← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37826

الرد على من ينكر حجية السنة

عبد الغني عبد الخالق

Полный текст (107 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[القِسْمُ الثَّالِثُ] (*): بَيَانُ الشُّبَهِ التِي أَوْرَدَهَا بَعْضُ مَنْ يُنْكِرُ حُجِيَّةَ السُنَّةِ وَالرَدِّ عَلَيْهَا: تأليف الدكتور / عبد الغني محمد عبد الخالق

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قد تبين مما تقدم (*) أن حُجِّيَّةَ السُنَّةِ [ضرورة] دينية. وتبين لك أدلة حجيتها بأجلى بيان: بحيث لا يبقى معه في قلب مؤمن شبهة أو شك. غير أن بعض من تظاهر بالإسلام والمحافظة عليه، وتطهيره مما طرأ عليه من تغيير وتبديل - يورد لضعاف العقول من المسلمين شبهًا يبطل بها حُجِّيَّةَ السُنَّةِ. وإن ممن تأثر بهذه الشبهة الدكتور محمد توفيق صدقي: حيث أخض ينشرها في مجلة " المنار " (١)، ويزكيها ويدافع عنها تحت عنوان «الإسلام هو القرآن وحده» ظنًا منه أنه بذلك يخدم دينه ويدافع عنه. ولو أننا ضربنا صفحًا عن حكاية هذه الشبه، وبيان فسادها، لكان منا رأيًا متينًا، ومذهبًا صحيحًا. إذ الإعراض عن القول المُطَّرَحِ أحرى لإماتته وإخمال ذكر قائله، وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيهًا للجهال عليه. غير أنا لما تخوفنا من شرور العواقب، واغترار الجهلة بمحدثات الأمور وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطئين والأقوال الساقطة عند العلماء، رأينا الكشف عن فساد هذه الشبهة، وَرَدِّ هذه الأقوال بقدر ما يليق بها من الرد، أجدى على الأنام، وأحمد للعاقبة إن شاء الله» (٢). فلا يتأثر بها شخص آخر مثله: ممن هو بعيد عن الفقه وأصوله ولا يدري م الدين وتعاليمه إلا القشور. ...

стр. 3

الشُبْهَةُ الأُولَى: قَوْلُهُمْ بِأَنَّ الكِتَابَ قَدْ حَوَى كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ ... : أن الله تعالى يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) ويقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢). وذلك يدل على أن الكتاب قد حوى كل شيء من أمور الدين، وكل حكم من أحكامه، وأنه قد بينه بيانًا تامًا، وفصله تفصيلاً واضحًا: بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر مثل السُنَّةِ ينص على حكم من أحكام الدين أو يبينه ويفصله، وإلا: لكان الكتاب مفرطا فيه، ولما كان تبيانا لكل شيء، فيلزم الخلف في خبره تعالى. وهو محال. ... الجواب: أنه ليس المراد من الكتاب - في الآية الأولى -: القرآن، بل المراد به: اللوح المحفوظ، فإنه الذي حوى كل شيء، واشتمل على جميع أحوال المخلوقات كبيرها وصغيرها، جليلها ودقيقها، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، على التفصيل التام، كما قال ﷺ : «جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». وهذا هو المناسب لذكر هذه الجملة عقب قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (٣). فإن أظهر الأقوال - في معنى المثلية هنا: أن أحوال الدواب من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاء، موجودة في الكتاب المحفوظ مثل أحوال البشر في ذلك كله. ولو سلمنا أن المراد به القرآن - كما هو في الآية الثانية: فلا يمكن حمل الآيتين على ظاهرهما: من العموم، وأن القرآن اشتمل على بيان وتفصيل كل شيء، وكل حكم، سواء أكان ذلك من أمور الدين أم من أمور الدنيا، وأنه لم يفرط في

стр. 4

شيء منها جميعها. وإلا للزم الخلف في خبره تعالى. كما هو ظاهر بالنسبة للأمور الدنيوية، وكما يعلم مما سبق في بيان أن القرآن يتعذر العمل به وحده بالنسبة للأحكام الدينية. فيجب العدول عن ظاهرهما، وتأويلهما. وللعلماء في تأويلهما وجوه: الوجه الأول: أن المراد: أنه لم يفرط في شيء من أمور الدين وأحكامه، وأنه بَيَّنَهَا جميعها دون ما عداها، لأن المقصود من إنزال الكتاب: بيان الدين، ومعرفة الله، ومعرفة أحكام الله إلا أن هذا البيان على نوعين: بيان بطريق النص، وذلك: مثل بيانه أصول الدين وعقائده، وبيانه وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج، وحل البيع والنكاح، وحرمة الربا والفواحش، وحل أكل الطيبات وحرمة أكل الخبائث. وبيان بطريق الإحالة على دليل من الأدلة الأخرى التي اعتبرها الشارع في كتابة أدلة وَحُجَجًا على خلقه. فكل حكم - مما بينته السنة أو الإجماع أو القياس أو غير ذلك من الأدلة المعتبرة: فالقرآن مبين له. لأنه بين مدركه ووجهنا نحوه، وأرشدنا إليه، وأوجب علينا العمل به. ولولا إرشاده لهذا المدرك، وإيجابه العمل بمقتضاه: لما علمنا ذلك الحكم وعملنا به. فالقرآن إذن هو: أساس التشريع، وإليه ترجع جميع أحكام الشريعة الإسلامية بهذا المعنى. قال الشافعي (١): " فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة، إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها. قال الله ﵎: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٢) وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً

стр. 5

وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١) وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢). «والبيان اسم جامع لمعان مجتمعة الأصول متشبعة الفروع، فأقل ما في تلك المعاني المجتمعة المتشبعة: أنها بيان لمن خوطب بها - ممن نزل القرآن بلسانه - متقاربة الاستواء عنده وإن كان بعضها أشد تأكيد بيان من بعض. ومختلفة عند من يجهل لسان العرب». «فجماع ما أبان الله لخلقه في كتابه مما تعبدهم به بما مضى في حكمه جل ثناؤه - من وجوه: (فمنها): ما أبانه لخلقه نَصًّا. مثل جمل فرائضه في أن عليهم صلاة وزكاة وَحَجًّا وَصَوْمًا، وأنه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونص الزنا والخمر وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وَبَيَّنَ لهم كيف فرض الوضوء، مع غير ذلك مما بين نَصًّا». «ومنها: ما أحكم فرضه بكتابه، وبين كيف هو على لسان نبيه، مثل عدد الصلاة والزكاة ووقتها وغير ذلك من فرائضه التي أنزل من كتابه». «ومنها: ما سن رسول الله ﷺ مما ليس لله فيه نص حكم، وقد فرض الله في كتابة طاعة رسوله ﷺ والانتهاء إلى حكمه. فمن قبل عن رسول الله فبفرض الله قبل». «ومنها: ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه، وابتلى طاعتهم في الاجتهاد كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض عليهم. فغنه يقول ﵎: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (٣)،

стр. 6

وقال: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (١)، وقال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (٢)، إلى آخر ما قال. ثم قال: (٣) «البيان الرابع: كل ما سَنَّ رسول الله مما ليس فيه كتاب. وفيما كتبنا في كتابنا هذا - من ذكر ما مَنَّ الله به على العباد: من تعلم الكتاب والحكمة - دليل على أن الحكمة سُنَّةُ رسول الله، مع ما ذكرنا مما افترض الله على خلقه من طاعة رسوله وبين من موضعه الذي وضعه الله به من دينه - الدليل على أن البيان في الفرائض المنصوصة في كتاب الله من أحد هذه الوجوه: (منها): ما أتى الكتاب على غاية البيان فيه، فلم يحتج مع التنزيل فيه إلى غيره. (ومنها): ما أتى على غاية البيان في فرضه وافترض طاعة رسوله. فبين رسول الله عن الله: كيف فرضه وعلى من فرضه؟ ومتى؟ يزول بعضه ويثبت ويجب؟ (ومنها): ما بينه عن سنة نبيه بلا نص كتاب، وكل شيء منها بيان في كتاب الله، فكل من قبل عن الله فرائضه في كتابه: قبل عن رسول الله سننه بفرض الله طاعة رسوله على خلقه، وأن ينتهوا إلى حكمه، ومن قبل عن رسول الله فعن الله قبل لما افترض الله من طاعته. فيجمع القبول لما في كتاب الله ولسنة رسول الله القبول لكل واحد منهما عن الله، وإن تفرقت فروع الأسباب التي قبل بها عنهما. كما أحل وحرم وفرض وحد بأسباب متفرقة. كما شاء - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٤) [الأنبياء: ٢٣]. اهـ. ومن هذا الكلام الأخير تعلم الجواب عما قاله الدكتور صدقي في مقاله (٥): «لم كان بعض الدين قرآنا والبعض الآخر حديثا؟ وما الحكمة في ذلك؟».

стр. 7

وقد حكي أن الشافعي ﵀ كَانَ جَالِسًا فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ فَقَالَ: «لاَ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ أَجَبْتُكُمْ فِيهِ مِنْ كِتَابِ اللهِ»، فَقَالَ رَجُلٌ: «مَا تَقُولُ فِي المُحْرِمِ إِذَا قَتَلَ الزُّنْبُورَ؟» فَقَالَ: «لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ»، فَقَالَ: «أَيْنَ هَذَا فِي كِتَابِ اللهِ؟» فَقَاَل: قَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ... ﴾. ثم ذكر إسنادًا إلى النبي ﷺ أنه قال: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي» ثم ذكر إسنادًا إلى عمر ﵁ أنه قال: «لِلْمُحْرِمِ قَتْلُ الزَّنْبُورِ». فأجابه من كتاب الله مستنبطًا بثلاث درجات، وقد حكي عن ابن مسعود في لعنة الواشمة والمستوشمة نحو ذلك مما تقدم ذكره (*). قَالَ الْوَاحِدِيُّ: وَلَيْسَ [لِلْجَلْدِ] (**) وَالتَّغْرِيبِ ذِكْرٌ فِي نَصِّ الْكِتَابِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ عَيْنُ كِتَابِ اللَّه وقد روي في حديث العسيف الزاني: " أن أباه قال للنبي ﷺ : اقض بيننا بكتاب الله. فقال ﵇ «لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ» ثم قضى بالجلد والتغريب على العسيف، وبالرجم على المرأة إن اعترفت. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: «وَلَيْسَ [لِلْجَلْدِ] (**) وَالتَّغْرِيبِ ذِكْرٌ فِي نَصِّ الْكِتَابِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ عَيْنُ كِتَابِ اللَّه» (١). اهـ. ... الوجه الثاني: أن الكتاب لم يُفَرِّطْ في شيء من أمور الدين على سبيل الإجمال، وَبَيَّنَ جميع كليات الشريعة دون النص على جزئياتها وتفاصيلها. ومن المعلوم أنَّ ذلك لا يكفي في استنباط المجتهد مَا يُقَوِّمَ العبادة، وَيُحرِّرُ المُعَامَلَةَ. فَلاَ بُدَّ له من الرجوع إلى مَا يُبيِّنُ له المُجْمَلَ وَيُفَصِّلَهُ لَهُ، وَيُبيِّنُ جزئيات هذه الكليات. وسيأتي عند الكلام على كون السُنَّة مُسْتَقِلَّةٌٌ بالتشريع - بيان آراء العلماء في هذا الوجه. قال أبو سليمان الخطابي - في " معالم السُنن " (٢) - «سمعتُ ابن الأعرابي

