← Джавами‘

Джавами‘ · id 37823

خطب المسجد النبوي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (54 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

خطبة المسجد النبوي - ٤ محرم ١٤٣٢ - الاعتبار بانقضاء الأعمار - الشيخ صلاح البدير الخطبة الأولى الحمد لله، الحمد لله ذي الطَّول والآلاء، أحمده على ما أسال من وابِل العطاء، وأسبَلَ من جميل الغِطاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له حكَمَ على خلقه بالموت والفناء، والبعث إلى دار الجزاء، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله خاتمُ الرسل والأنبياء، الشافعُ المُشفَّعُ يوم الفصل والقضاء، صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله الأتقياء، وصحابته الأوفياء. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضل مُكتَسَب، وطاعتَه أعلى نسب، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ١٠٢]. أيها المسلمون: المنايا لزِمَت البرايا، فلا خُلْد في الدنيا يُرتَجى، ولا بقاء فيها يُؤمَّل، وما الناس إلا راحلٌ وابنُ راحلِ، وما الدهرُ إلا مَرُّ يومٍ وليلةٍ، وما الموتُ إلا نازلٌ وقريبُ، كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٨٨]، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران: ١٨٥]. ما أسرع الأيام في طيِّنا، تمضي علينا ثم تمضي بنا، في كل يومٍ أملٌ قد نأى، مرامُهُ عن أجلٍ قد دنا، الأملُ طويل، والثَّوَاء قليل، ورَحى المنون تدور، آجالٌ إلى زوال، وآمالٌ إلى اضمِحلال، عامٌ يُبلي عامًا، وأيامٌ تطوي أيامًا. سبيلُ الخلق كلهم الفناءُ فما أحدٌ يدوم له البقاءُ يُقرِّبُنا الصباحُ إلى المنايا ويُدنينا إليهنَّ المساءُ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون: ١١]، لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس: ٤٩]. فطُوبى لعبدٍ أحسن الرحلة بأحسنَ ما يحضُرُه من النُّقْلة، بين ابنِ آدم في الدنيا يُنافِس، قد قرَّت عينُه بماله وجاهِه؛ إذ دعاه الله بقَدَره، ورماه بيوم حتْفِه، فسَلَبَه آثاره ودنياه، وصيَّر لقومٍ آخرين مصانعه ومغناه. أين ما كان قبلنا أين أينَا من أُناسٍ كانوا جمالاً وزَيْنَا إن دهرًا أتى عليهم فأفنَى عددًا منهمُ سيأتي علينا كم رأينا من ميتٍ كان حيًّا ووشيكًا يُرى بنا ما رأينَا ما لنا نأمنُ المنايا كأنَّا لا نراهنَّ يهتدينَ إلينا يا من لعِبَ ولهَا! يا من غفلَ وسهَا! يا من نظر في عاجلِهِ ونسي المنتهى! أفِق من خمرة الشهوات، وبادِر إلى التوبة قبل الفَوَات. ولا يذهبنَّ العمر منك سبَهْلَلاً ولا تُغبَنَنْ بالنعمتَيْنِ بلِ اجهِدِ فمن هجَرَ اللَّذَّات نالَ المَنَى ومَنْ أكبَّ على اللَّذَّات عضَّ على اليَدِ يقول عبد الله بن مسعود ﵁: "ما ندِمتُ على شيء ندَمِي على يومٍ غرَبَت شمسُهُ نقَصَ فيه عُمري ولم يَزِد فيه عمَلِي". وقال بعض السلف: "من أمضى يومًا من عمره في غير حقٍّ قضاه، أو فرضٍ أدَّاه، أو مجدٍ أثَّلَه، أو حمدٍ حصَّلَه، أو خيرٍ أسَّسَه، أو علمٍ اقتَبَسَه؛ فقد عقَّ يومَه وظلمَ نفسَه". أيها المسلمون: قصِّروا الأمل، وأصلِحوا العمل، وحاذِروا بغتَةَ الأجل، وليكن عامُكم الجديد مُشرِقًا بصدق التوبة وحسن الإنابة، وردِّ الحقوق إلى أهلها، والتحلُّل من أصحابها، «كلُّ بني آدم خطَّاء، وخيرُ الخطَّائين التوابون»، و"التائبُ من الذنب كمن لا ذنب له". جعلني الله وإياكم ممن صدَقَ وتاب، ورجع وثاب، وأقلَعَ وأناب. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، فقد فاز المُستغفرون، وسعِدَ الآيِبون. الخطبة الثانية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله وراقِبوه، وأطيعوه ولا تعصوه، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: ١١٩]. أيها المسلمون: أفضل الصلاة بعد المكتوبة: الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان: صيام شهر الله المُحرَّم، ويتأكَّدُ صيام يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشرُ من المحرم؛ فعن ابن عباس ﵄ قال: "ما رأيتُ النبي ﷺ يتحرَّى صيامَ يومٍ فضَّلَه على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر - يعني: رمضان -"؛ أخرجه البخاري. وعن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ سُئِل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: «يُكفِّر السنة الماضية»؛ أخرجه مسلم. ويُستحبُّ أن يصوم التاسع معه؛ فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لئن بقيتُ إلى قابلٍ لأصومنَّ التاسع»؛ أخرجه مسلم. وقال ابن عباس ﵄: "صوموا اليوم التاسع والعاشر وخالِفوا اليهود"؛ أخرجه البيهقي. قال الإمام أحمد ﵀: "فإن اشتبَهَ عليه أول الشهر صامَ ثلاثة أيام، وإنما يفعلُ ذلك ليتيقَّن صومَ التاسع والعاشر". أيها المسلمون: إن ثمرة الاستماع الاتباع، فكونوا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسَنَه. واعلموا أن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسه، وأيَّه بكم - أيها المؤمنون من جنِّه وإنسه -، فقال قولاً كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا [الأحزاب: ٥٦]، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة، أصحاب السنة المُتَّبَعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحب والآل، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وجُودك وإحسانك يا أرحم الراحمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، وعُمَّ بالأمن والرخاء جميعَ أوطان المسلمين، اللهم عُمَّ بالأمن والرخاء جميعَ أوطان المسلمين، اللهم عُمَّ بالأمن والرخاء جميعَ أوطان المسلمين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، واحفظ اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، وأيِّد بالحق إمامنا ووليَّ أمرنا، اللهم وهيِّئ له البِطانة الصالحة، اللهم ومُنَّ على خادم الحرمين الشريفين بالصحة والعافية يا رب العالمين، وأعِده إلى بلاده سالمًا مُعافًى يا كريم. اللهم وفِّق وليَّ عهده ونائبَه الثاني لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقهما لما تحب وترضى، ومتِّعهما بالصحة والعافية يا رب العالمين. اللهم ادفع عنا الغلا، والوبا، والربا، والزنا، والزلازل، والمِحَن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامةً يا رب العالمين. اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود، اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود، اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود، يا قوي يا عزيز يا رب العالمين. اللهم أعتِقْنا من رِقِّ الذنوب، اللهم أعتِقْنا من رِقِّ الذنوب، وخلِّصنا من أشَر النفوس، وباعِد بيننا وبين الخطايا، وأجِرنا من الشيطان الرجيم. يا عظيم العفو، يا عظيم العفو، يا عظيم العفو، يا واسع المغفرة، يا واسع المغفرة، يا واسع المغفرة، يا قريب الرحمة، يا قريب الرحمة، يا قريب الرحمة، نسألك أن تجعلنا من أهل الجنة، وأن تُنجِّيَنا من النار يا رب العالمين، اللهم هبْ لنا من لدنك مغفرةً ورحمة، وأسعِدنا بتقواك، واجعلنا نخشاك كأننا نراك، يا أرحم الراحمين. اللهم ارحم موتانا، واشفِ مرضانا، وفُكَّ أسرانا، وانصرنا على من عادانا. اللهم سلِّم الحُجَّاج والمُعتمرين، اللهم تقبَّل مساعِيَهم وزكِّها، وارفع درجاتهم وأعلِها، اللهم أعطِهم من الآمال أعلاها، ومن الخيرات أقصاها، يا رب العالمين، اللهم اجعل حجَّهم مبرورًا، وسعيَهم مشكورًا، وذنبهم مغفورًا، اللهم اجعل حجَّهم مبرورًا، وسعيَهم مشكورًا، وذنبهم مغفورًا، ورُدَّهم إلى ديارهم سالمين غانمين يا رب العالمين. اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أنزِل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم إنا خلقٌ من خلقك، فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين. نستغفرك إنك كنت غفَّارًا، فأرسِل السماء علينا مِدرارًا يا رب العالمين. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 2

خطبة المسجد النبوي - ١١ محرم ١٤٣٢ - السعادة في محاسبة النفس - الشيخ علي الحذيفي الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين، أحيا قلوب المؤمنين بالقرآن وبسنة سيد المرسلين، فلربنا الحمد والشكر على هذا الفضل المبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القوي المتين، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فاتقوا الله حق التقوى، وتمسَّكوا بهدي رسوله المُجتبى. أيها المسلمون: اعلموا أن فلاح المسلم وحسن عاقبته وسعادته في الدارين بمحاسبة نفسه بحملها على ما يُرضي الله تعالى، وإبعادها عما يُغضِب المولى ، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر: ١٨]. قال عمر بن الخطاب ﵁: "حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوها قبل أن تُوزَنوا، وتأهَّبوا للعرض الأكبر على الله". أيها المسلمون: كلنا يرى ويعلم ما نزل بالمسلمين من المصائب، وما حلَّ بهم من النَّكَبات، وما أصابهم من الشدائد العِظام في تاريخهم الحاضر، وسببُ ذلك من عند أنفسنا بالذنوب والمعاصي والتقصير في الواجبات والفرائض، كما قال الله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠]، وقال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١]، وقال تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [السجدة: ٢١]. فربُّنا يحب التوابين ويحب المتقين، ولله سنن يُجريها على خلقه بعدله وحكمته، لا يُحابي فيها أحدًا، قال الله تعالى: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر: ٤٣]، وقال تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [النساء: ١٢٣]. وقد وعدنا الله تعالى - ووعده الحق - بأنه لا يُعذِّب من آمَن وشكر، قال الله تعالى: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [النساء: ١٤٧]. قال المُفسِّرون: "لا يُعذِّبكم الله في الدنيا ولا في الآخرة إن شكرتم نعمه وعرفتم قدرها، وآمنتم بربكم بعمل الصالحات، وإنما يُعذِّب من كفر بربه فعمل السيئات ولم يقم بشكر النعم". فهل بعد هذا كرم وعدل؟! إذًا صلاح حال المسلمين في إصلاح ما بينهم وبين ربهم، وما يُؤتى الإنسان إلا من قِبَل نفسه، وإن استقامة أحوال المسلمين وثباتهم على هدي رسول الله ﷺ ، يتولَّى الله بذلك أمورهم، ويُقيم أحوالهم على الوجوه الحسنة، ويدفع الله بذلك ضرر وكيد أعدائهم، كما قال ﵎: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران: ١٢٠]. ألا وإن الصلاة وتحقيق التوحيد لله رب العالمين يُصلِح الله بذلك الفرد والمجتمع، مع ما يتبع التوحيد والصلاة من أحكام الدين وتشريعه والدعوة إليه. والصلاة هي الركن الثاني بعد الشهادتين، وفي الحديث: «أول ما يُحاسَب عليه العبد الصلاة، فإن قُبِلت قُبِلت وسائر العمل، وإن رُدَّت رُدَّت وسائر العمل». والصلاة زكاة البدن وزكاة الأعمال والأقوال والاعتقاد، ولا دين بلا صلاة، وقد فرضها الله تعالى في كل دينٍ شرَعه، وعلى كل أمة أرسل إليها رسولاً، ومنزلتها في الإسلام أعلى منزلةً، فرَضَها الله على نبيه محمد ﷺ وعلى أمته بلا واسطة ليلة الإسراء والمعراج، وهي خمسٌ في العمل وخمسون صلاةً في الأجر. وسرُّ نجاح المسلمين وسعادتهم في إقامتها، قال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون: ١، ٢]. وإذا كان الخلل في الصلاة اختلَّت أمور الفرد والمجتمع، واعتبِر ذلك بحال الصحابة ومن تبعهم بإحسان، فقد أحسَنوا، فجزاهم الله إحسانًا. والصلاة أقوالٌ وأفعالٌ مشروعة تُوجِب التحرِّي للسنة والإخلاص لله ، والاجتهاد في تحقيق شروطها، واستيفاء أركانها، والقيام بواجباتها، والاستكثار من المستحبات فيها، لتُرفَع إلى الرب ﵎، وترفع صاحبها. عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلَّى الصلوات لوقتها، وأسبغ لها وضوءها، وأتمَّ لها قيامها وخشوعها وركوعها وسجودها خرجَت وهي بيضاء مُسفِرة، تقول: حفِظَك الله كما حفِظتَني، ومن صلَّى لغير وقتها، ولم يُسبِغ لها وضوءها، ولم يُتمَّ لها خشوعها ولا ركوعها ولا سجودها خرجَت وهي سوداء مُظلِمة، تقول: ضيَّعَك الله كما ضيَّعتَني، حتى إذا كانت حيث شاء الله لُفَّت كما يُلفُّ الثوب الخَلِق - أي: البالي -، ثم ضُرِب بها وجه صاحبها»؛ رواه الطبراني في "الأوسط". وإذا كان التابعون يُكثِرون من سؤال الصحابة عن كيفية وصفة صلاة النبي ﷺ ، ويُشاهِدون صلاتهم التي صلَّوها مع خير البرية؛ بل الصحابة يسأل بعضهم بعضًا عن بعض صفة صلاة رسول الله ﷺ ، وبعض أحكامها التي خفِيَت على السائل، ليقتدوا بصلاة رسول الله ﷺ الكاملة، امتثالاً لقول الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة: ٤٣]، ولقول النبي ﷺ : «صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي». إذا كانوا كذلك؛ فكيف بحالنا في هذا العصر مع البُعد عن عصر النبوة؟! لا شك أن الواجب علينا أعظم، والاجتهاد أشد في معرفة تفاصيل الصلاة وأركانها وواجباتها وسننها؛ لتكون وفق صلاة رسول الله ﷺ بقدر الاستطاعة، لا سيَّما في هذا الزمان الذي دخل فيه على الصلاة غِيَرٌ وتقصير وإخلال إلا من حفظه الله تعالى فتمَّت صلاته. قال الزهري: "دخلت على أنس بن مالك ﵁ بدمشق وهو يبكي، فقلتُ: له: ما يُبكيك؟ فقال: لا أعرف شيئًا مما أدركتُ إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضُيِّعَت"؛ رواه البخاري في "صحيحه". وعن أنس ﵁ قال: "ما أعرف شيئًا مما كان على عهد النبي ﷺ . قيل: فالصلاة؟ قال: أليس قد صنعتم فيها ما صنعتم؟ "؛ رواه البخاري أيضًا. فكيف لو رأى أنس ﵁ حال كثير من المُصلِّين في زماننا. قال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "وأنس ﵁ تأخر حتى شاهد من إضاعة أركان الصلاة وأوقاتها وتسبيحها في الركوع والسجود وإتمام تكبيرات الانتقال فيها ما أنكره، وأخبر أن هدي رسول الله ﷺ بخلافه". اهـ كلامه. ومع خفاء السنن في كثير من البلدان، وانتشار الجهل بالعلم الشرعي يدخل الخلل والتقصير في الصلاة، وإذا فُقِد الحرصُ على التعلُّم فلا تسأل عن ضياع الصلاة، ولو قُدِّر اختبارٌ للمُصلِّين في المساجد والبيوت والبوادي في العالم الإسلامي لكانت نتيجة الاختبار عدم إحسان كثيرٍ من المُصلِّين لصلاتهم؛ بل تقصيرهم في قراءة الفاتحة قراءةً صحيحة، وجهلهم بأركان الصلاة وواجباتها فضلاً عن سننها وأذكارها. ومن استبعد قولي هذا فليُجرِّب بمُذاكرة من تيسَّر له من إخوانه المسلمين أحكام الصلاة، واستعراض ما يجب في الصلاة، وما لها من شروط، فإنه بتجربته سيقف على الحقيقة المُرَّة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فكيف لا نعتبِر ولا نتَّعِظ ولا نُحاسِب أنفسنا نحن المسلمين، ونُدرِك أن البلاء الذي نزل بنا، وتسلُّط أعدائنا علينا، وتفرُّقنا، واختلاف كلمتنا بسبب التقصير في الصلاة وغيرها من فرائض الإسلام، وقد قال ربنا ﵎: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة: ٤٥]. فالصلاة التامة معونةٌ على أمور الدنيا والدين. والخير في أمة محمد ﷺ إلى يوم القيامة، ولكن المسلم يحتاج دائمًا إلى التذكير والتعلُّم والموعظة، وروح الصلاة هو الخشوع والطمأنينة في أركانها وأقوالها بلا عجلة ولا إسراع، وصحة الصلاة وكمالها ومدارها في كل قراءة وذكر وفعل بوزنها بصلاة رسول الله ﷺ ، فالموافق من الصلاة مقبولٌ مُضاعَفٌ لصاحبها مأجور، والمخالف لصلاة رسول الله مردودٌ وصاحبها مأزور. والتطويل في الصلاة والتخفيف مردُّ ذلك إلى السنة، قال الإمام ابن القيم ﵀: "والعبادات يُرجع إلى الشارع في مقاديرها وصفاتها وهيئاتها، كما يُرجع إليه في أصلها، فلو جاز الرجوع في ذلك إلى عُرف الناس وعوائدهم في مُسمَّى التخفيف والإيجاز لاختلفت أوضاع الصلاة ومقاديرها اختلافًا مُتباينًا، ولا ينضبط لما في فهم الناس من التفاوت، ولما فهِمَ بعض من نكَّس الله قلبه أن التخفيف المأمور به هو ما يمكن من التخفيف، واعتقد أن الصلاة كلما خُفِّفت وأوجِزت كانت أفضل، فصار كثيرٌ منهم يمُرُّ فيها مرَّ السهم". اهـ كلامه ﵀. كما يرجع في التطويل والتخفيف الجائز إلى أهل العلم الراسخين من أهل السنة والجماعة، ولا عبرة برغبة الجُهَّال وأقوال أهل الأهواء والكُسالى، قال قزَعة بن يحيى البصري: "رأيتُ أبا سعيد الخدري ﵁، قلتُ: إني أسألك عن صلاة رسول الله ﷺ ، فقال: كانت صلاة الظهر تُقام فينطلق أحدنا إلى البقيع، فيقضي حاجَته، ثم يأتي أهلَه فيتوضأ، ثم يرجع إلى المسجد ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى، مما يُطوِّلها"؛ رواه مسلم في "صحيحه". وعن أبي بَرْزة الأسلمي ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يُصلِّي الصبح وكان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة"؛ رواه البخاري ومسلم. وصلَّى الصدِّيق صلاة الفجر بالبقرة، فقيل له: كادت الشمس أن تطلع، فقال: لو طلَعَت لم تجِدنا غافلين. وهذا إتقان وإحسانٌ وكمالٌ للصلاة. وسبب خفَّة الصلاة عليهم مع طولها: اتصافهم بالهمة والعزم الصادق الذي تتطامَر وتتواضَع أمامه الجبال الشامخات. الصفة الثانية: المحبة؛ فالمُحب لا يستطيل زمن محبوبه؛ بل يحب طول الوقت ليظفر به، وقد جُعِلت قُرَّة أعينهم في الصلاة، ولك عبرة - أيها المسلم - في التاجر لا يملُّ الوقوف، ولا يشعر بالسهر لحب المال، وتجارة الصحابة عبادة الله. وفي هذا الزمان ضعُفَت الهمة وضعُفَت المحبة، فكانت صلاتنا دون صلاتهم، ولكن على الأئمة أن يُوفُّوا للناس صلاتهم، وأن يُسدِّدوا ويُقارِبوا بما لا يُخِلُّ بالصلاة وبما لا يُنقِص تمامها، وبما لا يشقُّ على المأمومين ويُعسِّر عليهم تنبيه الإمام إذا أخلَّ بشيءٍ من أفعال الصلاة وإعانته على الوفاء بأمانته بتذكيره بالنقص الذي يقع. الأمر الثاني الذي يُصلِح الله به حال المسلمين: هو توحيد رب العالمين، فهو أساس الدين، وكل أركان الإسلام مبنية عليه، وكل عمل صالح تابع للتوحيد، فإن حقَّقه المسلم فطُوبى له. وحقيقة التوحيد: توجُّه القلب إلى الله، وتعلُّقه بربه بالقصد والإرادة والمحبة والتوكل، وطلب النفع للخيرات، وسؤال الله بدفع الشرور والمكروهات، وإخلاص الدعاء لله، وكل رسولٍ بعثه الله بالتوحيد، وما وقع من التغيير والتبديل في شرائع الرسل قبلنا لم يقع ذلك إلا بعد نسيان التوحيد ووقوع الشرك المنافي لما جاءت به الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٢١]. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله مُعِزِّ من أطاعه واتقاه، ومُذِلِّ من خالف أمره وعصاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا إله سواه، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله اصطفاه ربه واجتباه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن والاه. أما بعد: فاتقوا الله - أيها المسلمون -. عباد الله: إن لكم في تقلُّب الليل والنهار، وتعاقُب الأعوام، إن لكم في ذلك عبرًا، وإن لكم فيما يقضي الله ويُجريه من المقادير مُدَّكرًا، وإنكم في آجالٍ محدودة تروحون فيها وتغدون في طاعة الله ﵎، إن كلاًّ قادم على ما عمل، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: ٩٧]. وإن كل آتٍ قريب، إن الموت قريب، وإن الحياة قريبٌ انقضاؤها، وإن هذه الدنيا ستُطوى، ونهايتها الاضمحلال والزوال، فلا تغترُّوا بها، ولا تغترُّوا بشيءٍ يُلهيكم عن طاعة الله وذكره، قال ﵎: إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا [النبأ: ٤٠]، وفي الحديث: «الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنَّى على الله الأماني». عباد الله: إن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال ﵎: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]، وقد قال ﷺ : «من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى الله بها عليَّ عشرًا»، فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين، وإمام المرسلين. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا. اللهم وارضَ عن الصحابة أجمعين، وعن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعنَّا معهم يا رب العالمين بمنِّك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لموتانا وموتى المسلمين، اللهم اغفر لموتانا وموتى المسلمين يا رب العالمين. اللهم اغفر لنا وللمسلمين يا أرحم الراحمين، إنك على كل شيء قدير. اللهم أعذنا من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، اللهم أعِذنا من شرِّ كل ذي شرٍّ يا رب العالمين. اللهم ادفع عنا الغلا والوبا والربا والزنا والزلازل والمحن. اللهم أغِثنا يا أرحم الراحمين، اللهم أغِثنا يا أرحم الراحمين. اللهم اجعل بلادنا آمنةً مطمئنةً وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، آمنَّا في دورنا، وأصلِح اللهم ولاة أمورنا. اللهم وفِّق خادم الحرمين الشريفين لما تحب وترضى، اللهم وفِّقه لهداك، واجعل عمله في رضاك يا رب العالمين، وأعِنه على أمور الدنيا والدين، وانصر به الدين إنك على كل شيء قدير، اللهم وألبِسه ثوب الصحة والعافية، اللهم ألبِسه ثوب الصحة والعافية يا رب العالمين، اللهم اجعله مُعافى في حلِّه وترحاله، إنك على كل شيء قدير. اللهم وفِّق نائبه لما تحب وترضى، اللهم وفِّق نائبه لما تحب وترضى، ولما فيه الخير والصلاح للبلاد والعباد، اللهم وفِّق نائبه الثاني لما تحب وترضى يا رب العالمين، اللهم وفِّقه لهداك، واجعل عمله في رضاك، اللهم وارزقهما الصحة والعافية، إنك على كل شيء قدير. اللهم اجعل ولاة أمور المسلمين عملهم خيرًا لشعوبهم وأوطانهم يا رب العالمين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. اللهم إنا نعوذ بك يا رب من سوء القضاء، ومن شماتة الأعداء، ومن دَرَك الشقاء، اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، اللهم أصلِح لنا شأننا كله يا رب العالمين. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: ٩٠، ٩١]. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 3

خطبة المسجد النبوي - ١٨ محرم ١٤٣٢ - خطورة الرشوة - الشيخ حسين آل الشيخ الخطبة الأولى الحمد لله الذي أحلَّ لعباده الطيبات، وحرَّم عليهم الخبائث والمُوبِقات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ربُّ الأرض والسماوات، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالرحمات، عليه من ربه أكملُ السلام وأفضل الصلوات. أما بعد، فيا أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا - فهي أصلُ كل الخيرات. أما بعد، فيا أيها المسلمون: أكلُ الحرام سببٌ للشقاء والعناء، يقول النبي ﷺ : «كل لحمٍ نَبَتَ من سُحتٍ فالنار أولَى به». ومما جاء فيه النهي الأكيد والزجرُ الشديد: جريمةُ الرِّشوة أخذًا وإعطاءً وتوسُّطًا، يقول ربُّنا - جل وعلا -: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: ١٨٨]، ويقول - جل وعلا - في شأن اليهود الذين لهم في الدنيا الخِزيُ المبين، وفي الآخرة العذابُ المُهين: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) [المائدة: ٤٢]، ويقول عنهم: (وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [المائدة: ٦٢]. قال عمر ﵁: "بابان من السُّحْت يأكلهما الناس: الرَّشا ومهرُ الزانية". فالرِّشوة - يا عباد الله - مغضبةٌ للرب، مجلبةٌ للعذاب، في الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ لعن الراشي والمُرتشي والرائش. وروى الطبراني بسندٍ جيد عن النبي ﷺ أنه قال: «الراشي والمُرتشي في النار». فيا أيها المسلم: احذر أشد الحذر من الرِّشوة فهي من أكبر الذنوب، وأعظم الجرائم، ولذا عدَّ أهل العلم الرِّشوةَ كبيرةً من كبائر الذنوب لما جاء فيها من النصوص الشرعية الصريحة. أمة الإسلام: الرِّشوة داءٌ وَبيل، ومرضٌ خطير، تحلُّ بسببها من الشرور بالبلاد ما لا يُحصَى، ومن الأضرار بالعباد ما لا يُستقصَى، فما وقع فيها امرؤٌ إلا ومُحِقَت منه البركة في صحته وفي وقته ورزقه وعياله وعمره، وما تدنَّس بها أحدٌ إلا وحُجِبَت دعوتُه، وذهبَت مروءتُه، وفسَدَت أخلاقُه، ونُزِع حياؤه، وساء مَنبَتُه. فالنبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى يقول: «كل لحمٍ نَبَتَ من سُحْتٍ فالنار أَوْلَى به». قيل: ما السُّحْتُ يا رسول الله؟ قال: «الرِّشْوة في الحكم»؛ صحَّحه جماعةٌ من المُحقِّقين. أيها المسلمون: حقيقةُ الرِّشوة: كل ما يدفعه المرء من مالٍ ونحوه لمن تولَّى عملاً من أعمال المسلمين لتوصَّل به المُعطِي إلا ما لا يحِلُّ له. ومن أعظم أنواعها: ما يُعطَى لإبطال حقٍّ، أو إحقاق باطلٍ، أو لظلمِ أحد. ومن الرِّشوة: ما يأخذه المُوظَّف من أهل المصالح ليُسهِّل لهم حاجاتهم التي يجب عليه قضاؤها بدون دفع هذا المال، فمن استغلَّ وظيفته ليُساوِم الناس على إنهاء مصالحهم التي لا تنتهي إلا من قِبَل وظيفته فهو ملعونٌ على لسان رسول الله ﷺ . فليتقِ الله من وقع في ذلك قبل أن يفجأه الموت، فلا ينفعه - حينئذٍ - مالٌ ولا بنون؛ فمن مُقرَّرات دين الإسلام: أن هدايا العُمَّال غُلول، والمراد بالعُمَّال: كل من تولَّى عملاً للمسلمين، وهذا يشمل السلطان ونوَّابه ومُوظَّفيه أيًّا كانت مراتبهم. ومن صور الرِّشوة - يا عباد الله -: من رَشَا ليُعطَى ما ليس له ولو كان مما تعود مُلكيَّته للمال العام، أو ليدفع حقًّا قد لزِمَه، أو رَشا ليُفضَّل على غيره من المُسلمين، أو يُقدَّم على سواه من المُستحقِّين في وظيفةٍ ونحوها. أيها المسلم: الرِّشوة مُحرَّمةٌ بأي صورةٍ كانت، وبأي اسمٍ سُمِّيَت، هديةٌ، أو مكافأةٌ، أو كرامة، فالأسماء في شريعة الإسلام لا تُغيِّر من الحقائق شيئًا، فالعبرة للحقائق والمعاني لا للألفاظ والمباني. روى البخاري ومسلم عن أبي حميدٍ الساعدي ﵁ قال: استعملَ النبيُّ ﷺ رجلاً من الأَزْد، فلما قدِمَ قال: هذا لكم وهذا أُهدِيَ إليَّ، فلما علِمَ النبيُّ ﷺ قام خطيبًا على المنبر، فحمِدَ الله وأثنى عليه، وقال: «ما بالُ عاملٍ أبعثُه فيقول: هذا لكم وهذا أُهدِيَ إليَّ، أفلا قعَدَ في بيت أبيه أو أُمِّه حتى ينظُر أيُهدَى إليه أم لا؟! والذي نفسي بيده؛ لا ينالُ أحدٌ منكم منها شيئًا إلا جاء يوم القيامة يحملُه على عُنقه .. » الحديث. وفي "سنن البيهقي" قوله ﷺ : «هدايا العُمَّال غُلول». قواعد لا تقبل التأويل، وهي تأصيلٌ لمبدأ: من أين لكَ هذا؟ ذكر ابنُ كثيرٍ في "تأريخه" أن جيش المسلمين لما ظفَروا بالنصر على إقليم تركستان وغنِموا شيئًا عظيمًا، أرسَلوا مع البُشرى بالفتح هدايا لعُمر ﵁، فأبَى أن يقبَلَها، وأمر ببيعها وجعلها في بيت مال المسلمين. وفي قصة عبد الله بن رواحة لما بعثَه النبي ﷺ خالصًا على يهود خيبر، فجمعوا له حُليًّا من حُلِيِّ نسائهم، فقال: إنكم من أبغض خلق الله إليَّ، وما ذاك بحاملي على أن أحيفَ عليكم، أما ما عرضتُم من الرِّشوة فإنها سُحتٌ، وإنَّا لا نأكلها، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض. وفي مُعلَّقات البخاري الموصولة عند غيره: ما جاء أن عمر بن عبد العزيز ﵀ اشتهى التفاح، فلم يجدوا في بيته ولا ما يشتري به، فخرج وهو الخليفة آنذاك، فتلقَّاه غلمانٌ بأطباق التفاح، فتناول واحدةً فشمَّها ثم ردَّها إلى الأطباق، فقيل له في ذلك، فقال: "لا حاجة لي فيها"، فقيل له: ألم يكن رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر يقبلون الهدية، فقال: "إنها لأولئك هدية، وإنها للعُمَّال بعده رِشْوة". فما أحوجنا اليوم - وقد كثُر الفساد -، وعبَدَ بعضٌ الدرهمَ والدينارَ، ما أحوجنا للعمل بشريعة الإسلام، والتمسُّك بزواجر القرآن، وسنة سيد ولد عدنان - عليه أفضل الصلاة والسلام -. بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعنا بما فيه من الآيات والبيان، أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أيها المسلمون: من أعظم المُوبِقات التي يجب على المجتمع محاربتُها: استغلال السلطة الوظيفية، والتحايُل على النظام الذي سنَّه وليُّ الأمر، وليتقِ الله من يتعاونون على سلب الأموال العامة؛ من أراضٍ وعقاراتٍ وأموالٍ ومُقدَّرات عن طريق الرِّشوة أو غيرها، فهذه أموالٌ يجب على كل مسلم الحفاظُ عليها وصيانتُها؛ فكيف بأخذ الرِّشوة على تفويتها وتضييعها والتفريط فيها وعدم القيام بما يجبُ فيها. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [الأنفال: ٢٧]. ونبيُّنا ﷺ يُحذِّر كل من يتهاون في الأموال العامة للدولة الإسلامية، فيقول: «إن أقوامًا يتخوَّضون في مال الله بغير حقٍّ، فلهم النار يوم القيامة»؛ رواه البخاري. وعند أبي داود: أن النبي ﷺ قال: «يا أيها الناس! من عمِلَ منكم لنا على عملٍ فكتَمَنا فيه خيطًا فما فوقه فهو غلٌّ يأتي به يوم القيامة». أيها المسلمون: إن الله - جل وعلا - أمرَكم بأمرٍ عظيم، ألا وهو: الصلاة والسلام على النبي الكريم، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيدنا ونبينا محمد، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، وعن الآل والصحابة أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم اخذُل أعداءَك وأعداء الدين، اللهم اخذُل أعداء المسلمين، اللهم اخذُل أعداء المسلمين، اللهم عليك باليهود الغاصبين، اللهم عليك باليهود الغاصبين، اللهم عليك باليهود الغاصبين. اللهم من أراد هذا الدين بسوءٍ فأشغِله في نفسه، واجعل تدميرَه في تدبيره يا رب العالمين. اللهم أصلِح أحوالنا بالإسلام، اللهم أصلِح أحوالنا بالإسلام، اللهم أصلِح أحوالنا بالإسلام، اللهم اجعلنا عبادًا متقين، اللهم اجعلنا لأوامرك مُحافظين يا أكرم الأكرمين، اللهم طهِّر أموالنا من الربا ومن الرِّشوة يا ذا الجلال والإكرام، اللهم طهِّر مجتمعنا من المُوبِقات والخبائث يا أكرم الأكرمين. اللهم اجعلنا إخوةً مُتحابِّين مُتعاونين على الخير والتقوى يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات. اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّ وترضى، اللهم أتمَّ عليه نعمة الصحة والعافية، ورُدَّه إلى البلاد سالمًا غانمًا يا ذا الجلال والإكرام، اللهم وفِّقه ونائبَيه لما تحبُّه وترضاه، اللهم وفِّق جميعَ ولاة أمور المسلمين للعمل بالإسلام، اللهم وفِّق جميع ولاة الأمر للعمل بالإسلام، اللهم وفِّق جميعَ ولاة الأمور في كل مكان للعمل بسنة سيد ولد عدنان - عليه أفضل الصلاة والسلام -. اللهم أظهِر أنوار السنة في كل مكان، اللهم أظهِر أنوار السنة في كل مكان، اللهم أظهِر أنوار السنة المحمدية في كل مكان يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اجعل عامَنا هذا عامَ خيرٍ ومسرَّةٍ على الإسلام والمسلمين. اللهم إنك غنيٌ حميدٌ، اللهم إنك غنيٌ حميدٌ، اللهم أنزِل علينا الغيث، اللهم أنزِل علينا الغيث، اللهم ارحمنا بالغيث، اللهم ارحمنا بالغيث، ربنا لا تُؤاخذنا بما فعل السفهاء منَّا، ربنا لا تُؤاخِذنا بذنوبنا، ربنا لا تُؤاخِذنا بذنوبنا، اللهم أغِثْنا، اللهم أغِثْنا، اللهم اسقِنا واسقِ ديار المسلمين، اللهم اسقِنا واسقِ ديار المسلمين. عباد الله: اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، وسبِّحُوه بُكرةً وأصيلاً.

стр. 4

خطبة المسجد النبوي - ٢٥ محرم ١٤٣٢ - أهمية الوفاء بالعهد - الشيخ عبد المحسن القاسم الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله - حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى. أيها المسلمون: تكمُل النفس البشرية بعبوديتها لله وحسن معاملتها مع الخلق، وشرع الله لعباده الأخذ بمعالي الأمور والنهي عن سافلها، والوفاء من الأخلاق الكريمة ومن صفات النفوس الشريفة، وهو من أُسس بناء المجتمع واستقامة الحياة، وهو: الاعتراف بالفضل ورد الجميل لمن أسدَى إليك معروفًا أو مدَّ إليك يدًا. وأعظمُ عهدٍ يجب الوفاء به: الوفاء مع الله بأن يُعبَد وحده لا يُشرَك به شيئًا، كما قال - سبحانه -: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: ٤٠]. وهو من شِيَم الرجال، وأمارةٌ على سموِّ النفس وحُسن الخُلق، وأوفى الناس رسل الله، موسى ﵇ عرفَ حقَّ أخيه هارون فسأل ربَّه أن يجعله شريكًا معه في الرسالة، وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه: ٢٩ - ٣٢]. ونبينا محمد ﷺ كان وفيًّا مع من نصره لإبلاغ رسالة ربِّه، منع المُطعِمُ بنُ عديّ المشركين أن يُؤذُوا رسولَ الله ﷺ قبل الهجرة، فحفِظَ له ﵊ إحسانَه، وقال في أُسارى بدر: «لو كان المُطعِم بن عديٍّ حيًّا ثم كلَّمني في هؤلاء النَّتْنى لتركتُهم له»؛ رواه البخاري. وكان ﷺ وفيًّا مع صحابته، أبو بكر ﵁ أفضل الصحابة، نصر النبي ﷺ بماله ونفسه، وكان أكثر الصحابة صُحبة، فقال: «لو كنتُ مُتَّخِذًا من أمتي خليلاً لاتَّخذتُ أبا بكرٍ خليلاً، ولكن أخي وصاحبي»؛ متفق عليه. واعتزَّ الإسلام بإسلام عمر بن الخطاب ﵁، وأبلى في المشاهد بلاءً حسنًا، فقال عنه النبي ﷺ : «عمر في الجنة»؛ رواه أحمد. ولما بذل عثمان ﵁ لهذا الدين من ماله ما بذل، وجهَّز جيش العُسرة بألف دينارٍ ألقاها في حجر النبي ﷺ ، قال له: «ما ضرَّ عثمان ما عمِل بعد اليوم»؛ رواه الترمذي. وعليٌّ ﵁ أول من أسلم من الصبيان، فقال النبي ﷺ فيه يوم خيبر: «لأُعطينَّ الرايةَ غدًا رجلاً يحب اللهَ ورسولَه، ويحبُّه اللهُ ورسولُه». فأعطاها عليًّا؛ رواه البخاري. وصلَّى على شهداء أُحُدٍ بعد ثمان سنين من استشهادهم كالمُودِّع لهم؛ متفق عليه. وصلَّى على قبر جاريةٍ سوداء كانت تقُمُّ المسجد. ولما ناصرَ الأنصارُ المهاجرين دعا لهم النبي ﷺ ولذراريهم، فقال: «اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار»؛ رواه مسلم. ولم يُسدِ أحدٌ من الصحابة للنبي ﷺ معروفًا إلا ويُكافِئُه عليه، قال ﵊: «ما لأحدٍ عندنا يدٌ إلا وقد كافأناه ما خلا أبا بكرٍ فإن له عندنا يدًا يُكافِئُه الله بها يوم القيامة»؛ رواه الترمذي. وأمر ﵊ بحفظ الوُدِّ لصحابته كلهم بعد مماته، فقال: «لا تسُبُّوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثلَ أُحُدٍ ذهبًا ما أدركَ مُدَّ أحدهم ولا نصيفَه»؛ رواه مسلم. ووفاؤه امتدَّ إلى أمته وذلك في الموقف العظيم، فقال: «لكل نبيٍّ دعوةٌ مُستجابة، فتعجَّل كلُّ نبيٍّ دعوتَه، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة، فهي نائلةٌ - إن شاء الله - من مات من أمتي لا يُشرك بالله شيئًا»؛ رواه مسلم. وعلى هذا الخُلق العظيم من الوفاء سار الصحابة ﵃؛ فالنبي ﷺ لما قُبِض قال أبو بكر للصحابة: "من كان له عِدَةٌ عند رسول الله ﷺ أو دَينٌ فليأتِني"، قال جابرٌ: فأتيتُه فقلتُ: إن رسول الله ﷺ قال لي: «لو قد جاء مالُ البحرَين أعطيتُك هكذا وهكذا وهكذا»، فلم يجِئ مالُ البحرَيْن حتى قُبِض رسول الله ﷺ ، قال: فحثَا لي أبو بكر من مال البحرَيْن لما جاءه حثيةً فعدَدتُها، فإذا هي خمس مائة، فقال لي: "خُذ مثلَيْها"؛ متفق عليه. وأنفذَ أبو بكر ﵁ جيشَ أسامة بن زيد ﵁ على شدة حاجة أبي بكر للجيش بعد وفاة النبي ﷺ ، وقال: "لا أترك أمرًا رأيتُ رسولَ الله ﷺ يصنعه إلا صنعتُه". والصحابة ﵃ حفِظوا لأبي بكرٍ مكانته وسبقَه للإسلام، فاتفقوا على بيعته خليفةً لرسول الله ﷺ ، وأبو بكر أدرك منزلة عمر التي أنزلها إياه رسول الله ﷺ ؛ حيث كان ﵊ كثيرًا ما يقول: «جِئتُ أنا وأبو بكر وعمر، وخرجتُ أنا وأبو بكر وعمر»، فعهِدَ أبو بكرٍ بالخلافة من بعده لعُمر. والوفاء يعظُم مع الوالدَيْن؛ فقد تعِبا لراحتك، وسهِرَا لنومك، وكدَحَ الوالدُ لعيشك، وحمَلَتك أمك كرهًا ووضعَتْك كرهًا، وأول واجبٍ فرَضَه الله من حقوق الخلق البرُّ بالوالدين، قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء: ٢٣]، ومن الوفاء لهما: الدعاء لهما: وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء: ٢٤]، وطاعتهما في غير معصيةٍ، وفعل الجميل معهما، وإدخال السرور على نفوسهما، ومن البرِّ بهما: أن يريَا ثمرة جهدهما على أولادهما بسلوكهم طريق الاستقامة والصلاح، ومن الوفاء لهما: إكرام صديقهما بعد موتهما. مرَّ أعرابيٌّ على ابن عمر فقال له ابنُ عمر: ألستَ ابنَ فلان بن فلان؟ قال: بلى، فأعطاه ابن عمر دابةً كان يركبها وقال: اركبها، وأعطاه عِمامَته وقال: اشدُد بها رأسك، فقال له بعضُ أصحابه: غفر الله لك، أعطيتَ هذا الأعرابي دابةً كنت تروح عليها وعِمامةً كنت تشدُّ بها رأسك، فقال: إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إن من أبرِّ البرِّ: صلةَ الرجل أهل وُدِّ أبيه بعد أن يُولِّي»، وإن أباه كان صديقًا لعُمر؛ رواه مسلم. ومن الوفاء: الوفاءُ بين الزوجين؛ فقد جمعهما عقدٌ عظيم، قال - سبحانه -: وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [النساء: ٢١]، وخديجة بنت خويلدٍ ﵂ واسَت النبيَّ ﷺ بمالها، ورُزِق منها الولد، وأول من صدَّقه وآمن به من النساء، وهي التي ثبَّتَت فؤادَه عند نزول الوحي، وقوَّتْ عزيمته، وكانت خير زوجةٍ لزوجها في حياتها. قال ابن حجر ﵀: "كانت حريصةً على رضاه بكل ممكن، ولم يصدُر منها ما يُغضبُه قط". فقابَل رسول الله ﷺ وفاءَها بوفاءٍ أعظم منه، فكان في إحسانها يشكُرُها، وظلَّ بعد موتها يُكثِر ذكرها ويقول عنها: «إني رُزِقتُ حبَّها»؛ رواه مسلم. وربما ذبح الشاة ثم يُقطِّعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، ويقول: «إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد». قال النووي ﵀: "في هذا كله دليلٌ لحُسن العهد وحفظ الوُدّ، ورعاية حُرمة الصاحب والعشير في حياته وبعد وفاته، وإكرام أهل ذلك الصاحب". ومن الوفاء: محبة العلماء وتوقيرُهم وإجلالهم؛ إذ هم حملة الدين وورثة المرسلين. قال الطحاوي ﵀: "وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر لا يُذكَرون إلا بالجميل". قال الإمام أحمد ﵀: "ما بِتُّ منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي وأستغفر له". وللصحاب وفاءٌ يتحقَّقُ بشكر أفعاله وحفظ سرِّه ووُدِّه، والثناء الحسن عليه، ومنع وصول الأذى إليه، وبذل الندى له ولأولاده، ومن صنع إليك معروفًا فكافِئْه عليه، فإن لم تجد ما تُكافِئُه فادعُ له فإنه من الوفاء. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا. أما بعد، أيها المسلمون: الوفاء صدق اللسان والفعل معًا، ويُحدِث الوفاء في نفس الوفيِّ من الغِبطة والسرور ما لا حدَّ له، وفي نفس المُوفَى له الرغبة في البرِّ والمُجازاة، ومن جحد معروفًا فهذا ممن صغُرَت همَّته عن الوفاء، وليكن العمل في العطاء وغيره خالصًا لوجه الله، فإن استنكَف أحدٌ عن ردِّ معروفٍ أسدَيتَه فلا يحزُنك ذلك، فأنت تطلب الثواب على المعروف من الله لا من البشر، مُمتثلاً قول الله: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا [الإنسان: ٩]. فاحرصوا على الوفاء؛ ففيه سلامة القلب والنَّماء، واجتهِدوا في التحلِّي بكل خُلقٍ كريم، ووصفٍ حميد، فهو عنوان الظَّفَر والفلاح. واعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه، فقال في محكم التنزيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا [الأحزاب: ٥٦]، اللهم صلِّ وسلِّم على نبينا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدِلون: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنَّا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمنًا مُطمئنّا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرَّب إليها من قولٍ أو عمل، ونعوذ بك اللهم من النار وما قرَّب إليها من قولٍ أو عمل. اللهم اهدِنا وسدِّدنا يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغِثْنا، اللهم أغِثْنا، اللهم أغِثْنا. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣]. اللهم وفِّق إمامنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وأسبِغ عليه لباس الصحة والعافية يا رب العالمين، وفِّق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وتحكيم شرعك يا رب العالمين. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 5

خطبة المسجد النبوي - ٣ صفر ١٤٣٢ - حرمة الدماء المعصومة - الشيخ صلاح البدير الخطبة الأولى الحمد لله بارئ النَّسَم، ومُحيِي الرِّمَم، ومُجزِل القِسَم، مُبدِع البدائع، وشارِعِ الشرائع، دينًا رضيًّا، ونورًا مُضيًّا، أحمده وقد أسبغ البرَّ الجَزيل، وأسبَلَ السترَ الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عبدٍ آمن بربِّه، وأخلَصَ له من قلبه، ورجا العفو والغفران لذنبه، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وأتباعه وحِزبه، صلاةً وسلامًا دائمَيْن مُمتدَّيْن إلى يوم الدين. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثَوا في الأرض مفسدين. أيها المسلمون: الرغبةُ في التوسُّع والبقاء، وحب الغلبة والاستعلاء تدعُوَان بني البشر إلى المُزاحَفَة والمُحارَبة، والتصارع والتنازل، والتسلُّح والإعداد، وما بين الشروع في العَدَاء والتعدِّي في الاستعداء فصولٌ لا تنتهي لهتك الدماء المعصومة، وإزهاقها، واستباحتها، وانتهاك كرامتها، والتجرُّؤ على حُرمتها. أما الإسلام فقد عظَّم شأن الدماء، وحرَّم قتل النفس المعصومة بغير حقٍّ، قال - جلَّ في عُلاه -: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الإسراء: ٣٣]. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تُقتل نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفلٌ من دمها؛ لأنه أول من سنَّ القتل»؛ متفق عليه. وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال المؤمن في فُسحةٍ من دينه ما لم يُصِب دمًا حرامًا»؛ أخرجه البخاري. وقال ابن عمر ﵄: "إن من ورَطَات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها: سفك الدم الحرام بغير حِلِّه"؛ أخرجه البخاري. وحرَّمَت الشريعةُ الإشارةَ إلى مسلمٍ بسلاحٍ أو حديدة، سواءٌ كان جادًّا أو مازِحًا؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : «لا يُشِر أحدُكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزِعُ في يده فيقع في حُفرةٍ من النار»؛ متفق عليه. وفي روايةٍ لمسلم: قال أبو القاسم ﷺ : «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنُه حتى ينزِع، وإن كان أخاه لأبيه وأمه». أيها المسلمون: القتل بغير حقٍّ جريمةٌ مُزلزِلة، وخطيئةٌ مُروِّعة، سواءٌ كان المقتول من أهل المِلَّة، أم كان من أهل العهد والذِّمَّة؛ فعن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَزوال الدنيا أهونُ على الله من قتل مؤمنٍ بغير حقٍّ»؛ أخرجه ابن ماجه. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من قتل مُعاهَدًا لم يرَحْ رائحةَ الجنة، وإن رِيحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا»؛ أخرجه البخاري. وعند النسائي: «من قتل قتيلاً من أهل الذِّمَّة لم يجِد ريح الجنة». وأهل الذِّمَّة في ديار الإسلام لهم ذِمَّةٌ وعهدٌ وحقوق، وعليهم عهودٌ وواجباتٌ وشروط، ومن أخلَّ منهم بشيءٍ من ذلك، أو فعل ما يُوجِبُ نقضَ عهده، وحِلَّ دمه وماله، أو ما يُوجِبُ عقوبَته لم يكن لأحدٍ من الناس أن يتولَّى ذلك بنفسه، كما هو الحال في شأن المسلم إذا أتى ما يُوجِب عقوبته؛ بل مُنتهى ذلك إلى ولاة أمور المسلمين الذين لهم الإمامة العُظمى، والولاية العامة، والحكم والسلطان على ما تقتضيه مصلحة الدين والإسلام. ومن هذا يظهر بجلاءٍ: أن الاعتداء الذي استهدَفَ كنيسةً للأقباط في مصر ونصارى يتعبَّدون فيها عملٌ إجراميٌّ وظلمٌ وعدوان تُحرِّمُه الشريعةُ الإسلاميةُ ولا تُقِرُّه، وهو قتلٌ للنفوس المعصومة المُحرَّمة بغير حقٍّ، وعملٌ إرهابيٌّ يُناقِضُ روح الإسلام ومبادئه التي قامت على العدل ومعاني الرحمة والوفاء بالعهود ونبذ الظلم والبغي والعُدوان. أيها المسلمون: بقدر ما نال العالمُ من التقدُّم والمعرفة بقدر ما أوغَلَ في العنف والوحشية والصِّدَام والنزاعات والعصبية والحروب، في خريطةٍ غابَ العقلُ عنها، وتلاشَت قِيَم التسامُح فيها، وتضاءَلت فرصُ التعايُش السلميّ عليها، وليس غير الشرع الحق والعدل والعقل والإنصاف والحوار وحسن الجوار طريقًا يُصار إليه كي يُلجَم التعصُّب المقيت، والتمييز البغيض، والهمجيَّة والوحشية، ويعيش الناسُ في سلامٍ وأمان، وتُحفَظ عليهم دماؤهم وأعراضُهم، وأموالُهم وأوطانهم. وتلك مسؤوليةٌ تُناطُ بالقادة والسَّاسة وأهل الكلمة والنفوذ في العالم؛ بيْدَ أن من لم يتجرَّد للحق، ولم يتعالَ على حظوظ النفس، وحب السيطرة، وفرض الهيمنة، ولم يستطع أن يكبِت آثار العداء الكامِن؛ فلن يُرتَجَى منه أيُحقِّق للعالم سلامًا ولا للناس أمانًا. ومصير الخلق إلى الله لا إلى العباد، ولن يُفلِت ظالمٌ من عقاب، ولا قاتلٌ من حساب، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [يوسف: ٢١]. بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله وراقِبوه، وأطيعوه ولا تعصوه، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: ١١٩]. أيها المسلمون: العِزَّةُ والمَنَعةُ والقوةُ لله تعالى، ولمن كتبها الله له، فابتغوا عند الله العِزَّة، وانتظِموا في جُملة عباده المؤمنين الذين لهم النُّصرة والغَلَبة، ومن يكن الله معه فمعه الجُند الذي لا يُغلَب، والعِزُّ الذي لا يُسلَب، والملكُ الذي لا يُرهَب، وتمسَّكوا بشريعة الإسلام، والتزموا بها حقَّ الالتزام، ولتكن حياتُكم مقرونةً بالدعوة، والدعوة مقرونةً بالقدوة، والقدوة مقرونةً بالعلم، والعلمُ مقرونًا بالحكمة، والحكمة مقرونةً بالصبر، والصبر مقرونً بالاحتساب، ولا تُشوِّهوا بهاء الإسلام وجلاله، وجماله وكماله بأفعالٍ شاذَّة، وفتاوى نادَّة، وسلوكٍ يأتي الخاطئة، وأخلاقٍ سيئة تأباها نصوصه، وترفضها مبادئه ومقاصده، وترُدُّها وسطيته وسماحتُه ورحمته، ويستغلُّها خصومُه لإلصاق التُّهَم به، وتشويه صورته، وتنفير الناس منه، وتهييج العداء ضدّه. جعلني الله وإياكم أنصارًا للحق، قوَّامين بالقسط، شهداء لله ولو على أنفسنا أو الوالدين والأقربين، وحمانا جميعًا من مزالق الأهواء المُضِلَّة، والفتن المُدلهِمَّة. ثم اعلموا أن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسه، وأيَّه بكم - أيها المؤمنون من جنِّه وإنسه -، فقال قولاً كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا [الأحزاب: ٥٦]، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة، أصحاب السنة المُتَّبَعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر آله وأصحابه أجمعين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وانصر عبادك المُوحِّدين، ودمِّر الطُّغاة والمُعتدين، ودمِّر الطُّغاة والمُعتدين، ودمِّر الطُّغاة والمُعتدين، وانصر إخواننا المستضعفين في كل مكانٍ يا رب العالمين. اللهم عليك باليهود الغاصبين، والصهاينة الغادِرين، اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تُحقِّق لهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم عبرةً وآية. اللهم عُمَّ بالأمن والرخاء والاستقرار جميعَ أوطان المسلمين يا رب العالمين، واحفظنا من الفتن والمِحَن والبلابل والقلاقِل والزِّعازِع يا رب العالمين. اللهم أدِم على بلاد الحرمين الشريفين أمنَها ورخاءَها، وعِزَّها واستقرارها يا غني يا كريم، اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لما فيه عِزُّ الإسلام وصلاح المسلمين يا أرحم الراحمين، اللهم وأعِده إلينا سالمًا مُعافى عاجلاً غير آجِل يا رب العالمين، ومُنَّ عليه بالصحة والعافية والسلامة يا كريم. اللهم وفِّق وليَّ عهده ونائبَه الثاني لكل خير يا رب العالمين، ومتِّعهما بالصحة والعافية يا كريم. اللهم اشفِ مرضانا، اللهم اشفِ مرضانا، اللهم اشفِ مرضانا، وعافِ مُبتلانا، وارحم موتانا، وانصرنا على من عادانا برحمتك يا قوي يا عزيز يا رب العالمين. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 6

