله مُجيب الدعوات، خالقِ الأرضِ والسماوات، أحمدُ ربي وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحدُ الأحدُ الصمد، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله خيرُ من تقرَّبَ إلى الله بالطاعات، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فاتقوا الله - معشر المسلمين -، واحذروا عصيانَه، واطلبُوا رضوانَه. عباد الله: إن الله تعالى منَّ عليكم في رمضان بطاعات الرحمن، فلا تُبدِّل ذلك - أيها المسلم - بطاعة الشيطان، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد: ٣٣]. واعلموا أن الشياطين كانت في رمضان مُقيَّدةً بالسلاسل، ويريدُ الشيطانُ أن يأخُذَ من المسلمين بثأره، فيأتي المسلمَ من كل طريقٍ، فرُدُّوه خائبًا مدحورًا، لئلا يُفسِدَ الأعمال فيجعلها هباءً منثورًا. واعملوا أن خيرَ أحوال المسلم أن يُتبِعَ الحسناتِ السيئات، مع هجر المُحرَّمات، ودون ذلك أن يُتبِعَ الحسنةَ السيئة، وأن يكون يقِظًا تائبًا لله في كل أحواله. عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ، وأتبِعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حسنٍ». عباد الله: إن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال ﵎: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]. فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين، وإمام المرسلين، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا. اللهم وارضَ عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم وارضَ عنَّا معهم بمنِّك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم وارضَ عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحبِ أجمعين. اللهم إنا نسألك أن تغفرَ لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسرَرنا وما أعلنَّا، وما أنت أعلمُ به منَّا، أنت المُقدِّمُ وأنت المُؤخِّرُ، لا إله إلا أنت. اللهم اغفر لنا ذنوبَنا، وإسرافَنا في أمرنا، وثبِّت أقدامَنا، وانصُرنا على القوم الكافرين. اللهم آتِ نفوسَنا تقواها، زكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها. اللهم أحسِن عاقبَتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خزيِ الدنيا وعذاب الآخرة يا رب العالمين. اللهم أرِنا الحقَ حقًّا وارزُقنا اتِّباعَه، وأرِنا الباطلَ باطلاً وارزُقنا اجتنابَه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضِلّ يا رب العالمين. اللهم أعِذنا من شرور أنفسنا، وأعِذنا من شرِّ كل ذي شرٍّ يا رب العالمين. اللهم وفِّقنا لهُداك يا رب العالمين، اللهم وفِّقنا لطاعاتك، وجنِّبنا معاصيك، إنك على كل شيءٍ قدير. اللهم أغنِنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وفضلك عمن سواك يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك الجنةَ وما قرَّبَ إليها من قولٍ أو عمل، ونعوذُ بك من النار وما قرَّبَ إليها من قولٍ أو عمل. اللهم أعِذنا من نزَغات الشيطان، اللهم أعِذنا وذرياتنا من إبليس وذريته وجنوده وشياطينه يا رب العالمين، اللهم أعِذ المسلمين يا رب العالمين من إبليس وذريته وشياطينه، إنك على كل شيءٍ قدير. اللهم عليك بالسَّحَرة يا رب العالمين، اللهم دمِّرهم تدميرًا، اللهم دمِّرهم تدميرًا، اللهم شتِّت شملَهم، اللهم تبِّر عملَهم تتبيرًا يا رب العالمين. اللهم احفظنا وذرياتنا يا رب العالمين من مكرهم وشرِّهم، إنك على كل شيء قدير، اللهم احفظ المسلمين من شرِّهم ومكرهم، اللهم إنهم طغَوا وبغَوا وأفسَدوا يا رب العالمين، اللهم إنهم أطاعوا الشيطان، اللهم إنهم عصَوك يا رحمن، اللهم إنا نسألكَ أن تُعامِلَهم بما يُسوؤهم ويُغيظهم في كل شيء يا رب العالمين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك. اللهم يا ذا الجلال والإكرام أبطِل مكرَ إبليس، اللهم أبطِل مكرَ أعداء الإسلام، اللهم أبطِل مُخطَّطات أعداء الإسلام التي يكيدون بها الإسلام يا رب العالمين. اللهم انصُر دينكَ وكتابكَ وسنةَ نبيك يا قويُّ يا متين. اللهم أظهِر هديَ نبيك محمدٍ ﷺ ، وأظهِر سنَّته في كل زمانٍ ومكان يا رب العالمين، وأظهِر دينَه على الدين كله ولو كرِهَ المشركون، بعزَّتك وجلالك يا رب العالمين. اللهم وفِّق وليَّ أمرنا إمامَنا لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عملَه في رِضاك يا رب العالمين، اللهم احفَظه وأعِنه على ما فيه الخيرُ والصلاحُ لشعبه وللمسلمين يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير، اللهم انصُر به دينَك، وأعلِ به كلمتَك، اللهم وفِّق نائبَه لما تحبُّ وترضى، اللهم واكتُب له الشفاءَ والصحةَ والعافيةَ إنك على كل شيءٍ قدير، اللهم وفِّق نائبَه الثاني لما تحبُّ وترضى، ولما فيه الصلاحُ والفلاحُ للبلاد والعباد، إنك على كل شيء قدير. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. اللهم أعِذنا من شماتة العباد يا رب العالمين، اللهم أعِذنا من سوء القضاء، ومن شماتة الأعداء، ومن درَك الشقاء، ومن جَهد البلاء. اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، اللهم اقضِ الدينَ عن المدينين من المسلمين، اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين يا رب العالمين، اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين يا رب العالمين، اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين يا رب العالمين. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: ٩٠، ٩١]. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 42

خطبة المسجد النبوي - ١٨ شوال ١٤٣٢ - المنايا دائرة - الشيخ صلاح البدير الخطبة الأولى الحمد لله، الحمد لله آوى من إلى لُطفه أوى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له داوى بإنعامه من يئِسَ من أسقامه الدوا، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله شهادةً نرجو بها الفوزَ والهُدى، والنجاةَ من الخيبة والرَّدَى، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما انفَلَقَ صبحٌ ثم بدَا، وسلَّم تسليمًا مزيدًا. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله؛ فقد فاز من اتقى، وخسِر من قادَه الهوى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أيها المسلمون: الأيام دائرة، والمنايا حاضرة، وما الناسُ إلا ظاعنٌ أو مُودِّعٌ، ومُستلَبٌ مُستعجَلٌ أو مُؤجَّلُ، مواعِظُ قارعة، وحوادِثُ زاجِرة، ومصارِعُ مُوقِظَة، وخُطوبٌ مُنذِرة، وفتنٌ وتقلُّبات تُوجِبُ التفكُّر والتذكُّر والعِظَة والعِبرة؛ فأين أهلُ الاتِّعاظِ والادِّكار، والاعتبار والانزِجار؟! أبدًا تُفهِّمُنا الخُطوبُ كُرورَها ونعودُ في عمَهٍ كمن لا يفهمُ تلقَى مسامِعَنا العظاةُ كأنما في الظِّّلِّ يركُمُ وعظَه من يركُمُ وكأن الموتَ على غيرنا كُتِب، وكأن الحق على غيرنا وجَب، نسينا واعِظَة الأيام، وغفَلنا عن حوادث الزمان؛ فيا عجبًا من مُضغة لحمٍ أقسى من الجبال، لا تلينُ مع كثرة العِظات، ولا تخشعُ مع ترادُف الآيات، ولا تزيدُها الحوادِثُ إلا نفورًا ودُبورًا وغرورًا. لأعجبَنَّ وأنَّى ينقضِي عجبي الناسُ في غفلةٍ والموتُ في سَنَنِ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ [الأنبياء: ١ - ٣]. أيها المسلمون: كم شاهَدنا من جُثثٍ في بِقاع القاع قد صُفَّت، وكم عاينَّا من مواعِم في مدارِج الأكفان قد لُفَّت، وكم أبصرنا من عرائس إلى الألحاد قد زُفَّت، فمال العيون ناظرةٌ ولا تُبصِر، ومال القلوب قاسيةٌ ولا تُفكِّر، ومال النفوس ناسيةٌ ولا تذكُر؟! أغراها إنظارُها وإمهالُها، أم بشَّرها بالنجاة أعمالُها، أم لم يتحقَّق عندها من الدنيا زوالُها، أم شمَلَت الغفلةُ فاستحكَمَ على القلوب أقفالُها؟! أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد: ١٦]. إذا كنتَ قد أيقنتَ بالموتِ والفنا وبالبعثِ عما بعدَه كيف تغفُلُ؟! إذا أنتَ لم ترحَل بزادٍ من التُّقَى أبِن لي أبي يوم الجزاء كيف تفعلُ؟! تذكَّر وفكِّر بالذي أنت صائرٌ إليه غدًا إن كنتَ ممن يُفكِّرُ فلا بُدَّ يومًا أن تصيرَ لحُفرةٍ بأثنائها تُطوَى إلى يوم تُنشَرُ يا من طويتَ في طلب الخوادِعِ أدهُرا يا من أبيتَ أن تُفيقَ وتذكُرا يا من فسحَ لنفسه المُدَّة، ومدَّ لها المُهلَة؛ أقصِر فالأمر ليس إليك، وعلَمُ الموت بين يديك. أنسيتَ أننا بشر، يلُفُّ ناقَ درّ، ونحن في سفَر، نمضي إلى حُفَر. الموتُ يشملُنا، والحشرُ يجمعُنا، فحتَّى ما لا ترعوِي وتنتهي، حتى ما سمعُك لا يعِي لمُذكِّرٍ، وصميمُ قلبك لا يلينُ لعاذِلِ. ألم يأنِ أن تخشَع وأين التهجُّدُ؟ أفي سنةٍ كنا أم القلبُ جلمَدُ؟ تيقَّظ أخي واحذر وإياكَ ترقُدُ، أترقدُ يا مغرور والنارُ تُوقَدُ، فلا حرُّها يُطفَى ولا الجمرُ يخمُدُ. فطُوبَى لمن قبِلَ النَّذارَة، ونفعَتْه التذكِرة، وأيقَظَته العِظَة، فجدَّ ولم يغفُل، وشمَّرَ ولم يغتَرّ، وبادَرَ ولم يُسوِّف، وأخذَ الحَيطَةَ والحَذَر، وهجرَ إخوان السوء، ولازمَ أهلَ الرِّقَّة والخشية والعلم وأنابَ وتاب، ويا خسارةَ من حجبَه هواه، وأغواه شيطانُه وأردَاه، فما ازدادَ بالحوادث إلا غفلة، وما ازداد بالعِظات إلا قسوة، وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران: ٧]، سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى [الأعلى: ١٠، ١١]. بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والعِظات والحكمة، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله بارئِ النَّسَم، ومُحيِي الرِّمَم، ومُجزِلِ القِسَم، مُبدِع البدائع، وشارِعِ الشرائِع، دينًا رضيًّا، ونورًا مُضِيًّا، أحمدُه وقد أسبَغَ البرَّ الجزيل، وأسبلَ السترَ الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ عبدٍ آمنَ بربِّه، ورجا العفوَ والغُفرانَ لذنبه، وأشهد أن نبيَّنا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه وحِزبه، صلاةً وسلامًا دائمَيْن مُمتدَّين إلى يوم الدين. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله؛ فإن تقواه سعادةٌ للأعمار، وحجابٌ من النار، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ١٠٢]. أيها المسلمون: الدهرُ ذو عبر يجري بها قدَر، مُلكٌ يُنزَع، وعافيةٌ تُرفَع، وبلاءٌ يقَع، ومن الناسِ من ليس له من الأخبار إلا إيرادَها، ولا من الحوادِث إلا سَردها، ولا من الوقائع إلا ذِكرَها، فاعتبِروا يا أولي الأبصار بالحوادِث والأخبار، وما يكون في النواحِي والأمصار؛ فكلُّ مخلوقٍ للفَناء، وكلُّ مُلكٍ فإلى انتهاء، ولا يدومُ غيرُ ملكِ الباري - سبحانه - من ملكٍ قهَّارِ، مُنفردٌ بالعزِّ والبقاء، وما سِواه فإلى انقضاءِ. أين من كانوا معنا في الزمان الماضي؟ أفنَتهم المَنون القواضِي، أين المرازِبَةُ الجَحاجِحةُ البَطارِقةُ الأُوَل، وذوو التفاضُلِ في المجالس والترفُّلِ في الحُلَل، وذوو المنابرِ والأسِرَّةِ والمحاضِرِ والخَوَل، وذوو المشاهِد في الوغَى وذو المكايِد والحِيَل؟ سفَلَت بهم لُجَج المنيَّة كلهم فيمن سفَل، لم يبقَ منهم بعدَهم إلا حديثٌ أو مَثَل. فيا لها من عبرةٍ لمن اعتبَر، وذكرى لمن ادَّكَر؛ فمن أخذَته تلك الحوادِثُ إلى الإنابة والعبادة والطاعة فذاك الذي اعتبَر، وعلِمَ الخبَر، وصحَّ عنده النَّظَر، وفازَ بالخير والظَّفَر. ثم اعلموا أن ثمرةَ الاستماع الاتباع، فكونوا من الذين يستمِعون القولَ فيتَّبِعون أحسنَه. وصلُّوا وسلِّموا على خير الورى، فمن صلَّى عليه صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا. اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة، أصحاب السنة المُتَّبَعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآلِ والصحابة أجمعين، والتابعين لهم وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وجُودك يا أرحم الراحمين. اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين، ودمِّر أعداء الدين، وانصر عبادك المُوحِّدين، ودمِّر الطغاة والظلَمة والمُعتدين يا رب العالمين. اللهم أدِم على بلاد الحرمين الشريفين أمنَها ورخاءَها، وعِزَّها واستقرارها، ووفِّق قادتَها لما فيه عِزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين يا رب العالمين. اللهم عُمَّ بالأمن والرخاء والاستقرار جميعَ أوطان المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم كُن لإخواننا في سورية من كل سوءٍ ومكروهٍ وفتنة، اللهم احفَظهم من كل سوءٍ ومكروهٍ وفتنةٍ يا كريم، اللهم احقِن دماءَهم، اللهم احقِن دماءَهم، اللهم احقِن دماءَهم، وصُن أعراضَهم، واحفَظ أموالَهم، وأمنَهم واستقرارَهم ووحدتَهم يا رب العالمين. اللهم عليك بالظلَمة الطُّغاة، اللهم عليك بالظلَمة الطُّغاة، اللهم عليك بالظلَمة الطُّغاة، فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم أرِنا فيهم عجائبَ قُدرتك، اللهم أرِنا فيهم عجائبَ قُدرتك، اللهم اقتُلهم بسلاحهم، اللهم اقتُلهم بسلاحهم، وأحرِقهم بنارهم يا قويُّ يا عزيز يا رب العالمين. اللهم قاتلِ الكفَةَ الذين يصدُّون عن سبيلك، ويُعادُون أولياءَك، واجعل عليهم عذابَك ورِجزَك إله الحق يا رب العالمين. اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود، اللهم عليك باليهود الغاصبين، والصهاينة الغادرين، اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تُحقِّق لهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم عبرةً وآيةً. اللهم لا تُشمِت بنا أحدًا، ولا تجعل لكافرٍ علينا يدًا. اللهم اشف مرضانا، اللهم اشف مرضانا، اللهم اشف مرضانا، وعافِ مُبتلانا، وعافِ مُبتلانا، وعافِ مُبتلانا، وعافِ بمنِّك وجودِك مُبتلانا، وفُكَّ أسرانا، وارحم موتانا، وانصرنا على من عادانا يا قويُّ يا عزيزُ يا رب العالمين. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا الله العظيمَ الجليلَ يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكرُ الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 43