стр. 8

يقول ونحن نسمع منه هذا الكتاب (يعني " سنن أبي داود ") فأشار إلى النسخة وهي بين يديه: «لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله ثم هذا الكتاب: لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة. وهذا كما قال شك فيه: لأن الله تعالى أنزل كتابه تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَقَالَ: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) فأخبر سبحانه أنه لم يغادر شيئا من أمر الدين لم يتضمن بيانه الكتاب إلا أن البيان على ضربين: بيان جَلِيٌّ تناوله الذكر نَصًّا، وبيان خفي اشتمل عليه معنى التلاوة ضمنا، فما كان من هذا الضرب كان تفصيل بيانه موكولا إلى النبي وهو معنى قوله سبحانه: لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون فمن جمع بين الكتاب والسنة فقد استوفى وجهي البيان». اهـ. الوجه الثالث - وقد حكاه الألوسي (٢) عن بعضهم -: أن الأمور إما دينية أو دنيوية. والدنيوية لا اهتمام للشارع بها: إذ لم يبعث له. والدينية إما أَصْلِيَّةٌ أَوْ فَرْعِيَّةٌ. والاهتمام بالفرعية دون الاهتمام بالأصلية: فإن المطلوب أولاً بالذات من بعثة الأنبياء هو التوحيد وما أشبهه، بل المطلوب من خلق العباد هو معرفته تعالى، كما يشهد له قوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (٣) بناء على تفسير كثير " العبادة ": بالمعرفة. وقوله تعالى - في الحديث القدسي المشهور على الألسنة المصحح من طريق الصوفية: «كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ. فَخَلَقْتُ الْخَلْقَ لأُعَرِّفَ» (*) والقرآن العظيم: قد تكفل بالأمور الدينية الأصلية على أتم وجه. فليكن المراد من «كُلِّ شَيْءٍ» ذلك.

стр. 9

الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُمْ إِنَّ اللهَ تَكَفَّلَ بِحِفْظِ القُرْآنِ دُونَ السُنَّةِ ... : أن الله تعالى تكفل بحفظ القرآن دون السُنَّةِ. كما يدل عليه قوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) ولو كانت السُنَّةُ حُجَّةً ودليلاً مثل القرآن: لتكفل الله بحفظها اَيْضًا. ... الجَوَابُ: أن الله تعالى قد تكفل بحفظ الشريعة كلها: كتابها وسنتها. كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢). ونور الله: شَرْعُهُ وَدِينُهُ الذي ارتضاه للعباد وكلفهم به وضمنه مصالحهم، والذي أوحاه إلى رسوله - من قرآن أو غيره -: ليهتدوا به إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة. وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فللعلماء في ضمير الغيبة فيه - قولان: أحدهما: أنه يرجع إلى محمد ﷺ فلا يصح التمسك بالآية حينئذ. ثانيهما: أنه يرجع إلى الذكر، فإن فسرناه بالشريعة كلها - من كتاب وسنة - فلا تمسك بها اَيْضًا. وإن فسرناه بالقرآن فلا نسلم أن في الآية حصرا حَقِيقِيًّا. أي: بالنسبة لكل ما عدا القرآن. فإن الله تعالى قد حفظ أشياء كثيرة مما عداه: مثل حفظه النبي ﷺ من الكيد والقتل، وحفظه العرش والسموات والأرض من الزوال إلى أن تقوم الساعة. والحصر الإضافي بالنسبة إلى شيء مخصوص، يحتاج إلى دليل وقرينة على هذا الشيء المخصوص ولا دليل عليه سواء أكان سنة أم غيرها.

стр. 10

فتقديم الجار والمجرور ليس للحصر، وإنما هو لمناسبة رؤوس الآي. بل: لو كان في الآية حصر إضافي بالنسبة إلى شيء مخصوص: لما جاز أن يكون هذا الشيء هو السُنَّةُ. لأن حفظ القرآن متوقف على حفظها، ومستلزم له: بما أنها حصنه الحصين، ودرعه المتين، وحارسه الأمين، وشارحه المبين: تفصل مجمله، وتفسر مشكله، وتوضح مبهمه، وتقيد مطلقه، وتبسط مختصره. وتدفع عنه عبث العابثين، ولهو اللاهين، وتأويلهم إياه على حسب أهوائهم وأغراضهم، وما تمليه عليهم رؤساؤهم وشياطينهم، فحفظها من أسباب حفظه، وصيانتها صيانة له. ولقد حفظها الله تعالى كما حفظ القرآن: فلم يذهب منها - وَللهِ الحَمْدُ - شيء على الأمة، وإن لم يستوعبها كل فرد على حدة. قال الشافعي (١) في صدد الكلام على لسان العرب: «ولسان العرب: أوسع الألسنة مذهبا، وأكثرها ألفاظا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها، حتى لا يكون موجودا فيها من يعرفه». «والعلم به - عند العرب - كالعلم بالسنة عند أهل الفقه: لا نعلم رجلا جمع السنن: فلم يذهب منها عليه شيء». «فإذا جُمِعَ علم عامة أهل العلم بها: أتى على السنن، وإذا فرق علم كل واحد منهم: ذهب عليه الشيء منها. ثم كان ما ذهب عليه منها موجودا عند غيره». «وهم في العلم طبقات: (منهم): الجامع لأكثره وإن ذهب عليه بعضه

стр. 11

(ومنهم): الجامع الأقل مما جمع غيره. وليس قليل ما ذهب - من السنن - على من جمع أكثرها: دليلاً على أن يطلب علمه عند غير طبقته من أهل العلم. بل يطلب عند نظرائه ما ذهب عليه، حتى يؤتى على جميع سنن رسول الله (بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي): فيتفرد جملة العلماء بجمعها، وهم درجات فيما وعوا منها». اهـ. وكما أن الله تعالى قيض للكتاب العزيز، العدد الكثير والجم الغفير: من ثقات الحفظة، في كل قرن -: لينقلوه كاملاً من السلف إلى الخلف: كذلك قيض سبحانه للسنة الشريفة مثل هذا العدد - أو أكثر -: من ثقات الحفظة، فقصروا أعمارهم - وهي الطويلة - على البحث والتنقيب عن الصحيح من حديث رسول الله ﷺ : ينقلونه عمن كان مثلهم في الثقة والعدالة، إلى أن يصلوا إلى رسول الله ﷺ . حتى ميزوا لنا الصحيح من السقيم، ونقلوه إلينا: سليمًا من كل شائبة، عَارِيًا عن أي شك وشبهة، واستقر الأمر، وأسفر الصبح لذي عينين. ولأن الله تعالى قد حفظ سنة رسوله كما حفظ القرآن، وجعلها حصنه ودرعه، وحارسه وشارحه -: كانت الشجي في حلوق الملحدين، والقذى في عيون المتزندقين، والسيف القاطع: لِشُبَهِ المنافقين، وتشكيكات الكائدين. فلا غرو إذا لم يألوا جُهْدًا، ولم يدخروا وُسْعًا: في الطعن في حجيتها، والتهوين من أمرها، والتنفير من التمسك بها، والاهتداء بهديها: لينالوا من القرآن ما يريدون، ومن هدم الدين ما ينشدون، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١). ...

стр. 12

الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُمْ: لَوْ كَانَتْ السُنَّةُ حُجَّةً لأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِكِتَابَتِهَا وَلَعَمِلَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ عَلَى جَمْعِهَا وَتَدْوِينِهَا !!: [قَالُوا]: لو كانت السنة حجة لأمر النبي ﷺ بكتابتها، ولعمل الصحابة والتابعون - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - من بعد على جمعها وتدوينها. فإن حجيتها تستدعي الاهتمام بها والعناية بحفظها والعمل على صيانتها حتى لا يعبث بها العابثون ولا يبدلها المبدلون - ولا ينساها الناسون ولا يخطئ فيها المقصرون. وحفظها وصيانتها إنما يكون بالأمر بتحصيل سبيل القطع بثبوتها للمتأخرين. فإن ظني الثبوت لا يصح الاحتجاج به كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١) وقوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ (٢) ولا يحصل القطع بثبوتها إلا بكتابتها وتدوينها كما هو الشأن في القرآن. لكن التالي باطل. فإن النبي ﷺ لم يقتصر على عدم الأمر بكتابتها بل تعدى ذلك إلى النهي عنها والأمر بمحو ما كتب منها. وكذلك فعل الصحابة والتابعون. ولم يقتصر الأمر منهم على ذلك بل امتنع بعضهم من التحديث بها أو قَلَّلَ منه ونهى الآخرين عن الإكثار منه. ولم يحصل تدوينها وكتابتها إلا بعد مضي مدة طويلة تكفي لأن يحصل فيها من الخطأ والنسيان والتلاعب والتبديل والتغيير ما يورث الشك في أي شيء منها وعدم القطع به ويجعلها جديرة بعدم الاعتماد عليها وأخذ حكم منها. فهذا الذي حصل من النبي ﷺ ومن الصحابة والتابعين يدل على أن الشارع قد أراد عدم حصول سبيل القطع بثبوتها. وهذه الإرادة تدل على أنه لم يعتبرها وأراد أن لا تكون حجة. وإليك من الأحاديث والآثار ما يقنعك بما ادعينا حصوله من النبي ﷺ والصحابة والتابعين: روى مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي، وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».

стр. 13

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا قُعُودًا نَكْتُبُ مَا نَسْمَعُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَخَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: «مَا هَذَا تَكْتُبُونَ؟» فَقُلْنَا: مَا نَسْمَعُ مِنْكَ، فَقَالَ: «أَكِتَابٌ مَعَ كِتَابِ اللهِ؟» فَقُلْنَا: مَا نَسْمَعُ، فَقَالَ: «أَكِتَابٌ [غَيْرُ] كِتَابَ اللهِ امْحِضُوا كِتَابَ اللهِ، [وَأَخْلِصُوهُ]» قَالَ: فَجَمَعْنَا مَا كَتَبْنَا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ أَحْرَقْنَاهُ بِالنَّارِ، قُلْنَا: أَيْ رَسُولَ اللهِ ﷺ . أَنَتَحَدَّثُ عَنْكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ تَحَدَّثُوا عَنِّي وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَتَحَدَّثُ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: " نَعَمْ، تَحَدَّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ، فَإِنَّكُمْ لاَ تَحَدَّثُونَ عَنْهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ أَعْجَبَ مِنْهُ». وروى أبو داود عَنِْ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، [عَلَى] مُعَاوِيَةَ ﵄ فَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ [فَأَمَرَ إِنْسَانًا يَكْتُبُهُ]، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا أَنْ لاَ نَكْتُبَ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ». فَمَحَاهُ. وأخرج الحاكم عن القاسم بن محمد أنه قال: قالت عائشة: جمع أبي الحديث عن رسول الله ﷺ فكانت خمسمائة حديث. فبات ليلة يتقلب كثيرا. فغمني فقلت: تتقلب لشكوى أو لشيء بلغك فلما؟ أصبح قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك. فجئته بها. فدعا بنار فأحرقها وقال: «خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ وَهِيَ عِنْدَكِ فَيَكُونُ فِيهَا أَحَادِيثٌ عَنْ رَجُلٍ اِئْتَمَنْتُهُ وَوَثِقْتُ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ كَمَا حَدَّثَنِي. فَأَكُونُ قَدْ تَقَلَّدْتُ ذَلِكَ». وأخرجه اَيْضًا أبو أمية الأحوص بن المفضل الغلابي، عن القاسم أو ابنه عبد الرحمن. وزاد: «وَيَكُونُ قَدْ بَقِيَ حَدِيثٌ لَمْ أَجِدْهُ». (١) فيقال: لو كان قاله رسول الله ﷺ ما خفي على أبي بكر. «إِنِّي حَدَّثْتُكُمْ الحَدِيثَ وَلاَ أَدْرِي لَعَلِّي لَمْ أَسْمَعْهُ حَرْفًا حَرْفًا». ذكره في " منتخب كنز العمال ". وذكره الذهبي في " التذكرة " (*) عن الحاكم بنحو الرواية الأولى، وقال: «فَهَذَا لاَ يَصِحُّ»