خطبة المسجد النبوي - ١٠ صفر ١٤٣٢ - الفتن وموقف المسلم منها - الشيخ علي الحذيفي الخطبة الأولى الحمد لله، يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم، من استهداه هدَاه، ومن أقبَلَ إليه آواه، ومن سأله أعطاه، ومن توكَّل عليه كفاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، اصطفاه الله على العالمين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فاتقوا الله حقَّ التقوى، فتقوى الله سعادةُ الدنيا وزادُ الدار الأخرى. أيها المسلمون: قد قضى الله وقدَّر بعلمه وحكمته وقدرته أن تكون هذه الحياة الدنيا ميدانًا للخير وللشر، وللحسنات والسيئات، والصراعُ فيها بين حزب الله المُفلِحين وبين حزبِ الشيطان الخاسِرين، منذ أوجَدَ الله آدم ﵇ في هذه الأرض، وقد علِمَ الله في الأَزَل ما الخلقُ عامِلون، وفي الآخرة يُجازِي الله ويُثيبُ على الحسنات أعظم الثواب، برِضوانه وجنات النعيم، ويُعاقِب على الكفر والنفاق والسيئات بأعظم العِقاب، بغضبه وعذاب الجحيم، وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: ٤٩]. وإن أمة محمد ﷺ وارِثة الكتاب، وآخرُ الأمم، وسنَّةُ الله تجري على كل أحد؛ فليس بين الخالق والخلق إلا سبب الطاعة، قال الله تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر: ٤٣]. أيها الناس: إن الساعة قد اقترَبَت بأهوالها، وإن الدنيا قد دنا زوالُها، وإن الفتن قد وقعَ بضلالها، فكونوا من الشرور حذِرين، وللحق والخيرات مُلازِمين، جاء في الحديث: «شرُّ الأيام: الأيام التي تلِيها الساعة». وإن هذه الأمة شاهَدَت وستُشاهِد فتنًا كقِطع الليل المُظلِم، لا يُنجِي منها إلا الاعتصامُ بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ولزوم جماعة المسلمين وإمامهم، قال النبي ﷺ : «إنه لم يكن نبيٌّ قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدُلَّ أمته على خير ما يعلمُه لهم، ويُنذِرَهم شرَّ ما يعلمُه لهم، وإن أمتكم جُعِلَ عافيتُها في أولها، وسيُصيبُ آخرَها بلاءٌ وأمورٌ تُنكِرونها، وتجِيءُ الفتن فيُرقِّقُ بعضُها بعضًا، وتجِيءُ الفتنة فيقول المؤمنُ: هذه مُهلِكَتي، ثم تنكشِف، وتجيءُ الفتنة فيقول المؤمنُ: هذه هذه، فمن أحبَّ أن يُزحزَحَ عن النار ويُدخَل الجنة فلْتأتِه منِيَّتُه وهو يؤمنُ بالله واليوم الآخر، ولْيأتِ إلى الناس الذي يُحبُّ أن يُؤتَى إليه، ومن بايَع إمامًا فأعطاه صفقةَ يده وثمرة قلبه فلْيُطِعه إن استطاع، فإن جاء آخرُ يُنازِعُه فاضرِبوا عُنق الآخر»؛ رواه مسلم في "صحيحه" من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. ومعنى قوله ﵊: «فلْيأتِ إلى الناس الذي يُحبُّ أن يُؤتَى إليه» أي: فليُعامِل الناس المعاملة الحسنة ببذل الخير وكفِّ الشر، ولا يمنعهم حقوقهم، ولا يعتدي عليهم بدمٍ ولا مالٍ ولا عِرْض. فطُوبى لمن مات على توحيد الله تعالى، وعُوفِي من ظلمِ أحدٍ من الناس. أيها المسلمون: الفتنُ نوعان: خاصةٌ وعامة: فالفتنة الخاصة: التي تنزل بالفرد في نفسه، أو دينه، أو ماله، أو ولده، ونحو ذلك. والفتنة العامة: ما يعمُّ شرُّه المجتمعَ ويضرُّه. ومعنى الفتنة: هي النازِلة التي تضرُّ الدين أو الدنيا؛ بذهاب دين المسلم بالكلية أو بنقصه، أو بذهاب دنياه بالكلية أو بنقصها. وتُطلَق الفتنة أيضًا على ما يُعطِي الله الإنسان من متاع الدنيا وزينتها، كما قال ﵎: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء: ٣٥]، وقال تعالى: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التغابن: ١٥]، وقال : وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [الجن: ١٦، ١٧]. والعِبرة بما بعد الفتنة، فإن انكشَفَت الفتنة المكروهة وقد سلِم للمسلم دينُه أو ازداد إيمانًا وخيرًا؛ فقد نجَّاه الله من شرٍّ عظيم وأثابَه ثواب الصابرين، وإن شكر الله على النِّعَم أثابه الله ثواب الشاكرين، وإن أعرضَ عن الشكر عاقبَه الله عقاب الغافلين المُعرِضين. عن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير؛ إن أصابَتْه ضرَّاءُ صبَر فكان خيرًا له، وإن أصابَتْه سرَّاءُ شكرَ فكان خيرًا له»؛ رواه مسلم. والفتن الخاصة التي تنزل بالفرد يدفعها الله ويصرفها عنه بالصلاة، والتقوى، والصدقة، والدعاء، وترك المعاصي، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. قال حذيفة ﵁ قال: "كنا جلوسًا عند عمر ﵁، فقال: أيُّكم يحفظُ قولَ رسول الله ﷺ في الفتنة؟ ". قلتُ: "أنا"، قلتُ: "فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تُكفِّرها الصلاة، والصوم، والصدقة، والأمرُ بالمعروف، والنهيُ عن المنكر"؛ رواه البخاري ومسلم. والفتنة العامة التي يعُمُّ ضررُها الأمةَ يصرِفها الله عن الأمة ويدفعُها باتِّقاء أسبابها، كما قال ﵎: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: ٢٥]. وأعظم ما يدفع الله به الفتن العامة والعقوبات النازِلة: الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، فهو حارِسُ المجتمع من كل شرٍّ ورذيلة، والمُرغِّب له في كل خيرٍ وفضيلة. عن أبي بكر ﵁ قال: يا أيها الناس! إنكم تقرأون هذه الآية وتضعونها على غير موضعها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة: ١٠٥]، وإنا سمعنا رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعُمَّهم الله بعقاب»؛ رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديثٌ حسن صحيح. وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده؛ لتأمرُنَّ بالمعروف، ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليُوشِكنَّ الله يبعثُ عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجيبُ لكم»؛ رواه الترمذي. والمجتمع الذي يسود فيه الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر هو الذي يحفَظُه الله ويُنجيه من العقوبات المُدمِّرة، قال الله تعالى: فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ [هود: ١١٦]، وقال تعالى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [الأعراف: ١٦٥، ١٦٦]. الله أكبر! الله أكبر! إذًا من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر نجا، ومن ترك ذلك هلَك. أيها المسلمون: نحنُ مُحارَبون في عقيدتنا التي هي سعادتنا في الدنيا والآخرة، ومُحارَبون في شبابنا الذين هم قِوامُ مجتمعنا، فصار يتكلَّم في العقيدة من لا صلة له بالعلم، ويُفتي من لات علم له بالفقه، ويتكلَّم في مسائل الدين من لا تخصُّص له في علوم الشريعة، ويطعن في علماء الأمة الراسخين الذين تدور عليهم الفتوى، فيُصاب الإسلام بسهام الجهل، مع ما يُصاب به من سِهام الكفر والنِّفاق. كما أننا مُحارَبون في شبابنا باستهدافِهم بالمُخدِّرات التي تمسخُ العقول، وتُدمِّر الأخلاق، وتُفسِد الحياة، وتُقطِّع أواصِر القُربى وصِلات المجتمع ووشائجه، وتهدِم الإسلام في النفوس، وتُميتُ غريزة حب الوطن. ومُحارَبون في شبابنا بالفكر التكفيري الضال، وبآراء الخوارج الذين ذمَّهم الكتاب والسنة، بمثل قول النبي ﷺ : «سيخرُجُ قومٌ في آخر الزمان حُدَثاء الأسنان، سُفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البريَّة، يقرأون القرآن، لا يُجاوِزُ إيمانُهم حناجِرهم، يمرُقون من الدين كما يمرُقُ السهم من الرميَّة»؛ رواه البخاري، ومسلم من حديث عليٍّ ﵁. فقد اختَطَف هذا الفكر الضال شبابًا من الذكور والإناث من بين أحضان أبوَيْهم، وزجَّ بهم في متاهاتٍ وحيرة، وأوقَعَهم في عظائمَ من الأمور التي يأباها الإسلام - والعياذ بالله -؛ من عقوق الوالدين، واستباحة الدماء والأموال، وعصيان ولي الأمر، وقطيعة الأرحام، ومخالفة العلماء، وترك جماعة المسلمين. معشر الشباب: احذروا هذه الفتنة الضالة، وأعمِلوا عقولكم في هذه الفتنة، وفكِّروا جيدًا؛ فإن التَبَس عليكم الأمر فاسألوا أهل الفتوى وهيئةَ كبار العلماء وأئمة الحرمَيْن، واستنصِحوا والديكم وقراباتكم، ولا تغترُّوا بمن يُوجِّهونكم إلى دماركم، فهم يُحقِّقون أهدافًا ومصالح لأعداء الإسلام شعروا أو لم يشعروا، وافحصُوا عن تاريخ من يُوجِّهونكم تظهر لكم الحقائق. والفرصة مُهيَّأة لرجوعكم إلى الصواب، وتسليم أنفسكم إلى ولاة أمركم الذين يرعون مصالح الأمة، ومُهيَّأة لاجتماعكم بذويكم، ولكم تجربة ماثِلة فيمن هداهم الله فرجعوا إلى الحق، وجمع الله شملهم بذويهم، واندمَجوا مع مجتمعهم المسلم، وراعى مصالحهم ولاةُ الأمر، ومن لم يرجِع إلى الحق والصواب فمثلُه كمثل النعجة التي تطرُد الذئب وصاحبُها يُطارِدها ليُنقِذَها منه، فإن أدرَكَها صاحبُها نجَت، وإلا افترَسَها الذئب. فيا عجبًا ممن يرى طاعةَ مشبوهٍ ومفتونٍ بالبدعة، ولا يرى طاعة والدَيْه ووليَّ أمره وأقربائه. والتذكُّر والإنابة جعلها الله من صفات أولي الألباب، قال ﵎: إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الرعد: ١٩]، وقال ﵎: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ [الأعراف: ٢٠١، ٢٠٢]. والغفلة والإصرار على الباطل من صفات المُعرِضين، والله ﵎ بيَّن الحُجَّة وبيَّن للناس الطريق، فما عليك إلا أن تسلُك طريق السلف - رضي الله ﵎ عنهم -، ومن أفتاك بأن هذا جهاد فإنه قد غرَّر بك، وإن هذا جهادٌ في سبيل الشيطان وليس بجهادٍ في سبيل الرحمن، ومن قتل نفسَه يظنُّ أنه سيدخل الجنة فإنه قاتلٌ نفسَه ظلمًا وعدوانًا، والله ﵎ يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء: ٢٩، ٣٠]. ومن قتل نفسه بحديدة فهو يقتل بها نفسَه في نار جهنم، ومن قتل نفسَه بسُمٍّ فإنه يتحسَّاه في نار جهنم. فاتقوا الله - يا عباد الله -، اتقوا الله ﵎. قال الله : وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الزمر: ٥٤ - ٥٨]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله مُعِزِّ من أطاعه واتقاه، ومُذِلِّ من خالف أمره وعصاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا إله سواه، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله اصطفاه ربه واجتباه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، ومن اتبع هداه. أما بعد: فاتقوا الله - أيها المسلمون - حق التقوى، وتمسَّكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى، واطلبوا مرضاة الله ﵎ في السر والعلانية والنجوى، فإنه ﵎ يقول: ﴿هو أهل التقوى وهل المغفرة﴾، أهلٌ أن يُتَّقى، وهو أهلٌ أن يُطاعَ فلا يُعصَى. أيها المسلمون: إنه قد جاء الحديثُ عن النبي ﷺ من حديث حذيفة - رضي الله تعالى عنه - قال: إن النبي ﵊ قال: «إن الفتن تُعرَضُ على القلوب كالحصير يُعرَضُ عودًا عُودًا، فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها نُكِتَت فيه نُكتةٌ سوداء، وأيُّ قلبٍ أنكرَها فإنه تُنكَتُ فيه نُكتةٌ بيضاء، حتى تكون القلوب على قلبَيْن: قلب مثل الصفا أبيض لا تضرُّه فتنةٌ ما دامت السماوات والأرض، وقلب كالكوزِ مُجخِّيًا - أي: مائلاً -، لا يعرِفُ إلا ما أُشرِب من هواه، يرى الحسن قبيحًا والقبيحَ حسنًا». فاتقوا الله - أيها الناس -. وجاء عن النبي ﷺ : «لا يؤمن أحدُكم حتى يكون هواه تبَعًا لما جِئُتُ به». فيا عباد الله: إن الفتن أخبر بها النبي ﵊، وإنها وقعت في العصر الأول بعد موت النبي ﵊، ولا تزال تظهر في كل زمان، ولكن الله ﵎ بيَّن لنا في كتابه كل شيء. يقول عليٌّ ﵁ لما سألوه عن الفتن، قالوا: والمخرجُ منها؟ - يرفعُه إلى النبي ﵊ قال: «المخرجُ من الفتن كتابُ الله؛ فيه خبرُ ما قبلكم، ونبأُ ما بعدكم، فتمسَّكوا به .. » في حديثٍ طويلٍ عن النبي ﷺ . فيا أيها الناس: إن المخرج من كل فتنة: هو أن تعرِفَ الحق فيها، وأن تعرِفَ الباطل فيها، وأن تتمسَّك بالحق، وأن تكون مع أهل الحق المُفلِحين، وأن تترك الباطل وأن تكون مُنابِذًا لحزب الشيطان الخاسرين. فاتقوا الله - أيها المسلمون -، واعلموا أنكم غدًا بين يدي الله مسؤولون. عباد الله: إن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال ﵎: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيد الأولين والآخرين، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد. اللهم وارضَ عن الصحابة أجمعين، اللهم وارضَ عن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدِلون: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم وارضَ عنَّا بمنِّك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذِلَّ الكفر والكافرين، اللهم أبطِل مكر أعداء الإسلام يا رب العالمين، اللهم أبطِل تخطيطات أعداء الإسلام التي يُخطِّطون بها لضرَر الإسلام يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير. اللهم اكفِنا والمسمين مكر أعداء الإسلام يا رب العالمين، اللهم اكفِنا شر المنافقين يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير. اللهم احفظنا وذريَّاتنا من مُضِلاَّت الفتن، اللهم احفظنا وذريَّاتنا من مُضِلاَّت الفتن، اللهم احفظ المسلمين وذريَّاتهم من مُضِلاَّت الفتن يا رب العالمين، اللهم احفظنا وذريَّاتنا من إبليس وذريَّته وشياطينه وجنوده يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير. اللهم ألهِمنا رُشدنا وقِنا شرور أنفسنا، اللهم أعِذنا من شرور أنفسنا، وأعِذنا من شر كل ذي شرٍّ يا رب العالمين، اللهم اكفِنا شر المُعتدين يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير. ربنا اغفر لنا ذنوبنا، اغفر لن ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسرَرْنا وما أعلنَّا، وما أنت أعلمُ به منَّا، أنت المُقدِّم وأنت المُؤخِّر، لا إله إلا أنت. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم ولاة أمورنا. اللهم وفِّق وليَّ أمرنا خادم الحرمين الشريفين لما تحب وترضى، اللهم وفِّقه لهداك، واجعل عمله في رضاك، وانصر به الدين يا رب العالمين، اللهم ارزقه الصحة، إنك على كل شيء قدير، اللهم ارزقه الصحة والعافية ليعود سالمًا مُعافىً، إنك على كل شيء قدير. اللهم وفِّق نائبَيْه لما تحب وترضى، اللهم وفِّقهما لهداك، واجعل عملهما في رضاك، اللهم وانصر بهم الدين، إنك على كل شيء قدير، يا رب العالمين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. اللهم ألِّف بين قلوب المسلمين، اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين يا رب العالمين. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: ٩٠، ٩١]. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 7

خطبة المسجد النبوي - ١٧ صفر ١٤٣٢ - أسباب الهلاك في الدنيا والآخرة - الشيخ حسين آل الشيخ الخطبة الأولى الحمد لله العلي الأعلى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الآخرة والأولى، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي المُصطفى، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه أهل الطاعة والتقوى. أما بعد، فيا أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -، فمن لزِمَها جعل الله له من كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل عُسْرٍ يُسرًا، ورزَقَه من حيث لا يحتسِب. أمة الإسلام: تُعاني أمتُنا في كثيرٍ من بلدانها المِحَن والفتن والمصائب والتفرُّق والاختلاف مما يندَى له الجبينُ، ويحزنُ له المؤمنون، ألا وإن الأمة اليوم حُكَّامًا ومحكومين بحاجةٍ إلى ما يُصلِح الأوضاع ويرفع الآلام، ويكشِف الغُمَّة، ويمنع الفساد والشرور والفتن التي دبَّت علينا من كل حَدَبٍ وصَوبٍ. وإن المناداة بأسباب الإصلاح التي يسمعها المسلمون لكثيرةٌ ومتنوعة، لكنها وللأسف لا تنبع من العلاج الحقيقي لواقع هذه الأمة التي لها خصائصُها وثوابتُها وركائزُها. فيا أمة الإسلام: يا حُكَّام المسلمين، يا مجتمعات المؤمنين: لقد حان أن تستبصِروا مناهجكم الصحيحة التي اختارَها لكم خالقُكم، ورسمَها لكم نبيُّكم ﷺ . روى الإمام أحمد أن النبي ﷺ قال: «أتاني جبريل فقال: يا محمد! أمتُك مختلفةٌ بعدك، قال: فقلتُ له: فأين المخرجُ يا جبريل؟ فقال: كتابُ الله .. » الحديث. وفي لفظٍ عند الترمذي من حديث عليٍّ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ستكون فتنةٌ»، قال علي: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: «كتاب الله». وصحَّح بعض أهل العلم وقفَه على عليٍّ ﵁. معاشر المسلمين: إن المصائب التي تنزل بمجتمعات المؤمنين سببُها الأوحد: البُعد عن طاعة الله - جل وعلا -، وانتشار السيئات والمُوبِقات الخفية والظاهرة، فما وقوع كثيرٍ من المجتمعات في تحكيم القوانين الوضعية ونبذ القرآن والسنة إلا من صور التولِّي العظيم عن منهج الله، وما ولوج كثيرٍ من وسائل الإعلام في نشر الإلحاد والمجون إلا من الأمثلة الحيَّة للإعراض عن الصراط المستقيم، وحدِّث ولا حرج عن الأمثلة التي تُبرِز التولِّي عن منهج الله - جل وعلا -، يقول - سبحانه -: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا [الفتح: ١٧]. والعذاب هنا واقعٌ دنيا وأخرى بسبب الإعراض عن منهج الله - سبحانه -، ويقول - جل وعلا -: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠]، ويقول - سبحانه - أيضًا: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١]. قال أهل التفسير: "والمقصود بالفسادِ: فسادُ المعايش ونقصُها، وحلول الآفات بها؛ كالجَدب، والحرق، والغرق، ومحق البركات، وكثرة المضار، وارتفاع الأسعار، وانتشار الظلم، والأوبئة والأمراض". والناظر لسنة سيد المرسلين ﷺ يجِد أنه حذَّر أمته من أسباب وقوع المِحَن والمصائب؛ فقد روى البخاري عن أبي مالك الأشعري أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ليكوننَّ من أمتي أقوامٌ يستحِلُّون الحِرَ - أي: الزِّنا -، والحرير، والخمر، والمعازف، ولينزلنَّ أقوامٌ إلى جنب علَم - أي: جبل - يروح عليهم - أي: الراعي - بسارحةٍ لهم من الغنم يأتيهم لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدًا، فيُبيِّتهم الله - أي: يُهلِكهم -، ويضع العلَم عليهم، ويمسخ آخرين قِرَدةً وخنازير إلى يوم القيامة». والمعنى: أن من استحلُّوا هذه المعاصي وأمثالَها فهم موعودون بعقوبتين في الدنيا: وهي هلاك بعضهم بإيقاع الجبل عليهم؛ إشارةً إلى وقوع الزلازل ونحوها. والثانية: مسخُ آخرين قِردةً وخنازير إلى يوم القيامة. وفي حديثٍ آخر: يقول النبي ﷺ : «إذا ظهر الزِّنَا والرِّبا في قريةٍ فقد أحلُّوا بأنفسهم عذاب الله»؛ رواه الحاكم وصحَّحه، ووافقه الذهبي. واسمعوا - أيها المسلمون - لهذا الحديث العظيم الذي يُعالِجُ مشكلةً أعيا العالمَ حلُّها، وبسببها تقعُ كثيرٌ من المصائب والقلائل، وقد أخبر بسببها من لا ينطِق عن الهوى تفسيرًا لقوله - جل وعلا -: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: ٢، ٣]، يقول ﷺ : «وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر»؛ أخرجه الطبراني، وهو حديثٌ صحيحٌ لغيره. فيا تُرى؛ أيسمع المسلمون حُكَّامًا ومحكومين لهذا الحديث سماع استجابةٍ، وينطلقون منها إلى نبذ القوانين الوضعية، والدساتير البشرية، ويُقبِلوا قلبًا وقالَبًا على تحكيم الإسلام في كل شأنٍ من شؤونهم؟! إن أعظم نعمة على مجتمعات المسلمين؛ بل على العالم جميعًا: أن منَّ الله عليهم بنبيٍّ رحيم، بيَّن لهم جميعَ ما يُصلِحُ أحوالَهم، ويُقيم حياتَهم، وتسعَدُ به دنياهم وأخراهم، فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وجعلنا على المحجة البيضاء، فما بالُ المسلمين تجِدُ كثيرًا منهم في شؤون كثيرةٍ من الحياة عن السنة المحمدية مُعرِضون، وعن منهجها وطريقها مُدبِرون؟! فأنَّى لهم حينئذٍ النجاة والسعادة، وكيف يحصلون على الاستقرار والرخاء، والحياة الطيبة؟! وقد حذَّرَنا ربُّتنا - جل وعلا - بقوله: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: ٦٣]. قال ابن عباس: "الفتنة: القتل"، وقال عطاء: "الفتنة الزلازل والأهوال"، وقال جعفر بن محمد: "سلطان جائرٌ يُسلَّط عليهم". وهذه تفاسير بالنوع، وإلا فالأصل أن الفتنة هنا: كل ما يسوء ويضر ويحصل به العذاب دنيا وأخرى. قال الشوكاني ﵀: "الفتنةٌ هنا غير مُقيَّدة بنوعٍ من أنواع الفتن"، وقال بعض المُفسِّرين: "والمراد بذلك: أن مخالفة أمره ﷺ مُوجِبة لأحد نوعَي العَذابَيْن الدنيوي والأخروي، ولا يمنع ذلك أن يجمع له الله تعالى من النوعين من العذاب" أعاذنا الله وإياكم من ذلك. وفي الحديث: «وجُعِل الذِّلَّةُ والصَّغار على من خالَفَ أمري»؛ رواه أحمد بسندٍ صحيحٍ، وذكره البخاري في "الصحيح" مُعلَّقًا. بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعنا بما فيه وفي السنة من الهدى والفرقان، أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فيا أيها المسلمون: يقول عليٌّ ﵁ وهو الذي تربَّى في مدرسة محمد ﷺ : "ما نزل بلاءٌ إلا بذنب، وما رُفِع إلا بتوبة". فعلى المسلمين جميعًا حُكَّامًا ومحكومين قبل فوات الأوان أن يتوبوا إلى توبةً صادقة، وأن يصدُقوا مع الله، وأن يستجيبوا لأمره، وأن يكون الخوف منه - سبحانه - هو المُحرِّك لحياتهم، ومنهجُه هو المُهيمِنُ على تصرُّفاتهم وتوجُّهاتهم، وأن يُقيموا حياتَهم على مبادئ الإسلام من العدل التام، والإحسان الكامل، والتراحُم المُتبادَل، والتعاوُن الصادق على الخير والهدى بين الحُكَّام والمحكومين في ظل اتباعٍ كامل لأحكام الشريعة الغرَّاء، فبذلك وحده تزدهِرُ حياتُهم، وتستقِرُّ أوضاعُهم، وتصلُح شؤونهم، ويعيشون في حياةٍ سعيدةٍ طيبةٍ مُطمئنَّة يسودُها الحب والتلاحُم والتراحُم، في أمنٍ فردي واجتماعي، وأمنٍ فكري وسياسي، وأمنٍ دنيوي وأخروي، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢]، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: ٩٧]. أيها المسلمون: إن أفضل الأعمال: الإكثار من الصلاة والتسليم على النبي محمد، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبينا وحبيبنا محمد، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، وعن الصحابة والآل أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أذِلَّ الشرك والمشركين، اللهم عليك بأعداء الدين، اللهم عليك بأعداء الدين، اللهم عليك بأعداء الدين. اللهم أصلِح أوضاعَنا وأوضاع المسلمين، اللهم أصلِح أحوالنا وأحوال المسلمين في كل مكان، اللهم ولِّ على المسلمين خيارَهم، اللهم ولِّ على المسلمين خيارَهم، اللهم اجعل ولايتهم فيمن يخافك ويتَّقيك، اللهم اجعل ولايتهم فيمن يخافك ويتَّقيك يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اجعل ولاة أمور المسلمين رحمةً على رعاياهم، اللهم اجمع بينهم وبين رعاياهم على القرآن والسنة يا رحمن يا رحيم. اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّ وترضى، اللهم وارزقه الصحة والعافية يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات. اللهم عُمَّ بالأمن والرخاء جميعَ بلاد المسلمين، اللهم اجعل بلاد المسلمين في كل مكان آمنةً مطمئنة رخاءً سخاءً يا أرحم الراحمين. اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار. اللهم أغِثْنا، اللهم أغِثْنا، اللهم أغِثْنا، اللهم أغِثْنا، اللهم أغِثْنا، اللهم أغِثْنا، اللهم أغِثْنا يا ذا الجلال والإكرام، اللهم لا تحرمنا فضلك، اللهم لا تحرمنا فضلك، اللهم لا تحرمنا فضلك. اللهم يا ذا الجلال والإكرام لا غِنى لنا عن بركتك، اللهم أنزِل علينا المطر، اللهم أنزِل علينا المطر، اللهم أنزِل علينا المطر، اللهم اجعلها سُقيا رحمة لا سُقيا هدمٍ ولا غرق ولا بلاءٍ يا ذا الجلال والإكرام. عباد الله: اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، وسبِّحُوه بُكرةً وأصيلاً. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 8

خطبة المسجد النبوي - ٢٤ صفر ١٤٣٢ - فضل الحلم وتحاشي الغضب - الشيخ عبد المحسن القاسم الخطبة الأولى: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مظل له، ومن يظلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيراً .. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، أيها المسلمون: يعلو المرء بالإيمان وحسن الخلق، وترتقي منزلته عند الله بالجمع بينهما، قال ﵊: (أنا زعيم -أي ضامناً- ببيتٍ في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) رواه أبو دواود. والحلم أساس الأخلاق ودليل كمال العقل وامتلاك النفس، والمتّصف به عظيم الشان، رفيع المكانه، محمود العاقبة، مرضي الفعل، قال شيخ الاسلام رحمه الهم: الحلم والصبر على الأذى والعفو عن الظلم أفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة، يبلغ بها الرجل ما لا يبلغه بالصيام والقيام وهو من الخصال التي يحبها الله في عباده ووعد من آمن واتصف به بالمغفرة والجنة، قال سبحانه (والكاضمين الغيظ) قال ابن كثير ﵀: أي لا يُعمِلونَ غضبهم في الناس بل يكفون عنهم شرهم، ويحتسبون ذلك عند الله، وأحق المتصفين بالحلم هم الرسل، قال الفضيل ﵀: من أخلاق الأنبياء الحِلمُ والأناة وقيام الليل، والله أثنى على إبراهيم ﵇ بالحلم في قوله (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ) وبشر بغلام متّصف بالحلم (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ) ونوح ﵇ دعى قومه إلى عبادة الله فجعلوا أصابعهم في آذانهم استكباراً عليه وقالوا عنه (مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ) فحَلَم عليهم ألف سنة إلا خمسين عاما، وموسى ﵇ رماه قومه بالجنون وتحدوه بالسحر وأتمروا عليه ليقتلوه، فحلم عليهم فبرأه الله مما قالوا، وكان عند الله وجيها، وحكى النبي ﷺ عن نبي من الانبياء - ضربه قومه فأدموه - فكان يمسح الدم عن وجهه ويقول (رب اغفر لقومي إنهم لا يعلمون) متفق عليه، ونبينا محمد ﷺ لاقى الأذى والسخرية من قومه، وكان يقول لعائشة ﵂ (لقد لقيت من قومك ما لقيت) وملك الجبال يأتيه ويقول له: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت، فقال: (بل أرجوا أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا) متفق عليه، ورأه أعرابي فجذبه بردائه جذبة شديدة حتى أثر في عنقه، وقال يا محمد: مرّ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه النبي ﷺ وهو يضحك، وأمر له بعطاء، متفق عليه. وامتد حلمه إلى الخدم، قال أنس ﵁: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي أف قط، وأثنى النبي ﷺ على من اتصف بالحلم من الصحابة، فقال لأشج عبد القيس "إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة" رواه مسلم، وأبو بكر ﵁ سبق غيره بالإيمان وكمال الصحبة، وبما تحلى به من صفات عظيمة فشهد له الصحابة بذلك، قال عمر ﵁: أبوبكر أحلم مني وأوقر، والشجاعة في قوة القلب وثباته، فلا يزعزعه قول جاهل ولا فعل سفيه، والقوي الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب، فيفعل ما يصلحه، أما المغلوب حين غضبه فهو ضعيف، والنبي ﷺ مدح من ملك نفسه عند الغضب فقال: "ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب" متفق عليه. واحتمال السفيه خير من التحلي بصورته، والإغضاء عن الجاهل خير من مشاكلته، ومن سكت عن جاهل فقد أوسعه جواباً وأوجعه عقابه، قال رجل لضرار بن القعقاع ﵁: والله لو قلت لي مسبة واحدة لسمعت مني عشرا، فقال له ضرار: لو قلت عشراً لم تسمع مني واحدة، وشتم رجل الشعبي ﵀ فاجابه بقوله: إن كنت ما قلتَ فغفر الله لي، وإن لم أكن كما قلتَ فغفر الله لك، ومن صفح عن الخلق عفى الله عنه. قال بن القيم: يعامل العبد في ذنوبه بمثل ما يعامل به العبد الناس في ذنوبهم، والجزاء من جنس العمل، فمن عفى .. عفى الله عنه، ومن سامح أخاه في إساءته إليه .. سامحه الله في إساءته، ومن أغضى وتجاوز .. تجاوز الله عنه، ومن استقصى .. استقصى الله عليه. والغضب مفسد للأخلاق والأعمال، وللعقل والمروءات، قيل لابن المبارك ﵀: إجمع لنا حسن الخلق في كلمة، قال: ترك الغضب، وترك الغضب وصية الرسول ﷺ ، جاءه رجل فقال أوصني .. قال (لا تغضب) فردد مراراً .. قال (لا تغضب) رواه البخاري. قال الراوي ﵁ ففكرت حين قال النبي ﷺ ما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله والعقل ينقص عند الغضب فيؤدي إلى قول الباطل وكتم الحق. ومن دعاء النبي ﷺ (أسألك كلمة الحق في الغضب والرضى) رواه النسائي، ويمنع من القول في العدل، قال النبي ﷺ (لا يقضين حَكَم بين اثنين وهو غضبان) متفق عليه. وقد يخسر المرء شيئا من ماله بسبب الغضب، قال جابر ﵁: سرنا مع النبي ﷺ في غزوة ورجل من الأنصار على ناضح (أي بعير) فتَلدَنَ عليه بعض التلدن (أي تلكع عليه) فقال لبعيره "لعنك الله"، فقال رسول ﷺ (من هذا اللاعن بعيره) قال: أنا يارسول الله قال (انزل عنه فلا تصحبنا بملعون، لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم، لا توافق من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم) رواه مسلم. قال ابن رجب ﵀: فهذا كله يدل على أن دعاء الغضبان قد يجاب إذا صادف ساعة إجابه وأنه يُنهى عن الدعاء على نفسه وأهله وماله في الغضب، وإذا غضب الإنسان قال ما لا يعلم وندم على ما قد يعمل من عقوق والديه أو قطع رحمه أو مفارقة زوجه أو قطع رزقه أو هجران الأصحاب له أو الإعتداء على الآخرين أو صدور أقوال محرمة منه من قذف وسباب وفحش وأنواع من الظلم والعدوان، ويتولد من ذلك الهم والوحشة والحزن والوحدة، وقد يعاقب على ما بدر منه في غضبه بحدٍ او تعزير، أو عقوبة في الآخرة، وكان النبي ﷺ يأمر من غضب بتعاطي أسباب تدفع عنه الغضب، فأمر بالتعوذ من الشيطان لأنه سبب الغضب والعدوان. رأى النبي ﷺ رجلاً مغضباً قد احمر وجهه، فقال (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لوقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) متفق عليه، ونهى الغضبان عن الكلام سوى الاستعاذه، فقال ﷺ : (إذا غضب أحدكم فليسكت) رواه أحمد، فإن كان بقربه ماءً توضأ، قال ﵊: (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) رواه أحمد، وأمره بالتحول عن الهيئة التي هو عليها، قال ﵊ (إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع) رواه أبوداود، ومن شرف النفس وعلو الهمة الترفع عن السباب وفي الإعراض عن الجاهل صمم للعرض والدين، ومن صفات المؤمنين (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا) ومن غضب فعليه أن يتذكر حلم الله عليه، وأن يخشى عقابه، فقدرة الله عليك أعظم من قدرتك على الخلق وليتذكر ما يؤدي إليه الغضب من الندم والحسرة، وليحذر عاقبة العداوة والانتقام وشماتة الأعداء بمصابه، والمؤمن يستشعر ثواب العفو وحسن الصفح وأن الدنيا أهون من أن يغضب لها، فيقهر نفسه عن الغضب ومن لم يكن حليما فعليه أن يدفع نفسه للحِلم، قال الأحنف: لست بحليماً ولكني أتحالم، وإذا خالف المرء ما يأمره به غضبه، وجاهد نفسه على ذلك، اندفع عنه شر الغضب، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ). بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية: الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له تعظيما لشأنه، وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما مزيدا. أيها المسلمون .. من غَرَسَ الحِلمْ اجتنى ثمرة السِلم، والحلم يعرف ساعة الغضب، وخير الناس بطيء الغضب، سريع الرجوع عنه، وشرهم سريع الغضب، بطيء الرجوع للرضا، ومن كمال العقل من إذا غضب لم يدخله غضبه في باطل، ومن إذا رضي لم يخرجه رضاه من حق، وإياك والعجلة فإنك إذا عجلت أخطأت حقك، وكن سهلاً لينا للقريب والبعيد، والعاقل يدرأ عن نفسه غضب الناس عليه من سخرية بهم أو استهزاء، أو تنقص مكانتهم أو تعدي على أعمالهم أو وقوع في عرضهم بغيبة أو بهتان أو افتراء، ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه فقال في محكم التنزيل (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) اللهم صلي وسلم على نبينا محمد، وارضى اللهم عن خلفائه الراشدين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون أبي بكر وعمر عثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمناً مطمئننا رخاء وسائر بلاد المسلمين، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها الا أنت، ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. الله وفق إمامنا لهداك واجعل عمله في رضاك ومتعه بالعافية والصحة العاجلة يارب العالمين، ووفق جميع ولاة المسلمين للعمل بكتابك وتحكيم شرعك يا ذا الجلال والإكرام عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكَرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلآئه ونعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 9

خطبة المسجد النبوي - ١ ربيع أول ١٤٣٢ - صحوة الأمة بالتمسك بالكتاب والسنة - الشيخ صلاح البدير النص غير متاح حالياً أوضح فضيلة إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ صلاح البدير أن المؤمن مهما تفاقم الشر وتراقى الخطر والضر فانه يعلم أن ما قضي كائن وما قدر واجب وما سطر منتظر ويشاء الله يكن وما يحكم به الله يحق لا رافع لما وضع ولا واضع لما رفع ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع وما شاء ربنا صنع فلا محيص عن القدر المقدور ولا راد للأمر المسطور، أقدار مورودة لله في أثنائها الفرج القريب وهو السميع المجيب لا يقابل أمره إلا بالرضى والصبر على ما قضى ولا يقابل البلاء الجسيم إلا بالإيمان والتسليم والله بعباده لطيف وفضله بهم مطيف. وقال فضيلته في خطبة الجمعة التي ألقاها في المسجد النبوي إن الأمم تتقلب في أطوار وأطباق ما بين عزة وذلة وكثرة وقله وغنى وفقر وعلم وصناعة وجهل وإضاعة وأحوال متقلبة مشاعة والأمة الواعية مهما عانت من ضراء أو عالجت من بلاء أو كابدت من كيد أعداء فإنها سرعان ما تفيق من غفلتها وتصحو من رقدتها وتقوم من نكبتها فتقيم المائل وتقوم الحائد وترتق الفتق وترقع الوهى والخرق لتعود عزيزة الجانب لا يتجاسر عليها غادر ولا ينالها عدو ماكر، مشيرا فضيلته إلى أن الأمة اليوم تمر بأحرج مواقفها وأصعب ظروفها واشد خطوبها العنف يتفجر في أراضيها والفتن تدور في نواحيها تشتت نظامها. ومضى إمام وخطيب المسجد النبوي قائلا انه متى تفرقت الأهواء وتباينت الآراء وتنافرت القلوب واختلفت الألسن وقع الخطر بأكمله وجثم العدو بكلكله، مبينا أنه على الأمة أن تعيد صياغة الحياة في بلادها وفق رسالة الإسلام وأن تسعى لإصلاح أوضاعها إصلاحا شاملا كاملا عقديا وأخلاقيا وسلوكيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا حتى لا تتحول جهودها في مواجهة التحديات والمؤامرات سلسلة من الذل والاحباطات والصدمات والانتكاسات. وبين الشيخ البدير أن الإصلاح الصادق ليس إصلاحا تحركه بواعث وقتية أو ملابسات ظرفية وإنما هو إصلاح صادر عن إيمان راسخ وعقيدة صادقة واستشعار بعظمة الواجب وأمانة المسؤولية يوم يسأل الله كل عبد عما استرعاه أدى أم تعدى، كما انه على الأمة وهي تتلمس معالم الإصلاح ومنهجه ومقوماته وأسسه ووسائله أن تعرض أوضاعها الحاضرة وحياتها المعاصرة على نصوص الكتاب والسنة لأنها الميزان الحق والمقياس الصدق على تقدم الأمم وتأخرها وزينها وشينها وصوابها وخطئها، وقد قال بعض أهل العلم من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة فلا تعدوه في ديوان الرجال وعلى الأمة أن تأخذ الرأي والمشورة من رجالها الأوفياء وعلمائها الأمناء الذين ليس لهم بائقة ولا يخاف منهم غائلة وهم ضمير الأمة وغيظ عدوها وحراس عقيدتها والفضيلة فيها حتى يصدر التدبير عن دين مشروع وتجتمع الكلمة على رأي متبوع ومتى تقاعست الأمة عن تدارك أخطائها وأهملت في معالجات مشكلاتها خسرت أمنها واستقرارها ووقعت في أزمات وتحديات وفوضى ومواجهات لا تحمد عقباها ولا يعرف منتهاها. ضجَّ المصلون بالمسجد النبوي أمسِ بالدعاء، وأجهشوا بالبكاء، وعلت أصواتهم بالتأمين، ضارعين إلى الله سبحانه أن يحفظ أهل مصر من كل سوءٍ ومكروه، وأن يُعين أهل جُدَّة على ما حل بهم من كارثة السيول. وكان المصلون يؤمِّنون على دعاء الشيخ صلاح بن محمد البدير إمام وخطيب المسجد النبوي الذي خصص قدرًا من خطبة الجمعة أمس للدعاء لمصر وأهلها، وغصّ بالعبرة وهو يسأل الله أن يجعلهم الله في ضمانه وأمانه وإحسانه، وأن يجعل لهم من كل همٍّ فرجاً ويحفظ أمنهم واستقرارهم ويحقن دماءهم، كما دعا الله سبحانه أن يطفئ عنهم نار الفتنة ويجعل مصر آمنة مطمئنة مستقرة عزيزة بعزّ الإسلام، وأن يحفظ إخواننا المتضررين من السيول في جدة وأن يرزقهم الصبر وحسن العوض وعاجل الخلف وآجله وأن يتقبل موتاهم في الشهداء ويشفي مرضاهم. وقال: إن"الإصلاح الصادق ليس إصلاحًا تحركه بواعث وقتية أو ملابسات ظرفية وإنما هو إصلاح صادر عن إيمان راسخ وعقيدة صادقة واستشعار لعظمة الواجب وأمانة المسؤولية يسأل الله كل عبدٍ عما استرعاه .. أدّى أم تعدّى"، مشيراً إلى أن على الأمة وهي تتلمس معالم الإصلاح ومنهجه وأسسه ووسائله أن تعرض أوضاعها الحاضرة على نصوص الكتاب والسنة لأنهما الميزان الحق والمقياس الصدق على تقدم الأمم وتأخرها. وحذّر البدير من تقاعس الأمة عن تدارك أخطائها وإهمالها في معالجة مشكلاتها لأنها بذلك ستخسر أمنها واستقرارها وتقع في أزمات وفوضى ومواجهات لا تُحمد عقباها ولا يعرف منتهاها متى تفرقت الأهواء وتباينت الآراء وتنافرت القلوب واختلفت الألسن، وقع الخطر بأكمله وجثم العدو بكلكله، مبيناً أنه على الأمة أن تعيد صياغة الحياة في بلادها وفق رسالة الإسلام، وأن تسعى لإصلاح أوضاعها إصلاحاً شاملاً كاملاً عقدياً وأخلاقياً وسلوكياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، حتى لا تتحول جهودها في مواجهة التحديات والمؤامرات سلسلة من الذل والإحباطات والصدمات والانتكاسات ..

стр. 10

خطبة المسجد النبوي - ٨ ربيع أول ١٤٣٢ - من مكائد أعداء الإسلام - الشيخ صلاح البدير الخطبة الأولى الحمد لله، الحمد لله ناصر الحق ومُتَّبِعه، وداحِض الباطل ومُبتدِعه، أحمده والتوفيق للحمد من نعمه، وأشكره والشكر كفيلٌ بالمزيد من فضله وكرمه وقِسَمه، وأستغفره مما يُوجِبُ زوال نِعمه وحلول نِقَمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تمَّت على العباد نعماؤه، وعظُمَت على الخلق آلاؤه، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله ترك أمته على المحجة البيضاء والطريقة الواضحة الغرَّاء، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما انزاحَ شكٌّ بيقين، وما قامت على الحق الحِجَج والبراهين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا مزيدًا إلى يوم الدين. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله فقد نجا من اتقى، وضلَّ من قادَه الهوى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أيها المسلمون: بلاد الإسلام بلادٌ محسودة، وبالأذى مقصودة، لا تسلمُ من تِرَة مُعادٍ وحاقِد، واشتطاط مُناوِئٍ وحاسد، وأعداء الأمة لا يألون إقدامًا، ولا ينكِصون إحجامًا في التخطيط لإشاعة الفوضى، وإثارة البلبلة، وإذاعة السوء، وزرع بذور الفُرقة والفتنة في أرض الإسلام، يُغرُون قريشًا بتميم، وزيدًا بعمرو، وبعضًا بضعف، ليُحكِموا السيطرة، ويفرِضوا الهيمَنة، ولتكون أرض الإسلام بلادًا متناثرة، وطوائف مُتناحرة، وأحزابًا مُتصارعة، يسهل تطويعها، ويمكن تعويقُها. عداوةٌ كامنة أظهَرت المساعدة بمكنون [٢:٤٠] وخيانة، وشرَعت في معاونة شعوب بمُستسرّ عداوةٍ ومناوَءة، وأبانَت عن مسانَدة أوطان بمُضمر غدرٍ ومكرٍ وخِداع وإجرام. وللعدو صولة، وللمُتربِّص جولة، ولكنها صولةٌ آفِنة، وجولةٌ خاسرة، وأهل الإسلام على وعيٍ بالعواقب، وإدراكٍ للمآلات، وهم قادرون - بحول الله وقوته، ثم بتضافُرهم وتناصُرهم وتحاورهم - على حماية أوطانهم، وإدارة شؤونهم، ومُعالجة مشكلاتهم، دون إملاءات الحاقدين، وتدخُّلات الشامتين، وخطابات الشانئين، ولن تُحمَى الأوطان إلا برجالها، ولن تُصان الذِّمارُ إلا بأهلها. أيها المسلمون: لا عيش لمن يُضاجِع الخوف، ولا حياة لمن يُبدِّده الهلَع، ولا قرار لمن يلُفُّه الفزع، والأمنُ نعمةٌ عُظمى، ومنَّةٌ كبرى؛ فعن سلمة بن عُبيد الله بن مِحصَن الخطْمي، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصبح منكم آمنًا في سِربه، مُعافى في جسده، عنده قُوت يومه، فكأنما حِيزَت له الدنيا»؛ أخرجه الترمذي. فلا حياة ولا بقاء، ولا رِفعة ولا بناء، ولا قوة ولا نماء إلا بأرض السِّلم والأمن، سنةٌ ماضيةٌ، وحقيقةٌ قاضية، فاحفظوا أمنكم ووحدتكم، وصُونوا أوطانكم واستقراركم، وابتعِدوا عن مُلتَطَم الغوائِل، وآثِروا السلامة عند الفتن والنوازل، واسلكوا المسالك الرشيدة، وقِفوا المواقف السديدة، وراعُوا المصالح، وانظروا في المناجِح، ووازِنوا بين حسنات ما يُدفَع، وسيئات ما يُتوقَّع، وارتادُوا الأنفع والأنجَع، واحقِنوا الدماء في أُهبها، وإِدُوا الفتنة في مهدها، فالفتنة راتِعة تطأُ في خِطامها؛ من أخذ به وطِأته، ومن فتح بابها صرَعَته، ومن أدار راحتها أهلَكَته. أيها المسلمون: لا عِزَّ إلا بالشريعة، ولا قِوام للشريعة إلا بالمُلك والسلطان، ولا قِوام للمُلك والسلطان إلا بالرجال، ولا قِوام للرجال إلا بالمال، ولا مال إلا بالاستثمار والاتِّجار، ولا تجارةَ إلا بالأمن، ولا أمن إلا بالعدل، والعدل هو الميزان المنصوب بين الخليقة، وليس شيءٌ أسرع في خراب الأرض، ولا أفسد لضمائر الخلق من الظلم والعدوان، ولا يكون العُمران حيث يظهر الطُّغيان؛ لأن الظلم جالِبُ الإِحَن، ومُسبِّبُ المِحَن، والجور مسلبةٌ للنعم، ومجلبةٌ للنِّقَم، وقد قيل: الأمن أهنأُ عيش، والعدل أقوى جيش، ومن فعل ما شاء لقِيَ ما ساء، ومن أصلحَ فاسِدَه أهلَك حاسِده. ومتى كانت المصالح فوق المبادئ، والأطماع فوق القِيَم، والقسوة قبل الرحمة ثارَت الفتنة، وصار العَمار خرابًا، والأمن سرابًا. أيها المسلمون: الأمن بالدين يبقَى، والدين بالأمن يقوَى، ومن رامَ هدًى في غير الإسلام ضلَّ، ومن رامَ إصلاحًا بغير الإسلام زلَّ، ومن رامَ عزًّا في غير الإسلام ذلَّ، ومن رامَ أمنًا بغير الإسلام ضاع أمنُه واختلَّ. بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من البينات والعِظات والحكمة، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله بارئ النَّسَم، ومُحيِي الرِّمَم، ومُجزِل القِسَم، مُبدِع البدائِع، وشارِع الشرائع، دينًا رضيًّا، ونورًا مُضِيًّا، أحمده وقد أسبغ البرَّ الجزيل، وأسبلَ الستر الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ عبدٍ قد آمنَ بربه، ورجا العفو والغفران لذنبه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وحِزبه، صلاةً وسلامًا دائمَيْن مُمتدَّين إلى يوم الدين. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضل مُكتَسَب، وطاعتَه أعلى نسَب، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ١٠٢]. أيها المسلمون: بالعَزَمات الصِّحاح يُشرِقُ صباحُ الفلاح، وما حصلت الأماني بالتواني، ولا ظفَر بالأمل من استوطَن الكسل، والدنيا مناطُ ارتحال، وتأمين الإقامة فيها فرضُ مُحال، فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان: ٣٣]. وصلُّوا وسلِّموا على خير الورى، فمن صلَّى عليه صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا. اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة، أصحاب السنة المُتَّبَعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآل والصحابة أجمعين، والتابعين لهم وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وجُودك يا أرحم الراحمين. اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين، ودمِّر أعداء الدين، وانصر عبادك المُوحِّدين، وكن للمُستضعفين والمظلومين، ودمِّر الطُّغاة والمُعتدين يا رب العالمين. اللهم أدِم على بلاد الحرمين الشريفين أمنَها ورخاءَها، وعِزَّها واستقرارها، ووفِّق قادتها لما فيه عِزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين يا رب العالمين. اللهم عُمَّ بالأمن والرخاء والاستقرار جميعَ أوطان المسلمين، اللهم عُمَّ بالأمن والرخاء والاستقرار جميعَ أوطان المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اجعل مصر وأهلها في ضمانك وأمانك وإحسانك يا أرحم الراحمين، اللهم اجعل لأهلنا في مصر من كل همٍّ فرَجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل بلاءٍ عافية. اللهم أنت ملاذُنا، وأنت عِياذُنا، وعليك اتِّكالُنا، اللهم احفظ أهلنا في مصر من كل سوءٍ ومكروهٍ وفتنة يا كريم يا رحيم، اللهم احقِن دماءَهم، وصُن أعراضَهم، واحفظ أموالهم، وأمنَهم واستقرارَهم ووحدتهم يا أرحم الراحمين. اللهم اكشِف الغُمَّة، اللهم اكشِف الغُمَّة، اللهم اكشِف الغُمَّة، وأطفِئ جمرة الفتنة، وشرارة الفوضى ونار الاصطدام يا رب العالمين. اللهم اجعل مصر آمنةً مطمئنةً، ساكنةً مستقرةً، محفوظةً مصونةً، عزيزةً بعزِّ الإسلام يا أرحم الراحمين. اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود، اللهم عليك باليهود الغاصبين، والصهاينة الغادِرين، اللهم قاتِل الكفرة الذين يصُدُّون عن سبيلك ويُعادون أولياءَك، واجعل عليهم عذابَك ورِجزَك، إله الحق يا رب العالمين. اللهم اشفِ مرضانا، وعافِ مُبتلانا، وفُكَّ أسرانا، وارحم موتانا، وانصرنا على من عادانا يا رب العالمين. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 11

خطبة المسجد النبوي - ١٥ ربيع أول ١٤٣٢ - أمانة الولاية وضوابطها - الشيخ حسين آل الشيخ الخطبة الأولى الحمد لله الحكيم العليم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الإله العظيم، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله النبي الكريم، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. إخوة الإسلام: من الأصول العُظمى في هذا الدين: وجوب أداء الأمانة بشتَّى صورها، ومن القواعد الكُبرى تحريم الخيانة بمختلف أشكالها، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال: ٢٧]. ويقول ﷺ : «كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيَّته، والإمامُ راعٍ ومسؤولٌ عن رعيَّته»؛ أخرجاه في "الصحيحين". ومن هنا؛ فأعظم أسباب كوارث الأمة وفساد أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها: الإخلال بهذا الأصول العُظمى والقواعد الكُبرى، فكم وقع من المصائب في الأبدان والآلام في البلدان، والكوارث في المُقدَّرات بسبب تضييع الأمانة والوقوع في الخيانة. وإن أعظم الأمانات أمانة الولاية بمختلف مستوياتها وتنوُّع مراتبها؛ من الولاية العُظمى إلى الولايات الصغرى، ولهذا جاء التشديد على أهمية الولاية والعناية العظيمة في الإسلام؛ عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قلتُ: يا رسول الله! ألا تستعمِلني؟ فضرب بيده على منكِبي، ثم قال: «يا أبا ذرٍّ إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خِزيٌ وندامة، إلا من أخذها بحقِّها، وأدَّى الذي عليه فيها»؛ أخرجه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنكم ستحرِصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة»؛ رواه البخاري. ومن هذا المنطلَق أحاط الشرعُ العظيم جميعَ الولايات وكافة المناصب بسياجاتٍ من الأوامر والنواهي التي متى رُوعِيَت أُدِّيَت الأمانة على أكمل وجهها، وتحقَّقت بهذه الولاية المصالح المتنوعة، واندرأَت بها المفاسد المختلفة، فكانت العاقبة حميدةً، والسيرة طيبة، والنتائج مرضية، تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: ٨٣]. إخوة الإسلام: وإن من هذه السِّياجات: أن الإسلام أوجبَ على صاحب الولاية حاكمًا أو غيره العدلَ التام في جميع مسؤوليات ولايته، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء: ٥٨]، وقد مدح النبي ﷺ العادلَ في ولايته القائمَ بالقسط في منصبه؛ ففي السبعة الذين يُظلُّهم الله في ظِلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظلُّه: «إمامٌ عادل»؛ أخرجه البخاري ومسلم. وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وعن أبيه - قال: قال رسول الله ﷺ : «إن المُقسِطين عند الله على منابِر من نور الذين يعدِلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا»؛ رواه مسلم. ومن الأصول التي جاء بها الشرع في باب الولاية: التحذير من الظلم بشتَّى صوره؛ ففي الحديث القدسي - فيما يرويه ﷺ عن ربِّه أنه قال: «يا عبادي! إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم مُحرَّمًا، فلا تَظَالَموا». وفي توجيه النبي ﷺ لمعاذٍ حين بعَثَه إلى أهل اليمن: «واتَّقِ دعوةَ المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجابٌ»؛ متفق عليه. ويُوجِّه الرسولُ ﷺ التحذيرَ لمن تولَّى للمسلمين عملاً حكَّامًا وغيرهم أن ينهَجوا أي صورةٍ من صور الظلم في ولايتهم، فيقول ﷺ : «إن الله ليُملِي للظالم حتى إذا أخَذَه لم يُفلِتْه، ثم قرأ: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١٠٢]». معاشر المسلمين: ومن السِّياجات: أن الشريعةَ فرَضَت على كل من تولَّى أيَّ ولايةٍ للمسلمين أن ينصحَ لهم ويُخلِصَ في خدمتهم، وأن يصدُق في رعاية حاجاتهم، قال ﷺ : «ما من عبدٍ يسترعيهِ الله رعيةً يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيَّته إلا حرَّم الله عليه الجنَّةَ»، وفي روايةٍ: «فلم يُحِطْها بنُصحه لم يجِد رائحة الجنة»؛ متفق عليه. وفي روايةٍ لمسلم: «ما من أميرٍ يلِي أمور المسلمين ثم لا يجهَدُ لهم وينصحُ لهم إلا لم يدخل الجنةَ معهم». ومن السِّياجات التي جاء بها الإسلام في هذا الجانب: وجوب الرِّفق بالرعيَّة، والشفقَة عليهم، والرحمة بهم؛ عن عائشة ﵂ قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: «اللهم من ولِيَ من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم فاشقُق عليه، ومن ولِيَ من أمر أمتي شيئًا فرَفَقَ بهم فارفُق به»؛ رواه مسلم. وعن عامر بن عمرو ﵁ أنه دخل على عُبيد الله بن زياد فقال له: "أيْ بُنَيّ! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن شر الرِّعاء الحُطَمة»، فإياك أن تكون منهم"؛ متفق عليه. والحُطَمة: هو العنيفُ القاسي الذي يظلمُ من تحت رعيَّته ولا يرِقُّ لهم ولا يرحمهم. وإن من التوجيهات الإسلامية لمن تولَّى للمسلمين ولايةً: أنه يجب عليه أن يسمع لحاجاتهم، وأن يحرِصَ على البحث عن شؤونهم، والتحرِّي عن كل ما يُصلِحُ أوضاعَهم، وألا يجعل بينه وبينهم ما يحجِبُه عن أحوالهم ومعرفة أوضاعهم؛ فعن أبي مريم الأزدي ﵁ أنه قال لمعاوية ﵁: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «من ولاَّه الله شيئًا من أمور المسلمين فاحتَجَبَ دون حاجاتهم وخلًَّتهم وفقرِهم احتَجَبَ الله دونَ حاجته وخلَّته وفقرِه يوم القيامة»، فجعل معاوية ﵁ رجلاً على حوائجِ الناس؛ رواه أبو داود والترمذي، وإسناده صحيح. إخوة الإسلام: ومن التوجيهات في الإسلام لأهل الولايات: أنه أوجبَ عليهم أن يحرِصوا على تقريبِ أهل الخير والهُدى وعلى ذوي الصلاح والتقوى، وأن يبعُدوا عن أهل الشرك والفساد والهوى؛ روى البخاري عن أبي هريرة وأبي سعيدٍ ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ما بعثَ اللهُ من نبيٍّ ولا استخلَفَ من خليفةٍ إلا كانت له بِطانتان: بِطانةٌ تأمره بالمعروف وتحُضُّه عليه، وبِطانةٌ تأمره بالشر وتحُضُّه عليه، والمعصوم من عصَمَه الله». وعن عائشة ﵂ وعن أبيها - قالت: قال ﷺ : «إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزيرَ صدقٍ إن نسيَ ذكَّرَه، وإن ذكَرَ أعانَه، وإذا أراد به غيرَ ذلك جعل له وزيرَ سوءٍ، إن نسيَ لم يُذكِّره، وإن ذكَر لم يُعِنْه»؛ رواه أبو داود والنسائي، وإسناده صحيح. أيها المسلمون: ومن أصول الشريعة في باب الولاية: أن الإسلام حرَّم أشد التحريم أن يستغِلَّ صاحبُ الولاية - أيًّا كانت مرتبته - هذا المنصبَ لتحقيق مصالحه الشخصية، ومنافعه الذاتية؛ قال ﷺ : «إن رجلاً يتخوَّضون في مال الله بغير حقٍّ، فلهم النار يوم القيامة»؛ رواه البخاري. فمن أخذ مالاً من الأموال العامة مُستغلاًّ منصبَه، مُتوصِّلاً بولايته إلى ما لا يحِلُّ له فليستمع إلى الزجر الشديد والوعيد الأكيد من سيد الثَّقَلَيْن ﷺ حينما قال: «من استعملناه منكم على عملٍ فكَتَمَنا مِخيَطًا - أي: إبرةً - فما فوقه كان غلولاً يأتي به يوم القيامة»؛ رواه مسلم. ومن أصول التشريع في هذا الجانب: أن صاحب الولاية يجب عليه أن يسمع لصوت الحوار الصادق المُخلِص، الحوار الهادف المُنبثِق من ثوابت الشريعة ومنابع الإصلاح، فالله - جل وعلا - يقول لسيد الحُكَّام: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩]. نفعنا الله بما في القرآن والسنة من الأحكام، أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه، وعلى آله وصحبه. معاشر المسلمين: وعلى من تقلَّد للمسلمين ولايةً أن يتَّقِي الله - جل وعلا - في اختيار عُمَّاله ومُوظَّفيه الذين تحت ولايته، فيحرِصَ على اختيار الأكفَاء ذوي القوة والأمانة الذي يُختارُون لكفاءتهم وعدالتهم وأمانتهم دون نظرٍ لمحسوبيةٍ مقيتة، ولا اعتبارٍ لمصالح شخصيةٍ أو عِرقيَّة، فالله - جل وعلا - يقول: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص: ٢٦]، وفي الخبر: «من ولَّى على عِصابة وفيهم من هو أرضَى لله منه فقد خان اللهَ ورسولَه والمؤمنين». ثم إن الله - جل وعلا - أمرنا بالصلاة والتسليم على النبي الكريم، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبينا محمد، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الآل وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. اللهم إنا نسألك أن تُعِزَّ هذه الأمة، اللهم إنا نسألك أن تُعِزَّ هذه الأمة، اللهم إنا نسألك أن تُعِزَّ هذه الأمة، اللهم أنقِذها من ظلمات الجهل إلى نور العلم، اللهم أنقِذها من الفقر إلى الغِنى، اللهم أنقِذها من الذِّلَّة والهوان إلى العِزَّة يا ذا الجلال والإكرام. اللهم ولِّ على المسلمين خيارَهم، اللهم ولِّ على المسلمين خيارَهم، اللهم وجنِّبهم شِرارهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم لا تجعل لأهل الشر عليهم ولاية، اللهم لا تجعل لأهل الشر والفساد عليهم ولاية، اللهم لا تجعل لأهل الشر والفساد عليهم ولاية، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم إنك تعلم ما يُصيب المسلمين في هذه الأزمان من المِحَن والفتن، اللهم اجعل لهم منها كل مخرجٍ وسبيلاً يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اجعل لهم منها مخرجًا إلى ما فيه صلاحُهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم احفظ دماءهم، اللهم احفظ دماءهم، اللهم اجمع كلمتهم على الخير والهدى، اللهم واجمع كلمتهم على الخير والهدى، اللهم اجمع كلمتهم على الخير والهدى، اللهم اعصِمهم عن كل من يريد إفساد حياتهم، اللهم اعصِمهم عن كل من يريد إفساد أوضاعهم. اللهم أصلِح أوضاعَنا وأوضاع المسلمين، اللهم يا ذا الجلال والإكرام حقِّق الأمن والاستقرار في رُبوع بلاد المسلمين، اللهم حقِّق الأمن والاستقرار في سائر بلاد المسلمين، اللهم اجعل بلادنا محفوظةً بحفظك، اللهم اجعل بلادنا جميعًا محفوظةً بحفظك، اللهم احفظها بحفظِك يا حافظُ يا عليم. اللهم إنا نسألك أن تغفر ذنوبنا، اللهم أصلِح أوضاعَنا، اللهم يسِّر أمورنا، اللهم اشفِ مرضانا، اللهم ارحم موتانا. اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّ وترضى. اللهم أعِد الأمن والأمان لأهلنا في مصر وفي تونس وفي كل بلاد المسلمين يا ذا الجلال والإكرام. اللهم إنك غنيٌّ حميد، اللهم إنك غنيٌّ حميد، اللهم إنك غنيٌّ حميد، فأغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا يا ذا الجلال والإكرام. عباد الله: اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، وسبِّحُوه بُكرةً وأصيلاً. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 12