خطبة المسجد النبوي - ٢٥ شوال ١٤٣٢ - طرق إصلاح الأمة عند الفتن - الشيخ علي الحذيفي الخطبة الأولى الحمد لله، الحمد لله الذي وسِعَ كل شيءٍ رحمةً وعلمًا، وأفاضَ على خلقه من خزائنه جودًا وكرمًا، لا نفادَ لفضله، ولا انقطاع لمعروفه أبدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الإلهُ الحقُّ المعبودُ في الأرض والسما، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله أفضلُ الخلق عربًا وعجمًا، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه الذين نصروا الدين ببذلِ النفوس والأموال والأولاد، ففازوا بخيرَي الدنيا والآخرة، وبصَّروا الناس بالحق والهدى بعد العمى. أما بعد: فاتقوا الله بالمُسارعة إلى أمره، واجتناب نهيِه؛ يُصلِح لكم أعمالكم، ويُحسِن لكم عواقِبَ أموركم، ويرفع درجاتكم. عباد الله: حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزَن الأعمال، واستعدُّوا لما أمامكم من الأهوال؛ فمن حاسبَ نفسَه خفَّ حسابُه، وضاعفَ الله له ثوابَه، ومن اتبعَ هواه كثُرت سيئاتُه وقلَّت حسناتُه، وأرداه الهوى باتباع الشهوات في حضيض الدركات، قال الله تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: ٢٨]، وقال تعالى: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى [طه: ١٥، ١٦]، وقال تعالى: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص: ٥٠]، وقال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [الجاثية: ٢٣]. فالمُتَّبِع للهوى المُعرِض عن السنة المُخالفُ للهدي المحمدي قد أهلك نفسَه، وأفسَد قلبَه، وأفسدَ في الأرض، قال الله تعالى: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [المؤمنون: ٧١]، وقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة: ٢٠٤، ٢٠٥]. وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تُعرضُ الفتنُ على القلوبِ كعرض الحصير عودًا عودًا، فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها نُكِتت فيه نُكتةٌ سوداء، وأيُّ قلبٍ أنكرها نُكِتت فيه نُكتةٌ بيضاء، حتى تعود القلوبُ على قلبين: قلبٍ أسود مربَّاد كالكوزِ مُجخِّيًا، لا يعرفُ معروفًا ولا يُنكرُ منكرًا إلا ما أُشرِب من هواه، وقلبٍ أبيض مثل الصفا لا تضرُّه فتنةٌ ما دامت السماوات والأرض»؛ رواه مسلم. ومعنى قوله: «أسود مربَّاد» أي: تراكَمَت عليه الخبائث، فاستحالَ لونُه إلى لونٍ قبيحٍ. ومعنى: «كالكوزِ مُجخِّيًا» أي: منكوسًا، لا يصِلُ إليه الهدى كما أن الماء لا يصِل إلا الكوز المنكوس. ومعنى قوله ﷺ : «إلا ما أُشرِبَ من هواه» أي: أن هذا القلب مُتبِعٌ لهواه، فالمعروف ما أحبَّه هواه، والمنكرُ ما أبغضَه هواه، لا يزِنُ الأمورَ بميزان الشرع الحنيف ولا القرآن ولا السنة. والفتنُ التي تُعرضُ على القلوب: فتنُ الشهوات، وفتنُ الشُّبهات، والبدعُ والضلالات، والفرقُ بين القلب الحي والقلب الميت كالحي والميت. والفِرقُ التي ظهرت في هذه الأمة الإسلامية سمَّاها السلفُ الصالح أهلَ الأهواء؛ لاتباعهم الأهواء، ومُجانبتهم هدي رسول الله ﷺ وما كان عليه الصحابة ﵃ من الاعتقاد الصحيح، والتمسُّك بالعدل والوسطية. وقد وقع ما أخبر به النبي ﷺ بقوله: «افترقَت اليهودُ على إحدى وسبعين فرقة، وافترقَت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترقُ هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلُّها في النار إلا واحدة». قيل: من هي يا رسول الله! قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي». وأولُ فرقةٍ ظهرت فرقةُ الخوارج الذين كفَّروا الصحابة وقاتلوهم، وخرجوا على الخليفة الراشد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وعمَدوا إلى آيات وأحاديث في الكفار فتأوَّلوها على المسلمين، وضلُّوا في فهم الأدلة، وفسَّروها على غير وجهها الصحيح، فاستحلُّوا الدمَ الحرام والمالَ الحرام، وكفَّروا من شهِدَ الله له بالإيمان؛ فانفتَحَ على الأمة الإسلامية بابٌ من الفتن لا يُغلَق إلا بقوة السلطان، وبأدلة السنة والقرآن، كما فعل الصحابة ﵃ بهذه الطائفة التي ذمَّتها أدلةُ الكتاب والسنة؛ مثل: قوله ﷺ : «سيخرج قومٌ في آخر الزمان حُدثاءُ الأسنان، سُفهاءُ الأحلام، يقولون من قولِ خير البرية، يقرأون القرآن لا يُجاوِزُ إيمانُهم حناجِرَهم، يمرُقون من الدين كما يمرُقُ السهمُ من الرمِيَّة»؛ رواه البخاري ومسلم من حديث علي ﵁. ثم ظهرت بقيةُ الفِرق في الأمة، ولكل فرقةٍ وارِث إلى ما شاء الله تعالى. ومن أسلمَ قِيادَه للهوى، وساقَه الشيطان فلا تسأل عن هلَكَته، ومن تاب تابَ الله عليه، ومن اعتصمَ بالقرآن والسنة فقد هُدِي إلى صراطٍ مستقيم. أيها المسلمون: أمَا وقد استبانَ خطرُ الأهواء، وعُلِمَ أضرارُ البدع المُحدثَةِ التي تهدِمُ الدين، وشاهدَ المسلمون دمار المجتمعات بارتكابِ المُحرَّمات، واتباع الشهوات؛ لم يبقَ طريقٌ مُنجٍ إلا الصراط المستقيم، ولن يحمِيَ الأمة إلا التمسُّك بالكتاب، ولن يجمع القلوب إلا الحق، قال تعالى: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران: ١٠١]، وقال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: ١٠٣]. وعن العِرباضِ بن سارية ﵁ قال: وعَظَنا رسول الله ﷺ موعظةً بليغة ذرفَت منها العيون، ووجِلَت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظةُ مودِّعٍ، فأوصِنا، قال: «أُوصيكُم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمَّر عليكم عبدٌ حبشيٌّ، فإنه من يعِش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسَّكوا بها، وعضُّوا عليها بالنواجِذ، وإياكم ومُحدثات الأمور؛ فإن كل مُحدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة»؛ رواه الترمذي، وقال: "حديثٌ حسنٌ صحيح". ولقد أتى على أمةِ الإسلام أزمنةٌ أصابَها فيها فتنٌ وخُطوبٌ وكروبٌ وأمورٌ عِظام، لم يُنقِذها الله منها غلا بالرجوع لدينها والتمسُّك بهدي نبيها محمدٍ ﷺ ، فاستقبَلَت حياتَها قويةً مُتعاوِنة مُتحابَّة، مُصلِحة، عزيزة الجانب، مُتمسِّكةً بشرع الله تعالى، وفي هذا الزمان أصابَها من الفتن والشدائد والبلاء ما ترون وتسمعون. ودرءُ الأخطار عن أمة الإسلام، والسعيُ في الإصلاح، وحقنُ دمائها مسؤوليةُ وُلاة أمور المسلمين وعلمائهم ومُفكِّريهم وعُقلائهم، ولن يُصلِح آخرَ هذه الأمة إلا ما أصلحَ أولَها. وأهمُ الأمور في طريق إصلاح الأمة: تحقيقُ توحيد لرب العالمين؛ فالتوحيدُ الخالصُ لله تعالى أساسُ الأعمال، وأساسُ كل إصلاح، وأساسُ الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة، وقد فسَّر التوحيدَ أهلُ البدع والضلال بما كان عليه المُشرِكون في الجاهلية، فسمَّى دعاءَ الموتى، والاستغاثةَ بالصالحين، ورفع الحاجات لهم، وطلبَ الخيرات، ودفعَ الشرور والكُرُبات من أهل القبور، وصرَفوا للموتى والصالحين النُّذور، وسجدوا وطافوا بهذه القبور، فسمَّى أهلُ البدع ذلك كلَّه توسُّلاً وطلبًا لشفاعتهم، وذلك كلُّه إبطالٌ للتوحيد، ودعوةٌ للشرك بالله ﵎. وللأسف أنهم يستدلُّون بآياتٍ هي دليلٌ عليهم لا دليلٌ لهم؛ مثل: قوله ﵎: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة: ٣٥]، والوسيلةُ هنا التي أمرَ الله بابتغائها: هي كلُّ عملٍ صالحٍ يتقرَّبُ به العبدُ إلى الله تعالى مما شرعَه الله وشرَعَه رسول الله ﷺ ، كما دلَّ على ذلك آيةٌ أخرى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء: ٥٧]. قال الله ﵎ في هذا الشرك الذي سمَّوه توسُّلاً، والذي يُخلِّدُ صاحبَه في النار، قال الله تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: ١٨]، وقال تعالى: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس: ١٠٦، ١٠٧]. والشفاعةُ حقٌّ؛ فالرسول ﷺ يشفَع، والصالحون يشفعون، ولكن الشفاعة لأهل التوحيد لا للمُشركين، قال ﷺ : «أحقُّ الناس بشفاعتي: من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه»؛ رواه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁. الأمر الثاني مما يُصلِحُ الله به الأمة ويدفعُ عنها النوازِل: إقامةُ الصلاة كاملة الأركان والواجبات والأفعال والأقوال، قال ﷺ : «صلُّوا كما رأيتُموني أُصلِّي»؛ رواه البخاري ومسلمٌ من حديث مالكِ بن الحُويرِث ﵁. ولو قارنَ كلُّ مسلمٍ صلاتَه بصلاة رسول الله ﵊ لظهرَ له النقصَ في صلاته؛ فعلى كل مسلمٍ أن يُكمل النقصَ في صلاته، وسيرى صلاحَ ذلك في أحواله كلها. الأمرُ الثالثُ مما يُصلِحُ الله به الأمة: الحكمُ بشرع الله في مُجتمعات المسلمين؛ فما أفسدَ أحوالَ المُجتمعات الإسلامية إلا القوانينُ المُستوردة، قال الله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]. وقد رأينا كلَّ خيرٍ في بلادنا بتحكيم الشريعة الإسلامية، أدامَ الله حُكمَها، وما حمانا الله من عواصفِ الفتن المُدمِّرة إلا بشريعتنا الغرَّاء السَّمحَة العادلة الشاملة. أيها المسلمون: إن كل مسلمٍ ضائقٌ صدرُه بما يجري من الفتن وسفك الدماء في تلك البُلدان التي أُصيبَت بهذا البلاء - ولا سيَّما في سوريا -، فنُنكِر سفكَ دماء المسلمين، وهدمَ مساجدهم، واعتقالَهم بغير حقٍّ، وكلُّ أحدٍ على وجه الأرض مما له عقلٌ يستنكِرُ ما يقومُ به حُكَّامُ سوريا ضدَّ شعبٍ أعزل، وكان العقلُ والشهامةُ وكرمُ الطبع يُوجِبُ أن يستجيبَ حُكَّامُ سوريا لنداء خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - لإيقاف هذا النزيف الدموي، والانتهاء من إبادة الشعب السوري؛ ما له من الفضل عليهم في المواقف الصعبة التي مرُّوا بها، ولكن تمادَوا في الظلم والعُدوان، وسفَكوا الدمَ الحرام، وانتهَكوا الحُرمات، وهدَموا المساجد. فجزى الله خادمَ الحرمين الشريفين على كلمته التي سيبقى صدَاها يُندِّدُ بسفك الدماء والإرهاب، فكما أن الإسلام يقِفُ في وجه إرهاب الفرد الظالم المُعتدي، كذلك يستنكِرُ ويُندِّد بإرهاب الدولة. ونرجو الله أن يُوفِّقَ خادمَ الحرمين الشريفين الملكَ عبد الله بن عبد العزيز، وقادةَ العالم الإسلامي لمُواصلة الجهود والعمل بالطُّرق المناسبة لإيقاف هذه الإبادة للشعب السوري؛ فالأمرُ لا يُطاقُ السكوتُ عليه. فادعُوا الله ﵎ أن يُخرِج المسلمين من كُرباتهم ومِحَنهم، وأن لا يُسلِّطَ عليهم من لا يخافُ اللهَ فيهم ولا يرحمُهم من هؤلاء الظالمين المُعتدين وأمثالهم ممن لا يخافُ اللهَ ﵎، ولا يرقُبُ في مؤمنٍ إلاًّ ولا ذمَّة، ولا يشعرُ بصلةٍ بينه وبين المسلم. قال الله ﵎: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ [النور: ٣١]، وقال ﵎: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: ٧١]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله -، اتقوا الله حقَّ التقوى، وتمسَّكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى. أيها المسلمون: إن كل مسلمٍ لو فكَّر في حسناته وفكَّر في سيئاته، وأن عليه من الله حافظًا يكتب سيئاته كما يكتُب حسناته، ولا يظلِمُ اللهُ مثقالَ ذرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ٤٠]، لو فكَّر في أن الله ﵎ يكتبُ ما يعمل لقلَّت سيئاتُه، وكثُرت حسناتُه؛ فإنه إذا حاسبَ نفسَه قلَّ حِسابُه، ويسَّر الله له الحساب، ويسَّر عليه كل شيء، قال الله ﵎: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٨]، وقال : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ [الانفطار: ١٠، ١١]. وفي حديث ابن عباس ﵄: «إن اللهَ كتبَ الحسنات والسيئات»؛ رواه البخاري ومسلم. عباد الله: إن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال - عزَّ من قائل -: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]. فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين، وإمام المرسلين، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا. اللهم وارضَ عن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين. اللهم انصر دينَك وكتابَك وسنةَ نبيِّك. اللهم أعِذنا وذرياتنا من إبليس وذريته وشياطينه، اللهم احفظنا وذرياتنا من إبليس وشياطينه وجنوده يا رب العالمين، إنك على كل شيءٍ قدير، اللهم أعِذ المسلمين وذرياتهم من إبليس وشياطينه وجنوده يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم وُلاةَ أمورنا. اللهم وفِّق عبدكَ خادمَ الحرمين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عملَه في رِضاك يا رب العالمين، اللهم انصُر به دينَك، وأعلِ به كلمتَك، اللهم أعِنه على ما فيه الصلاحُ لشعبه والخيرُ للمسلمين يا رب العالمين، اللهم وفِّق نائبَيه لما تحبُّ وترضى، ولما فيه عزُّ الإسلام وصلاحُ البلاد والعباد، إنك على كل شيء قدير، يا رب العالمين. اللهم اغفِر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، واغفر لنا ذنوبنا. اللهم أحسِن عاقبَتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خزيِ الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم إنا نعوذ بك من سوء القضاء، ومن شماتة الأعداء، ومن درَك الشقاء، وجَهد البلاء، اللهم إنا نعوذُ بك من شماتة العباد. اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين يا رب العالمين، اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين يا رب العالمين، اللهم أعِذنا من شرور أنفسنا، وأعِذنا من شرِّ كل ذي شرٍّ يا رب العالمين. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: ٩٠، ٩١]. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 44