стр. 14

وقال الحافظ الذهبي في " التذكرة ": ومن مراسيل ابن أبي مليكة أَنَّ الصِدِّيقَ جَمَعَ النَّاسَ بَعْدَ وَفَاةِ نَبِيِّهِمْ فَقَالَ: «إِنَّكُم تُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُول الله ﷺ أَحَادِيثَ تَخْتَلِفُونَ فِيهَا وَالنَّاسُ بَعْدَكُمْ أَشَدُّ اخْتِلاَفاً. فَلاَ تُحَدِّثُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ شَيْئاً. فَمَنْ سَأَلَكُمْ فَقُولُوا: بَيْنَنَا وَبَيْنكُمْ كِتَابُ اللهِ. فَاسْتَحِلُّوا حَلاَلَهُ وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ» (١). وروى ابن عبد البر عَنْ قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: «خَرَجْنَا نُرِيدُ العِرَاقَ فَمَشَى مَعَنَا عُمَرُ إِلَى «صِرَارٍ» (٢) فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ اثْنَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: " أَتَدْرُونَ لِمَ مَشَيْتُ مَعَكُمْ؟ " قَالُوْا: " نَعَمْ نَحْنُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَشَيْتَ مَعَنَا "، فَقَالَ: " إِنَّكُمْ تَأْتُونَ أَهْلَ قَرْيَةٍ لَهُمْ دَوِيٌّ بِالقُرْآنِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ فَلاَ تَصُدُّوهُمْ بِالحَدِيثِ فَتَشْغَلُوهُمْ، [جَوِّدُوا] القُرْآنَ وَأَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَامْضُوا وَأَنَا شَرِيكُكُمْ "، فَلَمَّا قَدِمَ قَرَظَةُ قَالُوا: " حَدِّثْنَا "، قَالَ: " نَهَانَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ "» وذكره الذهبي مختصرًا. وروى الذهبي في " التذكرة ": أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ سُئِلَ: أَكُنْتَ تُحَدِّثُ فِي زَمَانِ عُمَرَ هَكَذَا فَقَالَ: «لَوْ كُنْتُ أُحَدِّثُ فِي زَمَانِ عُمَرَ مِثْلَ مَا أُُحَدِّثُكُمْ لَضَرَبَنِي بِمِخْفَقَتِهِ» وروى شعبة عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه: أن عمر حبس ثلاثة: ابن مسعود وأبا الدرداء، وأبا مسعود الأنصاري، فقال: «قَدْ أَكْثَرْتُمْ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ». وروى البيهقي في " المدخل "، وابن عبد البر، عن عروة بن الزبير: أن عمر بن الخطاب ﵁ أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب النبي ﷺ في ذلك فأشاروا عليه بأن يكتبها. فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا ثم أصبح يوما وقد عزم الله له فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله. وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدا عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ السُّنَنَ [فَاسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ] أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَشَارُوا عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَهَا. فَطَفِقَ عُمَرُ يَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهَا شَهْرًا، ثُمَّ أَصْبَحَ يَوْمًا وَقَدْ عَزَمَ اللَّهُ لَهُ، قَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ أَنْ أَكْتُبَ السُّنَنَ، وَإِنِّي ذَكَرْتُ قَوْمًا كَانُوا قَبْلَكُمْ كَتَبُوا كُتُبًا فَأَكَبُّوا عَلَيْهَا وَتَرَكُوا كِتَابَ اللَّهِ وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ [أَلْبَسُ] كِتَابَ اللَّهِ بِشَيْءٍ أَبَدًا».

стр. 15

وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ البَرِّ (*) عَنْ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا، يُحَدِّثُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ هَذِهِ الأَحَادِيثَ، أَوْ كَتَبَهَا، ثُمَّ قَالَ: «لاَ كِتَابَ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ». قَالَ مَالِكٌ ﵀: «لَمْ يَكُنْ مَعَ ابْنِ شِهَابٍ كِتَابٌ إِلاَّ كِتَابٌ فِيهِ نَسَبُ قَوْمِهِ. قَالَ: وَلَمْ يَكُنِ الْقَوْمُ يَكْتُبُونَ إِنَّمَا كَانُوا يَحْفَظُونَ، فَمَنْ كَتَبَ مِنْهُمُ الشَّيْءَ فَإِنَّمَا كَانَ يَكْتُبُهُ لِيَحْفَظَهُ. فَإِذَا حَفِظَهُ مَحَاهُ». وَرَوَى عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ السُّنَّةَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ لاَ يَكْتُبَهَا، ثُمَّ كَتَبَ فِي الأَمْصَارِ: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَمْحُهُ». وَرَوَى عَنْ جَابِرِ [عَنْ] عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَخْطُبُ يَقُولُ: «أَعْزِمُ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ كِتَابٌ إِلاَّ رَجَعَ فَمَحَاهُ، فَإِنَّمَا هَلَكَ النَّاسُ حَيْثُ تَتَبَّعُوا أَحَادِيثَ عُلَمَائِهِمْ وَتَرَكُوا كِتَابَ رَبِّهِمْ». وَرَوَى عَنْ أَبِي نَضْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ لأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ: لَوِ اكْتَتَبْتَنَا الْحَدِيثَ فَقَالَ: «لاَ نُكْتِبُكُمْ خُذُوا عَنَّا كَمَا أَخَذْنَا عَنْ نَبِيِّنَا ﷺ ». وَرَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «قُلْتُ لأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَلاَ نَكْتُبُ مَا نَسْمَعُ مِنْكَ؟ قَالَ: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوهَا مَصَاحِفَ!، إِنَّ نَبِيَّكُمْ ﷺ كَانَ يُحَدِّثُنَا فَنَحْفَظُ، فَاحْفَظُوا كَمَا كُنَّا نَحْفَظُ». وَرَوَى عَنْهُ اَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: إِنَّكَ تُحَدِّثُنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا عَجِيبًا، وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ نَزِيدَ فِيهِ أَوْ نَنْقُصَ. قَالَ: «أَرَدْتُمْ أَنْ تَجْعَلُوهُ قُرْآنًا؟، لاَ، وَلَكِنْ خُذُوا عَنَّا كَمَا أَخَذْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ». وَرَوَى عَنْ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «نَحْنُ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نُكْتِبُ». وَرَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّا لاَ نَكْتُبُ الْعِلْمَ وَلاَ نُكْتِبُهُ». وَرَوَى عَنْهُ اَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْ كِتَابَةِ الْعِلْمِ، وَقَالَ: «إِنَّمَا [ضَلَّ] مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْكُتُبِ».

стр. 16

وَرَوَى عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ مَرْوَانَ، دَعَا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَقَوْمًا يَكْتُبُونَ وَهُوَ لاَ يَدْرِي، فَأَعْلَمُوهُ فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ لَعَلَّ كُلَّ شَيْءٍ حَدَّثْتُكُمْ بِهِ لَيْسَ كَمَا حَدَّثْتُكُمْ». وَرَوَى عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: «كَتَبْتُ عَنْ أَبِي كِتَابًا [كَبِيرًا] فَقَالَ: " ائْتِنِي بِكُتُبِكَ "، فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَغَسَلَهَا». وَرَوَى عَنْ [سُلَيْمِ] بْنِ أَسْوَدَ الْمُحَارِبِيِّ قَالَ: «كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ [﵁] يَكْرَهُ كِتَابَةَ الْعِلْمِ». وَرَوَى عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلاَلٍ قَالَ: «أُتِيَ عَبْدُ اللَّهِ بِصَحِيفَةٍ فِيهَا حَدِيثٌ. فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَحَاهَا، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا [فَأُخْرِجَتْ]، ثُمَّ قَالَ: «أُذَكِّرُ بِاللَّهِ رَجُلاً يَعْلَمُهَا عِنْدَ أَحَدٍ إِلاَّ أَعْلَمَنِي بِهِ، وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهَا بِدِيرِ هِنْدٍ لَبَلَغْتُهَا، بِهَذَا هَلَكَ أَهْلُ الْكِتَابِ قَبْلَكُمْ حِينَ نَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ». وَرَوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ [الأَسْوَدِ]، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَصَبْتُ أَنَا وَعَلْقَمَةُ، صَحِيفَةً فَانْطَلَقَ مَعِي إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ بِهَا وَقَدْ زَالَتِ الشَّمْسُ أَوْ كَادَتْ تَزُولُ، فَجَلَسْنَا بِالْبَابِ، ثُمَّ قَالَ لِلْجَارِيَةِ: «انْظُرِي مَنْ بِالْبَابِ»، فَقَالَتْ: «عَلْقَمَةُ وَالأَسْوَدُ»، فَقَالَ: «ائْذَنِي لَهُمَا، فَدَخَلْنَا فَقَالَ: «كَأَنَّكُمَا قَدْ أَطَلْتُمَا الْجُلُوسَ؟»، قُلْنَا: «أَجَلْ»، قَالَ: «فَمَا مَنَعَكُمَا أَنْ تَسْتَأْذِنَا؟» قَالاَ: «خَشِينَا أَنْ تَكُونَ نَائِمًا»، قَالَ: «مَا أُحِبُّ أَنْ تَظُنُّوا بِي هَذَا إِنَّ هَذِهِ سَاعَةٌ كُنَّا نَقِيسُهَا بِصَلاَةِ اللَّيْلِ»، فَقُلْنَا: «هَذِهِ صَحِيفَةٌ فِيهَا حَدِيثٌ حَسَنٌ»، فَقَالَ: «يَا جَارِيَةُ هَاتِي الطَّسْتَ وَاسْكُبِي فِيهِ مَاءً»، قَالَ: «فَجَعَلَ يَمْحُوهَا بِيَدِهِ (١) وَيَقُولُ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (٢)»، فَقُلْنَا: «انْظُرْ فِيهَا فَإِنَّ فِيهَا حَدِيثًا عَجَبًا»، فَجَعَلَ يَمْحُوهَا وَيَقُولُ: «إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَاشْغِلُوهَا بِالْقُرْآنِ وَلَا تَشْغَلُوهَا بِغَيْرِهِ». وَرَوَى عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى يُحَدِّثُنَا بِأَحَادِيثَ فَقُمْنَا لِنَكْتُبَهَا، فَقَالَ: «أَتَكْتُبُونَ مَا سَمِعْتُمْ مِنِّي؟» قُلْنَا: نَعَمْ قَالَ: «فَجِيئُونِي بِهِ»، فَدَعَا بِمَاءٍ فَغَسَلَهُ،