خطبة المسجد النبوي - ٢٢ ربيع أول ١٤٣٢ - سيرة عثمان بن عفان - الشيخ عبد المحسن القاسم الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله - حق التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى. أيها المسلمون: اصطفَى الله لهذه الأمة خيرَ الرسل، واختار - سبحانه - لصُحبة نبيه خيرَ رجالٍ في أمته لا كان ولا يكون مثلهم، غفر الله ذنبَهم ورفع مكانتهم ورضِيَ عنهم؛ بإيمانهم وإخلاصهم وصُحبتهم وصدق نُصرتهم للنبي ﷺ ، قال : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [التوبة: ١٠٠]. ومما يزيد في الإيمان: معرفةُ سير من اتَّصَف بالصُّحبة وبادَر إلى التصديق وآزَر النبيَّ ﷺ ونصرَه، قال الإمام أحمد ﵀: "ومن السنة: ذِكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم أجمعين". والدعاء لهم قُربة، والاقتداء بهم وسيلة، ومحبتهم من أصول الدين، قال الطحاوي ﵀: "ونحب أصحابَ رسول الله ﷺ ولا نُفرِطُ في حب أحدٍ منهم، ولا نتبرَّأُ من أحدٍ منهم". وأفضل أولئك الجيل الفَذِّ: أبو بكر الصدِّيق ﵁، أرسخهم إيمانًا وأغزرهم علمًا، وأكثرهم ملازمةً للنبي ﷺ . ثم عمر الفاروق ﵁، يليه في الفضل والخلافة كان حِصنًا حصينًا للإسلام في قوة سيرته وكمال عدله، وما لقِيَه الشيطان قطُّ سالكًا فجًّا إلا وسلكَ فجًّا غير فجِّه. وثالثُهم عظيم اليد كريمُ النفس: أبو عبد الله عثمان بن عفان بن أبي العاص، ذو النورين أمير المؤمنين، وثالثُ الخلفاء الراشدين، وصاحبُ الهجرتين، وأحدُ العشرة المُبشَّرين بالجنة، ورفيقُ النبي ﷺ فيها، قال ﵊: «إنه ليس من نبيٍّ إلا ومعه من أصحابه رفيقٌ مكن أمته معه في الجنة، وإن عثمان بن عفان هذا رفيقي معي في الجنة»؛ رواه أحمد. يجتمع مع النبي ﷺ في جدِّه الثالث، وهو حفيدُ عمة النبي ﷺ البيضاء بنت عبد المطلب، لم يتزوَّج رجلٌ من الأولين والآخرين ابنتَيْ نبيٍّ غيره. أسلم قديمًا على يدي أبي بكر الصدِّيق ﵁، فكان رابعَ أربعةٍ في الإسلام، وبايَع عنه ﷺ بيده في بيعة الرضوان وقال: «هذه يدي وهذه يدُ عثمان»؛ رواه أحمد. أطول الخلفاء الراشدين خلافة، مكثَ أميرًا للمؤمنين اثنَيْ عشر عامًا، كثيرُ العبادة خاشعٌ لله، لما نزل قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا [الزمر: ٩]، قال عمر ﵁: "هو عثمان". مُطيعٌ للنبي ﷺ مُقتفٍ أثرَه، وفِيٌّ له ولصاحبَيْه أبي بكرٍ وعمر، قال ﵁: "صحبتُ رسولَ الله ﷺ وبايَعتُه، فوالله ما عصيتُه ولا غششتُه حتى توفاه الله ، ثم أبو بكر مثلُه، ثم عمر مثلُه"؛ رواه البخاري. قال عبد الرحمن بن سمُرة: "تُوفِّي رسول الله ﷺ وهو عنه راضٍ". وجِلٌ من ربه، يتذكَّر آخرتَه، كثيرُ الزيارة للمقابر، إذا وقف على القبر يبكي حتى تبلَّ لحيتُه، ثابتٌ بيقينه قدوةٌ لغيره، أمر النبيُّ ﷺ بالاقتداء به عند حلول الفتن، ووصفَه بالأمين، قال ﵊: «إنكم تلقون بعدي فتنةً واختلافًا»، فقال له قائلٌ من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟ قال: «عليكم بالأمين وأصحابه» - وهو يُشير إلى عثمان بذلك -؛ رواه أحمد. ومن تعرَّف على الله في الرخاء عرَفَه في الشدة وعصمَه من الفتن، ذكر النبي ﷺ الفتنَ ذات يومٍ، فقال: «هذا على الهُدى» - وأشار إلى عثمان -؛ رواه الترمذي. سليمُ الصدر لا يحمِل حسدًا أو حقدًا على أحد، قال عليٌّ ﵁: "إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله فيهم: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الحجر: ٤٧] ". عفيفٌ حافظٌ لدينه، يقول: "والله ما زنيتُ في جاهليةٍ ولا إسلامٍ". دمثُ الأخلاق، وهبَه الله علمًا، فكان الصحابة يرجعون إليه، قال ابن سيرين: "كانوا يرَون أعلمَهم بالمناسك عثمان". ومنَحَه الله إيمانًا راسخًا وعقلاً راجحًا، بعثَه النبيُّ ﷺ يُفاوِضُ قريشًا في الحديبية، قال ابن عمر ﵄: "لو كان أحدٌ أعزُّ ببطن مكة من عثمان لبَعَثه مكانَه"؛ واه البخاري. قال الشعبي ﵀: "كان عثمان في قريشٍ مُحبَّبًا يُوصون إليه ويُعظِّمونه". وجعله عمرُ أحدَ أصحاب الشورى الستة من بعده، فكان خيرَهم فاختاروه خليفةً للمؤمنين ولم يعدِلوا به أحدًا، قال ابن مسعود ﵁ حين بايَعوه بالخلافة: "بايَعنا خيرَنا ولم نألُ". قال الإمام أحمد ﵀: "لم يجتمعوا على بيعة أحدٍ ما اجتمعوا على بيعة عثمان". والإنفاق في مرضاة الله من علامات صدق الإيمان ومحبة المؤمنين والتوكُّل على الله، ولعثمان ﵁ اليدُ الطُّولَى في البذل والعطاء، نظر النبي ﷺ في وجوه القوم يوم جيش العُسْرة والمسلمون يومئذٍ في شدَّةٍ وفاقَة، قال: «من يُجهِّز هؤلاء غفر الله له»، قال عثمان: "فجهَّزتُهم حتى ما يفقِدون خِطامًا ولا عِقالاً"؛ رواه النسائي. واشترى بيتًا لتوسعة مسجد النبي ﷺ في عهده ﵊ لما سمع النبيَّ ﷺ يقول: «من يُوسِّع لنا بهذا البيت في المسجد ببيتٍ في الجنة»؛ رواه أحمد. وأعتقَ من المماليك ما لا يُحصَى، كان يقول: "ما أتَتْ عليَّ جمعة إلا وأنا أعتِق فيها رقبةً منذ أسلمتُ"، وقال لمواليه يوم حِصاره: "من أغمَدَ سيفَه فهو حرٌّ". والحياءُ خُلُقٌ رفيعٌ يجمعُ المروءات، وعثمان ﵁ كان حيِيًّا حتى مع نفسه، يكون في بيته وحده والبابُ مُغلقٌ عليه فما يخلعُ عنه ثوبَه ليُفيضُ الماءَ عليه، ويمنَعه الحياءُ أن يُقيمَ صُلبَه وهو يغتسل، وليس في هذه الأمة من يُدانيه في حيائه؛ قال ﵊: «أشدُّ أمتي حياءً: عثمان»؛ رواه الترمذي. وكان النبي ﷺ يستحيِ منه، قعد ﵊ ذات يومٍ في مكانٍ فيه ماءٌ قد انكشَف ثوبُه عن ركبتَيْه، فلما دخل عثمان غطَّاها؛ متفق عليه. والملائكةُ تستحِي منه، كان ﵊ مُضطجِعًا على فراشه، فلما دخل عثمان جلس وقال: «ألا أستحِي من رجلٍ تستحِي منه الملائكة؟!»؛ رواه مسلم. والقرآن كلام رب العالمين، وصَفَه الله بالبركة والكرم والهدى، من قرُبَ منه نالَته البركة وعلَت عند الله درجتُه، وكان ﵁ مُحِبًّا لكلام الله، قال الحسن: "ما مات عثمان حتى خلِقَ مصحفُه من كثرة ما يُديمُ النظرَ فيه"، وقرأ القرآن كاملاً مرارًا في ركعةٍ من العشاء إلى الفجر، وكان يقول: "لو أن قلوبَنا طهُرَت ما شبِعْنا من كلام ربنا". ومن حسناتِه العظيمة: جمع الناس على قراءةٍ عظيمة، وكَتْبُه المصحف على العَرْضَة الأخيرة التي دارَسَ فيها جبريلُ النبيَّ ﷺ في آخر حياته، فأمرَ زيدَ بن ثابتٍ ﵁ أن يكتب المصحَف كاملاً بخط يده ويُفرِّقَه في الأمصار، وسُمِّي نوع خط المصحَف باسمه فقيل: الرسم العثماني؛ نسبةً إلى أمره وزمانه وإمارته، نفعَه القرآن ونفعَ الناسَ به، ولا فلاحَ لهذه الأمة إلا بالقرآن والعمل به. قال ابن كثير ﵀: "وفي عصر عثمان بن عفان امتدَّت الممالكُ الإسلاميةُ إلى أقصى مشارِقِ الأرض ومغارِبها، وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظِ القرآن". ولتعلُّقه بكتاب الله كانت خاتِمَتُه عليه، فقُتِل والمصحف في حجره وسال الدمُ على مصحفه، ومع عبادته وخشيته لله كان خليفةً راشدًا مُحنَّكًا، فتح الله على يديه كثيرًا من الأقاليم والأمصار، واتَّسَعت رقعة المسلمين، قال ﵊: «إن الله زوَى لي الأرضَ فرأيتُ مشارقَها ومغارِبها، وإن أمتي سيبلُغ مُلكُها ما زوَى لي منها»؛ رواه مسلم. قال في "البداية والنهاية": "وهذا كله تحقَّق وقوعه وتأكَّد وتوطَّن في زمان عثمان". وكان الناس في خِلافته في عيشٍ رغيدٍ وأمنٍ وطيدٍ، وفي أُلفةٍ واتفاق، وصفَ الحسنُ حالَهم بقوله: "الأُعطياتُ في خلافته جارية، والأرزاقُ دارَّة، والعدو مُتَّقًى، وذات البين حسن، والخيرُ كثير، وما مؤمنٌ يخافُ مؤمنًا، من لقِيَه فهو أخوه من كان". ونَهْجُ الصحابة ﵁: سلامةُ قلوبهم لبعضهم، ومحبتهم لبعضهم، وتوقير أحدهم الآخر، وكان الصحابة ﵃ يُجِلُّونه في حياة النبي ﷺ وبعد مماته، وكان مُفضَّلاً عندهم، قال ابن عمر ﵄: "كنا نعُدُّ ورسولُ اللهُ ﷺ حيٌّ وأصحابُه متوافرون: أبو بكرٍ، وعمر، وعثمان"؛ رواه أحمد. وقال عليٌّ ﵁ بعد وفاة أبي بكرٍ وعمر: "كان عثمان خيرَنا وأحسنَنا طهورًا". وقالت عائشة ﵂: "إنه لأوصلُهم للرَّحِم وأتقاهم للرب". وكان يحب صحابةَ رسول الله ﷺ ، فكنَّى نفسَه باسم أبي كرٍ عبدَ الله، ومن أبنائه من اسمُه عمر، ومن بناته من سمَّاها: عائشة. ولما عمَّ الرخاء ورسَخَ الأمنُ وانتشر الإسلامُ في الأرض في خلافته استعجَل مرضَى القلوب موتَه، واستطالوا حياتَه، فقتلوه وعمره اثنان وثمانون عامًا وهو صائم والمصحف في حجره وهو يتلو كتابَ الله، وكان مقتله أول الفتن في هذه الأمة، قال حذيفة ﵁: "أول الفتن قتلُ عثمان، وآخرُ الفتن الدجَّال". وحزِنَ الصحابةُ لمقتله، قال عليٌّ ﵁ يوم مقتل عثمان: "أنكرتُ نفسي"، ولما بلغَ سعد بن أبي وقاص ﵁ خبرَ قتله استغفرَ له وترحَّم له ودعا على من قتله بقوله: "اللهم أندِمهم ثم خُذهم"، وكان سعدٌ مُجابَ الدعوة. وأقسمَ بعضُ السلف أنه ما مات أحدٌ من قتلة عثمان إلا مقتولاً. وبعد، أيها المسلمون: فواجبٌ محبة صحابة النبي ﷺ والذبُّ عنهم ولزومُ طريقتهم، فقد حفِظوا دينَ الله وشريعتَه، وكانوا أكمل الناس حبًّا للنبي ﷺ وتعظيمًا له وتأسِّيًا به. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب: ٢٣]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا. أيها المسلمون: المؤمنُ نفعُه مُتعدٍّ لغيره، وما قدَّمه عثمان ﵁ لنفسه وللإسلام وللمسلمين من الأعمال والفتوحات ودخول الناس في الدين وجمعه القرآن كل ذلك حسنةٌ من حسنات أبي بكر الصدِّيق ﵁، فهو الذي دعاه للإسلام، فكان أحدَ السابقين ومن الخلفاء الراشدين المأمور بالاقتداء بهم. فعلى كل مسلمٍ أن يدعوَ غيرَه إلى هذا الدين والتمسُّك به، فلأَن يهدِيَ الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ لك من حُمر النعَم، والله ذو الفضل العظيم. ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه، فقال في محكم التنزيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا [الأحزاب: ٥٦]، اللهم صلِّ وسلِّم على نبينا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدِلون: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنَّا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمنًا مُطمئنّا رخاءً وسائر بلاد المسلمين يا ذا الجلال والإكرام. اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطَن، اللهم اصرِف عنا شرَّ الأشرار وكيدَ الفُجَّار يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرَّب إليها من قولٍ أو عمل، ونعوذ بك اللهم من النار وما قرَّب إليها من قولٍ أو عمل. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغِثْنا، اللهم أغِثْنا، اللهم أغِثْنا. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣]. اللهم وفِّق إمامنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، ومتِّعه بالعافية والصحة التامة يا رب العالمين، ووفِّق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وتحكيم شرعك يا ذا الجلال والإكرام. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 13

خطبة المسجد النبوي - ٢٩ ربيع أول ١٤٣٢ - التذكر حقائقه وتفصيله - الشيخ علي الحذيفي الخطبة الأولى الحمد لله، الحمد لله الذي أحيا قلوب المؤمنين بالإيمان واليقين، وجعل القرآن والسنة شفاءً وهدًى وبشرى للمسلمين، أحمد ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله الأمين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فاتقوا الله، اتقوا الله بالتقرُّب إليه فيما أمَر، والبُعد عما نهى عنه وزَجَر، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. عباد الله: اعلموا أن التذكُّر لما ينفع العبد في دنياه وأخراه، والعملَ بما يُوجِبُه التذكُّر النافع هو فلاحُ الإنسان وسعادته وفوزه في الدارين، قال الله تعالى: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى [الأعلى: ١٠]، ونسيان ما ينفع والإعراضُ عن التذكُّر هو الخسران والخيبة والشقاوة، قال الله تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: ٢٨] وقال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [السجدة: ٢٢]، وقال تعالى: وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ [الصافات: ١٣]. والتذكُّر من صفات أهل العقول الراجحة والفِطر المستقيمة، قال الله تعالى: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [البقرة: ٢٦٩]، وأولو الألباب هم المهتدون المتقون الذين يفعلون الحسن ويهجرون القبائح، قال الله تعالى: فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر: ١٧، ١٨]. والتذكُّر من صفات المُنيبين التائبين الذين أحيا الله قلوبهم بالإيمان، وأصلح أعمالهم بالإخلاص واتباع السنة، قال الله تعالى: وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ [غافر: ١٣]، وقال تعالى: تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [ق: ٨]. والمُتذكِّرون قد سلَكوا سبيل النجاة والسعادة في الدنيا، واتَّصفوا بأحسن الصفات، وتطهَّروا من أعمال وأخلاق السيئات، فوعَدَهم الله بأرفع الدرجات في الجنات، قال الله تعالى: إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ١٩ - ٢٤]، هذه الصفات الكريمة لمن تذكَّر وتقدَّم في الخيرات ولم يتأخَّر. أيها المسلم: ألا تحبُّ أن تعلم التذكُّر وتعرف حقائقه وتفصيله؟! نعم، التذكُّر: هو استحضار كل علمٍ نافعٍ نزل به الوحي، أو استفاده العقل الصحيح بالتجارب الحقَّة أو الاعتبار المُصيب، ولعمل بمُوجِب ذلك كله، وترك ما يُضادّه؛ فمن اكتسب العلمَ النافع، وقام بالعمل الصالح فقد فاز بأعلى الدرجات في الأخرى، وتمتَّع بأحسن حالٍ في حياته الدنيا، قال الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: ٩٧]، وقال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه: ١٢٤]. والتذكُّر مأمورٌ به العباد لتحقيق التوحيد لرب العالمين، ومعرفة دلائله، قال الله تعالى في دعوة الخليل إبراهيم ﵊ إلى التوحيد: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: ٧٩ - ٨٢]؛ لأن التوحيد أساس الدين، وأصل الأعمال الصالحة؛ فإن صلُح وصحَّ صلُحَت الحياة، وإن فسَدَت العقيدة فسدَت الحياة. وتذكُّر تدبير الله للعالم العلوي والسفلي ونفوذ مشيئة الله بالكون وتصريف المخلوقات ينفع المُتذكِّر في صلاح قلبه، واستقامة أحواله، وزكاة أعماله؛ فالربُّ ﵎ يُذكِّرُنا بانفراده واختصاصه بالتدبير للخلق، قال الله تعالى: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف: ٥٤]، وقال تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [السجدة: ٥]، وقال تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [يونس: ٣]، وقال تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ [الرعد: ٢]، وقال تعالى: إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود: ٥٦]، وقال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: ٢٩]، وقال تعالى: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [يونس: ٦١]، وقال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤]، وقال تعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود: ١٠٧]. فإذا تذكَّر الإنسان أن تدبير الكون كله وتصريفه بيد الله وحده لا شريك له، وأن المقادير نافذةٌ بمشية الرب وحده، كما قال ﵎: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: ٤٩]، وتذكَّر أن الدنيا والآخرة لله وحده، كما قال تعالى: فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى [النجم: ٢٥]، إذا تذكَّر الإنسان هذا كلَّه تعلَّق قلبُه بالله وحده، واعتمد على ربه في كل أموره، وطلبَ مرضاته، وابتعَد عن معاصيه؛ فالسعادة لا تُنال بالمُغالبة والقوة، إنما تُنال بطاعة الله ﵎. والربُّ كثيرًا ما يقرِن التذكُّر بالأمر والنهي، فتذكُّر ما في أوامر الله تعالى من الحِكَم والمنافع والخيرات العامة وصلاح القلوب، وتذكُّر ما في المنهيَّات من المضارّ والمفاسِد والخبائث والعار والدمار ومرض القلوب وموتها، تذكُّر ذلك كله كافٍ لفعل الطاعات وبُغض المُحرَّمات والوقاية من المُهلِكات، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]، وقال تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأنعام: ١٥٢]، والآيات في هذا المعنى كثيرة. ويُرشِد ربُّنا الإنسانَ إلى تذكُّر بدايته ونهايته وما بين ذلك من تقلُّب أحواله وتدبير الله له كما يريد ربُّه وأنه لا يملِك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا إلا ما أعطاه الله ليخضَع هذا الإنسان لعبودية الله وشرعه مختارًا؛ إذ لا سعادة للإنسان إلا بذلِّ العبودية والمحبة لله ، قال الله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ [الواقعة: ٦٢] وقال تعالى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر: ٣٧]، وقال تعالى لنبيه محمد ﷺ : قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعراف: ١٨٨]. فإذا كان هذا لنبينا محمد ﷺ ؛ فكيف بمن دونه؟! وقال ﷺ : «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتَبَه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرُّوك لم يضرُّوك إلا بشيءٍ قد كتبَه الله عليك»؛ رواه الترمذي من حديث ابن عباس ﵄. ويُرشِدُّ الربُّ تعالى إلى تذكُّر تقلُّب الليل والنهار، وتذكُّر الحِكَم والمنافع والغايات التي خُلِق لها كلُّ مخلوقٍ، قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان: ٦٢]، وقال تعالى: وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ [النحل: ١٣]. فالكونُ المُشاهَد آياتٌ منظورة فيها التذكُّر والعبرة لكل عبدٍ مُنيب، وقد أرشدنا الله تعالى إلى التذكُّر والاعتبار بما وقع للأمم الخالية من العقوبات المُدمِّرة المُهلِكة لتحذَر الأمة أعمالهم، قال الله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: ٣٦، ٣٧]. قال المُفسِّرون: "قد أهلك الله قرونًا كثيرة هم أشد قوة من كفَّار قريش، ففتَّشوا وبحثُوا عن مكانٍ يمنعهم من الموت، فلم يجِدوا محيصًا - وهو الملاذ -، فعاقبهم الله بذنوبهم وأهلَكَهم". ففيما جرى للأمم الخالية تذكُّرٌ وعِظَة لمن كان له لُبٌّ وعقلٌ صحيحٌ راجحٌ، أو ألقَى سمعَه لكلام الله وهو حاضرُ القلب، وقال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [إبراهيم: ٥]. قال ابن عباس ﵄: "أيام الله: نِعَمُه"، وقال مُقاتل: "أيام الله: نِقمَتُه من أهل الكفر والمعاصي"، وكلٌّ مرادٌ للآية، فالتذكير بنِعَم الله يُورِثُ الحياءَ من المُنعِم، ويحُثُّه على مُقابلَة النِّعَم بالطاعة والشكر، والتذكيرُ بعقوبات الله لمن حاربَ دينَه يزجُرُ عن الوقوع في الذنوب والمعاصي، ويمنعُ من اتباع سبيل الهالكين، قال الله تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [الحشر: ١٩]. وقد أمرنا الله أن نتذكَّر نعَمه علينا وعلى الناس، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر: ٣]، وقال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ [البقرة: ٢٣١]، وقال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ [المائدة: ٧]. وأعظم النِّعَم: نعمة القرآن الكريم الذي جمع الخيرَ كلَّه وأمرَ به، وبيَّن الشرَّ كلَّه ونهَى عنه، فهو أعظم واعِظ ومُذكِّر، قال الله تعالى: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [الزمر: ٢٧]، وقال تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا [الإسراء: ٤١]، وقال تعالى: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [ق: ٤٥]. وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ستكون فتن»، قلتُ: ما المخرجُ منها يا رسول الله؟ قال: «كتابُ الله؛ فيه نبأُ ما قبلكم، وخبرُ ما بعدَكم، وحكم ما بينكم، هو الفصلُ ليس بالهَزل، من حكمَ به عدَل، ومن عمِلَ به أُجِر، ومن ترَكه من جبَّارٍ قصَمَه الله، ومن ابتَغَى الهدى من غيره أضلَّه الله، لا يخْلَقُ عن كثرة الرد، ولا تزيغُ به الأهواء، ولا تشبعُ منه العلماء»؛ رواه الترمذي. ومن أعظم النِّعَم: نعمة الأمن وتيسُّر الأرزاق، وقد أمرنا ربُّنا أن نتذكَّر نعمةَ الأمن؛ فقال تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الأنفال: ٢٦]، وامتنَّ الله ﵎ بالأمن في الحَرَم فقال: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا [القصص: ٥٧]، وقال تعالى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش: ٣، ٤]. فالأمنُ من كيان الإسلام، ولا تظهر شعائرُ الدين إلا في ظل الأمن، قال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور: ٥٥]. وبالأمن تأمنُ الطرق، وتزدهِرُ الحياة، ويطيبُ العيش، وتُحقَن الدماء، وتُحفَظُ الأموال، وتتسِع الأعراض، وتفشو التجارات، وتُتبادلُ المنافع، ويندفعُ شر المُفسِدين والمُعتدين، ويأمنُ الناس على الحُرمات والحقوق، ويُؤخَذ على يد الظالمين والمُخرِّبين، وضدُّ ذلك تنزل بالمجتمع الكوارِث، مع ضعف الأمن أو انعدامه إذا نزل الخوف. ولِعِظَم نعمة الأمن قال النبي ﷺ : «من أصبحَ مُعافًى في بدنه، آمِنًا في سِرْبه، عنده قُوتُ يومه، فكأنما حِيزَت له الدنيا بحذافيرها»، وقد منَّ الله على هذه البلاد بنعمة الأمن والشريعة الإسلامية السَّمْحة المُهيمِنة على هذه المملكة حَرَسَها الله، فأصبحَت مضرِبَ المثَل في الأمن والاستقرار، ولا غَرْوَ في ذلك؛ فولاة أمرها - حفظهم الله - جعلوا دستورها كتابَ الله وسنةَ رسوله ﷺ ، ترجعُ إليهما المحاكمُ الشرعية في أمور الناس التي يختلفون ويتنازعون فيها، والله قال: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]. ولكن بعضُ الناس ممن لم يُقدِّر النِّعَم حقَّ قدرها، وممن تأثَّر بما يرى ويسمع من المُؤثِّرات الضارَّة، وممن أغمضَ عينيه عن الحقائق، وصمَّ أُذنَيْه، ولم يتفكَّر في عواقب الأمور؛ هؤلاء وهم قلَّةٌ قليلة في عدد المجتمع انفردوا بآراء ضارَّة، ويريدون أن تتغيَّر البلاد ومن عليها، ويسعَون لفتح أبوابٍ من الفتن تُغلِقُ الحرثَ والنَّسْلَ، وتجلِبُ الكوارِثَ على البلاد والعباد، وتحرِقُ الأخضَرَ واليابس، فحرَّضَ دعاةُ فتنةٍ صمَّاء بكماء عمياء إلى ثورةٍ على راية: (لا إله إلا الله، محمدٌ رسول الله)، وعلى الخروج على دولة الحرمين، ودعا أهل هذه الفتنة الضالَّة المُفسِدة المُهلِكة إلى عزل ولاة الأمر، وكفَى بهذا جُرمًا وشناعةً وقُبْحًا ومخالفةً لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فهم يريدون أن يُفرِّقوا بين المسلمين، ودعَوا إلى أن تكون المملكة دستورية يُعزَل في النظام الخائب الذي أعلَنوه الملكُ - حفظه الله -، يُعزَلُ من صلاحياته التي خوَّلَه إياها الدينُ الإسلامي، وبايَعَه عليها أهلُ الحلِّ والعقد، ولم يحدُث في تاريخ المسلمين هذا المطلب الخاسِر الخائب. ولكن الله أراد أن يُظهِر مخازيَ هذه الفتن التي أعلنوها، ويُظهِر مخازيَ من أعلَنها ووقَّع عليها لئلا يغترَّ بهم الشباب والمُواطِنون، فإن دعاة هذه الفتن المُضِلَّة يُحقِّقون ما يتمنَّاه المُتربِّصون. والمُظاهرات الغوغائية لا محل لها في بلادنا بلاد التوحيد؛ لأن الشريعة الإسلامية هي المُهيمِنة على البلاد، وهناك فرقٌ بين من يدعو إلى التوحيد وبين غيره، وبين من يُشفِقُ على شعبه ويُحبُّ لهم الخيرَ ويُقدِّم لهم ما ينفعهم، وبين من يقتُل شعبَه. وما وقع في البلاد التي غيَّرَت حكمَها ونُظُم الحكم فيها أمرٌ يخصُّهم في تلك البلاد، وهم أعلمُ بما يُصلِحُهم، والأسبابُ في تلك البلاد لا تخفَى على الناس، وتلك الأسباب مُنعدِمةٌ في بلادنا - ولله الحمدُ -. ومن أعظم الأسباب لتلك الثورات: انعِدامُ التعامُل بتعاليم الإسلام في العلاقة بين الحاكم والمحكومين، والقوانين الجاهلية تُفسِد ولا تُصلِح، وشريعةُ الله هي التي تُصلِحُ كلَّ شيء، وهل يُغني أكلُ الطين عن الخبز والغذاء؟! ولما لم يتعامل الناسُ في علاقاتهم بتعاليم الإسلام عامَلَهم الله بالقدر، فالاختلافُ مُقدَّرٌ من الله إذا تعدَّدَت الأهواء، قال الله تعالى: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [الأنعام: ٦٥]. فلا تقيسوا بلادكم بغيرها، والواجبُ الذي لا بُدَّ منه أن نكون عند الزَّعازِع والفتن يدًا واحدةً وصفًّا واحدًا، حُكَّامُنا ولاة أمرنا وعلماؤنا، وجميعُ المواطنين، لنُحافِظ على ديننا ووحدة وطننا ومصالحنا؛ فإن المُتربِّصين يتمنَّون اليوم الذي تختلفُ فيه الكلمةُ ليركبوا الموجَة، ويُنكِّلوا بالدين، ويُقطِّعوا أوصال البلاد، فإنهم ينظرون إلا اختلاف الكلمة كما تنظُر النُّسُور إلى اللحم، ولكم عِبَرٌ كثيرة في تاريخ المسلمين. فيا شباب الإسلام، ويا حُماة الحق: اكرهوا الفتن وأهلها وقاطِعوهم، فهم يريدون أن يفتَحوا عليكم أبواب جهنم، فالمظاهرات والغوغائية لا محل لها في بلادنا؛ فدستورنا كتابُ الله وسنة رسوله ﷺ . وأما الإصلاحُ الذي يتشدَّقُ به هؤلاء المفتونون، فالإصلاحُ بجميع أنواعه هو نهجُ ديننا الحنيف، ولكن الإصلاح في كل شيء منوطٌ بوليِّ الأمر ونوَّابه فيما يخُصُّ الأمور العامة، ويستشيرون في هذا علماءَ الشريعة؛ فعلماء الشريعة مع ولاة الأمر أعرفُ بما يدلُّ عليه الكتابُ والسنة، وبما فيه الخيرُ للعامة والخاصة، والتناصُح بين الراعي والرعيَّة رغَّب فيه الإسلام، وقال النبي ﷺ : «الدينُ النصيحة - ثلاثًا -»، وليس من النصيحة التحريضُ على الفتن. فاحذروا - شباب الإسلام - التوقيع على البيانات المُغرِضة التي تكثُر في المعروضات من المعلومات، والتي تُعرَضُ في الإنترنت، فاحذروا هذا التوقيع على هذه البيانات، أو تكثير سواد أهل الفتن، ولا تنساقوا وراءهم؛ فإن مصيرهم كمصير غيرهم ممن يُريدون الفُرقة بين المسلمين. قال الله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: ١٠٣]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله مُعِزِّ من أطاعه واتقاه، ومُذِلِّ من خالف أمره وعصاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا إله سواه، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد اصطفاه ربه واجتباه، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فاتقوا الله حق تقواه، واخشوا يومًا تُرجعون فيه إلى الله، قال الله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: ٢٥]، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ [الأعراف: ٢٠١، ٢٠٢]. وفي الحديث: «طُوبَى لمن كان مِفتاحًا للخير مِغلاقًا للشر، وويلٌ لمن كان مِغلاقًا للخير مِفتاحًا للشر». أيها المسلم: إياك أن تكون داعيًا إلى ضلالة؛ ففي الحديث: «من دعا إلى هُدًى كان له من الأجر مثلُ أجور من تبِعَه من غير أن ينقُص من أجورهم شيءٌ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوِزْر مثلُ أوزارِ من تبِعَه لا ينقُص من أوزارهم شيء». ودعوةُ أهل الفتنة للفوضى والتمرُّد على ولاة أمر هذه البلاد سيئاتٌ كبيرة، ومخالفةٌ لتعاليم الإسلام، وتفريقٌ بين المسلمين، وفتحُ أبوابٍ من الفتن، وتعريضٌ للبلاد لتكون في مهبِّ الرِّيح، ردَّ الله كيدَهم في نُحورهم، ووقانا والمسلمين شرورهم، ووقانا وحفِظَنا من شرِّ كل ذي شرٍّ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا. اللهم وارضَ عن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم وارضَ عنَّا معهم بمنِّك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لموتانا وموتى المسلمين يا رب العالمين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم ولاة أمورنا. اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين، اللهم احقِن دماء المسلمين يا رب العالمين، اللهم يا ذا الجلال والإكرام أسألُك أن تجمع قلوبَهم على الحق على كتابك وسنة نبيك محمدٍ ﷺ . اللهم الطُف بالمسلمين يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك أن تلطُف بالمسلمين في ليبيا، اللهم الطُف بهم، اللهم احقِن دماءهم، اللهم احفَظ أعراضَهم وأموالهم ودماءهم، اللهم احفظ أعراضَهم ودماءهم وأموالهم، اللهم اكفِهم الأشرار وكيدَ الفُجَّار يا رب العالمين. اللهم المسلمين في دمائهم وأموالهم، واحفظهم من مُضِلاّت الفتن في كل مكانٍ يا رب العالمين، إنك على كل شيءٍ قدير، وبالإجابة جديرٌ يا رب العالمين. اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحب وترضى، اللهم احفظه يا رب العالمين، اللهم وفِّق خادم الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، وأعِنْه على أمور الدين والدنيا، اللهم خُذ بناصيته للبر والتقوى، واجعله من الهُداة المُهتدين، وأعِنه يا رب العالمين على نُصرة الدين إنك على كل شيءٍ قدير. اللهم وألبِسْه ثوبَ الصحة والعافية يا رب العالمين، اللهم وفِّق نائبَيْه لما تحب وترضى، ولما فيه الخيرُ للإسلام والمسلمين يا رب العالمين، ولما فيه رِضاك والعِزُّ للإسلام والمسلمين إنك على كل شيء قدير. اللهم إنا نسألك أن تُغيثنا يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك أن تُغيثنا يا أرحم الراحمين. اللهم انصر دينَك وكتابَك وسنةَ نبيك محمد ﷺ ، اللهم انصر هديَ نبيك ﷺ ، اللهم وأعِزَّ هدي نبيك محمد ﷺ على من ناوَءه يا رب العالمين. اللهم انصر الإسلامَ والمسلمين، اللهم أذِلَّ المُبتدعين، اللهم أذِلَّ أهل البدعة والمُبتدعين، اللهم أذِلَّهم إلى يوم الدين، اللهم لا ترفع لهم راية يا رب العالمين، اللهم ولا تُحقِّق لهم غاية، اللهم أكبِتهم فقولُك الحق: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [المجادلة: ٥]. اللهم إنا ندرأُ بك في نُحورهم ونعوذ بك من شرورهم، اللهم أعِذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا يا رب العالمين، اللهم أعِذنا من شرِّ كل ذي شرٍّ، وثبِّتنا على الحق، إنك على كل شيءٍ قدير، يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين. اللهم اقضِ الدَّين عن المدينين من المسلمين، واشفِ مرضى المسلمين، اللهم يا رب العالمين وفُكَّ أسر المأسورين من المسلمين يا رب العالمين. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: ٩٠، ٩١]. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 14

خطبة المسجد النبوي - ٦ ربيع الثاني ١٤٣٢ - وجوب حفظ الأمن والتحذير من الفتن - الشيخ صلاح البدير الخطبة الأولى الحمد لله، الحمد لله ناصر الحق ومُتَّبِعه، وداحِض الباطل ومُبتدِعه، أحمده والتوفيق للحمد من نعمه، وأشكره والشكر كفيلٌ بالمزيد من فضله وكرمه وقِسَمه، وأستغفره مما يُوجِبُ زوال نِعمه وحلول نِقَمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تمَّت على العباد نعماؤه، وعظُمَت على الخلق آلاؤه، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله ترك أمته على المحجة البيضاء والطريقة الواضحة الغرَّاء، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما انزاحَ شكٌّ بيقين، وما قامت على الحق الحُجَج والبراهين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله فقد نجا من اتقى، وضلَّ من قادَه الهوى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أيها المسلمون: منعَ الرُّقادَ بلابلٌ وهمومُ والليلُ مُعتنِجُ الرِّواقِ بهيمُ وفاضَت دموعُ العين من فرطِ الأَسَى وحلَّ الصدْعُ في القلبِ والوِجدانِ يومَ باءَ الدمُ بالدم، وأضحَى أهلُ الإسلام يقتلُ بعضُهم بعضًا، ويُهلِكُ بعضُهم بعضًا، ويسبِي بعضُهم بعضًا، افتراقٌ في الأمر، وشتاتٌ في الرأي، واختلافٌ في الأهواء، وفتنةٌ مُستولية، وحروبٌ مُشتعِلة، وعدوٌّ يتربَّص، الحكمةُ غائبة، وحُظوظ النفس مُستحكِمة. وكم يعتصِر الألمُ قلوبَنا مما نراه من أحداثٍ واضطرابات، وصِدامات ومُواجهات في عالمنا الإسلامي، نسأل الله أن يُفرِّج كُربَتهم، نسأل الله أن يُفرِّج كُربَتهم، نسأل الله أن يُفرِّج كُربَتهم ويكشِف شدَّتهم، ويحفَظ بلادَنا ويصُونها من هذه الشرور والآثام. وكم نتطلَّع إلى فرجٍ قريب يُعيدُ لأوطاننا المسلمة أمنَها وسِلمها واستقرارها لتنقشِعَ سحابةُ الفتنة، وتنعمَ الشعوبُ المسلمةُ في أرضها وبلادها بخيرها وثرواتها، في ظلِّ شريعة الإسلام التي لا أمن إلا بها، ولا سلامة إلا بتطبيقها. أيها المسلمون: تتفاوَت البلدان والأوطان شرفًا ومكانة، وعُلوًّا وحُرمة، ومجدًا وتأريخًا، وتأتي المملكة العربية السعودية بلادُ الحرمين الشريفين، وراعيةُ المسجدَيْن العظيمَيْن، وخادمةُ المدينتين المُقدَّستين في المكان الأعلى، والموطن الأَسْمى، بلادٌ في ظِلال الشرع وادِعة، وفي رياض الأمن راتِعة، ولأطراف المجد جامعة، مهبِط الوحي وموئِلُ العقيدة ومأرِزُ الإيمان وحرَمُ الإسلام، فيها الكعبةُ المُعظَّمة، والمشاعرُ المُقدَّسة، وفيها مسجدُ نبينا وسيدنا وحبيبنا محمدٍ ﷺ ، وبه الروضةُ المُشرَّفة، حِفظُ أمنها واجبٌ مُعظَّم، وصَونُ أرضها فرضٌ مُحتَّم. والمملكةُ العربيةُ السعودية تحت ولايةٍ مسلمة، تُدين بالحكم لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وفي أعناق شعبها بَيعةٌ لها، ورسول الله ﷺ يقول: «من مات وليس في عُنقه بيعة ماتَ ميتةً جاهلية»؛ أخرجه مسلم. وببركة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وببركة تطبيق الشريعة أضحَت المملكةُ مضرِبَ مثلٍ في أمنها ووحدة صفِّها وانتظام شملِها واجتماع كلمتها وتلاحُم قيادتها وشعبها، بعد زمنٍ كان الناس في شتاتٍ وانفلات، وقتالٍ وحروب، وبُؤسٍ وضُرٍّ، وتلك حالٌ انقَشَعت ضبابةُ محنتها، وانجلَت غمرةُ كُربتها، بفضل الشريعة والجماعة. والجماعةُ منَعة، والفُرقة مضيَعة، الجماعة لُبُّ الصواب، والفُرقة أُسُّ الخراب، والفُرقة بادرةُ العِثار، وباعثةُ النِذار، تُحيلُ العمار خرابًا، والأمنَ سرابًا، وهي العاقرةُ والحالقةُ، يقول رسول الله ﷺ : «من فارقَ الجماعةَ شبرًا فمات ماتَ ميتةً جاهلية»؛ أخرجه البخاري. فاحذروا سلَّ الأيدي عن رِبقة الطاعة، واحذروا مُفارقة الجماعة، واحذروا أصحاب الفِكر المقبوح، والتوجُّه المفضوح، دعاةَ الفتنة، وأذنابَ الأعداء، ورؤوس الشر الذين امتلأَت قلوبهم حقدًا على الإسلام وأهله، وحسدًا على بلاد التوحيد وأهلها، فسعوا إلى إشاعة الفوضى، والنَّيْل من كرامة بلادنا وأمنها وسيادتها ووحدتها، عبر الدعوة إلى إقامة ثورات ومظاهرات، ومسيراتٍ وتجمهُرات، وتجمُّعات وإضراباتٍ واعتصامات، في أرض الحرمين الشريفين خدمةً لأعداء الإسلام وأهدافهم الخبيثة. وشعبُ المملكة العربية السعودية على وعيٍ بأهداف تلك الدعوات المُغرِضة، وعلى إدراكٍ لمآلاتها الخطيرة، وعواقبها السيئة، وعلى علمٍ بمن يقِفُ وراءَها من أصحاب العقائد الفاسدة، والذين يريدون تمرير مخطَّطاتهم الخبيثة ونواياهم القذِرة في بلاد الحرمين، عبر تلك المُظاهرات والمسيرات. وتلك المظاهرات والمسيرات التي يُدعَى إليها في أرض الحرمين تُعدُّ خروجًا على هذه الولاية المسلمة التي تحكُم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ومن عقيدتنا السلفية الناصِعة: عدمُ جواز الخروج على ولاة أمرنا، أو قتالهم، أو مُنابَذتهم، أو إظهار الشناعة عليهم، أو تحريك القلوب بالسوء والفتنة ضدَّهم، وندعو لهم بالصلاح والمُعافاة والتوفيق والسداد، وتحريمُ تلك المظاهرات والدعوة إليها في بلاد الحرمين ظاهرٌ لكل عاقلٍ ومُنصِفٍ لمنع وليِّ الأمر لها، ونهيِه عنها، وطاعتُه واجبة، ولما تُسبِّبُه تلك المظاهرات من فُرقةٍ وفتنة، وعدوانٍ وعنفٍ وظلم، وتشويشٍ وتشويه، وفوضَى وتخريب، واستخفافٍ بالحقوق، وشقٍّ لعصا الطاعة والجماعة، ومفاسد لا تخفى عُقباها ولا يُجهَل مُنتهاها. وشعبُ المملكة العربية السعودية يرفُض الفوضى ويرفُض التدخُّل في شؤونه من أي جهةٍ كانت، ويقِفُ مع ولاة أمره ضد كل حاقدٍ وحاسد، وعابثٍ وفاسد، ومارقٍ مُفارِق، وخائنٍ مُنافِق، وضد كل من يُريد زعزعَة الأمن في بلده، وزرع الفتنة في أرضه، ونمُدُّ أيدينا لولاة أمرنا، ونضع أيدينا في أيديهم، ونقول: نحن على العهد والوفاء، والولاء والانتماء، سِلمًا لمن سالمَكم، وحربًا على من حارَبَكم. وهذا الوطنُ المسلمُ بلدُ الحرمين الشريفين المملكةُ العربية السعودية سلاحُه دماؤنا، ودرعُه أرواحُنا، وحِصنُه أجسادُنا، ولكم علينا السمع والطاعة في طاعة الله تعالى في العُسر واليُسر، والمنشَط والمكرَه، وأثرةٍ علينا، لا نُنازِعُكم أمرًا ولاَّكم الله إياه، ولا ندَّعِي الكمال؛ بل النقصُ موجود، وهو من طبيعة البشر، ونحن على أملٍ في حياةٍ أكثر رخاءً، وأوسعُ عطاءً، وعلى رجاءٍ في عزيمةٍ أمضَى لمُحاربة الفقر والبَطالة والفساد. ونصيحةُ وليِّ الأمر تكونُ بالطرق الشرعية التي تُحقِّقُ المصلحة وتدفع المفسَدة، ولا تكونُ بالمسيرات والهُتافات والمُظاهرات، ومن رأى نقصًا أو خللاً أو خطأً، أو أراد تقديمَ رأيٍ أو مشورةٍ أو نُصح؛ فأبوابُ الولاة والأمراء، والعلماء والوزراء والمسؤولين مفتوحة، ومن نصَح فقد أدَّى ما عليه وبرِئَت ذمَّتُه؛ فعن عِياض بن غَنْمٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أراد أن ينصَحَ السلطان بأمرٍ فلا يُبدِ له علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلُو به، فإن قبِلَ منه فذاك، وإلا كان قد أدَّى الذي عليه له»؛ أخرجه أحمد، وابنُ أبي عاصم، وله شواهد. ومن وقع عليه ظلمٌ أو اعتدَى عليه أحدٌ كائنًا من كان فأبوابُ الولاة مفتوحة، والمحاكمُ مفتوحة تحكمُ بالحق، وتُحقِّق العدلَ، وتنصُر المظلوم، وتردَعُ الظالم، أما الفوضى والغوغائية والمظاهرات والمسيرات فلا مكان لها في بلاد الحرمين الشريفين، ونُحذِّر شبابَنا من الانزلاقِ في طريقها، أو الإصغاء إلى أصحابها. أيها المسلمون: احفظوا أمنكم ووحدتكم، ووطنكم واستقراركم، وانظروا في من حولكم ممن يُعانون الخوفَ والرُّعب والحروب والدمار والشتات والانفلات، يوم ضاعَ أمنُهم، وتفرَّق شملُهم، وتبدَّدَت وحدتهم، واختلفَت كلمتُهم، والسعيدُ من وُعِظ بغيره، والشقيُّ من وُعِظ بنفسه. أيها المسلمون: ورُغم المؤامرات والدعوات المُغرِضة ستظلُّ هذه البلاد المباركة بحول الله وقوته، ثم بعزَمات رجاله، وإيمان أهلها، وإخلاص ولاتها، ونُصح علمائها خادمةً للحرمين الشريفين، وراعيةً لحُجَّاج بيت الله الحرام، وراعيةً لزوَّار مسجد سيد الأنام محمد ﷺ ، بلدَ إسلامٍ وسلام، وسنةٍ وجماعة، وعدلٍ ورحمة، وخيرٍ وإحسانٍ وشفقةٍ بالمسلمين في كل مكان، آمنةً مطمئنة، ساكنةً مستقرة، مُتلاحمةً مُتراحمَة، حاميةً لمعاقِل الدين من التغيير، حافظةً لموارد الشريعة من التكدير. وإن رغِمَت أنوفٌ من أناسٍ فقل: يا ربِّ لا تُرغِم سواها أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله بارئ النَّسَم، ومُحيِي الرِّمَم، ومُجزِل القِسَم، مُبدِع البدائِع، وشارِع الشرائع، دينًا رضيًّا، ونورًا مُضِيًّا، أحمده وقد أسبغ البرَّ الجزيل، وأسبلَ الستر الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ عبدٍ آمنَ بربه، وأخلصَ له من قلبه، ورجا العفو والغفران لذنبه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه وحِزبه، صلاةً وسلامًا دائمَيْن مُمتدَّين إلى يوم الدين. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضل مُكتَسَب، وطاعتَه أعلى نسَب، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ١٠٢]. أيها المسلمون: الثباتَ الثباتَ في زمنِ الزوابِعِ والمُتغيِّرات والفتن والتقلُّبات، فلا رسوخ لقدم، ولا بقاء لمجد، ولا دوام لعِزٍّ إلا بالتمسُّك الصادق بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وليس غيرُ الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة حصنًا من المخاطر، وحِرزًا من المعاثِر، وجلاءً عند الشُّبْهة، وموردًا عند اللهفة، وأُنسًا عند الوحشة، وضياءً عند الظلمة. أيها المسلمون: إننا نعيشُ في قوةٍ وصحةٍ وأمن تُوجِبُ الشكرَ لله ذي المَنِّ، وإن من حقِّ الله علينا وحقِّ أجيالنا وأوطاننا أن نكون أوفياء للإسلام، أُمناء على الإسلام، فلن تُصانَ حِمَى الأوطان بمثلِ طاعة الرحمن، فاستديموا بالطاعةِ النِّعَم برغيد عيشها، وطِيب أمنها، ونفيس زينتها، وكُفُّوا عن المعاصي المُهلِكة، والذنوب المُوبِقة، وتوبوا توبةً صادقة تُدفَع عنكم النِّقَم، وتُحرَس عليكم النِّعَم، ويدُم عِزُّكم بين الأمم. وصلُّوا وسلِّموا على خير الورى، فمن صلَّى عليه صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا. اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة، أصحاب السنة المُتَّبَعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآل والصحابة أجمعين، والتابعين لهم وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وجُودك وإحسانك يا أرحم الراحمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، ودمِّر أعداء الدين، وانصر عبادك المُوحِّدين، وكن للمُستضعفين والمظلومين والمنكوبين والمُشرَّدين والمُنقطعين من المسلمين، ودمِّر الطُّغاةَ والجبابرةَ والظلمَة والمُعتدين يا رب العالمين، اللهم دمِّر الطُّغاةَ والجبابرةَ والظلمَة والمُعتدين يا رب العالمين. اللهم أدِم على بلاد الحرمين الشريفين أمنَها ورخاءَها، وعِزَّها واستقرارها، ووفِّق قادتها لما فيه عِزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين. اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّق ولي عهده ونائبَه الثاني لما فيه عِزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين. اللهم من أرادنا أو أراد الإسلام بسوءٍ اللهم فأشغِله بنفسه، واجعل كيدَه في نحره، اللهم اقتله بسلاحه، وأحرِقه بناره، اللهم اكشِف أمره، واهتِك سِترَه، واكفِنا شرَّه، واجعله عِبرَة. اللهم عُمَّ بالأمن والرخاء والاستقرار جميعَ أوطان المسلمين، اللهم بلاد المسلمين من كل سوء وفتنةٍ ومكروهٍ يا كريم يا رحيم. اللهم اجعل أهلنا في ليبيا في ضمانك وأمانك وإحسانك يا أرحم الراحمين، اللهم فرِّج كُربتَهم، واكشِف شدَّتهم، واحقِن دماءَهم، وصُن أعراضهم، واحفظ أموالهم يا أرحم الراحمين. اللهم اكشِف الغُمَّة، وأطفِئ جمرة الفتنة، وشرارة الفوضى ونار الاصطدام يا رب العالمين. اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود، اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود، اللهم عليك باليهود الغاصبين، والصهاينة الغادِرين، اللهم زَعزِهم وزلزِلهم ودمِّرهم يا قوي يا عزيز يا رب العالمين. اللهم اشفِ مرضانا، وعافِ مُبتلانا، وفُكَّ أسرانا، وارحم موتانا، وانصرنا على من عادانا يا قوي يا عزيز يا رب العالمين. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 15

خطبة المسجد النبوي - ١٣ ربيع الثاني ١٤٣٢ - الأمن وأهميته في حياة المسلمين - الشيخ حسين آل الشيخ الخطبة الأولى الحمد لله على نعمه التي لا تُحصَى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الآخرة والأولى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُه ورسوله النبي المُصطفى، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وأصحابه الأتقياء. أما بعد، فيا أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -، فبها تحصُل الخيراتُ ويحصُل الأمنُ والمسرَّات. معاشر المؤمنين: الأمن من أهم مطالب الحياة الطيبة المطمئنة، ذلكم أن الأمن يعني: السلامة من الفتن والشرور، ويعني: الاطمئنان والاستقرار والرخاء والازدهار. الأمنُ حقيقتُه: انتفاء الخوف على حياة الإنسان وعِرضه ومُلكه ومُكتسباته، ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [يوسف: ٩٩]، وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران: ٩٧]. فالأمنُ نعمةٌ عُظمى ومنَّةٌ كُبرى لا يعرفُ كبير مقداره وعظيمَ أهميته إلا من اكتوَى بنار فقده، فوقع في الخوف والقلق والذُّعر والاضطراب ليلاً ونهارًا سفرًا وحضرًا. الأمن هو الهدف النبيل الذي تنشُدُه المجتمعات البشرية، وتتسابق إلى تحقيقه الشعوبُ العالمية، يقول تعالى - مُمتنًّا على قوم سبأ -: سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ [سبأ: ١٨]، ويقول - سبحانه -: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش: ٣، ٤]. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «من أصبح آمنًا في سِربه، مُعافًى في جسده، عنده قُوت يومه؛ فكأنما حِيزَت له الدنيا»؛ رواه البخاري في "الأدب المفرد"، ورواه الترمذي، وابن ماجه. ولأهمية الأمن وعظيم مكانته كان من دعائه ﷺ : «اللهم استر عوراتي وآمِن روعاتي»؛ رواه أحمد، وأبو داود، وصححه الحاكم. نسأل الله - جل وعلا - أن يستر عوراتنا وعورات المسلمين، وأن يُؤمِّن روعاتنا أجمعين. معاشر المسلمين: إذا اختلَّ نظام الأمن وزِعزِعت أركانُه واختُرِق سياجُه، فكم يقع - حينئذٍ - من الفتن العريضة والشرور المستطيرة؛ إذ لا يأتي فقدُ الأمن إلا بسفك الدماء، وقتل الأبرياء، وتناثُر الأشلاء، وإثارة الفتن العمياء، والجرائم الشنعاء، والأعمال النَّكراء. ومن هنا؛ فالأمن في الإسلام مقصدٌ عظيمٌ شُرِع له من الأحكام ما يكفُلُه ويحفظُ سِياجَه، ويدرأُ المساس بجنابه، فقد تضافَرت النصوص القطعية على وجوب المحافظة على الضروريات الخمس، وهي: الدين، والنفوس، والعقول، والأعراض، والأموال، وحرَّمت الشريعةُ كل وسيلةٍ إلى النَّيْل من هذه المقاصد، أو التعرُّض لها، وشرَعت من الأحكام الزاجرة ما يمنع من التعرُّض لها أو يمسُّ بجوهرها. بل إن الإسلام حرَّم كل فعلٍ يعبَثُ بالأمن والاطمئنان والاستقرار، وحذَّر من كل عملٍ يبُثُّ الخوف والرعبَ والاضطراب، من مُنطلق حرصِه على حفظ أجلِّ النعم: الأمن والأمان. ومن هذا المُنطلق نهى النبي ﷺ أن يتسبَّب الإنسان إلى فعلٍ يؤدِّي إلى المَساسِ بالأمن والاستقرار، يقول النبي ﷺ : «لا يحِلُّ لمسلمٍ أن يُروِّع مسلمًا»؛ رواه أحمد، وأبو داود. ويقول ﷺ : «لا يُشِر أحدُكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزعُ في يده فيقع في حفرةٍ من النار»؛ متفق عليه. بل ولقد بلَغت عنايةُ الإسلام ونصوصه أن جاءت بالنهي عن كل ما يُؤذِي المسلمين في طرقاتهم وأسواقهم ومواضع حاجاتهم؛ في الحديث: «إياكم والجلوس في الطرقات»، ويقول ﷺ : «إذا مرَّ أحدُكم في مساجدنا أو أسواقنا ومعه نَبْلٌ فليُمسِك على نِصالها أن يُصيبَ أحدًا من المسلمين منها بشيء»؛ متفق عليه. إن الإسلام وهو الذي جاء لتحقيق المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، فإن أحكامه الغرَّاءَ تعتبِرُ أيَّ فعلٍ أو تصرُّفٍ أو دعوةٍ لزعزعة أمن المجتمع جريمةً كبرى وجنايةً عُظمى ومفسدةً جُلَّى؛ فربُّنا - جل وعلا - يقول: وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا [الأعراف: ٥٦]، ويقول: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة: ٦٤]؛ فأيُّ بيانٍ أوضح من هذا البيان؟! أمة الإسلام: إن أعظمَ سبيلٍ لتحصيل الأمن بجميع صوره: تحقيقُ التوحيد الخالص، والالتزامُ بالعقيدة الصحيحة، والتعلُّق الكامل بالله - جل وعلا -، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢]. إن الأمن بأشكاله المختلفة لا يتحقَّقُ إلا بطاعة المولى - جل وعلا - والتقيُّد بشرعه ومنهجه، مع الحِفاظ على سنة نبيه محمد ﷺ ، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور: ٥٥]. معاشر المؤمنين: من أسباب تحقيق الأمن: الحِرصُ على رد كل تنازُعٍ في أمور الدين والدنيا إلى الأصلَيْن العظيمَين والوحيَيْن الكريمين: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩]. ويتبعُ هذا الأصل: أن يرجع الناسُ خاصةً في أزمان الفتن إلى علماء الشريعة الراسخين الذين ينظرون إلى الأمور بفهمٍ دقيقٍ واستنباطٍ عميقٍ وخبرةٍ طويلة، فربُّنا - جل وعلا - يقول: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: ٨٣]. إخوة الإسلام: إن من أسباب توفُّر الأمن: السمع والطاعة لولاة الأمر في المعروف، فذلكم أصلٌ من أصول الواجبات الدينية، وعقيدةٌ من عقائد أل السنة والجماعة، وبهذا الأصل تنتظِمُ مصالحُ العباد في معاشِهم، وتسلمُ من الشرور والوَيْلات. كما أن من أعظم الأسباب لتحقيق الأمن: الاعتصام بحبل الله - جل وعلا -، والاجتماع على دينه، والتعاوُن على البر والتقوى، استجابةً لقوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران: ١٠٣]. يقول ﷺ : «مثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم مثلُ الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعَى له سائرُ الجسد بالسهر والحُمَّى»؛ متفق عليه. ومن هذا: التناصُح والتراحُم فيما بين الحاكم والمحكومين على وفق المنهج النبوي المُؤصَّل على الإخلاص لله - جل وعلا -، والتعاوُن على الحق، مع مراعاة مبادئ الرفق والحكمة واللُّطف، ووفق ما يجمعُ الكلمة، ويُؤلِّف القلوب، ويُوحِّدُ الصفَّ، إنه التناصُح الذي يجلِبُ المصالح، ويدرأُ المفاسد بكلمةٍ طيبة، وأسلوبٍ حسن، وتوجيهٍ سديد يقودُ الحاكم والمحكوم إلى الخير والصلاح والازدهار، وينأَى بالناس عن التفرُّق والتشتُّت والعبَث والفوضى. إخوة الإسلام: إن أعظم أسباب فُقدان الأمن وحُدوث الكوارث والخُطوب: الإعراضُ عن طاعة الله - جل وعلا -، وعن طاعة رسوله ﷺ ، وفُشُوُّ المعاصي والسيئات، يقول ربُّنا - جل وعلا -: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل: ١١٢]. ومن أعظم أنواع الإعراض التي بسببه دبَّت الفتنُ والقلاقِل، وفُقِد الأمنُ والأمان في بعض بُلدان المسلمين: التولِّي عن تحكيم شريعة الله - جل وعلا -، واستبدالُها بالقوانين الوضعية، والدساتير البشرية، فنبيُّنا ﷺ يقول: «وما لم تعمل أئمتُهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسَهم بينهم»؛ رواه البيهقي، وابن ماجه. ومنذ قرنٍ أو أكثر ومجتمعاتُ المسلمين تعيشُ بين بُرهةٍ وأخرى من البأساء والضرَّاء وتفرُّق الكلمة ما اللهُ به عليم؛ وذلك بسبب الإعراض عن شريعة رب العالمين. إن من أسباب زعزعة الأمن: التفرُّق والاختلاف بين المسلمين؛ فكم جرَّ ذلك من فساد الأحوال الدينية والدنيوية مما لا يُحصَى من الشرور والآلام، فربُّنا - جل وعلا - يقول: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال: ٤٦]. وإن أقبح صور التفرُّق: الاختلافُ على وليِّ الأمر الذي يُحكِّمُ شرع الله - جل وعلا -، وعدمُ الالتزام بطاعته في غير معصية الله؛ فعن ابن عباسٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من رأى من أميره شيئًا يكرهُه فليصبِر؛ فإنه من فارَقَ الجماعةَ شبرًا فماتَ إلا ماتَ ميتةً جاهليةً»؛ رواه ابن ماجه، والحاكم. لقد سطَّر لنا نبيُّنا ﷺ العلاجَ الناجعَ الذي إذا سلَكناه في مثل هذه الفتن الحاضِرة الآن فإننا نعيشُ - حينئذٍ - بأمنٍ وأمانٍ واستقرارٍ ورخاءٍ. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه، وعلى آله وأصحابه. أيها المسلمون: من نعمة الله - جل وعلا - علينا في هذه البلاد: أن منَّ علينا بنعمة الأمن الوافِر منذ قامت هذه الدولة على نُصرة عقيدة التوحيد والدعوة السلفية في مراحلها المختلفة، وإلا فالناسُ قبل هذه الدولة في بلاد الحرمين كانوا قبلها بسنواتٍ في خوفٍ ورعبٍ وقلقٍ، حتى لم يأمنِ الحاجُّ والمُعتمِرُ من السبي والسلب واستباحة الدماء والأعراض، كما تُنبِئُ عن ذلك كتبُ التأريخ المُتنوِّعة، ومن أراد بيانًا وبُرهانًا فليقرأ مثلَ هذه الكتب. فالحمدُ لله - سبحانه - على هذه النعم الغالية، ولنحرِص جميعًا في هذه البلاد، وفي جميع بلدان المسلمين التي منَّ الله عليها بالأمن، لنحرِص على شكر الله - جل وعلا - على هذه النعم، ولنتعاون على الحِفاظ عليها بكل غالٍ ورخيص، ولنحذَر - أيها المسلمون، أيها المؤمنون - من كل دعوةٍ تُهدِّدُ الأمن، وتُزعزِعُ الاستقرار، فلا هناءَ في عيشٍ بلا أمن، ولا سعادة في مالٍ بلا استقرار. إخوة الإسلام: إن بعض البلدان الإسلامية - وللأسف الشديد نقولها وقلوبنا تعتصِر أسًى وحَزَنًا - تمرُّ اليوم بفتنٍ عمياء لا تُرضِي الله - جل وعلا -، ولا تُرضِي الغيورين من المسلمين، ولا يعرِفُ عاقبةَ هذه الفتن إلا الله - جل وعلا -. وإن الواجب على المسلمين ممن تقلَّدوا الحكمَ ومن المحكومين أن يتقوا الله - جل وعلا -، وأن يتضرَّعوا إلى الله - سبحانه -، وأن يُنيبوا إليه، وأن يرجِعوا إلى تحكيم شرعه، وأن يُصلِحوا أحوالهم وفق منهج محمد ﷺ ، فلسنا بحاجةٍ إلى شرقٍ أو غربٍ، ومحمد ﷺ جاء بكل ما يُصلِحُ أحوالنا، ويدرأُ الفساد عن دُنيانا وأُخرانا. ليحذَر المسلمون أن يُوقِعهم الشيطانُ في أمورٍ لا تُحمَدُ عُقباها، كما وقع فيه المسلمون منذ قرونٍ إبَّان الاستعمار، لقد حذَّرنا الله - جل وعلا - من اتباع خطوات الشيطان ومُضِلاَّته: وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة: ١٦٨]. ألا وإن أعظم الأمور عند الله بعد الشرك: إراقة الدماء المسلمة، وإزهاقُ الأرواح المؤمنة التي لا يرضى الله - جل وعلا - بهذا الفعل أبدًا، وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣]. يا من تتلوَّثُ يدُه بقتل مسلمٍ! كيف بك إذا وقفتَ أمام الله - جل وعلا - وقد حذَّرك الله بهذه العقوبات المُتنوِّعة. وقد جاء نبينا ﷺ بالتحذير من مثل هذه الأحوال: «لا ترجِعوا بعدي كفَّارًا يضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ»، وكأنه يحكي حال اليوم، «إذا التَقَى المسلمان بسيفيهما فالقاتلُ والمقتولُ في النار». قيل: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بالُ المقتول؟ قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه»؛ متفق عليه. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيدنا ونبينا محمد، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن الآل ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. اللهم ندعوك مُتضرِّعين اللهم ندعوك أن تحفظ المسلمين في كل مكان، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم احفظ عليهم أنفسهم وأديانهم وأموالهم وأعراضهم، اللهم أطفِئ هذه الفتن، اللهم أطفِئ هذه الفتن، اللهم أطفِئ هذه الفتن. اللهم ولِّ على المسلمين خيارَهم، اللهم ولِّ على المسلمين خيارَهم، اللهم عليك بشِرارهم، اللهم عليك بفُجَّارهم، اللهم عليك بفُجَّارهم، اللهم عليك بمن طغى وتجبَّر وعانَد على شرعك يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، اللهم أصلِح أحوال المسلمين، اللهم أصلِح أحوال المسلمين، اللهم احقِن دماء المسلمين في ليبيا، وفي فلسطين، وفي أفغانستان، وفي العراق، وفي البحرين، وفي كل مكان يا ذا الجلال والإكرام. اللهم حقِّق علينا أمنَنا، اللهم احفظ أمن الإسلام، اللهم احفظ على المسلمين أمنهم واستقرارهم، اللهم اجمع كلمتهم على القرآن والسنة، اللهم اجمع كلمتهم على القرآن والسنة، اللهم بصِّرهم بمخطَّطات أعدائهم، اللهم بصِّرهم بمخطَّطات أعدائهم، واسلُك بهم السبيل الأقوم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المؤمنين يا ذا الجلال والإكرام. عباد الله: اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، وسبِّحُوه بُكرةً وأصيلاً. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 16