خطبة المسجد النبوي - ٢ ذو القعدة ١٤٣٢ - رسالة إلى الحكام والمحكومين - الشيخ حسين آل الشيخ الخطبة الأولى الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه. أما بعد، فيا أيها المسلمون: أُوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -؛ فمن اتقاه جعل له من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرَجًا، ومن كل بلاءٍ عافية. إخوة الإسلام: لقد ابتُلِي المسلمون في بعض البُلدان ببلاءٍ عظيمٍ: ظلمٍ واضطهادٍ وقتلٍ وتعذيبٍ وتشريدٍ، إراقة دماءٍ وسفكِ أرواحِ أبرياء، ولا حول ولا قوةَ إلا بالله العظيم، والله المُستعانُ وإليه المُشتكَى. إن على المسلمين المُضطهَدين في كل مكانٍ أن يعلَموا أن النصرَ مع الصبر، وأن الفرجَ مع الكَرب، وأن مع العُسر يُسرًا، يقول - جل وعلا -: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ [القصص: ٥، ٦]. إن المسلمين في كل مكانٍ وقد تداعَت عليهم قُوَى الشرِّ والعُدوان، وأحاطَت بهم الكُروبُ من كل جانب، وتكاثَرَت عليهم الفتنُ من كل حدْبٍ وصوبٍ عليهم أن يُجدِّدوا التوبةَ إلى الله - جل وعلا -، وأن يلجَئوا إليه فهو الجبَّار، وأن يتضرَّعوا إليه ويطَّرِحوا بين يديه. قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ [الأنعام: ٦٣، ٦٤]، فهو - سبحانه - القاهرُ فوق عباده، وهو - عزَّ شأنُه - العزيزُ القادِرُ الذي يُجيرُ ولا يُجارُ عليه، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: ٤٥]، فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم: ١٣، ١٤]. إن الرجوعَ الحقيقيَ إلى الله - جل وعلا - وإلى دينه هو السبيلُ لنَيْلِ الخيرات، وهو السببُ المانِعُ عن الشُّرُور والمَثُلات، إن التوبةَ الصادقةَ إلى الله - جل وعلا -، والمُتابعةَ الصادقة لرسوله ﷺ في كل شأنٍ ذلك هو السبيلُ الأوحَد لرفع العقاب بأنواعه، والظلمِ بشتَّى صُوره. قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٢٨، ١٢٩]. نعم، هكذا سنةُ الله أن العبادَ متى استقاموا على شرعِ الله استقامَت لهم الدنيا على أحسنِ حالٍ، قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: ٩٦]. شُكِي إلى الحسن البصري ما يقوم به الحجَّاجُ من ظلمٍ؛ فقال: "إن الحجَّاجَ عقوبةٌ من الله لم تكُ، فلا تستقبِلوا عقوبةَ الله بالسيف، ولكن استقبِلوها بتوبةٍ وتضرُّعٍ واستِكانةٍ وتوبوا تُكفَوه". اهـ. إخوة الإسلام: إن على حُكَّام المسلمين في جميع البُلدان أن يستيقِنوا أن الحفاظَ على نظام الحُكم لا يكون بالظلمِ ولا بالاضطهاد، ولا بالأَثَرة والاستبداد، ولا بالرُّكون للجهود البشرية والقُدرات الإنسانية بعيدًا عن اللُّجوءِ إلى الله - جل وعلا - والتمسُّك بدينه وشرعه؛ فحِفظُ الحكم لا يكون ولن يكون أبدًا بالبُعد عن منهج الإسلام وثوابِته العِظام. فمن تدبَّر كتابَ الله وجدَه ينسِبُ الخلافةَ والتمكين والمُلكَ لله وحده: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: ٢٦]، فمن صلَح وأصلَحَ أصلَحَ الله له المُلكَ الذي يحكمُه، ومن فسدَ وأفسَدَ أُفسِد عليه حُكمُه ولو كان من أمهر الناس وأذكاهم وأقواهم، هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ [البروج: ١٧ - ٢٠]. فيا حُكَّام المسلمين: عُودوا إلى القرآن الكريم، وطبِّقوه في كل شأنٍ، والتزِموا بسنة نبي الإسلام - عليه أفضل الصلاة والسلام -، احتكِموا إلى الوحيَيْن تمسَّكوا بهما، دعُوا عنكم القوانينَ الوضعيَّةَ والدساتيرَ البشرية، احذَروا من كيدِ الأعداء ومُخطَّطاتهم وإملاءاتهم، قال - جل وعلا - فيهم: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء: ٨٩]. واعلموا - أيها الحُكَّام - أن الله وحدَه هو الذي يرفعُ ويخفِض، وهو الذي يُعِزُّ من يشاء ويُذِلُّ من يشاء وفقَ حكمته البالغة، قال ابن كثير في "البداية والنهاية" في حوادث سنة أربعمائةٍ وثلاثين للهجرة: "وفيها خُوطِبَ أبو منصورِ بن جلال الدولة بالملِكِ العزيز - وهو مُقيمٌ بواسط -، وهذا العزيزُ آخرُ من ملَكَ بغداد من بني بُويْه، فلما طغَوا وتمرَّدوا وبَغَوا، وتسمَّوا بملِكِ الأملاك سلَبَهم الله ما كان أنعمَ به عليهم، وجعلَ المُلكَ في غيرهم، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: ١١] ". أيها المسلمون: إن من سَبَرَ أحوالَ المسلمين في عهودهم كلها في الحاضِرِ والماضي علِمَ أن الشرَّ والضررَ والهوانَ والذلَّ والعارَ بدول المسلمين يحصُلُ حينَ يضعُفُ تعلُّقهم بالوحيَيْن، وحين يستبدِلونها بالأهواء النفسية والآراء البشرية، ألم يقُل الله - جل وعلا -: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: ٤١]؟! بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقولُ هذا القولَ، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله الوليِّ الحميد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يُبدئُ ويُعيدُ، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبده ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه. أما بعد، فيا أيها المسلمون: أُوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -؛ فهي وصيةُ الله للأولين والآخرين. أيها المسلمون: إن الراعِيَ والرعيَّة لا يجمعُهم إلا كتابُ الله - جل وعلا -، والاعتصامُ بحبلِه، والاهتداءُ بهديِهِ، ومتى حادُوا عن ذلك فلن يجِدوا للاستقرار سبيلاً، ولا للرخاء طريقًا؛ بل أمرُهم - حينئذٍ - في سَفَال، وأحوالُهم - حينئذٍ - غيرُ مُستقرَّة، وبُلدانهم لن تجِد للأمن سبيلاً، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: ٤٦]. ونبيُّنا ﷺ يقول: «وما لم تحكم أئمَّتُهم بكتابِ الله ويتخيَّروا مما أنزلَ الله إلا جعلَ الله بأسَهم بينهم»؛ أخرجه ابن ماجه بسندٍ صحيحٍ. ثم إن الله - جل وعلا - أمرنا بأمرٍ عظيم، ألا وهو: الصلاة والسلام على النبي الكريم. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيدنا ونبيِّنا محمد، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين والأئمةِ المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الآلِ والصحبِ أجمعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. اللهم إنا نسألُكَ بأنا نشهدُ أن لا إله إلا أنت الأحدُ الصمدُ الذي لم يلِد ولم يُولَد، نسألكَ يا حيُّ يا قيُّوم يا ذا الجلال والإكرام أن ترفعَ عن إخواننا المسلمين الظلمَ والعُدوان، اللهم ارفع عن إخواننا المسلمين الظلمَ والعُدوان، اللهم ارفع عن إخواننا المسلمين الظلمَ والعُدوان، اللهم اجعل لهم من كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل همٍّ فرَجًا، ومن كل بلوًى عافية، اللهم مكِّن لهم في الأرض على الدين، اللهم مكِّن لهم في الأرض على الدين. اللهم إنا نعوذُ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطَن. اللهم أصلِح أحوالنا وأحوالَ المسلمين، اللهم أصلِح أحوالنا وأحوالَ المسلمين، اللهم أصلِح أحوالنا وأحوالَ المسلمين، اللهم مُنَّ على المسلمين بتوبةٍ تُصلِح بها أحوالَهم، اللهم مُنَّ عليهم بعودةٍ إلى هذا الدين تُصلِحُ بها دنياهم وأُخراهم، يا حيُّ يا قيُّوم. اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم عليك بأعداء المسلمين، اللهم عليك بأعداء الإسلام والمسلمين، اللهم لا تِبقِي لهم راية، واجعلهم لغيرهم عبرةً وآية يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات. اللهم وفِّق خادمَ الحرمين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه ونائبَيْه لما فيه خيرُ الإسلام والمسلمين. اللهم اجعل بلاد المسلمين آمنةً مُستقِرَّة، اللهم أنزِل عليها الأمنَ والأمان، اللهم مُنَّ ليها بالأمن والأمان، اللهم ولِّ على المسلمين خيارَهم، اللهم ولِّ على المسلمين خيارَهم، اللهم واكفِهم شِرارَهم يا حيُّ يا قيُّوم. اللهم وحِّد كلمَتهم، اللهم وحِّد كلمَتهم على التقوى والخير، اللهم وحِّد صفَّهم يا حيُّ يا قيُّوم، اللهم امنُن علينا وعليهم بحياةٍ طيبةٍ في الدارَيْن، إنك على كل شيءٍ قدير. اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذابَ النار. اللهم إنك أنت الغنيُّ الحميد، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا يا حيُّ يا قيُّوم، اللهم اسقِ بلادَنا وبلادَ المسلمين، اللهم اسقِ بلادَنا وبلادَ المسلمين، اللهم اسقِ بلادَنا وبلادَ المسلمين. عباد الله: اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، وسبِّحُوه بُكرةً وأصيلاً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 45

خطبة المسجد النبوي - ٩ ذو القعدة ١٤٣٢ - نعمة العقل وكيفية الإنتفاع به - الشيخ علي الحذيفي النص غير متاح