стр. 17

وَقَالَ: «احْفَظُوا عَنَّا كَمَا حَفِظْنَا». وَرَوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: «[كَتَبَ إِلَيَّ] أَهْلُ الْكُوفَةِ مَسَائِلَ أَلْقَى فِيهَا ابْنَ عُمَرَ فَلَقِيتُهُ فَسَأَلْتُهُ مِنَ الْكِتَابِ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ مَعِيَ كِتَابًا لَكَانَتِ الْفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ». وفي رواية أخرى: «كُنَّا نَخْتَلِفُ فِي أَشْيَاءَ [فَكَتَبْتُهَا] فِي كِتَابٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهَا ابْنَ عُمَرَ أَسْأَلُهُ عَنْهَا خُفْيًا فَلَوْ عَلِمَ بِهَا كَانَتِ الْفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ». وَرَوَى عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَلْقَمَةَ: «اكْتُبْ لِيَ النَّظَائِرَ»، قَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْكِتَابَ يُكْرَهُ؟»، قَالَ: «بَلَى، إِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ أَحْفَظَهَا ثُمَّ أَحْرِقَهَا». وَرَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: قُلْتُ لِعَبِيدَةَ: «أَكْتُبُ مَا أَسْمَعُ مِنْكَ؟»، قَالَ: «لاَ» قُلْتُ: «وَإِنْ وَجَدْتُ كِتَابًا أَقْرَأَهُ عَلَيْكَ؟»، قَالَ: «لاَ». وَرَوَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ [عِنْدَ] عَبِيْدَةَ، فَقَالَ لِي: «لَا تُخَلِّدَنَّ عَنِّي كِتَابًا». وَرَوَى عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمُرَادِيِّ قَالَ: «لَمَّا حَضَرَ عُبَيْدَةَ الْمَوْتُ دَعَا بِكُتُبِهِ فَمَحَاهَا». وَرَوَى عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عُبَيْدَةَ أَنَّهُ دَعَا بِكُتُبِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَمَحَاهَا فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: «أَخْشَى أَنْ يَلِيَهَا قَوْمٌ يَضَعُونَهَا غَيْرَ مَوْضِعِهَا». وَرَوَى عَنِْ الْقَاسِمِ (*): «أَنَّهُ كَانَ لاَ يَكْتُبُ الْحَدِيثَ». وَرَوَى عَنِْ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: «مَا مَا كَتَبْتُ حَدِيثًا قَطُّ». وَرَوَى عَنِْ االشَّعْبِيَّ أَنَّهُ قَالَ: «مَا كَتَبْتُ سَوْدَاءَ فِي بَيْضَاءَ قَطُّ وَلاَ اسْتَعَدْتُ حَدِيثًا مِنْ إِنْسَانٍ مَرَّتَيْنِ». وفي رواية أخرى زيادة: «وَلَقَدْ نَسِيتُ مِنَ [الْحَدِيثِ] مَا لَوْ حَفِظَهُ إِنْسَانٌ كَانَ بِهِ عَالِمًا». وَرَوَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ [النَّخَعِي]: «أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَكْتُبَ الأَحَادِيثَ فِي الْكَرَارِيسِ» وَرَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لاَ تَكْتُبُوا فَتَتَّكِلُوا».

стр. 18

وَرَوَى عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: " قُلْتُ لإِبْرَاهِيمَ: إِنِّي أَتَيْتُكَ وَقَدْ جَمَعْتُ الْمَسَائِلَ. فَإِذَا رَأَيْتُكَ كَأَنَّمَا تَخْتَلِسُ مِنِّي وَأَنْتَ تَكْرَهُ الْكِتَابَةَ. قَالَ: «لاَ عَلَيْكَ. فَإِنَّهُ قَلَّ مَا طَلَبَ إِنْسَانٌ عِلْمًا إِلاَّ آتَاهُ اللَّهُ مِنْهُ مَا يَكْفِيهِ، وَقَلَّ مَا كَتَبَ رَجُلٌ كِتَابًا إِلاَّ اتَّكَلَ عَلَيْهِ». وَرَوَى عنْ إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّالْقَانِيُّ قَالَ: قُلْتُ لِجَرِيرٍ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ، «أَكَانَ مَنْصُورٌ (يَعْنِي ابْنَ الْمُعْتَمِرِ) يَكْرَهُ كِتَابَ الْحَدِيثِ؟»، قَالَ: «نَعَمْ، مَنْصُورٌ، وَمُغِيرَةُ، وَالأَعْمَشُ كَانُوا يَكْرَهُونَ كِتَابَ الْحَدِيثِ». وَرَوَى عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: «أَدْرَكْتُ النَّاسَ يَهَابُونَ الكُتُبَ حَتَّى كَانَ الآنَ حَدِيثًا. قَالَ: وَلَوْ كُنَّا نَكْتُبُ لَكَتَبْتُ مِنْ عِلْمِ سَعِيدٍ وَرِوَايَتِهِ شَيْئًا كَثِيرًا». وَرَوَى عَنْ الأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ: «كَانَ هَذَا الْعِلْمُ شَيْئًا شَرِيفًا إِذْ كَانَ مِنْ أَفْوَاهِ الرِّجَالِ يَتَلاَقَوْنَهُ وَيَتَذَاكَرُونَهُ، فَلَمَّا صَارَ فِي الْكُتُبِ ذَهَبَ نُورُهُ وَصَارَ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ». وروا هـ ابن الصلاح في " علوم الحديث " (١) مختصرًا بلفظ: «كَانَ هَذَا الْعِلْمُ كَرِيمًا يَتَلَقَّاهُ الرِّجَالُ بَيْنَهُمْ فَلَمَّا دَخَلَ فِي الكُتُبِ دَخَلَ فِيهِ غَيْرُ أَهْلِهِ». ... الجَوَابُ: قد اشتملت هذه الشبهة على عدة مسائل حاد فيها صاحبها عن سبيل الحق وتجنب طريق الصواب. فينبغي لنا أن نشرحها مسألة مسألة، ونبين ما في كل منها من خطأ وفساد رأي. حتى تنهار هذه الشبه من جميع نواحيها ويتضح لك بطلانها وتقتنع تمام الاقتناع بفسادها. فنقول:

стр. 19

إِنَّمَا تَحْصُلُ صِيَانَةُ الحُجَّةِ بِعَدَالَةِ حَامِلِهَا: المعول عليه في المحافظة على ما هو حجة وصيانته من التبديل والخطأ هو أن يحمله الثقة العدل حتى يوصله لمن هو مثله في هذه الصفة. وهكذا. سواء أكان الحمل له على سبيل الحفظ للفظه أو الكتابة له أو الفهم لمعناه فهما دقيقا مع التعبير عن ذلك المعنى بلفظ واضح الدلالة عليه بدون لبس ولا إبهام. فأي نوع من هذه الأنواع الثلاثة يكفي في الصيانة ما دامت صفة العدالة متحققة. فإذا اجتمعت هذه الثلاثة مع العدالة كان ذلك الغاية والنهاية في المحافظة. وإذا اجتمعت وانتفت العدالة لم يجد اجتماعها نفعا ولم يغن فتيلا. ولم نأمن حينئذ من التبديل والعبث بالحجة. ومن باب أولى ما إذا انفردت الكتابة عن الحفظ والفهم وعدالة الكاتب أو الحامل للمكتوب. فإنا لا نثق حينئذ بشيء من المكتوب. ألا ترى أن اليهود والنصارى كانوا يكتبون التوراة والإنجيل ومع ذلك وقع التبديل والتغيير فيهما لما تجردوا من صفة العدالة حتى لا يمكننا أن نجزم ولا أن نظن بصحة شيء منهما. بل قد نجزم بمخالفة لأصلهما. قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (١). الكِتَابَةُ لَيْسَتْ مِنْ لَوَازِمِ الحُجِّيَةِ: فإذا كان المهم في المحافظة على الحجة عدالة الحامل لها - على أي وجه كان حملها - تحققنا أن الكتابة ليست من لوازم الحُجِّيَةِ وأن صيانة الحجة غير متوقفة عليها. وأنها ليست السبيل الوحيد لذلك. وهذا أمر واضح كل الوضوح ولكنا نزيده بيانًا وتثبيتًا بما سنذكره من الأدلة. فنقول: أولاً: إنا نعلم أن النبي ﷺ كان يرسل السفراء من الصحابة إلى القبائل المختلفة ليدعوا الناس إلى الإسلام ويعلموهم أحكامه ويقيموا بينهم شعائره. ولم يرسل مع

стр. 20

كل سفير مكتوبًا من القرآن يكفي لإقامة الحجة على جميع الأحكام التي يبلغها السفير للمرسل إليهم ويلزمهم بها. ولا يستطيع أحد أن يثبت أنه كان يكتب لكل سفير هذا القدر من القرآن. والغالب فيما كان يفعله ﷺ هو أن يكتب للسفير كتابًا يثبت به سفارته ويصحح به بعثته. وفي بعض الأحيان كان يكتب له كتابًا مشتملاً على بعض الأحكام من السُنَّةِ وليس فيه نص قرآني أو فيه نص قرآني إلا أنه لا يكفي لإقامة الحجة على جميع الأحكام التي يراد تبليغها. فيتبين لنا من هذا أن النبي ﷺ كان يرى في عدالة السفير وحفظه لما حفظه من القرآن والسنة - اللذين لم يكتبهما - الكفاية في إقامة الحجة على المرسل إليهم وإلزامهم اتباعه. وثانيًا: إنا نعلم أن الصلاة - وهي القاعدة الثانية من قواعد الإسلام - لا يمكن للمجتهد أن يهتدي إلى كيفيتها من القرآن وحده. بل لا بد من بيان الرسول ﷺ . ولم يثبت أنه ﷺ قد أمر بكتابة كيفيتها التي شرحها بفعله وقوله. ولو كانت الكتابة من لوازم الحُجِّيَّةِ لما جاز أن يترك النبي ﷺ هذا الأمر الخطير الذي لا يهتدي إليه المجتهدون من التابعين فمن بعدهم بمحض عقولهم أو باجتهادهم في القرآن - بدون أن يأمر بكتابته التي تقنعهم بالحُجِّيَةِ كما هو الفرض. وثالثًا: إنا قد بينا أن حجية السُنَّةِ ضرورية دينية وزدنا على ذلك أن أقمنا عليها من الأدلة ما لا سبيل إلى إنكار دلالته أو الشك فيه. ومع ذلك لم يأمر ﷺ أمر إيجاب بكتابة كل ما صدر منه. ولو كانت الحُجِّيَةُ متوقفة على الكتابة لما جاز له ﷺ أن يهمل الأمر بها وإيجابها على الصحابة. ثم نقول: لو جاءت اليهود والنصارى لصاحب هذه الشبهة فقالوا له: إن القرآن ليس بحجة. فإنه لم ينزل من السماء مكتوبًا، ولو كان حجة لاهتم الشارع بأمره وأنزله مكتوبًا كما أنزل التوراة والإنجيل فماذا يكون جوابه وهو يذهب أن الكتابة من لوازم الحُجِّيَةِ؟ إن قال لهم: إن عصمة النبي ﷺ من الخطأ والتبديل