خطبة المسجد النبوي - ٢٠ ربيع الثاني ١٤٣٢ - خطورة الفتن إقبالاً وأدباراً - الشيخ عبد المحسن القاسم الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله - حق التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى. أيها المسلمون: لقد منَّ الله على عباده بدينٍ متينٍ يُخاطِبُ العقلَ والقلبَ، ويُؤصِّلُ القواعدَ والأحكام، شاملٌ للكليات والجزئيات، والاعتقادات والعبادات، والسلوك والآداب، وقرَّر أصول التعامل مع البسطاء والعُظماء، وأهل البطالة والأثرياء، والفقراء والأغنياء، قال - جل شأنُه -: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨]. ولكماله شَرَقَ الأعداءُ بتمسُّك أهل الإسلام به، قال - سبحانه -: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة: ١٠٩]، فيسعون إلى إقصاء أهله عنه: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف: ٨]. ومن أعظم مداخل أهل الباطل على المسلمين: زعزعةُ الأمن في بلدانهم، فإذا فقدوه انقطَعَت السُّبُل، وتفرَّقَت الكلمةُ وحلَّ الفقر وانتشرت الأسقام، وسُلِبَت الأموال والممتلكات، وهُتِكَت الأعراضُ وسُفِكَت الدماء، فيعمُّ الجهلُ والخوفُ وينشغِلُ الناسُ عن دينهم، ويظهر أهل الريبِ والشك وأربابُ البغيِ والإفساد. وكلما ابتعد الناسُ عن زمنِ النبوة ظهرت الفتنُ والمِحَن، قال ﵊: «إن بين أيديكم فتنًا كقِطَع الليل المُظلِم، يُصبِحُ الرجلُ فيها مؤمنًا ويُمسِي كافرًا، ويُمسِي مؤمنًا ويُصبِحُ كافرًا»؛ رواه أحمد. والثباتُ في المُدلهِمَّات الحوادث والأزمان عزيز، ولا تظهر فتنةٌ إلا ويسقطُ فيها رجال، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ [الحج: ١١]. وقد أمر النبي ﷺ أمتَه بالتعوُّذ من الفتن قبل ظهورها وعند نزولها، فقال: «تعوَّذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بَطَن»؛ رواه مسلم. ومن دوائها: عدمُ الخوض فيها وتركُ الأمر لأهله من الولاة والعلماء لعرضِها على الكتاب والسنة، قال - جل شأنه -: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: ٨٣]. والفتنةُ إذا أقبلَت عرفَها العلماءُ، فإذا أدبَرَت عرفَها العامةُ ولكن بعد الفوات، والعلماءُ هم ورثةُ الأنبياء، ولا غِنَى للحاكم والمحكوم عنهم في السرَّاء والضرَّاء، والشدة والرخاء، فالله أمر بسؤالهم في جميع الأحوال، فقال - سبحانه -: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣]. وهم - بأمر الله - أمانٌ للمجتمع من الفوضى والتطاوُل على الحاكم، وهم الناصِحون لوليِّ الأمر المُذكِّرون له بما يُرضِي الله، قال سهلُ بن عبد الله: "لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما عظَّموا السلطانَ والعلماء، فإن عظَّموا هذيْن أصلحَ الله دنياهم وأخراهم". ومن أُسس هذا الدين: النصيحةُ لكل فردٍ وإن علا، قال ﷺ : «الدينُ النصيحة»، قلنا: لمن؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم»؛ رواه مسلم. وقد سلك السلفُ الصالحُ لسبيلَ الأقومَ في النُّصح للحاكم على ما جاء به الكتابُ والسنة من غير تشهيرٍ به ولا تنقُّص، قال ابن القيِّم ﵀: "مخاطبةُ الرؤساء بالقول الليِّن أمرٌ مطلوبٌ شرعًا وعقلاً وعُرفًا، ولذلك تجِد الناس كالمفطورين عليه، وهكذا كان النبي ﷺ يُخاطِبُ رؤساء العشائر والقبائل". وإذا اجتمعت القلوب على الحق والنُّصح قوِيَت في العبادة وحسُنَت بينهم المُعاملة، وحفِظَ الله المجتمعَ من الشرور، وكانت يدُ الله معهم، قال ﵊: «يدُ الله مع الجماعة»؛ رواه الترمذي. ومن أوائل أعمال النبي ﷺ حين قدِم المدينة: مؤاخاته بين المهاجرين والأنصار، وتوحيد صفِّه لتقوَى شوكةُ المسلمين ويعيش الجميعُ في أمنٍ واستقرار. ومن تعظيم الإسلام للجماعة: أنه أمر بقتل من أراد تفريقها، قال ﵊: «إنه ستكون هنَّاتٌ وهنَّاتٌ - أي: فتن ومِحَن -؛ فمن أراد أن يُفرِّق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنًا من كان»؛ رواه مسلم. ولا دينَ إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمعٍ وطاعة، قال الإمام أحمد: "إذا لم يكن إمامٌ يقوم بأمر الناس فهي الفتنة". وقد أدرك الصحابةُ ﵃ ذلك، فلما تُوفِّي النبي ﷺ سجَّاه الصحابة - أي: غطَّوه -، ثم ذهبوا إلى سقيفة بني ساعِدة لاختيار خليفةٍ له، ولما بايَعُوا أبا بكرٍ ﵁ عادُوا إلى تجهيز النبي ﷺ من غَسْله وتكفينه ودفنِه، فقدَّموا اختيار الخليفة على دفنه ﷺ لعلمهم للحاجة أن المجتمع لا يصلُح - ولو ساعةً - بلا والي. قال علي بن أبي طالب ﵁: "لا بدَّ للناس من إمارةٍ برَّةٍ كانت أو فاجرة"، قيل له: هذه البَرَّة قد عرفناها، فما بالُ الفاجرة؟ قال: "يُؤمَّنُ بها السبيلُ، ويُقامُ بها الحُدود، ويُجاهَدُ بها العدو، ويُقسَمُ بها الفَيْءُ". ومن مُعتقَد أهل السنة والجماعة: طاعةُ وليِّ الأمر بالمعروف وإن كان ظالمًا، قال ﵊: «تسمعُ وتُطيعُ للأمير وإن ضربَ ظهرَك وأخذ مالَكَ، فاسمَع وأطِع»؛ رواه مسلم. قال الإمام الطحاوي ﵀: "ونرى طاعتَهم من طاعة الله فريضة ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمُعافاة". ومن رأى من واليه تقصيرًا أو ظلمًا فهو مأمورٌ بالصبر على بغيِه منهيٌّ عن معصيته والخروج عليه، قال ﵊: «من كرِهَ من أميره شيئًا فليصبِر عليه، فإنه ليس أحدٌ من الناس خرجَ من السلطان شبرًا فمات عليه إلا مات ميتةً جاهلية» - أي: كأنه لم يُدرِك الإسلام -؛ رواه مسلم. وعلى هذا النهج العظيم سار سلفُ هذه الأمة، فكان كِبارُ الصحابة وكِبارُ التابعين؛ كابن عمر، وابن سيرين، وابن المُسيَّب يُصلُّون خلف الحَجَّاج مع عظيم ظلمه، وكثرة قلته وبطشِه، ويدعون له، قال الحسن البصري ﵀: «إن الحَجَّاج عذابُ الله، فلا تدفعوا عذابَ الله بأيديكم، ولكن عليكم بالاستِكانة والتضرُّع». والإسلامُ جاء بدرءِ كل مفسدةٍ عن الأفراد والشعوب ليبقى الجميعُ يدًا واحدةً مُتلاحِمة مُطمئنةً، نابذين كل فُرقةٍ واختلاف، قال ابن مسعود ﵁: "وما تكرهون في الجماعة خيرٌ مما تُحبُّون في الفُرقة". وأخذ بهذه القاعدة علماءُ أهل السنة والجماعة، فاجتنَبوا الشذوذ والخلافَ والفُرقة، ونهوا عن كل وسيلةٍ تدعو إلى مُنابَذَة السلطان أو الخروج عليه. والصحابةُ ﵃ أجمعوا على تحريم هذا، وذلك حين حُدوث أول خروجٍ على الإمام في الإسلام، لما قدِمَ نفرٌ من أهل مصر والبصرة والكوفة ونزلوا على مشارِفِ المدينة لحِصار عثمان بن عفان في داره، طالبين عزلَ نفسه من الخلافة أو قتلَه. قال ابن كثير ﵀: "فكل الناس أبَى دخولهم - أي: إلى المدينة - ونهى عنه". فكا تظاهُر سواءٌ كان بسلاحٍ أو خلا من سلاح فهو محرمٌ في ديننا، قال شيخ الإسلام ﵀: "أهلُ العلم والدين والفضل لا يُرخِّصون لأحدٍ فيما نهى الله عنه من معصية وُلاة الأمور وغشِّهم والخروج عليهم بوجهٍ من الوجوه، كما قد عُرِف من عادات أهل السنة والدين قديمًا وحديثًا". وأجمع العلماء على تحريم الخروج عليهم وإن بدَر منهم ظلمٌ أو قُصور، قال النووي ﵀: "الخروج عليهم وقتالُهم حرامٌ بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقةً ظالمين". ولم يخرج أحدٌ على إمامه إلا ندِم وكانت مفسدةُ خروجه أعظمَ من الصبر عليه، قال شيخ الإسلام ﵀: "أهل السنة يأمرون بالصبر على جَور الأئمة وترك قتالهم؛ لأن الفساد الناشئ من القتال في الفتنة أعظم من فساد ظلم ولاة الأمر، وقلَّ من خرج على إمامٍ ذي سلطانٍ إلا كان ما تولَّد على فعله من الشر أعظمَ مما تولَّد من الخير". وحدثَ من الخليفة المأمون أمورٌ في الدين جِسام، كان في صفات الله والقول بخلق القرآن، وعذَّب من أنكر ما دعا إليه، فسجَنَ وجلَدَ إمامَ أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀، ولم يأمر أحمدُ بن حنبل ولا كِبار أهل العلم في عصره؛ كإسحاق بن راهويه ومحمد بن نوحٍ ولا غيرهم بالخروج عليه. وفي حشد الناس والتنادي بجمعهم والتكالُب ضد إمامهم شتاتٌ لشمل الأمة وتفريقٌ لكلمتها، وإثارةٌ للفتن والفساد، ويُوقِعُها في خُنوعٍ وكروبٍ، وجوعٍ وحروب، ونهبٍ وسفك دماء، وتحقيقٍ لمآربِ الأعداء، ومن يتحمَّل إثمَ سفك الدماء وقتل الذَّراري وترمُّل النساء وهتك الأعراض وسلب الأموال ونهب الخيرات؟! قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: "والاجتماعُ الذي فيه نقصٌ كبير خيرٌ من الافتراق الذي يُظنُّ فيه خيرٌ كثير". والقتالُ وسفكُ الدماء بين الأمة هو ما خشِيَه النبي ﷺ عليها، فقال: «لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضربُ بعضُكم رِقابَ بعض»؛ متفق عليه. فكلُّ تظاهر على الحاكم فهو محرمٌ وإن أذِنَت به أنظمةٌ وضعية، لمُخالفتها لما جاء به الإسلام، قال ابن القيم ﵀: "وما يحصُل بسبب قتالهم والخروج عليهم أضعافُ أضعاف ما هم عليه". ولما كانت هذه البلاد - بحمد الله - مُحكِّمةً لشرع الله، مُستنيرةً بآراء العلماء؛ عمَّ في أرجائها - بفضل الله - الأمنُ والرخاء، وخابَت فيها ظنون الأعداء، وتلاحَمَت فيها يدُ المحكوم مع الحاكم. أيها المسلمون: دينُ الإسلام دينُ اعتدالٍ وأمان، مُوافقٌ للفِطَر والعقول، قال - سبحانه -: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم: ٣٠]. ولا ينفع للشعوب سوى الإسلام؛ فبه الأمان والسكينة، وهو وقايةٌ من الفُرقة والاختلاف، قال : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢]. وإذا سلَكت الشعوب منهجَ أهل السنة والجماعة في مُعتقداتها مع خالقها، ومعاملاتها مع الخلق؛ اطمأنَّ الراعي والرعيَّة، فلا خروج ولا فوضى ولا اضطراب، وإذا ابتعدَ الناسُ عن الدين دخلت الأهواء في النفوس، واختلفَت الآراء، فتفرَّقت الكلمةُ وعمَّ البلاء. وفي زمن الفتن يتأكَّدُ العلمُ الشرعي وغرس العقيدة الصحيحة في نفوس الناشئة والشباب والكهول، لتكون درعًا حصينًا في وجه شُبَه أهل الباطل وشهوات الأعداء. وما يُديم نعمةَ الأمن والرخاء في الشعوب: الإكثارُ من أنواع الطاعات، وأحبُّ عبادةٍ إلى الله: إفرادُه بالعبادة ونبذُ الإشراك به؛ من الاستغاثة بالأموات ودعائهم، والطواف على الأضرحة والقبور، ومُجانبة أنواع المعاصي، قال - سبحانه -: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور: ٥٥]. والأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر من أُسس إصلاح المجتمع، وترسيخ هيبة السلطان في رعيَّته. ومما يُنزِلُ السكينة على الشعوب ويجعلها تنبُذُ الفوضى والاضطراب: إكثارُ الجميع من تلاوة كتاب الله العظيم، ونشرُ ذلك في المساجد ودُور العلم في المُدن والقرى للصغار والكِبار؛ فهو كتابٌ مُبارَك ينشر الخيرَ ويمنع الشر، ويُطمئِنُ النفوس، قال - سبحانه -: أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨]. وسعادةُ الجميع في التمسُّك بالدين وتحكيم الشرع، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا. أيها المسلمون: الكلمةُ أمانةٌ يُسال عنها العبدُ يوم القيامة، وأكثرُ ما يكبُّ الناسَ في النار على وجوههم حصائدُ ألسنتهم، والصدق في الحديث ونقله من سِيما العقلاء، والإسلام أمر ألا يتحدَّث المرءُ إلا بما فيه نفعٌ أو يصمُت، قال ﵊: «من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فليقُل خيرًا أو ليصمُت»؛ متفق عليه. ومن صفات مرضى القلوب: الإرجافُ والكذب في نقل الأحداث، أو تحريفها أو المبالغة فيها بغيًا وإفسادًا، قال - جل شأنه -: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ [النساء: ٨٣]. وقد أمر الله بالتثبُّت في أخبار الفُسَّاق والمجاهيل، فقال - سبحانه -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات: ٦]. والمرءُ منهيٌّ أن يتحدَّث بكل ما يسمع، قال ﵊: «كفى بالمرء كذِبًا أن يُحدِّث بكل ما سمِع»؛ رواه مسلم. وعلى المسلم ألا يكون أُذنًا لغيره؛ بل يكون حصيفًا لا يُخدَعُ بأقوال الماكرين ودعوة المُفسدين، وأن يحفظ دينَه ومُعتقَده من سموم الكائدين. ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه، فقال في محكم التنزيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا [الأحزاب: ٥٦]. اللهم صلِّ وسلِّم على نبينا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدِلون: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنَّا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمنًا مُطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين. اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم احقِن دماءهم في كل مكانٍ يا رب العالمين، اللهم رُدَّهم إليك ردًّا جميلاً، اللهم فقِّههم في الدين، وبصِّرهم بالأحكام يا ذا الجلال والإكرام. اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم وفِّق إمامنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، ووفِّق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وتحكيم شرعك يا رب العالمين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣]. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 17

خطبة المسجد النبوي - ٢٧ ربيع الثاني ١٤٣٢ - الحذر من سوء الخاتمة - الشيخ علي الحذيفي الخطبة الأولى الحمد لله العليم الخبير، السميع البصير، أحاط بكل شيءٍ علمًا وأحصى كل شيءٍ عددًا، لا إله إلا هو إليه المصير، أحمد ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العليُّ الكبير، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله البشير النذير، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله ذوي الفضل الكبير. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله - حق تقواه، وسارِعوا دائمًا إلى مغفرته ورِضاه؛ فقد فاز وسعِد من أقبل على مولاه، وخابَ وخسِرَ من اتبع هواه وأعرض عن أُخراه. عباد الله: إن ربكم غنيٌّ عنكم، لا تضره معصيةُ من عصاه، ولا تنفعه طاعةُ من أطاعه، كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضُرِّي فتضرُّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني»؛ رواه مسلم من حديث أبي ذر ﵁. وكما قال تعالى: وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٧٦]. فالأعمال الصالحات سببُ كل خيرٍ في الدنيا والآخرة، وأعظم الأعمال وأفضلها: أعمال القلوب؛ كالإخلاص، وكالإيمان، والتوكل، والخوف، والرجاء، والرغبة، والرهبة، وحب ما يحبُّ اللهُ، وبُغض ما يُبغِضُ اللهُ، وتعلُّق القلب بالله وحده في جلب كل نفع ودفع كل ضر، كما قال تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس: ١٠٧]. وأعمال الجوارح الصالحة تابعةٌ لأعمال القلوب، كما قال الرسول ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى»؛ رواه البخاري ومسلم من حديث عمر ﵁. والأعمال السيئة الشريرة سببٌ لكل شرٍّ في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠]، وقال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١]. والعبدُ مأمورٌ بالطاعات، ومنهيٌّ عن المحرمات في جميع الأوقات، ولكنه يتأكَّد الأمر بالعمل الصالح في آخر العمر وفي آخر ساعةٍ من الأجل، ويتأكَّد النهيُ عن الذنوب في كل وقتٍ من الأوقات، ولكنه يتأكَّد أكثر في آخر العمر وفي آخر ساعةٍ من الأجل، قول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالخواتيم»؛ رواه البخاري من حديث سهل بن سعد ﵁. فمن وفَّقه الله للعمل الصالح في آخر عمره وفي آخر ساعةٍ من الأجل فقد كتب الله له حُسن الخاتمة، ومن خذلَه الله فختَمَ ساعة أجله بعمل شرٍّ، وذنب يُغضِبُ الرب، فقد خُتِمَ له بخاتمة سوءٍ - والعياذ بالله -. وقد حثَّنا الله تعالى وأمرنا بالحرص على نيل الخاتمة الحسنة، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ١٠٢]. والسعيُ لحسن الخاتمة غايةُ الصالحين، وهمةُ العباد المتقين، ورجاء الأبرار الخائفين، قال الله تعالى: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٢]، وقال تعالى في وصف أولي الألباب: رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ [آل عمران: ١٩٣]، وقال تعالى عن التائبين: رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ [الأعراف: ١٢٦]. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلبٍ واحد يُصرِّفه حيث يشاء»، ثم قال رسول الله ﷺ : «اللهم مُصرِّف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك»؛ رواه مسلم. فمن وفَّقه الله لحُسن الخاتمة فقد سعِدَ سعادةً لا يشقى بعدها أبدًا، ولا كربَ عليه بعد ذلك التوفيق، ومن خُتِمَ له بسوء الخاتمة فقد خسِر في دنياه وأُخراه. والصالحون تعظُم عنايتُهم بالأعمال الصالحة السوابق للخاتمة، كما أنهم يجتهدون في طلب الخاتمة الحسنة؛ فيُحسِنون الأعمال، ويُحسِنون الرجاء والظنَّ بالله تعالى، ويُسيئُون الظن بأنفسهم، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: ٢١٨]. ومن صدقَ اللهَ في نيته وعمِل بسنة رسول الله ﷺ واتبع هديَ أصحابه؛ فقد جرَت سنةُ الله تعالى أن يختِمَ له بخيرٍ وأن يجعل عواقِبَ أموره إلى خير، قال الله تعالى: إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف: ٣٠]، وقال تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه: ١١٢]، وقال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة: ١٤٣]. وأسبابُ التوفيق إلى حُسن الخاتمة: النيةُ الصالحة والإخلاص لله والمتابعة لسنة رسول الله ﷺ ؛ لأن النية والإخلاص شرط الأعمال المقبولة. ومن أسباب الخاتمة الحسنة: المحافظةُ على الصلوات جماعةً؛ ففي الحديث: «من صلَّى البردَيْن دخل الجنة»؛ رواه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى. والبرْدان: الفجرُ والعصرُ، وصلاتُه لغيرهما من باب أَوْلى. ومن أسباب التوفيق لحُسن الخاتمة: الإيمان والإصلاح، قال الله تعالى: فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأنعام: ٤٨]. ومن أسباب توفيق الله لحُسن الخاتمة: تقوى الله في السرِّ والعلَن، بامتثال أمره واجتناب نهيِه والدوام على ذلك، قال الله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: ٨٣]. ومن أسباب التوفيق لحُسن الخاتمة: اجتنابُ الكبائر وعظائم الذنوب، قال الله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء: ٣١]. ومن أسباب التوفيق لحُسن الخاتمة: لزوم هدي النبي ﷺ واتباع طريق المهاجرين والأنصار والتابعين ﵃، قال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١]، وقال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ [التوبة: ١٠٠]. ومن أسباب التوفيق لحُسن الخاتمة: البُعد عن ظلم الناس، وعدمُ البغي والعُدوان عليهم في نفسٍ أو مالٍ أو عِرض، قال ﷺ : «المسلم من سلِمَ المسلمون من لسانه ويده، والمُهاجِرُ من هجَرَ ما حرَّم الله». وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «واتقِ دعوةَ المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجابٌ»؛ رواه البخاري. وفي الحديث: «ما من ذنبٍ أسرع من أن يُعجِّل الله عقوبته من البغي وقطيعة الرحِم». ومن أسباب التوفيق لحُسن الخاتمة: الإحسانُ إلى الخلق، قال الله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ٢٧٤]. وصفةُ السخاء وسماحةُ النفس مع الإسلام سببٌ للتوفيق لحُسن الخاتمة، قال ﷺ : «صنائعُ المعروف تقِي مصارِعَ السوء». ومن أسباب حُسن الخاتمة: العافيةُ من البدع؛ فإن ضررَها كبير، وفسادَها خطير، والبدعُ هي التي تُفسِدُ القلوب، وتهدِمُ الدين، وتنقُض الإسلام عروةً عُروة، قال الله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء: ٦٩]. وهؤلاء المُنعَمُ عليهم مُبرَّأون من البدع كلها. ومن أسباب حُسن الخاتمة: الدعاء بذلك للنفس، قال الله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠]، وفي الحديث: «لا يُنجِي حذَرٌ من قدَر، والدعاءُ ينفعُ مما نزل ومما لم ينزل»، ودعاءُ المسلم لأخيه المسلم بحُسن الخاتمة مُستجاب، وفي الحديث: «ما من مُسلمٍ يدعو لأخيه بالغيب إلا قال الملَك: آمين، ولك بمثلِه». فاسعَوا - رحمكم الله - إلى تحصيل أسباب حُسن الخاتمة؛ ليُوفِّقكم الله إلى ذلك، واحذروا أسباب سوء الخاتمة؛ فإن الخاتمة السيئة هي المُصيبة العُظمى، والداهيةُ الكبرى، والكسرُ الذي لا ينجبِر، والخُسران المُبين - والعياذ بالله -، فقد كان السلف الصالح يخافون من سوء الخاتمة أشد الخوف. قال البخاري في "صحيحه": "قال ابن أبي مُلَيْكة: أدركتُ ثلاثين من الصحابة كلهم يخافُ النفاقَ على نفسه". وقال ابن رجب: "وكان سفيان الثوري يشتدُّ قلقه من السوابق والخواتم، فكان يبكي ويقول: أخافُ أن أكون في أمِّ الكتاب شقيًّا، ويبكي ويقول: أخافُ أن أُسلَبَ الإيمان عند الموت". وقال بعض السلف: "ما أبكى العيون ما أبكاها الكتابُ السابق". وقد قيل: "إن قلوب الأبرار مُعلَّقةٌ بالخواتيم يقولون: ماذا يُختَم لنا؟!، وقلوب المُقرَّبين مُعلَّقةٌ بالسوابق يقولون: ماذا سبق لنا؟! ". يقول مالك بن دينار - يقوم طول الليل - ويقول: "رب قد علمتَ ساكنَ الجنة والنار، ففي أي منزلٍ مالك؟! ". وكلام السلف في الخوف من سوء الخاتمة كثير. ومن وفق على أخبار المُحتضَرين عند الموت، وشاهَدَ بعضًا منهم اشتدَّت رغبةُ المسلم في تحصيل أسباب حُسن الخاتمة، ليكون مع هؤلاء المُوفِّقين لحُسن الخاتمة؛ فقد شُوهِد بعضهم وهو يقول: مرحبًا بهذه الوجوه التي ليست بوجوه إنسٍ ولا جان. وشُوهِد من المُحتضَرين من يلهَجُ بـ "لا إله إلا الله"، «ومن كان آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله دخل الجنة». وشُوهِد بعضهم يتلو القرآن، وشُوهِد بعضهم يُقسِّم مسائلَ الفرائض ويتكلَّم في مسائل العلم. وقال بعضهم: لا تخافوا عليَّ؛ فقد بُشِّرتُ بالجنة الساعة. قال بعض أهل العلم: "الخواتيم ميراثُ السوابق". فكونوا - عباد الله - مع المُوفَّقين؛ فمن سلك سبيلَهم حُشِر معهم، والمرءُ مع من أحبَّ، ولا تسلُكوا سُبُل الهالكين المخذولين الذين خُتِم لهم بخاتمة سوءٍ - والعياذ بالله -، فاتبعوا أهواءهم. قال عبد العزيز بن روَّاد: "حضرتُ رجلاً عند الموت يُلقَّنُ: لا إله إلا الله، فقال في آخر ما قال: هو كافرٌ بها، ومات على ذلك - والعياذ بالله -"، قال: "فسألتُ عنه، فإذا هو مُدمنُ خمر". وقيل لآخر عند الموت: قل: لا إله إلا الله، فقال: عشرة بأحد عشر، - وكان مُرابيًا -. وقيل لآخر: اذكر الله، فقال: رضا الغلام فلان أحبُّ إليه من رضا الله، وكان يميلُ إلى الفاحشة اللوطية. وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فقال: يا رُبَّ قائلةٍ يومًا وقد تعِبَت: أين الطريقُ إلى حمام مِنجابِ؟ وكان خدَعَ جارية تريد حمام مِنجاب، فأدخلها دارَه؛ لأنها تُشبِه ذلك الحمام - يريد بها الفاحشة -، فهامَ بها، فغلبَت على عقله. وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فقال: سيجارة سيجارة؛ لأنه كان يشرب الدخان. وأسبابُ سوء الخاتمة كثيرة؛ منها: ترك الفرائض، وارتكاب المُحرَّمات، وترك الجُمَع والجماعات؛ فإن الذنوب ربما غلبَت على الإنسان واستولَت على قلبه بحبِّها، فيأتي الموتُ وهو مُصِرٌّ على المعصية، فيستولي عليه الشيطان عند الموت، وهو في حالة ضعفٍ ودهشةٍ وحيرة، فينطِقُ بما ألِفَه وغلَبَ على حاله، فيُختَم له بسوء الخاتمة. ومن أسباب سوء الخاتمة: البدع التي لم يشرَعها الرسول ﷺ ؛ فالبدعة شُؤمٌ وشرٌّ على صاحبها، وهي أعظم من الكبائر، وفي الحديث: عن النبي ﷺ أنه قال: «يرِدُ عليَّ أناسٌ من أمتي الحوض، أعرفهم فتطردهم الملائكة وتقول: إنك لا تدري ما أحدَثوا بعدك، فأقول: سُحقًا سُحقًا لمن غيَّر بعدي». ومن أسباب سوء الخاتمة: ظلم الناس، والعدوان عليهم في الدم أو المال أو العِرض أو الأرض، وظل النفس بنوعٍ من أنواع الشرك بالله ﵎، قال الله : إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام: ٢١]. ومن أسباب سوء الخاتمة: الزهد في بذل المعروف، وعدم نفع المسلمين، والزهد في الدعاء، فلم يطلب الخير، قال الله تعالى: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧]، وقال تعالى: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ [الأحزاب: ١٩]. ومن أسباب سوء الخاتمة: الرُّكون إلى الدنيا وشهواتها وزُخرفها، وعدم المُبالاة بالآخرة، وتقديمُ محبة الدنيا على محبة الآخرة، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يونس: ٧، ٨]. ومن أسباب سوء الخاتمة: أمراض القلوب؛ من الكبر، والحسد، والحِقد، والغِلّ، والعُجب، واحتقار الناس، والغدر، والخيانة، والمكر، والخِداع، والغِش، وبُغض ما يُحبُّ اللهُ، وحبِّ ما يُبغِضُ اللهُ، قال الله تعالى: وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩]. ومن أسباب سوء الخاتمة: عُقوق الوالدَين وقطيعة الأرحام، قال الله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد: ٢٢، ٢٣]. ومن أسباب سوء الخاتمة: الوصية الظالمة المخالفة للشرع الحنيف، قال الله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [البقرة: ٢٨١]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله مُعِزِّ من أطاعه واتقاه، ومُذِلِّ من خالف أمره وعصاه، أحمد ربي وأشكره على ما أسبغ من نعمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا إله ولا ربَّ سواه، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله اصطفاه مولاه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فاتقوا الله تعالى بلزوم طاعاته، ومُجانبة مُحرَّماته؛ تنجو من عذابه، وتفوزوا بجنَّاته. قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان: ٣٣]. وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده؛ إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها»؛ رواه البخاري ومسلم. فاطلبوا حُسن الخاتمة بالمُداومة على طاعة ربكم والبُعد عن معصيته، فما أعظمها من غاية، وما أجلَّ حُسن الخاتمة من مطلب!! فالاستقامة على الدين ضامنةٌ لحُسن الخِتام، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأحقاف: ١٣]. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]، فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين وإمام المرسلين. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا. اللهم وارضَ عن الصحابة أجمعين، وعن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم وارضَ عنَّا معهم بمنِّك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أذِلَّ الكفر والكافرين، اللهم اقمَع أهل البدع يا رب العالمين، اللهم أذِلَّ أهل البدع إلى يوم الدين يا رب العالمين يا ذا الجلال والإكرام. اللهم انصر دينك، وكتابك، وسنة نبيك، وهدي نبيك يا رب العالمين إلى يوم الدين، إنك على كل شيء قدير. اللهم احقِن دماء المسلمين، اللهم احقِن دماء المسلمين، اللهم احقِن دماء المسلمين في أي مكانٍ يا رب العالمين. اللهم يا ذا الجلال والإكرام ادفع عنا مُضِلاَّت الفتن، اللهم ادفع عنا الغلا والوبا والربا والزنا والزلازل والمِحَن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبِّت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين يا أرحم الراحمين. اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم أعِذنا من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، وأعِذنا من شر كل ذي شرٍّ يا رب العالمين يا أرحم الراحمين. اللهم استعمِلنا في طاعاتك، وجنِّبنا معاصيك يا أرحم الراحمين ويا رب العالمين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم ولاة أمورنا. اللهم وفِّق خادم الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عمله في رِضاك يا رب العالمين، اللهم أعِنْه على كل ما فيه صلاحٌ للإسلام والمسلمين يا رب العالمين، اللهم وانصر به الدين، إنك على كل شيءٍ قدير. اللهم وفِّق نائبَيْه لما تحب وترضى، ولما فيه العِزُّ للإسلام والمسلمين يا رب العالمين، ولما فيه الخير للعباد والبلاد إنك على كل شيء قدير. اللهم يا ذا الجلال والإكرام أصلِح أحوال المسلمين يا رب العالمين، اللهم أصلِح أحوال المسلمين، اللهم اجمعهم وحبِّب إليهم الحق، اللهم اجمعهم على الحق يا رب العالمين، اللهم اجعل قلوبهم مُتآلفةً مُتحابَّة على ما يُرضيك وعلى ما فيه الخير لهم، وعلى كتابك وسنة نبيك محمد ﷺ . اللهم اكفِ المسلمين شر أعداء المسلمين، اللهم اكفِ الإسلامَ شرَّ أعداء الإسلام يا رب العالمين، اللهم اكفِ المسلمين شِرارهم، اللهم اكفِ المسلمين المنافقين، إنك على كل شيءٍ قدير. اللهم يا ذا الجلال والإكرام أسألك أن تتوب علينا جميعًا، وأن تتوب على المسلمين يا أرحم الراحمين، اللهم احفظ أعراض المسلمين، اللهم احفظ دماءَ المسلمين، اللهم احفظ أموال المسلمين يا رب العالمين. اللهم أعِذنا وأعِذ ذرياتنا من إبليس وذريته وشياطينه وجنوده يا رب العالمين، اللهم أعِذ المسلمين يا رب العالمين من إبليس وذريته وشياطينه وجنوده. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: ٩٠، ٩١]. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 18

خطبة المسجد النبوي - ٤ جمادى الأولى ١٤٣٢ - حان وقت التوبة - الشيخ صلاح البدير الخطبة الأولى الحمد لله، الحمد لله مُجزِل العطايا على البرايا إحسانًا وفضلاً وبِرًّا، أحمده وقد لهَجَت الألسُن بحمده شُكرًا وتسبيحًا وذِكرًا، وأشكره وقد أوسع للمُذنبين عفوًا وأجزلَ للطائعين أجرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عبدٍ يرجو العفوَ والسِّترَا، ويخافُ الذنبَ والوِزرَا، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله وصفيُّه وخليلُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاةً تبقى وسلامًا يَترَى. أما بعد، فيا أيها المسلمون: خيرُ العطا: الإيمانُ والتُّقَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أيها المسلمون: المؤمنُ ليس معصومًا من الخطيئة، وليس في منأًى من الهَفوة، وليس في معزلٍ عن الوقوع في الذنب؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده؛ لو لم تُذنِبوا لذهبَ الله بكم ولجاء بقومٍ يُذنِبون فيستغفِرون اللهَ فيغفِرُ لهم»؛ أخرجه مسلم. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل بني آدم خطَّاء، وخيرُ الخطَّائين التوَّابون»؛ أخرجه أحمد. وكم من مُذنبٍ طالَ أرَقُه، واشتدَّ قلقُه، وعظُمَ كمَدُه، واكتوَى كبِدُه، يلفُّه قتارُ المعصية، وتعتصِرُه كآبةُ الخطيئة، يتلمَّسُ نسيمَ رجاء، ويبحثُ عن إشراقة أمل، ويتطلَّعُ إلى صُبحٍ قريب يُشرِقُ بنور التوبة والاستقامة والهداية والإنابة، ليذهب معها اليأسُ والقنوط، وتنجلِيَ بها سحائبُ التعاسة والخوف والهلَع، والتشرُّد والضياعُ. وإن الشعور بوطأة الخطيئة، والإحساس بألم الجريرة، والتوجُّع للعثرة، والندم على سالف المعصية، والتأسُّف على التفريط، والاعتراف بالذنب هو سبيل التصحيح والمُراجعة، وطريقُ العودة والأَوبة، وأما ركن التوبة الأعظم، وشرطُها المُقدَّم فهو: الإقلاعُ عن المعصية، والنُّزوع عن الخطيئة، ولا توبة إلا بفعل المأمور، واجتناب المحظور، والتخلُّص من المظالم، وإبراء الذمَّة من حقوق الآخرين. فادلفوا إلى باب التوبة والإنابة، وتخلَّصوا من كل غَدرة، وأقلِعوا عن كل فَجرة، وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: ٣١]. أيها المسلمون: التوبةُ خضوعٌ وانكسار، وتذلُّل واستغفار، واستقالةٌ واعتذار، وابتعادٌ عن دواعي المعصية، ونوازع الشر، ومجالس الفتنة، وسُبل الفساد، وأصحاب السوء وقرناء الهوى، ومُثيرات الشر في النفوس. التوبةُ صفحةٌ بيضاء، وصفاءٌ ونقاء، وخوفٌ وحياء، ودعاءٌ ونداء، وخشيةٌ وبكاء، وخجلٌ ووَجَل، ورجوعٌ ونُزوع، وإنابةٌ وتدارُك، بابُها مفتوح، وخيرُها ممنوح ما لم تُغرغِر الروح؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء ثم تُبتم لتاب الله عليكم»؛ أخرجه ابن ماجه. وعن أبي ذرٍّ ﵁ عن رسول الله ﷺ : «قال الله تعالى: يا عبادي! إنكم تُخطِئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم»؛ أخرجه مسلم. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لك على ما كان منك ولا أُبالي، يا ابن آدم! لو بلغَت ذنوبُك عنانَ السماء ثم استغفرتني غفرتُ لك، يا ابن آدم! إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا، ثم لقيتَني لا تُشرِك بي شيئًا لأتيتُك بقُرابها مغفرة»؛ أخرجه الترمذي. وعند مسلمٍ: «من تقرَّب مني شِبرًا تقرَّبتُ منه ذِراعًا، ومن تقرَّبَ مني ذِراعًا تقرَّبتُ منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيتُه هرولة، ومن لقيَني بقُراب الأرض خطيئةً لا يُشرِك بي شيئًا لقيتُه بمثلها مغفرة». يا له من فضلٍ عظيم، وعطاءٍ جسيمٍ من ربٍّ كريمٍ وخالقٍ رحيم، أكرمنا بعفوه، وغشّانا بحلمه ومغفرته، وجلَّلنا بسِتره، وفتح لنا باب توبته، يعفو ويصفح، ويتلطَّفُ ويسمح، وبتوبة عبده يفرَح، يبسُط يدَه بالليل ليتوب مُسيءُ النهار، ويبسُطُ يدَه بالنهار ليتوبَ مُسيءُ الليل، حتى تطلُع الشمسُ من مغربها، غافرِ الذنب، وقابلِ التوب، يقبلُ التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ١١٠]. أيها المسلمون: هذه التوبة قد شُرِعت أبوابها، وحلَّ زمانُها، ونزل أوانُها؛ فاقطعوا حبائل التسويف، وهُبُّوا من نومة الرَّدَى، وأفيقوا من رقدة الهوى، وامحوا سوابق العصيان بلواحق الإحسان، وحاذِروا غوائل الشيطان، ولا تغترُّوا بعيشٍ ناعمٍ خضِرٍ لا يدوم، وتوبوا إلى الله تعالى من فاحشات المحارم، وفادِحات الجرائم، وورطة الإصرار. توبوا على الفور، وأحدِثوا توبةً لكل الذنوب التي وقعت، وتوبوا من المعاصي ولو تكررت. أيها المسلمون: إلى من يلجأ المُذنِبون؟ وعلى من يُعوِّلُ المُقصِّرون؟ وإلى أي مهربٍ يهربون؟ والمرجعُ الله يوم المعاد، يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ [غافر: ١٦]، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة: ١٨]، يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر: ٢٣، ٢٤]. فأقبِلوا على الله بتوبةٍ نصوح، وإنابةٍ صادقة، وإرادةٍ جازمة، وقلوبٍ مُنكسِرة، والتائبُ من الذنب كمن لا ذنب له. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله بارئ البريَّات، عالمِ الخفيَّات، أحمده حمدًا بالغًا أمد التمام ومُنتهاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا معبود بحقٍّ سواه، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله وصفيُّه ونجِيُّه ومُرتضاه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه خلفاء الدين وحُلفاء اليقين صلاةً وسلامًا دائمَيْن ممتدَّيْن مُتلازمَيْن إلى يوم الدين. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله؛ فقد نجا من اتقى، وضلَّ من قاده الهوى، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق: ٤]. يا عبد الله: قل لي بربِّك: لأيِّ يومٍ أخَّرتَ توبتك، ولأيِّ زمانٍ ادَّخَرتَ أوبتَك؟! يا عبد الله: إلى متى تُؤخِّر التوبة وما أنت في ذلك بمعذور؟ إلى متى وأنت في الغفلة والسهو والغرور. أيها المسلمون: ليكن يومُكم هذا بداية مولدكم، وانطلاقة رُجوعكم، وإشراق صُبحكم، وتباشير فجركم، ومن لم يتُب الآن فمتى يتوب؟ ومن لم يرجع اليوم فمتى يؤوب؟! جعلني الله وإياكم ممن رجع وتاب، وأقلع وأناب، وكفَّ عن المعاصي المُهلِكة، والذنوب المُوبِقة، وتابَ توبةً صادقة. وصلُّوا وسلِّموا على خير الورى، فمن صلَّى عليه صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا. اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة، أصحاب السنة المُتَّبَعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآل والصحابة أجمعين، والتابعين لهم وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وجُودك وإحسانك يا أرحم الراحمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر الطغاة والظلمة والمُعتدين، ودمِّر الطغاة والظلمة والمُعتدين، ودمِّر الطغاة والظلمة والمُعتدين، وانشر رحمتك على المؤمنين يا أرحم الراحمين. اللهم أدِم على بلاد الحرمين الشريفين أمنَها ورخاءَها، وعِزَّها واستقرارها. اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، وخُذ بناصيته للبرِّ والتقوى، ووفِّقه ونائبَيه لما فيه عِزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم كن لإخواننا المُستضعفين في كل مكانٍ يا أرحم الراحمين، اللهم كن لإخواننا المُستضعفين في كل مكانٍ يا أرحم الراحمين، اللهم احقِن دماءهم، وصُن أعراضهم، واحفظ أموالهم، ورُدَّ الفتن والشرور والحروب عنهم يا أرحم الراحمين. اللهم قاتلِ الكفرة الذين يصدُّون عن سبيلك ويُعادون أولياءك، واجعل عليهم عذابَك ورِجزَك إلهَ الحق يا رب العالمين. اللهم انصر إخواننا في فلسطين على اليهود الغاصبين، اللهم إن اليهود قد طغوا وبغَوا وأسرفوا وأفسَدوا واعتدَوا، اللهم زلزِلِ الأرضَ من تحت أقدامهم، وألقِ الرعبَ في قلوبهم، واجعلهم عبرةً للمُعتبِرين، اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تُحقِّق لهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم عبرةً وآية يا قوي يا عزيز يا رب العالمين. اللهم اشفِ مرضانا، وعافِ مُبتلانا، وفُكَّ أسرانا، وارحم موتانا، وانصرنا على من عادانا برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم مُنَّ على جميع أوطان المسلمين بالأمن والاستقرار، اللهم مُنَّ على جميع أوطان المسلمين بالأمن والاستقرار، اللهم مُنَّ على جميع أوطان المسلمين بالأمن والاستقرار برحمتك يا أرحم الراحمين. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 19

خطبة المسجد النبوي - ١١ جمادى الأولى ١٤٣٢ - وقفات وحقائق من الواقع المعاصر - الشيخ حسين آل الشيخ الخطبة الأولى الحمد لله الذي كتب العِزَّ والتمكين لعباده الطائعين، وجعل الذِّلَّ والصَّغارَ على الكافرين والعاصين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القويُّ المتين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبدُه ورسوله النبيُّ الأمين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فيا أيها الناس: أُوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -؛ فهي الدرعُ الحصين عن الويلات، وهي السببُ المتين إلى الخيرات والصالحات. أيها المؤمنون: إن أعظم نعمةٍ على بلاد الحرمين: قيامُها على الدعوة السلفية، تلك الدعوة التي قام بها الإمامُ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وناصرَه وعاضَدَه الإمامُ محمد بن سُعود ﵀، فقامَت هذه الدولة منذ تلك الدعوة وحتى اليوم على عقيدة التوحيد، ثوابتُها وركائزُها أحكامُ الإسلام الناصِع، فكان من فضل الله أن أوجَدَت هذه الدعوةُ المبارَكة أوجَدَت مجتمعًا متماسكًا مع ولايته، مُتعاونين على الخير، مُتعاضدين على الهدى، مُتلاحِمين على ما يُصلِحُ أحوالًهم دُنيًا وأخرى. نعم؛ إنها بلادٌ - ولله الحمدُ - تعيشُ لُحمةً بين الرعية والراعي، وبين العلماء والقادة لا لشيءٍ، إنما استجابةٌ لقوله - جل وعلا -: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: ٧١]. فهاهي - ولله الحمد - في ظلِّ تعاليم الإسلام تعيشُ آمنةً مُطمئنةً رخاءً سخاءً، في جوٍّ من الحب المُتبادَل بين الحاكم والمحكوم، نسأل الله - جل وعلا - أن يجعلَها وجميعَ بلاد المسلمين ممن قال فيهم نبيُّ الإسلام محمدٌ - عليه أفضل الصلاة والسلام -: «خيرُ أئمتكم: الذين تُحبُّونهم ويُحبُّونكم، وتُصلُّون عليهم ويُصلُّون عليكم». وإننا اليوم والفتنُ تموجُ بالعالم موجًا مما يعرِفُه كلُّ أحد لَواجبٌ علينا وعلى المسلمين جميعًا أن نُذكِّر أنفسَنا بوقفاتٍ نستلهِم من خلالها التذكُّر والتعقُّل: الوقفة الأولى: أن الاستقرار الذي تعيشُه أو يعيشُه أهل هذه البلاد نعمةٌ كُبرى، لكنها لا تدوم إلا بشكر الله - جل وعلا - والوقوف عند حدوده؛ فربُّنا - جل وعلا - يقول: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [النساء: ١٤٧]. الوقفة الثانية: أن أثمن الأشياء في هذه الحياة: الأمنُ بجميع صوره، وهو ما تنعَمُ به هذه البلاد منذ عهد الدعوة المُبارَكة، وهذا إنما هو بفضل الله - جل وعلا -، ثم بتعظيم عقيدة التوحيد الخالص، وتحقيق العقيدة الصحيحة التي جاء بها نبيُّنا محمد ﷺ ، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢]. فالواجبُ إذًا العيشُ فيما يُحقِّق هذه العقيدة، ويحفظُ صفاءَها من الخُرافات والبِدَع، ومن المُوبِقات والقبائح والسيئات. الوقفةُ الثالث: أن التمكين الذي تتبوَّأُ به هذه البلاد، والمكانة البارزة التي تتميَّزُ بها مصدرُه هو ما قامت عليه؛ من ثوابت اتخاذ الشريعة الإسلامية دستورًا ومنهجًا، فلا قوانين وضعية، ولا دساتير بشرية، فالواجبُ إذًا على حُكَّامها ومجتمعِها الحِفاظُ على ذلك بكلِّ غالٍ ورخيصٍ، وعدمُ التفريط في جانبٍ من جوانب هذه الشريعة. الله - جل وعلا - يقول: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: ٤١]. إخوة الإيمان: من الوقفات: أن هذه البلاد منذ عهدٍ الدعوة المُبارَكة ومن أُصولها العظيمة وركائزِها الأساسية: القيامُ بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبهذا حفِظَها الله - جل وعلا - من كل مكروهٍ، وأعَزَّ شأنَها، ودفعَ عنها دوائر السوء، ومصارِع الفتن في كل عصرٍ من عصورها، وزمنٍ من أزمانها. ولا غَرْوَ في ذلك؛ فإن هذه الفريضةَ هي صمامُ الأمان من الشرور، وسفينةُ النجاة من المصائب والمثُلات؛ عن حذيفة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده؛ لتأمُرنُّ بالمعروف، ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو لَيُوشِكنَّ الله أن يبعثَ عليكم عِقابًا منه ثم تدعونه فلا يُستجابُ لكم»؛ الحديثُ حسنٌ بشواهِده. ومن الوقفات - إخوة الإسلام -: أن هذه البلاد لم تُؤسَّس على أحزابٍ سياسية، أو مناهجَ فكرية، إنما قامت على الوحدة الإسلامية التي يجتمع فيها الحاكمُ والمحكومُ تحت أحكام الشريعة الإسلامية، ووقف الأُطُر التي تُوجِبُ لكلٍّ حقوقًا، وتفرِضُ عليه واجباتٍ وفرائض، الكلُّ مرتبطٌ بواجب المسؤولية أمام الله - جل وعلا - في ظل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء: ٥٨]، وقوله ﷺ : «كلُّكم راعٍ وكلٌّ مسؤولٌ عن رعيَّته». المرَدُّ عند التنازُع إلى الأصلَين العظيمين: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: ٥٩]، في إطار الرجوع إلى العلماء الربانيين، والأئمة المُصلِحين؛ استجابةً لربنا - جل وعلا -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩]. وهذا كلُّه هو سرُّ عِزِّ هذه البلاد، وتجاوُزها كل محنةٍ وبلاءٍ؛ إذ أننا حينما ننظر إلى هذه الأحزاب المتعدِّدة نجِدُ أنها ما جرَّتْ إلا السوءَ والشرَّ، وما زادَت أهلَها إلا تفرُّقًا واختلافًا وضعفًا، وربُّنا - جل وعلا - يقول: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: ٤٦]. آخر الوقفات - أيها الأحباب -: أن هذه البلاد قامت أنظمتها على احترام المرأة وإكرامها، ورفع شأنها وإعزازها؛ انطلاقًا من الأحكام القرآنية والتوجيهات النبوية، حتى تبوَّأَت المرأةُ بسبب ذلك المكانةَ المرموقة والمنزلةَ العالية في إطارٍ يحرِصُ كل الحرصِ على عِفَّتها وصيانتِها، فلا مجالَ في هذه البلاد لدعوةٍ تهدِفُ السُّفور، ولا مكان لمُناداةٍ تقصِدُ الانحرافَ والشرور. فتلكم من ثوابت هذه البلاد التي لا يقبلُ حُكَّامُها ولا شعبُها في ذلك تنازلاً، ولا يقبَلون مُساومةً ولا جدلاً. إخوة الإسلام: إننا متى تمسَّكنا بثوابتنا وأُصولنا، وحفِظنا أوامر الله - جل وعلا -، فسيتحقَّق لنا ما نصبُوا إليه من الخيرات التي لا تتناهَى، والمصالح التي لا تُحصَى، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النور: ٥٦]. ورسولُنا ﷺ يقول: «احفظ الله يحفظك». بارك الله لنا في الوحيَيْن، وجعلنا لهما من المُتَّبعين المُهتدين، أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله العالمين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله إمامُ المرسلين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أيها المؤمنون: إنما مرَّ ويمرُّ بأمتنا الإسلامية من فتنٍ ومحنٍ وبلايا يجبُ أن يُذكِّرَنا ببعض الحقائق، ومنها: أن الملكَ لله وحده، يُعِزُّ من يشاء، ويُذِلُّ من يشاء، فيجبُ الاستنصارُ به وحده، وتحقيقُ الخوف منه - عزَّ شأنه -؛ فمن خافَ اللهَ أخافَ الله من الأعداء ونصرَه وقت ضعفه، وكان معه في كل شأنه، قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: ٢٦]. فهو - سبحانه - الملاذُ الحصينُ الأمين، وهو الوليُّ القويُّ المتين، فالعاقبةُ الحسنةُ للمتقين، والمردُّ المُخزِي للظالمين، قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: ١٢٨]. ومن الحقائق التي يجبُ أن نستلهِمَها من الوقائع المُعاصِرة: أن عاقبةَ الظلم وخيمة وعاقبة العدل كريمة، وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١٠٢]. ومن الحقائق أيضًا: أن أعظم جنايةٍ وأكبر جُرْمٍ: التورُّط في إراقة دماء المسلمين، وإزهاقِ أنفس المؤمنين لا لشيءٍ إلا لدنيا حقيرةٍ زائلةٍ، وتلميذُ مدرسة رسول الله ﷺ عبدُ الله بن عمر يقول: "إن من ورَطَات الأمور التي لا مخرجَ منها: إراقة الدماء". فاللهم سلِّم المسلمين من الشرور والفتن. إن أعظم القُربات إلى الله - جل وعلا -: الإكثار من الصلاة والتسليم على النبي الكريم. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيدنا وحبيبنا ونبينا محمد، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الآل والصحابة أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. اللهم إنا نسألك أن تُحقِّق الأمن والأمان للمسلمين في كل مكان، اللهم حقِّق الأمن والأمان للمؤمنين، اللهم حقِّق الأمن والأمان للمسلمين في كل مكان، اللهم احفظ دماء المسلمين واحقِن دماءَهم، اللهم احفظ واحقِن دماءَ المسلمين في ليبيا، وفي سوريا، وفي مصر، وفي البحرين، وفي كل مكانٍ يا رب العالمين، وفي اليمن، اللهم احفظهم بحفظك، اللهم اجمع كلمتَهم على الحق والتقوى. اللهم ولِّ على المسلمين خِيارَهم، اللهم ولِّ على المسلمين خِيارَهم، اللهم ولِّ على المسلمين خِيارَهم، اللهم ولِّ على المسلمين خِيارَهم، اللهم واكفِهم شِرارَهم، اللهم واكفِهم شِرارَهم، اللهم واكفِهم شِرارَهم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اجعل جميعَ المسلمين في الرخاء والسخاء، اللهم اجعل المسلمين في كل مكانٍ في الرخاء والسخاء، اللهم بدِّل أحوالهم إلى الصلاح، اللهم بدِّل أحوالهم إلى الصلاح، اللهم اجعل هذه الفتن والمِحَن صلاحًا عليهم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أصلِح أحوالنا وأحوالهم، اللهم أصِح أحوالنا وأحوالهم، اللهم أصلِح أحوالنا وأحوالهم، اللهم رُدَّنا ورُدَّهم إلى الدين، اللهم رُدَّنا ورُدَّهم إلى سيرة سيد الأنبياء والمرسلين. اللهم أظهِر أنوار السنة في كل مكان، اللهم أظهِر أنوار السنة في كل مكان، اللهم أظهِر أنوار السنة في كل مكان، اللهم انصر من نصر سنة سيد الأنبياء والمرسلين، اللهم انصر من نصر سنة سيد الأنبياء والمرسلين، اللهم انصر من نصر سنة سيد الأنبياء والمرسلين - عليه أفضل الصلاة والتسليم -. اللهم وفِّق عبدكَ خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّه وترضاه، اللهم اجعله سببًا لجمع كلمة المسلمين على الخير والهدى والتقوى يا رب العالمين، اللهم وفِّقه ونائبَيْه لكل ما يُحقِّقُ مرضاتَك يا رب العالمين. اللهم احفظنا في هذه البلاد وفي جميع بلدان المسلمين، اللهم احفظنا من الشرور والويلات، اللهم إنا نعوذ بك من مُضِلاَّت الفتن، اللهم إنا نعوذ بك من مُضِلاَّت الفتن، اللهم إنا نعوذ بك من مُضِلاَّت الفتن. اللهم عليك بأعداء المسلمين، اللهم عليك بالمُتربِّصين، اللهم عليك بالمُتربِّصين بأهل التوحيد والإيمان، اللهم عليك بالمُتربِّصين بأهل الإيمان والتوحيد يا رب العالمين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم خالِف بين كلمتهم، اللهم اجعل الذِّلَّ والصَّغارَ عليهم يا حي يا قيوم. اللهم عليك باليهود الغاصبين، اللهم احفظ دماءَ المسلمين في فلسطين، اللهم احفظ إخواننا في فلسطين، وفي أفغانستان، وفي العراق يا ذا الجلال والإكرام. اللهم إنك غنيٌّ حميد، اللهم إنك غنيٌّ حميد، اللهم إنا بحاجةٍ إلى الماء والمطر، اللهم فاسقِنا، اللهم فاسقِنا، اللهم فاسقِنا، اللهم إنا بحاجةٍ إلى فضلك فلا تمنع عنا رحمتَك، اللهم لا تمنع عنا رحمتَك، اللهم لا تمنع عنا رحمتَك يا ذا الجلال والإكرام. عباد الله: اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، وسبِّحُوه بُكرةً وأصيلاً. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 20