стр. 46

خطبة المسجد النبوي - ١٦ ذو القعدة ١٤٣٢ - قصة إبراهيم وابنه إسماعيل - الشيخ صلاح البدير الخطبة الأولى الحمد لله بارئِ البريَّات، غافِرِ الخطيَّات، عالمِ الخفيَّات، المُطَّلِع على الضمائِرِ والنيَّات، أحمدُه حمدَ مُعترِفٍ بالتقصير، وأستغفِرُه استغفارَ مُذنبٍ يخافُ عذابَ السعير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أحاطَ بكل شيءٍ علمًا، ووسِعَ كلَّ شيءٍ رحمةً وحِلمًا، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله نبيُّ الرحمة الداعي إلى سبيل ربِّه بالحكمة، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وصحبِه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضلُ مُكتسَب، وطاعته أعلى نسَب، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ١٠٢]. أيها المسلمون: في سِيَر السابقين عِظَةٌ وهداية، وفي قصص الأنبياء عِبرةٌ ودلالة، وما أحوجَ الأمة إلى النظر في تلك القصص والأنباء؛ لتكون علَمًا ومنارًا، ومحجَّةً وإسفارًا، ﴿وكلا نقص .. للمؤمنين﴾. وقصةُ أبي الأنبياء وإمامِ الحُنفاء إبراهيم ﷺ ، أشرف أُولِي العزم بعد نبيِّنا وسيدنا محمد ﷺ ، قصةٌ مُجلَّلةٌ بالآيات والعِظات، مُكلَّلةٌ بالعِبَر والدلالات، إبراهيمُ الخليلُ الذي جُعِلَت الإمامةُ مُتصِلةً بسببه، وباقيةً في نسَبِه، وخالدةً في عقِبِه، لا ينالُها الظالمون من ذريَّته. ومن خصائصه وفضائله: خِلعةٌ سنيَّةٌ لا تُضاهَى، ومرتبةٌ عاليةٌ لا تُباهَى، وخصوصيةٌ فريدةٌ لا تُسامَى، فكلُّ كتابٍ أُنزِل بعده من السماء على نبيٍّ من الأنبياء فذلك النبيُّ من ذريته وسُلالته، قال - جل في عُلاه -: ﴿وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب﴾. ولما كبُرَ إبراهيمُ وعقُمَت سارة اشتدَّت لوعةُ الوحدةِ ومرارةُ الوَحشة؛ فدعا إبراهيمُ ربَّه أن يهَبَ له عقِبًا صالحًا، فدخل - بمشورةِ سارة - على هاجر الأمينة المُؤمنة، فأنجبَت له إسماعيل ﵇، ومن هذا الفرع الشريف والغُصن المُنيف خرجَت الجوهرةُ الباهِرة والدُّرَّةُ الزاهرة وواسطةُ العِقد الفاخرة، وُولِد خيرُ أهل الأرض على الإطلاق، وسيدُ ولد آدم باتفاق: نبيُّنا وسيدُنا محمد ﷺ ، الذي اختارَه ربُّه واصطفاه، ولم يُوجَد نبيٌّ من سُلالة إسماعيل سِواه. ودبَّت الغيرةُ في نفس سارة، وتشعَّبَ لُبُّها، وثارَ حُزنُها وشجَنُها، وتمنَّت على إبراهيم أن يذهبَ بهاجر وابنِها إلى حيث لا تراهما، فركِبَ إبراهيم بهما يطوِي المراحِل، ويحدُو الرواحِل، حتى جاء - بأمر ربِّه - موضع البيت الحرام في موطنٍ مُقفِرٍ هواء، ومكانٍ خلاء، وبلادٍ جرداء، ووادٍ مُوحِش ليس به زرعٌ ولا ضَرع، ولا أنيسٌ ولا حَسيس، فتركَهما هناك لا يملِكان سوى جِرابٍ به قليلٌ من الغذاء، وسِقاءٍ به يسيرٌ من الماء. فتبِعَته أمُّ إسماعيل فقالت: يا إبراهيم! أين تذهبُ وتتركنا في هذا الوادي؟ إلى من تتركُنا؟ فقال إبراهيم: إلى الله، قالت: رضِيتُ بالله. وفي لفظٍ: قالت: إذًا لا يُضيِّعُنا. يا لها من عقيدةٍ صادقة تُوقِظُ الضمائر، وتُرهِفُ المشاعِر، استسلَمَت لقضاء الله وخضعَت لحُكمه، وانقادَت لأمره بلا تردُّدٍ ولا تعنُّت، وفوَّضَت أمرَها، وألجأَت ظهرَها، ووجَّهت وجهَها إلى الحيِّ الذي لا يموت. فلتأخُذ المرأةُ المسلمةُ اليوم من هاجر المؤمنة نِبراسًا في الاتباع، وقُدوةً في الانقياد، وأُسوةً في الصبر والثَبات. وانحدَرَ إبراهيم مُفارِقًا حُشاشة نفسه، مُودِّعًا قطعةَ قلبه، مُستسلمًا للقضاء، صابرًا على البلاء، داعيًا دُعاءَ المُوقِن بإجابة الدعاء: ﴿ربنا إني أسكنت .. يشكرون﴾. ومكَثَت هاجرُ تُعالِجُ القضاءَ المحتُومَ، فنفَذَ زادُها وجفَّ ضرعُها، حتى لا تجِدَ لابنها ماءً يبُلُّ صداه، ولا لبنًا تتندَّى به شَفَتاه، في مخمصةٍ مُقسِعة، ومسغَبَةٍ مُعطِبة، فهاجَها التِياعُ طفلها، ونحيبُ صغيرها، وهو يتلوَّى ويتلبَّط، يفحَصُ الأرضَ برِجلَيْه، ويضربُ الصلطَ بقدَمَيْه، كأنه ينشطُ للموت. فانطلَقَت كراهيةَ أن تنظُر إليه - وقد تقطَّعت نِياطُ قلبها -، فقامَت على الصفا واستقبَلَت الوادي لعلها ترى أحدًا، ثم استبطَنت الوادي ورفعَت دِرعَها، وسعَت جهدَها، حتى أتت المروةَ فقامَت فوقَها، ونظرَت لعل أحدًا يأتي نحوَها. قال رسول الله ﷺ : (فذاك سعيُ الناس بينهما). فلما أتمَّت سبعًا بين الصفا والمروة إذا هي بصوتٍ، فنادَت نداءَ اللَهفان، واستغاثَت ااستغاثةَ الظمآن: أغِث إن كان عندك غُواث، أغِث إن كان عندك غُواث. فإذا هي بجبريل ﵇، فبحثَ بعقبِه الأرض، فانبثَقَ الماءُ وفار، وتفجَّرَ نبعُ زمزمَ وحارَ. والله لا يُضيِّعُ من اتقاه، ولا يُخيِّبُ من رجَاه. فرحِمَ الله ضعفَها، وفرَّج كربَها، وأنبَعَ الأرضَ تحتها، فجعلَت تُحوِّضُه بيديها وتغرِفُه بكفَّيها، وتسقِي وليدَها، وتملأُ سِقاءَها. فقال رسول الله ﷺ : (يرحم الله أمَّ إسماعيل؛ لو تركَت زمزم - أو لو لم تغرِف من زمزَم - لكانَت زمزم عينًا مَعينًا). وها هي زمزمُ تسقي - بأمر ربِّها - الحَجيج، وتُطفِئُ لهبَ الأجِيج، ويُسمَع لها ثَجيج، خيرُ ماءٍ وُجِد على وجه الأرض، يقول فيها رسول الله ﷺ : (إنها لمُباركة، هي طعامُ طُعمٍ، وشِفاءُ سُقم). وحلَّق الطيرُ فوق الماء، وحوَّم حول الرَّواء، وصفَّق بجناحَيْه في السماء، فرأَتْه رُفقةٌ من جُرهُم مُقبِلين من طريق كَداء، فأقبَلوا يستأذِنونها في النزول بجِوارِها والإقامة في ناحيتها، فألفَى ذلك أمَّ إسماعيل وهي تحبُّ جِنسَها، وأذِنَت لهم حتى أضحَوا أُنسَها، وتوافَدَت أبياتٌ منهم عليها، وهوَ أفئدةٌ من الناس إليها، ونشأَ إسماعيلُ بين وِلدانهم، وتكلَّم بلسانِهم، ونطقَ بعربيَّتهم، وأنفَسهم فقرَّبُوه، وأعجبَهم فزوَّجوه. ثم فُجِع إسماعيل ﵇ بموت أمه الصابِرة، وانتقال هاجر إلى الدار الآخرة، بعد أن أرضعَته جميلَ الشمائل والخِصال، وبادَرَته بالتأديب حتى بلغَ مبلغَ الرجال. وتربيةُ الأولاد هي مهمةُ المرأةِ العُظمى، ووظيفتُها الأُولَى، ومتى ضُيِّعَت ضاعَت الأمةُ وأجيالُها، وفسَدَت أوضاعُها وأحوالُها. وكان إبراهيم يفِدُ إلى ابنه لِمامًا، ويتفقَّدُه أحيانًا، تُهيجُه حُرقةُ الاشتياق، ويُزعِجُه ألمُ الفِراق، والشوقُ إلى الولد لا يردُّه صبر، ولا يستقِلُّ به صدر. فجاء يومًا وإسماعيل يبرِي نَبلاً، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنعُ الوالدُ مع ولده عند التلاق بعد طول الفِراق، ثم أخبر إبراهيمُ ابنَه بما أمره ربُّه؛ من بناءِ البيت على أساسٍ من التوحيد والحنيفية ونبذِ الشرك والوثنيَّة، فرفعَ إبراهيمُ القواعد من البيت، وإسماعيل بين عينيه، وطوعُ يديه، ورَهنُ كفَّيه، يأتي بالحِجارة، ويُعينُ أباه في البناء والعِمارة، فلما ارتفعَ البناء جاء له بحجرٍ ليقوم عليه، فقام إبراهيمُ على حجر المقام حافِيَ القدَمَيْن يبني وإسماعيلُ يُناوِلُه الحِجارة، وهما يقولان: ﴿ربنا تقبل .. العليم﴾. وما شأنُ العمل بلا قبول، وما قيمتُه بلا رِضا، وما فائدتُه بلا أجرٍ ولا ثواب؟! فاتَّخِذوا من الإخلاصِ وسيلةً إلى القَبول، ومن الموافقة والاتباع للرسول ﷺ وسيلةً إلى حصول الأجر والثواب المأمول؛ فالمُرائِي لا ينتفِعُ بعمله، والمُبتدِعُ لا يُثابُ على سعيِه. وتم البناءُ، وصدَحَ إبراهيم في الأرض بالأذان والنداء، فأقبَلَت الوفود وتقاطَرت الحُشود من عهد أبينا إبراهيم ﷺ وإلى يومنا هذا والمسلمون يأمُّون الكعبةَ المُعظَّمة والبِطاح المُقدَّسة والمشاعِر المُحرَّمة، وقد توحَّد منهم اللباس على اختلاف الأجناس، وتوحَّدت المناسِك على اختلاف البُلدان والممالِك، اجتمعوا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص وعلى دين نبيِّنا محمد ﷺ ، وعلى ملَّة أبينا إبراهيم حنيفًا مُسلِمًا وما كان من المُشركين. بنيانٌ واحد، وجسَدٌ واحد، يسعَدُ بسعادة بعضه، ويتألَّمُ لألمِه ومرضِه، يقول رسول الله ﷺ : (من صلَّى صلاتنا، واستقبَلَ قِبلَتنا، وأكلَ ذبيحَتنا، فذلك المسلم، الذي له ذِمَةُ الله وذِمَّةُ رسوله، فلا تُخفِروا اللهَ في ذِمَّته)؛ أخرجه البخاري. وأصبحَت الكعبةُ المُشرَّفة قبلةً لأمة محمد ﷺ : ﴿ولكل وجهة .. موليها﴾، ولكلٍّ طريقةٌ يرتضيها، ووجهُ السلم حيثُ توجَّه به دينُه، لا يخرُج عن جهته، ولا يُماثِلُ غيرَه في نِحلَته وحِليته، ولا يُشابِهُه في سُنَّته وهيئَته، ولا يُقارِبُهفي خُلُقه وطريقته. وأنَّى لأهل الإسلام أن يتوجَّهوا لغيره والوحيُ نزل عليهم، ورسولُ الله ﷺ بُعِث فيهم، حتى صاروا ببركة رسالته ويُمن سِفارته ونور دعوته ودلالته خيرَ الأمم. فالثَّباتَ الثبَات - يا أهل الإسلام -، والحذر الحَذر أن تزِلَّ بكم الأقدام؛ فدينُكم هو القبلةُ الصحيحة، وشريعتُكم هي الوِجهةُ المُستقيمة، وعقيدتُكم هي الفِطرةُ السليمة. ثبَّتني الله وإياكم على الحق والهُدى حتى نلقاه. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله الكبير المُتعال، أحمدُه على جزيلِ النوالِي وكريمِ الإفضال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تقدَّس عن الأنداد والأضداد والأمثال، وأشهد أن نبيَّنا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله كريمُ الخِصال وشريفُ الخِلال، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه خيرِ صحبٍ وأكرمِ آلٍ. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله ؛ فبالتقوى تحصُلُ البركة وتندفِعُ الهلَكَة، إن العاقبةَ للمُتقين. أيها المسلمون: ورأى إبراهيمُ في منامه رُؤيا - ورُؤيا الأنبياء حقٌّ -، محنةٌ تدُكُّ الجِبال، وتُثقِلُ الرجال، شيخٌ كبيرٌ جالدَ الأيام، وأحنَته الأحداثُ الجِسام، يُؤمَرُ بذبحِ ولدِه، وفرْيِ أوداجِ فِلذَة كبدِه وإنهار دمه بيده. أيُّ نفسٍ تُطيقُ هذا البلاء، وأيُّ قلبٍ يقوَى هذا العناء؟! ودخل إسماعيلُ ليقُصَّ عليه أبوه رُؤياه، ويُخبِره بمِحنته وبَلواه: ﴿يا بني .. ترى﴾، فيقول إسماعيلُ - طائعًا لربِّه ومُلبِّيًا، صابِرًا ومُؤدِّيًا، مُنقادًا وراضِيًا -: ﴿يا أبت .. الصابرين﴾. ﴿فلما أسلَما وتلَّه للجبين﴾ طاوَعَه الابنُ الصالحُ بالتمكين، وكان لأبيه خيرَ مُعين ﴿يا أبت .. الصابرين﴾. فلما أمرَّ على حلقه بالسكِّين ناداه أرحمُ الراحمين: ﴿يا إبراهيم .. المبين﴾ وفَداهُ ربُّه بذِبحٍ عظيم، وخلَّصَه بكبشٍ لَحيم؛ ليُعلَمَ أن البلاء ليس للتعذيب، ولكنه للتمحيصِ والتهذيب. فحينَ تعلَّقَت شُعبةٌ من قلب إبراهيم بمحبة إسماعيل، وقد اتخذَ الله إبراهيم خليلاً، ُمِر بذبح المحبوب، فلما شرعَ في ذبحِه دلَّ على أن محبةَ الله أعظمُ عنده من محبة ولده نفسه، فخلَصَت الخُلَّةُ من شوائب المُشارَكة، ولم يبقَ في الذبحِ مصلحة. فأين من هامَ قلبُه، وتشتَّتَت نفسُه في العِشقِ والوَلَه، والعلَقِ والسَّفَه، والهوى والعَلَه، فيومًا بالعُذَيبِي ويومًا بالخُليصَاء، وتارةً ينتحِي نجدًا وآونةً شِعبَ العقيق وطورًا قصر تيماء، حبٌّ لغير الله، وخُلَّةٌ لم تُؤسَّس على تقواه، موطئٌ زلَق، ومسلَكٌ خطِر، وخِزايةٌ لا تَبلَى، ومسبَّةٌ لا تفنَى، ومعابَةٌ لا تُنسَى. ولا يجتمعُ حبُّ الرب الأعلى بحبِّ المعشوقِ أبدًا: ﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾، ﴿الأخلاء .. المتقين﴾. فيا لها من موعظةٍ فأين السامِع؟ ويا لها من تذكرةٍ فأين التائبُ الراجِع؟ ويا لها من مُوقِظة فأين النادِمُ الخاشِع؟! يُؤمَرُ الخليلُ بذبحِ ولده، فيُباشِرُ الذبحَ بيده، وتستكبِرُ نفوسٌ على الشرع الحكيم، وتستنكِفُ أن تلِينَ وتستكينُ لأحكام الدين. فويلٌ للمُستنكفين المُستكبِرين، الرافضين للحق، المُضلِّي للخلق، يوم يُحشَرون صاغِرين حقِيرين ذليلين، ﴿يومئذ يوفيهم .. المبين﴾. أيها المسلمون: ومضَت سنةُ الأضاحِي علَمًا للملَّة الإبراهيمية، وسنةً في الشريعة المُحمَّدية، تُذكِّرُ بالتضحية والفداء، والصدقِ والوفاء، والصبر والثبات عند المِحنة والبلاء، وحُسن الاستجابةِ لله في السرَّاء والضرَّاء. مضَت قصةُ إبراهيم وهاجر وإسماعيل تُبينُ بأن الإسلام ليس بمحضِ التسمِّي والانتماء، ولا بمحضِ الانتِساب والادِّعاء، ولكنه إيمانٌ راسخ، يقينٌ صادق، علامتُه الخُضوع والانقياد الذي لا يصُدُّ عنه صادٌّ، ولا يردُّ عنه رادٌ، ولا يحمِلُ على تركه مُضاد. مضَت قصةُ الابتلاء العظيم تُذكِّرُ أمةَ الإسلام وهي تُعالِجُ أمواجَ البلاء بأنه لا حُجَّةَ في الزيغِ عن منهاجِ الاستقامة، ولا شُبهة للحِياد عن وجه الحق، ولا تعلُّل للتعالِي عن واضح المحجَّة، ولا معاذِيرَ في المُلايَنَة على حساب العقيدة والدين. فسلامٌ على أبي الأنبياء، وسلامٌ على إمام الحُنفاء، ﴿سلام على إبراهيم﴾. عباد الله: إن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسه، وأيَّه بكم - أيها المؤمنون - من جنِّه وإنسِه، فقال قولاً كريمًا: ﴿إن الله .. تسليما﴾. اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة، أصحاب السنة المُتَّبَعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين لهم وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمشركين، وأذِلَّ الشركَ والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، وانصر عبادك المُوحِّدين، ودمِّر الطغاة والبُغاة والمُعتدين، ودمِّر الطغاة والبُغاة والمُعتدين يا رب العالمين. اللهم أدِم على بلاد الحرمين الشريفين أمنَها ورخاءَها، وعِزَّها واستقرارها، ووفِّق قادتَها لما فيه عِزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين. اللهم وفِّق إمامَنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، وخُذ بناصيتِه للبرِّ والتقوى، ومُنَّ عليه بالصحة والعافية والشفاء يا رب العالمين. اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانه وأعوانه لما فيه صلاحُ العباد والبلاد يا رب العالمين. اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود، اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود، اللهم عليك باليهود الغاصبين، والصهاينة الغادرين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونَك، اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تُحقِّق لهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم عبرةً وآيةً. اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوال المسلمين في اليمن والشام، اللهم أصلِح أحوال المسلمين في اليمن والشام، اللهم احقِن دماءَهم، وصُن أعراضَهم، واحفَظ أموالَهم وأمنَهم واستقرارَهم يا كريم يا رب العالمين. اللهم ارفع الفتنَ والشرورَ والحروبَ عن بلاد المسلمين، اللهم ارفع الفتنَ والشرورَ والحروبَ عن بلاد المسلمين يا أرحم الراحمين. اللهم لا تُشمِت بنا أحدًا، ولا تجعل لكافرٍ علينا يدًا. اللهم اشف مرضانا، وعافِ مُبتلانا، وفُكَّ أسرانا، وارحم موتانا، وانصرنا على من عادانا يا رب العالمين. اللهم يا حيُّ يا قيُّوم اللهم احفَظ حُجَّاج بيتك الحرام، اللهم واحفَظ زُوَّار مسجد رسولك ﷺ ، اللهم احفَظهم بحفظِك، واكلأهُم برعايتِك وعنايتِك يا كريم. اللهم من أرادَنا وأرادَ بلادَنا وأرادَ المسلمين بسوءٍ اللهم فأشغِله بنفسه، واجعل كيدَه في نحره، واجعل تدبيرَه تدميرَه يا رب العالمين، اللهم اكشِف أمرَه، واهتِك سِترَه، واجعله عِبرة يا رب العالمين يا قويُّ يا عزيز. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا الله العظيمَ الجليلَ يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكرُ الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 47