стр. 21

فيه تغني عن نزوله مكتوبًا. قالوا له: إن موسى وعيسى ﵉ كانا معصومين اَيْضًا مما ذكرت ومع ذلك اهتم الشارع بكتابيهما فأنزلهما مكتوبين وما ذلك إلا لأن العصمة وحدها لا تغني. وقلنا له نحن معاشر المسلمين من قبلنا: كما أغنت العصمة عن نزوله مكتوبًا تغنينا عدالة الراوي عن كتابة ما هو حجة قرآنًا أو سنة. كل ما في الأمر أن العصمة تفيدنا اليقين والعدالة تفيدنا الظن. والشارع قد تعبدنا بالظن في الفروع ولم يكلفنا بتلمس سبيل اليقين في كل حكم من الأحكام لما في ذلك من الحرج والتعذر ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١). على أن النقلة والحاملين للحجة إذا بلغوا حد التواتر أفادنا نقلهم اليقين، كالعصمة وإن لم يكن على سبيل الكتابة. وكثير من السنة قد نقل على هذا الوجه. وصاحب الشبهة يزعم: أنه لا شيء من السنة بحجة، وأن القرآن وحده هو الحجة. إذن لا بد لصاحب الشبهة - إن كان مسلمًا - أن يعترف معنا أن الكتابة ليست شرطًا في الحُجِّيَةِ. وأن بلوغ الرواة حد التواتر أو عدالتهم وقوة حفظهم - وإن كانوا آحَادًا - قائم كل منهما مقام عصمة النبي ﷺ في صيانة ما هو حجة وثبوت حجيته. حتى يمكنه أن يرد على اليهود والنصارى ما أوردوه. الكِتَابَةُ لاَ تُفِيدُ القَطْعَ: قد علمت أن كتابة غير العدل لا تفيدنا قطعًا ولا ظنًا. وكذلك إذا كتب العدل وحمل المكتوب إلينا غير عدل. فأما إذا حصلت من عدل وحمل المكتوب إلينا عدل مثله، فإنها لا تفيد القطع بل الظن، لأن احتمال التغيير والخطأ باق وإن كان ضعيفا لوجود العدالة. نعم إن بلغ كل من الكاتبين والحاملين عدد التواتر، استفدنا القطع، وكذلك إذا كتب واحد

стр. 22

وأقرا المكتوب جمع بلغ عدد التواتر وحمله عدد مثله. والقطع على كل حال لم نستفده من محض الكتابة وخصوصيتها، وإنما هو من التواتر الكتابي في الحالة الأولى، أو اللفظي بإقرارهم في الحالة الثانية. الكِتَابَةُ دُونَ الحِفْظِ قُوَّةً: ومع أن الكتابة تفيد الظن - على ما علمت فهي دون الحفظ في هذه الإفادة. ولذلك ترى: أن علماء الأصول إذا تعارض حديث مسموع وحديث مكتوب، يُرَجِّحُونَ الأول، قال الآمدي (١): «وَأَمَّا مَا يَعُودُ إِلَىَ الْمَرْوِيَِّ فَتَرْجِيحَاتٌ. الأَوَّلَ: أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ أَحَدِ الخَبَرَيْنِ عَنْ سَمَاعِ مِنَ الْنَّبِيِِّ ﷺ ، وَالرِّوَايَةُ الأُخْرَى عَنْ كِتَابٍ، فَرِوَايَةُ السَّمَاعِ أَوْلَى، لِبُعْدِهَا عَنْ تَطَرُّقِ الْتَّصْحِيْفِ وَالْغَلَطِ». وترى (اَيْضًا): أن علماء الحديث - بعد اتفاقهم على صحة رواية الحديث بالسماع - قد اختلفوا في صحة روايته بطريق المناولة أو المكاتبة. (فمنهم): من أجازها مُحْتَجًّا: بأن النبي ﷺ كتب لأمير سرية كِتَابًا وقال: «لاَ تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا». فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس، وأخبرهم بأمر النبي ﷺ كما في تعاليق البخاري في " صحيحه ". و (منهم): من لم يجزها دافعًا ما تقدم بأن الحجة إنما وجبت بكتاب رسول الله ﷺ المذكور، لعدم توهم التبديل والتغيير فيه، لعدالة الصحابي، بخلاف من بعدهم، حكاه البيهقي. وهو دفع ضعيف كما ترى. ولذلك كان الصحيح: صحة الرواية بأحدهما ما دامت العدالة متحققة، وانتفى ما يوجب الشك في المكتوب. قال ابن حجر (٢): «وَأَقُولُ: شَرْطُ قِيَامِ الْحُجَّةِ بِالْمُكَاتَبَةِ أَنْ يَكُونَ الكِتَابُ مَخْتُومًا وَحَامِلهُ مُؤْتَمَنًا وَالْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ يَعْرِفُ خَطَّ الشَّيْخِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ الدَّافِعَةِ لِتَوَهُّمِ التَّغْيِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ». اهـ. وبالجملة: فالمكاتبة فيها من الاحتمالات أكثر مما في التحديث شفاها.

стр. 23

فلذلك وقع الخلاف فيها دونه، وإن كان الصحيح جواز الاعتماد عليها بالشروط التي صرح ببعضها ابن حجر. ... الكتابة دون الحفظ قوة خصوصا من العرب ومن على شاكلتهم: وذلك أنا نعلم: أن العرب كانوا أمة أمية، يندر فيهم من يعرف الكتابة، ومن يعرفها منهم قد لا يتقنها، فيتطرق إلى مكتوبه احتمال الخطأ احتمالا قويا، وإذا أتقنها الكاتب فقد لا يتقن قراءتها القارئ منهم: فيقع في اللبس والخطأ، خُصُوصًا قبل وضع قواعد النقط والشكل والتمييز بين الحروف المعجمة والمهملة، الذي لم يحدث قبل عهد عبد الملك (١) بن مروان، ولذلك كان جل اعتمادهم في تورايخهم وأخبارهم ومعاوضاتهم وسائر أحوالهم على الحفظ حتى قويت هذه الملكة عندهم، وندر أن يقع منهم خطأ أو نسيان لشيء مما حفظوه. بخلاف من يعتمد على الكتابة من الأمم المتعلمة المتمرنة عليها: فإنه تضعف فيهم ملكة الحفظ ويكثر عندهم الخطأ والنسيان لما حفظوه، وهذه الحال مشاهدة فيما بيننا: فإنا نجد الأعمى أقوى حفظا لما يسمعه من البصير، لأنه جعل كل اعتماده على ملكة الحفظ. بخلاف البصير فإنه يعتمد على الكتاب وأنه سينظر فيه عند الحاجة، وكذلك التاجر الأمي قد يعقد من الصفقات في اليوم الواحد نحو المائة ومع ذلك نجده يحفظ جميع ماله عند الغير وما عليه له بدون ما خطأ أو نسيان لدانق واحد. بخلاف التاجر المتعلم الذي اتخذ الدفاتر في متجره واعتمد عليها في معرفة الصفقات وما له وما عليه: فإنا نجده سريع النسيان لما لم يكتبه كثير الخطأ فيه. ونظير ذلك حاسة السمع عند الأعمى: فإنها أقوى منها بكثير عند البصير. لأن الأول لما فقد بصره استعمل سمعه في إدراك أشياء كثيرة كان يميزها بالبصر لو كان بصيرًا. فقوي عنده السمع وكذلك نجد حواس الحيوانات المفترسة من شم وسمع وبصر أقوى منها في الإنسان

стр. 24

بمراحل. لأنها تعتمد على هذه الحواس في حياتها أكثر من اعتماد الإنسان عليها. ولقد ساعد العرب على تقوية ملكة الحفظ عندهم طبيعة جوهم وبساطة معيشتهم، وَحِدَّةَ ذكائهم. وقوة فهمهم لما يحدث بينهم، وَسَعَةَ خِبْرَتِهِمْ بأساليب لسانهم وطرق بيانهم. ... وَخُصُوصًا الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ مِنْهُمْ: وهذه حالة العرب في جاهليتهم. فما بالك بالصحابة ﵃ الذين قَيَّضَهُمْ اللهُ لحفظ الشرع وصيانته وحمله وتبليغه لمن بعدهم. وملأ قلوبهم بالإيمان والتقوى والرهبة والخوف: أن يبلغوا من بعدهم شيئًا من أحكام الدين على خلاف ما سمعوا ورأوا من رسول الله ﷺ . ومن غير أن يتأكدوا ويتثبتوا أنه هو الحق من ربهم ومن رسوله ﷺ . والذين حصلت لهم بركة صحبة رسول الله ﷺ وتتلمذوا له وتخرجوا على يديه. واستنارت قلوبهم بنوره، وتأدبوا بأدبه واهتدوا بهديه واستنوا بسنته. ودعا لهم بالحفظ والعلم والفقه كما ورد في أبي هريرة وابن عباس. وقريب من الصحابة في هذا المقام: من اجتمع بهم وشاهد أحوالهم واتبع خطاهم واقتفى آثارهم من التابعين، كل ذلك يكاد ينفي عن سامع الحديث من أحدهم توهم خطأ أو نسيان أو تبديل أو اختلاق. والأخبار التي تدل على قوة الحفظ عند العرب كثيرة يعلمها الخاصة والعامة. ولقد كان كثير من الصحابة والتابعين مطبوعين على الحفظ مخصوصين بذلك كابن عباس والشعبي وَالزُّهْرِيِّ وَالنَّخَعِي وَقَتَادَةَ. فكان أحدهم يجتزئ بالسمعة، ألا ترى ما جاء عن ابن عباس ﵁ أنه حفظ قصيدة عمر بن أبي ربيعة التي أولها: أَمِنْ آلِ نُعْمٍ أَنْتَ غَادٍ فَمُبْكِرُ * ... * ... * غَدَاةَ غَدٍ أَمْ رَائِحٌ فَمُهْجِرٌ؟ في سمعة واحدة , وهي خمسة وسبعون بيتًا. وما جاء عن الزهري أنه كان