خطبة المسجد النبوي - ١٨ جمادى الأولى ١٤٣٢ - دلائل قدرة الله تعالى وعظمته - الشيخ عبد المحسن القاسم الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى. أيها المسلمون: أوجَد الله العبادَ من العدَم وأمدَّهم بالنعم، وكشفَ عنهم الكروب والخُطوب، والفِطَرُ السليمةُ تحبُّ من أنعمَ وأحسنَ إليها، وحاجةُ النفوس إلى معرفة ربها أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب والنَّفَس، ولا سعادة في الدنيا والآخرة إلا بمعرفة الله ومحبته وعبادته، وأعرفُ الناس به أشدُّهم له تعظيمًا وإيمانًا، وعبوديةُ القلب أعظمُ من عبودية الجوارح وأكثرُ وأدوَم، فهي واجبةٌ في كل وقت، وأعمالُ الجوارح لإصلاح القلب وتعظيم الله. قال ابن القيم ﵀: "والله يُنزِل العبدَ من نفسه حيثُ يُنزِلُه العبدُ من نفسه، وإذا عرفَ المخلوقُ ربَّه اطمأنَّت إليه نفسُه وسكنَ إليه قلبُه، ومن كان بالله وصفاته أعلمَ كان توكُّله أصحَّ وأقوى، وكان منه أخوَف". وأكملُ الناس عبوديةً: المُعظِّمُ لله المُتعبِّدُ له بجميع أسمائه وصفاته، والله - سبحانه - له من الأسماء أحسنُها، وأسماؤه مدحٌ وتمجيد، وله من الصفات أكملُها وأعلاها، وصفاتُه صفاتُ كمال. كان النبي ﷺ يقول في رُكوعه: «سبحان ذي الجبروت والملَكوت والكبرياء والعَظَمة»؛ رواه النسائي. له الكمالُ المُطلقُ في كل شيء؛ كان النبي ﷺ يقول: «لا أُحصِي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك»؛ رواه مسلم. وجميعُ من في السماوات ومن في الأرض يُنزِّهون الله عن كل عيبٍ ونقصٍ، قال - سبحانه -: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [الحشر: ١]، وكلُّهم يسجُد له؛ قال : وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [آل عمران: ٨٣]. له الخلقُ والأمرُ وحده، أتقنَ ما صنَعَ وأبدَعَ ما خلق، وقدَّر مقادير الخلائق بل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، والحكمُ حكمُه ولا يشرَكه في ذلك أحد، لا رادَّ لقضائه، ولا مُعقِّب لحكمه، حيٌّ لا يموت، جميعُ الخلق تحت قهره وقبضته، يُميتُهم ويُحييهم، ويُضحِكُهم ويُبكِيهم، ويُغنيهم ويُفقِرُهم، ويُصوِّرُهم في الأرحام كيف يشاء، مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا [هود: ٥٦]، يُدبِّرُها كيف شاء، وقلوبُ العباد بين أُصبعَيْه يُقلِّبُها كيف شاء، ونواصيهم بيده، وأزِمَّةُ الأمور معقودةٌ بقضائه وقدَره، لا يُنازِعُه مُنازِع، ولا يغلِبُه غالب. لو أن الأمةَ اجتمعت على لتضرَّ أحدًا والله لم يكتب ذلك لم يضُرَّه أحد، ولو اجتمعوا على نفعه والله لم يُرِد ذلك لم ينفعه أحد. لا رادَّ لعذابه إن نزل، ولا رافع له إن حلَّ سواه، يخلق ما يشاء ويفعل ما يُريد، لا يُسأل عما يفعل والخلقُ يُسألون، قائمٌ بنفسه مُستغنٍ عن خلقه، ومُهيمنٌ عليهم جميعًا، مفاتيحُ الغيب عنده لا يعلمُها إلا هو، وأخفَى علمَها حتى عن الملائكة، فلا يعلمون من سيموت غدًا، أو ما سيحدث في الكون قبل أن يكون. ملكٌ يُدبِّر أمرَ عباده، يأمرُ وينهَى، ويُعطِي ويمنع، ويخفِضُ ويرفع، أوامرُه مُتعاقبةٌ على تعاقُب الأوقات، نافذةٌ بحسب إرادته ومشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: ٢٩]. ومن جملة شؤونه: أن يُفرِّج كربًا، ويجبِر كسيرًا، ويُغنِي فقيرًا، ويُجيبَ دعوةً، قال عن نفسه: وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ [المؤمنون: ١٧]. علمُه وسِعَ كل شيء، يعلمُ ما كان وما يكون وما لم يكن، لا تتحرَّك ذرَّةٌ فما فوقها إلا بإذنه، ولا تسقط ورقةٌ إلا بعلمه، لا تخفى عنده خافية، استوى عنده السرُّ والعلانية، قال - سبحانه -: سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [الرعد: ١٠]. يسمعُ أصواتَ المخلوقين وهو على عرشه، قالت عائشة ﵂: الحمدُ لله الذي وسِعَ سمعُه الأصوات، قالت: لقد جاءت المُجادِلةُ إلى النبي ﷺ تُكلِّمُه وأنا في ناحية البيت ما أسمعُ ما تقول، فأنزلَ اللهُ: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة: ١]. وأفعالُ العباد في ظُلمة الليل البَهيم لا تخفى عليه، قال - جل شأنه -: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء: ٢١٨، ٢١٩]، يرى وهو فوق سماواته دبيبَ النملة السوداء، على الصخرة الصمَّاء، في الليلة الظلماء. خزائنُه ملأى في السماوات والأرض، ويَداه مبسوطتان بالسخاء، سحَّاءُ الليل والنهار يُنفِقُ كيف يشاء، كثيرُ العطاء واسعُ الجُود، يُعطِي قبل السؤال وبعده، وينزل إلى السماء الدنيا كل ليلةٍ في الثُّلث الأخير من الليل ويقول: «من يسألني فأُعطيَه»، ومن لم يسأله يغضَب عليه. وأبوابُ عطائه فتحَها لخلقه فسخَّر بحارًا وأجرى أنهارًا وأدرَّ أرزاقًا، ساق للخلق أرزاقهم؛ فرزَقَ النملة في قرار الأرض، والطيرَ في الهواء، والحيتان في الماء، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود: ٦]، ورزقُه وسِع الجميع؛ فساق إلى الجنين رزقَه وهو في رحِمِ أمه، وإلى الجلْد القوي في مُلكه، كريمٌ يحبُّ العطاء والكرم، إذا سُئِل أعطى، وإذا رُفِعت إلى غيره حاجة لا يرضى، وكل خيرٍ فهو منه، وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: ٥٣]. رِزقه لا ينفَد، قال ﵊: «أرأيتم ما أنفق مُنذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغِض ما في يمينه»؛ رواه مسلم. ولو سأله العبادُ جميعًا فأعطاهم ما سألوه لم ينقص ذلك من مُلكه شيئًا، قال النبي ﷺ : «قال الله : يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيتُ كلَّ إنسانٍ مسألتَه ما نقصَ ذلك مما عندي إلا كما ينقص المِخيَط إذا أُدخِل البحر»؛ رواه مسلم. والثوابُ على العمل يُضاعِفُه، الحسنةُ عنده بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضِعفٍ إلى أضعافٍ كثيرة، والقليلُ من زمن الطاعة يُكثِّره؛ فليلةُ القدر خيرٌ من ألف شهر، وصيامُ ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ كصيام الدهر، وإذا أنفق العبدُ مالاً ابتغاءَ وجهه ردَّه له أضعافًا مُضاعفة. ويزيدُ في السخاء فوق المُنَى، فأعطى أهل الجنة فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أُذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وإذا ترك العبدُ شيئًا من أجله عوَّضه خيرًا منه. غنيٌّ عن جميع خلقه، وكل شيءٍ مُفتقِرٌ إليه، يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: ١٥]، لا يبلغُ العبادُ نفعَه فينفعوه، ولا ضُرَّه فيضرُّوه، عليٌّ كبير، الكرسيُّ موضع قدمَيْه - سبحانه -، وقد وسِعَ الكرسيُّ السماوات والأرض، والسماوات السبع في الكرسي كدراهم سبعةٍ أُلقِيَت في تُرسٍ، والكرسيُّ في العرش كحلقةٍ من حديدٍ أُلقِيت بين ظهرَيْ فلاةٍ من الأرض، وعرشُه أعظم مخلوقاته، وتحت العرش بحرٌ ويحملُ العرشَ ملائكةٌ ما بين شحمة أُذن أحدهم إلى عاتقه مسيرةُ سبعمائة عامٍ. وربُّنا مُستوٍ على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته، وهو مُستغنٍ عن العرش وما دونه، مُحيطٌ بكل شيء، ولا يُحيطُ به شيءٌ، ويُدرِكُ الأبصارَ والأبصارُ لا تُدرِكُه، وقدرتُه شملَت جميع مخلوقاته، وهي ضعيفةٌ عنده وإن كبُرت في أعين المخلوقين؛ فالسماوات يطويها - سبحانه - يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: «أنا الملكُ، أين الجبارون؟ أين المُتكبِّرون؟»، ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: «أين الجبارون؟ أين المُتكبِّرون؟»؛ رواه مسلم. ويجعل السماوات يوم القيامة على أُصبع، والأرضين على أُصبع، والجبال والشجر على أُصبع، والماء والثَّرى على أُصبع، والخلائق على أُصبع، ثم يهزُّهنَّ ثم يقول: «أنا الملكُ، أنا الملكُ»؛ متفق عليه. وإذا تكلَّم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة وصعِق أهلُ السماء، وأول من يفيقُ جبريل، والسماوات تخشاه، قال : تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ [الشورى: ٥]. قال الضحاك ﵀: "أي: تكاد السماوات يتشقَّقن فرَقًا من عظمة الله"؛ أي: خوفًا منه. قيُّومٌ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، «يخفِضُ القسطَ ويرفعُه، يُرفَع إليه عملُ الليل قبل عمل النهار، وعملُ النهار قبل عمل الليل، حِجابُه النور، لو كشفَه لأحرَقَت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصرُه من خلقه»؛ رواه مسلم. الأمرُ يُدبِّره من السماء إلى الأرض ثم يعرُجُ إليه، وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ [لقمان: ٢٧] أي: يُكتَبُ بها وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ بمدادٍ، وسبعةُ أبحرٍ تمُدُّه أيضًا مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ. قويٌّ لا يُعجِزُه شيء، إذا أراد شيئًا قال له: كن، فيكون، وأمرُه كلمحِ البصر بل هو أقرب، وله جنودٌ لا يعلمها أحدٌ سواه، قلَبَ قُرى قوم لوطٍ وجعل عاليَها سافلَها، ولما امتنع بنو إسرائيل عن قبول ما في التوراة رفع جبلاً فوق رؤوسهم كأنه ظُلَّةٌ وظنُّوا أنه واقعٌ بهم، وتجلَّى - سبحانه - لجبلٍ فجعله دكًّا، ولما رأى موسى ذلك خرَّ صعِقًا. والأرضُ إذا انقضى الدهرُ يرُجُّها رجًّا، ويدُكُّها دكًّا، وينسِفُ الجبالَ نسفًا، وبنفخةٍ واحدةٍ في الصور ينفُخ فيه إسرافيل يفزعُ الخلق، وبنفخةٍ أخرى يُصعَقون، وبثالثةٍ يقومون للحشر. وإذا نزل - سبحانه - لفصل القضاء تشقَّقَت السماءُ لنزوله تعظيمًا له وخشية، والله - سبحانه - فوق ما يصِفُه الواصِفون ويمدحُه المادِحون، لا نِدَّ له ولا نظير، ولا شبيهَ له ولا مثيل، عرفَ الرسلُ ربَّهم فأكثَروا له التذلُّل والتعبُّد والخضوع، فكان داود ﵇ يصوم يومًا ويُفطِر يومًا، ونبيُّنا محمد ﷺ يقوم الليل حتى تتفطَّر قدماه، وإبراهيمُ أوَّاهٌ لربه مُنيب، ومن سلك غيرَ نهج الأنبياء فقد ضلَّ سواء السبيل. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر: ٦٧]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا. أيها المسلمون: لا أحد أحبُّ إليه المدحَ من الله، ولذلك أثنى على نفسه، وأصلُ التفاضُل بين الناس إنما هو بمعرفة الله ومحبته والثناء عليه، ومن عرفَ اللهَ وقلبُه سليمٌ أحبَّه وعظَّمه، وكلما ازداد له معرفةً ازداد له طاعة، والذنوب تُضعِفُ تعظيمَ الله ووقاره، ولو تمكَّن وقارُ الله وعظمتُه في قلب العبد ما تجرَّأ أحدٌ على معاصيه، وكل معصيةٍ فمن الجهل بالله، وإجلالُ الله يعظُم بالطاعات. وأعظمُ عبادة يتقرَّبُ بها العبدُ من ربه هي إفراده بالعبادة، فلا يسأل إلا هو، ولا يستغيثُ إلا به، ولا تُصرفُ أيُّ عبادةٍ إلا له وحده، ومن عبدَ مع الله غيرَه فما قدَرَ اللهَ حقَّ قدره، وظلمَ نفسَه بالوقوع في الشرك، ومن هداه الله لتعظيم الرب وإفراده بالعبادة وجبَ عليه أن يدعو غيرَه إلى توحيد الله وتعظيمه. ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه، فقال في محكم التنزيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا [الأحزاب: ٥٦]. اللهم صلِّ وسلِّم على نبينا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدِلون: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنَّا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمنًا مُطمئنًّا رخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم احقِن دماءهم، ورُدَّهم إليك ردًّا جميلاً، واصرِف عنهم الفتن ما ظهر منها وما بطَن يا ذا الجلال والإكرام. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣]. اللهم وفِّق إمامنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، ووفِّق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وتحكيم شرعك يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 21

خطبة المسجد النبوي - ٢٥ جمادى الأولى ١٤٣٢ - التوبة وفضائلها - الشيخ علي الحذيفي الخطبة الأولى الحمد لله التواب الرحيم، الحليم العليم، أحمد ربي وأشكره على فضله العميم، وأشهد أن لا إله إلا الله العليُّ العظيم، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله الموصوف بكل خُلُقٍ كريم، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ذوي المنهج القويم. أما بعد: فاتقوا الله - معشر المسلمين - حق التقوى؛ فتقوى الله الجليل عُدَّةٌ لكل شِدَّة، وحِصنٌ أمينٌ لمن دخل، وجُنَّةٌ من عذاب الله. واعلموا - عباد الله - أن ربكم خلق بني آدم مُعرَّضًا للخطيئات، مُعرَّضًا للتقصير في الواجبات، فضاعَفَ له الحسنات، ولم يُضاعِف عليه السيئات، قال الله تعالى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [الأنعام: ١٦٠]. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله كتب الحسنات والسيئات؛ فمن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبها الله عنده حسنةً كاملة، فإن عمِلَها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضِعف إلى أضعافٍ كثيرة، فإن همَّ بسيئةٍ فلم يعملها كتبها حسنةً كاملة، فإن عمِلَها كتبها الله عنده سيئةً واحدةً»؛ رواه البخاري. فشرع الله لكسب الحسنات طرقًا للخيرات، وفرائض مُكفِّراتٍ للسيئات، رافعةً للدرجات؛ عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «الصلواتُ الخمس، والجُمعة إلى الجُمعة، ورمضانُ إلى رمضان: مُكفِّراتٌ لما بينهن إذا اجتُنِبَت الكبائر»؛ رواه مسلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أربعون خَصلة أعلاها مَنِيحةُ العَنز، ما من عاملٍ يعمل بخصلةٍ منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة»؛ رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الإيمان بِضعٌ وسبعون - أو بِضعٌ وستون - شُعبة، أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياءُ شُعبةٌ من الإيمان»؛ رواه البخاري ومسلم. وعن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قلتُ: يا رسول الله! أيُّ العمل أفضل؟ قال: «الإيمانُ بالله، والجهادُ في سبيله»، قلتُ: أيُّ الرقاب أفضل؟ قال: «أنفَسُها عند أهلها، وأكثرُها ثمنًا»، قلتُ: فإن لم أفعل! قال: «تُعينُ صانعًا، أو تصنع لأخرق»، قلتُ: يا رسول الله! أرأيتَ إن ضعُفتُ عن بعض العمل! قال: «تكُفُّ شرَّك عن الناس؛ فإنها صدقةٌ منك على نفسك»؛ رواه البخاري ومسلم. وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحقِرَنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقَ أخاكَ بوجهٍ طليق»؛ رواه مسلم. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليرضَى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمَده عليها، أو يشرب الشربَة فيحمده عليها»؛ رواه مسلم. وكما شرع الله كثرةَ أبواب الخير وأسباب الحسنات؛ سدَّ أبواب الشرور والمُحرَّمات، وحرَّم وسائل المعاصي والسيئات؛ ليثقُل ميزانُ البِرِّ والخير، ويخِفَّ ميزانُ الإثم والشر، فيكون العبدُ من الفائزين المُفلِحين، قال الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٣]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «ما نهيتُكم عنه فاجتنِبوه، وما أمرتُكم به فأْتوا منه ما استطعتم»؛ رواه البخاري ومسلم. وجِماعُ الخير ومِلاكُ الأمر وسببُ السعادة: التوبة إلى الله، قال الله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: ٣١]. ومعنى التوبة: هي الرجوع إلى الله والإنابةُ إليه من فعل المُحرَّم والإثم، أو من ترك واجبٍ، أو تقصيرٍ فيه، بصدق القلب وندمٍ على ما كان. والتوبةُ النَّصوح يحفظُ الله بها الأعمالَ الصالحة التي فعلها العبد، ويُكفِّرُ الله بها المعاصي التي وقعت، ويدفع الله بها العقوبات النازلة والآتية، قال الله تعالى: فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [يونس: ٩٨]. روى ابن جرير ﵀ في تفسير هذه الآية عن قتادة قال: "لم ينفع قرية كفَرَت ثم آمنت حين حضرها العذاب، فتُرِكَت إلا قوم يونس لما فقدوا نبيَّهم وظنُّوا أن العذاب قد دنا منهم قذَفَ الله في قلوبهم التوبة، ولبِسُوا المسُوح، وألهَوا بين كل بهيمةٍ وولدها - أي: فرَّقوا بينهما -، ثم عجُّوا إلى الله أربعين ليلة، فلما عرف الله الصدقَ من قلوبهم، والتوبةَ والندامةَ على ما مضى منهم، كشف الله عنهم العذاب بعد أن تدلَّى عليهم". اهـ. وقال تعالى: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ [هود: ٣]. والتوبةُ واجبةٌ على كل أحدٍ من المسلمين؛ فالواقعُ في كبيرةٍ تجبُ عليه التوبة لئلا يبغَتَه الموت وهو على المعصية، والواقعُ في صغيرة تجبُ عليه التوبة؛ لأن الإصرار على الصغيرة يكون من كبائر الذنوب، والمُؤدِّي للواجبات التاركُ للمُحرَّمات تجبُ عليه التوبةُ أيضًا؛ لما يلحَقُ العمل ولما يجبُ له من الشروط، ولما يلزمُ من انتفاء موانع قبوله، وما يُخشَى على العمل من الشوائب التي قد تُداخِلُه التي حذَّر منها النبي ﷺ . عن الأغَرِّ بن يسارٍ المُزنِيّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه؛ فإني أتوب في اليوم مائةَ مرة»؛ رواه مسلم. والتوبةُ بابٌ عظيمٌ يتحقَّقُ به الحسناتُ العظيمة الكثيرة التي يحبُّها الله؛ لأن العبد إذا أحدثَ لكل ذنبٍ يقع فيه توبةً كثُرت حسناتُه، ونقصت سيئاتُه، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. أيها المسلمون: تذكَّروا سَعة رحمة الله، وعظيمَ فضله وحِلمه وجُوده وكرمه؛ حيث قبِلَ توبةَ التائبين، وأقالَ عثرةَ المُذنبين، ورحِمَ ضعفَ هذا الإنسان المسكين، وأثابَه على التوبة، وفتح له أبواب الطهارة والخيرات؛ عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى يبسُط يدَه بالليل ليتوب مُسيءُ النهار، ويبسُط يدَه بالنهار ليتوبَ مُسيءُ الليل»؛ رواه البخاري ومسلم. والتوبةُ من أعظم العبادات وأحبِّها إلى الله تعالى، من اتَّصَف بها تحقَّق فلاحُه، وظهر في الأمور نجاحُه، قال الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ [القصص: ٦٧]. وكفى بفضل التوبة شرفًا فرحُ الرب بها فرحًا شديدًا؛ عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَلهُ أشدُّ فرحًا بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضلَّه وعليه متاعُه في أرضٍ فلاة»؛ رواه البخاري ومسلم. والتوبةُ من صفات النبيين - عليهم الصلاة والسلام - والمؤمنين؛ قال الله تعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١١٧]، وقال تعالى عن موسى ﵊: قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف: ١٤٣]، وقال تعالى عن داود ﵇: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ١٧]- أي: كثير التوبة -، وقال تعالى: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ١١٢]. ألا ما أجلَّ صفة التوبة التي بدأ الله بها هذه الصفات المُثلَى من صفات الإيمان، والتوبةُ عبادةٌ لله بالجوارح والقلب، واليوم الذي يتوب الله فيه على العبد خيرُ أيام العُمر، والساعةُ التي يفتحُ فيها لعبده بابَ التوبة ويرحمه بها أفضلُ ساعات الدهر؛ لأنه قد سعِدَ سعادةً لا يشقى بعدها أبدًا؛ عن كعب بن مالك ﵁ في قصة توبة الله عليه في تخلُّفه عن غزوة تبوك، أنه قال: فلما سلَّمتُ على رسول الله ﷺ قال - وهو يبرُقُ وجهُه من السرور -: «أبشِر بخير يومٍ مرَّ عليك مُنذ ولدَتْك أمُّك»؛ رواه البخاري ومسلم. معشر المسلمين: إنها تُحيطُ بكم أخطارٌ عظيمة، وتُنذِرُكم خُطوبٌ جسيمة، وقد نزل بالمسلمين نوازل وزلازل وأصابتهم الفتن، وأصابتهم المِحَن، واشتدَّت عليهم الكُرُبات، وضاقَت عليهم الأمور، فصار بأسُهم بينهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وإنه لا مخرج لهم من هذه المضائق وهذه الكُربات وهذه الشدائد وهذه الفتن المُظلمة المُدلهِمَّة، لا نجاة لهم إلا بالتوبة إلى الله، والإنابةِ إليه. وإنه قد رأى المسلمون في تجاربهم الماضية مما نزل بهم من الكُرُبات والمضائق والشدائد رأوا بتجربتهم وأعيُنهم أن ملاذهم وأن نجاتهم هي بالتوبة والرجوع إلى الله، والتمسُّك بدين الله ﵎؛ فإنه الذي يضمن كلَّ خير، ويدفعُ كلَّ شر. فالتوبةُ واجبةٌ على كل مسلم على وجه الأرض من الذنوب صِغارها وكِبارها؛ ليرحمنا الله في الدنيا والآخرة، ويكشِف الشرور والكُرُبات، ويقيَنا عذابَه الأليم وبطشَه الشديد. قال أهل العلم: "إذا كانت المعصيةُ بين العبد وربِّه لا حقَّ لآدميٍّ فيها؛ فشروطها أن يُقلِع عن المعصية، وأن يندم على فعلها، وأن يعزِم على ألا يعودَ إليها، وإن كانت المعصيةُ تتعلَّق بحقِّ آدميٍّ؛ فلا بُدَّ مع هذه الشروط أن يُؤدِّي إليه حقَّه، أو يستحِلَّه منه بالعفو والمُسامَحة". والتوبةُ من جميع الذنوب واجبة، وإن تابَ من بعض الذنوب صحَّت توبتُه من ذلك الذنب وبقيَ عليه ما لم يتُب منه، فتوبوا إلى الله - أيها المسلمون -، وأقبِلوا إلى ربٍّ كريم أسبغ عليكم نِعَمه الظاهرة والباطنة، وآتاكم من كلِّ ما سألتموه، ومدَّ في آجالكم، وتذكَّروا قصص التائبين المُنيبين الذين منَّ الله عليهم بالتوبة النَّصُوح بعد أن غرِقوا في بحار الشهوات والشُّبُهات، فانجلَت غِشاوةُ بصائرهم، وحيَت قلوبُهم، واستنارَت نفوسهم، وأيقظَهم الله من موت الغفلة، وبصَّرهم من عمى الغيِّ وظُلمات المعاصي، وأسعدَهم من شقاء المُوبِقات؛ فصاروا مولودين من جديد، مُستبشرين بنعمةٍ من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوءٌ واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضلٍ عظيم. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم: ٨]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله ذي الجبَروت والملَكوت، الحي الذي لا يموت، أحمد ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يُحيِي ويُميت، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله بعثَه الله بالهُدى ودين الحقِّ ليُظهِرَه على الدين كله ولو كرِهَ المُشرِكون، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه الذين جاهدوا في الله حقَّ جهاده؛ ففازوا في دُنياهم بالخيرات وفي آخرتهم برفيع الدرجات. أما بعد: فاتقوا الله بلزوم طاعاته، واخشَوا عذابَه وعقوبته بالبُعد عن مُحرَّماته. عباد الله: لقد وهبَ الله لكم الآجال، ومكَّنكم من صالح الأعمال؛ لتجعلوها وسيلةً إلى مرضاتِ ربكم ذي العزة والجلال، فبالعمل الصالح يتقرَّبُ العباد، وبه تتطهَّرُ القلوب من الغيِّ والفساد، قال الله تعالى: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [سبأ: ٣٧]. واعلموا أن وراءكم طالبًا حثيثًا لن تفوتوه، فلا تدرون متى يفجأ أحدَكم الموت، عندئذٍ يتمنَّى المرءُ لو فُسِح له في أجله، وأصلَح من عمله، فلا يُؤخَّرُ في الأجل، ولا يتمكَّنُ من صالح العمل، قال الله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠]. وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: «الكَيِّسُ من دانَ نفسَه وعمِلَ لما بعد الموت، والعاجزُ من أتبَعَ نفسَه هواها وتمنَّى على الله الأمانيّ». أيها الإنسان: تذكَّر من بينك وبين أبينا آدم ﵇ من الآباء والأمهات الذين قدِموا على أعمالهم، فأنتم على آثارهم سائرون، وبهم لاحِقون؛ فهل ترون من الأجيال الخالية أحدًا، أو تسمعون لأصواتهم صَدًى؟! يقول النبي ﷺ : «اذكروا هادم اللذَّات - يعني: الموت -». واستعِدُّوا له بالتوبة الصدقة في كل وقت لئلا يُحالَ بين أحدكم وبين الدنيا بعملٍ سيئٍ يشقَى به. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]، فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين وإمام المرسلين. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا. اللهم وارضَ عن الصحابة أجمعين، وعن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين الذين قضَوا بالحق وبه كانوا يعدِلون: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم وارضَ عنَّا معهم بمنِّك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين يا رب العالمين، ودمِّر أعداءك أعداء الدين. اللهم ألِّف بين قلوب المسلمين، اللهم ألِّف بين قلوب المسلمين، وأصلِح ذات بينهم يا رب العالمين، اللهم اجمعهم على الحق يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين. اللهم فقِّهنا والمسلمين في الدين إنك على كل شيء قدير، اللهم تُب علينا وعلى المسلمين، اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسرَرنا وما أعلنَّا، وما أنت أعلمُ به منَّا، أنت المُقدِّمُ وأنت المُؤخِّر، وأنت على كل شيءٍ قدير. اللهم لا تُسلِّط على المسلمين شِرارهم، اللهم لا تُسلِّط على المسلمين شِرارهم، اللهم لا تُسلِّط على المسلمين شِرارهم يا رب العالمين، اللهم اجعل المسلمين مُتحابِّين مُتآلفين مُتعاونين على نُصرة دينك وعلى كتابك وسنة نبيك محمد ﷺ . اللهم أصلِح أحوالنا جميعًا يا رب العالمين، اللهم أصلِح أحوالنا وأحوالَ المسلمين. يا حي يا قيوم! أصلِح لنا شأننا كلَّه، ولا تكِلنا إلى أنفسنا طرفةَ عينٍ، اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا يا رب العالمين. اللهم احقِن دماء المسلمين، واحفظ أموالهم وأعراضهم يا رب العالمين، اللهم أعِذِ المسلمين من شرور أنفسهم وسيئات أعمالهم يا رب العالمين. اللهم أصلِح أمةَ محمد ﷺ فإنك على كل شيءٍ قدير. اللهم أعِذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، اللهم أعِذنا من شر كل ذي شرٍّ يا رب العالمين ويا أرحم الراحمين. اللهم أعِذنا وذرياتنا من إبليس وذريته وشياطينه وجنوده يا رب العالمين، اللهم أعِذ المسلمين من إبليس وذريته وشياطينه يا رب العالمين. اللهم أبطِل مكر أعداء الإسلام يا رب العالمين، اللهم أبطِل مكر أعداء الإسلام، اللهم أبطِل كيدَهم، اللهم أبطِل خِطَط أعداء الإسلام التي يُخطِّطون بها للإضرار بالإسلام يا رب العالمين إنك على كل شيء قدير. اللهم انصر دينك، وكتابك، وسنة نبيك، يا قوي يا عزيز. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم ولاة أمورنا، اللهم اجعل بلادنا آمنةً مطمئنةً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم وفِّق عبدَكَ خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عمله في رِضاك، اللهم وأصلِح بِطانتَه، اللهم أعِنْه على أمور الدنيا والدين، اللهم أعِنْه على ما فيه الخير وعلى كل عملٍ فيه صلاحٌ للإسلام والمسلمين يا رب العالمين، واجمع به كلمة المسلمين، اللهم وفِّق نائبَيْه لما تحب وترضى، اللهم وفِّقهما لهداك، واجعل أعمالهما في رضاك، وأعِزَّ بهم الإسلام والمسلمين يا رب العالمين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: ٩٠، ٩١]. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 22

خطبة المسجد النبوي - ٣ جمادى الثانية ١٤٣٢ - فضائل الأعمال الصالحة - الشيخ علي الحذيفي الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونؤمنُ به ونتوكَّل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله - تقوى تُرضِي ربكم، وتُزكِّي أعمالكم، وتُصلِح قلوبكم، وتعمُر آخرتكم؛ فقد قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: ٢، ٣]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق: ٤]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق: ٥]. أيها المسلمون: جِماعُ الخير كله الأعمال الصالحات، وجِماعُ الشر كله الأعمال السيئات، وهل شقِيَ بطاعة الله أحد، وهل سعِدَ بمعصية الله أحد؟ وقد جعل الله الجنةَ ثوابًا لفعل الخيرات وترك المنكرات، وجعل النار عقابًا لفعل المنكرات وترك الخيرات، كما قال : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: ٥ - ١٠]، وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف: ٧٢]، وقال تعالى: فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات: ٣٧ - ٣٩]. وقد جعل الله الأعمال الصالحات أسبابًا لكل خير في الدنيا والآخرة، فلا تزهَد - أيها المسلم - في أي عملٍ صالح، واحرِص على فعل الخير في أي وقتٍ تيسَّر لك، فإنك لا تدري أيَّ عمل خيرٍ يرجَحُ به ميزانُ حسناتك، فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ [القارعة: ٦، ٧]. والإكثارُ من قليل الأعمال الصالحة يكون كثيرًا مباركًا، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ٤٠]؛ فكيف بالأعمال المباركة العظيمة؟ فطُوبَى لمن جمعَ بين أجناس الأعمال الصالحة أعلاها وأدناها، فذلك الذي سبقَت له من الله السوابِق. والمسلمُ إذا أدَّى الفرائض، واكتسبَ ما تيسَّر من أعمال البِرِّ فهو على سبيل نجاة، قد وفَّقه الله لطريق الفائزين، وسلكَ به طريقَ المُفلِحين، وحفِظَ الله له ما ينفعه في الدنيا والآخرة. وطرق الخير كثيرة، وأبوابُ البرِّ مُشرَعةٌ مُفتَّحة، والأعمالُ الصالحةُ واسعةُ الميادين، وقد قال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٣]، وقال تعالى: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد: ٢١]، وقال : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة: ٤٨]. وكما على المسلم أن يحرِص على الأعمال الصالحة ولو كانت قليلة، فعليه أن يحذر المعاصي ولو كانت حقيرة؛ فقد قال ﷺ : «إياكم ومُحقّرات الذنوب؛ فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يُهلِكنَه». والأعمال الفاضلة ترجعُ إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: الأعمال الفاضلة التي يعود نفعُها إلى المُكلَّف نفسه ولا تتعدَّى لغيره إلا تبَعًا؛ كالصلاة، والذكر، والصيام، ونحو ذلك، وقد جاء في هذا النوع ترغيبٌ كثير؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: سُئِل رسول الله ﷺ : أيُّ الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: «الصلاةُ في جوف الليل»، قال: فأيُّ الصيام أفضل بعد رمضان؟ قال: «شهر الله المُحرَّم»؛ رواه مسلم. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلَّى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلُع الشمس ثم صلَّى ركعتين؛ كانت له كأجر حجَّة وعمرة تامَّة تامَّة تامَّة»؛ رواه الترمذي، والطبراني بلفظ: «انقلَبَ بأجر حجَّةٍ وعمرة». قال المنذري: وإسناده جيد. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كلُّ سُلامَى من الناس عليه صدقة كل يومٍ تطلُع فيه الشمس»، ومعنى الحديث: أن كل مِفصَلٍ من الإنسان عليه صدقة، فالسُّلامَى هي المفاصل، فكلُّ مفصَلٍ عليه صدقة يُؤدِّيها المسلمُ عن بدنه، قال: «وتُجزِئُ عن ذلك: ركعتا الضُّحى». وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله تعالى: يا ابنَ آدم! اركع لي أربع ركعاتٍ أول النهار أكفِك آخره»؛ رواه الترمذي. وهذه الأربع غيرُ صلاة الفجر وسنته، على الصحيح من أقوال أهل العلم. وعن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وإنك لن تسجُد لله سجدةً إلا رفعك الله بها درجة، وحطَّ عنك به خطيئة». وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبِركم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخيرٌ لكم من إنفاق الذهب والورِق - أي: الفضة -، وخيرٌ لكم من أن تلقَوا العدو، فتضرِبوا أعناقكم ويضرِبوا أعناقكم؟»، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «ذكرُ الله»؛ رواه أحمد والترمذي والحاكم، وصحَّحه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير في أول يومه مائة مرة؛ كانت له عِدل عشر رقابٍ، وكُتِبَت له مائةُ حسنة، ومُحِيَت عنه مائةُ سيئة، وكانت له حِرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يُمسِي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضل مما جاء به إلا أحدٌ عمِلَ أكثر من ذلك»؛ رواه البخاري ومسلم. وفي "صحيح مسلم": «من قال: سبحان الله وبحمده في أول يومه وفي آخره مائة مرة لم يأت أحدٌ بأفضل مما جاء به». ومن أفضل الذكر: ما يُقال عقِبَ الصلوات الخمس من الأذكار المشروعة، فهي بابٌ جامعٌ للخيرات، ودافعةٌ للشرور والمكروهات؛ وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «صُم من كل شهرٍ ثلاثة أيام، وذلك كصيام الدهر». والنوع الثاني من فضائل الأعمال الصالحة: ما يتعدَّى نفعُه إلى الخلق، وهي إحسانٌ إلى النفس، وإحسانٌ إلى الغير، وفيها تسابقَ المتنافِسون، وفاز أهلُها بخيرَي الدنيا والآخرة؛ عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «أربعون خصلةً أعلاها مَنيْحةُ العَنز من عمِلَ خصلةً رجاء ثوابها وتصديق موعودها دخل الجنة»؛ رواه البخاري. وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كلُّ معروفٍ صدقة، ومن المعروف: أن تلقَ أخاك بوجهٍ طلِق، وأن تُفرِغ من دلوِك في إنائه»؛ رواه أحمد. وعن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قلتُ: يا رسول الله! دُلَّني على عملٍ إذا عمِلَ به العبدُ دخل الجنة، قال: «يؤمنُ بالله»، قلتُ: يا رسول الله! إن مع الإيمان عملاً، قال: «يرضَخُ مما رزَقَه الله» - يعني: يتصدَّق -، قلتُ: وإن كان مُعدِمًا لا شيء له، قال: «يقول معروفًا بلسانه»، قلتُ: فإن كان عيِيًّا لا يُبلِغُ عنه لسانُه، قال: «فيُعينُ مغلوبًا»، قلتُ: فإن كان ضعيفًا لا قدرة له، قال: «فليصنع لأخرق»، قلتُ: فإن كان أخرق - يعني: لا يُحسِنُ صنعة -، فالتفتَ إليَّ فقال: «ما تريدُ أن تدَعَ في صاحبك شيئًا من الخير، فليَدَع الناسَ من أذاه»، قلتُ: يا رسول الله! إن هذا كلَّه ليسير، قال: «والذي نفسي بيده؛ ما من عبدٍ يعملُ بخصلةٍ منها يريدُ منها ما عند الله إلا أخذَت بيده يوم القيامة حتى يدخل الجنة»؛ رواه ابن حبان في "صحيحه"، ولبعض ألفاظه شواهد في "الصحيحين". وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن امرأةً بغيًّا سقَت كلبًا فغفر الله لها»؛ رواه البخاري ومسلم. وقال ﷺ : «في كل كبدٍ رطبةٍ أجر»؛ رواه البخاري ومسلم. وفي الحديث: «صيامٌ، وصدقة، وشهود جنازة، وعيادةُ مريض؛ ما اجتمعت لعبدٍ في يوم إلا دخل الجنة». وجِماعُ العبادة وآكَدُها هو الدعاء، وهو أعظم عبادةٍ يتقرَّبُ بها العبدُ إلى الله ﵎، فيسألُ الله ، ويرفع إلى ربه حوائِجَه في الدنيا والآخرة، ويسألُ العبدُ من خيرَي الدنيا والآخرة، فإنه جِماعُ الخير كلِّه. وإن الدعاء شأنه عظيم، وأمره كبير، ولا سيما في أوقات النوازل وأوقات الحوادث والمضائق والكُرُبات، ونحن في هذا العصر نزل بالمسلمين شدائد وكُرُبات، واقتَتلوا واستحلَّ بعضُهم من بعضٍ ما حرَّم الله ، ونزل بهم أمرٌ لا يرفعه إلا الله تعالى. فالمسلمُ يدعو لنفسه، ويدعو للمسلمين، ويدعو أن ينصر الله الإسلام والمسلمين، وأن يرفع البأس، وأن يرفع الاختلاف عن المسلمين؛ فإنه ﵎ جوادٌ كريم، والله ﵎ يقول: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠]، وفي الحديث: «الدعاءُ مُخُّ العبادة»، وفي الحديث الآخر: «الدعاءُ هو العبادة». فادعُ الله - أيها المسلم - لإخوانك المسلمين، ادعُ الله لهم بأن يُصلِح الله أحوالهم، وأن يُيسِّر أمورهم، وأن يرفع عنهم الشدائد والكُربات التي نزلَت بهم، وأن يتولَّى أمورَهم؛ فإنه ﵎ جوادٌ كريم. والنوع الثالث من أبواب الخير العظيمة: كفُّ الشر والأذى والضرر عن الناس، فيحفَظ المسلمُ لسانَه ويدَه وجوارِحَه، فيحفَظ المسلم بهذا حسناته ويُريح الناسَ من شره؛ فعن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قلتُ: يا رسول الله! أيُّ العمل أفضل؟ قال: «الإيمانُ بالله، والجهادُ في سبيل الله»، قلتُ: أرأيتَ إن ضعُفتُ عن بعض العمل؟ قال: «تكُفُّ شرَّك عن الناس، فإنها صدقةٌ منك على نفسك»؛ رواه البخاري ومسلم. قال الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [الجاثية: ١٥]، وقال : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨]، وقال ﵎: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء: ٣١]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا سيد الأولين والآخرين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها المسلمون: فاتقوا الله، فما أفلحَ أحدٌ إلا بالتقوى، وما خابَ أحدٌ إلا باتباع الهوى والإعراض عن عبودية الخالق الذي ينفعُ ويضُرُّ ويُعذِّبُ من يشاء بعدله، ويرحمُ من يشاءُ بفضله. أيها المسلمون: قوموا بما فرض الله عليكم حق القيام، وتحرَّوا في عباداتكم سنة رسول الله ﷺ ؛ ليكون العملُ مقبولاً، واحذروا مُبطِلات الأعمال، أو ما يُنقِصُ الأجور؛ فإن الرجل يعمل الحسنة ثم يُتبِعُها سيئة فتُبطِلُها أو تُنقِصُ أجرَها، واحذروا مداخلَ الشيطان الذي قعدَ لابن آدم بكل طريق خير، وتمسَّكوا بوصية رسولكم ﷺ في قوله: «إن الله فرضَ فرائضَ فلا تُضيِّعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وحرَّم أشياء فلا تنتهِكُوها، وسكتَ عن أشياء رحمةً بكم غير نسيان، فلا تسألوا عنها». واستكثِروا - عباد الله - من الأعمال الصالحات؛ فقد قال ربكم - جل وعلا -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: ٧٧]. وحاسِبوا أنفسَكم قبل الموت؛ فإن من حاسبَ نفسَه هوَّن الله عليه الحساب، وليُحدِث كلُّ امرِئٍ توبةً بعد السيئة؛ فعن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اتقِ الله حيثُما كنت، وأتبِع السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حسنٍ». وأصلِحوا القلوبَ بالإخلاص والتوحيد تصلح الأعمال، وفي الحديث: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم». عباد الله: إن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال ﵎: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]، فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين وإمام المرسلين. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا. اللهم وارضَ عن الصحابة أجمعين، وعن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم وارضَ عنَّا معهم بمنِّك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الكفر والكافرين يا رب العالمين، اللهم وأذِلَّ الشرك والمشركين، اللهم وأذِلَّ البدعَ إلى يوم الدين، اللهم أذِلَّ البدعَ إلى يوم الدين يا رب العالمين. اللهم انصر دينك، وكتابك، وسنة نبيك، يا رب العالمين. اللهم أظهِر أنوار هدي محمد ﷺ في كل زمانٍ ومكانٍ يا رب العالمين، إنك أنت القوي المتين. اللهم ألِّف بين قلوب المسلمين، وأصلِح ذات بينهم، اللهم أصلِح شأنَهم يا رب العالمين. اللهم احقِن دماء المسلمين، اللهم احقِن دماء المسلمين يا رب العالمين، اللهم احفظ دينهم، اللهم احفظ أموالهم يا رب العالمين، اللهم احفظ أرواحهم ونفوسهم وأعراضهم، اللهم احفظ أعراضهم يا رب العالمين. اللهم لا تُسلِّط على المسلمين الأشرار، اللهم لا تُسلِّط على المسلمين الأشرار، اللهم لا تُسلِّط على المسلمين الأشرار يا عزيز يا غفار، اللهم لا تُسلِّط على المسلمين الكفار يا رب العالمين يا قوي يا عزيز. اللهم ألِّف بين قلوب المسلمين، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير. رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٢٨٦]. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم ولاة أمورنا، اللهم اجعل هذا البلد آمنًا رخاءً سخاءً وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم وفِّق خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عمله في رِضاك يا رب العالمين، اللهم أعِنْه على أمور الدنيا والدين، اللهم أعِنْه على كل عملٍ يا رب العالمين يُصلِح البلاد والعباد، اللهم وفِّق نائبَيْه لما تحب وترضى، اللهم وفِّقهما لما تحبُّ وترضى، ولما فيه عِزُّ الإسلام والمسلمين يا رب العالمين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: ٩٠، ٩١]. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 23

خطبة المسجد النبوي - ١٠ جمادى الثانية ١٤٣٢ - وقفات مع قول الله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان - الشيخ حسين آل الشيخ الخطبة الأولى الحمد لله الذي أنزل القرآن هُدًى وذكرى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الآخرة والأولى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله النبيُّ المُصطفى، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين. أما بعد، فيا أيها المسلمون: أُوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -؛ فبها تتحقَّقُ السعادةُ الكبرى. أيها المسلمون: سعادتُنا وعِزُّنا وصلاحُنا ونجاتُنا باتباع القرآن العظيم، فهو الهادي لكل طريقٍ قويم، يُضيءُ لنا المسالكَ ويفتحُ لنا المدارِك، ويُحقِّقُ لنا الخيرات والمصالحَ؛ فما أجمل أن نعيشَ لحظاتٍ في ظِلال كلام ربنا نتدبَّره ونتأمَّل عِظاته، ونعملُ به. إن آيةً في كتاب ربنا - جل وعلا - عظيمةُ المعاني، جمعت مكارمَ الأخلاق ومحاسِن الأعمال، تستوجِبُ منا الوقوفَ عندها، والاتعاظَ بتوجيهاتها، والعملَ بمدلولاتها، لتكون لنا نبراسًا حياتيًّا ومنهجًا سلوكيًّا، لنسير في إراداتنا وتوجُّهاتنا وتحرُّكاتنا وتصرُّفاتنا وفق أحكامها، وعلى ضوء مبادئها وقواعدها ومقاصدها. إنها قول الله - جل وعلا -: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. آيةٌ تضمَّنت قواعد عُظمى، ومبادئ كبرى تحصُل بها المصالحُ العُليا، ويتحقَّقُ بالعمل بها السعادةُ الكبرى، قال ابن مسعود ﵁: "أجمعُ آيةٍ في القرآن للخير والنهي عن الشر هذه الآية". ويقول الحسن: "لم تترك هذه الآيةُ خيرًا إلا أمَرَت به، ولا شرًّا إلا ونهَت عنه". ويقول قتادة: "ليس من خُلُقٍ حسنٍ يُعمَلُ به ويُستحبُّ إلا أمرَ الله به في هذه الآية، وليس من خُلُقٍ سيءٍ إلا نهى الله عنه في هذه الآية". فيا عباد الله: إنها من جوامع الكلِم الربَّاني الذي خُصَّ به النبي ﷺ ، كما قاله الحافظ ابن رجب ﵀. إخوة الإسلام: لقد تضمَّنت هذه الآية: الأمرَ بقاعدة العدل الذي يعني: القيام بحقوق الخالق وافيةً، وذلك بإخلاص التوحيد له، وبإفراده بالعبادة والطاعة والخضوع والإنابة، والقيام بشرعه وفق الوسطية التي جاء بها الإسلام من غير تفريطٍ ولا إفراطٍ، وهكذا العدل مع المخلوق الذي يكفَلُ قاعدةً ثابتةً للتعامُل، مبنيةً على المُساواة والإنصاف، بمُختلف صُوره، والبُعد عن الظلم والعدوان بشتَّى أشكاله. عدلٌ لا يُؤثِّرُ فيه الهوى، ولا يتأثَّر بالمودَّة والبغضاء، عدلٌ لا يتبدَّلُ مُجاراةً للصِّهر والنسب، والغِنى والفقر، والقوة والضعف، يقول ربُّنا - جل وعلا -: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: ٨]. إنه العدل الواجبُ على الحُكَّام والوُلاة والقُضاة، والأزواج والآباء والأمهات، وعلى الأفراد والمُجتمعات، يقول ﷺ : «إن المُقسِطين عند الله على منابر من نورٍ يوم القيامة: الذي يعدِلون في حُكمهم وأهليهم وما وَلُوا»؛ رواه مسلم. معاشر المؤمنين: والأمرُ بالإحسان مبدأٌ عامٌّ يشمل علاقةَ العبد بربِّه، فيُحسِنُ في طاعة ربه إخلاصًا ومحبةً ورجاءً وخوفًا وطمعًا، ويشملُ أيضًا: التقرُّب بالمندوبات، والمُسابقة إلى نوافل العبادات، ويشملُ أيضًا: مُحيط الحياة كلها في علاقات الإنسان بالبشرية جمعاء، وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة: ٨٣]. إن الإحسان مبدأٌ يشملُ كل طيبٍ من الأقوال والأفعال من جميع المكارم العالية والأخلاق الحسنة، ويشملُ مقابلةَ الخير بأكثر منه، ومُقابلة الشر بالعفو عنه، والتسامُح بما يجلِبُ ودَّ القلوب، ويشفِي غليلَ الصدور، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [فصلت: ٣٤]. الإحسانُ يعني: إيصالَ النفع للآخرين، والرحمة بالخلق أجمعين، وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ١٩٥]. يقول ﷺ : «إن الله كتبَ الإحسانَ على كل شيءٍ؛ فإذا قتلتُم فأحسِنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسِنوا الذِّبحَة، وليُحِدَّ أحدُكم شفرَتَه، وليُرِح ذبيحَته»؛ رواه مسلم. ومن الإحسان: إيتاءُ ذوي القُربى قريبَهم وبعيدَهم؛ بصِلتهم وبِرِّهم والشفقة عليهم، وإنما نصَّ عليهم تعظيمًا لشأنهم، وتوكيدًا لحقِّهم، يقول ﷺ : «من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فلْيصِل رحِمَه»، ويقول أيضًا ﵊: «من أحبَّ أن يُبسَط له في رِزقه، ويُنسأَ له في أثره فليصِلْ رحِمَه»؛ متفق ليهما. إخوة الإسلام: ويأتي النهيُ في هذه الآية عن أصول الشُرُور ومنابعها؛ فينهَى الله العبادَ عن الفحشاء التي هي: كل أمرٍ تناهَى قُبحُه من الأقوال والأفعال؛ من الذنوب العظيمة التي تستبشِعُها الفطَرُ السليمة، والشرائعُ الصحيحة؛ كالشرك بالله، والقتل بغير حقٍّ، والزنا، والسرقة، ونحو ذلك من الفواحِش التي تجلِبُ المصائبَ، وتُنزِلُ بالخلق العذابَ الواصِبَ. عباد الله: وفي مضامين وصايا هذه الآية: النهيُ عن المنكر الذي يعني: المعاصيَ والسيئات بما فيه مُخالفةٌ لأوامر الله - جل وعلا - وأوامر رسوله ﷺ . ويأتي ثالثُ النواهي: النهيُ عن البغي الذي هو: الظلمُ بجميع صوره، وتجاوُز الحق في التعامُل بالاستعلاء والتجبُّر والعُدوان على الخلق في الدماء والأعراض والأموال مما بيَّن حرمتَه النبيُّ ﷺ في قوله: «كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ؛ دمُه ومالُه وعِرْضُه»؛ رواه مسلم. يقول - جل وعلا -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [النور: ٢١]. أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رِضوانه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه. أيها المسلمون: إن الشريعةَ الإسلاميةَ قد حرِصَت على كفِّ الأذى، وحرَّمت إيصال الشر والبلاء إلى الناس، ومن هنا نعلمُ خُطورةَ قتل الأبرياء وسفكِ الدماء وانتهاك الحُرمات، فليحذَر المسلمون من خُطوات الشيطان، ولْيتُوبوا إلى الرحمن، وليعلموا أن الله - جل وعلا - بالمِرصاد لمن بغَى وتجبَّر وتسلَّط واعتدى على المسلمين والمعصومين. روى الحاكم وصحَّحه: أن النبي ﷺ قال: «ما من ذنبٍ أجدرُ أن تُعجَّل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يُدَّخرُ له في الآخرة من البغي وقطيعة الرَّحِم». ثم إن الله أمرنا بأمرٍ عظيمٍ، ألا وهو: الصلاة والسلام على النبي الكريم. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبينا وحبيبنا محمد، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الآلِ والصحبِ أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أذِلَّ الشرك والمشركين. اللهم أصلِح أحوالنا وأحوال المسلمين، اللهم أصلِح أحوالنا وأحوال المسلمين، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم ارفع عنهم ما أصابهم من البلواء والشرور يا رحمن، اللهم ارفع عنهم ما أصابهم من المصائب التي لا تخفى عليك يا جبَّارُ يا قويُّ. اللهم الطُف بأمة محمد ﷺ ، اللهم الطُف بأمة محمد ﷺ ، اللهم الطُف بها، اللهم أخرِجها من الظلمات إلى النور، اللهم أخرِجها من الذلِّ إلى العِزَّة، اللهم أخرِجها من الهوان إلى العِزَّة يا ذا الجلال والإكرام. اللهم إليك نشكو مما أصاب المسلمين من سفك الدماء، وقتل الأبرياء. اللهم ولِّ عليهم خِيارَهم، اللهم ولِّ عليهم خِيارَهم، اللهم ولِّ عليهم خِيارَهم،، اللهم وجنِّبهم شِرارَهم وفًُجَّارَهم، اللهم جنِّبهم شِرارَهم وفًُجَّارَهم، اللهم واكفِهم شِرارَهم وفُجَّارهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم لا تجعل للأشرار على المسلمين يدًا، اللهم لا تجعل للأشرار على المسلمين يدًا. اللهم ألِّف بين قلوبهم على الحق والتقوى، اللهم ألِّف بين قلوبهم على الحق والتقوى، اللهم انصر المسلمين في كل مكان، اللهم انصر المسلمين في كل مكان، اللهم انصر المسلمين في كل مكان. اللهم احفظ علينا أمنَنا، اللهم احفظ علينا أمنَنا، اللهم احفظ علينا أمنَنا يا ذا الجلال والإكرام. اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّ وترضى، اللهم اجعله سببًا لهداية المسلمين، اللهم اجعله سببًا لتحقيق الوحدة بين المؤمنين. عباد الله: اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، وسبِّحُوه بُكرةً وأصيلاً. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 24

خطبة المسجد النبوي - ١٧ جمادى الثانية ١٤٣٢ - عواقب الظلم - الشيخ علي الحذيفي الخطبة الأولى الحمد لله اللطيف الخبير، العليم القدير، أحمد ربي وأشكره على فضله الكثير، وأشهد أن لا إله إلا الله العليُّ الكبير، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله البشيرُ النذير، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فاتقوا الله حقَّ التقوى، وتمسَّكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى. أيها المسلمون: إن الطاعات تتفاضَل عند الله بتضُّمنها تحقيق العبودية والتوحيد لله ، وعموم نفعها للخلق؛ مثل: أركان الإسلام، وإن الذنوب والمعاصي تعظُم عقوباتها ويتسعُ شرُّها وفسادُها بحسب ضررها لصاحبها والخلق. وإن الظلم من الذنوب العِظام والكبائر الجِسام، يُحيطُ بصاحبه ويُدمِّره، ويُفسِد عليه أمرَه، ويُغيِّرُ عليه أحوالَه، فتزولُ به النعم، وتنزل به النِّقَم، ويُدرِكُه شُؤمه وعقوباتُه في الدنيا وفي الآخرة، كما تُدرِكُ عقوبات الظلم الذُّريةَ. ولأجل كثرة مضار الظلم وعظيم خطره وتنوُّع مفاسده وكثير شرِّه؛ حرَّمه الله بين عباده كما حرَّمه على نفسه، فقال تعالى في الحديث القدسي: «يا عبادي! إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم مُحرَّمًا، فلا تَظالمُوا». فالله حرَّم الظلمَ على نفسه - وهو يقدر عليه - تكرُّمًا وتفضُّلاً وتنزيهًا لنفسه عن نقيصة الظلم؛ فإن الظلمَ لا يكون إلا من نفسٍ ضعيفة لا تقوَى على الامتناع من الظلم، ولا يكون الظلمُ إلا من حاجةٍ إليه، ولا يكون إلا من جهلٍ، والله مُنزَّهٌ عن ذلك كلِّه، فهو القوي العزيز الغني عن خلقه فلا يحتاجُ إلى شيء، وهو العليمُ بكل شيء. وحرَّم الله الظلمَ بين عباده ليحفظوا بذلك دينَهم ويحفَظوا دنياهم، وليُصلِحوا أمورهم، وليُصلِحوا دنياهم وآخرتهم، وليتمَّ بين العباد التعاوُن والتراحُم بترك الظلم، وأداء الحقوق لله ولخلق الله تعالى. عباد الله: الظلمُ يضرُّ الفردَ ويُهلِكه ويُوقِعه في كل ما يكره، ويرى بسبب الظلم ما يسُوؤه في كل ما يحب، الظلمُ يُخرِّبُ البيوتَ العامرة، ويجعل الديار دامِرة، الظلمُ يُبيدُ الأمم ويُهلِك الحرثَ والنسل. ولقد حذَّرنا الله من الظلم غاية التحذير، وأخبرنا ﵎ بأن هلاك القرون الماضية بظلمهم لأنفسهم لنحذَر أعمالهم، فقال ﵎: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [يونس: ١٣، ١٤]، وقال تعالى: وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا [الكهف: ٥٩]، وقال ﵎: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٥، ٤٦]، وقال ﵎: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت: ٤٠]، وقال ﵎: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١٠٢]. وقد أجرَ الله هذه الأمة الإسلامية من الاستئصال والهلاك العام، ولكن تُبتَلى بعقوباتٍ دون الهلاك العام بسبب ذنوبٍ تقع من بعض المسلمين وتشيع حتى لا تُنكَر، ولا ينزجِر عنها أصحابُها، كما قال ﵎: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: ٢٥]. وعن زينب بن جحش ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها فزِعًا يقول: «لا إله إلا الله، ويلُ للعرب من شرٍّ قد اقترب، فُتِح اليوم من ردمِ يأجوج ومأجوج مثل هذه» - وحلَّق بإصبعيه الإبهام والتي تليها -، فقلتُ: يا رسول الله! أنهلكُ وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثُر الخَبَث»؛ رواه البخاري ومسلم. فدلَّ الحديثُ على أن بعض الأمة صالحون وأن بعضهم تقع منهم ذنوب تُصيبُ عقوباتها الكثيرَ من الأمة في بعض الأزمان وفي بعض الأمكنة، وفُسِّر الخَبَث بالزنا، وفُسِّر بعمل قوم لوط، لقوله تعالى: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ [النور: ٢٦]، وقوله تعالى عن لوطٍ ﵇: وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ [الأنبياء: ٧٤]. وفُسِّر الحديث بالخمر ونحوه من المُسكِرات والمُخدِّرات، لقوله ﷺ : «الخمرُ أم الخبائث». ويعمُّ الحديث كلَّ معصيةٍ تُغضِبُ الله ﵎، وكل ظلمٍ وعدوان، ومعنى هذا الحديث عام في كل ما حرَّم الله، ويظلمُ به المسلم نفسَه أو يظلمُ به غيره. أيها المسلمون: أصلُ الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وهو في الشرع: مخالفة شرع الله ومخالفة أمر الله بتركه لأمر الله، ومخالفة نهي الله بارتكابه. والظلم ثلاثة أنواع: النوع الأول: ظلمٌ لا يغفره الله إلا بالتوبة، وهو: الشرك بالله تعالى، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء: ١١٦]، وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]. فمن مات على الشرك بالله خلَّده الله في النار أبدًا، كما قال تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة: ٧٢]، وكان ظلمُ الشرك غير مغفور لمن مات عليه؛ لأجل مُضادَّة رب العالمين في الغاية والحكمة من خلق الكون لعبادة الله، ولأن الشرك تنقُّصٌ لعظمة الخالق ﵎، وصرفُ حقِّه إلى غيره لمخلوقٍ خلقه الله ، قال ﵎: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر: ٦٧]. وأيُّ ظلمٍ أعظمُ من أن يجعل الإنسانُ لرب العالمين نِدًّا يعبُده من دون الله الذي خلقه؟! وأيُّ ذنبٍ أكبر من أن يتخذ الإنسانُ مخلوقًا إلهًا من الصالحين أو غيرهم يدعوه من دون الله، أو يرجوه، أو يستغيثُ به، أو يخافُه كخوف الله، أو يستعينُ به في شيءٍ لا يقدر عليه إلا الله، أو يتوكَّلُ عليه، أو يذبَحُ له القُربان، أو ينذُر له، أو يُعِدُّه لرغبته ورهبته، أو يسأله المَدَد والخير، أو يسأله دفع الشر والمكروه، أيُّ ذنبٍ أعظم من هذا الشرك بالله ﵎؟! قال - سبحانه -: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف: ٥، ٦]، وقال : وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [النحل: ٥١ - ٥٥]. ومعنى قوله ﵎: وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا: أي: دائمًا. وعن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «ثِنتان مُوجِبتان»، قال رجلٌ: يا رسول الله! ما المُوجِبتان؟ قال: «من مات لا يُشرِك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يُشرِك بالله شيئًا دخل النار»؛ رواه مسلم. وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات وهو يدعو لله نِدًّا دخل النار»؛ رواه البخاري. وكما أن الشرك بالله تعالى أعظمُ السيئات والذنوب؛ فإن التوحيد لله ﵎ أعظمُ الحسنات والقُربات، كما في الحديث القدسي: «يا ابن آدم! إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتَني لا تُشرِكُ بي شيئًا لأتيتُك بقُرابها مغفرة»؛ رواه الترمذي من حديث أنس ﵁، وقال الترمذي: "حديثٌ حسن". والنوع الثاني من الظلم: الذنوب والمعاصي التي بين العبد وربه ما دون الشرك بالله؛ فإن الله ﵎ إن شاء عفا عنها بمنِّه وكرمه، أو كفَّرها بالمصائب والعقوبات في الدنيا، أو كفَّرها بعذاب القبر، أو تجاوز عنها الربُّ ﵎ بشفاعة النبي ﷺ ، أو شفاعة غيره من الشافعين، أو يُعذِّبُ الله صاحبَها في النار بقدر ذنبه، ثم يُخرِجُه من النار فيُدخِلُه الجنةَ إن كان من المُوحِّدين. والنوع الثالث من الظلم: مظالمُ تقع بين الخلق في حقوقٍ لبعضهم على بعض تعدَّوا فيها، وأخذها بعضُهم من بعض، ووقعوا في ظلم بعضهم لبعض، فهذه المظالمُ لا يغفرها الله إلا بأداء حقوق الخلق إليهم، فيُؤدِّي الظالمُ حقَّ المظلوم في الدنيا، وفي الحديث عن النبي ﷺ : «لتُؤدُّنَّ الحقوق قبل أن يأتي يومٌ لا درهمَ فيه ولا دينار، إنما هي الحسناتُ والسيئات، يُعطَى المظلومُ من حسنات الظالم، فإن لم يكن للظالم حسنات أُخِذ من سيئات المظلوم ووُضِعت على المظلوم ثم طُرِح في النار». والمظالمُ بين العباد تكون في الدماء، وفي الحديث عن النبي ﷺ : «لا يزالُ المرءُ في فُسحةٍ من دينه ما لم يُصِب دمًا حرامًا». وقد قرنَ الله قتلَ النفس بالشرك بالله ﵎ لعظيم جُرم سفك الدماء، فقال ﵎: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الفرقان: ٦٨]، وفي الحديث: «لَزوالُ الدنيا بأسرِها أعظمُ عند الله من قتل رجلٍ مُؤمنٍ»، وفي الحديث أيضًا في "الصحيح" عن النبي ﷺ : «أول ما يقضي الله ﵎ يوم القيامة في الدماء»؛ لأن الدماء أمرُها عظيم، قال الله ﵎: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣]. ألا ما أعظم جُرم من قتل النفوس وسفك الدماء، فإن الله ﵎ هو الذي يتولَّى عقوبَتَه، وهو الذي يأخذه ويُعاقِبُه في الدنيا والآخرة، قال الله ﵎: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: ٤٢]، وفي الحديث عن النبي ﷺ : «إن الله ليُملِي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلِته». وتكون المظالمُ بين الناس في المال، وتكون باقتطاع الأرض والعقارات، وفي حديث سعيد بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من اقتطَعَ شبرًا من الأرض طوَّقه الله إياه من سبع أرضين»؛ رواه مسلم. وتكونُ المظالمُ بين الأرحام بتضييع حقوق الرحِم، وتكون المظالم بين الوالدَيْن والأولاد بتضييع حقوقهما وإهمال تربيتهما، وتعريضهما للانحراف وسوء الأخلاق، وتكون المظالمُ بين الزوجين لترك حقوقهما من أحدهما للآخر، وتكون المظالمُ بين المُستأجرين والعُمَّال بسلب حقوقهم وتضييعها أو تأخيرها، أو اقتطاع شيءٍ منها، أو التحايُل على إسقاطها؛ فكلُّ ذلك ظلمٌ يُنذِرُ بعقوباتٍ مُدمِّرة لصاحب الظلم، نسأل الله ﵎ العافية، أو أن يُكلِّفهم بما لا يطيقون، والرسول ﷺ يقول: «أعطوا الأجيرَ حقَّه قبل أن يجِفَّ عرقُه». وقد تكون المظالمُ بالتعدِّي على حقوقٍ معنوية للناس، أو بغيبة، أو وشايةٍ بين اثنين، أو وشايةٍ بين قبيلتين، أو بين أناسٍ وأناس. فاحذروا - عباد الله - الظلمَ؛ فإن الله ﵎ لا تخفى عليه خافية، وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة: ١٤٤]. والظلمُ مُحرَّمٌ ولو وقع على كافر؛ فإن الله ﵎ لا يرضى أن يقع الظلمُ على أحدٍ ولو كان كافرًا أو فاسقًا، قال الله ﵎: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ [إبراهيم: ٤٢ - ٤٦]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله مُعِزِّ من أطاعه واتقاه، ومُذِلِّ من خالف أمره وعصاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله اجتباه ربُّه واصطفاه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فاتقوا الله حق تقواه، وراقِبوه واخشَوه مراقبةَ من يعلمُ أن الله مُطَّلعٌ على سرِّه ونجواه. قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر: ١٨]. وفي الحديث عن النبي ﷺ : «اتقوا الظلمَ؛ فإن الظلمَ ظلماتٌ يوم القيامة». أيها الناس: لا يتعرَّض أحدكم لغضب الله وعذابه؛ فإنه ما وقع غضبُ الله على أحدٍ إلا هلَك، قال تعالى: وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى [طه: ٨١]، ومن أخذه الله بعذابه وظلمه فقد خسر خُسرانًا مبينًا، قال الله تعالى: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا [الفرقان: ١٩]. عباد الله: إن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]، وقد قال ﷺ : «من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا»، فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين وإمام المرسلين. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمد وعلى آل محمد، كما بارَكت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا. اللهم وارضَ عن الصحابة أجمعين، اللهم وارضَ عن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم وارضَ عنَّا معهم بمنِّك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين والكفر والكافرين يا رب العالمين، اللهم دمِّر أعداءك أعداء الدين يا رب العالمين إنك أنت القوي العزيز. اللهم انصر دينك، وكتابك، وسنة نبيك، يا رب العالمين. اللهم ألِّف بين قلوب المسلمين، وأصلِح ذات بينهم، واهدِهم سُبل السلام، وأخرِجهم من الظلمات إلى النور يا رب العالمين، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا قوي يا متين. اللهم تُب علينا وعلى المسلمين، اللهم فقِّهنا والمسلمين في الدين يا أرحم الراحمين. اللهم أذِلَّ البدع يا رب العالمين، اللهم أذِلَّ البدع التي هدَمَت الدين، اللهم أذِلَّ البدع التي هدَمَت الدين، اللهم أذِلَّ البدع إلى يوم الدين يا رب العالمين، اللهم لا تُقِم للبدع قائمةً أبدًا يا رب العالمين، إنك أنت القوي العزيز. اللهم لا تُسلِّط على المسلمين الأشرار الفُجَّار، اللهم يا رب العالمين لا تُسلِّط على المسلمين من لا يخافُك ولا يرحمهم يا رب العالمين إنك على كل شيء قدير. اللهم فرِّج كُربات المسلمين، الله ارفع الشدائد عن المسلمين يا رب العالمين، اللهم اجمعهم على الحق إنك على كل شيء قدير، ألِّف بين قلوبهم وأصلِح ذات بينهم يا رب العالمين. اللهم اجعل بلادنا آمنةً مطمئنةً رخاءً سخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم ولاة أمورنا يا رب العالمين. اللهم وفِّق خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عمله في رِضاك يا رب العالمين، اللهم أعِنْه على كل ما فيه خيرٌ وصلاحٌ وعِزٌّ للإسلام والمسلمين يا رب العالمين، اللهم أصلِح بِطانتَه، اللهم أعِنْه على أمور الدنيا والدين يا رب العالمين، اللهم وفِّق نائبَيْه لما تحب وترضى، اللهم وفِّقهما لهُداك، واجعل عملهما في رِضاك يا رب العالمين، وانصر بهم الدين، إنك على كل شيء قدير يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لموتانا وموتى المسلمين، اللهم اغفر لموتانا وموتى المسلمين، اللهم أغِثنا يا رب العالمين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا يا أرحم الراحمين. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: ٩٠، ٩١]. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 25