خطبة المسجد النبوي - ٢٣ ذو القعدة ١٤٣٢ - دروس الحج - الشيخ حسين آل الشيخ الخطبة الأولى الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه. أما بعد، فيا أيها المسلمون: أُوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -؛ فمن اتقاه وقاه، وأسعدَه ولا أشقاه. معاشر المسلمين: شرع الله - جل وعلا - العبادات لحِكَمٍ عظيمةٍ ومقاصد سامِية، وإن الحجَّ قد انتظَمَ من المقاصد أسماها، ومن الحِكَم أعلاها، ومن المنافعِ أعظمَها وأزكاها، يقول - جل وعلا -: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ [الحج: ٢٧]. وإن المسلمين اليوم وهم يُعانون فتَنًا مُتلاطمةً، وشُرورًا مُتنوِّعةً، وبلايا مُتعدِّدة لفي أشدِّ الحاجة إلى أن يستلهِموا من فرائض الإسلام العِبَر والعِظات والدروس ليُوجِّهوا حياتَهم من مُنطلقات دينهم، ويُعالِجوا مُشكلاتهم وأدواءَهم على ضوءِ ما يُوجِّهُهم إليه خالِقُهم، ويُرشِدُهم إليه نبيُّهم محمدٌ ﷺ . عباد الله: في الحجِّ تذكيرٌ بأن أعظمَ ما يجبُ أن يُهتمَّ به وأن يُحافظَ عليه وأن يُغرسَ في القلوب: هو تحقيقُ التوحيد لله - جل وعلا -، تحقيقُ الغاية العُظمى في الخُضوع والتذلُّل له - عزَّ شأنه - توجُّهًا وإرادةً قصدًا وعملاً. فمناسِكُ الحجِّ دروسٌ كُبرى للمُسلم بأن يكون في حياته كلها مُحافِظًا على هذا الأصل في كل حينٍ وآن، مُراعيًا له في كل جانبٍ، لا يسألُ إلا الله - جل وعلا -، ولا يدعو إلا إياه، ولا يستغيثُ إلا به، ولا يتوكَّلُ إلا عليه، ولا يتعلَّق إلا به، ولا يطلبُ المددَ والعونَ والنصرَ إلا منه - سبحانه -، مُستيقِنًا قلبُهُ أن الخيرَ كلَّه بيد الله - جل وعلا -، وأن أزِمَّةَ الأمور بيده - سبحانه -، ومرجعَها إليه، لا مانعَ لما أعطَى، ولا مُعطِي لما منَع. فحرِيٌّ بالمسلم المُوفَّق الاهتمامُ بتلك المعاني كلها، وتحقيقها في حياته إلى أن يلقَى ربَّه؛ ليملاَ حياتَه بالخُضوع التام لله - جل وعلا -، والذلِّ المُتناهِي لخالِقِه - سبحانه -، والاستقامة الكاملة على طاعته ولُزومِ طاعته. يقول - سبحانه -: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة: ١٩٧]، وحين أمر بإتمام الحج والعمرة ختمَ الآيةَ بقوله: وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة:١٩٦]، وحين ذكرَ آخرَ المناسِك أوصى - جل وعلا - بتقواه: وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُون [البقرة:٢٠٣]. وسُورة الحجِّ، وهي سورةٌ كاملةٌ ذكر فيها - جل وعلا - مُعظمَ مناسكِ الحجِّ، يقول في أولها: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ [الحج: ١]، وتُختَم هذه السورةُ بقوله - جل وعلا -: فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير [الحج:٧٨]. عباد الله: من دروس الحجِّ: يجبُ أن تعلمَ الأمةُ أنه لا سعادةَ ولا نجاحَ ولا توفيقَ إلا باتباع النبي ﷺ والسيرِ على نهجِه، والمسيرة الجادَّة على هديِه في الاعتقادات والأعمال، في الحكم والتحاكُم، في الأخلاق والسلوك. لذا كان ﷺ في كل منسَكٍ من مناسِكِ الحجِّ يُذكِّرُ بهذا المبدأ، فيقول: «خُذُوا عنِّي مناسِكَكم». فاتقوا الله - عباد لله -، واستلهِموا من هذه الفريضةِ خِصالَ الخير، وسُبُل السعادة، وأسبابَ الفلاح، وذلك بالاستقامةِ على المنهَج الحقِّ والصراط المُستقيم. أقولُ هذا القولَ، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مُبارَكًا فيه. أما بعد، فيا أيها المسلمون: إنه لا رابطةَ تربِطُ المُسلمين إلا رابطةُ التوحيد، ولا نسبَ ثابتٌ إلا نسَبُ الدين، فيجبُ أن تكون صِبغَتُه هي الصِّبغةُ السائدةُ على حياتنا، والتي يجبُ معها النبذُ التام لحمِيَّة الجاهليَّة وفخَارِها، يقول - جل وعلا - في سِياق آياتِ الحجِّ: ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [البقرة: ١٩٩]. فلماذا التفرُّق بين المسلمين وقد أمرَهم الله بالاعتصام بدينه؟ ولمَ التباغُض والتنافُر وقد أمرَ الله بالأُخُوَّة بين المؤمنين؟ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠]. فأين المسلمون من المقاصد العُظمى لدينهم؟ لماذا يكيدُ المُسلمُ لأخيه؟ ولماذا التفرُّق والتحزُّب وأُصولُ ديننا واحدةٌ، وقواعدُه العُظمى ثابتةٌ؟ لماذا التفرُّق والخِلاف في جُزئيَّاتٍ وفروعٍ وقد نصَّ المُحقِّقون من علماء الإسلام أن الخلافَ في الفروع لا يجوزُ أبدًا أن يكون سببًا للتنافُر والتفرُّق؛ لأنه يهدِمُ أُصولَ الإسلام العُظمى. ولهذا أشار إلى ذلك النبيُّ ﷺ ، مُحذِّرًا من عواقِبِ التفرُّق والتحزُّب، فيقول في خُطبة الوداع: «إن دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ كحُرمة يومكم، في بلدكم هذا، في شهرِكم هذا». فالحجُّ - أيها المُسلمون - يجبُ أن يكون بدايةً لنغرِسَ في النفوسِ حياةً للمُسلمين تُراعَى فيها حُرُمات الله؛ لتقوم في الأرض حياةٌ يأمَنُ فيها البشرُ من البَغيِ والعُدوان، حياةٌ يجِدون فيها مثابةَ أمنٍ، ودَوحَةَ سلامٍ واطمئنانٍ. فربُّنا - جل وعلا - يقول: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً [البقرة: ١٢٥]، ويقول: وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران: ٩٧]. ثم إن الله - جل وعلا - أمرنا بأمرٍ عظيم، ألا وهو: الصلاة والسلام على النبي الكريم. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيدنا ونبيِّنا محمد، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين وعن الصحابة أجمعين، وعن الآلِ ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أذِلَّ الشركَ والمُشركين، اللهم أصلِح أحوالَنا وأحوالَ المُسلمين، اللهم فرِّج هُمومَنا وهمومَ المسلمين، اللهم اكشِف كُرُبات المسلمين في كل مكانٍ. اللهم هيِّئ للمسلمين في ليبيا وفي سُوريا وفي مصر وفي اليمن حياةً طيبةً آمِنة ولسائر بلاد المسلمين. اللهم اجمع المسلمين على الحق والتقوى، اللهم اجمع المسلمين على الحق والتقوى، اللهم اجعلهم مُتعاوِنين على البرِّ والخير يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اجعلهم إخوةً مُتحابِّين في الله وفي محبَّة رسول الله ﷺ . اللهم احفظ هذه البلاد من كل سوءٍ ومكروهٍ وسائر بلاد المسلمين، اللهم احفظ بلادَ المسلمين جميعًا من كل سوءٍ ومكروهٍ يا ذا الجلال والإكرام، اللهم عُمَّ بالأمن والرخاء سائر بلاد المسلمين، اللهم اجعل المسلمين في أمنٍ ورخاءٍ واستقرارٍ. اللهم اجعل هذا الحجَّ مُنطلقًا إلى كل خيرٍ للإسلام والمسلمين يا ذا الجلال والإكرام. اللهم فرِّح قلوبَنا بنُصرة الإسلام والمسلمين، اللهم فرِّح قلوبَنا بنُصرة الإسلام والمسلمين في كل مكان، اللهم من أرادنا وأراد المسلمين بسوءٍ فأشغِله في نفسه، واجعل تدميرَه في تدبيره يا رب العالمين. اللهم احفظ خادمَ الحرمين، اللهم ازرقه الصحةَ والعافيةَ، والعُمر المَديد ولنائبيْه يا ذا الجلال والإكرام بمثل ذلك، إنك على كل شيءٍ قدير. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، المسلمين والمسلمات. اللهم احفظ الحُجَّاج والمُعتمِرين، اللهم احفظ الحُجَّاج والمُعتمِرين، اللهم رُدَّهم إلى بلادهم سالِمين غانِمين. اللهم يا حيُّ يا قيُّوم نسألُك أن تغفِر لنا ذنوبَنا، وأن تُكفِّر عنَّا سيئاتنا، وأن تُصلِح أحوالَنا، وأن تشفِيَ مرضانا ومرضى المُسلمين. عباد الله: اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، وسبِّحُوه بُكرةً وأصيلاً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 48

خطبة المسجد النبوي - ١ ذو الحجة ١٤٣٢ - الحج وفضائله - الشيخ عبد المحسن القاسم الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى، وراقِبوه في السرِّ والنجوى. أيها المسلمون: الله - سبحانه - هو الغنيُّ القويُّ، وما سواه مُفتقِرٌ إليه مُحتاجٌ له؛ فلم يخلُق الخلقَ تكثُّرًا بهم ولا تقويةً لجلاله؛ بل خلقَهم لحكمةٍ عظيمةٍ هي: عبادتُهم له، وبعبادتهم له يسعَدون. ولفضله ورحمته بخلقه شرعَ لهم أعمالاً أقوالاً يتقرَّبون بها إليه، ولتتضاعَفَ أجورُهم ولتُقضَى عنده حاجاتُهم، وفاضَلَ - سبحانه - بين عباداته فجعل تحقيقَ التوحيد والعملَ به واجتنابَ نواقِضه أجلَّ عملٍ يُحبُّه الله، وإظهارَ هذه العبادة بالقول أزكى الأقوال إليه، قال ﵊: «أحبُّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»؛ رواه مسلم. بل جعل - سبحانه - توحيدَه شرطًا لقَبول أي عملٍ صالحٍ، وإن انتقضَ هذا الشرطُ لم ينتفِعِ العبدُ بعمله ورُدَّ إليه، قال - سبحانه -: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين [الزُّمَر:٦٥]. ولتحقيق أساس الدين وإظهاره في أقوال العباد وأعمالهم نوَّع - سبحانه - الطاعات والأعمال الصالحة ليُعظَّمَ الربُّ في كل حين، فما أن ينتهي موسمٌ إلا ويعقُبُه بموسمٍ آخر يُظهِرون فيه توحيدَه - سبحانه - والتذلُّل إليه. فشرعَ - سبحانه - أطولَ عبادةٍ بدنيَّةٍ مُتصلةٍ يتلبَّسون بها أيامًا لإظهار إفراد الله بالعبادة وحده، وأن عبادة ما سواه باطلة، ولتكُو بها أبدانُهم وأموالُهم، وتطهُر بها قولبُهم وأفواهُهم، فمن أدَّاها كما أمره الله عادَت صحائِفُ أعماله بلا أدرانٍ ولا خطايا، قال ﵊: «من أتَى هذا البيتَ فلم يرفُث ولم يفسُق رجعَ كيوم ولدَتْه أمُّه»؛ متفق عليه. ويتعرَّضُ الحُجَّاج في هذه العبادة لنفَحَاتِ ربهم في مكانٍ عظيم، وفي يومٍ هو أكثرُ أيامٍ تُعتقُ فيه الرقابُ من النار، قال النبي ﷺ : «ما من يومٍ أكثرُ من يُعتِقَ اللهُ فيه عبدًا من النار من يومِ عرفة، وإنه ليدنُو ثم يُباهِي بهم الملائكة، فيقولُ: ما أراد هؤلاء؟»؛ رواه مسلم. ومن كان حافظًا لحجِّه مما حرَّم الله وعدَه الله بالجنة، قال ﵊: «الحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلا الجنة»؛ متفق عليه. الحجُّ ركنٌ من أركان الدين مليءٌ بالمنافع والعِبَر، أمرَ - سبحانه - فِعلَه في أطهر بُقعةٍ وأشرفِها، ليجتمِعَ شرفُ العمل والمكان، بنى الخليلُ فيها بيتَ الله وأسَّسه على التقوى والإخلاص، وأبقَى الله ما بناه إبراهيم ليرَى العبادُ أنه لا يبقى من العمل إلا ما كان خالصًا لوجه الله. ويستفتِحُ الحُجَّاجُ عبادتَهم بإظهار الوحدانية لله وحده، والبراءة من عبادة ما سواه: "لبَّيك اللهم لبَّيك، لبَّيك لا شريكَ لك لبَّيك". والشهادةُ لا تتمُّ إلا بطاعة النبي ﷺ واقتفاءِ أثَره، وتقبيلُ الحجر الأسود منهجٌ في الطاعة والابتاع، فتقبيلُه تعبُّدًا لا تبرُّكًا بالحجر، فهو لا ينفعُ ولا يضُرُّ. جاء عمر ﵁ إلى الحجَر فقبَّله فقال: "إني أعلمُ أنك حجرٌ لا تضُرُّ ولا تنفَع، ولولا أني رأيتُ النبي ﷺ يُقبِّلُك ما قبَّلتُك"؛ رواه البخاري. وفي التلبُّس بالإحرام دعوةٌ للنفس إلى عصيان الهوى؛ فلا لُبس مخيطٍ ولا مسَّ طِيبٍ ولا خِطبةَ نكاح. وسوادُ الحجر الأسود تذكيرٌ للعباد بشُؤم المعصيةِ حتى على الجمادات، وعِظَمُ أثرها على القلب أشدُّ، قال ﵊: «نزلَ الحجرُ الأسودُ وهو أشدُّ بياضًا من اللبن، فسوَّدَته خطايا بني آدم»؛ رواه الترمذي. ويرى الحاجُّ أثرَ المعصية على العاصي، فإبليسُ ظهر على إبراهيم ثلاث مراتٍ ليمنَعه عن امتثال أمر ربِّه بذبح ابنه إسماعيل، فرماهُ الخليلُ بالحجَر مُهينًا ومُظهِرًا له العداوة، وعودةُ خروجه على الخليل تذكيرٌ من الله لنا بأن إبليس يُعاوِدُ وسوستَه لبني آدم وفي عدة مواطن. والحجُّ إعلامٌ بأن الإسلامَ هو الدينُ الحق، فلا ترى خلقًا يجتمعون من بِقاع الأرض على تبايُن أجناسِهم ومواطِنهم وطبقاتهم إلا في الحج، وهذا من عظمة الإسلام. وفي الحجِّ إظهارُ معنًى من معاني الربوبية، وأن قلوبَ العباد يُصرّفُها الله كيف يشاء، فيرى الحاجُّ وغيرُه أن الهدايةَ بيد الله وحده، يمنحُها للفقير وللمرأة وللعاجز وللآفاقي والعجمي، وقد يُحرَمُ منها الغنيُّ القويُّ القادر، وفضلُ الله يُؤتيه من يشاء. وفي أداء هذا الركن انتظامُ عبادةٍ بعد أخرى، ودقَّةٌ في العمل والزمن، فعبادةٌ بالليل؛ كالمبيت بمُزدلِفة، وأخرى بالنهار؛ كالوقوف بعرفة، وعبادةٌ باللسان بالتكبير والتلبية، وأخرى بالجوارح؛ كالرمي والطواف، وفي هذا إيماءٌ إلى أن حياةَ المسلم كلَّها لله. والأعمالُ بالخواتيم، وقد يُرى أثرُ خِتامها في المحشَر؛ فالمُتصدِّقُ يُظلُّ تحت ظلِّ صدقَته، والعادلُ في حُكمه على منابِرَ عن يمين الرحمن، ومن مات مُحرِمًا بُعِثَ مُلبِّيًا. وعلى العبد إذا انشقَّ فجرُ يومه أن يُعِدَّه خِتامَ عُمره، عملاً بقول النبي ﷺ : «كُن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابِرُ سبيلٍ»؛ رواه البخاري. ومن علَّق قلبَه بالله والدارِ الآخرة وقصَّرَ أملَه في الدنيا وتزوَّد بزاد التقوى ظفَرَ بالنجاة والفلاح. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير [الحج:٢٧، ٢٨]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبدُه ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا. أيها المسلمون: خصَّ الله أمكنةً بالشرفِ والفضلِ، واختارَ الله من العام أزمِنةً يزكُو بها العملُ الصالحُ ويتضاعَف، فاختارَ من الشهور: أشهُر الحجِّ ورمضان، ومن الليالي والأيام: العشرَ الأخيرَة من رمضان وعشرَ ذي الحجَّة، وأيامُ ذي الحجَّة تفضُلُ على أيام العشرِ الأواخِر من رمضان؛ قال ﵊: «ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام - يعني: أيام العشر -». قالوا: يا رسول الله: ولا الجهادُ في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهادُ في سبيل الله، إلا رلٌ خرجَ بنفسه وماله فلم يرجِع من ذلك بشيءٍ»؛ رواه الترمذي. ومن العمل الصالح فيها: المزيدُ من برِّ الوالدين وصِلَة الرَّحِم، والصدقَة والصوم، والذكر وتلاوة القرآن، وتفريجِ الكُرُوب والتكبير. وكان الصحابةُ ﵃ يُكبِّرون حتى في الأسواق. أيها المسلمون: فاضَلَ الله بين أحوالِ الناس في الحياة؛ فمنهم من يُوفَّقُ إلى فعل الخيراتِ والمُسارعَةِ إلى الحسنات، والاستجابةِ إذا طُلِبَت منه معونةٌ أو تفريجُ كُربةٍ يحتسِبُ ذلك عند ربِّه عالمًا بأن ما عند الله خيرٌ وأبقى، وهذا الصِّنفُ من الناس يُسعِدُه أن يقضِي حاجةً، أو أن يُعينَ مريضًا، أو يُؤوِي فقيرًا، أو يُطعِم جائعًا، أو يُفرِّجَ كُربةً، فترى القلوبَ له مُحبَّةً، والألسُن له داعيةً، ولفقدِه حزينة. ومن الناس من يُحرَمُ مثل ذلك، ولا يُسارِعُ إلى فعل الطاعات. فاحرِصوا أن تكونوا من السبَّاقين؛ فإنكم مُلاقُوا ربِّكم ومجزيُّون بأعمالكم، وتذكَّروا قولَ الله - سبحانه -: وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين (١٣٣) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين [آل عمران:١٣٣، ١٣٤]، وقولَه - سبحانه -: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه (٧) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:٧، ٨]. ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيِّه، فقال في محكم التنزيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا [الأحزاب: ٥٦]. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبينا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضَوا بالحق وبه يعدِلون: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنَّا معهم بجُودك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمِنًا مُطمئنًّا رخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم سلِّم الحُجَّاج والمُعتمِرين، اللهم اجعل حجَّهم مبرورًا، وسعيَهم مشكورًا، وذنبَهم مغفورًا، وأعِدهم إلى بلادهم سالِمين غانِمين، واجمَع كلمتَهم على الحقِّ والبرِّ والتوحيد يا رب العالمين. اللهم وفِّق إمامنا لهداك، وألبِسه لباسَ الصحة والعافية، ووفِّق وسدِّد وليَّ عهده واجعله ناصيةَ خيرٍ وبرٍّ للإسلام والمسلمين، اللهم اغفر لفقيد هذه البلاد، وارفع درجتَه في المهديين، واجبُر كسرَ مُصاب المسلمين به يا رب العالمين. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين [الأعراف:٢٣]. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 49