стр. 25

يقول: «إِنِّي لأَمُرُّ بِالْبَقِيعِ فَأَسُدُّ آذَانِي مَخَافَةَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الخَنَا. فَوَاللَّهِ مَا دَخَلَ أُذُنِي شَيْءٌ قَطُّ فَنَسِيتُهُ» وقد جاء نحوه عن الشعبي. وبالجملة: فالحفظ والكتابة يتناوبان في المحافظة على الشيء. وفي الغالب يضعف أحدهما إذا قوي الآخر. ومن هنا نفهم سَبَبًا من الأسباب التي حملت الصحابة على حث تلاميذهم على الحفظ ونهيهم إياهم عن الكتابة، وذلك لأنهم كانوا يرون أن الاعتماد على الكتابة يضعف فيهم ملكة الحفظ. وهي ملكة قد طبعوا عليها , والنفس تميل إلى ما طبعت عليه وتكره ما يخالفه ويضعفه. الحِفْظُ أَعْظَمُ مِنَ الكِتَابِةِ فَائِدَةً وَأَجْدَى نَفْعًا: وبيان ذلك: أن الحفظ في الغالب لا يكون إلا مع الفهم وإدراك المعنى والتحقق منه، حتى يستعين بذلك على عدم نسيان اللفظ ثم إنه يحمل المرء على مراجعة ما حفظه واستذكاره آنًا بَعْدَ آنٍ حتى يأمن من زواله. ثم إن محفوظه يكون معه في صدره في أي وقت وفي أي مكان، فيرجع إليه في جميع الأحوال عند الحاجة ولا يكلفه ذلك الحمل مؤونة ولا مشقة. بخلاف الكتابة: فإنها كثيرا ما تكون بدون فهم المعنى عاجلا وآجلا. أو سببا في عدم الفهم في الحال اعتمادًا على ما سوف يفهم فيما بعد. وقد تضيع عليه الفرصة في المستقبل لضياع المكتوب أو عدم وجوده معه عند الحاجة إليه، أو عدم وجود من يفهمه المكتوب ويشرحه له. ثم إن الكاتب لا يجد في الغالب باعثًا يدعوه إلى مراجعة ما كتبه. ثم إنه يجد مشقة ومؤونة في حمل المكتوب معه في كل وقت ومكان. وبذلك كله يكون نقلة العلم جُهَّالاً. مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارًا. وأعظم به سببًا في ضياع العلم. وانتشار الجهل. يرشدك إلى ما قررنا قول إبراهيم النخعي المتقدم: «لاَ تَكْتُبُوا فَتَتَّكِلُوا». وقوله: « ... فَإِنَّهُ [قَلَّ مَا] طَلَبَ إِنْسَانٌ عِلْمًا إِلاَّ آتَاهُ اللَّهُ مِنْهُ مَا يَكْفِيهِ، [وَقَلَّ مَا] كَتَبَ رَجُلٌ كِتَابًا إِلاَّ اتَّكَلَ عَلَيْهِ». وقول الأوزاعي: «كَانَ هَذَا الْعِلْمُ شَيْئًا شَرِيفًا إِذْ كَانَ مِنْ أَفْوَاهِ الرِّجَالِ يَتَلاَقَوْنَهُ وَيَتَذَاكَرُونَهُ، فَلَمَّا صَارَ فِي الْكُتُبِ ذَهَبَ نُورُهُ وَصَارَ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ». وقول بعض

стр. 26

الأعراب: «حَرْفٌ فِي تَامُورِكَ خَيْرٌ مِنْ عَشَرَةٍ فِي كُتُبِكَ». وَقَوْلُ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ رَجُلاً يُنْشِدُ: اسْتَوْدَعَ الْعِلْمَ قِرْطَاسًا فَضَيَّعَهُ * ... * ... * وَبِئْسَ مُسْتَوْدَعُ الْعِلْمِ الْقَرَاطِيسُ -: [فَقَالَ يُونُسُ]: «قَاتَلَهُ اللَّهُ مَا أَشَدَّ صِيَانَتَهُ لِلْعِلْمِ وَصَيَانَتَهُ لِلْحِفْظِ، إِنَّ عِلْمَكَ مِنْ رُوحِكَ، وَإِنَّ مَالَكَ مِنْ بَدَنِكَ، فَصُنْ عِلْمَكَ صِيَانَتَكَ رُوحَكَ، وَصُنْ مَالَكَ صَيَانَتَكَ بَدَنَكَ». وقول الخليل أحمد: لَيْسَ بِعِلْمٍ مَا حَوَى الْقِمَطْرُ * ... * ... * مَا الْعِلْمُ إِلَّا مَا حَوَاهُ الصَّدْرُ وقول محمد بن بشير: أَمَا لَوْ أَعِي كُلَّ مَا أَسْمَعُ * ... * ... * وَأَحَفْظَ مِنْ ذَاكَ مَا أَجْمَعُ وَلَمْ أَسْتَفِدْ غَيْرَ مَا قَدْ جَمَعْتُ * ... * ... * لَقِيلَ هُوَ الْعَالِمُ الْمَقْنَعُ وَلَكِنَّ نَفْسِي إِلَى كُلِّ فَنِّ * ... * ... * مِنَ الْعِلْمِ تَسْمَعْهُ تَنْزَعُ فَلاَ أَنَا أَحْفَظُ مَا قَدْ جَمَعْتُ * ... * ... * وَلاَ أَنَا مِنْ جَمْعِهِ أَشْبَعُ وَمَنْ يَكُ فِي عِلْمِهِ هَكَذَا * ... * ... * يَكُنْ دَهْرَهَ الْقَهْقَرِيَّ يَرْجِعُ إِذَا لَمْ تَكُنْ حَافِظًا وَاعِيًا * ... * ... * فَجَمْعُكَ لِلْكُتْبِ لاَ يَنْفَعُ أَأَحْضُرُ بِالْجَهْلِ فِي مَجْلِسٍ * ... * ... * وَعِلْمِي فِي الْكُتُبِ مُسْتَوْدَعُ وقول أبي العتاهية: مَنْ مُنِحَ الْحِفْظَ وَعَى * ... * ... * مَنْ ضَيَّعَ الْحِفْظَ وَهِمَ وقول منصور الفقيه: عِلْمِي مَعِي حَيْثُ مَا يَمَّمْتُ أَحْمِلُهُ * ... * ... * بَطْنِي وِعَاءٌ لَهُ لاَ بَطْنَ صُنْدُوقِ إِنْ كُنْتُ فِي الْبَيْتِ كَانَ الْعِلْمُ فِيهِ مَعِي * ... * ... * أَوْ كُنْتُ فِي السُّوقِ كَانَ الْعِلْمُ فِي السُّوقِ

стр. 27

ومما ذكرنا لك من فضل الحفظ على الكتابة وأنه أجدى نَفْعًا وأعظم فائدة تفهم سَبَبًا آخر من الأسباب التي حملت كثيرًا من الصحابة والتابعين على كراهة كتابة الحديث. فإنهم خافوا ضياع العلم بالاتكال على الكتابة وعدم تفهم المكتوب عَلَى مَا بَيَنَّا. ... القَطْعُ بِالقُرْآنِ إِنَّمَا حَصَلَ بِالتَّوَاتُرِ اللَّفْظِيِّ: العمدة في قطعنا بالقرآن وبجميع ألفاظه إنما هو التواتر اللفظي وهو وحده كاف في ذلك. والكتابة لا دخل لها في هذا القطع ولم يتوقف عليها ولم ينشأ عنها. وإن حصل بها نوع من التأكيد لما علمت من أنها إنما تفيد الظن. فلو فرضنا أنه تواتر لفظه ولم يكتب لوجد هذا القطع بلا ريب. ولو فرضنا العكس لم يحصل لنا قطع بشيء منه. فإن النسخة أو النسخ التي سطرها كتاب الوحي ليست بأيدينا ولو فرض أنها بين أيدينا فمن أين نقطع أن هذا الخط هو خط كتاب الوحي ومن؟ أين نقطع أنه لم يحصل فيه تبديل أو زيادة أو نقص لا؟ يمكننا أن نقطع بشيء من ذلك إلا بإخبار قوم يؤمن تواطؤهم على الكذب بأن هذه الكتابة كتابة كتاب الوحي بدون زيادة ولا نقصان ولا تحريف. عن قوم مثلهم عن قوم مثلهم. وهكذا إلى أن نصل إلى قوم بهذه الصفة رأوا كتاب الوحي البالغين عدد التواتر المتفقين على كتابه كل حرف منه وهم يكتبون. ومع أن هذه السبيل لم تحصل لنا كما هو معلوم بالضرورة فإنا نجد أننا مع فرض وقوعها قد اعتمدنا نحن وجميع من قبلنا ما عدا الطبقة الذين رأوا كتاب الوحي وهم يكتبون. على التواتر اللفظي بأن هذه كتابة كتاب الوحي. ولولا هذا التواتر لما حصل القطع بشيء، كل ما في الأمر أننا نكون قد استبدلنا تواترا بلفظ القرآن بتواتر بلفظ أن هذا الخط خط كتاب الوحي. ولا يخفى أن الأول أقوى وأقطع، وأما الذين رأوا كتاب الوحي وهم يكتبون فليسوا في حاجة إلى كتابتهم ولا إلى تواتر لفظي ليقطعوا بلفظ القرآن. لأنهم مستغنون عن ذلك كله بالسماع من النبي ﷺ نفسه ككتاب الوحي أنفسهم.

стр. 28

فنخرج من ذلك بأن القطع بالقرآن لم يتوقف على الكتابة في طبقة من الطبقات. ولعل قائلا يقول: لسنا في حاجة إلى وجود النسخة أو النسخ التي كتبها كتاب الوحي، ولا إلى إخبار هؤلاء الأقوام - بما ذكرت. فإنه يغنينا عن ذلك كله التواتر الكتابي بعد عصر الخلفاء الراشدين وتعدد النسخ المكتوبة (المتفقة في جميع حروفه) في العصر الثاني وما بعده - تَعَدُّدًا يؤمن منه التواطؤ على زيادة أو نقص أو تحريف. فإن هذا يفيدنا القطع بأن المكتوب جميعه هو القرآن. فنقول: من أين لنا أن نثبت أن هذه النسخ المتأخرة قد نسخت من نسخ متعددة يؤمن تواطؤها على ما ذكرت؟ أليس من الجائز أن تكون جميعها مصدرها نسخة واحدة لزيد بن ثابت أو عثمان مثلا؟ بل الواقع كذلك كما هو معلوم لمن له إلمام بتاريخ كتابة القرآن. وإذا كان المصدر نسخة آحادية - فمن أين لنا أن نجزم بما فيها؟! وبما أخذا عنها؟!. فإن قال هذا القائل: نحن نجزم بما فيها: لأن الصحابة جميعهم قد أقروا ما في هذه النسخة واعترفوا بصحته. قلنا: فقد رجعت في النهاية إلى التواتر اللفظي بأن ما في هذه النسخة هو كل القرآن بلا زيادة ولا نقصان ولا تبديل، والتواتر اللفظي هو الذي تنكر دلالته على القطع، وتدعي أن الاعتماد كله - في القطع - إنما هو على الكتابة. هذا وإليك بعض ما ذكره الأئمة لتأييد ما قلنا: قال ابن حجر (١): «وَالْمُسْتَفَاد مِنْ [بَعْثِهِ] المَصَاحِفِ إِنَّمَا هُوَ ثُبُوتُ إِسْنَادِ صُورَةِ الْمَكْتُوبِ فِيهَا إِلَى عُثْمَانَ، لاَ أَصْلَ ثُبُوتِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ مُتَوَاتِرٌ