خطبة المسجد النبوي - ٢٤ جمادى الثانية ١٤٣٢ - وجوب التناصر بين المسلمين - الشيخ صلاح البدير الخطبة الأولى الحمد لله، الحمد لله العظيم في قدره، العزيز في قهره، العليم بحال العبد في سرِّه وجهره، يسمعُ أنينَ المظلوم عند ضعف صبره، ويجُودُ عليه بإعادته ونصره، أحمدُه على القدر خيرِه وشرِّه، وأشكره على القضاء حُلوه ومُرِّه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الآيات الباهرة، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ [الروم: ٢٥]، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله جاهدَ في الله حق جهاده طول عمره وسائر دهره، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما جادَ الصحابُ بقطره وطلَّ الربيعُ بزهره، وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضلُ ما تُستدفَعُ به البلايا، وتُرفعُ به الرَّزايا، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: ١٢٨]. أيها المسلمون: في زمن الخُطوب الكِبار والشدائد والأخطار يتوجَّبُ التذكير بحقيقةٍ ناصعةٍ ساطعةٍ في الدين، وهي: وجوب التناصُر بين المسلمين، ومُؤازَرة المظلومين، والنَّصَفة للمُستضعفين، ومتى استجارَ المسلمُ بأخيه المسلم، ولاذَ بساحته، ونزل بباحته، واستنصَره واستنفَره وجبَت نُصرته، ولزِمَت إعانتُه، حتى يقوَى ظهرُه، ويشتدَّ أزرُه، ويندحِر عدوُّه، وينكفَّ ظالمُه. ومتى تحقَّقَت القوةُ والقُدرة وجبَت المُؤازرَة والنُّصرة، قال - جلَّ في عُلاه -: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الأنفال: ٧٢]. ومتى تنازعَ المسلمون وتخاذَلوا، وتواهَنوا وتفاشَلوا، وصار لكل واحدٍ منهم شأنٌ يُغنيه، وهمٌّ يَعنيه، فرَّق العدوُّ جمعَهم، وبدَّد شملَهم، وشذَّب شِكَّتَهم، وخفضَ شوكَتهم، وتسلَّط عليهم، واستباحَ ديارَهم، قال - جلَّ في عُلاه -: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ [الأنفال: ٧٣]- يعني: التناصُر والتضافُر في الدين - تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ. قال بعض أهل العلم: " تَكُنْ فِتْنَةٌ أي: محنةٌ بالحرب وما انجرَّ منها من الغارات والجلاء والأسْر، وَفَسَادٌ كَبِيرٌ يعني: ظهورَ الشرك". أيها المسلمون: والمسلمُ يُقاسِمُ أخاه الهُمومَ والمكارِه، ويُِشارِكه محنَته وبليَّته، ويعيشُ معه مُصابَه ورزِيَّته، لا يخونُه ولا يُسلِمه، ولا يترُكه ولا يخذُله؛ بل يحُوطه وينصُره ويعضِدُه؛ فعن جابر ﵁ قال: قال رسول الهدى ﷺ : «ما من امرئٍ يخونُ مسلمًا في موطنٍ يُنتقَصُ فيه من عِرضه، ويُنتهَكُ فيه من حُرمته، إلا خذلَه الله في موطنٍ يُحبُّ فيه نُصرتَه، وما من امرئٍ ينصرُ مسلمًا في موطنٍ يُنتقصُ فيه من عِرضه، ويُنتهَكُ فيه من حُرمته إلا نصرَه الله في موطنٍ يحبُّ فيه نُصرتَه»؛ رواه أبو داود، والطبراني في "الأوسط"، وقال الهيثمي: "إسنادُه حسن". وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمنُ مرآةُ المؤمن، والمؤمنُ أخو المؤمن، يكفُّ عليه ضيعتَه، ويحُوطُه من ورائه»؛ أخرجه أبو داود. وعن بَهز بن حكيمٍ عن أبيه عن جدِّه أن رسول الله ﷺ قال: «كل مسلمٍ على مسلمٍ مُحرَّم أخوانَ نصيران»؛ أخرجه النسائي. أي: هما أخوان يتناصَران ويتعاضَدان. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المسلمُ أخو المسلم، لا يخُونه ولا يكذِبُه ولا يخذُله»؛ أخرجه الترمذي. وعن عمرو بن شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ : «المسلمون تتكافأُ دماؤهم، ويسعى بذِمَّتهم أدناهم، ويُجيرُ عليهم أقصاهم، وهم يدجٌ على من سواهم»؛ أخرجه أبو داود. أيها المسلمون: إن الأحداث المُتلاحقة، والوقائع المُتوالية التي نزلت بأرض الإسلام، وشاهدَ العالمُ من خلالها كيف استهدَفت آلةُ الحرب والقتل والقمع والتعذيب والتنكيل والضعفةَ والعُزَّلَ والأبرياءَ والرُّضَّعَ والأطفالَ والشيوخَ والنساء، في صورٍ من الوحشية لا يجترئُ عليها إلا عديمُ الرحمة وفاقدُ العقل، إن تلك الأحداث تستوجِبُ اليقظَةَ والاعتبار، والتذكُّر والادِّكار، وما هي إلا محنٌ تُمتَحنُ بها القلوب، وتُبتلَى بها النفوس؛ ليعلمَ الله من يقِفُ مع المظلوم في وجه الظالم، وينصر الحقَّ في وجه الباطل، ويدفعُ بالسنة في وجه البدعة، ويصِلُ يدَه بأهل الإيمان والتوحيد في وجه أهل الشرك والخرافة والتنديد، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحديد: ٢٥]. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله بارئ النَّسَم، ومُحيِي الرِّمَم، ومُجزِل القِسَم، مُبدِع البدائع، وشارعِ الشرائع، دينًا رضيًّا، ونورًا مُضيًّا، أحمده وقد أسبغَ البرَّ الجزيل، وأسبلَ السترَ الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ عبدٍ آمنَ بربه، ورجا العفو والغفران لذنبه، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وأتباعِه وحِزبه صلاةً وسلامًا دائمَيْن ممتدَّيْن إلى يوم الدين. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضلُ مُكتسَب، وطاعتَه أعلى نسب، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ١٠٢]. أيها المسلمون: مهما بلَغت قوةُ الظَّلُوم وضعف المظلوم فإن الظالمَ مقهورٌ مخذول، مُصفَّدٌ مغلول، وأقربُ الأشياء صرعةُ الظَّلُوم، وأنفذُ السهام دعوةُ المظلوم، يرفعها الحيُّ القيوم فوق الغُيُوم. يقول رسول الهدى ﷺ : «ثلاثةٌ لا تُردُّ دعوتُهم: الصائمُ حين يُفطِر، والإمامُ العادلُ، ودعوةُ المظلوم يرفعها الله فوق الغَمام، ويفتحُ لها أبوابَ السماء، ويقول لها الربُّ: وعِزَّتي وجلالي! لأنصُرنَّك ولو بعد حين»؛ أخرجه أحمد. فسُبحان من سمِع أنين المُضطَهد المهموم، وسمِع نداء المكروب المغموم، فرفع للمظلوم مكانًا، ودمغَ الظالمَ فعاد بعد العِزِّ مُهانًا. أيها المسلمون: والظلمُ لا يدومُ ولا يطولُ، وسيضمحِلُّ ويزول، وللمظلوم المهضوم السطوةَ والانتصار، والفلَجَ والإظفار، وللظالم الجائر المُعتدي الفاجِر الذِّلَّةَ والصَّغار، والدمارَ والخَسار، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [يوسف: ٢١]. ثم صلُّوا وسلِّموا على خير الورى، فمن صلَّى عليه صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا. اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة، أصحاب السنة المُتَّبَعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآل والصحابة أجمعين، والتابعين لهم وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وجُودك يا أرحم الراحمين. اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين، ودمِّر أعداء الدين، وانصر عبادك المُوحِّدين، ودمِّر الطغاة والمُعتدين، ودمِّر الطغاة والمُعتدين، ودمِّر الطغاة والمُعتدين يا رب العالمين. اللهم أدِم على بلاد الحرمين الشريفين أمنَها ورخاءَها، وعِزَّها واستقرارها، ووفِّق قادتَها لما فيه عِزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين يا رب العالمين. اللهم عُمَّ بالأمن والرخاء والاستقرار جميعَ أوطان المسلمين يا أرحم الراحمين، اللهم عُمَّ بالأمن والرخاء والاستقرار جميعَ أوطان المسلمين يا أرحم الراحمين. اللهم اجعل أهلَنا في سورية وليبيا واليمن في ضمانك وأمانك وإحسانك يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين احفظهم من كل سوءٍ ومكروهٍ وفتنةٍ يا كريم، اللهم احقِن دماءهم، اللهم احقِن دماءهم، اللهم احقِن دماءهم، وصُن أعراضَهم، واحفظ أموالَهم وأمنَهم واستقرارَهم ووحدَتهم يا أرحم الراحمين. اللهم اكشِف الغُمَّة، اللهم اكشِف الغُمَّة، اللهم اكشِف الغُمَّة، وأطفِئ جمرة الفتنة وشرارة الفوضى ونار الاصطدام يا رب العالمين. اللهم قاتلِ الكفرة الذين يصدُّون عن سبيلك ويُعادون أولياءك، واجعل عليهم عذابَك ورِجزَك إلهَ الحق يا رب العالمين. اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود، اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود، اللهم عليك باليهود الغاصبين، والصهاينة الغادرين، اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تُحقِّق لهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم عبرةً وآية يا قوي يا عزيز يا رب العالمين. اللهم لا تُشمِت بنا أحدًا، اللهم لا تُشمِت بنا أحدًا، ولا تجعل لكافرٍ علينا يدًا، اللهم اشف مرضانا، وعافِ مُبتلانا، وفُكَّ أسرانا، واشف مرضانا، وارحم موتانا، وانصرنا على من عادانا يا رب العالمين. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 26

خطبة المسجد النبوي - ١ رجب ١٤٣٢ - من أعمال القلوب: الخوف والرجاء - الشيخ علي الحذيفي الخطبة الأولى الحمد لله العلي الأعلى، لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه: ٦، ٧]، أحمد ربي وأشكره على ما أعطى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأسماء الحُسنى، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله المُصطفى، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه البررة الأتقياء. أما بعد: فاتقوا الله - أيها المسلمون - حقَّ التقوى، واعلموا أن الله يعلمُ ما في أنفسكم فاحذروه، إن الله لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء. عباد الله: إن أعمال القلوب أعظم شيءٍ وأكبرُ شيءٍ؛ فثوابُها أعظم الثواب، وعقابُها أعظمُ العقاب، وأعمالُ الجوارح تابعةٌ لأعمال القلوب ومبنيَّةٌ عليها، ولهذا يُقال: القلبُ ملكُ الأعضاء، وبقيةُ الأعضاء جنوده. عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ قلبُه»؛ رواه أحمد. ومعنى استقامة القلب: توحيده لله ﵎ وتعظيمه ومحبته وخوفه ورجاؤه، ومحبة طاعته وبُغض معصيته. وروى مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». وقال الحسن لرجلٍ: "داوِ قلبك؛ فإن حاجة الله إلى العباد صلاحُ قلوبهم". وإن من أعمال القلوب التي تبعثُ على الأعمال الصالحة، وتُرغِّب في الدار الآخرة، وتزجُر عن الأعمال السيئة، وتُزهِّدُ في الدنيا، وتكبَحُ جماحَ النفس العاتية: الخوفَ والرجاء، الخوف من الله، والرجاء فيما عنده. فالخوف من الله تعالى سائقٌ للقلب إلى فعل كل خير، وحاجزٌ له عن كل شرٍّ، والرجاءُ قائدٌ للعبد إلى مرضاة الله وثوابه، وباعثٌ للهِمَم إلى جليل صالح الأعمال، وصارفٌ له عن قبيح الفِعال. والخوفُ من الله مانعٌ للنفس عن شهواتها، وزاجرٌ لها عن غيِّها، ودافعٌ لها إلى ما فيه صلاحُها وفلاحُها. والخوفُ من الله شُعبةٌ من شُعب التوحيد، يجبُ أن يكون لرب العالمين، وصرفُ الخوف لغير الله شُعبةٌ من شُعب الشرك بالله ﵎. وقد أمر الله تعالى بالخوف منه ، ونهى عن الخوف من غيره، فقال : إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٧٥]، وقال : فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا [المائدة: ٤٤]، وقال : وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة: ٤٠]. وعن أنس ﵁ قال: خطبَنا رسول الله ﷺ فقال: «لو تعلمون ما أعلم لضحِكتم قليلاً، ولبكيتُم كثيرًا»، فغطَّى أصحاب رسول الله ﷺ وجوهَهم ولهم خَنين - أي: لهم صوتٌ من البكاء -؛ رواه البخاري ومسلم. والخوف يُراد به: انزعاجُ القلب واضطرابُه، وتوقُّعه عقوبة الله على فعل مُحرَّمٍ أو ترك واجبٍ أو التقصير في مُستحبٍّ، والإشفاق ألا يقبل الله العملَ الصالح؛ فتنزجِرُ النفسُ عن المُحرَّمات، وتُسارع إلى الخيرات. والخشية، والوَجَل، والرهبة، والهَيْبة ألفاظٌ مُتقاربة المعاني، وليست مُرادفةً للخوف من كل وجهٍ؛ بل الخشيةُ أخص من الخوف، فالخشية خوفٌ من الله مع علمٍ بصفاته - جل وعلا -، كما قال : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨]. وفي "الصحيح" أن النبي ﷺ قال: «أمَا إني أخشاكم لله وأتقاكم لله». والوَجَل: رجَفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته. والرهبةُ: الهربُ من المكروه. والهيبةُ: خوفٌ يُقارنه تعظيمٌ وإجلال. والله ﵎ أحقُّ أن يُخشَى وأحقُّ أن يُهابَ ويُرهَب. قال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "فالخوف لعامة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبةُ للمُحبِّين، والإجلال للمُقرَّبين، وعلى قدر العلم والمعرفة بالله يكون الخوف والخشيةُ من الله تعالى". وقد وعد الله من خاف منه، فحجزه خوفُه عن الشهوات، وساقَه إلى الطاعات؛ وعدَه أفضل أنواع الثواب، فقال ﵎: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ [الرحمن: ٤٦ - ٤٨]. والأفنان: هي الأغصان الحسنةُ النضِرة. قال عطاء: "كل غُصنٍ يجمع فنونًا من الفاكهة". وقال تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات: ٤٠، ٤١]، وقال ﵎: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور: ٢٥ - ٢٨]. فأخبر الله أن من خافَه نجَّاه من المكروهات وكفاه، ومنَّ عليه بحُسن العاقبة. روى ابن أبي حاتم عن عبد العزيز - يعني: ابن أبي رواد - قال: بلغني أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم: ٦] وعنده بعض أصحابه، وفيهم شيخٌ، فقال الشيخ: يا رسول الله! حجارةُ جهنَّم كحجارة الدنيا؟ فقال النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده؛ لصخرةٌ من جهنم أعظمُ من جبال الدنيا كلها»، قال: فوقع الشيخُ مغشيًّا عليه، ووضع النبي ﷺ يدَه على فؤاده فإذا هو حيٌّ، فناداه قال: «يا شيخُ! قل: لا إله إلا الله»، فقالها، فبشَّره النبي ﷺ بالجنة، فقال بعض أصحابه: يا رسول الله! أمن بيننا؟ قال: «نعم، يقول الله تعالى: ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم: ١٤]». ولقد كان السلف يغلبُ عليهم الخوف من الله ﵎، ويُحسِنون العمل، ويرجون رحمةَ الله ، ولذلك صلُحت حالُهم، وطابَ مآلُهم، وزَكَت أعمالُهم. قد كان عمر ﵁ يعُسُّ ليلاً فسمع رجلاً يقرأ سورة الطور، فنزل عن حماره واستند إلى حائط، ومرضَ شهرًا يعودونه لا يدرون ما مرضُه. وقال أمير المؤمنين علي ﵁ وقد سلَّم من صلاة الفجر وقد علاه كآبة، وهو يُقلِّبُ يدَه -: "لقد رأيتُ أصحاب محمدٍ ﷺ فلم أر اليوم شيئًا يُشبِههم، لقد كانوا يُصبِحون شُعثًا صُفرًا غُبرًا، بين أعينهم أمثالُ رُكَب المِعزَى، قد باتوا لله سُجَّدًا وقيامًا، يتلون كتابَ الله، يُراوِحون بين جِباههم وأقدامهم، فإذا أصبَحوا ذكروا الله فمادُوا كما يميدُ الشجر في يوم الريح، وهمَلت أعينهم بالدموع حتى تبُلّ ثيابهم". ومرض سُفيان الثوري من الخوف. ولما ودَّع عبدُ الله بن رواحة أصحابَه وهو ذاهبٌ إلى غزوة مُؤتة بكى وقال: "واللهِ ما أبكي صبابةً بكم، ولا جزعًا من فِراق الدنيا، ولكني ذكرتُ آيةً من كتاب الله ، قال الله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [مريم: ٧١]، فكي لي بالصَّدَر بعد الورود". والأخبارُ في هذا تطول عنهم ﵃. والخوفُ المحمود هو الذي يحثُّ على العمل الصالح ويمنع من المُحرَّمات، فإذا زاد الخوفُ عن القدر المحمود صار يأسًا وقنوطًا من رحمة الله، وذلك من الكبائر. قال ابن رجب ﵀: "والقدرُ الواجبُ من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك؛ بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسُّط في فضول المُباحات؛ كان ذلك فضلاً محمودًا، فإن تزايَد على ذلك؛ بأن أورثَ مرضًا أو موتًا أو همًّا لازمًا بحيث يقطع عن السعي؛ لم يكن محمودًا". وقال أبو حفص: "الخوف سوط الله يُقوِّم به الشاردين عن بابه"، وقال: "الخوف سراجٌ في القلب". وقال أبو سليمان: "ما فارقَ الخوفُ قلبًا إلا خرِب". فالمسلمُ بين مخافتين: أمرٌ مضى لا يدري ما الله صانعٌ فيه، وأمرٌ يأتي لا يدري ما الله قاضٍ فيه. وأما الرجاء: فهو الطمعُ في ثواب الله ﵎ على العمل الصالح، فشرطُ الرجاء: تقديم العمل الحسن والكفُّ عن المُحرَّمات أو التوبة منها، وأما ترك الواجبات، واتباع الشهوات، والتمنِّي على الله ورجاؤه فذلك يكون أمنًا من مكر الله لا رجاءًا، وقد قال تعالى: فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف: ٩٩]. وقد بيَّن الله تعالى أن الرجاء لا يكون إلا بعد تقديم العمل الصالح ولا يكون بدونه، قال ﵎: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر: ٢٩]، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: ٢١٨]. والرجاءُ عبادةٌ لا تُصرف إلا لله تعالى، فمن علَّق رجاءَه بغير الله فقد أشرك، قال تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: ١١٠]. والرجاءُ وسيلةُ قُربى إلى الله، فقد جاء في الحديث عن الله ﵎: «أنا عند ظنِّ عبدي بي وأنا معه إذا ذكَرني». والواجبُ: الجمعُ بين الخوف والرجاء، وأكملُ أحوال العبد محبةُ الله تعالى مع اعتدال الخوف والرجاء، وهذه حال الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - والمؤمنين، قال تعالى عنهم: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء: ٩٠]، وقال تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [السجدة: ١٦]. فإذا علِمَ المسلمُ شُمول رحمة الله، وعظيمَ كرمه، وتجاوُزه عن الذنوب العِظام، وسعة جنته، وجزيل ثوابه؛ انبسَطت نفسُه واسترسَلَت في الرجاء والطمع فيما عند الله من الخير العظيم، وإذا علِمَ عظيمَ عقاب الله، وشدةَ بطشه وأخذه، وعسير حسابه، وأهوال القيامة، وفظاعة النار، وأنواع العذاب في النار؛ كفَّت نفسُه وانقمَعت، وحذِرت وخافَت، ولهذا جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلمُ المؤمنُ ما عند الله من العقوبة ما طمعَ بجنته أحدٌ، ولو يعلمُ الكافرُ ما عند الله من الرحمة ما قنِطَ من جنَّته»؛ رواه مسلم. وقد جمع الله بين المغفرة والعذاب كثيرًا في كتاب الله ، فمما قال ﵎: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ [الرعد: ٦]، وقال تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٩٨]. نقل الغزال ﵀ عن مكحول الدمشقي قال: "من عبدَ الله بالخوف وحده فهو حروريٌّ، ومن عبدَ الله بالرجاء وحده فهو مُرجئٌ، ومن عبدَ الله بالمحبة وحدها فهو زنديق، ومن عبَدَه بالخوف والرجاء والمحبة فهو مُوحدٌ سنِّي". وفي "مدارج السالكين" للإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "القلبُ في سيره إلى الله بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلِمَ الرأسُ والجناحان فالطائرُ جيدُ الطيران، ومتى قُطِع الرأسُ مات الطائر، ومتى فُقِد الجناحان فهو عُرضةٌ لكل صائدٍ وكاسدٍ". ولكن السلف استحبُّوا أن يقوَى في الصحة جناحُ الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوَى جناحُ الرجاء على جناح الخوف، فالمحبةُ هي المركب، والرجاءُ حادٍ والخوفُ سائق، والله المُوصِلُ بمنِّه وكرمه، قال ﵎: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر: ٤٩، ٥٠]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله ذي الجلال والإكرام والعِزَّة التي لا تُرام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عزيزٌ ذو انتقام، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله المبعوثُ رحمةً للعالمين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه الكرام. أما بعد: فاتقوا الله - أيها المسلمون -، وارجوا ثوابَه، واخشَوا عقابَه، واسمعوا قول الله ﵎: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٩٨]، فخافوا عقابَه، وارجوا رحمتَه وثوابَه. وقد روى البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: لرجلٌ يُوضَع في أخمص قدمَيه جمرتان يغلي منهما دماغه، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا». وروى مسلم من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: سأل موسى ﷺ ربَّه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: «هو رجلٌ يجِيءُ بعدما أُدخِل أهل الجنةِ الجنة، فيُقال له: ادخل الجنة، فيقول: أيْ ربِّ! كيف وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟! فيقول له: أترضى أن يكون مثلُ مُلكِ ملِكٍ من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيتُ ربِّ، فيقول الرب ﵎: لك ذلك، ومثلُه ومثلُه ومثلُه ومثلُه، فيقول في الخامسة: رضيتُ ربِّ، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهَت نفسُك، ولذَّت عينُك، فيقول: رضيتُ ربِّ». فالخوف من عذاب الله والرجاء في ثوابه أمرٌ لا بد منه في استقامة المسلم، وفي هذا العصر الذي غلبت فيه القسوة والغفلة وحب الدنيا على القلوب، وتجرَّأ أكثر العباد على الآثام والذنوب، يُقوَّى جناحُ الخوف؛ لتستقيم النفوس، وتزكُو القلوب، وعند الانقطاع من الدنيا يُغلَّب الرجاء؛ لقوله ﷺ : «لا يمُت أحدكم إلا وهو يُحسِنُ الظنَّ بربه». فالخوف من الله يقتضي القيامَ بحقوق الله تعالى، ويُبعِد المسلم عن التقصير فيها، ويحجُز العبدَ عن ظلم العباد والعدوان عليهم، ويحثُّه ويدفعه إلى أداء الحقوق لأصحابها وعدم تضييعها والتهاوُن بها، ويمنع المسلمَ من الانسياق وراء الشهوات والمُحرَّمات، ويجعله على حذرٍ من الدنيا وفتنتها وزخرفها، وعلى شوقٍ إلى الآخرة ونعيمها. ومن وحَّد الله ﵎ وعافاه الله من دماء الناس وأموالهم وأعراضهم فقد نجا من شقاوة الدنيا وكُربات الآخرة ومن عذاب الله ﵎، وفاز بجنةٍ لا يفنى نعيمُها ولا يَبيد. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]، فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين وإمام المرسلين. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمد وعلى آل محمد، كما بارَكت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا. اللهم وارضَ عن الصحابة أجمعين، وعن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم وارضَ عنَّا بمنِّك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لموتانا وموتى المسلمين يا رب العالمين، اللهم ألِّف بين قلوب المسلمين وأصلِح ذات بينهم. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك يا قوي يا عزيز. اللهم أذِلَّ البدع يا رب العالمين إلى يوم الدين. اللهم احفظ دماء المسلمين، اللهم احفظ دماء المسلمين، اللهم احقِن دماء المسلمين، واحفظ أعراضهم وأموالهم يا رب العالمين، اللهم واكفِهم شر المُعتدين الظالمين يا رب العالمين، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم أعِذ المسلمين من شر الظالمين ومن عدوان الظالمين يا رب العالمين. اللهم أطفِئ الفتن التي هبَّت على المسلمين يا رب العالمين، اللهم أطفِئها بعزٍّ للإسلام والمسلمين يا رب العالمين، وبما يُرضيك يا أرحم الراحمين، وبذلٍّ لأعداء الدين يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم ولاة أمورنا. اللهم وفِّق خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عمله في رِضاك، وأعِنْه على ما يُرضيك وما فيه صلاحُ الإسلام والمسلمين يا رب العالمين، اللهم وفِّق نائبَيْه لما تحب وترضى، ولما فيه العزُّ للإسلام يا أرحم الراحمين. اللهم أغِثنا، اللهم أعِذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأعِذنا من شر كل ذي شرٍّ يا رب العالمين، اللهم أعِذنا وذرياتنا من إبليس وذريته وجنوده وشياطينه، اللهم أعِذ المسلمين من إبليس وذريته وشياطينه يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: ٩٠، ٩١]. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 27

خطبة المسجد النبوي - ٨ رجب ١٤٣٢ - الأخوة الإيمانية - الشيخ حسين آل الشيخ الخطبة الأولى الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعلها سببًا للمودة والوِئام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملكُ العلاَّم، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُه ورسوله سيدُ ولد عدنان، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أيها المسلمون: من الأصول الدينية العظيمة: وجوب تحقيق الأُخوَّة بين المؤمنين: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠]، والنبي ﷺ يقول: «المسلمُ أخو المسلم». ومن هنا؛ فعلى المسلم أن يعلمَ أن أعظم حقٍّ لهذه الأُخُوَّة أن يلتزِم بالقاعدة القرآنية: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة: ٧١]، وأن يعمل جادًّا في تحقيق المبدأ الذي دعا إليه سيدُ البشرية محمد ﷺ بأن يحبَّ للمسلمين ما يُحبُّه لنفسه في كل الأحوال وجميع التصرُّفات ظاهرًا وباطنًا، عملاً بقوله ﷺ : «مثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم كمثَل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعَى له سائرُ الجسد بالسهر والحُمَّى»؛ متفق عليه. ويقول ﷺ داعيًا المجتمعَ المسلمَ إلى أن تشِيعَ فيه روحُ المحبة الصادقة وعاطفةُ المودَّة الصادقة: «لا يُؤمنُ أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه»؛ متفق عليه. أيها المسلمون: إن الواجب على المسلم أن يسعى في تحقيق هذه المُثل العُليا والأخلاق العُظمى، فهو حسنٌ في قوله وفعله، فاضلٌ في سلوكه ومنهجه، ويجبُ عليه أن يكون رحيمًا لطيفًا رفيقًا بإخوانه المسلمين، هيِّنًا سهلاً مُتواضعًا مع أحبابه المؤمنين، حليمًا عند الغضب، كظومًا عند الغيظ، عفوًّا عند الإساءة والجهل، يتعاملُ مع المسلمين بكل خُلُقٍ رفيعٍ وتعامُلٍ سامٍ راقٍ تقبلًُه النفوس البشرية، وتألفُه الطِّباعُ الإنسانية. فالمسلمُ يجب أن يكون في عيشه مع الناس يجب أن يكون ذا ذوقٍ عالٍ، يتمتَّعُ بكل صفةٍ مُحبَّبةٍ للقلوب، مُرغّبةً للنفوس، مُقتديًا في ذلك بالنبي الأعظم والرسول الأكرم - عليه أفضل الصلاة والسلام -، والذي وصَفه ربُّه بقوله: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤]، فحينئذٍ يتبوَّأ المسلم بتلك الصفات المنزلةَ الرفيعةَ والمكانةَ العاليةَ في الدنيا والآخرة. يقول عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وعن أبيه -: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا ولا مُتفحِّشًا. وكان يقول: «إن من خيارِكم أحسنَكم أخلاقًا»؛ متفق عليه. ولا غَروَ؛ فإن الأخلاق الحسنة والصفات الجميلة أسبابُ الفلاح، وركائزُ الفوز والنجاح، فقد سُئِل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يُدخِل الناسَ الجنةَ، قال: «تقوى الله وحُسن الخُلق»، وسُئِل عن أكثر ما يُدخِل الناسَ النار، فقال: «الفمُ والفَرجُ»؛ رواه الترمذي، وقال: حسنٌ صحيح، وصحَّحه ابن حبان. وفي "سنن أبي داود" بسندٍ حسن أن النبي ﷺ قال: «إن المؤمن لَيُدرِك بحُسن خُلُقه درجةَ الصائم القائم». فيا من تريد النجاة وتبتغي السعادة! كن هيِّن المعشر، ليِّن الطِّباع، سهل التعامُل، فرسولُنا ﷺ يقول: «ألا أُخبِركم بمن تحرُم عليه النار أو بمن يحرُم على النار؟ تحرُم على كل قريبٍ هيِّنٍ ليِّنٍ سهل»؛ رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسن. وفي "الصحيحين" أن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتلٍّ جوَّاظٍ مُستكبِر». والعُتُلُّ: هو الغليظ الجافي في الطبع وفي الفعل. والجوَّاظ: هو الجَموع المَنوع. فاتقوا الله - أيها المؤمنون -، وخذوا من وصية الله - جل وعلا - لنبيِّه مثالاً يُحتذَى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر: ٨٨]. بارك الله لنا فيما سمِعنا، ونفعنا بما تعلَّمنا، أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله سيدُ الخلق أجمعين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فيا أيها المسلمون: إن أعظم الأسباب المُحرَّمة التي تهتِكُ حقوق الأُخوَّة: التعدِّي على المسلمين بقولٍ أو فعلٍ، والتطاوُل على حقوقهم، والسعيُ إلى ظلمهم والإضرار بهم، يقول - جل وعلا -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ [الحجرات: ١١]. فاحذر - أيها المسلم - من التعرُّض لما يخدِشُ هذه الأُخوَّة المفروضة بسببٍ قلبيٍّ أو فعليٍّ أو قوليٍّ، ماديٍّ أو معنويٍّ، يقول ﷺ ناهيًا عن هذه الأمور: «لا تَحاسَدوا، ولا تَباغَضوا، ولا تَدابَروا، ولا يبِع بعضُكم على بيع بعضٍ، وكونوا عبادَ الله إخوانًا، المسلمُ أخو المسلم لا يظلمُه ولا يحقِرُه، التقوى ها هنا - يُشير بيده إلى صدره ثلاث مرات -»، ثم يقول ﵊: «بحسب امرئٍ من الشر أن يحقِر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمُه ومالُه وعِرضه»؛ رواه مسلم. فأين المسلمون من هذه التوجيهات العظيمة والوصايا اللازمة؟! فهل يتقِ اللهَ مسلمٌ يُسلِّط على إخوانه السلاحَ ويُحاربُهم كأنهم أعداء بسبب دنيا فانية، ومنافع زائلة. فتمسَّكوا بالإسلام، حكِّموا الإسلام في القلوب، طبِّقوه في الأفعال، التَزموا به في الأقوال، الله - جل وعلا - يقول: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب: ٥٨]. ثم إن الله - جل وعلا - أمرنا بأمرٍ عظيم، ألا وهو: الصلاة والسلام على النبي الكريم. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين. اللهم أصلِح أحوالنا وأحوال المسلمين، اللهم فرِّج همومنا وهموم المؤمنين، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم حقِّق لهم ما يصبُون إليه يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اجعل السعادة حليفَهم في الدنيا والآخرة، اللهم أصلِح أحوالهم، اللهم أصلِح أحوالهم، اللهم أصلِح أحوالهم. اللهم ولِّ عليهم خِيارَهم، اللهم ولِّ عليهم خِيارَهم، اللهم ولِّ عليهم خِيارَهم، اللهم واكفِهم شِرارَهم، اللهم واكفِهم شِرارَهم، اللهم واكفِهم شِرارَهم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم احقِن دماء المسلمين، اللهم احقِن دماء المسلمين، اللهم احقِن دماء المسلمين. اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّه وترضاه يا ذا الجلال والإكرام، اللهم هيِّئ له البطانةَ الصالحةَ الناصحةَ يا ذا الجلال والإكرام. عباد الله: اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، وسبِّحُوه بُكرةً وأصيلاً. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 28

خطبة المسجد النبوي - ١٥ رجب ١٤٣٢ - التحذير من الفتن - الشيخ عبد المحسن القاسم الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى. أيها المسلمون: امتنَّ على عباده بنعمٍ ظاهرةٍ وباطنة، ولا تتمُّ نعمةٌ إلا بالدين، والثبات عليه من التحوُّل أو النقصان من أشق الأمور، قال أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ يُكثِر أن يقول: «يا مُقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك». فقلتُ: يا رسول الله! آمنَّا بك وبما جئتَ به، فهل تخافُ علينا؟ قال: «نعم، لإن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يُقلِّبها كما يشاء»؛ رواه الترمذي. ومن دعاء الصالحين: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً [آل عمران: ٨]. والشيطان راصدٌ للإنسان في كل سبيلٍ لإفساد دينه، قال ﵊: «إن عرش إبليس على البحر، فيبعثُ سراياه فيفتنِون الناس، فأعظمُهم عنده أعظمُهم فتنة»؛ رواه مسلم. والفتنُ من أعظم المُؤثِّرات على الدين، فلا تعرفُ سنًّا ولا جنسًا ولا بلدًا، وهي تُمحِّص القلوبَ وتُظهِرُ ما فيها من صدقٍ أو ريب، فتتعرَّض لكل قلبٍ فيسقط فيها أقوامٌ وينجو آخرون، قال ﵊: «تُعرضُ الفتنُ على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها نُكِتَت فيه نُكتةٌ سوداء، وأيُّ قلبٍ أنكرها نُكِتَت فيه نُكتةٌ بيضاء»؛ رواه مسلم. وهي كثيرةٌ، وصفها النبي ﷺ بقوله: «بادِروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المُظلِم»؛ رواه مسلم. ولا تدَعُ بيتًا إلا دخَلَته، قال ﵊: «إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القَطر»؛ متفق عليه. وكلما فُتِحت نعمةٌ نزلَت معها فتنة، قال النبي ﷺ : «ماذا فُتِح الليلة من الخزائن وماذا أُنزِل من الفتن؟»؛ متفق عليه. وإذا بعُد الناس عن زمن النبوة ظهرَت الفتن، قال ﵊: «لا تقومُ الساعةُ حتى يُقبَض العلمُ، وتكثُر الزلازل، ويتقارَب الزمانُ، وتظهرَ الفتن»؛ رواه البخاري. وهي تتوالَى على العبد إلى مماته، وقد تأتي بمُهلِكته وقد تتدرَّج عليه، قال ﵊: «إن أمتي هذه جُعِل عافيتُها في أولها، وسيُصيبُ آخرَها بلاءٌ وأمورٌ تُنكِرونها، وتجيءُ فتنةٌ فيُرقِّقُ بعضُها بعضًا، وتجيءُ الفتنةُ فيقول المؤمنُ: هذه مُهلِكَتي، ثم تنكشِفُ وتجيءُ الفتنة، فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحبَّ أن يُزحزَحَ عن النار ويدخل الجنةَ فلتأتِه منيَّتُه وهو يؤمنُ بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يُحبُّ أن يُؤتَى إليه»؛ رواه مسلم. وخطَرها كبير، من دنا منها أخذَته، ومن حام حول حِماها أوقَعَته، قال النبي ﷺ : «من تشرَّف لها تستشرِفه»؛ متفق عليه. منها ما هو كبير يمُوج كموج البحر، ومنها ما هو دون ذلك، قال النبي ﷺ وهو يعُدُّ الفتن: «منهن ثلاثٌ لا يكَدنَ يذَرنَ شيئًا، ومنهن فتنٌ كرياح الصيف منها كبار ومنها صغار»؛ رواه مسلم. منها ما تُخرِج المرء من الدين، قال ﵊: «يُصبِحُ الرجلُ مؤمنًا ويُمسِي كافرًا، أو يُمسِي مؤمنًا ويُصبِح كافرًا، يبيعُ دينَه بعرَض من الدنيا»، رواه مسلم. قال النووي ﵀: "وهذا لعِظَم الفتن ينقلِبُ الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب". وفتنةُ الشرك أعظمُ من القتل، ومن فتنته أن يُظنَّ أن دعوة الأموات وأصحاب القبور مسموعة، فردَّ الله شبهَتهم بقوله: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: ١٣، ١٤]. أو يُظنَّ أن العمل الصالح لا ينقُضه الشركُ ولا يُفسِده، وقد أخبر الله أن العمل الصالح يبطُل إذا قارنَه الشرك به، قال - سبحانه -: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر: ٦٥]. وكل عملٍ لم يكن خالصًا لله فإنه لا يُقبَل ولو كثُر، والرياء في الأعمال وعدم الإخلاص فيها لله أعظم من فتنة الدجال، قال ﵊: «ألا أُخبِركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجَّال؟». قلنا: بلى، قال: «الشرك الخفِيُّ»؛ رواه ابن ماجه. والتوكُّل على الله أحد ركنَي الدين: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥]، والله - سبحانه - هو الخالق الرازق القدير، وتفويض الأمر إليه يشرحُ الصدر ويُيسِّر الأمر، ويُحقِّقُ - بإذن الله - المُنى، قال - جل شأنه -: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣]. والاعتماد على الأسباب في طلب الرزق وغيره والتعلُّق بالمخلوقين مع ضعف التوكُّل أو تركه فتنةٌ في الدين، وذلٌّ للنفس، وجلبٌ للأحزان، وداعٍ للهموم، والإيمانُ يصقُل النفوس ويُهذِّبها ولا يُذبذِبُها، فتشكر ربَّها عند النعماء، وتصبر عند البلاء. ومن الفتن: تركُ الهداية إن نزلت محنةٌ أو أقبلَت دنيا بزُخرفها أو تحليل ما كان يراه حرامًا اتباعًا لهوىً أو طمعًا بدنيا، قال الله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ [الحج: ١١]. والخلقُ يُفتنُ بعضُهم ببعض، قال - سبحانه -: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ [الفرقان: ٢٠]. قال ابن القيم ﵀: "وهذا عامٌّ في جميع الخلق، امتحنَ بعضَهم ببعض، فامتُحِن الرسل للمُرسَل إليهم، والمُرسَل إليهم بالرسل، وامتُحِن العلماء بالجهَّال، وامتُحِن الجهَّال بالعلماء، وامتُحِن الأغنياء بالفقراء، والفقراء بالأغنياء". والأُلفة وجمع الكلمة على الحق من أسس قوة الإسلام وأهله، ونهى الله عن الشتات والافتراق، فقال: وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا [الروم: ٣١، ٣٢]، ومن أُوليات أعمال النبي ﷺ لما قدِمَ المدينة تأليفُ قلوب الأوس والخزرج والمُؤاخاة بين المهاجرين والأنصار لنشر الإسلام. ومن الفتن: الفُرقة والنزاع والاختلاف بين المسلمين اتباعًا لهوًى ونحوه، قال شيخ الإسلام ﵀: "والفتنُ التي يقعُ فيها التهاجُر والتباغُض والتطاعُن والتلاعُن ونحو ذلك هي فتنٌ وإن لم تبلغ السيف". والله كرَّم الإنسانَ وفضَّلَه وعظَّمَ حرمةَ المسلم ودمَه، وفي آخر الزمان يقلُّ العمل الصالح ويضعُف الإيمانُ في النفوس، فيُستهانُ بحُرمات الله، ومن الفتن: كثرة القتل في الأمة، قال ﵊: «ويكثُر الهَرجُ». قالوا: يا رسول الله! وما الهَرج؟ قال: «القتل»؛ متفق عليه. ولكثرة القتل يُسفكُ الدم من غير سبب، قال ﵊: «ليأتينَّ على الناس زمانٌ لا يدري القاتلُ في أي شيءٍ قتَل، ولا يدري المقتول على أي شيءٍ قُتِل»؛ رواه مسلم. ومن سلِمَت يدُه عن الاعتداء فليحفَظ لسانَه عن أعراض المسلمين. والمالُ فتنةُ هذه الأمة، كما قال ﵊: «فتنةُ أمتي في المال»؛ رواه الترمذي. وكان ﵊ يتعوَّذ من فتنته يقول: «وأعوذ بك من فتنة الغِنى ومن فتنة الفقر»؛ متفق عليه. وخشِيَ ﵊ على أمته كثرةَ المال والمنافسةَ في جمعه، فقال: «واللهِ ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبسطَ عليكم الدنيا كما بُسِطَت على من كان قبلكم، فتنافَسُوها كما تنافَسُوها، فتُهلِكَكم كما أهلكَتهم»؛ متفق عليه. ومن فتنته: جمعُه سواءٌ من حِلٍّ أم من حرام، قال ﵊: «يأتي على الناس زمانٌ لا يُبالي المرءُ ما أخذَ منه أمِن الحلال أم من الحرام»؛ رواه البخاري. ومن فتنته: البخلُ به أو احتقار المساكين أو جعله سببًا للعصيان أو الاستكبار به على الخلق ونسيانُ أن الله هو المُنعِم عليه أو بيع الدين للحصول عليه، كما قال ﵊: «يبيعُ دينَه بعَرَضٍ من الدنيا»؛ رواه مسلم. والسعيدُ من قنِعَ بعطاء الله له وجمعه من حلالٍ وأيقنَ بأن الله هو المُنعِمُ عليه وحده، فشكر ربَّه وتواضَع للخلق وبذَلَ مالَه ابتغاء مرضات الله. والدنيا تزيَّنت لأهلها وفتحَت أبوابها في الصناعة والآلة والبناء وغيرها، والمرءُ قد يُفتنُ بما يراه فيها، وينسى أن الله هو الذي وهبَ للإنسان العقلَ وسخَّر له الأرضَ وما فيها مع كواكب أخرى؛ لتكون عونًا للإنسان على طاعة ربه، وحذَّر أن تكون تلك النعمُ صادَّةً عنه، وإذا استكبَر بما صنعَه وانبهَر بما رآه فالأُمم السابقةُ قد فُتِح لها من القوة والمال والولد ما لم يُفتَح لهذه الأمة، قال - سبحانه -: كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا [التوبة: ٦٩]. والأولاد زينةُ الحياة، وجعلَهم الله فتنةً، كما قال - سبحانه -: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن: ١٥]، ومن فتنتهم: التفريطُ في تنشِئَتهم على الدين أو جمعُ المال من غير حِلِّه لهم أو تركُ شيءٍ من أنواع الطاعات أو انتهاكُ محظورٍ من أجلهم. والدجَّال ما من نبيٍّ إلا حذَّر أمتَه منه، وهو أعظم إنسانٍ هيئةً وأشدُّه وثاقًا، مجموعةٌ الآن يداهُ إلى عُنقه، وما بين رُكبتيه إلى كعبَيه بالحديد، وإذا أذِنَ الله بخروجه حُلَّ وثاقُه وسعى في الأرض، فيهرُب الناسُ إلى الجبال خوفًا منه، ومن فتنته: ادِّعاءُ الربوبية، فيُكذِّبُه بعضُ الناس، فيأمر السماءَ فتُمطِر، والأرضَ فتُنبِت، ويمرُّ بالخَرِبة فيقول لها: أخرِجي كنوزكِ، فتتبعُه كنوزُها، ويضربُ الرجلَ بالسيف فيقطعه قطعتين، ثم يدعوه فيُقبِل فيُقبِل إليه، فإذا رأى ذلك بعضُ الناس قالوا: أنت ربُّنا فتنةً لهم. وبعد، أيها المسلمون: فلا عاصمَ من الفتن إلا ما عصمَ الله، قال - سبحانه -: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [المائدة: ٤١]. والدعاء سلاحُ المؤمن في السرَّاء والضرَّاء، والنبي ﷺ أمرَ صحابتَه بالتعوُّذ من الفتن، قال زيد بن ثابت ﵁: أقبلَ علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال: «تعوَّذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن». قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن؛ رواه مسلم. بل وأمر النبيُّ ﷺ بالتعوُّذ منها في كل صلاة، قال ﵊: «إذا تشهَّد أحدكم فليستعِذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجَّال»؛ رواه مسلم. والبُعد عن الفتن عصمةٌ منها، ولهذا أمر النبي ﷺ بالهرب من الدجَّال لمن سمِعَه، ويعظُم قدرُ العبد بالبُعد عنها، قال ﵊: «ستكون فتنٌ القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، من تشرَّف لها تستشرِفه، فمن وجدَ ملجأً أو معاذًا - أي: هربًا منها - فليعُذ به»؛ متفق عليه. قال ابن حجر ﵀: "في الحديث التحذيرُ من الفتنة والحثُّ على اجتناب الدخول فيها، وأن شرَّها يكون بحسب التعلُّق بها". والعلم الشرعي حصنٌ مكينٌ يدرأ عن الجوارح أعمال الشهوات، وعن القلب اعتقاد الشُّبهات، قال ﵊: «تركتُ فيكم أمرين لن تضِلُّوا ما إن تمسَّكتم بهما: كتابَ الله وسنة نبيه»؛ رواه الإمام مالك. والصلوات الخمس جماعةٌ في بيوت الله تحفظُ العبدَ من المكاره والشرور، قال - جل شأنُه -: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: ٤٥]. والرُّفقة الصالحةُ تُدنِي من الخلق وتُباعِدُ عن الشر، وصُحبة السوء ندامةٌ تُجمِّل القبيحَ وتأزُّ إليه، والحياة معبَرٌ، والموفَّق من صانَه الله من الفتن والمِحَن، ثم لقِيَه وهو راضٍ عنه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الزخرف: ٤٣]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا. أما بعد، أيها المسلمون: فتنةُ الشُّبهات تُدفَع باليقين، وفتنةُ الشهوات تُدرأ بالصبر، والمسلمُ الحقُّ هو الذي يُصلِح الناسَ يوم فتنتهم ويُبيِّن خطرَها، ويُوصِي بالاعتصام بحبل الله المتين، وشأنُ العبادة من الدعوة إلى الله وغيرها في أوقات الفتن يعظُم أجرُها عند الله، قال ﵊: «العبادةُ في الهَرج كهجرةٍ إليَّ»؛ رواه مسلم. وعلى المرء ألا يغترَّ بكثرة الهالكين، وألا يستوحِش من قلَّة السالكين، ولا ينظر إلى كثرة من هلَك، وإنما ينظر إلى الناجي كيف نجا لينجو. ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه، فقال في محكم التنزيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا [الأحزاب: ٥٦]. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبينا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدِلون: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنَّا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمنًا مُطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم احقِن دماءهم يا رب العالمين، وأعلِ شرفَهم وقدرَهم، واصرف عنهم عدوَّك وعدوَّهم يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك الجنةَ وما قرَّب إليها من قولٍ أو عمل، ونعوذ بك اللهم من النار وما قرَّب إليها من قولٍ أو عمل. اللهم وفِّق إمامنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، ووفِّق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وتحكيم شرعك يا ذا الجلال والإكرام. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 29

خطبة المسجد النبوي - ٢٢ رجب ١٤٣٢ - الشباب والإجازة - الشيخ صلاح البدير الخطبة الأولى الحمد لله، الحمد لله بارئ النَّسَم، ومُحيِي الرِّمَم، ومُجزِل القِسَم، مُبدِع البدائع، وشارعِ الشرائع، دينًا رضيًّا، ونورًا مُضيًّا، أحمده وقد أسبغَ البرَّ الجزيل، وأسبلَ السترَ الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ عبدٍ آمنَ بربه، ورجا العفو والغفران لذنبه، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعِه وحِزبه صلاةً وسلامًا دائمَيْن ممتدَّيْن مُتلازمَين إلى يوم الدين. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضلُ مُكتسب، وطاعته أعلى نسَب، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ١٠٢]. أيها المسلمون: تجمُل الراحةُ بعد عناء، وتحلو العُطلة بعد تعبٍ وإعياء، ويحصُل رخاءُ البال وفراغُ القلب بعد كدٍّ ومشقَّةٍ وجَهد، ولا بأس بلهوٍ مباح يُروِّح عن النفس، ويُجِمُّ الخاطر، ويدفعُ الكآبة، ويطرُدُ السآمة، ويُجدِّد العزمَ والهمَّة؛ فإن المُنبَت لا أرضًا قطَع، ولا ظهرًا أبقى. ومن فعل ذلك بنيَّةٍ صالحةٍ أُجِر، قال عمر بن عبد العزيز لابنه: "يا بنيّ! إن نفسي مطيَّتي، وإن حملتُ عليها فوق الجَهد قطعتُها". وقال أحد السلف: "إني لأُجِمُّ قلبي باللهو المُباح ليكون أقوى لي على الحق". وقال آخر: "أريحوا القلوب؛ فإن القلب إذا أُكرِه عمِي". ودوام الذكر والفكر في أمر الآخرة فضيلةٌ عظيمة، ولا يعني ذلك حرمانَ النفس نصيبَها من الدنيا؛ فعن حنظلة الأُسيدي ﵁ وكان من كُتَّاب رسول الله ﷺ أنه قال: دخلنا على رسول الله ﷺ ، فقلتُ: نافَقَ حنظلةُ يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : «وما ذاك؟». قلتُ: يا رسول الله! نكون عندك تُذكِّرنا بالجنة والنار حتى كأنَّا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافَسنا الأولاد والأزواجَ والضَّيْعات نسينا كثيرًا، فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده؛ إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافَحتكم الملائكةُ على فُرشكم وفي طرقكم، ولكن - يا حنظلةُ - ساعةً وساعة»؛ أخرجه مسلم. وآخى النبيُّ ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء ﵄، وكان أبو الدرداء يقوم الليل ويصوم النهار، فقال سلمان لأبي الدرداء: إن لربك عليك حقًّا، وإن لنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كل ذي حقٍّ حقَّه. فقال رسول الله ﷺ : «صدق سلمان»؛ أخرجه البخاري. ويقبُح بالمسلم استمهادُ الراحة، واستيطاء الدَّعة، واستدامةُ الغفلة، واستِمراءُ اللغو، وإطلاقُ العَنان للمُتعة والشهوة، وتجاوُز حدود الشرع في الترفيه والترويح. أيها المسلمون: وفراغُ اليد، وبَطالةُ البدن، ودوام الفراغ، ومُحالفة النوم لِقاحُ الفقر والفساد والضياع، ودوامُ الجُثوم على أجهزة التسليط والترفيه يقتُل النبوغ، ويحُدُّ من الفِطنة والذَّكاء، ويشغَلُ الأذهان بما حقُر وهان، ويُهدِرُ الوقت، ويُعقِبُ العِلَل، ويُورِثُ الكسل، ويجلِبُ الفشل. وما الحقُّ أن تهوَى فتُشغَفَ بالذي هوِيتَ إلى ما كان ليس بأجملِ أيها الشَّبَبة: سارِعوا إلى قصَبات التقدُّم وشُرفات العلو، وافترِعوا الشَّعَث السوامِي، وتوقَّلوا إلى التلال والروابي، وشمِّروا للعلم والمعرفة، وأوغِلوا في ميادين العمل والتكسُّب المُباح، أتقِنوا حِرفة، وتعلَّموا صنعة، واكتسِبوا مهارة، وشارِكوا في البناء والنَّماء، واعلموا أن أحصَنَ موئِل، وأمنع معقِل، وأكرمَ مقِيل، وأهدى سبيل: لزوم الكتاب والسنة وتعلُّمهما، والتفقُّه في الدين، وقراءةُ سيرة سيد المرسلين ﷺ ، والتأسِّي به في أفعاله وأحواله وأقواله ﷺ . أيها الشَّبَبة: كونوا ممن يأتي السنيَّة، ويأبى الدنيَّة، كونوا أتقياء برَرة، واحذروا الأشقياء والفجَرة، والعُصاة والفسَقة المكَرة، أصحاب السوء والفتنة الذين يُضيِّعون الصلوات، ويتَّبعون الشهوات، ويأتون المنكرات والمُحرمات، ويتعاطَون الدخانَ والشيشةَ والمُسكِرات والمُخدِّرات، ويُديمون السهرَ على المُوبِقات والمُهلِكات والفضائيات. احذروهم احذروهم؛ فإنهم السمُّ الناقع، والبلاء الواقع. أيها المسلمون: وفي الإجازة تكثُر السافرةُ بالأمصار، والسفر يُسفِرُ عن وجوه المُسافرين وأخلاقهم، ويُظهِرُ منهم ما كان خافيًا، ومن سافر سفرَ طاعةٍ أُجِر وغنِم، ومن سافرَ سفرًا مُباحًا نجا وسلِم، ومن تسربَلَ بالدنيَّة، واختار النقيصة، وتقنَّع بالسوءة، وسافر سفرَ معصية، وساحَ سياحةً محرمة؛ فقد دنَّس عِرضَه، ولطَّخَ شرفَه، وأتى خِزايةً لا تخفى، وعارًا لا يُنسى. اليوم تفعلُ ما تشاءُ وتشتهِي وغدًا تموتُ وتُرفعُ الأقلامُ إذا المرءُ أعطى نفسَه كل ما اشتهَت ولم ينهَها تاقَت إلى كل باطِل وساقَت إليه الإثمَ والعارَ الذي دعَتْه إليه بالحلاوة عاجلِ والمؤمنُ عَيوفٌ للخَنا والمنكر، ودواعِي الهوى طالبة، والنفسُ أمَّارةٌ بالسوء، والشيطانُ يُزيِّنُ ويُوسوِسُ، والهوى يُعمِي ويُصِمّ، والهوى مطيَّةُ الفتنة، والدنيا دارُ المحنة، ومُدَّة اللهو تنقطِع، وعارُ الإثم لا يرتفع، إلا من تاب لربه، ورجع عن خطئه وذنبه. فقُودوا أنفسَكم بالحزم، وتنبَّهوا - أيها الآباء والأولياء -، ولا يفتننَّكم الشيطان، فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان: ٣٣]، وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [الزمر: ٥٤، ٥٥]. بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من البينات والحكمة، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله آوى من إلى لُطفه أوَى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له داوَى بإنعامه من يأِسَ من أسقامه الدوا، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله شهادةً نرجو بها الفوز والهدى والنجاةَ من الخيبة والرَّدى، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما انفلقَ صبحٌ ثم بدا، وسلَّم تسليمًا مزيدًا. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله؛ فقد فاز من اتقى، وخسِر من قادَه الهوى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أيها المسلمون: وفي الإجازة تتوالى الأفراح، وتكثُر عقود النكاح، وأوثقُ العقود بدءًا، وأدومُها أُلفة، وأحمدُها عاقبةً: ما بُنِي على الشرع القويم والهدي المستقيم. أيها المسلمون: لقد تمادَى الناسُ اليوم في المُغالاة في المهور، وتسابَقوا في إظهار البَذَخ والإسراف والتكلُّف والتبذير في حفلات الزواج، وتجاوزوا الحدود في الولائم والذبائح والقصور والألبِسة والثياب تفاخُرًا وتكاثُرًا، وتعالِيًا وتماديًا في الباطل، ولربما صاحبَ بعضَ الأفراح فاحِشُ القول وعظيمُ المنكر، وتفسُّخٌ في الأخلاق، واختلاطُ الرجال بالنساء، ودخول الرجال على النساء وهنَّ سافراتٌ كاشِفات قد لبِسنَ الفاتِنَ والقصير والضيِّق والشفَّاف، إلى غير ذلك من الأفعال الشائنة التي هي وبَالٌ وسِفالٌ على فاعليها، مما لا يرضاه الغَيارى، ويأباه أهل الإيمان والتقوى. وتجاوز آخرون المشروعَ والمُباح من الضرب بالدُّفِّ للنساء خاصةً لإعلان النكاح إلى ما حُرِّم عليهم؛ من استئجار المُطربين والمُطرِبات الذين يتغنَّون بالكلام الفاحِش البذِيء، وآلات اللهو والطرَب والمعازِف، ودفع المبالغ الكبيرة في مثل هذه الأمور. فاتقوا الله - أيها المسلمون -، وعودوا إلى هدي الشرع، ولا تغلِبنَّكم أهواؤكم، ولا تستهوِينَّكم عاداتٌ ذميمة دخيلةٌ على مجتمعاتكم. ثم صلُّوا وسلِّموا على خير الورى، فمن صلَّى عليه صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا. اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة، أصحاب السنة المُتَّبَعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآل والصحابة أجمعين، والتابعين لهم وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وجُودك يا أرحم الراحمين. اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين، ودمِّر أعداء الدين، وانصر عبادك المُوحِّدين، ودمِّر الطغاة والظلَمة والمُعتدين، ودمِّر الطغاة والظلَمة والمُعتدين يا رب العالمين. اللهم أدِم على بلاد الحرمين الشريفين أمنَها ورخاءَها، وعِزَّها واستقرارها، ووفِّق قادتَها لما فيه عِزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين. اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه ونائبيْه لما فيه عِزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين. اللهم عُمَّ بالأمن والرخاء والاستقرار جميعَ أوطان المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم كن لإخواننا وأهلنا في سورية وليبيا واليمن يا أرحم الراحمين، اللهم احقِن دماءهم، اللهم احقِن دماءهم، اللهم صُن أعراضَهم، اللهم صُن أعراضَهم، اللهم واحفظ أموالَهم وأمنَهم واستقرارَهم ووحدَتهم يا أرحم الراحمين. اللهم اكشِف الغُمَّة، اللهم اكشِف الغُمَّة، اللهم اكشِف الغُمَّة، وأطفِئ جمرة الفتنة يا رب العالمين. اللهم قاتلِ الكفرة الذين يصدُّون عن سبيلك ويُعادون أولياءك، واجعل عليهم عذابَك ورِجزَك إلهَ الحق يا رب العالمين. اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود، اللهم عليك باليهود الغاصبين، والصهاينة الغادرين، اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تُحقِّق لهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم عبرةً وآية. اللهم لا تُشمِت بنا أحدًا، ولا تجعل لكافرٍ علينا يدًا، اللهم اشف مرضانا، وعافِ مُبتلانا، وفُكَّ أسرانا، واشف مرضانا، وارحم موتانا، وانصرنا على من عادانا يا رب العالمين. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 30