خطبة المسجد النبوي - ٤ ذو الحجة ١٤٣٢ - صلاة الاستسقاء - المعاصي سبب حلول المصائب - الشيخ حسين آل الشيخ ألقى فضيلة الشيخ حسين بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله - خطبة الاستسقاء بعنوان: "المعاصي سبب حلول المصائب"، والتي تحدَّث فيها عن المصائب وأن سببَ نزولها المعاصي والذنوب. الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينُه ونستغفرُه ونستهديه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين. أما بعد، فيا أيها المسلمون: قد شكونا جدبَ ديارنا، والقحطَ في بُلداننا، حتى مسَّنا البأساءُ والضرَّاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هو ملجؤنا، وهو الذي إليه نلتجِئُ عند الشدائد والمِحَن. أيها الناس: إن ما يُصيبُ المسلمين من مصائب فإنما هو بسبب ما كسبَت أيديهم؛ فما نزل بلاءٌ إلا بذنبٍ، يقول الله - جل وعلا -: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران: ١٦٥]. وما يقعُ في الأرض من فسادٍ بشتَّى صُوره إلا بسبب ذنوبِ العباد، يقول ربُّنا - جل وعلا -: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١]، ونبيُّنا ﷺ فيما رُوي عنه في "مسند الإمام أحمد" - أنه قال: «وإن الرجلَ ليُحرَمَ الرزقَ بالذنبِ يُصيبُه». ولكن - أيها المسلمون - إنه لا يرتفعُ بلاءٌ إلا بتوبةٍ إلى الله - جل وعلا -، ولا يحصُل مخرجٌ من أزمةٍ وضيقٍ إلا بتقوى الله - جل وعلا -؛ فربُّنا - سبحانه - يقول: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق: ٢]، ويقول - عزَّ شأنُه -: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق: ٤]، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: ٩٦]. أيها المسلمون: توبوا إلى الله - جل وعلا - توبةً نصوحًا، وعودُوا إلى العمل الصالح بكل أنواعه، التجئُوا إلى الله - جل وعلا -، تقرَّبوا إليه ظاهرًا وباطنًا، حقِّقوا التوحيدَ الخالص، والعملَ الصالح تنالوا الخيرَ بشتَّى صُوره في الدنيا والآخرة. يقول الله - جل وعلا - مُبيِّنًا أن المتاعَ الحسن والحياةَ الطيبةَ إنما هي بالتوبة الصادقة والاستغفار بالقلبِ والقولِ والعمل: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود: ٣]، ويقول - جل وعلا - عن نبيِّه هود أنه قال لقوه: وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ [هود: ٥٢]. إن الرحمةَ في الدنيا إنما تنزلُ بالتوبة الصالحة الصادقة، فيقول الله - جل وعلا - عن نبيِّه صالح أنه قال لقومه: لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النمل: ٤٦]. جاء رجلٌ إلى أحد السلف فقال له: إني أشكُو الفقرَ، فقال: "عليك بالاستغفار". وجاءه آخر فقال: شكَونا الجدبَ، قال: "عليكم بالاستغفار". وقرأ في الموضعَيْن: قول الله - جل وعلا -: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح: ١٠ - ١٢]. فعليكم - أيها المسلمون - التوبة الناصحة الصادقة، الزَموا العملَ الصالحَ، أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، اعتقادًا وقولاً وعملاً يحصُلُ لكم الفوزُ من كل جانبٍ. أيها المسلمون: إن الله - جل وعلا - أمرَنا بدعائه، ووعدَنا بالإجابة، فنسألُ الله - جل وعلا - أن يُجيبَ دعاءَنا، وأن يُفرِّجَ كُرُباتنا. لا إله إلا الله يفعلُ ما يريدُ، اللهم أنت الغني ونحن الفقراءُ، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين. اللهم أنزِل علينا الغيثَ واجعل ما أنزلتَه متاعًا إلى حين. اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم اسقِ عبادَك وبهائمَك، وأحيِي بلدَك الميتَ، وانشُر رحمتك على العباد يا رحمن يا رحيم. نسألك بأننا نشهدُ أن لا إله إلا أنت الأحدُ الصمدُ الذي لم يلِد ولم يُولَد ولم يكن له كُفوًا أحد، نسألُك يا منَّان، يا بديع السماوات والأرض أن تُنزِلَ علينا الغيثَ، اللهم أنزِل علينا الغيث، اللهم أحيِي بلادنا بالمطر، اللهم أحيِي بلادنا بالمطر، اللهم اسقِ بلادَنا وبلادَ المسلمين، اللهم اسقِ بلادَنا وبلاد المسلمين. اللهم سُقيا رحمةٍ يا حيُّ يا قيُّوم، لا سُقيا هدمٍ ولا بلاءٍ ولا عذابٍ. نسأل اللهم غيثًا مُغيثًا هنيئًا مريئًا عاجلاً غير ضارٍّ يا أرحم الراحمين. اللهم لا ترُدَّنا خائبين، اللهم لا ترُدَّنا خائبين، اللهم لا ترُدَّنا خائبين. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبيِّنا ورسولِنا محمد.

стр. 50

خطبة المسجد النبوي - ٨ ذو الحجة ١٤٣٢ - يوم عرفة يوم عظيم - الشيخ صلاح البدير الخطبة الأولى الحمد لله، الحمد لله بارئِ النَّسَم، ومُحيِي الرِّمَم، ومُجزِلِ القِسَم، مُبدِع البدائع، وشارِعِ الشرائِع، دينًا رضيًّا، ونورًا مُضِيًّا، أحمدُه وقد أسبَغَ البرَّ الجزيل، وأسبلَ السترَ الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ عبدٍ آمنَ بربِّه، ورجا العفوَ والغُفرانَ لذنبه، وأشهد أن نبيَّنا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه وحِزبه، صلاةً وسلامًا دائمَيْن مُمتدَّين إلى يوم الدين. أما بعد، فيا أيها المسلمون: بالتقوى تحصُل البركة، وتندفعُ الهلَكة، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أيها المسلمون: بين الجِبال والتِّلال، والمهابةِ والجلالِ، والبهاءِ والجمال، وفي البلد الأمين والحرمِ الآمِن تجتمعُ قوافلُ الحجيج، وتكتملُ حُشُودُهم ووفودُهم، وفي الرحابِ الطاهرة يسكُبُون عبَرات الشوق وخشَعات الإنابة ودموعَ التوبة. والحُجَّاجُ والعُمَّارُ وفدُ الله دعاهم فأجابوا، وسألوه فنالوا، والحجُّ يهدِمُ ما قبلَه، ومن حجَّ فلم يرفُث ولم يفسُق رجعَ من ذنوبه كما ولدَته أمُّه، والحجَّةُ المبرورةُ ليس لها ثوابٌ إلا الجنة. فهنيئًا لمن وردَ مشارِعَ القبول، وخيَّم بمنازل الرحمة، ونزلَ بحرمِ الله الذي أوسعَه كرامةً وجلالاً ومهابةً. أيها المسلمون: ما أعظمَها من أيامٍ، وما أجلَّها من مواسم، وغدًا يوم عرفة يومٌ شريفٌ كريم، وعيدٌ لأهل الموقفِ عظيمٌ، يومٌ تُعتَقُ فيه الرِّقابُ، يومٌ تُعتَقُ فيه الرِّقابُ، يومٌ تُعتَقُ فيه الرِّقابُ، ويُسمَعُ فيه الدعاءُ ويُجابُ، وما من يومٍ أكثر من أن يُعتِقَ الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنُو ثم يُباهِي بهم الملائكةَ، فيقول: ما أراد هؤلاء؟ وخيرُ الدعاء دعاءُ يوم عرفة؛ فأظهِروا فيه التوبةَ والاستغفار، والتذلُّل والانكِسار، والندامةَ والافتقار، والحاجةَ والاضطرار. أيها المسلمون: ويُستحبُّ صيامُ يوم عرفة لغير الحاجِّ، وصيامُه يُكفِّرُ السنةَ الماضيةَ والباقية، ويُستحبُّ التكبيرُ عقِبَ الصلوات المفروضات من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، والمسبوقُ ببعض الصلاة يُكبِّر إذا فرغَ من قضاء ما فاتَه، ويُكبِّرُ الحُجَّاج ابتداءً من صلاة الظهر يوم النَّحْر. أيها المسلمون: قدِّسوا الحرَم، وعظِّموا حُرمتَه، وراعُوا مكانتَه، وتذكَّروا شرفَ الزمان وجلالةَ المكان، والتزِموا بالأنظمة والتعليمات التي تصدُرُ من الجهات المسؤولة، واحذَروا ما يُعكِّرُ صفوَ الحجِّ، أو يُخالِفُ مقاصِدَه، أو يُنافِيَ أهدافَه. ولا يليقُ بمن دخلَ في النُّسُك وتلبَّس بالإحرام وقصدَ البيتَ الحرام أن يخرجَ عن حُدود الشرع، أو يجعل الحجَّ سبيلاً للخُصومات والمُنازعَات، والمُلاحاة والمُجادلات، والنداءات والشِّعارات والنَّعرات، والتجمهُرات والمُظاهرات والمسيرات، والحجُّ أجلُّ وأسمَى وأعلى من أن يكون مسرحًا للخلافات الحِزبيَّة والمذهبيَّة والسياسية، والحجُّ المبرورُ هو الحجُّ السالمُ عن التجاوُزات والتعدِّيات والجنايات. والدولةُ السعودية - أيَّدها الله تعالى - أعطَت الحجَّ عَنان العناية وقصَبَ الرعاية، ووجَّهَت جهودَها، وجنَّدَت جُنودَها، وحشدَت حُشُودَها لأمن الحاجِّ، وسلامة الحاجِّ، وصحَّة الحاجِّ، وراحةِ الحاجِّ. فاحذَروا الأفعالَ المُخزِية، والمسالِكَ المُردِية، والمزالِقَ المُترِبة، والمواقِع المُهلِكة المُنافِية للشرع الحكيم، والعقل السليم. بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من البينات والحكمة، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله، الحمد لله الذي لا خيرَ إلا منه، ولا فضلَ إلا من لدُنه، الخلقُ بيديه، ولا اعتمادَ إلا عليه، ولا ملجأَ ولا منجا منه إلا إليه، أحمدُه حمدًا لا انقطاعَ لراتِبِه، ولا إقلاعَ لسحائبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له سميعٌ لراجِيه، قريبٌ ممن يُناجِيه، وأشهد أن نبيَّنا وسيدنا محمدًا عبدُه ورسوله ونبيُّه، وصفيُه ونجِيُّه، ووليُّه ورضِيُّه، وأمينُه على وحيِه، وخِيرتُه من خلقِه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضلُ مُكتسَب، وطاعتَه أعلى نسَب، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ١٠٢]. أيها المسلمون: هذه التوبةُ قد شُرِعَت أبوابُها، وحلَّ زمانُها، ونزلَ أوانُها، فهُبُّوا من نومةِ الرَّدَى، وأفيقُوا من رقدَة الهَوى، وامحُوا سوابِقَ العصيان بلواحِق الإحسان، ولتكن مواسمُ الخيرات والعشرُ المُباركات بدايةَ عودتكم، وانطلاقةَ رجُوعكم، وإشراقَ صُبحكم، وتباشِيرَ فجركم، وادلِفوا إلى باب الإنابة، وانزِعوا عن الخطيئة، وأقلِعوا عن المعصية، ولا تُؤخِّروا التوبة، وتخلَّصوا من حقوق الناس، ورُدُّوا الحقوقَ إلى أصحابها، وطهِّروا لُقمتَكم عن الحرام؛ فالحرامُ وبالٌ على صاحبه، تنالُه سُقبَتُه، وتُدرِكُه نقمتُه، وتلحَقُه عقوبتُه، وفي الطيِّبِ غُنيةٌ عن الخبيث، وفي الحلال كفايةٌ عن الحرام. ومن تابَ وأنابَ تابَ الله عليه، والتائبُ من الذنبِ كمن لا ذنبَ له. ثم اعلموا أن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسه، وأيَّه بكم - أيها المؤمنون - من جنِّه وإنسِه، فقال قولاً كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]. اللهم صلِّ وسلِّم على نبيِّنا وسيدنا محمد بشير الرحمة والثواب ونذير السَّطوة والعقاب الشافع المُشفَّع يوم الحساب، اللهم وارضَ عن جميع الآل والأصحاب، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وجُودك يا كريم يا وهَّاب. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم أئمَّتَنا وولاةَ أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، وأصلِح له بِطانتَه يا رب العالمين. اللهم واجزِ خادمَ الحرمين الشريفين الملكَ عبدَ الله بن عبد العزيز ووليَّ عهده الأميرَ نايف بن عبد العزيز خير الجزاء وأوفاه على بذلهم وعطائهم وخدمتهم للحرمين الشريفين والمشاعر المُقدَّسة وحُجَّاج بيتك الحرام، اللهم متِّعهما بالصحة والعافية يا كريم. اللهم واحفظ رجالَ أمننا، اللهم واحفظ رجالَ أمننا، اللهم واحفظ رجالَنا العاملين في الحج، واجزِهم خيرَ الجزاء، وارفع درجاتهم، وكفِر سيئاتهم يا كريم يا غنيُّ يا رحيم. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، ودمِّر أعداء الدين، وادفع شرَّ الكائدين ومكرَ الماكرين وعُدوان المُعتدين وتربُّص المُتربِّصين وكيدَ الحاسدين وحسدَ الفاجِرين وفُجور المنافقين يا رب العالمين. اللهم احفظ الحُجَّاج والزُّوَّار والمُعتمرين، اللهم احفظ الحُجَّاج والزُّوَّار والمُعتمرين، اللهم تقبَّل مساعِيَهم وزكِّها، وارفع درجاتهم وأعلِها، اللهم حقِّق لهم من الآمال أعلاها، ومن الخيرات أقصاها، اجعل حجَّهم مبرورًا، وسعيَكم مشكورًا، وذنبَهم مغفورًا يا رب العالمين. اللهم أصلِح أحوالَ إخواننا في اليمن والشام، اللهم أصلِح أحوالَ إخواننا في اليمن والشام، اللهم أصلِح أحوالَ إخواننا في اليمن والشام يا كريم. اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود، اللهم عليك باليهود الغاصبين، والصهاينة الغادرين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تُحقِّق لهم غاية، واجعلهم لمن خلفَهم عبرةً وآيةً. اللهم اشف مرضانا، وعافِ مُبتلانا، وفُكَّ أسرانا، وارحم موتانا، وانصرنا على من عادانا يا أرحم الراحمين. اللهم إنا خلقٌ من خلقك، فلا تمنَع عنَّا بذنوبِنا فضلَك، اللهم تُب علينا برحمتك وإحسانِك، اللهم تُب علينا برحمتك وإحسانِك، اللهم تُب علينا برحمتك وإحسانِك، وتفضَّل علينا بفضلك وامتِنانِك يا كريم. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا الله العظيمَ الجليلَ يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكرُ الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 51

خطبة المسجد النبوي - ١٠ ذو الحجة ١٤٣٢ - خطبة عيد الأضحى - الشيخ حسين آل الشيخ النص غير متاح

стр. 52

خطبة المسجد النبوي - ١٥ ذو الحجة ١٤٣٢ - سبل المحافظة على الطاعات - الشيخ حسين آل الشيخ الخطبة الأولى الحمد لله على نعمة الإسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملكُ العلاَّم، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه - عليه أفضلُ الصلاة والسلام -. أما بعد، فيا أيها المسلمون: أُوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -؛ فهي سببُ الفلاح في الدنيا وفي الأخرى. أيها المسلمون، حُجَّاج بيت الله: هنيئًا لكم على نعمةِ إتمامِ النُّسُك - بحمد الله - بسلامةٍ وعافيةٍ وراحةٍ واطمئنان، أتمَّ الله - جل وعلا - على جميع المؤمنين النِّعَم ودفعَ عنهم النِّقَم، وجعل الله حجَّكم مبرورًا، وسعيَكم مشكورًا، وذنبًنا ذنبَكم مغفورًا. أما بعد، فيا عباد الله: الحجُّ المبرورُ يُكفِّرُ الله به السيئات، ويرفعُ به الدرجات، ويُدخِلُ به الجنَّات، ولكن للحجِّ المبرورِ علاماتٌ يُعرفُ بها، ذكرَها أهلُ العلم من خلال استقراء النُّصوص من القرآن والسنَّة. ألا وإن أعظم تلك العلامات: أن يستقيمَ العبدُ على طاعة الله - جل وعلا -، وأن يرجِعَ الحاجُّ راغبًا في الآخرة، مُشمِّرًا إلى المُسارعة إلى الأعمال الصالحة، مُلتزِمًا طاعةَ الله - جل وعلا - حتى الممات؛ استِجابةً لقول الله - جل وعلا -: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: ٩٩]. نعم؛ إن من علامات قبول الطاعات - ومنها الحجُّ -: الاستقامةَ الدائمةَ على البرِّ والتقوى، وربُّنا - جل وعلا - يقول لمن غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر - وهو أمرٌ لأمَّته -: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود: ١١٢]، فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ [فصلت: ٦]. جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحدًا بعدك. فقال: «قُل: آمنتُ بالله، ثم استقِم». أيها المسلمون: إنها الاستقامة التي تتضمَّنُ كمالَ الذلِّ لله - جل وعلا - وتمام المحبَّةِ له - عزَّ شأنُه -، مع الصبر على فعلِ المأموراتِ واجتِنابِ المحظورات، والصبر على المقدورات، مع اتباعِ محاسنِ الأخلاق ونبيلِ الصفات. جاء رجلٌ إلى الحسن البصري، فقال له: إن جزاء الحجِّ المبرور المغفرة. فقال له الحسن: "آيةُ ذلك: ألا يقودَ إلى سيِّئِ ما كان عليه من العمل". وذكرَ ابنُ رجبٍ وغيره أن رجلاً حجَّ ثم باتَ مع قومه في مكة، فدعَته نفسُه إلى معصية الله، فسمِعَ هاتِفًا يقول: يا هذا! ألم تُحُجَّ؟! فجعل الله ذلك سببًا لعِصمته من ذلك الذنب. أيها المسلمون: إنه وإن كان الحجُّ له جزيلُ الثواب وعظيمُ الأجر؛ فإن أعظم ما ينبغي أن يُعتَنى به في هذه الحياة اغايةُ العُظمى، وهي: تحقيقُ الإيمان لله - جل وعلا -. سُئِل النبي ﷺ عن أيِّ الأعمال أفضلُ؟ قال: «إيمانٌ بالله، ثم جهادٌ في سبيل الله، ثم حجٌّ مبرور»؛ وهو في "الصحيحين". فالإيمانُ بالله - جل وعلا - هو الغايةُ التي خُلِق الخلقُ من أجلها: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، إنه الإيمانُ المُتضمِّنُ تحقيقَ التوحيد بإفراد الله - جل وعلا - بالعبادةِ والخوفِ والرجاء والإنابةِ والتوكُّلِ والدعاء، فالمؤمنُ الصادقُ هو الذي لا يعبُدُ إلا الله - جل وعلا -، ولا يدعُو ويسألُ إلا ربَّه - سبحانه -، فلا يطلُبُ كشفَ ضُرٍّ ولا جلبَ نفعٍ إلا من الله ، فغربُّنا - جل وعلا - يقول: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس: ١٠٦]. والآياتُ في هذا كثيرةٌ جدًّا. ورسولُ الله ﷺ في حديث ابن مسعودٍ يقول: «من ماتَ وهو يدعُو من دون الله نِدًّا دخل النار»؛ رواه البخاري. وخرَّج مسلمٌ من حديث جابر عن النبي ﷺ أنه قال: «من لقِيَ اللهَ لا يُشرِكُ به شيئًا دخلَ الجنةَ، ومن لقِيَه يُشرِكُ به شيئًا دخلَ النارَ». إنه الإيمانُ برسول الله ﷺ بطاعته فيما أمر، واجتِنابِ ما نهى عنه وزجَر، وألا يُعبَدَ الله - جل وعلا - بشيءٍ إلا بما شرَعَه وقرَّرَه بقوله أو فعله أو تقريره. وأما المُجاهَدة في سبيل الله؛ فإن أعظمَها: مُجاهَدةُ النفس على طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ؛ فقد روى أحمد - بإسنادٍ حسن -، ورواه الترمذي، وقال: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ" - أن النبي ﷺ قال: «المُجاهِد من جاهدَ نفسَه في سبيلِ الله». جاء رجلٌ إلى أحد كِبار الصحابةِ فقال له: إني أريدُ أن أغزُو. فقال: "عليك أولاً بنفسك فاغزُها، وعليك بنفسِك فجاهِدها في سبيل الله". ألا وإن أعظمَ المُجاهَدة: أن يُجاهِدَ الإنسانُ نفسَه على فعل المأمورات؛ ومن ذلك: المُحافَظة على الصلوات المفروضة، وألا يُشغِلَ الإنسانَ عنها شيءٌ إلا لعُذرٍ قاهرٍ. جاء عن النبي ﷺ فيما رواه مسلم - أنه قال: «ألا أدلُّكم على ما يمحُو اللهُ به الخطايا، ويرفعُ به الدرجات؟ إسباغُ الوضوء على المكارِه، وانتظارُ الصلاةِ بعد الصلاة، وكثرةُ الخُطا إلى المساجِد، فذلكم الرِّباطُ، فذلكم الرِّباطُ، فذلكم الرِّباطُ». ألا وإن أعظم المُجاهَدة للنفس: أن يحفَظ الإنسانُ نفسَه - لسانًا ويدًا وجوارِح - من أن يُؤذِيَ إخوانَه المؤمنين بقولٍ أو فعل؛ فإن من أعظم ما يُكدِّرُ الحسنات حقوقُ المخلوقين، فنبيُّنا ﷺ يقول في الحديث الصحيح: «المُهاجِر من هجرَ ما نهَى الله عنه، والمُسلمُ من سلِمَ المُسلِمون من لسانِه ويدِه». إن رسول الله ﷺ قد حذَّرَنا من الإفلاس الحقيقي، حينما قال: «أتدرُون من المُفلِس؟». قالوا: المُفلِسُ هو من لا دِرهَم عندَه ولا دِينار. قال: «المُفلِس: هو من يأتي بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وصومٍ وحجٍّ، ثم يأتي يوم القيامة وقد شتمَ هذا، وضربَ هذا، وأخذَ مالَ هذا، فيأخُذُ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنِيَت حسناتُه أُخِذ من سيئاتهم فطُرِحت عليه، فطُرِح في النار». أيها المسلمون: إن من المُجاهَدة للنفس: أن يكون الإنسان ذا همَّةٍ عالية، ونفسٍ شريفةٍ توَّاقةٍ إلى فعل الخيرات، فصحابةُ رسول الله ﷺ لما سمِعوا قولَ الله - جل وعلا -: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة: ١٤٨]، سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الحديد: ٢١] حرِصَ كلُّ واحدٍ أن يكون هو المُسارِع المُسابِقَ لغيره في ذلك. يقول عمر ﵁: "ما استبَقنا إلى خيرٍ إلا سبَقَنا إليه أبو بكرٍ" - رضي الله عن الجميع -. ورسول الله ﷺ يقول: «لا حسدَ إلا في اثنتَيْن: رجلٍ آتاه الله مالاً فهو يُنفِقُ منه سرًّا وجهرًا، ورجلٍ آتاه الله القرآن فهو يتلُوه ويُعلِّمُه آناءَ الليل وناء النهار». أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: ٣٠]. بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعَنا بما فيه من الآيات والهُدى والفُرقان، أقولُ هذا القولَ، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهُ الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه عليه أفضلُ الصلاة والتسليم إلى يوم الدين. أما بعد، فيا أيها الناس: أُوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -، فهي وصيةُ الله للأولين والآخرين. عباد الله: إن خِتامَ الأعمال الصالحة يكونُ بالاستِغفار؛ ومن ذلك: الحجُّ، ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: ١٩٩]. إنه الاستغفار الذي يكون باللسان ويُواطِئُه القلبُ، وتُقارِنُه التوبةُ النَّصُوح، وإلا فمن استغفرَ بلسانِه وقلبُه على المعاصي معقود، وأن يرجِعَ إلى السيئات ويعُود؛ فيُخشَى عليه أن يكون بابُ القبول عنه مسدودًا وعن الإجابةِ مردودًا. إن الله - جل وعلا - حينما ذكر أحكامَ الحجِّ أوصَى عبادَه في آخر آيةٍ تتحدَّثُ عن أحكام الحجِّ في سورة البقرة بوصيَّةٍ عظيمة، وهي: تقوى الله - جل وعلا - سرًّا وجهرًا في جميع الأحوال في الأقوال والأفعال: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [البقرة: ٢٠٣]. ثم إن الله - جل وعلا - أمرنا بأمرٍ عظيم، ألا وهو: الصلاة والسلام على النبي الكريم. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وأنعِم على نبيِّنا وسيِّدِنا محمد، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الآلِ والصحابة أجمعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. اللهم الطُف بعبادك المؤمنين، اللهم الطُف بعبادك المؤمنين، اللهم الطُف بعبادك المؤمنين، اللهم أنزِل عليهم رحمةً من رحماتك يا ذا الجلال والإكرام تُغنيهم بها عمن سواك، تُصلِحُ بها أحوالَهم، وتلُمُّ بها شعَثَهم. اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم احفظهم في الشام وفي اليمن، اللهم احفظهم في الشام وفي اليمن وفي سائر البُلدان. اللهم أصلِح أحوالَنا وأحوالَ إخواننا المُؤمنين في مصر وفي تونس وفي ليبيا، اللهم ارزُقهم الحياةَ الطيبةَ والعيشةَ الرضِيَّة، واجعلهم مُجتمعين على الحق والبرِّ والتقوى يا ذا الجلال والإكرام. اللهم وفّق وليَّ أمرنا خادمَ الحرمين لما تُحبُّ وترضى، اللهم أطِل في عُمره على الطاعة والتقوى، اللهم أطِل في عُمره وعُمرنا على البرِّ والتقوى، اللهم وأيِّد بهما الحقَّ يا ذا الجلال والإكرام. اللهم وفِّق جميعَ ولاة أمور المسلمين لخدمة رعاياهم، اللهم اجمع بينهم وبين رعاياهم على الحقِّ والتقوى يا حيُّ يا قيُّوم. اللهم ارحَم المسلمين، اللهم اغفر لهم، اللهم اغفر لنا ولهم، اللهم اغفر لنا ولهم، اللهم اغفر لنا ولهم يا غفور يا رحيم. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات. اللهم لا تجعل فينا شقيًّا ولا محرومًا، اللهم لا تجعل فينا شقيًّا ولا محرومًا، اللهم اجعلنا من أهل الفلاح والسعادة، اللهم اجعلنا من أهل الفوز والنجاح يا حيُّ يا قيُّوم. اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم مُنَّ على إخواننا حُجَّاج بيت الله بالعودة إلى بُلدانهم سالمين غانِمين تائبين آيِبين يا ذا الجلال والإكرام. اللهم انفَعنا بهدي القرآن، اللهم انفَعنا بهدي القرآن وبسُنَّة سيد ولد عدنان - عليه أفضل الصلاة والسلام -. اللهم أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ، اللهم أنزِل علينا الغيثَ، اللهم أنزِل علينا الغيثَ، اللهم اسقِنا، اللهم اسقِنا، اللهم اسقِنا يا حيُّ يا قيُّوم. عباد الله: اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، وسبِّحُوه بُكرةً وأصيلاً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 53