стр. 29

عِنْدَهُمْ». اهـ. وقال ابن الجزري (١): «إِنَّ الاعْتِمَادَ فِي نَقْلِ الْقُرْآنِ عَلَى حِفْظِ الْقُلُوبِ وَالصُّدُورِ لاَ عَلَى حِفْظِ الْمَصَاحِفِ وَالْكُتُبِ، وَهَذِهِ أَشْرَفُ خَصِيصَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِهَذِهِ الأُمَّةِ، فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ " مُسْلِمٌ " (*) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ رَبِّي قَالَ لِي: قُمْ فِي قُرَيْشٍ فَأَنْذِرْهُمْ فَقُلْتُ لَهُ: "رَبِّ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي حَتَّى يَدَعُوهُ خُبْزَةً"، فَقَالَ: " مُبْتَلِيكَ وَمُبْتَلِي بِكَ وَمُنْزِلٌ عَلَيْكَ كِتَابًا لاَ يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ، فَابْعَثْ جُنْدًا أَبْعَثْ مِثْلَهُمْ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ، وَأَنْفِقْ يُنْفَقْ عَلَيْكَ ". فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الْقُرْآنَ لاَ يَحْتَاجُ فِي حِفْظِهِ إِلَى صَحِيفَةٍ تُغْسَلُ بِالْمَاءِ، بَلْ يَقْرَءُوهُ فِي كُلِّ حَالٍ كَمَا جَاءَ فِي صِفَةِ أُمَّتِهِ: " أَنَاجِيلُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ "، وَذَلِكَ بِخِلاَفِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ لاَ يَحْفَظُونَهُ لاَ فِي الْكُتُبِ وَلاَ يَقْرَءُونَهُ كُلَّهُ إِلاَّ نَظَرًا لاَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ». «وَلَمَّا خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِحِفْظِهِ مَنْ شَاءَ مِنْ أَهْلِهِ: أَقَامَ لَهُ أَئِمَّةً ثِقَاتٍ، تَجَرَّدُوا لِتَصْحِيحِهِ، وَبَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ فِي إِتْقَانِهِ وَتَلَقَّوْهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ حَرْفًا حَرْفًا، لَمْ يُهْمِلُوا مِنْهُ حَرَكَةً وَلاَ سُكُونًا وَلاَ إِثْبَاتًا وَلاَ حَذْفًا، وَلاَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ شَكٌّ وَلاَ وَهْمٌ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ حَفِظَهُ كُلَّهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَفِظَ أَكْثَرَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَفِظَ بَعْضَهُ، كُلُّ ذَلِكَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ». اهـ. ... يَجِبُ العَمَلُ بِظَنِّيِّ الثُبُوتِ فِي الفُرُوعِ: قد فهم صاحب الشبهة أن الكتابة وحدها هي التي تفيد القطع بثبوت ما هو حجة، وقد علمت بطلان ذلك. ثم إنه فرع على هذا الفهم: أن النهي عن كتابة السُنَّةِ دليل على إرادة الشارع

стр. 30

عدم القطع بثبوتها. ثم فهم أن هذه الإرادة دليل على إرادته عدم حجيتها في نفسها، وعلى عدم اعتبارها دليلاً على حكم شرعي، بَانِيًا فهمه هذا على أن القطع بالثبوت من لوازم الحُجِّيَةِ، وإرادة عدم حصول اللازم تستلزم إرادة عدم حصول الملزوم. ونقول له: لا نسلم لك ما بنيت عليه هذا الفهم الأخير: من أن القطع بالثبوت من لوزام الحُجِّيَةِ على عمومه، بل في العقائد وأصول الدين دون الأحكام الفرعية والمسائل الفقهية. وهذا أمر قد تقرر في علم الأصول: في مسألة التعبد بخبر الواحد. وهي خارجة عن موضوع رسالتنا. إلا أنه لا بأس من بيانها على سبيل الإجمال؛ لأنك قد جعلتها أساسا لإبطال حجية السُنَّةِ من حيث ذاتها. ... وقبل التكلم في هذه المسألة نقول لك: إنه لا نزاع بين المسلمين في أن التواتر (١) مفيد للعلم وإنما الذي خالف في ذلك السُّمْنِيَّةُ من البراهمة، وهم قوم ينكرون النبوة. ومع كون مخالفتهم هذه مكابرة صريحة على العقل: ضرورة علمنا بالبلاد النائية، والأمم الخالية، فهي لا تؤثر في حجية هذا الإجماع، لأنهم قوم غير مسلمين. فهذا الإجماع يبطل لك زعمك أن الكتابة وحدها هي المفيدة للعلم زيادة على ما قررناه لك فيما سبق. نعم: قد اختلف المسلمون في أن هذا العلم ضروري أو نظري واختلفوا في الشروط التي لا يتحقق التواتر إلا بها، وهذا خلاف لا يفيدك شيئًا.

стр. 31

ولا نزاع (اَيْضًا) بين المسلمين: في وقوع التعبد بالخبر المتواتر عن رسول الله ﷺ . وهذا الإجماع يبطل لك ما زعمته من أن القرآن هو الحجة وحده، مستدلاً على ذلك بأنه هو المقطوع به فقط، إذ لا شك أن هناك أخبارًا متواترة عنه ﷺ . ... فأما خبر الواحد (١): فإن لم يكن عَدْلاً لم يفد علمًا ولا ظنًا، لكن إذا انضم إليه قرينه أو أكثر تفيد شيئا منهما حصل هذا الشيء. وإن كان عَدْلاً: فالإجماع منعقد على أنه لا تسلب عنه الإفادة. إلا أنهم اختلفوا في المفاد: أهو العلم أم الظن؟. فالجمهور على أنه يفيد الظن لكن إذا انضم إليه قرينة تفيد العلم حصل. وذهب الإمام أحمد إلى أنه يفيد العلم. ولا نطيل الكلام في تحقيق ذلك، فالذي يغلب على ظننا هو أنك معنا في إفادته الظن. وإن أردت المكابرة وإنكار إفادته العلم والظن فالإجماع يرغمك. وإن

стр. 32

ذهبت مذهب الإمام أحمد فقد أرحتنا وتقوضت شبهتك. ... فإذا تقرر أن خبر الواحد العدل يفيد الظن - على ما علمت - فاعلم أن التعبد بما اشتمل عليه من الأحكام جائز عقلاً عند الجمهور خِلاَفاً لِلْجُبَّائِي. واعلم أن النزاع في جواز التعبد بخبر الواحد العدل عقلا قد حكاه جمهور الكاتبين من الأصوليين، وخالفهم في ذلك صاحب " جمع الجوامع "، فلم يتعرض له. والذي ذكره - في مسألة التعبد بخبر الواحد - (١) عن الجُبَّائِي أنه يقول بوقوع التعبد به إذا كان من اثنين يرويانه أو اعتضد بشيء آخر، كأن يعمل به بعض الصحابة أو ينتشر فيهم (٢). وهذا الذي نقله عن الجُبَّائِي قد نقله غيره - من الكاتبين - عنه في شرائط الرواية. ثم إن ابن السبكي - في " شرح المنهاج " - قد استشكل هذين النقلين بأنهما متنافيان، وأجاب حيث قال (٣): «فإن قلت: ما وجه الجمع بين منع الجُبَّائِي هنا التعبد به عقلاً واشتراطه العدد. كما سيأتي النقل عنه. فإن قضية اشتراطه العدد القول به. قلت: قد يجاب بوجهين: أقربهما أنه أراد بخير الواحد الذي أنكره هنا ما نقله العدل منفردا به دون خبر الواحد المصطلح. (أعني الشامل لكل خبر لم يبلغ حد التواتر ولهذا) كانت عبارة إمام الحرمين: " ذهب الجُبَّائِي إلى أن خبر الواحد لا يقبل، بل لا بد من العدد وأقله اثنان. والثاني: أنه يجعله من باب الشهادة "». اهـ.

стр. 33

وأقول: إذا نظرت في شُبَهِ الجُبَّائِي التي أرودها للمنع من التعبد تجدها مانعة من التعبد بما يرويه الاثنان أو الأكثر ما لم يبلغوا حَدَّ التواتر فإن رواية هؤلاء إنما تفيد الظن. اللهم إلا أن يكون قد ذهب مذهب أبي إسحاق وابن فورك في أن المستفيض يفيد العلم النظري، فلا تطرد هذه الشبه فيه حينئذ كما هو ظاهر. ويؤيد أن الجبائي يذهب هذا المذهب أن العضد قد ذكره في الاستدلال له على اشتراط العدد في الرواية قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١). ونحوه، فهذا الاستدلال يشعرنا أنه إذا وجد العدد أفاد العلم عنده. هذا ويمكن أن يجاب اَيْضًا بأن الجُبَّائِي كان يذهب إلى امتناع التعبد، ثم رجع عنه أخيرًا وقال بوقوع التعبد. إلا أنه اشترط فيه ما ذكر فنقل قوم مذهبه الأول ظانين أنه استمر عليه، ونقل آخرون المذهب الثاني، ثم جمع الكاتبون النقلين غير شاعرين بما بينهما من التضارب. ولعل هذا هو الذي حققه أخيرًا ابن السبكي وهو يؤلف " جمع الجوامع " فلذلك ترك حكاية الخلاف في جواز التعبد به عقلاً، حيث ثبت عنده أن الجُبَّائِي رجع عن القول بالامتناع. ويدل على الجواز أن التعبد به إيجاب للعمل بالراجح، لأنه يفيد غلبة الظن بأن ما اشتمل عليه حكم الله تعالى (كما علمت) وإيجاب العمل بالراجح معقول لا يلزمه محال لا لذاته ولا لغيره. وَلِلْجُبَّائِي ثلاث شبه: الأولى: أن التعبد به يؤدي إلى تحليل الحرام وتحريم الحلال عن كذب المخبر أنه من رسول الله ﷺ في خبره هذا. وبيان ذلك أنه قد تقرر أنه يفيد

стр. 34

ظن الصدق. وذلك يقتضي بقاء احتمال الكذب وإن كان مرجوحًا. فإذا فرض أن هذا الكذب المرجوح متحقق، وكان الخبر مشتملاً على حل شيء والذي في الواقع حرمته لزم تحليل الحرام. وإن كان بالعكس لزم تحريم الحلال. وتحليل الحرام وعكسه ممتنعان. فما أدى إليهما يكون ممتنعًا اَيْضًا (١). ... وأجيب (أولاً): بأنه منقوض بالتعبد بالمفتي والشاهدين الجائز بالإجماع كما حكاه في " جمع الجوامع " (٢). فإنه يجوز كذبهم، فإذا فرضنا هذا الكذب مُتَحَقِّقًا لزم الجُبَّائِي ما ألزمنا به من تحليل الحرام وعكسه. وثانيا: أن المجتهد السامع لخبر العدل إذا اجتهد فغلب على ظنه عدالة المخبر وصدق خبره: فالحكم الذي اشتمل عليه الخبر هو حكم الله الذي كلفه به على رأي المصوبة. وليس في الواقع حكم يخالفه بالنسبة إلى هذا المجتهد على رأيهم. فلم يلزم تحليل حرام ولا عكسه وإن جرينا على رأي المخطئة: لزم تحليل الحرام وعكسه. إلا أنا لا نسلم امتناع ذلك إذا كان ناشئًا عن اجتهاد وغلبة ظن، فإن الحكم الذي في الواقع ساقط عنه بالإجماع. ألا ترى أن المكلف إذا وطئ أجنبية يظنها زوجته لا حرمة عليه؟ وإذا توضأ بمتنجس يظنه مُطَهِّرًا صح وضوءه؟ وإذا توجه في الصلاة إلى غير القبلة ظَانًّا أنه مستقبل لها صحت صلاته؟ إلى غير ذلك من المسائل المعلومة. ... الشبهة الثانية: أن التعبد به يؤدي إلى اجتماع النقيضين إذا أخبر عدلان متساويان بنقيضين. واجتماع النقيضين محال. فما أدى إليه محال اَيْضًا (٣).