خطبة المسجد النبوي - ٢٩ رجب ١٤٣٢ - محمد ﷺ القدوة الحسنة - الشيخ علي الحذيفي الخطبة الأولى الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أبدًا. أما بعد: فاتقوا الله تنالوا رضوانه وجناته، وتنجو من غضبه وعقوباته، فما شقِيَ بطاعة الله أحد، ولا سعِد بمعصية الله أحد. واعلموا - عباد الله - أنكم في دار عمل وأن الدار الآخرة دار جزاء، فطُوبى لمن تزوَّد من دنياه لأُخراه، وويلٌ لمن غرَّته الأماني وباعَ آخرتَه بدنياه، فما أعظم خسارته، وما أشد ندامتَه، ولن يُعطى الرجوع إلى الدنيا مرةً أخرى ليعملَ صالحًا. ولله الحُجَّة البالغة على خلقه أجمعين، ولن يهلِك على الله إلا من لا خيرَ فيه. أيها المسلمون: صحِّحوا العمل، وقصِّروا الأمل، واحذروا الزَّلَل، ألا وإن دوام الخير على الناس وإن أمان الأرض من الشرور بثبات العاملين بالطاعات، وبالقدوة الحسنة لكل الأجيال الناشئة؛ فالعمل الصالح يُصلِح الله به أحوالَ الفرد والمجتمع، وتعمُر به الدنيا عُمران بركةٍ وخير، وتسعَد به الحياة في جميع مجالاتها، ويتبوَّأ الإنسان بصالح العمل أفضل المنازل في الآخرة، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [الكهف: ١٠٧]. والقدوة الحسنة تهدي الشبابَ إلى الصراط المستقيم في عقيدتهم، وفي أخلاقهم وسلوكهم، وفي اهتمامهم وفي آمالهم وأهدافهم، والإنسان في جميع مراحل عمره بحاجةٍ إلى القدوة الحسنة التي يتَّبُعها ويُطبِّقُها في حياته؛ إذ معنى الاقتداء: العملُ بأعمال المُقتَدى به في الدين أو الدنيا. ومن رحمة الله تعالى بالبشر أن أرسل إليهم الرسل قدوةً للخلق يأمرونهم بالتوحيد وبكل خُلُقٍ كريم، ويُرشِدونهم إلى ما يُصلِحهم في دنياهم وأُخراهم على امتداد الزمان، ويُحذِّرونهم من الشرك بالله تعالى ومن كل خُلُقٍ ذميمٍ مهين، ومن كل شرٍّ وفساد، ويُنذِرونهم النار، قال الله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤]. فرسول كل أمةٍ قدوةٌ لهم في كل شيء، وأفضل كل أمةٍ أصحابُ ذلك الرسول؛ لأنهم شاهَدوه وعاصَروه وكمُل فيهم الاقتداء، والجيلُ الذي يليهم دونَهم في الفضل؛ لضعف الاقتداء في بعض الجوانب. وقد ختمَ الله تعالى الرسلَ - عليهم الصلاة والسلام - بسيد الخلق نبينا محمد ﷺ ، وجمع فيه الفضائل كلها، وحباهُ الله بالمكارم جميعها، ونسخَت شريعتُه الشرائع التي قبلَه، فلا يقبَلُ الله من أحدٍ عملاً حتى يؤمنَ بمحمدٍ سيد البشر ﷺ ، فهو وارثُ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، المُقتدِي بهم، المبعوث بملَّة إبراهيم ﷺ . قال الله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٨٩، ٩٠]، وقال تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: ١٢٣]. وقد جعل الله محمدًا ﷺ سيدَ ولد آدم أُسوةً حسنةً لأمة الإسلام ولكل أحدٍ يريد أن يدخل في دينه من أي جنس، قال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١]، فقد أنعم الله عليه باجتماع خِصال الخير كلها في شخصه الكريم، وشهِد الله له بالكمال البشري في عظمة أخلاقه، فقال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤]. وأقسم الله بكلامه بأن نبيَّه ﷺ على صراطٍ مستقيم في أموره كلها، قال الله تعالى: يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يس: ١ - ٤]، وقال تعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [الفتح: ١، ٢]. فوصفُ الله تعالى لنبيه محمد ﷺ بأنه على صراطٍ مستقيم وأن الله هداه صراطًا مستقيمًا وصفٌ جامعٌ للخيرات وكريم الصفات، وشهادةٌ من الله ببراءة رسوله ﵊ من العيوب والنقائص والمكروهات. وكان يقول ﷺ في خُطبه: «إن أحسن الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمد ﷺ ، وشرَّ الأمور مُحدثاتها، وكل بدعةٍ ضلالة»؛ رواه مسلم من حديث جابر ﵁. وعن عائشة ﵂ أنها سُئِلت عن خُلق رسول الله ﷺ ، فقالت: «كل خُلُقه القرآن»؛ رواه مسلم. أي: أنه يعمل به كلَّه. فهنيئًا لكِ - أمةَ الإسلام - على هذه القدوة المُثلَى وعلى هذا الصراط المستقيم. وسرُّ فضل الصحابة ﵃ لكمال اقتدائهم بالنبي ﷺ ومُشاهدتهم له، ومُعاونته على تمكين الدين في الأرض، وجهادهم معه أعداءَ الإسلام، وبذلهم الأموالَ والنفوسَ في سبيل الله، وتبليغهم القرآن والسنة في الأرض، وهم أفضل الناس بعد النبيين - عليهم الصلاة والسلام -. وقد شهِد الله لهم بالفضل والجنة، وشهِد لهم الرسول ﷺ بالفضل والجنة، فلا يُبغِضهم إلا منافقٌ زنديقٌ، كما قال النبي ﷺ : «آيةُ الإيمان: حبُّ الأنصار، وآية النفاق: بُغض الأنصار»؛ رواه مسلم. وإذا كان هذا في حق الأنصار فالمُهاجِرون من باب أولى؛ لأن القرآن قدَّم المُهاجرين على الأنصار ﵃ جميعًا -، ولأن الصحابة ﵃ هم الذين نقلوا الدين، وهم الواسطة بيننا وبين النبي ﷺ ؛ فمن أبغضَهم فقد أبغضَ الدين. ومَن بعدَ الصحابة ﵃ دونَهم في الفضل؛ لتخلُّف كمال الاقتداء بالنبي ﷺ في بعض الأمور. أيها المسلمون: إن الاقتداء الحسن أهم شيءٍ في حياة المسلم؛ يُنير له السبيل، ويُثبِّتُه على الصراط المستقيم، ويُبيِّن له النهايةَ والعاقبةَ الحميدَة، ويرفعُ له أعلامَ الحق، ويُوصِلُه إلى جنات النعيم، ويحميه من طُرق الباطل والغواية، وقدوة المسلم رسول الله ﷺ ، ثم الصحابة ﵃ وأئمة الإسلام الذين قام بهم الإسلام وبه قاموا. وقد قال أهلُ التفسير في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان: ٧٤] "أي: مُقتدين بمن قبلنا من أهل الهُدى ليقتدِيَ بنا مَن بعدَنا". ولا معصوم إلا رسول الله ﷺ ، والخللُ في حياة الفرد والمجتمع الإسلامي والتفلُّت من أحكام الإسلام مردُّه وسببُه التقصير في القدوة بالرسول ﷺ . أيها المسلم: جاهِد نفسَك بتطبيق الاقتداء بنبي الرحمة ﷺ ، واعرِض أمورَك كلها على سنته، وابذُل الوسعَ والطاقةَ للعمل بهديه وتعلُّم سيرته المباركة لاتباع طريقته، قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: ٣١]. وتمسَّكوا بما كان عليه الصحابة ﵃؛ فمن خالفهم فقد خسِر وضلَّ سواء السبيل، قال الله تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء: ١١٥]، وما لا يُدرَك كلُّه فلا يُترَك ما يقدر عليه المسلم. وسنة رسول الله ﷺ لا تخفى لمن طلبَها وحرِص عليها؛ فقد حفِظ الله القرآن والسنة. وأما الناشئةُ الصغار من الذكور والإناث فهم لا يُدرِكون من القدوة إلا ما يرون ويسمعون من الآباء والأمهات والإخوة والمُعلِّمين والزملاء ومن هو أكبر منهم والمجتمع، فإن رأوا أو سمِعوا خيرًا اقتدَوا بمن خالطَهم فسعِدوا، وإن رأوا أو سمِعوا شرًّا تأثَّروا بذلك الشر، وكثيرًا ما يستمر معهم طوال حياتهم. والشباب هم قوة الأمة وثروتها الحقيقية، وعلى كل أحدٍ أن يُوفِّر لهم القدوةَ الحسنة، وخاصةً في المرحلة الأولى من العُمر، فهم لا يعرفون الخيرَ من الشر، ولا يستقِلُّون بأنفسهم ليدرُسوا تاريخَ من يصلُح الاقتداء به، فهم كالفُروخ في أوكارها يُؤتَى إليها بطعامها وشرابها. ألا فليتقِ اللهَ الآباء والأمهات والإخوة والمُعلِّمون وأفرادُ المجتمع وكل مسؤولٍ فيما يخصُّه، ليتقوا اللهَ في الناشئة الصغار، ليكونوا قدوةً لهم في كل خير، وليُبعِدوهم عن كل شر؛ فقد كثُرت المُؤثِّرات الضارة على الشباب، انتشرت الفضائيات بما فيها، وتيسَّرت غُرف الإنترنت بما فيها من الشر والخير، وتنوَّعت الجوالات، وكثُر الشر والمعاصي. فوجِّهوا شبابَ الأمة إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، واستثمِروا لهم أوقاتَهم في العمل النافع، وعلِّموهم الانتفاع بالمصنوعات، ليأخذوا النافع ويتركوا الضار، ويبتعِدوا عن الشرور، وليكون عندهم مناعةٌ وتمييزٌ بين الخير والشر. فاتقوا الله - أيها المسلمون -، اتقوا الله تعالى، وعلى كل مسلمٍ العملُ بالأسباب، والتوفيق والهداية بيدِ ربِّ الأرض والسماوات، بيد مُقلِّب القلوب، قال الله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة: ٢]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فاتقوا الله - أيها المسلمون - حقَّ التقوى، اتقوه في السر والعلَن؛ فإنه - بارك وتعالى - قائمٌ على كل نفسٍ بما كسبت. أيها المسلمون: إن الله أمركم بعمل الأسباب، إن الله أمركم وحثَّكم على العمل الصالح واكتساب العلم النافع؛ فإن العلم النافع والعمل الصالح عليه مدارُ السعادة في الدنيا وفي الآخرة، قال الله ﵎: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة: ١٠٥]. فإذا عمِلتم الأسباب فقد قمتم بما أمركم الله به، وما وراء ذلك فالله ﵎ يتولاَّه، والله يقول: إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف: ٣٠]. فيا أيها المسلمون: وجِّهوا همَّتكم إلى إصلاح قلوبكم وأعمالكم ونفوسكم، ثم ابذلوا جُهدَكم ووسعَكم في إصلاح شباب الأمة كلٌّ على قدر استطاعته؛ فإن الأمةَ هي بصلاح شبابها، وإن ما تكون فيه الأمة من شرٍّ وبلاء هو بسبب انحرافٍ في شبابها، فاتقوا الله - أيها المسلمون -. أيها الناس: أنتم ترون وتسمعون وتشاهدون ما حلَّ بالمسلمين من المصائب، فعليكم بالدعاء بأن يُصلِح الله أحوالَ المسلمين. أدعو اللهَ أن يحقِن دماء المسلمين، وأن يصُونَ ويحفظَ أعراضَهم وأموالَهم، وأن يُفقِّههم في الدين، وأن يتوبَ عليهم أجمعين، وأن يُصلِح أمورهم، وأن يكفِيَهم شرَّ كل ذي شرٍّ فإنه على كل شيءٍ قدير، وهو الغفَّار التواب. فاصدقوا اللهَ ﵎ في الدعاء؛ فإنه ﵎ قريبٌ مجيب، واسألوا الله لأنفسكم ولجميع المسلمين التوبةَ إلى الله؛ فإنه ما وقع بلاءٌ إلا بذنب، وما رُفِع إلا بتوبة. وإذا وُكِل العبادُ إلى أنفسهم فإنهم من الهالكين. أسأل الله ﵎ أن يحفظ المسلمين في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وأن يُصلِح أحوالهم، وأسأل الله أن يتوبَ علينا وعليهم أجمعين، وأن يُفقِّهَنا وإياهم في الدين، وأن يُعيذَنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ومن شر كل ذي شرٍّ إنه على كل شيء قدير. اللهم استُر عوراتنا وآمِن روعاتنا يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أعِذنا وذرياتنا من إبليس وشياطينه وذريته وجنوده يا رب العالمين، اللهم أعِذ المسلمين وذرياتهم من إبليس وذريته يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير. اللهم آمنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم ولاةَ أمورنا، اللهم وفِّق وليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك واجعل عمله في رضاك، اللهم أصلِح به البلاد والعباد، إنك على كل شيء قدير. اللهم وأصلِح بِطانتَه، اللهم وفِّق نائبَيْه لما تحبُّ وترضى، ولما فيه الصلاحُ للبلاد والعباد، ولما فيه الخيرُ للإسلام والمسلمين يا رب العالمين. اللهم ألِّف بين قلوب المسلمين، وأصلِح ذات بينهم، واهدِهم سُبل السلام، وأخرِجهم من الظلمات إلى النور، اللهم اكشِف كل كُربةٍ عن المسلمين يا رب العالمين، اللهم تُب علينا وعليهم يا أرحم الراحمين. رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [البقرة: ٢٨٦]. اللهم إنا نسألك يا ذا الجلال والإكرام أن تُصلِّي وتُسلِّم صلاةً وسلامًا كثيرًا دائمَين أبدَين على نبينا نبي الرحمة محمد ﷺ ، وارضَ عن أصحابه أجمعين برحمتك يا أرحم الراحمين، وعن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ يا رب العالمين، وعن سائر الصحابة أجمعين. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: ٩٠، ٩١]. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 31

خطبة المسجد النبوي - ٧ شعبان ١٤٣٢ - الإجازة ويقظة الأولياء - الشيخ صلاح البدير الخطبة الأولى الحمد لله، الحمد لله بارئ النَّسَم، ومُحيِي الرِّمَم، ومُجزِل القِسَم، أحمده حمدًا يُوافِي ما تزايَد من النعم، وأشكره على ما أولَى من الفضل والكرم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تعصِمُ من الزيغ وتدفعُ النقَم، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله المبعوث رحمةً للعالمين من عُربٍ وعجَم، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاةً تبقى وسلامًا يترَى إلى يوم الدين. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضلُ مُكتسب، وطاعته أعلى نسَب، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ١٠٢]. أيها المسلمون: القصور في فهم مقاصد الأمور يحملُ على فعل ما يقبُح وترك ما هو أليَقُ وأجملُ وألزَم، ومن قصُر فهمُه عن إدراك مقاصد الإجازة وأهدافها ملأها عبثًا وصخَبًا، وأشعلَها طيشًا وسفهًا، ومن أدرك المُراد أنِفَ من خمول الدَّعَة ومهانة التفريط، وحمل رايةَ الجِدّ، وقطعَ أسبابَ العجز، واستثمَر إجازتَه بادئًا وعائدًا فيما يُعليه ويُرقِّيه في أمر الدنيا والدين. أيها المسلمون: ولئلا تكون الإجازة منبعًا للمعار، ومجمعًا للأخطار، وطريقًا للمهالك والمضارّ؛ يتوجَّبُ تذكيرُ كل وليٍّ بأن يكون يقِظًا حذِرًا، مُتحفِّظًا مُحترسًا، مُتنبِّهًا مُحترِزًا، قد حصَّن أسرتَه، وحمى عورتَه، وحرسَ شرفَه، وصانَ عِرضَه عن اللئام الفجَرة والخونَة المكرَة؛ فإن لشياطين الإنس انتشارًا وانبعاثًا وخطفَة، وأخذةً في غفلة، وخَتلاً في سهوة، وخِداعًا في خُفية. وأكثرُ الصبيان والصغار أغمارُ أغرار، وأحداثٌ أطهار، لا فطنةَ لهم ولا تجربة، ولا تحوُّط لديهم ولا احترازًا، وفي الناس سِباعٌ عادية، وذئابٌ ضارية، وأجادلُ خاطفة، تنتظرُ غيابَ الوليِّ الحامي، وغفلةَ الأبِ الحانِي؛ فكونوا - أيها الآباء والأمهات - في الإجازات وفي سائر الأوقات حُرَّاسًا أُمنَاء، وأولياء أوفيَاء، وفُطناء وحُكماء، وصونوا أبناءَكم وبناتكم عن العاديات المُوبِقة، والأخطار المُحدِقة، واجتنِبوا التفريطَ والتشاغُل، وحاذِروا التقصير والتساهل الذي لا تُؤمَنُ لواحِقُه وتوابِعُه، وتوالِيَه وعواقِبه؛ بَيدَ أن عاقبتَه بوار، وخاتمتَه خَسار. أيها المسلمون: ومن ترك أهلَه وأولادَه ونساءَه وقِعادَه يقتحِمون الناسَ من غير تثبُّت، ويُخالِطون الآخرين دون تعقُّل، ويخرجون من البيوت دون تحفُّظ، ويمكثُون بعيدًا دون رقابة، ويُصاحِبون من رغِبوا دون مُسائَلة؛ فقد قذَفهم في مُهلِكةٍ مُردِية، ورماهم في مدارج الانحراف والضياع. أيها الأولياء: حُوطوا أُسركم بسِياج الرعاية والعناية، والرقابة والصيانة، والتربية والتقويم، واكسُوها برداء الحبِّ والحُنوِّ والشفقة، والجُودِ والكرم والإحسان، واغمُروها بروح الفرح والمرَح، والقُرب والوُدِّ والحَوار والجوار، واحفظوها بالطاعة والاستقامة والتقوى والإيمان؛ حتى لا تكون نهبًا لأهل الدنايا، وهدفًا لشرار الخلق، ومرتعًا للأراذِل الساقطين. والله سائلٌ كل عبدٍ عما استرعاه أدَّى أم تعدَّى؛ فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله سائلٌ كلَّ راعٍ عما استرعاه حفِظَ أم ضيَّع، حتى يسألَ الرجلَ عن أهل بيته»؛ أخرجه ابن حبان. بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من البينات والحكمة، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتِنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا الله وراقِبوه، وأطيعوه ولا تعصُوه، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: ١١٩]. أيها المسلمون: ومن الآباء والأولياء من تتهاوَى إرادتُه، وتتوارَى قيادتُه، وتتضاءَلُ إدارتُه، ويضعُف أمام محبةِ الزوجة والأولاد وإلحاحهم، ويستجيبُ لرغباتِهم ولو كانت معصيةً لله ورسوله ﷺ ، ويُقدِّمُ محبوبَهم على محبوبِ الله ورسوله ﷺ ، وذلك عنوانُ الفتنة وعلامة الخُسران، قال - جلَّ في عُلاه -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المنافقون: ٩]، ويقول - جلَّ في عُلاه -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن: ١٤]. قال مجاهد: "ما عادَوهم في الدنيا، ولكن حملهم مودتُهم على أن أخذوا لهم الحرام، فأعطَوه إياهم". قال القرطبي ﵀: "والآيةُ عامةٌ في كل معصيةٍ يرتكِبُها الإنسانُ بسبب الأهل والولد، وخصوص السبب لا يمنعُ عمومَ الحكم". فاتقوا الله - أيها المسلمون -، وتيقَّظوا من الغفلة، وقوموا بواجب المسؤولية، وأكثِروا من الدعاء بصلاحِ الأهل والأولاد والذرية، والعصمةِ من مُضِلاَّت الفتن ونزَغات الشياطين. وصلُّوا وسلِّموا على خير الورى، فمن صلَّى عليه صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا. اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة، أصحاب السنة المُتَّبَعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآل والصحابة أجمعين، والتابعين لهم وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وجُودك وإحسانك يا أرحم الراحمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، ودمِّر أعداء الدين، وانصر عبادك المُوحِّدين، وانصر إخواننا المُستضعفين والمظلومين، والمنكوبين والمُشرَّدين والمُنقطعين، ودمِّر الطغاة والظلَمة والمُعتدين يا رب العالمين. اللهم أدِم على بلاد الحرمين الشريفين أمنَها ورخاءَها، وعِزَّها واستقرارها، ووفِّق قادتَها لما فيه عِزُّ الإسلام وصلاحُ المسلمين. اللهم من أراد المسلمين بسوءٍ أو شرٍّ أو فتنةٍ فأشغِله بنفسه، واجعل كيدَه في نحره، وتدبيرَه تدميرَه، اللهم اكشِف أمره، واهتِك سِتره، واكفِنا شرَّه، واجعله عبرَة، اللهم اقتُله بسلاحه، اللهم اقتُله بسلاحه، اللهم اقتُله بسلاحه، وأحرِقه بناره يا رب العالمين. اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود، اللهم طهِّر المسجد الأقصى من رِجس يهود، اللهم عليك باليهود الغاصبين، والصهاينة الغادرين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تُحقِّق لهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم عبرةً وآيةً يا رب العالمين. اللهم عُمَّ بالأمن والرخاء والاستقرار جميعَ أوطان المسلمين، اللهم عُمَّ بالأمن والرخاء جميعَ أوطان المسلمين، اللهم عُمَّ بالأمن والرخاء جميعَ أوطان المسلمين يا رب العالمين. اللهم اشف مرضانا، وعافِ مُبتلانا، وفُكَّ أسرانا، وارحم موتانا، وانصرنا على من عادانا برحمتك يا أرحم الراحمين. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 32

خطبة المسجد النبوي - ١٤ شعبان ١٤٣٢ - أخلاق النبي ﷺ الشيخ عبد المحسن القاسم الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى، وراقِبوه في السر والنجوى. أيها المسلمون: كرَّم الله بني آدم وفضَّلهم على كثيرٍ ممن خلق تفضيلاً، واجتبَى منهم من خصَّه بالنبوة والرسالة، واصطفَى من أولئك أفضلَهم نبينا محمدَ بن عبد الله صفوةَ بني هاشم، وهاشمٌ خِيَر قريش، فهو خيرٌ من خيارٍ، اختاره الله لهذه الأمة لهدايتها إلى دين الله القويم وصراطه المستقيم، فكانت حياتُه ﵊ عبادةً وشكرًا، ودعوةً وحلمًا، وابتلاءً وصبرًا، تحلَّى فيها بخُلُقٍ سامٍ وفألٍ محمود، شمائلُه عطِرةٌ وسيرتُه حافلة. قال ابن القيم ﵀: "اضطرارُ العباد فوق كل ضرورةٍ إلى معرفة الرسول وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر". ما من خيرٍ إلا دلَّ الأمة عليه، وما من شرٍّ إلا حذَّرَها عنه، قال عن نفسه ﵊: «ما يكن عندي من خيرٍ فلن أدَّخِره عنكم»؛ متفق عليه. قضى قريبًا من شطر زمن رسالته يدعو لأمرٍ واحدٍ هو أعظمُ أمرٍ أمَر الله به، من لم يستجِب له فيه خلَّده الله في النار وحرَّم الجنةَ عليه، استفتَحَ رسالتَه به وقام على جبل الصفا وقال لقريش: «قولوا: لا إله إلا الله تُفلِحوا». مكثَ عشر سنواتٍ في مكة لا يدعو إلى شيءٍ سواه، ثم دعا إلى بقية الشرائع معه إلى مماته، ووعدَ من حقَّق هذا الأمر بدعوةٍ منه مُستجابةٌ له يوم القيامة؛ فقال: «لكل نبيٍّ دعوةً مُستجابة، فتعجَّل كل نبيٍّ دعوتَه، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة، فهي نائلةٌ - إن شاء الله - من مات من أمتي لا يُشرِك بالله شيئًا»؛ متفق عليه. كثيرُ التعبُّد لله، قام بالطاعة والعبادة خيرَ قيام، قدَماه تتشقَّقُ من طول القيام، في ركعةٍ واحدةٍ قرأ البقرة وآل عمران والنساء، وكان جميلَ الصوت في تلاوة القرآن، قال البراء ﵁: "سمعتُ النبي ﷺ يقرأ في العِشاء: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين: ١] فما سمعتُ أحدًا أحسنَ صوتًا أو قراءةً منه"؛ متفق عليه. خاشعٌ لله يُصلِّي وفي صدره أزيزٌ كأزيز المِرجَل من البكاء، ولسانُه لا يفتُر عن ذكر الله، قالت عائشةُ ﵂: "كان يذكر الله على كل أحيانه"؛ رواه مسلم. وقال ابن عمر ﵁: "إن كنَّا لنعُدُّ لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائةَ مرةٍ: ربِّ اغفر لي وتُب عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم". يُحبُّ الصلاة ويُوصِي بها؛ قال أنس ﵁: كانت عامةُ وصية النبي ﷺ حين موته: «الصلاةَ، وما ملكَت أيمانُكم»، قال: حتى جعل رسول الله ﷺ يُغرغِرُ بها صدرُه وما يكادُ يُفيضُ بها لسانُه -أي: يُوصِي بها حتى فاضَت روحُه -؛ رواه أحمد. وكان يحثُّ صغارَ الصحابة على نوافل الصلوات، قال لابن عمر وهو فتى: «نِعم الرجلُ عبد الله لو كان يُصلِّي من الليل»؛ متفق عليه. يقينُه بالله عظيم، مُوقِنٌ بأن كلام الله فيه شفاء، إذا مرضَ يُرقِي نفسَه بكلام الله، قالت عائشة ﵂: "كان إذا اشتكَى يقرأ على نفسه بالمُعوِّذات وينفُث"؛ متفق عليه. مُعظِّمٌ للرسل من قبله؛ قال له رجل: يا خير البرية، فقال: «ذاك إبراهيم»؛ رواه مسلم. ونهى عن إطرائه وتعظيمه؛ فقال: «لا تُطروني كما أطرَت النصارَى ابنَ مريم، فإنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبدُ الله ورسوله»؛ رواه البخاري. يدعو كلَّ أحدٍ إلى هذا الدين ولو كان المدعو صغيرًا، زار غلامًا يهوديًّا فقعدَ عند رأسه وقال له: «أسلِم»، فأسلَم الغلام؛ رواه البخاري. يتواضَعُ للصغير ويغرِسُ في قلبه العقيدة؛ قال لابن عباس: «يا غلام! إني أُعلِّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجِده تُجاهَك، إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعِن بالله»؛ رواه الترمذي. يتلطّفُ في تعليم صحابته ويُظهِر ما في قلبه من حبِّه لهم؛ أخذ بيدِ مُعاذ وقال له: «والله إني لأُحبُّك، أُوصيك يا معاذ لا تدعنَّ في دُبُر كل صلاةٍ أن تقول: اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك»؛ رواه النسائي. لا يُعنِّفُ ولا يتكبَّر؛ بل صدره مُنشرحٌ لكل أحد؛ دخل رجلٌ وهو يخطُب، فقال: يا رسول الله! رجلٌ غريبٌ جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينُه، قال: فأقبَل عليَّ رسول الله ﷺ وترك خطبتَه حتى انتهَى إليَّ، فأُتِي بكرسيٍّ حسبتُ قوائمَه حديدًا، قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ وجعل يُعلِّمني مما علَّمه الله، ثم أتى خطبتَه فأتمَّ آخرها؛ رواه مسلم. رفيقٌ بالشباب مُشفقٌ عليهم، قال مالك بن الحويرث: أتينا النبي ﷺ ونحن شَبَبةٌ مُتقاربون، فأقَمنا عنده عشرين ليلة، فظنَّ أنَّا اشتقنَا أهلَنا، وسألَنا عمن تركنا في أهلنا، فأخبرناه، قال: وكان رفيقًا رحيمًا، قال: «ارجعوا إلى أهليكم، فعلِّموهم ومُروهم، وصلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي»؛ متفق عليه. دَمثُ الأخلاق ليس بفاحشٍ ولا مُتفحِّشٍ في الألفاظ، وحياؤه أشد من العذارء في خدرها، عفُّ اليد لم يضرب أحدًا في حياته؛ قالت عائشة ﵂: "ما ضربَ رسول الله ﷺ شيئًا قطُّ بيده، ولا امرأةً ولا خادمًا، إلا أن يُجاهد في سبيل الله، ولم ينتقم لنفسه؛ بل يعفو ويصفَح، وإذا خُيِّر بين أمرين أخذ أيسَرهما ما لم يكن إثمًا". طلْقُ الوجه؛ قال جرير بن عبد الله: "ما رآني رسول الله ﷺ قطُّ إلا تبسَّم". واصلٌ لرحمه، صادقٌ في حديثه، قاضٍ لحوائج المكروبين؛ قالت له خديجة: «إنك لتصِلُ الرَّحِمَ، وتصدُق الحديث، وتحمِلُ الكلَّ، وتكسِبُ المعدوم، وتَقري الضيفَ، وتُعينُ على نوائب الحق». بارٌّ بوالدته؛ زار قبرها فبكى وأبكى من حوله، وقال: «استأذنتُ ربي في أن أستغفر لها فلم يُؤذَن لي، واستأذنتُه في أن أزور قبرَها فأذِن لي»؛ رواه مسلم. يُوصِي بالجار ويحُثُّ على حُسن جواره وإكرامه، قال لأبي ذرٍّ: «إذا طبختَ مرقةً فأكثِر ماءَها وتعاهَد جيرانك»؛ رواه مسلم. رقيقُ القلب رفيقٌ بمن تحته؛ خدَمه أنسٌ عشر سنين، فما قال له أفٍّ قط، ولا قال لشيءٍ صنعَه لم صنعتَ، ولا ألا صنعتَ. رحيمٌ بالضعفاء والمرضى؛ أمر من يُصلِّي بهم أن يُخفِّف صلاتَه من أجلهم. رؤوفٌ بالناس شديد الحِلم؛ بالَ أعرابيٌّ جهلاً منه في مسجده، فتناولَه الناس، فقال لهم: «دَعوه حتى يقضِي بولَه، وهَريقوا على بوله سجلاً من ماءٍ أو ذنوبًا من ماء؛ فإنما بُعِثتُم مُيسِّرين ولم تُبعَثوا مُعسِّرين»؛ رواه البخاري. كثيرُ البذل والعطاء، لا يردُّ سائلاً ولا مُحتاجًا، قال حكيمُ بن حزامٍ ﵁: سألتُ رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألتُه فأعطاني، ثم سألتُه فأعطاني؛ متفق عليه. كريمُ اليد واسعُ الجُود؛ جاءه رجلٌ فأعطاه غنمًا بين جبلَين، ورأى رجلٌ عليه بُردةً فقال: اكسنيها ما أحسنها، فأعطاه إياها؛ رواه البخاري. طيبٌ لا يأكل إلا طيبًا، يتوارى عن أي شُبهةٍ في المطعَم أو المشرَب، قال: «إني لأنقلبُ إلى أهلي فأجِدُ التمرةَ ساقطةً على فراشي فأرفعها لآكلَها، ثم أخشى أن تكون صدقةً فأُلقيها»؛ متفق عليه. يُجِلُّ صحابته ويُعظِم مكانتهم وإن كانوا حديثي السن، قال عن أسامة بن زيد - وهو لم يتجاوز حينذاك الثامنة عشرة من عمره -: «أُوصيكم به فإنه من صالحيكم»؛ رواه مسلم. وإذا مرِضَ أحدهم عادَه وحزنَ لمُصابه، زار سعد بن عبادة فوجدَ مرضَه شديدًا فبكى. وفيٌّ مع صحابته، لم ينسَ فضلَهم وإيثارهم، آخر يومٍ صعد فيه المنبر قال: «أُوصيكم بالأنصار؛ فإنهم كرِشي - أي: جماعتي وموضع ثقتي -، وعَيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقِيَ الذي لهم، فاقبَلوا من مُحسِنهم وتجاوزوا عن مُسيئهم»؛ رواه البخاري. وحفظَ لخديجةَ مواقفها العظيمة وبذلَها السخيّ وعقلَها الراجِح، فكان يذكرها بالخير بعد وفاتها ويصِل أقرباءها ويُحسِن إلى صديقاتها. وأمر بسدِّ كل خَوخةٍ - أي: باب - من البيت يُفتَح على المسجد النبوي سوى باب أبي بكرٍ ﵁ وفاءً له. ومع عِظَم أعباء ما أُوكِل إليه من الرسالة كان جميلَ المعشَر مع أهله مُتلطِّفًا معهم، فإذا دخل بيتَه يكون في مهنتهم، وإذا حضرَت الصلاة خرج إلى الصلاة. رقيقٌ مع أولاده وأحفاده مُكرمٌ لهم، إذا دخلت ابنتُه فاطمةُ يقوم لها ويأخذ بيدها ويُجلِسُها في مكانه الذي كان يجلسُ فيه. وكان يضعُ الحسنَ على عاتقه فيقول: «اللهم إني أُحبُّه فأحِبَّه»؛ متفق عليه. وخرج على صحابته وبنتُ ابنته أمامةُ على عاتقه، فصلَّى بها فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رفعها؛ متفق عليه. وصف عثمانُ ﵁ معاملتَه لصحابته فقال: صحِبنا رسول الله ﷺ في السفر والحضَر، وكان يعودُ مرضانا، ويتبَعُ جنائزنَا، ويغزو معنا، ويُواسينا بالقليل والكثير؛ رواه أحمد. ذاقَ من الحياةِ مُرَّها ولأواءها؛ قالت عائشة ﵂: دخلت عليَّ امرأةٌ ومعها ابنتان لها تسأل، فلم تجِد عندي شيئًا غير تمرةٍ واحدة؛ متفق عليه. وربطَ على بطنه الحجرَ من الجوع؛ قال عمر ﵁: لقد رأيتُ رسول الله ﷺ يظلُّ اليومَ يتلوَّى، ما يجدُ من الدَّقَل - أي: التمر الرديء - ما يملأ به بطنَه؛ رواه مسلم. لاقَى من المِحن والشدائد أشقَّها؛ نشأ يتيمًا، وأُخرِج من بلده، وحُوصِر في الشِّعبِ ثلاث سنين، واختفَى في غارٍ، ومات له ستة من الولد، وتبِعَه قومُه في مُهاجَره وقاتلوه، ومكرَ به أهلُ النفاق، وسُقِي السمُّ، وعُمِل له السحر، وكان يقول: «أُخِفتُ في الله وما يُخافُ أحد، وأُوذيتُ في الله وما يُؤذَى أحد». ومع ما لاقاه من تلك المصائب وغيرها كان مُتفائلاً في حياته ويقول: «يُعجِبني الفألُ والكلمةُ الحسنة»؛ متفق عليه. أعرضَ عن الدنيا ورجا ما عند الله؛ فكان يقول: «ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظلَّ تحت شجرةٍ ثم راحَ وتركها»، ففارقَ الحياةَ ولم يُخلِّف شيئًا من حُطامها؛ قالت عائشة ﵂: تُوفِّي رسول الله ﷺ وما ترك دينارًا ولا درهمًا ولا شاةً ولا بعيرًا، ولا أوصى بشيء. وصفَه عليٌّ ﵁ بقوله: لم أرَ قبله ولا بعده مثلَه. وبعدُ، أيها المسلمون: فنبينا ﷺ قد أدَّى أمانةَ الرسالة ونصحَ لأمته، وقال: «مثَلي ومثَلُكم كمثَل رجلٍ أوقدَ نارًا فجعل الجنادبُ والفراشُ يقعن فيها وهو يذُبُّهن عنها، وأنا آخِذٌ بحُجَزكم عن النار، وأنتم تفلَّتون من يدي»؛ رواه مسلم. ومن وفاء الأمة له: أداء حقوقه؛ من الإيمان به والتصديق بما جاء به، فقال: «لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسِلتُ به إلا كان من أصحاب النار»؛ رواه مسلم. ومن حقه ﷺ : تقديمُ حبه على جميع المحاب، قال: «لا يُؤمنُ أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»؛ متفق عليه. ومن واجبات الأمة في جنابه: طاعته فيما أمر، واجتنابُ ما عنه نهى وزجَر، قال ﵊: «كل أمتي يدخلون الجنةَ إلا من أبَى». قالوا: يا رسول الله! ومن يأبَى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنةَ، ومن عصاني فقد أبَى»؛ رواه البخاري. ومن أصول الشهادة له بالرسالة: ألا يُعبَد الله إلا بما شرع، قال: «إياكم ومُحدثات الأمور». ومن محبته: قراءة سيرته ومعرفة هديه في كل حين، ونشر دعوته في الآفاق، وأن يدعو المسلمُ لما دعا إليه من التوحيد وأوامر الدين ومحاسنه وفضائله، ومن جعل النبيَّ ﷺ قدوتَه في عباداته ومعاملاته نالَ الفلاحَ والرضا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا. أيها المسلمون: سعادةُ الدارَين بطاعته ﵊، وعلى قدر متابعته تكون الهداية والعزَّة والنجاة، قال : وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا [النور: ٥٤]. ومن أطاعه صلُح دينُه وحسُنت دنياه وانشرَحَ صدره، ومن أحبَّ أن يكون رفيقَه في الآخرة فليكن مُقتفيًا أثرَه، مُستنًّا بسنته، مُعرِضًا عما يُناقِضُ الشهادةَ له بالرسالة أو يُنقِصُها، قال - سبحانه -: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء: ٦٩]. ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه، فقال في محكم التنزيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا [الأحزاب: ٥٦]. اللهم صلِّ وسلِّم على نبينا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدِلون: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنَّا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمنًا مُطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين. اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم احقِن دماءهم، ورُدَّهم إليك ردًّا جميلاً. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. اللهم إنا نسألك التوفيقَ والسعادة في الدنيا والآخرة، اللهم احشُرنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣]. اللهم وفِّق إمامنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، ووفِّق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وتحكيم شرعك يا رب العالمين. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 33

خطبة المسجد النبوي - ٢١ شعبان ١٤٣٢ هـ - نفحات شهر رمضان - الشيخ عبد المحسن القاسم الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى. أيها المسلمون: تذهبُ الليالي والأيام سِراعًا، والعامُ يطوِي شهورَه تباعًا، وسنة الله في كونه قدومٌ وفوات، والله أكرمَ عبادَه فشرعَ لهم مواسم في الدهر تُغفَر فيه الذنوبُ والخطيئات، ويُتزوَّد فيها من الأعمال الصالحات، وفي العام شهرٌ هو خيرُ الشهور، بعثَ الله فيه رسولَه ﷺ وأنزل فيه كتابَه، يرتقِبُه المسلمون في كل حولٍ وفي نفوسهم له بهجَة، يُؤدُّون فيه ركنًا من أركان الإسلام يُفعل خالصًا، ويتلذَّذ فيه المسلم جائعًا، يُحقِّق العبدُ فيه معنى الإخلاص لينطلقَ به إلى سائر العبادات بعيدًا عن الرياء، ثوابُ صومه لا حدَّ له من المُضاعفة؛ بل ذلك إلى الكريم. قال ﵊: «قال الله : كل عملِ ابنِ آدم له إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزِي به»؛ متفق عليه. الصيامُ يُصلِح النفوس ويدفعُ إلى اكتساب المحامد والبُعد عن المفاسد، به تُغفَر الذنوب وتُكفَّر السيئات، قال ﷺ : «من صامَ رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه»؛ متفق عليه. شهر الطاعة والإحسان والمغفرة والرضوان، قال النبي ﷺ : «إذا دخلَ رمضان فُتِّحت أبوابُ السماء، وغُلِّقت أبوابُ جهنم، وسُلسِلَت الشياطين»؛ متفق عليه. لياليه مباركةٌ، فيه ليلةٌ مُضاعفةٌ هي أم الليالي: ليلة القدر والشرف خيرٌ من ألف شهر، من قامها إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه. فيه صبرٌ على حمأة الظمأ ومرارة الجوع ومُجاهدة النفس في زجرِ الهوى، جزاؤهم بابٌ من أبواب الجنة لا يدخله غيرُهم، فيه تذكيرٌ بحال الجوعَى من المساكين والمُقتِرين، يستوي فيه المُعدِم والمُوسِر، كلهم صائمٌ لربه مُستغفِرٌ لربه، يُمسِكون عن الطعام في زمنٍ واحدٍ ويُفطِرون في وقتٍ واحد، يتساوون طيلةَ نهارهم بالجوع والظمأ؛ ليتحقَّق قولُ الله في الجميع: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٩٢]. والقرآنُ العظيمُ أصلُ الدين وآيةُ الرسالة، نزل في أفضل الشهور: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١]، ونزولُه فيه إيماءٌ لهذه الأمة بالإكثار من تلاوته وتدبُّره، وكان جبريل ﵇ ينزل من السماء ويُدارِسُ فيه نبيَّنا محمدًا ﷺ كاملَ القرآن، وفي العام الذي تُوفِّي فيه عرضَ عليه القرآنَ مرتين. وكان الإمام مالك ﵀ إذا دخل رمضان أقبلَ على تلاوة القرآن وتركَ الحديثَ وأهلَه. وللصدقة نفعٌ كبيرٌ في الدنيا والآخرة؛ فهي تدفع البلاء، وتُيسِّر الأمور، وتجلِبُ الرزقَ، وتُطفِئُ الذنوب كما يُطفِئُ الماءُ النار، وهي ظلٌّ لصاحبها يوم القيامة، والمالُ لا ينقُص بالصدقة؛ بل هو قرضٌ حسنٌ مضمونٌ عند الغني الكريم: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ: ٣٩]، يُضاعفُه في الدنيا بركةً ونقاءً، ويُجازيه في الآخرة نعيمًا مُقيمًا، قال ﷺ : «ما من يومٍ يُصبِح العبادُ فيه إلا ملَكان ينزِلان فيقول أحدهما: اللهم أعطِ مُنفِقًا خلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ مُمسِكًا تلَفًا»؛ متفق عليه. فتحسَّس دورَ الفقراء والمساكين ومساكن الأرامل والأيتام، ففي ذلك تفريجُ كربةٍ لك ودفع بلاءٍ عنك، وإشباعٌ لجائعٍ وفرحةٌ لصغير، وإعفافٌ لأسرةٍ وإغناءٌ عن السؤال، والنبي ﷺ كان أكرمَ الناس وأجودَهم إن أنفقَ أجزلَ، وإن منحَ أغدَقَ، وإن أعطَى أعطى عطاءَ من لا يخشى الفاقَة، وكان يستقبلُ رمضان بفيضٍ من الجُود، ويكون أجودَ بالخير من الريحِ المُرسَلة. والمالُ لا يُبقِيه حرصٌ وشُحٌّ، ولا يُذهِبُه بذلٌ وإنفاق. وليالي رمضان تاجُ ليالي العام، ودُجاها ثمينةٌ بالعبادة فيها، قال ﵊: «أفضلُ الصلاة بعد الفريضة صلاةُ الليل»؛ رواه مسلم. ومن صلَّى مع الإمام حتى ينصرفَ كُتِب له قيامُ ليلة، وفي كل ليلةٍ يُفتَح بابُ إجابةٍ من السماء، وخزائنُ الوهَّاب ملأى، فسَل من جُود الكريم، واطلُب رحمةَ الرحيم، فرمضان شهر العطايا والنفحات والمِنَن والهِبات، وأعجزُ الناس من عجزَ عن الدعاء، والأيام صحائفُ الأعمار، والسعيدُ من خلَّدها بأحسن الأعمال، ومن نقلَه الله من ذلِّ المعاصي إلى عزِّ الطاعة أغناه بلا مالٍ، وآنسَه بلا أنيس، وراحةُ النفس في قلَّة الآثام، ومن عرفَ ربَّه اشتغلَ به عن هوى نفسه. وبعضُ الناس أرخصَ لياليَه الثمينة باللهو وما لا نفع فيه، فإذا انقضى شهر الصيام ربِح الناسُ وهو الخاسر، ومن الناس من يصومُ وهو لا يُصلِّي، والصوم لا يُقبل إلا بتوحيدٍ وصلاةٍ. والمرأة مأمورةٌ بالإكثار من تلاوة القرآن والذكر والاستغفار، والإكثار من نوافل العبادات، وصلاةُ التراويح في بيتها أفضلُ من أدائها في المساجد، قال ﵊: «وبيوتهنَّ خيرٌ لهنَّ»؛ رواه أبو داود. وعليها بالستر والحياء ومراقبة ربها في غيبة وليِّها وشهوده، والصالحةُ منهنَّ موعودةٌ برضا ربِّ العالمين عنها، وتمسُّكها بدينها واعتزازُها بحجابها، وسِترها يُعلِي شأنَها ويُعزِّزُ مكانَها، وهي فخرُ المجتمع وتاجُ العفاف وجوهرةُ الحياة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٣]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا. أما بعد، أيها المسلمون: من خير ما يُستقبَل به رمضان ملازمةُ الاستغفار والإكثار من حمد الله على بلوغه، والسابقون للخيرات هم السابقون إلى رفيع الدرجات في الجنة، فتعرَّضوا لأسباب رحمة الله في شهره الكريم، وتنافَسوا في عمل البرِّ والخيرات، واستكثِروا فيه من أنواع الإحسان، وترفَّعوا عن الغِيبة والنميمة وسائر الخطيئات، ولا يفوتُك خيرٌ من سهرٍ على غير طاعةٍ أو نومٍ عن عبادة. وإن استطعتَ ألا يسبقَك إلى الله أحدٌ فافعل. ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه، فقال في محكم التنزيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا [الأحزاب: ٥٦]. اللهم صلِّ وسلِّم على نبينا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدِلون: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنَّا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمنًا مُطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين. اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم أصلِح أحوال المسلمين، اللهم احقِن دماءهم، واجمع كلمتَهم على الحق والرضا يا ذا الجلال والإكرام. اللهم وفِّق إمامنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، ووفِّق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وتحكيم شرعك يا رب العالمين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣]. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 34

خطبة المسجد النبوي - ٢٨ شعبان ١٤٣٢ - رمضان واغتنام الأوقات الفاضلة - الشيخ علي الحذيفي الخطبة الأولى الحمد لله ذي الجلالِ والإكرام والفضل والإنعام، أحمد ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملكُ القدوس السلام، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله المبعوثُ بأفضل الأحكام، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه الكِرام. أما بعد: فاتقوا الله حقَّ التقوى؛ فتقوى الله خيرُ زادٍ ليوم المعاد. أيها المسلمون: اذكروا نِعَم الله عليكم؛ إذ علَّمكم الأوقاتَ الفاضلة التي تتضاعَفُ فيها الحسنات، وشرعَ لكم فيها الطاعات، وفصَّلَ لكم المُحرَّمات التي تُخزِي الإنسان في الحياة وبعد الممات، قال الله تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [البقرة: ١٥١، ١٥٢]، وقال تعالى: فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٣٩]، وقال تعالى: وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ [الأنعام: ٩١]، وقال تعالى: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام: ١١٩]. فما أعظمَ كرمَ الرب - جل وعلا -، وما أوسعَ عطاءَه، وما أجلَّ نِعَمه وجُودَه، يُعلِّمُنا الأزمنَةَ الفاضلَة التي يتضاعَفُ فيها الثواب، ويُعلِّمُنا أنواعَ القُرُبات التي يرضى بها عنَّا، ويُعينُ على العبادات، ويحفظُ من المُحرَّمات، إن هذا أعظم النِّعَم، وغايةُ الجُود والكرم. وشهر رمضان سيدُ الشهور، جعل الله صيامَه مغفرةً للذنوب؛ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صامَ رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه»؛ رواه البخاري. كما جعل الله قيامَه كفَّارةً لما سلَفَ من السيئات، ورفعةً في الدرجات عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قامَ رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه»؛ رواه البخاري ومسلم. وفيه ليلةُ القدر من قامَها إيمانًا واحتِسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الصلواتُ الخمس، والجمعةُ إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مُكفِّراتٌ لما بينهنَّ إذا اجتُنِبَت الكبائرُ»؛ رواه مسلم والترمذي. فيا أيها المسلمون: هذه مواسمُ الخيرات قد أقبَلَت، وهذه أوقاتُ الفضل قد دخلَت، وأبوابُ الجنة في رمضان فُتِّحَت، وأبوابُ النار أُغلِقَت، والشرورُ قد طُفِئَت؛ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دخلَ رمضان فُتِّحَت أبوابُ الجنة، وأُغلِقَت أبوابُ جهنم، وسُلسِلَت الشياطين»؛ رواه البخاري ومسلم. وثوابُ الصيام أفضلُ الثواب؛ عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «في الجنةِ بابٌ يُدعَى الريَّان، يدخل منه الصائمون، فمن كان من الصائمين دخلَه، ومن دخلَه لم يظمَأ أبدًا»؛ رواه البخاري ومسلم. وما ذاكَ إلا لأن الصوم سرٌّ وإخلاصٌ بين العبد وربِّه يتخلَّى العبدُ بالصوم عن حُظوظِ نفسِه، وما تدعُوه إليه طبيعتُه الأمَّارةُ بالسوء، ويُقدِّم مرضاةَ ربِّه، فيتولَّى الله جزاءَه بلا حساب؛ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كلُّ عملِ ابنِ آدمَ يُضاعَف الحسنةُ عشرُ أمثالِها إلى سبعمائة ضِعفٍ، قال الله تعالى: إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزِي به، يدَعُ شهوتَه وطعامَه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحةٌ عند فطوره، وفرحةٌ عند لقاء ربه، ولخَلُوف فم الصائم أطيبُ عند الله من ريحِ المِسك»؛ رواه البخاري ومسلم. ونعيمُ الجنات مُجانِسٌ وموافقٌ للأعمال، فكل عملٍ صالحٍ له نعيمٌ يُناسِبُه ويُوافِقه، والله ذو الفضلِ العظيم، ولو تعلمُ الأمةُ ما يُفيضُ عليها الربُّ من الرحمةِ والخير في رمضان لتمنَّت أن تكون السنةُ كلُّها رمضان، والدنيا دارُ عمل، والآخرةُ دارُ جزاء، والدنيا فانية، والآخرةُ باقية. وقد كان رسولنا ﷺ يُبشِّر أصحابَه بقدوم رمضان؛ ليستعِدُّوا له بما يليقُ به من التوبة والأعمال الصالحات؛ عن سلمان ﵁ قال: خطَبَنا رسول الله ﷺ في آخر يومٍ من شعبان قال: «يا أيها الناس! قد أظلَّكم شهرٌ عظيمٌ مبارك، شهرٌ فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، شهرٌ جعلَ الله صيامَه فريضة، وقيامَ ليله تطوُّعًا، ومن تقرَّب فيه بخَصلةٍ كان كمن أدَّى فريضةً فيما سواه، ومن أدَّى فريضةً فيه كان كمن أدَّى سبعين فريضةً فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابُه الجنة، وشهر المُواساة»؛ رواه ابن خزيمة. والصيامُ من العبادات التي تُعِدُّ المسلمَ لأن يكونَ من المُتقين؛ ليكون أهلاً لجِوارِ رب العالمين في جنات النعيم؛ فإنه لا يدخل الجنةَ إلا طيبٌ طاهر؛ طاهرٌ من الشرك والآثام، قال الله تعالى: كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل: ٣١، ٣٢]. فإذا عُدِم أثرُ العبادة على الإنسان فعدمُ الأثر الطيب لخلَلٍ من الإنسان نفسه، وليس لخلَلٍ في العبادة. أيها المسلمون: قال رسولنا ﷺ : «إن الله فرضَ فرائضَ فلا تُضيِّعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتَدوها، وحرَّم أشياءَ فلا تنتهِكوها، وسكتَ عن أشياء رحمةً بكم فلا تسألوا عنها». وأوجبُ الواجبات: توحيدُ الله تعالى؛ فمن حقَّق التوحيدَ دخل الجنةَ بغير حسابٍ ولا عذاب. وأقِيموا الصلاة؛ فمن الناس من يصوم ويُقصِّر في الصلاة، وهذا من الخُسران، وأدُّوا زكاةَ أموالِكم ولا سيما في هذا الشهر المبارك، وحُجُّوا بيتَ ربكم، واحفَظوا صيامَكم من اللغوِ والمعاصي والذنوب؛ فـ «من لم يدَع قولَ الزورِ والعملَ به فليس لله حاجة في أن يدَعَ طعامَه وشرابَه». قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ... [البقرة: ١٨٣، ١٨٤]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله الرحمن الرحيم، العزيز الحكيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العليُّ العظيم، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله المبعوثُ رحمةً للعالمين لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [يس: ٧٠]، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى، وتمسَّكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى. عباد الله: إن هذا الشهر الكريم شهرُ الإحسان، والمؤمنُ يُحسِنُ إلى نفسه، ويُحسِن إلى عباد الله، وأحبُّ العباد إلى الله: من أحسنَ إلى نفسه؛ بأن اتقَى الله تعالى، ووحَّد ربَّه ﵎، فعبَدَ الله لا يُشرِكُ به شيئًا، وأحسنَ إلى عباد الله؛ فإن الله ﵎ يُحبُّ المُحسنين، وقد كان رسول الله ﷺ أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكون في رمضان، فلرسولُ الله ﷺ حينَ يلقاهُ جبريل أجودُ بالخير من الريحِ المُرسَلة، كما روَت ذلك عائشةُ - رضي الله تعالى عنها -. والقدوةُ برسول الله ﷺ ؛ فما من خيرٍ إلا وقد فعلَه وحثَّ عليه، وما من شرٍّ إلا وحذَّر منه واجتنبَه، فهو القدوةُ للمؤمنين، قال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١]. وهذا الشهر المبارك شهرُ القرآن، قال الله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥]، وهذا الشهر الذي أنزل الله فيه القرآن هو غذاءُ الروح، وهو الدالُّ على الخيرات، والذي ينهَى عن المُحرَّمات؛ فإن للقرآن في هذا الشهر على القلوب سلطانًا عظيمًا، فإن سلطانَ النفس يضعُفُ بالصوم، وإن سلطانَ القرآن يقوَى. فيا أيها الناس: أدِيموا تلاوةَ كتابِ الله، وتدبَّروا القرآنَ العظيم؛ فإنه الذي يقودُ إلى رضوان الله وإلى جنات النعيم، وأكثِروا من التلاوةِ فيه آناء الليل وآناء النهار، وأكثِروا من ذكر الله ﵎. وإن الصدقةَ في هذا الشهر إنها من الإحسان الذي رغَّبَ الله فيه، ورغَّب فيه رسولُ الله ﷺ ، فاستقبِلوا شهرَكم بخيرِ ما تقدِرون عليه من الأعمال وبتوبةٍ نَصوح؛ فإن الله ﵎ أمرَ بذلك، فقال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم: ٨]، والله ﵎: لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ٤٠]. توبوا إلى الله ليرتحِل هذا الشهر بذنوبٍ مغفورة، وأعمالٍ مشكورة. عباد الله: إن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال ﵎: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]، وقد قال ﷺ : «من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا». فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين، وإمام المرسلين، اللهم صلِّ على محمد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمد وعلى آل محمد، كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا. اللهو ارضَ عن الصحابة أجمعين، وعن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم وارضَ عنا معهم بمنِّك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أذِلَّ الكفر والكافرين، اللهم أبطِل كيدَ أعداء الإسلام يا رب العالمين، اللهم أبطِل مكر أعداء الإسلام يا رب العالمين، اللهم يا قويُّ يا متين اللهم أبطِل مُخطَّطات أعداء الإسلام التي يكيدون بها الإسلام والمسلمين يا رب العالمين. اللهم انصر دينَك وكتابَك وسنةَ نبيك يا أرحم الراحمين ويا رب العالمين، يا قوي يا عزيز، اللهم اجعلنا من المُتمسِّكين بكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ ، اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجِرنا ومن خِزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم ألِّف بين قلوب المسلمين، وأصلِح ذات بينهم يا رب العالمين، اللهم احقِن دماء المسلمين، اللهم احفظ دماء المسلمين، اللهم احفظ للمسلمين دينَهم وأعراضَهم ودماءَهم وأموالَهم يا رب العالمين، اللهم استُر عوراتِنا وآمِن روعاتِنا يا أرحم الراحمين. اللهم أعِذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأعِذنا من شر كل ذي شرٍّ يا رب العالمين، نَدرأُ بك في نحر كل ذي شرٍّ يا رب العالمين، إنك على كل شيءٍ قدير. اللهم وفِّق خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك واجعل عمله في رضاك، وانصر به دينَك، وأعلِ به كلمتَك، اللهم وأعِنه على ما فيه الصلاحُ للبلاد والعباد يا رب العالمين، وأصلِح بِطانتَه، اللهم وفِّق نائبَيْه لما تحبُّ وترضى، ولما فيه عِزُّ الإسلام والمسلمين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم ولاةَ أمورنا. اللهم يا ذا الجلال والإكرام اللهم أطفِئ الفتن التي اشتعلَت في بلاد المسلمين، اللهم أطفِئ الثورات التي اشتعلَت في بلاد المسلمين يا رب العالمين، اللهم أطفِئها بعزٍّ للإسلام والمسلمين وعافيةٍ للإسلام والمسلمين، وذلٍّ للكفر والكافرين يا رب العالمين وأعداء الدين، إنك على كل شيء قدير. اللهم يا ذا الجلال والإكرام أعِنَّا على صيام شهر رمضان وقِيامه، اللهم أعِنَّا على صيام شهر رمضان وقيامه يا رب العالمين. اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذاب الآخرة يا رب العالمين. اللهم يا ذا الجلال والإكرام أظهِر سننَ نبيك محمد ﷺ ، اللهم اقمَع البدعَ، اللهم أذِلَّ البدعَ إلى يوم الدين يا رب العالمين، اللهم انصر السننَ يا ذا الجلال والإكرام، اللهم انصر هديَ نبيك محمد ﷺ . اللهم تُب علينا وعلى المسلمين، وفقِّهنا والمسلمين في الدين، اللهم أعِذنا وذرياتنا من إبليس وشياطينه وذريته وجنوده يا رب العالمين، وأعِذ المسلمين من إبليس وشياطينه وذريته يا ذا الجلال والإكرام. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: ٩٠، ٩١]. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 35