خطبة المسجد النبوي - ٢٢ ذو الحجة ١٤٣٢ - آيات الله في الحج - الشيخ عبد المحسن القاسم الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى. أيها المسلمون: تفضَّل الله على خلقه بتنوُّع العبادات منها ما هو باطنٌ في القلب، ومنها ما هو ظاهرٌ على الجوارِح، وأركانُ الإسلام والإيمانُ مدارُها على ذلك، وقد عاد الحَجيجُ من بيت الله الحرام بعد أداء أفضل عبادةٍ بدنية. قال شيخ الإسلام ﵀: "واستعملَ النبيُّ ﷺ أبا بكرٍ على أول حجَّةٍ حُجَّت من مدينة النبي ﷺ ، وعلمُ المناسك أدقُّ ما في العبادات، ولولا سعة علم أبي بكرٍ لم يستعمله النبي ﷺ أميرًا على الحجِّ في السنة التاسعة؛ ليُعلِّم الناسَ أحكامَ الحج؛ لأنه أفقهُ الصحابة". في الحج تظهرُ آياتٌ للخلق على صدق الرسل؛ فإبراهيم ﵇ يدعو ربَّه: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [إبراهيم: ٣٧]، فوفدَ الحَجيجُ من كل فجٍّ عميقٍ وأدَّوا حجَّهم. قال ابن كثير ﵀: "فليس أحدٌ من أهل الإسلام إلا وهو يحِنُّ إلى رؤية الكعبة والطواف، والناسُ يقصِدونها من سائر الجهات والأقطار". والمُخلِصُ يستجيبُ الله دعوتَه ولو بعد مماته، وفي كل عامٍ يظهرُ أثرُ دعوة الخليل، فيستجيبُ المسلمون لدعوته، والوفاءُ من شِيَم الرجال، ونبيُّنا ﷺ صبرَ على الأذى والكُروب لتنعَمَ أمتُه بالهداية. قال لعائشة ﵂: «يا عائشة! لقد لقيتُ من قومكِ ما لقيتُ». والصحابة ﵃ هجَروا الأوطانَ وتغرَّبوا في البُلدان لحمل رسالة النبي ﷺ وتبليغها بعزمٍ وأمانة، ونشرِ الإسلام في الآفاق بالدعوة والقُدوة، وواجبٌ على المسلم أداءُ حقوق النبي ﷺ لما قدَّمه لهذا الدين؛ بمحبَّته ﵊ والتأسِّي به ونشر دعوته، والوفاء لصحابته ﵃ بمحبَّتهم والترضِّي عنهم والذبِّ عنهم. ومن أدَّى فريضَة الحجِّ أو غيرَها واجبٌ عليه الحِفاظُ عليها من الرياء بها أو المُباهاة أو المُفاخَرة، ومن أدخل في عبادته رياءً أو سُمعةً أو ابتغَى مدحَ الناس له لم تُقبَل منه عبادتُه، ولن يكون له منها سوى التعبِ والنَّصَب؛ قال ﵊: «إن الله لا يقبلُ من العمل إلا ما كان له خالِصًا وابتُغِي به وجهُه»؛ رواه أبو داود. ومن أخلصَ لله تقبَّل الله عمَلَه وضاعفَ أجرَه؛ قال - سبحانه -: وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة: ٢٦١]. قال ابن كثيرٍ ﵀: "أي: بحسب إخلاصه في عمله". والنعمُ تدومُ وتزيدُ بالشُّكر، ومن أدَّى عبادةً وحمِدَ الله عليها يسَّر الله له عبادةً بعدها لينالَ ثوابَها؛ قال : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧]، ولذا شُرِع قول: الحمدُ لله، ثلاثًا وثلاثين مرةً دُبُر كل صلاةٍ مفروضة لشُكر الله على أداء تلك الصلاة. وأمارةُ قبول العمل الصالحِ الحسنةُ بعده؛ قال سعيد بن جُبَير ﵀: "من ثوابِ الحسنةِ الحسنةُ بعدها، ومن عقوبةِ السيئةِ السيئةُ بعدها". والمسلمُ إذا فرغَ من عبادةٍ أعقبَها بعبادةٍ أخرى؛ قال - سبحانه -: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ [الشرح: ٧]. قال ابن الجوزي ﵀: "أي: فادأَب في العمل". ولا تنقطعُ العبادةُ إلا بالموت؛ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: ٩٩]. وإذا عمِلَ المسلمُ عملاً صالحًا وأخلصَ فيه لله وجبَ عليه حِفظُه بالحَذَر من الوقوع في الشرك؛ إذ أنه يُحبِطُ الحسنات؛ قال - سبحانه -: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر: ٦٥]. قال ابن القيم ﵀: "إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا سلبَ رؤيةَ أعماله الحسنةِ من قلبه، وسلبَ الإخبارَ بها من لسانه، وشغَلَه برؤية ذنبه". وسؤالُ الله قبول العمل الصالح من صدق الإيمان؛ بنى إبراهيم ﵇ الكعبةَ ودعا ربَّه: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: ١٢٧]. والثباتُ على الدين من عزائمِ الأمور؛ ومن دعاء النبي ﷺ : «ثبِّت قلوبَنا على دينك»؛ رواه ابن ماجه. ومن لبَّى في حجِّه بالتوحيد وكبَّره في العيد وجبَ عليه الوفاءُ بوعده مع الله، وذلك بألا يدعو سواه، ولا يلجَأ إلى غيره، ولا يطوفَ بغير الكعبة؛ قال - سبحانه -: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [فاطر: ١٣]. ومن توجَّه إلى الله أعانَه؛ قال - جلَّ شأنُه -: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت: ٦٩]. وليس من شرط صحة الحجِّ زيارةُ المدينة النبوية؛ بل قصدُ مسجدها سنةٌ رغَّبَ فيها النبي ﷺ للحاجِّ وغيره بالصلاة فيه، فهو أحدُ المساجد الثلاثة التي لا تُشدُّ الرِّحالُ إلا إليها؛ قال ﵊: «لا تُشدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى»؛ متفق عليه. وصلاةٌ فيه عن ألف صلاةٍ فيما سواه إلا المسجدَ الحرام. ومن وصلَ إلى المدينة وسلَّم على النبي ﷺ وعلى صاحبَيْه أبي بكرٍ وعمر ﵄، فمن المشروعِ له زيارةُ مسجد قُباء؛ قال ﵊: «من تطهَّر في بيته ثم صلَّى في مسجد قُباء كان له أجرُ عمرة»؛ رواه ابن ماجه. وتُشرعُ له زيارةُ مقبرة البَقيع وشُهداء أُحُد للدعاء لهم وللعِظَة والعِبرة بتذكُّر الآخرة. والميتُ لا يملِكُ لأحدٍ نفعًا ولا ضرًّا ولا يُتعلَّقُ به، وإنما يُدعَى له بالمغفرة والرِّضوان، ومن يُدعَى له لا يُدعَى مع الله؛ قال : وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس: ١٠٦]. والمُوفَّق من اجتهَدَ في طاعة ربِّه وحفِظَ عملَه من البُطلان وسارَ على هديِ نبيِّه ﷺ ، وحاسبَ نفسَه في حياته، وسارعَ إلى الخيرات، وفازَ بالباقيات الصالحات. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ [الأنفال: ٢٠]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبدُه ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا. أيها المسلمون: من أدَّى فريضةَ الحجِّ حريٌّ به بعد أداء هذا الركن أن يحفظَ صحيفتَه بيضاء نقيَّة؛ فإنه من حجَّ فلم يرفُث ولم يفسُق رجعَ كيوم ولدَتْه أمُّه، وأن يكون قُدوةً لغيره في الصلاح والاستقامة والتفقُّه في الدين والمُحافظة على الصلوات جماعةً في بيوت الله. ويجبُ أن يكون داعيًا بالحكمة والموعظة الحسنة، مُبتدِئًا دعوتَه بذوِي القُربى، وصادقًا مع ربِّه في دعوته وفي سائر أعماله كلها. فالزَموا سنَّة نبيِّكم ﵊، وأخلِصوا لربِّكم، واحرِصوا على نفع إخوانكم المسلمين وتعليمهم ما ينفعهم وما يُصلِحُهم من أمور الدين؛ فلأَن يهدِي الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ لك من حُمُر النَّعَم. ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيِّه، فقال في محكم التنزيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا [الأحزاب: ٥٦]. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبينا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضَوا بالحق وبه يعدِلون: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنَّا معهم بجُودك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمِنًا مُطمئنًّا رخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم ولِّ عليهم خيارَهم، واجمع كلمتَهم على الهُدى والحق يا رب العالمين. اللهم تقبَّل من الحُجَّاج حجَّهم، واجعل حجَّهم مبرورًا، وسعيَهم مشكورًا، وذنبَهم مغفورًا، وعملَهم مُتقبَّلاً صالحًا يا ذا الجلال والإكرام. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. اللهم وفِّق إمامنا لهداك، واجعل عمله في رِضاك، ووفِّق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وتحكيم شرعك. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين [الأعراف:٢٣]. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 54

خطبة المسجد النبوي - ٢٩ ذو الحجة ١٤٣٢ - اغتنام الأوقات بالأعمال الصالحات - الشيخ صلاح البدير الخطبة الأولى الحمد لله، الحمد لله بارئِ النَّسَم، ومُحيِي الرِّمَم، ومُجزِلِ القِسَم، مُبدِع البدائع، وشارِعِ الشرائِع، دينًا رضيًّا، ونورًا مُضِيًّا، أحمدُه وقد أسبَغَ البرَّ الجزيل، وأسبلَ السترَ الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ عبدٍ آمنَ بربِّه، ورجا العفوَ والغُفرانَ لذنبه، وأشهد أن نبيَّنا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه وحِزبه، صلاةً وسلامًا دائمَيْن مُمتدَّين إلى يوم الدين. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضلُ مُكتسَب، وطاعتَه أعلى نسَب، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ١٠٢]. أيها المسلمون: الدنيا نعَم في طيِّها نقَم، شبابٌ يعقِبُه هرَم، وصحةٌ يتبَعُها سقَم، ولذَّةٌ آخرُها ندَم، وحياةٌ نهايتُها عدَم، حتفٌ موصوب، وموردٌ مكتوب، وما نفسٌ إلا يُباعِدُ مولدًا، ويُدنِي المنايا للنفوس فتخرُجُ. ويا للمنايا ما لها من إقالةٍ إذا بلغَت من مُدَّة الحيِّ حدَّها ستُسلِمُك الساعاتُ في بعض أمرها إلى ساعةٍ لا ساعةٌ لك بعدها كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران: ١٨٥]. انظُر لنفسِك يا أخي حتى متى لا تتقِي والموتُ غايةُ من مضى منا وموعدُ من بقِي كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]. يا مُدمِنَ الذنوب والإجراما! يا من أتى الآثامَ والحراما، على ما عوَّلتَ قُل لي علامَا. يا غافلُ يا ذاهِل! أما رأيتَ من العِبرة ما يشفي؟! أما سمِعت من العِظَة ما يكفِي؟! ولذَّةُ الهوى زالَت، وسكرةُ الذنب حالَت، ولم يبقَ إلا التبِعَةُ والمُؤاخَذةُ والمُحاسَبة. فأفِق من رقدتك، وانتبِه من غفلتك، وأعِدَّ الزاد، وجِدَّ في الجهاز. شمِّر عسى أن ينفعَ التشميرُ، وانظُر بفكرِك ما إليه تصيرُ، أيُّ الورَى خالدٌ، أيُّ الناس لا يرِدُ، أيُّ نفسٍ لا تموت، أيُّ حيٍّ لا يفُوت، سيكونُ الذي قُضِي، سخِطَ العبدُ أم رضِي، ليس هذا بدائمٍ كلُّ هذا سينقضِي، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران: ١٨٥]. ألا يا موتُ لم أرَ منك بُدًّا أتيتَ وما تحيفُ وما تُحابِي كأنَّك قد هجمتَ على مشيبي كما هجَمَ المشيبُ على شبابي «اغتنِم خمسًا قبلَ خمسٍ: شبابَك قبل هرَمك، وصحَتَك قبل سقَمك، وغِناكَ قبل فقرك، وفراغَك قبل شُغلك، وحياتَك قبل موتك». فما بعد الدنيا من مُستعتَب، وما بعد الدنيا دار إلا الجنةُ أو النار. فحاذِر الزلَل، واحتقِر العمل، وخفِ السباقة، واحذَر الخاتمة، واخشَ فوات الآخرة، فلا رجعةَ ولا ردّ. فامهَد لنفسك والأقلامُ جاريةٌ والتوبُ مُقتبلٌ فاللهُ قد وعَدَا قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [الزمر: ٥٣ - ٥٥]. بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والبيِّنات والعِظات والحكمة، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه إنه هو كان للأوَّابين غفورًا. الخطبة الثانية الحمد لله الذي لا خيرَ إلا منه، ولا فضلَ إلا من لدُنه، أحمدُه حمدًا لا انقطاعَ لراتِبِه، ولا إقلاعَ لسحائبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له سميعٌ لمن يُنادِيه، قريبٌ ممن يُناجِيه، وأشهد أن نبيَّنا وسيدنا محمدًا عبدُه ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه والسائرين على ذلك السبيل، وسائر المُنتمين إلى ذلك القَبيل. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ١٠٢]. أيها المسلمون: الزلَّةُ غلٌّ، والخطيئةُ ذُلٌّ، ورُبَّ عظمٍ هِيضَ فلم ينجبِر، فإن جُبِر فعلى وهاء، فتيقَّظوا وتنبَّهوا، واجعلوا التقوى عُدَّةً لكم عند كل مُشتهَى، واستوثِقوا من لجمِ النفس الجَموح، وامحُوا العثْرَة بالعَبْرة، والهفوَة بالصحوة، والإساءة بالإحسان. طُوبَى لمن في مراضِي ربِّه رغِبَا وعن مصارعِ أهل اللهوِ قد هرَبَا قد وطَّن النفسَ أن اللهَ سائلُه ففرَّ منه إليه مُنيبًا هرَبًا وللتُّقَى مركبٌ ينجُو براكِبِه فيا نجاةَ الذي مع أهلِهِ ركِبَا وللهُدى رُفقةٌ فاسعَد بصُحبتهم فيا سعادةَ من أهلَ الهُدى صحِبَا وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: ٢٨]. ثم صلُّوا وسلِّموا على أحمدَ الهادي شفيعِ الورَى؛ فمن صلَّى عليه صلاةً واحدة صلَّى الله عليه بها عشرًا. للخلقِ أُرسِل رحمةً ورحيمًا صلُّوا عليه وسلِّموا تسليمًا اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وأنعِم على عبدك ورسولِك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة أصحاب السنَّة المُتَّبَعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر آله وصحابته أجمعين، والتابعين لهم وتابعِيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين. اللهم كُن لأهلنا في الشام ناصرًا ومُعينًا، اللهم كُن لأهلنا في الشام ناصرًا ومُعينًا، اللهم كُن لأهلنا في الشام ناصرًا ومُعينًا، ومُؤيِّدًا وظهيرًا، اللهم انصُرهم على الطغاة الظلَمة المُعتدين، اللهم انصُرهم على الطغاة الظلَمة المُعتدين. اللهم عليك بالقتَلَة المُجرمين، اللهم عليك بالقتَلَة المُجرمين، اللهم عليك بالقتَلَة المُجرمين الذين سفَكوا الدماء، وقتَلوا الأبرياء، وعذَّبوا الشيوخَ والأطفالَ والنساء، أنزِل عليهم بأسَك، أنزِل عليهم بأسَك، أنزِل عليهم بأسَك الذي لا يُردُّ عن القوم المُجرمين، بدِّد جمعَهم، فرِّق شملَهم، أذهِب قوَّتَهم، خالِف كلمتَهم. اللهم أرِنا فيهم قُدرتك، اللهم أرِنا فيهم قُدرتك، اللهم أرِنا فيهم قوَّتك، اللهم أرِنا فيهم عظمتَك، زلزِلهم يا قويُّ، زلزِلهم يا قويُّ، زعزِعهم يا قادِر، دمِّرهم تدميرًا، ولا تجعل لهم في الأرض وليًّا ولا نصيرًا. اللهم نجِّ إخواننا من قبضتهم، ونجِّ إخواننا من ظُلمهم، اللهم مُنَّ على إخواننا في الشام بالنصرِ والتمكين عاجلاً غير آجلٍ يا رب العالمين. اللهم اجعل مصرَ أمنًا وأمانًا، ورخاءً وسلامًا، اللهم يا حي يا قيُّوم اللهم نجِّ إخواننا في مصر من الفُرقة والخلاف، اللهم وفِّق أهلَنا في مصر لما فيه عِزُّ مصر وصلاحُ مصر وخيرُ مصر يا رب العالمين. اللهم ارحم موتاهم، واشفِ جرحاهم، واجبُر كسرَهم يا كريم. اللهم من أراد إشاعةَ الفتنة والفوضى في مصر اللهم اكشِف سِرَّه، واهتِك سِترَه، واكفِهم شرَّه، واجعَله عبرةً يا رب العالمين. اللهم احفظ أهلَنا في اليمن، اللهم احفَظ أهلَنا في اليمن، اللهم احقِن دماءَهم، وصُن أعراضَهم، اللهم ولِّ عليهم خيارَهم، واكفِهم شِرارَهم، اللهم حقِّق لهم الأمنَ والعِزَّ يا كريم. اللهم أدِم على بلاد الحرمين الشريفين أمنَها ورخاءَها وعِزَّها واستقرارَها، ووفِّق قادتَها لما فيه عِزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين. اللهم وفِّق إمامَنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين ووليَّ عهده لما فيه عِزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين. اللهم من أراد أمنَنا واستقرارَنا ووحدتنا بسوءٍ اللهم فرُدَّ كيدَه، واجعل تدبيرَه تدميرَه يا سميعَ الدعاء. اللهم تقبَّل من الحُجَّاج حجَّهم وسعيَهم، اللهم تقبَّل مساعِيَهم وزكِّها، اللهم تقبَّل مساعِيَهم وزكِّها، وارفع درجاتهم وأعلِها، اللهم حقِّق لهم من الآمال مُنتهاها، ومن الخيرات أقصاها، اللهم رُدَّهم إلى ديارهم سالمين غانِمين يا رب العالمين، اللهم رُدَّهم إلى ديارهم سالمين غانِمين يا رب العالمين. اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين، اللهم سُقيا رحمة، اللهم سُقيا رحمة، اللهم سُقيا رحمة، لا سُقيا عذابٍ ولا هدمٍ ولا غرَق. اللهم أنزِل في أرضِنا زينتَها، وأنزِل علينا في أرضِنا سكَنَها، اللهم إنا خلقٌ من خلقك، فلا تمنَع عنَّا بذنوبِنا فضلَك، اللهم اسقِنا واسقِ المُجدِبين، وفرِّج عنَّا وعن أمة محمدٍ ﷺ أجمعين، جُد علينا برحمتك وإحسانك، وتفضَّل علينا بغيثِك ورِزقك وامتِنانِك يا رب العالمين. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا الله العظيمَ الجليلَ يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكرُ الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.