стр. 35

وأجيب (أولاً): بأنه منقوض بما تقدم في المفتي والشاهدين. وثانيًا: بمنع استلزام اجتماع النقيضين، فإن المجتهد حينئذ لا يعمل بواحد منهما لتعارضهما، بل يكلف بالوقوف حتى يظهر له مرجح. ... الشبهة الثالثة: أنه لو جاز التعبد به في الفروع: لجاز التعبد به في العقائد، ونقل القرآن، وادعاء النبوة من غير معجزة، وهو باطل (١). وأجيب (أولاً): بمنع الملازمة، للفرق عادة بين الخبر في العمليات وبين الخبر في الأمور المذكورة فإن المقصود في العقائد تحصيل العلم - لأن الخطأ فيها يوجب الكفر والضلال - وخبر الواحد لا يفيده. والقرآن مما تتوفر الدواعي إلى نقله وحفظه. فإذا نقله واحد قطع بكذبه , وادعاء النبوة من غير معجزة مما تحيله العادة. ثم إن القطع في كل مسألة شرعية متعذر، بخلاف اتباع الأنبياء والاعتقاد. وثانيًا: بمنع بطلان اللازم. فإن امتناع التعبد بخبر الواحد في هذه الأمور شرعي لا عقلي، ولا يلزم الامتناع الشرعي الامتناع العقلي، وكلامنا إنما هو في الأخير. ... ثم إن القائلين بجوازه عقلا قالوا بوقوعه شرعا، ما عدا الروافض وأهل الظاهر (٢).

стр. 36

ويدل على الوقوع أدلة كثيرة. نذكر لك أهمها: الدليل الأول: خبر الواحد العدل يفيد غلبة الظن بأن ما اشتمل عليه هو حكم الله تعالى. فيجب العمل به قَطْعًا كظاهر الكتاب. وبيان أنه يفيد غلبة الظن المذكورة أنا قد بينا - بالأدلة التي لا تقبل الإنكار ولا الشك ولا الوهم - أن السُنَّةَ من حيث ذاتها حُجَّةٌ يجب العمل بها قَطْعًا. فالسنة المقطوع بها ملزومة ووجوب العمل بها قَطْعًا لازم. ووجوب العمل قَطْعًا يستلزم أن المعمول به حكم الله قَطْعًا، إذ لا يجب العمل إلا بحكم الله اتفاقًا، ولازم لازم الشيء لازم الشيء. فالسنة المقطوع بها ملزومة، وكون ما اشتملت عليه من الأحكام حكم الله قَطْعًا لازم. وكما أن القطع باللزوم يوجب القطع باللازم فظن الملزوم يوجب ظن اللازم. وخبر الواحد العدل يفيد ظن الملزوم - وهو أن المخبر به سُنَّةٌ - فيجب أن يفيد ظن اللازم. وهو كون ما اشتمل عليه من الأحكام حكم الله تعالى. وهذا الدليل قد انفرد بذكره صاحب " المُسَلَّمِ " ونقحه شارحه إلا أن الشارح اعترض عليه وأجاب. حيث قال (١): «فإن قلت: لا نسلم أن مطلق المظنونية ملزوم وجوب العمل قَطْعًا. بل المظنونية التي حدثت من قطعي المتن كظاهر الكتاب. قلت: الفرق تحكم، فإن مظنونية المتن إنما تحدث الظن في كون الثابت به حكم الله تعالى. ومثله ظاهر الكتاب. فهذه المظنونية إن أوجبت هناك توجب هنا اَيْضًا». اهـ. على أنا نقول: إن من يريد أن يعتمد في استنباط الأحكام على القرآن وحده، ويترك ما جاء في السنة من المعاني الشرعية والأخبار المفسرة للمراد من ألفاظه لا مفر له من ظنية الطريق في اجتهاده وفهم معاني القرآن على حسب ما وضعته العرب. وذلك لأن ألفاظه المشتملة على الأحكام لو فرضنا أنها مستعملة في معانيها

стр. 37

اللغوية - دون المعاني التي اصطلح الشارع عليها وأرادها منها - لا تدل على هذه المعاني اللغوية إلا بواسطة أوضاع العرب له. إذ ليست دلالتها عليها دلالة عقلية محضة. والعقل لا يستقل بمعرفة هذه الأوضاع، ولا يولد المرء عَالِمًا بها، بل إنما يتعلمها بواسطة النقل عن غيره. وأكثر معاني الألفاظ منقولة إلينا بطريق الآحَادِ سَمَاعًا أَوْ فِي الكُتُبِ. والمعنى المشتهر أو المتواتر في الأعصر الأخيرة هو في الغالب آحادي الأصل، يرجع إلى نقل فرد واحد مثل الأصمعي أو أبي عبيدة، وقد يستنبطه الواحد منهم من بيت رجل مثل أبي نواس وبشار وعمر بن أبي ربيعة ممن اشتهر بالمجون والفسق والاختلاق والكذب. فالقرآن - وإن كان مقطوعًا بلفظه - ففهم معانيه إذا ما تركنا مساعدة السنة يعتمد على ظنية طريق وضع اللفظ لمعناه اللغوي. وهذه الظنية - إن سلمنا نسبتها إلى الظن - أضعف بكثير من ظنية طريق السنة التي تفسر المعاني التي أرادها رب العالمين والحاكم على عباده ومن القرآن كلامه. والتي أنزلها على المعصوم عن الكذب ونقلها عنه الثقات الأتقياء المتمسكون بدينهم المخلصون له. فأين مثل الصحابة والزهري ومالك والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم ﵃ من نقلة اللغة مثل خلف الأحمر الذي قيل فيه ما قيل. ومثله في الاشتهار بالكذب والاختلاق كثير كانوا يقصدون بمباحثهم اللغوية الدنيا والشهرة والتقرب من الحكام والتملق إليهم. فلا يمنع الواحد منهم دينه وخوفه من ربه أن يفسر اللفظ بتفسير من عنده، وأن يختلق البيت من الشعر وينسبه إلى امرئ القيس ونحوه ليدعم به دعواه على ما هو مشهور عنهم. ولذلك كثر الاضطراب والاختلاق في معاني الألفاظ اللغوية. فأين الأولون الثقات الورعون المخلصون لدينهم القاصدون وجه ربهم من الآخرين الذين هذا شأنهم؟ فَأَيْنَ الثُّرَيَّا وَأَيْنَ الثَّرَى * ... * ... * وَأَيْنَ مُعَاوِيَةُ مِنْ عَلِيٍّ (١).

стр. 38

لعمر الحق إن طريق المحدثين خير وأوجب للظن، وأسلم في العاقبة، وأهدأ للضمير إن صح أن يكون هناك مقارنة وتفضيل بين الطريقين. ثم إذا كان لا بد لنا من الاعتماد على ما نقل عن العرب فالنبي ﷺ الذي هو أفصح العرب وأبلغهم، وصحابته المهتدون بهديه أولى بالاعتماد على ما يقولون في تفسير كلام الله، من باقي العرب الذين كانوا يقولون أشعارهم وأحاديثهم وهم سكارى في مجالس النساء والولدان واللهو والفسق. هذا كلام ظاهر البيان. ولكن الهوى والشيطان قد يعميان الإنسان. ... ولنرجع إلى أصل الدليل فنقول: إن للخصم أن يقول: إن هذا قياس أصولي وأنا لا أرى حجيته، على أنه إن سلمنا حجيته فهو إنما يفيد الظن والمسألة قطعية. ولو جعل صاحب " المُسَلَّمِ " هذا الدليل قياسًا منطقيًا، هكذا: «ما اشتمل عليه خبر الواحد العدل يغلب على ظن المجتهد أنه حكم الله تعالى، وكل ما كان كذلك يجب العمل به قطعا». واستدل على الصغرى بنحو ما تقدم في ثبوت بيان العلة في الفرع، وعلى الكبرى بإجماعهم على وجوب العمل بما يغلب على ظن المجتهد - كما ذكروه في تعريف الفقه وحكاه الشافعي في " الرسالة " والغزالي في " المستصفى " (١) - لسلم من الاعتراضين. ...

стр. 39

الدليل الثاني: إجماع الصحابة ﵃ على وجوب العمل بخبر الواحد العدل وفيهم عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ -. وذلك في وقائع شتى لا تنحصر آحادها إن لم تتواتر فالقدر المشترك منها متواتر. ولو أردنا استيعابها لطالت الأنفاس وانتهى القرطاس. وقد ذكرنا بعضها فيما سبق. فلا وجه لتعدادها، إذ نحن على قطع بالقدر المشترك منها وهو رجوع الصحابة إلى خبر الواحد إذا نزلت بهم المعضلات واستكشافهم عن أخبار النبي ﷺ عند وقوع الحادثات. وإذا روي لهم حديث أسرعوا إلى العمل به من غير نكير في ذلك كله. فهذا ما لا سبيل إلى جحده ولا إلى حصر الأمر فيه واستقصائه. فإن قيل: لئن ثبت عنهم العمل بأخبار الآحاد فقد ثبت عنهم ردها. فهذا أبو بكر قد رد خبر المغيرة في ميراث الجدة حتى رواه ابن مسلمة. وعمر أنكر خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان حتى رواه أبو سعيد الخُدري، وَعَلِيٌّ أنكر خبر معقل بن سنان في المفوضة وكان يحلف غير أبي بكر. وعائشة أنكرت خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله (١). أجيب: بأنهم إنما توقفوا عند الريبة في صدق الراوي أو حفظه لا لأن الخبر من الآحاد. ألا ترى أنهم عملوا بعد انضمام رَاوٍ آخر أو الحلف؟ والخبر على كلتا الحالتين لا يزال خبر آحاد. (٢) والخصم إذا أنكر وقوع التعبد بخبر الواحد ينكر خبر الاثنين وخبر الواحد مع اليمين ... فعمل أبي بكر وعمر وَعَلِيٌّ حُجَّةٌ عَلَيْهِ. ونحن إذا قلنا بقبول خبر الواحد فإنما نقبله عند عدم الريبة وعند السلامة من معارض أو قادح. الدليل الثالث: أنه قد تواتر: أن رسول الله ﷺ كان يرسل الرُّسُلَ لتبليغ الأحكام وتفصيل الحلال والحرام. وربما كان يصحبهم الكتب. وكان نقلهم أوامر

стр. 40

رسول الله ﷺ على سبيل الآحاد. ولم تكن العصمة لازمة لهم بل كان خبرهم في مظنة الظنون فلولا أن الآحاد حجة لما أفاد التبليغ بل يصير تضليلاً (١). فإن قيل: إن النزاع في وجوب عمل المجتهد. والمبعوث إليهم يجوز أن يكونوا مقلدين (٢) أجيب: بأنه معلوم بالتواتر أنه ﷺ في تبليغ الأحكام إلى الصحابة المجتهدين ما كان يفتقر إلى عدد التواتر بل يكتفي بالآحاد (٣). فإن قلت: لو تم هذا الدليل لزم ثبوت العقائد بالدليل الظني أو إفادة خبر الواحد العلم. فإن من المبعوثين معاذ بن جبل وقد قال له النبي ﷺ : «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ... » الحديث (٤). قلت: الأمر بالشهادتين قد تواتر عند الكل ولم يكن عندهم ريب في أن ذلك مأمور به من رسول الله ﷺ . وإنما أمر مُعَاذًا بالدعوة إليه أولاً. لأن دعوة الكفار إليه أمر حتم أو سُنَّةٌ. ولأنه يحتمل أن يؤمنوا فيثاب ثوابًا عظيمًا (٥). ... واستدل الروافض ومن وافقهم: بأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن. وكل ما كان كذلك يمتنع العمل به، لأن الله تعالى قد نهى عن اتباع الظن وذمه في قوله: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٦) وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ
следующие страницы →