خطبة المسجد النبوي - ٥ رمضان ١٤٣٢ - صيام رمضان والغاية منه - الشيخ حسين آل الشيخ الخطبة الأولى الحمد لله الذي أكرمنا برمضان، وجعله موسمًا للرحمة والعفو والغفران، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الرحيمُ الرحمن، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيدُ ولد عدنان، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه أهل التقوى والإيمان. أما بعد، فيا أيها المسلمون: أُوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -، فمن اتقاه وقاه وأسعده ولا أشقاه. إخوة الإسلام: إن من نعم الله علينا أن بلَّغنا هذا الشهر العظيم والموسمَ الكريم الذي توافَرَت النصوص على عظيم فضله وكريم خِصاله، فالواجبُ على المسلم اغتنامُ لحظاته بما يكون سببًا للفوز بدار النعيم والنجاة من الجحيم، قال ﷺ : «من صامَ رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه»؛ متفق عليه. فسارِعوا فيه إلى أنواع الخيرات، وبادِروا بالأعمال الصالحات، وتسابَقوا فيه إلى سائر القُربات؛ عن ابن عباس ﵄ قال: "كان النبي ﷺ أجودَ الناس في الخير، وكان أجودَ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المُرسَلة"؛ متفق عليه. إخوة الإسلام: التمِسوا من صوم هذا الشهر تطهيرَ القلوب، وتزكيةَ النفوس، والوصول إلى حقيقة التقوى في جميع مراحل الدنيا، قال ربنا - جل وعلا -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٣]. لنستلهِم من رمضان الدروسَ الإيمانية التي تجعلنا نعيش حياةً إيمانيةً تنأَى بنا عن مصائب النفوس الأمَّارة بالسوء، وعن شرور الشهوات الجامِحة والغرائز العارِمة، وفي هذا يقول ﷺ : «من لم يدَع قولَ الزور والعملَ به والجهلَ فليس لله حاجةٌ في أن يدَع طعامَه وشرابَه»؛ رواه البخاري. ويقول ﷺ كما رواه الشيخان -: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخَب، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتَله فليقل: إني صائم». أيها المسلمون: رمضان فرصةٌ عظيمةٌ لتغيير الأحوال إلى ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من الخضوع لله - جل وعلا -، والتذلُّل له - سبحانه -، والوقوف عند حدوده، والالتزام بطاعته - سبحانه -، فمن أضاع هذه الفرصةَ وقع في الخسارة الكبرى والحسرة العُظمى؛ صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه رقِي المنبر فقال: «آمين» ثلاثًا، ثم قال: «إن جبريل أتاني فقال: رغم أنف امرئٍ دخل عليه رمضان فلم يُغفر له فدخل النار فأبعدَه الله، قل: آمين، فقلتُ: آمين». فالمُبادرة المُبادرة إلى الصالحات، والمُسابقة المسابقة إلى الخيرات. بارك الله لنا فيما سمعنا، ورزقنا العملَ الصالحَ الذي يُرضِي المولى - جل وعلا -، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه. أما بعد، فيا أيها المسلمون: إن من الأهداف الكبرى لمشروعية الأحكام في الإسلام: تحقيقَ الأُخوَّة بين المسلمين والمودَّة بين المؤمنين، فلنستلهِم من هذا الشهر كلَّ خُلُقٍ نبيلٍ وفعلٍ جميل، ولنحرِص على الرفقِ بالمسلمين والإحسان إليهم، وإيصال النفع لهم، وفي هذا يقول ﷺ : «من فطَّر صائمًا فله مثلُ أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيءٌ»؛ رواه أحمد والترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح. وإن من الأمور المهمة التي ينبغي أن نتعاهَدها في هذا الشهر: تذكُّر ما يقع للمسلمين من مصائب عُظمى في أماكن شتَّى، فلنجتهِد بالدعاء لهم خاصةً عند الإفطار وفي السجود وفي القنوت؛ فقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاثةٌ لا تُردُّ دعوتُهم»، وذكر منهم: «الصائم حتى يُفطِر». ثم إن الله - جل وعلا - أمرنا بأمرٍ عظيم، ألا وهو: الصلاة والسلام على النبي الكريم. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيدنا وحبيبنا نبينا محمد، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، وعلى الآل أجمعين، وجميع الصحابة إلى يوم الدين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أذِلَّ الشرك والمشركين. اللهم أصلِح أحوالنا وأحوال المسلمين، اللهم أصلِح أحوالنا وأحوال المسلمين، اللهم أصلِح أحوالنا وأحوال المسلمين، اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق، اللهم فرِّج همومهم، اللهم نفِّس كرباتهم، اللهم احفظ دماءهم، اللهم احفظ دماءهم، اللهم اكشف ما أصابهم، اللهم اكشف ما أصابهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اجعل عاقبةَ ما أصابهم خيرًا، اللهم اجعل عاقبةَ ما أصابهم خيرًا، اللهم اجعل عاقبةَ ما أصابهم خيرًا، اللهم اكتب لهم الفلاح في الدنيا وفي الآخرة، اللهم اكتب لهم الفلاح في الدنيا وفي الآخرة. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقِنا عذابَ النار. اللهم آتِ نفوسَنا تقواها، وزكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها. اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّ وترضى، اللهم ولِّ على المسلمين خيارَهم، اللهم ولِّ على المسلمين خيارَهم، اللهم ولِّ على المسلمين خيارَهم. اللهم إنك غنيٌّ كريم، اللهم فأغِثنا، اللهم فأغِثنا، اللهم فأغِثنا. سبحان ربك رب العزة عما يصِفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 36

خطبة المسجد النبوي - ١٢ رمضان ١٤٣٢ - رمضان شهر التوبة والإنابة - الشيخ عبد المحسن القاسم الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى. أيها المسلمون: تتوالَى نعمُ الله الظاهرة والباطنة على عباده، وقد أكرم - سبحانه - عبادَه بشهرٍ عظيمٍ مخصوصٍ بالقدر والتكريم، مُفضَّلٍ على سائر الشهور، أنزل فيه كتابَه وفرضَ صيامَه، زمنُ العتقِ والغفران، موسمُ الصدقات والإحسان، وتتوالَى فيه الخيراتُ وتعمُّ البركات. كان النبي ﷺ يقول لأصحابه: «أتاكم رمضان شهرٌ مبارَك، فرضَ الله عليكم صيامَه، تُفتَّحُ فيه أبوابُ السماء، وتُغلَّقُ فيه أبوابُ الجحيم، وتُغلُّ فيه مرَدةُ الشياطين، لله فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهرٍ، من حُرِم خيرَها فقد حُرِم»؛ رواه النسائي. قال ابن رجب ﵀: "وكيف لا يُبشَّرُ المؤمنُ بفتح أبواب الجِنان؟ وكيف لا يُبشَّرُ المُذنِبُ بغلقِ أبواب النيران؟ كيف لا يُبشَّرُ العاقلُ بوقتٍ تُغلُّ فيه الشياطين؟ من أين يُشبِه هذا الزمان زمان؟ ". رمضان أشرفُ الشهور وأزكاها عند الله، جعله تعالى ميدانًا لعباده يتسابقون فيه بأنواع الطاعات والقُرُبات، شهرُ منحةٍ لتزكية النفوس وتنقيتها من الآفات والضغائن والأحقاد، في هذا الشهر مغانمُ لطاعات الله: قرآنٌ وقيام، صدقةٌ وصيام، عطفٌ وإحسان؛ قال ﵊: «من فطَّر صائمًا كان له مثلُ أجره غيرَ أنه لا ينقصُ من أجر الصائم شيءٌ»؛ رواه الترمذي. والعُمرةُ فيه فاضلة، قال ﵊: «عُمرةٌ في رمضان تعدِلُ حجَّة»؛ متفق عليه. وللصائم دعوةٌ لا تُردُّ، وفي الثُلثِ الأخير من الليل ينزلُ ربُّنا ويقول: «من يدعُوني فأستجيبَ له»؛ رواه مسلم. شهرُ رمضان يغتنِمُه المُشمِّرون لبرِّ الوالدَين والقُرب منهم والتودُّد إليهم، ولصِلَة الأرحام، والإحسان إلى الأهل والأولاد بالتوجيه الرشيد والمعاملة الحسنة. قال ابن رجب ﵀: "الصائمُ في ليله ونهاره في عبادة، ويُستجابُ دعاؤُه في صيامه وعند فِطره؛ فهو في نهاره صائمٌ صابر، وفي ليله طاعمٌ شاكر". والصدقةُ ميدانٌ لتفريجِ الكروبِ عن الغني قبل الفقير، يظهرُ أثرُها على المُتصدِّق في نفسه وماله وولده، وتدفعُ عنه البلاءَ وتجلبُ له الرخاء، قال ابن القيم ﵀: "للصدقةِ تأثيرٌ عجيبٌ في دفع البلاء، وهذا أمرٌ معلومٌ عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلهم مُقرُّون به؛ لأنهم جرَّبوه، وما استُجلِبَت نعمُ الله واستُدفِعَت نقَمُه بمثلِ طاعته والتقرُّب إليه والإحسان إلى خلقه". وفي نسمات الخير والبركات في أعظم شهرٍ في العام في الناس من يتجرَّأ على العصيان؛ من إطلاق البصر في المحظورات، أو إرخاء الأذن للمحرمات، وفيهم من يُضيِّعُ لحظاته الثمينةَ بكثرة لهوٍ يُبعِدُه عن الطاعة، وكل مُتعةٍ بمحرَّمٍ نهايتُه حسرةٌ وندامة. والتوبةُ بابُها مفتوحٌ وخيرُها ممنوح، وفي شهر الخير أرجَى؛ قال ﷺ : «قال الله ﵎: يا عبادي! إنكم تُخطِئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوبَ جميعًا، فاستغفروني أغفِر لكم»؛ رواه مسلم. والذنبُ يغفِره الله وإن تعاظَم؛ قال النبي ﷺ : «قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتَني ورجوتَني غفرتُ لك على ما كان منك ولا أُبالِي، يا ابنَ آدم! لو بلغَت ذنوبُك عنانَ السماء، ثم استغفرتَني غفرتُ لك»؛ رواه الترمذي. واليأسُ والقنوطُ سلاحٌ لإبليس ليُبقِي العاصي على عصيانه، والعبدُ مهما عمِلَ من المعاصِي والخطايا فاللهُ لا يُيأَسُ منه؛ فالتوبةُ تهدِم ما قبلَها، والإنابةُ تجُبُّ ما سلَفَها. ومن أعظم أسباب المغفرة: أن العبدَ إذا أذنبَ ذنبًا لم يرجُ مغفرتَه من غير ربه، قال لقمان لابنه: "يا بنيَّ! عوِّد لسان: اللهم اغفر لي؛ فإن لله ساعاتٍ لا يردُّ فيها سائلاً". وعلامةُ التوبةِ: الندمُ على ما سلَف، والخوفُ من الوقوع في الذنب، ومُجانبَةُ رُفقة السوء، ومُلازمَةُ الأخيار. واحفظ لسانَك وسمعَك وبصرَك على الدوام عما حرَّم الله؛ قال الإمام أحمد ﵀: "ينبغي للصائم أن يتعاهَد صومَه من لسانه، ولا يُمارِي في كلامه، كانوا إذا صاموا قعَدوا في المساجد وقالوا: نحفَظُ صومَنا ولا نغتابُ أحدًا". وليكن يومُك خيرًا من غابِرِك، واغتنِم زمنَ الأرباح، وسابِق فيها غيرَكَ إلى الخيرات؛ فأيامُ المواسم معدودة، وأوقاتُ الفضائل مشهودة، وفي رمضان كنوزٌ غالية، فلا تُضيِّعها باللهو وما لا فائدة فيه، فلا تعلمُ هل تُدرِك رمضان الآخر أم لا، واللبيبُ من نظر في حاله، وفكَّر في عيوبه، وأصلحَ نفسَه. وعلى المرأة أن تكون شامخةً بشرفها، صائنةً عفافَها، مُتزيِّنةً بزينةِ الدين، مُتجمِّلةً بجمال السترِ والحياء، فليالي رمضان معدودة، والأنفاسُ في الحياة يسيرة، والسعيدُ من ملأ حياتَه بالطاعة والإحسان، وابتعدَ عن المعاصي والأوزار، واغتنمَ مواسمَ العام. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٣]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا. أما بعد، أيها المسلمون: ستنقضِي الدنيا بأفراحها وأحزانها، وتنتهي الأعمارُ بطولها أو قِصَرها، وكم من إنسانٍ انتظرَ رمضانَ بأقوى الأملِ في فباغَته الأجل، فافتح فيه صفحةً مُشرقةً مع مولاك، واسدِلِ الستار على ماضٍ نسيتَه وأحصاهُ الله عليك، وتُب إلى التواب الرحيم من كل ذنبٍ وتقصيرٍ وخطيئة، وفي اغتنامِ مواسم الخير في الجدِّ بالعمل الصالح والتوبة مما سلَف من القبائح ما يُعوِّضُ الله به العاملين عما مضى من نقصِ العمل، ويصرِفُ به عقوبةَ ما اقترفَ من الزَّلَل. ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه، فقال في محكم التنزيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا [الأحزاب: ٥٦]. اللهم صلِّ وسلِّم على نبينا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدِلون: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنَّا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمنًا مُطمئنًّا رخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم تقبَّل منا صيامنا وقيامنا، اللهم تقبَّل منا الصيامَ والقيامَ، واصرِف عنا الفتنَ ما ظهر منها وما بطَن. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]، واجعلنا ربنا في هذا الشهر الكريم من عُتقائك من النار. اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم احقِن دماءهم، واحفَظ أموالَهم وأعراضَهم، وأطعِم جائعَهم يا رب العالمين. اللهم وفِّق إمامنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، ووفِّق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وتحكيم شرعك يا ذا الجلال والإكرام. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 37

خطبة المسجد النبوي - ١٩ رمضان ١٤٣٢ - أسرار العبودية في رمضان - الشيخ علي الحذيفي الخطبة الأولى الحمد لله ذي العزِّ والكرم، أسبغَ على الخلق النعَم، وعافَى من شاءَ من النِّقَم، أحمد ربي وأشكره على آلائه الظاهرة والباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو المعروف الذي لا ينقطع أبدًا، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله المبعوثُ بالهُدى، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أولي الفضل والتُّقى. أما بعد: فاتقوا الله حقَّ التقوى، وتمسَّكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى. أيها الناس: إن هذا الدار ليست بدار قرار، فلكم في هذه الدنيا أعمارٌ محدودة وأيام معدودة، ثم تُنقَلون إلى دار الخلود إما نعيمٌ أبديٌّ مُقيم، وإما عذابٌ أليم، وقد قضى الله بعلمه وحكمته ورحمته أن الناس يُجزَون بأعمالهم في هذه الحياة، قال الله تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم: ٣١]، وقال تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى [طه: ٧٤ - ٧٦]، وقال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨]. وقال الله تعالى في الحديث القدسي: «يا عبادي! إنما هي أعمالكم أُحصيها لكم ثم أُوفِّيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمَد الله، ومن وجدَ غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه»؛ رواه مسلم من حديث أبي ذرٍّ ﵁. أيها المسلمون: إن شهر رمضان المبارك زمانٌ لعمل الأعمال الصالحات كلها، ووقتٌ فاضلٌ لفعل الخيرات جميعها، وفيه تتضاعفُ الأجور بعظيم ثواب الحسنات، وقد جمع الله للمسلم في هذا الشهر مع الصيام إقامةَ الصلاة التي هي عمود الإسلام، والزكاةَ التي هي حقُّ المال ومواساةُ الفقراء، والنفقةَ على من يعولهم المسلم، والإحسانَ إلى المحرومين المُحتاجين. كما جمع الله للمسلم في هذا الشهر العُمرة لمن تيسَّت له، وهي من أعمال الحج، ومنَّ الله تعالى في هذا الشهر بتلاوة القرآن الذي هو غذاءُ الروح، وفيه الهُدى والخيرُ كلُّه؛ فقد أنزل الله هذا القرآن في هذا الشهر المبارك، والقرآن يهدي إلى كل خير، وبه تقوى الروح، وتتهذَّبُ النفوس، وتتقوَّمُ الأخلاق. وكذلك جمع الله في هذا الشهر مع الصيام الذكرَ الذي هو أزكى الأعمال، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبرَّ الوالدين، وصلةَ الأرحام، وأنواعَ البرِّ الأخرى. وحفِظ الله بالصيامِ المسلمَ من المحرمات، لما صُفِّدت الشياطين وسُلسِلَت، فطُوبَى لكل مسلمٍ على ما وفَّقه الله له وأعانه عليه من الحسنات. أيها المسلمون: إن الله تعالى قد أقام الحُجَّة على المُكلَّفين، وأنزل على رسوله ﷺ هذا القرآنَ العظيم، وحفِظَ لنا السنةَ النبوية، فلا يضلُّ من تمسَّك بهما ولا يشقَى أبدًا، وقد بيَّن الله لنا أعظمَ بيان أعمالَ أهل الجنة ودعانا إليها لنكون من المُقرَّبين إلى ربنا في جنات عدنٍ مع النبيين - صلى الله وسلم عليهم أجمعين -. فمما أنزل الله من كتابه: قوله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦]. وقولَه تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: ٦٣ - ٧٠]. وقال ﷺ : «سبعةٌ يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه: إمامٌ عادل، وشابٌّ نشأ في عبادة الله، ورجلٌ قلبُه مُعلَّقٌ بالمساجد، ورجلٌ تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شِمالُه ما تُنفِقُ يمينُه، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجلٌ دعَتْه امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمال فقال: إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمين، ورجلٌ ذكرَ اللهَ خاليًا ففاضَت عيناه»؛ رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة. كما بيَّن الله لنا أعمال أهل النار أعظمَ بيان لنبتعِد عنها، قال الله تعالى: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر: ٤٢ - ٤٧]، وقال تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم: ٥٩] وهو وادٍ في جهنم. فاسلُك - أيها المسلم - في هذا الشهر وفي غيره سبيلَ المُهتدين، واعمل بأعمال الصالحين، وابتعِد عن سُبُل الغاوين الفاسقين لتفوزَ بجوار رب العالمين، وتنجُو من العذاب المُهين. عباد الله: إن شهرَكم الكريم قد ولَّت أكثرُ أيامه وانقضَت، فاختِموه بخير ما تقدِرون عليه من الصالحات، فالأعمالُ بالخواتيم، وأنتم تستقبِلون لياليَه العشر أفضلَ الليالي، وقد كان رسولُنا ﷺ يجتهِد في العشر ما لا يجتهِدُ في غيرها رجاء موافقة ليلة القدر، فمن قام ليلة القدر فقد فاز بالخيرات ونجا من الكُربات والحسرات، ومن حُرِمها فقد حُرِم الخير. وما أعظمَ قولَ النبي ﷺ فيها: «من قام ليلةَ القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه»؛ رواه البخاري. فقدِّم - أيها المسلم - ما تنالُ به رضوانَ رب العالمين، وتُقيمُ به أبدًا في جنات الخُلد التي لا ينفَدُ نعيمُها، ولا يبلَى شبابُها، ولا يتحوَّلُ عنها أهلُها، نعيمُهم في ازدياد قد حلَّ عليهم الرضوانُ من رب العباد، قال الله تعالى في هؤلاء أهلِ كرامته: يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ [الزخرف: ٦٨ - ٧٣]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله رب الأرض والسماوات، الذي وفَّق من شاءَ لفعل الحسنات وترك المُنكرات، ومنَّ على أمة الإسلام بالفضائل والخيرات، أحمدُ ربي وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وليُّ الكلمات مُجيبُ الدعوات، وأشهد أن نبينا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله أفضلُ المخلوقات، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه ذوي العلم والمكرُمات. أما بعد: فاتقوا الله في سرِّكم وعلانيتكم يُصلِح لكم أمورَكم، ويُزكِّ أعمالكم، ويغفِر ذنوبَكم. أيها المسلمون: إن طرق الخير كثيرة، وأبواب الحسنات واسعة، فاحرِص على كل خير، واحذر كل شرٍّ، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: ٧٧]، وقال تعالى: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٢٣]. عباد الله: إن شهركم شهرُ الخير والإحسان؛ عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول ﷺ أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكون في رمضان، فلرسولُ الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجودُ بالخير من الريحِ المُرسَلة؛ رواه البخاري ومسلم. معشر المسلمين: إن لكم إخوةً قد أثقلَتهم الديون، وغيَّبَتهم السجون، ولازمَتهم الهُموم، وانقطَعوا عن أُسرهم، وفقد مُجالسَتَهم أقرباؤهم وجيرانُهم، فهم أحياءُ كأموات، هم بحاجةٍ إلى من يُضمِّدُ جراحَهم، ويُخفِّفُ آلامَهم، ويُدخِلُ السرورَ عليهم وعلى ذوِيهم في شهر الإحسان؛ بتفريجِ كُربَتهم بالعطف عليهم، والصدقة التي تقضي ديُونَهم، وهم أهلٌ للزكاة؛ فالزكاةُ تكافلٌ اجتماعيٌّ بين المسلمين. ولو أدَّى الأثرياءُ زكاةَ أموالهم للمُستحقِّين والمُحتاجين لكفَت الزكاةُ ذوي الحاجات، ولوُفِّق الأثرياءُ إلى أعظم الحسنات. وإدخالُ السرور على المسلم من أكبر القُربات، قال ﷺ : «من فرَّج عن مسلمٍ كُربةً من كُرَب الدنيا فرَّج الله عنه كُربةً من كُرب يوم القيامة، ومن يسَّر على مُعسِرٍ يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة»؛ رواه مسلم. وما أسعدَ من جمع بين الأُسرة وعائلها المسجون بعد طول الغياب، وفقد الأحباب، عسى الله أن يجمع بينه وبين أحبَّته في دار السرور والحُبور. فتآخَوا - معشر المسلمين - بينكم بروح الله، وتراحَموا بأُخُوَّة الإسلام، وسُدُّوا حاجةَ الفقراء والمُحتاجين، فالرسول ﷺ قال: «ابغُوني في الضعفاء» - يعني: قوموا بحاجتهم - «فإنما تُنصَرون وتُرزقون بضعفائكم». ودعوةٌ صالحةٌ يفوزُ بها مُنفِقٌ في خيرٍ وإحسان خيرٌ له من الدنيا وما فيها، ومُدُّوا يدَ العون إلى إخوةٍ لكم عضَّتهم المجاعة وأصابَهم البُؤسُ في بعض البُلدان، فمالُ المسلم في الحقيقة هو ما قدَّم لنفسه لا ما أخَّر بعده للورثة. ولا تنسَوا المسلمين في هذا الشهر المبارك من الداء الصالح أن يكشف الله كُروبَهم ويُصلِح حالَهم وألا يُسلِّط عليهم من لا يخافُ اللهَ فيهم ولا يرحمهم. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]، وقد قال ﷺ : «من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا». فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين، وإمام المرسلين، اللهم صلِّ على محمد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمد وعلى آل محمد، كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا. اللهو وارضَ عن الصحابة أجمعين، وعن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين برحمتك يا أرحم الراحمين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم وارضَ عنا معهم بمنِّك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الكفر والكافرين يا رب العالمين. اللهم انصر دينَك وكتابَك وسنةَ نبيك يا قوي يا عزيز اللهم ألِّف بين قلوب المسلمين، وأصلِح ذات بينهم يا ذا الجلال والإكرام، واجمعهم على كلمة الحق إنك على كل شيءٍ قدير. اللهم اقمَع وأذِلَّ البدعَ إلى يوم الدين، اللهم اقمَع وأذِلَّ البدعَ واخزِ البدعَ التي تُحاربُ دينَ نبيك محمد ﷺ إلى يوم الدين يا رب العالمين، اللهم وانصر هدي نبيك محمد ﷺ وأظهِر هدي نبيك محمد ﷺ في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة يا رب العالمين. اللهم أرِنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعَه، وأرِنا الباطلَ باطلاً وارزُقنا اجتنابَه، ولا تجعله مُلتبِسًا عليه فنضِلّ يا رب العالمين. اللهم احقِن دماء المسلمين، واحفظ أموالَهم وأعراضَهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم يا رب العالمين احفَظ لنا ولهم الدين إنك على كل شيءٍ قدير. اللهم اجعل الدائرةَ على أعداء الإسلام يا رب العالمين، اللهم اجعل الدائرةَ والخِزيَ والنَّكالَ على أعداء الإسلام يا رب العالمين الذين يُحارِبون دينَك وأولياءَك يا رب العالمين، إنك على كل شيءٍ قدير. اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين، اللهم أصلِح ذاتَ بينهم، اللهم اغفر لموتانا وموتى المسلمين، اللهم اقضِ الدَّين عن المدينين من المسلمين، اللهم واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين يا رب العالمين. اللهم أعِذنا وأعِذ ذرياتنا من إبليس وذريته وشياطينه وجنوده يا رب العالمين إنك على كل شيء قدير، اللهم أعِذ المسلمين وذرياتهم من إبليس وشياطينه يا ذا الجلال والإكرام. اللهم وفِّقنا لهُداك، اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسرَرنا وما أعلنَّا. اللهم يا ذا الجلال والإكرام اجعلنا ممن وفَّقتَه للصيام والقيام، اللهم اجعلنا ممن غفرتَ ذنبَه يا رب العالمين. اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجِرنا ومن خِزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم وفِّقنا لقيام ليلة القدر على ما تحبُّ وترضى يا رب العالمين، نسألك فعلَ الخيرات، وترك المنكرات، وحبَّ المساكين يا أرحم الراحمين، واحفظنا من مُضِلاَّت الفتن. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم ولاةَ أمورنا. اللهم وفِّق خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، ولما فيه عِزُّ الإسلام والمسلمين يا رب العالمين، اللهم أعِنه على ما فيه الصلاحُ للبلاد والعباد إنك على كل شيءٍ قدير، اللهم واجزِه خيرًا على نُصرته للمسلمين إنك على كل شيءٍ قدير، وعلى اهتمامه بأمور المسلمين يا رب العالمين، أصلِح بِطانتَه، ووفِّقه لما فيه رِضاك إنك على كل شيء قدير، اللهم وفِّق نائبَيْه لما تحبُّ وترضى، ولما فيه الخير للبلاد والعباد، ولما فيه عِزُّ الإسلام يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير. اللهم إنا نسألك يا ذا الجلال والإكرام أن تختِم لنا بخواتيم الخير، وأن تجعلنا ممن ختمتَ له بالسعادة يا رب العالمين، لا تُغيَّر ولا تُبدَّل إنك ذو الفضل العظيم. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: ٩٠، ٩١]. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 38

خطبة المسجد النبوي - ٢٦ رمضان ١٤٣٢ - نعيم رمضان ولذة الأعمال الصالحة - الشيخ علي الحذيفي الخطبة الأولى الحمد لله الذي خلق فسوَّى، والذي قدَّر فهدى، الملكُ الذي لا يُعجِزُه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، يُقلِّبُ القلوب ويكشِفُ الكروب، أحمد ربي وأشكره، وأتوبُ إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له علاَّمُ الغيوب، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله دعا أمتَه إلى كل خيرٍ وحذَّر من كل شرٍّ، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه المُفلِحين. أما بعد: فاتقوا الله تعالى حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى؛ فمن اتقى اللهَ وقاه السيئات، ووفَّقه للخيرات. أيها المسلمون: اذكروا نعمَ الله عليكم في شهركم هذا شهر الخير والفضل والطاعات، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [المائدة: ١١]، وقال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [البقرة: ١٥٢]، وقال النبي ﷺ : «يا مُعاذ! إني أُحبُّك، فقل دُبُر كل صلاةٍ: اللهم أعِنِّي على ذكرك وشُكرك وحُسن عبادتك»؛ حديثٌ صحيح. وقال النبي ﷺ : «اللهم اجعلني لك ذكَّارًا، اللهم اجعلني لك شكَّارًا، أواهًا مُنيبًا مُخبِتًا». وقد صبَّ الله عليكم في هذا الشهر الخيرات صبًّا، وأعطكم أكثرَ مما تتمنَّون، وأجزلَ لكم مما ترغبون، فحقُّ ربكم عليكم أن يُشكَر ولا يُكفَر، وأن يُعبَد ولا يُجحَد، وأن يُذكَر فلا يُنسَى، وأن يُطاعَ فلا يُعصَى، لتُقابِلوا نعمَه بالشكر؛ فمن شكرَ ربَّه زادَه وأعطاه، ومن كفَرَ نعمَه حرمَه وأقصاه، وأعظمُ النعم ما أعدَّ الله للمسلم في جنات النعيم. وماذا يضرُّ المسلمَ ما زُوِي عنه من الدنيا إذا نالَ منزلتَه في جنة الخُلد؟ وماذا ينفعُ الكافرَ والمنافق ما تمتَّع به في الدنيا من اللذَّات؟ قال الله تعالى: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧]، وقال النبي ﷺ : «يُؤتَى بأشد الناس بُؤسًا في الدنيا فيُغمَسُ في الجنة غمسَة، ويقال له: يا عبد الله! هل رأيتَ بُؤسًا قط؟ فيقول: وعزة الله ما رأيتُ بُؤسًا قط، ويُؤتَى بأنعم أهل الدنيا ويُغمَسُ في النار غمسَة، ويقال له: يا ابنَ آدم! عل رأيتَ نعيمًا قط؟ فيقول: وعزة الله ما رأيتُ نعيمًا قط»؛ رواه مسلم. وقد جعل الله للجنة طرقًا وأسبابًا من سلكَها دخل الجنة، وجعل للنار طرقًا وأسبابًا وأعمالاً من عمِل بها دخل النار، قال الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى [الليل: ٥ - ١١]. ألا وإن من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار: صيامَ شهر رمضان وقيامَه، والمُسارعة فيه إلى الأعمال الصالحات. أيها المسلمون: لقد ولَّت أكثرُ أيام هذا الشهر الكريم ولياليه ولم يبق منه إلا القليل، فطُوبَى لمن صامَه وقامَه واتقى اللهَ ﵎ فيه. وإن من سعادة ابن آدم أن يُحاسِبَ نفسَه على فعل الحسنات وعلى الابتعاد عن السيئات؛ فمن أعانه الله ووفَّقه للطاعات في شهر رمضان فيما مضى من أوقاته فليحمَد الله ﵎، وليُتبِع الصالحات من الأعمال فيما كان من الأوقات الخاليات فليُتبِعها بصالح الأعمال في الأيام الباقيات. فما أحسن الطاعات بعد الطاعات، وما أقبحَ السيئات بعد الحسنات، والأعمال بالخواتيم، فاختِموا شهركم بخير ما تقدِرون عليه، وأقبِلوا على ربكم؛ فإنه ﵎ يُقبِل على المُحسنين والطائعين، والله شكورٌ عليمٌ يُضاعِف الحسنات، ويعفُو عن السيئات، وهو أرحمُ بعباده من الأم بولدها. قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ٤٠]، وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى: ٢٥]. وقد تكون ليلةُ القدر في هذه البقية من الليالي؛ فعبادةُ الله فيها خيرٌ من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، قال الله تعالى: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر: ٣]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قام ليلةَ القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه»؛ رواه البخاري ومسلم. وقيامُها هو بالعبادة والصلاة وبقراءة القرآن والذكر وبالصدقات وبكل عملٍ صالحٍ يُقرِّبُ إلى الله ، وما من ليلةٍ من ليالي العشر إلا وجاءت الأحاديث بتحرِّي ليلة القدر فيها. وما أعظم سعادة من وُفِّق للتوبة من جميع الذنوب مع العبادة، قال الله تعالى: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ١١٢]. وهي ليلةٌ يلتقي فيها أهلُ السماوات بأهل الأرض لما يتنزَّلُ فيها من الخير ويُصرَف فيها من الشر، فينزلُ جبريلُ والملائكةُ يستغفرون اللهَ للمؤمنين، ويعبدون اللهَ في الأرض، فتبقى في الأرض بركةُ العبادة التي عبدَ اللهَ فيها المؤمنون والملائكة، قال الله تعالى: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ [القدر: ٤]. فهنيئًا لهذه الأمة على هذه الفضائل والبركات التي منَّ الله بها عليها في هذا الشهر وغيره، قال الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: ٣٤]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، وليِّ الصالحين، أحمدُ ربي وأشكره على أعطى من جُوده وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القويُّ المتين، وأشهد أن نبينا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله بعثَه الله بالهُدى واليقين ليُنذِر من كان حيًّا ويحِقَّ القولُ على الكافرين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فاتقوا الله بلزوم الطاعات، ومُجانبة المحرمات؛ تنجو من عذابه، وتفوزوا بثوابه. عباد الله: قصِّروا الآمال، وتذكَّروا ما أمامكم من الأهوال؛ فإنه لا يُنجِي من ذلك إلا صالحُ الأعمال، ورحمةُ الله ﵎ وسِعَت كل شيء، قال ﵎: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف: ١٥٦، ١٥٧]. عباد الله: إن الله ﵎ قد حفِظكم من مكائد عدوكم، وإن هذا العدو إبليس وشياطينُه، لا يخلُصون إليكم في هذا الشهر مثل ما كانوا يخلُصون إليكم في غيره؛ فقد سُلسِلَت الشياطين، وإن عدوكم الشيطان والذين معه من ذريته الشياطين يتربَّصون بكم أن ينسلِخ هذا الشهر ثم إنهم يخلُصون إليكم ما لم يكونوا يخلُصون إليكم فيه في هذا الشهر المبارك، وإن الله ﵎ قد حذَّركم من هذا العدو، وأمركم بالاستعاذة منه، قال ﵎: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر: ٥، ٦]. فداوِموا على الاستقامة؛ فإن أعظم الكرامة هي الاستقامة على دين الله والثبات على دين الله ﵎، قال الله : فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود: ١١٢]، وقال ﵎ عن ثواب المُستقيمين الثابتين على الطاعات المُجانبين للمُحرَّمات، قال : إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [فصلت: ٣٠، ٣١]. وإن الله ﵎ أمركم بأن تعبدوه في كل زمانٍ وفي كل مكان، قال ﵎: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: ٩٩]. اعبُد الله في رمضان وفي غيره حتى يأتيك اليقين - وهو الموت -، وفي الحديث عن النبي ﷺ أن أبا عمرو سفيان بن عبد الله قال: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحدًا غيرَك. قال: «قل: آمنتُ بالله، ثم استقِم». عباد الله: إن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال ﵎: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]. فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين، وإمام المرسلين، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمد وعلى آل محمد، كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا. اللهو وارضَ عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم وارضَ عنا معهم بمنِّك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك فعلَ الخيرات، وترك المنكرات، وحُبَّ المساكين، وأن تحفظنا من مُضِلاَّت الفتن ما ظهر منها وما بطَن يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أعِذنا وأعِذ ذرياتنا من إبليس وجنوده وشياطينه يا رب العالمين وذريته، إنك أنت الله تُجيرُ ولا يُجارُ عليك، اللهم أعِذ المسلمين وذرياتهم من إبليس وشياطينه وجنوده يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير. اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسررنا وما أعلنَّا، وما أنت أعلمُ به منَّا، أنت المُقدِّم وأنت المُؤخِّر، لا إله إلا أنت. اللهم آتِ نفوسَنا تقواها، زكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها. اللهم أحسِن عاقبَتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خزيِ الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم ثبِّتنا عند السؤال يا رب العالمين، اللهم ثبِّتنا عند السؤال، اللهم أحيِنا في عافية، وتوفَّنا في عافية، اللهم وأدخِلنا الجنة في عافيةٍ منك يا رب العالمين. اللهم إنك أنت الله لا إله إلا أنت، اللهم ارحمنا رحمةً من عندك تُغنينا بها عن رحمة من سِواك يا رب العالمين، اللهم لا تكِلنا إلى أنفسنا طرفةَ عينٍ يا أرحم الراحمين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم ولاةَ أمورنا. اللهم وفِّق عبدكَ خادمَ الحرمين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عملَه في رِضاك يا رب العالمين، اللهم أعِنه على كل ما فيه صلاحٌ وخيرٌ لشعبه وللمسلمين يا رب العالمين، اللهم وفِّق نائبَه لما تحب وترضى يا رب العالمين، اللهم واكتُب له الشفاءَ والعافيةَ إنك على كل شيءٍ قدير، اللهم وفِّق نائبَه الثاني لما تحبُّه وترضى ولما فيه عزُّ الإسلام، ولما فيه صلاحُ البلاد والعباد، إنك على كل شيء قدير. اللهم إنا نسألك أن تغفر لموتانا وموتى المسلمين، اللهم اجعل هذا الشهر مُنسلِخًا بالغُفران منك يا رب العالمين، لنا وللمسلمين التائبين يا رب العالمين إنك على كل شيء قدير. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: ٩٠، ٩١]. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 39

خطبة المسجد النبوي - ١ شوال ١٤٣٢ - خطبة عيد الفطر ١٤٣٢هـ - السبيل الوحيد لتحقيق السعادة - الشيخ حسين آل الشيخ الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينُه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. أمة الإسلام: هنيئًا لكم على إتمام الصيام وإكمال القيام، وهنَّأكم الله بهذا العيد العظيم، دامَت عليكم الفرحةُ والسرور، والبهجةُ والحُبور. إخوة الإسلام: العيدُ في الإسلام واحةٌ فيحاء، تفرحُ فيها النفوسُ المؤمنةُ بما أنعم الله بها عليها من التوفيق إلى الطاعات، والمُسارعة إلى الخيرات، قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: ٥٨]. فاتخِذوه - أيها المسلمون - مناسبةً لتجديد النشاط في العبادة، واجعلوه فرصةً للتسامُح والصَّفح والتراحُم والعطف، تبادَلوا فيه أطيبَ التهاني وأجمل الأماني بنفسٍ راضيةٍ مُنطلِقة، وبوجهٍ مُبتسمٍ ضَحوك، فنبيُّكم ﷺ يقول: «لا تحقِرَنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقَ أخاكَ بوجهٍ طلق»؛ رواه مسلم. إن العيدَ ينبغي أن يُصيِّرنا شُموسًا مُشِعَّةً بالحب والخير، وأقمارًا تُضيءُ بالعطف والبرِّ والإحسانِ والوَصل، وينبغي أن يجعلنا العيدُ مُتمتِّعين بأريحيَّةِ الخُلُق، ولُطف الروح، ولِين الجانب، حتى نكون على هذه الحال في أزماننا كلها. فحبيبُنا ﷺ يقول: «تبسُّمُك في وجه أخيك صدقة»؛ رواه البخاري في "الأدب المفرد"، وغيرُه. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. إخوة الإسلام: إن أعظم مقاصد الشعائر - ومنها الصوم -: تحقيقُ الغاية من خلق الخلق، وهي إخلاصُ الدين لله وحده والتوحيد الخالص له - عزَّ شأنُه -، فأولُ واجبٍ يُطالِعُكم في المُصحف: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة: ٢١]، وأولُ نهيٍ تجِدونه: فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٢]. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. معاشر المسلمين: إن العلاج الناجعَ لواقع المسلمين المرير هو: التمسُّك بالإسلام الصافي الذي تعلَّمه الصحابةُ ﵁ من رسول الله ﷺ وطبَّقوه في شؤون حياتهم كلها، نظامَ حياةٍ مُتكامل ودستور إصلاحٍ شامل، فأضاءَت به مشارقُ الأرض ومغارِبُها، وعاشَت الأمةُ قويةً مُهابة تُشِعُّ للعالَم كلِّه سلامًا وإحسانًا، ورحمةً وعدلاً، وحضارةً ورخاءً. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. إخوة الإيمان: إن الضمان الأوحد لدرأ أسباب الهلاك والدمار ودفع عوامل الشر والأخطار هو الحفاظُ الكاملُ على طاعة الله - جل وعلا - وطاعة رسوله ﷺ ، مع البُعد عن الفواحِش والمُوبِقات والجرائم والمُنكرات؛ ففي الوصية الجامعة: «احفَظ اللهَ يحفَظك»، فما حُفِظَت نعمةٌ بشيءٍ قطُّ إلا بطاعة الله - جل وعلا - ولا حصَلت بها الزيادةُ بمثل شُكره - عزَّ شأنُه -، وما زالَت من العبد نعمةٌ إلا بسبب ذنوبه ومعاصيه؛ فهي النارُ المُحرِقةُ للنعَم، والجالِبَةُ للنِّقَم، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الأنفال: ٥٣]. ولهذا فما وقع للمسلمين الشقاءُ والبأسُ والضرَّاءُ إلا بسبب البُعد عن المنهج القرآني والهدي النبوي، أولم يقل ربُّنا - جل وعلا -: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا [طه: ١٢٤]. أيها الفُضلاء: إن إخوة لنا في الإسلام يُعانون في مواضع شتَّى من الظلم والاضطهاد والبطش والاستبداد والقتل والتشريد والإبعاد، فمسؤوليةُ الدول والمُجتمعات والأفراد مسؤوليةٌ عظيمةٌ أمام الله - جل وعلا -، ثم أمام الضمير البشري بمُناصرتهم والدعاء لهم ومدّ يد العون لهم والتخفيف من مُعاناتهم والوقوف معهم معنويًّا وماديًّا وسياسيًّا. أمة الإسلام: إن بعض بُلدان المسلمين - كالصومال - تُعاني من مجاعاتٍ مُهلِكةٍ ومسغبَةٍ بالغة، فمُدُّا لهم يدَ العون بكل وسيلةٍ مُمكنةٍ، إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [التغابن: ١٧]، وشكرَ الله لخادم الحرمين الشريفين وقفتَه المعهودة لقضايا المسلمين خاصةً فيما وقع لإخواننا في الصومال. معاشر الأحباب: إن تداعيات الأحداث التي مرَّت ولا زالت تمرُّ بها بعضُ بُلدان المسلمين، وما وقع لها من تغيُّراتٍ كُبرى لتُذكِّرُنا أن هذه الدنيا فانية، وأن الآخرة هي الباقية، وأن المُلكَ الحقيقي إنما هو لله وحده يُعِزُّ من يشاء، ويُذِلُّ من يشاء، قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ [آل عمران: ٢٦]. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. إخوة الدين: لنتذكَّر إزاءَ ما وقعَ من أحوالٍ يشيبُ لها الولدان أن الإعراضَ عن تحكيم كتاب الله - جل وعلا -، وأن البُعد عن التحاكُم إلى سنة رسول الله ﷺ ما سبَّبَ إلا البلاءَ العريض والشرَّ المُستطير، أولَم يقل لنا ربُّنا - جل وعلا -: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ [البقرة: ٨٥]. ونبيُّنا ﷺ وقدوتُنا يقول: «وما لم تحكُم أئمتُهم بكتاب الله إلا جعل اللهُ بأسَهم بينَهم». فالواجبُ على الحُكَّام والمحكومين الخضوعُ لله - عزَّ شأنه -، والتذلُّلُ له - سبحانه -، والوقفُ عند شرعه ودينه، فذلكم صمَّام الأمان والسببُ الأوحَد للتمكين والعِزَّة والأمن والأمان، إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: ١٢٨]. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. إنما شهِدناه من أحداث يُصوِّرُ لنا ما قرَّرتْه النصوصُ الشرعيةُ أن الظلمَ عاقبتُه وخيمة وآثاره مُدمِّرة، فعلى المسلمين جميعًا التعاوُن في كل بلدٍ على إحقاق الحق، وإنصاف المظلوم، وإرساء مبادئ الرحمة والعدل والإحسان، والحرصُ على إصلاحٍ شاملٍ لجميع شؤون الحياة يضمنُ الحقوقَ والواجبات وفقَ شرع الله - جل وعلا -. إخوة الإسلام: إن من الخِزي والعار أمام الله - جل وعلا - ثم أمام خلقه أجمعين: ما تشهَدُه المواقع من بُلدان المسلمين من إراقة الدماء وإزهاق أرواح الأبرياء، فذلكم في شرع الله وفي الشرائع كلها جُرمٌ عظيمٌ وذنبٌ جسيم، ألم يقُل لنا ربُّنا - جل وعلا -: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣]. معاشر المسلمين: إن المسلمين متى تمسَّكوا بدينهم، وحقَّقوا طاعةَ ربهم فليعلَموا أن ما يُصيبُهم من مصائب ومِحَن وظلمٍ واضطهاد فهو مما يُكفِّر الله به السيئات ويُعظِمُ به الحسنات، رسولُنا ﷺ يقول: «ما يُصيبُ المؤمنَ من همٍّ ولا حَزَنٍ ولا وصَبٍ ولا نصَبٍ ولا مرضٍ حتى الشوكةَ يُشاكُها إلا كفَّر الله به من خطاياه»؛ متفق عليه. فاصبِروا - أيها المسلمون - واحتسِبوا، وأنيبوا إلى ربكم، وتضرَّعوا إليه - عزَّ شأنُه -، والتجِئوا به، قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ [الأنعام: ٦٤]. أيها المسلمون: لقد جَّبَ المسلمون في بُلدان شتَّى - وللأسف - مناهجَ مختلفة، وأحزابًا متنوعة نابذين حكمَ الله - جل وعلا - عن الحكم والتحاكُم، ولقد أثبتَ الواقعُ - وهو أكبرُ برهانٍ - أن هذه المناهجَ البشريةَ ما جرَّت إلا شقاءً وذُلاًّ للحاكم والمحكوم، وما ولَّدَت إلا مصائب شتى للأفراد والمجتمعات؛ بل وللأمة كلها. وتالله؛ فإن هذه الأحزاب والمشارِب هي التي دخلت على المسلمين بعد الغزو الاستعماري الحاقِد ما أصلَحت دنيا، ولا جرَّت رخاءً واستقرارًا، ولا أقامَت دينًا وشرعًا، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]. ولكن على المسلمين أن يستبشِروا بمُستقبَلٍ وضَّاء لحياة الأمة مهما تعدَّدت المصائب وتكاثَرَت المِحَن، فغفي مبادئ هذا الدين: الأمرُ بالتفاؤل بالخير والظنُّ العظيم بالله - جل وعلا -، وحُسن التوكُّل عليه، فلا بد لليل أن ينجلِي، ولا بُدَّ للقيد أن ينكسِر، يقول ﷺ للصحابة في حادثةٍ ما: «أبشِروا وأمِّلوا». فيا أمة محمد في كل مكان! من منبر رسول الله ﷺ نُناديكم مُخلِصين ناصحين: أسِّسوا حياتَكم على المنهج الكامل الذي جاء به القرآن وأوضحَه سيدُ الثقَلَيْن محمد - عليه أفضل الصلاة والسلام -؛ ففيهما من مبادئ الإصلاح وقواعد الخير ما يجعلُ المسلمين في حياة عِزَّةٍ وكرامة وعيشةٍ طيبةٍ راقيةٍ مُزدهِرة، وكفى بهذه البلاد شاهدًا وبُرهانًا. أقولُ هذا القول، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهُ الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله قائدُ الغُرِّ المُحجَّلين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فيا أيها المسلمون: أُوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا - فبها يجعلُ الله لنا من كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل همّ فرَجًا، ويرزُقنا من حيث لا نحتسِب. إخوة الإسلام: إن بلاد الحرمين منذ قامَت على يد الإمام محمد بن سعودٍ والإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمهما الله، وجزاهما الله عن المسلمين خيرًا -، وهي مؤسسةٌ على القرآن والسنةٍ منهجًا وحُكمًا وتحاكُمًا، ثم جاء الملكُ عبدُ العزيز ﵀ مُؤصِّلاً هذه الدولة على ذلكم المنهج الراشد، فسعُدت - بحمد الله - بالأمن الوافر، والأمان الظاهر، والرخاء الباهر، وإن أعظم واجبٍ أمام هذه النعَم - يا شباب هذه البلاد - هو شُكرُ الله - جل وعلا -. يا مجتمع بلاد الحرمين: اشكُروا اللهَ على هذه النعمة العظيمة، والزَموا طاعتَه - سبحانه -، وتمسَّكوا بشريعته، والتفُّوا حول حُكَّامكم وعلمائكم، وحافِظوا على المسؤولية الجماعية في حفظ الأمن والاستقرار، فرسولُنا ﷺ يصِفُ حالَ المؤمنين بقوله: «مثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم كمثَلِ الجسد الواحد إذا اشتكَى منه عضوٌ تداعَى له سائرُ الجسد بالسهر والحُمَّى». فالمُحافظةُ على الجماعة من أعظم أصول الدين وقواعد الوحيَيْن، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران: ١٠٣]، والسمعُ والطاعةُ لوليِّ الأمر أصلٌ من أصول مذهبِ أهل السنة والجماعة. فاستمسِكوا بوصية النبي ﷺ حينما قال: «أُوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن تأمَّر عليكم عبدٌ حبشيٌّ»؛ رواه البخاري. ثم إن الله - جل وعلا - أمرَنا بأمرٍ عظيمٍ، ألا هو: الصلاةُ والسلام على نبينا وسيدنا محمد، اللهم صلِّ على سيدنا ونبينا وحبيبنا وقُرَّة عيوننا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم نفِّس كُرباتهم، اللهم فرِّج همومَهم، اللهم اكشِف غُمَّتَهم، اللهم اجعل عاقبةَ ما حصلَ لهم عاقبةً حميدةً خيِّرةً إصلاحية يا ذا الجلال والإكرام. اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّه وترضاه، اللهم أطِل عمره على طاعتك، ومُدَّ في حياته على التقوى يا حي يا قيوم، اللهم واحفظه بحفظِك، واكلأه برعايتك، ونائبيْه جميعًا، وجميعَ الأمراء الذين يقومون بخدمة البلاد والعباد، اللهم وفِّق جميعَ أمور المسلمين لما تحبُّه وترضاه، اللهم ولِّ على المسلمين خيارَهم، اللهم واكفِهم شِرارَهم، اللهم واكفِهم شِرارَهم، اللهم واكفِهم شِرارَهم. اللهم أنزِل الأمنَ في ديار المسلمين، اللهم أنزِل الأمن والأمان في ديار المسلمين، اللهم وعُمَّ بالرخاء والسخاء جميعَ بلاد المسلمين. اللهم إنك غنيٌّ حميد، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا غيثًا هنيئًا مريئًا، إنك على كل شيء قدير. سبحان ربك رب العزَّة عما يصِفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمدُ لله رب العالمين.

стр. 40

خطبة المسجد النبوي - ٤ شوال ١٤٣٢ - الحفاظ على الطاعات بعد رمضان - الشيخ حسين آل الشيخ الخطبة الأولى الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ربُّ الأرض والسماوات، وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه أفضلُ من سارعَ إلى الخيرات، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه أهل التقوى والصالحات. أما بعد، فيا أيها المسلمون: أُوصيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -؛ فهي سببُ الفلاح، وهي عاملُ النجاح، وهي وسيلةُ الفوز في الدنيا وفي الآخرة، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [النور: ٥٢]. إخوة الإسلام: إن أوامر القرآن كثيرةٌ في الدعوة إلى الاستقامة على التقوى، والاستمرار على الهُدى، يقول ربُّنا - جل وعلا -: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا [هود: ١١٢]. وصايا عظيمة ربَّانية تتضمَّن الأمرَ بالإقامة على أمور الإسلام، والتزام منهج الدين، والاستمرار في التقيُّد بقيوده، والوقوف عند حُدوده، والاستجابةُ لأوامره والانتهاءُ عن زواجِره على الوجه الأكمل والطريق الأقوَم. ورسولُنا ﷺ يُوصِي أمَّتَه بوصيةٍ عظيمةٍ ذات عباراتٍ وجيزةٍ جميلة المعنى قليلة المبنى، إنها وصيةٌ تقتضي لزومَ الاعتقاد الصحيح، والتمسُّك بالصبر على الطاعات واجتناب المنهيَّات. جاء سُفيانُ بن عبد الله الثَّقَفي إليه ﷺ فقال: يا رسول الله! أوصِني وقل لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحدًا بعدك، فقال: «قُل: آمنتُ بالله، ثم استقِم»؛ والحديثُ في "صحيح مسلم". إنها وصايا في القرآن والسنة تكفَلُ العِيشةَ الرضيَّة، وتضمنُ الحياةَ الطيبة والسعادة الأبدية، يقول ربُّنا - جل وعلا -: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأحقاف: ١٣، ١٤]. فيا إخوة الإسلام: إنه ينبغي على من تفضَّل الله عليه بالمُسارعة إلى الخيرات في رمضان أن يحمَد الله - جل وعلا - وأن يشكُره حقَّ الشكر، ثم عليه أن يسير على الطريق المستقيم، وأن يزداد تقرُّبًا إلى المولى العظيم، وأن يكون حذِرًا أشدَّ الحَذَر من إهداء حسناته لغيره، أو أن يبُوءَ بفعله القبيح أن يبُوءَ بسيئات غيره، وذلك لا تحصُل السلامةُ منه إلا بأن يصُونَ لسانَه عن أعراض المسلمين، وأن يكون حذِرًا أشدَّ الحَذَر من أذِيَّة المؤمنين، وأن يتحلَّل من حقوق ومظالمِ المسلمين. في "صحيح البخاري" عن النبي ﷺ قال: «من كانت عنده مظلمةٌ لأخيه من عِرْضٍ أو من شيءٍ فليتحلَّلْهُ منه اليوم قبل أن لا يكون درهمٌ ولا دينار، إن كان له عملٌ صالحٌ أُخِذ منه بقدرِ مظلَمَته، وإن لم يكن له حسناتٌ أُخِذ من سيئاتِ صاحبه فحُمِل عليه». وفي "صحيح مسلم" أن النبي ﷺ قال: «إن المُفلِسَ من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي وقد شتمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكلَ مالَ هذا، وضربَ هذا، وسفكَ دمَ هذا، فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنِيَت حسناتُه قبل أن يُقضَى ما عليه أُخِذ من خطاياهم فطُرِحَت عليه، ثم طُرِح في النار». فالسلامةَ السلامةَ، والحَذَرَ الحَذَر - أيها المسلم -، فرسولُنا ﷺ يقول: «المسلمُ من سلِمَ المُسلِمون من لسانه ويده». ولهذا جاء في حديث سفيان - في روايةٍ عند الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ -، أن سفيان حينما طلبَ هذه الوصية من النبي ﷺ قال له: يا رسولَ الله! ما أخفُ ما تخافُ عليَّ؟ فأخذَ رسولُ الله ﷺ بلسان نفسه الشريفة، ثم قال: «عليك هذا». فكُن - يا أيها المسلم - حافظًا لجوارحك، واحفَظ أعمالكَ الصالحة حتى تلقَى الجزاءَ الحسن عند الله - جل وعلا -، وذلك لا يكون إلا بالاستقامة على طاعة الله، ولهذا أمر الله - جل وعلا - نبيَّه بقوله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: ٩٩]. بارك الله لنا في القرآن والسنة، ونفعنا بما فيهما، أقولُ هذا القول، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهُ الأولين والآخرين، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبده ورسوله أفضلُ الخلق أجمعين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فيا أيها المسلمون: اعمُروا أوقاتَكم بطاعة الله - جل وعلا -، ولا تشغلنَّكم مطالبُ الحياة الفانية عن حقائق الآخرة الباقية؛ فإن الفلاحَ والظَّفَر إنما هو في الاستقامة على طاعة الله - جل وعلا - إلى الممات، كما كان عليه نبيُّنا محمد ﷺ . ثم إنه قد صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من صامَ رمضان ثم أتبَعهُ ستًّا من شوَّال فكأنما صامَ الدهر كلَّه». ولهذا ذهب جمهورُ أهل العلم إلى استحبابِ صيام ستٍّ من شوَّال، سواءٌ كانت مُتفرِّقةً أو مُتتابِعة، إلا أنه من كان عليه صومٌ واجبٌ فإنه لا ينبغي أن يُقدَّم عليه غيرُه من التطوُّعات، لما عليه قاعدةُ الشريعة: أن الواجبَ أَوْلَى وآكَد من غير الواجب. ثم إن الله - جل وعلا - أمرنا بأمرٍ عظيم، ألا وهو: الصلاة والتسليم على النبي الكريم. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيدنا ونبيِّنا محمد، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين والأئمةِ المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة والآلِ أجمعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. اللهم أصلِح أحوالنا وأحوال المسلمين، اللهم احفظنا واحفظ المسلمين في كل مكان، اللهم احقِن دماء المسلمين في جميع الأماكن والأزمان. اللهم تقبَّل منَّا إنك أنت السميعُ العليمُ، اللهم تُب علينا إنك أنت التوَّابُ الرحيمُ. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم نفِّس كرباتِ المسلمين وفرِّج همومَهم، اللهم فرِّج هُمومَهم، اللهم واكفِهم من أمور دنياهم وأُخراهم يا حيُّ يا قيُّوم. اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّق جميعَ ولاة أمور المسلمين لما فيه خيرُ رعاياهم، اللهم ولِّ على المسلمين خيارَهم، واكفِهم شِرارَهم يا حيُّ يا قيُّوم. عباد الله: اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، وسبِّحُوه بُكرةً وأصيلاً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →