← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37826

الرد على من ينكر حجية السنة

عبد الغني عبد الخالق

Полный текст (107 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ويدل على الوقوع أدلة كثيرة. نذكر لك أهمها: الدليل الأول: خبر الواحد العدل يفيد غلبة الظن بأن ما اشتمل عليه هو حكم الله تعالى. فيجب العمل به قَطْعًا كظاهر الكتاب. وبيان أنه يفيد غلبة الظن المذكورة أنا قد بينا - بالأدلة التي لا تقبل الإنكار ولا الشك ولا الوهم - أن السُنَّةَ من حيث ذاتها حُجَّةٌ يجب العمل بها قَطْعًا. فالسنة المقطوع بها ملزومة ووجوب العمل بها قَطْعًا لازم. ووجوب العمل قَطْعًا يستلزم أن المعمول به حكم الله قَطْعًا، إذ لا يجب العمل إلا بحكم الله اتفاقًا، ولازم لازم الشيء لازم الشيء. فالسنة المقطوع بها ملزومة، وكون ما اشتملت عليه من الأحكام حكم الله قَطْعًا لازم. وكما أن القطع باللزوم يوجب القطع باللازم فظن الملزوم يوجب ظن اللازم. وخبر الواحد العدل يفيد ظن الملزوم - وهو أن المخبر به سُنَّةٌ - فيجب أن يفيد ظن اللازم. وهو كون ما اشتمل عليه من الأحكام حكم الله تعالى. وهذا الدليل قد انفرد بذكره صاحب " المُسَلَّمِ " ونقحه شارحه إلا أن الشارح اعترض عليه وأجاب. حيث قال (١): «فإن قلت: لا نسلم أن مطلق المظنونية ملزوم وجوب العمل قَطْعًا. بل المظنونية التي حدثت من قطعي المتن كظاهر الكتاب. قلت: الفرق تحكم، فإن مظنونية المتن إنما تحدث الظن في كون الثابت به حكم الله تعالى. ومثله ظاهر الكتاب. فهذه المظنونية إن أوجبت هناك توجب هنا اَيْضًا». اهـ. على أنا نقول: إن من يريد أن يعتمد في استنباط الأحكام على القرآن وحده، ويترك ما جاء في السنة من المعاني الشرعية والأخبار المفسرة للمراد من ألفاظه لا مفر له من ظنية الطريق في اجتهاده وفهم معاني القرآن على حسب ما وضعته العرب. وذلك لأن ألفاظه المشتملة على الأحكام لو فرضنا أنها مستعملة في معانيها

стр. 37

اللغوية - دون المعاني التي اصطلح الشارع عليها وأرادها منها - لا تدل على هذه المعاني اللغوية إلا بواسطة أوضاع العرب له. إذ ليست دلالتها عليها دلالة عقلية محضة. والعقل لا يستقل بمعرفة هذه الأوضاع، ولا يولد المرء عَالِمًا بها، بل إنما يتعلمها بواسطة النقل عن غيره. وأكثر معاني الألفاظ منقولة إلينا بطريق الآحَادِ سَمَاعًا أَوْ فِي الكُتُبِ. والمعنى المشتهر أو المتواتر في الأعصر الأخيرة هو في الغالب آحادي الأصل، يرجع إلى نقل فرد واحد مثل الأصمعي أو أبي عبيدة، وقد يستنبطه الواحد منهم من بيت رجل مثل أبي نواس وبشار وعمر بن أبي ربيعة ممن اشتهر بالمجون والفسق والاختلاق والكذب. فالقرآن - وإن كان مقطوعًا بلفظه - ففهم معانيه إذا ما تركنا مساعدة السنة يعتمد على ظنية طريق وضع اللفظ لمعناه اللغوي. وهذه الظنية - إن سلمنا نسبتها إلى الظن - أضعف بكثير من ظنية طريق السنة التي تفسر المعاني التي أرادها رب العالمين والحاكم على عباده ومن القرآن كلامه. والتي أنزلها على المعصوم عن الكذب ونقلها عنه الثقات الأتقياء المتمسكون بدينهم المخلصون له. فأين مثل الصحابة والزهري ومالك والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم ﵃ من نقلة اللغة مثل خلف الأحمر الذي قيل فيه ما قيل. ومثله في الاشتهار بالكذب والاختلاق كثير كانوا يقصدون بمباحثهم اللغوية الدنيا والشهرة والتقرب من الحكام والتملق إليهم. فلا يمنع الواحد منهم دينه وخوفه من ربه أن يفسر اللفظ بتفسير من عنده، وأن يختلق البيت من الشعر وينسبه إلى امرئ القيس ونحوه ليدعم به دعواه على ما هو مشهور عنهم. ولذلك كثر الاضطراب والاختلاق في معاني الألفاظ اللغوية. فأين الأولون الثقات الورعون المخلصون لدينهم القاصدون وجه ربهم من الآخرين الذين هذا شأنهم؟ فَأَيْنَ الثُّرَيَّا وَأَيْنَ الثَّرَى * ... * ... * وَأَيْنَ مُعَاوِيَةُ مِنْ عَلِيٍّ (١).

стр. 38

لعمر الحق إن طريق المحدثين خير وأوجب للظن، وأسلم في العاقبة، وأهدأ للضمير إن صح أن يكون هناك مقارنة وتفضيل بين الطريقين. ثم إذا كان لا بد لنا من الاعتماد على ما نقل عن العرب فالنبي ﷺ الذي هو أفصح العرب وأبلغهم، وصحابته المهتدون بهديه أولى بالاعتماد على ما يقولون في تفسير كلام الله، من باقي العرب الذين كانوا يقولون أشعارهم وأحاديثهم وهم سكارى في مجالس النساء والولدان واللهو والفسق. هذا كلام ظاهر البيان. ولكن الهوى والشيطان قد يعميان الإنسان. ... ولنرجع إلى أصل الدليل فنقول: إن للخصم أن يقول: إن هذا قياس أصولي وأنا لا أرى حجيته، على أنه إن سلمنا حجيته فهو إنما يفيد الظن والمسألة قطعية. ولو جعل صاحب " المُسَلَّمِ " هذا الدليل قياسًا منطقيًا، هكذا: «ما اشتمل عليه خبر الواحد العدل يغلب على ظن المجتهد أنه حكم الله تعالى، وكل ما كان كذلك يجب العمل به قطعا». واستدل على الصغرى بنحو ما تقدم في ثبوت بيان العلة في الفرع، وعلى الكبرى بإجماعهم على وجوب العمل بما يغلب على ظن المجتهد - كما ذكروه في تعريف الفقه وحكاه الشافعي في " الرسالة " والغزالي في " المستصفى " (١) - لسلم من الاعتراضين. ...

стр. 39

الدليل الثاني: إجماع الصحابة ﵃ على وجوب العمل بخبر الواحد العدل وفيهم عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ -. وذلك في وقائع شتى لا تنحصر آحادها إن لم تتواتر فالقدر المشترك منها متواتر. ولو أردنا استيعابها لطالت الأنفاس وانتهى القرطاس. وقد ذكرنا بعضها فيما سبق. فلا وجه لتعدادها، إذ نحن على قطع بالقدر المشترك منها وهو رجوع الصحابة إلى خبر الواحد إذا نزلت بهم المعضلات واستكشافهم عن أخبار النبي ﷺ عند وقوع الحادثات. وإذا روي لهم حديث أسرعوا إلى العمل به من غير نكير في ذلك كله. فهذا ما لا سبيل إلى جحده ولا إلى حصر الأمر فيه واستقصائه. فإن قيل: لئن ثبت عنهم العمل بأخبار الآحاد فقد ثبت عنهم ردها. فهذا أبو بكر قد رد خبر المغيرة في ميراث الجدة حتى رواه ابن مسلمة. وعمر أنكر خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان حتى رواه أبو سعيد الخُدري، وَعَلِيٌّ أنكر خبر معقل بن سنان في المفوضة وكان يحلف غير أبي بكر. وعائشة أنكرت خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله (١). أجيب: بأنهم إنما توقفوا عند الريبة في صدق الراوي أو حفظه لا لأن الخبر من الآحاد. ألا ترى أنهم عملوا بعد انضمام رَاوٍ آخر أو الحلف؟ والخبر على كلتا الحالتين لا يزال خبر آحاد. (٢) والخصم إذا أنكر وقوع التعبد بخبر الواحد ينكر خبر الاثنين وخبر الواحد مع اليمين ... فعمل أبي بكر وعمر وَعَلِيٌّ حُجَّةٌ عَلَيْهِ. ونحن إذا قلنا بقبول خبر الواحد فإنما نقبله عند عدم الريبة وعند السلامة من معارض أو قادح. الدليل الثالث: أنه قد تواتر: أن رسول الله ﷺ كان يرسل الرُّسُلَ لتبليغ الأحكام وتفصيل الحلال والحرام. وربما كان يصحبهم الكتب. وكان نقلهم أوامر

стр. 40

رسول الله ﷺ على سبيل الآحاد. ولم تكن العصمة لازمة لهم بل كان خبرهم في مظنة الظنون فلولا أن الآحاد حجة لما أفاد التبليغ بل يصير تضليلاً (١). فإن قيل: إن النزاع في وجوب عمل المجتهد. والمبعوث إليهم يجوز أن يكونوا مقلدين (٢) أجيب: بأنه معلوم بالتواتر أنه ﷺ في تبليغ الأحكام إلى الصحابة المجتهدين ما كان يفتقر إلى عدد التواتر بل يكتفي بالآحاد (٣). فإن قلت: لو تم هذا الدليل لزم ثبوت العقائد بالدليل الظني أو إفادة خبر الواحد العلم. فإن من المبعوثين معاذ بن جبل وقد قال له النبي ﷺ : «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ... » الحديث (٤). قلت: الأمر بالشهادتين قد تواتر عند الكل ولم يكن عندهم ريب في أن ذلك مأمور به من رسول الله ﷺ . وإنما أمر مُعَاذًا بالدعوة إليه أولاً. لأن دعوة الكفار إليه أمر حتم أو سُنَّةٌ. ولأنه يحتمل أن يؤمنوا فيثاب ثوابًا عظيمًا (٥). ... واستدل الروافض ومن وافقهم: بأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن. وكل ما كان كذلك يمتنع العمل به، لأن الله تعالى قد نهى عن اتباع الظن وذمه في قوله: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٦) وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ

стр. 41

لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (١). والنهي والذم يدلان على الحرمة (٢). ... والجواب (أولاً): أن المسألة قطعية والآيتين ظنيتان. لأنهما من قبيل العام وهو ظني الدلالة عندكم وإن لم يدخله التخصيص. ولو ذهبتم مذهب الحنفية من أنه قطعي إذا لم يدخله التخصيص لم يفدكم اَيْضًا. لأنه قطعي بالمعنى الأعم وهو ما لا يحتمل احتمالاً ناشئًا عن دليل والمسألة قطعية بالمعنى الأخص وهو ما لا يحتمل احتمالاً ما، لا ناشئًا عن دليل ولا غير ناشئ. فلا يصح الاستدلال بالآيتين على فرض قطيعتهما بالمعنى الأعم على ما هو قطعي بالمعنى الأخص. إذ لا زال الاحتمال يطرقهما فلا يثبت بهما ما لا احتمال فيه أصلاً. وثانيًا: أنه لو صح أن الآيتين يبطلان العمل بالظن لأدى ذلك إلى بطلان العمل بظاهر الكتاب، فإنه عمل بالظن , وهو باطل إجماعًا. بل نقول: إن من ظاهر الكتاب هاتين الآيتين، فإذا أبطلا العمل بظاهر الكتاب فقد رجعا على نفسيهما بالبطلان فلم يصح الاستدلال بهما. وثالثًا: أن تحريم العمل بالظن المدلول عليه بالآيتين مخصوص بالعقائد وأصول الدين. كوحدانية الله. وذلك لأن واجب الاعتبار في العمليات والمسائل الفقهية بالدلائل القاطعة المتقدمة. فوجب التخصيص بما تقدم. رابعًا: أنا لا نسلم أن الآيتين تدلان على تحريم العمل بالظن بالنسبة إلينا، فإن الآية الأولى خطاب لرسول الله ﷺ . ولا يلزم من حرمة اتباعه الظن مع كونه قادرًا على تحصيل اليقين بانتظار الوحي الحرمة لنا مع عدم قدرتنا على تحصيل اليقين. وأيضًا يحتمل أن يراد بالعلم فيها مطلق التصديق الشامل للظن، فإن إطلاق

стр. 42

العلم عليه شائع. فيكون المعنى: ولا تقف ما شككت فيه أو توهمته أو جهلته. وأيضًا يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ما يكون خلافه معلومًا لك. فلا يشمل الظن لأنه لا يعلم خلافه وإنما يتوهم. وأما الآية الثانية فليس الذم فيها على اتباعهم الظن في بعض الأوقات , بل على انحصار حالهم في اتباع الظن وأنهم لا يتبعون علمًا ما. ولا شك أنه مذموم لأن فيه ترك ما هو معلوم قطعًا. ... الحِكْمَةُ فِي أَمْرِهِ ﷺ بِكِتَابَةِ القُرْآنِ وَحْدَهُ: فإن قال قائل: إذا كان أمر النبي ﷺ بكتابة القرآن ليس منشؤه حجيته ولا أن الكتابة مفيدة للقطع، فما الحكمة إذن في هذا الأمر؟ وما الحكمة في أنه لم يأمر بكتابة السُنَّةِ؟. قلت: الحكمة في أمره بكتابة القرآن هي بيان ترتيب الآيات ووضع بعضها بجانب بعض، فإنه بالاتفاق بين العلماء توقيفي نزل به جبريل في آخر زمنه ﷺ . وقد كان القرآن ينزل من قبل نُجُومًا على حسب الوقائع. وبيان ترتيب السور، فإنه اَيْضًا توقيفي على الراجح، وزيادة التأكيد، فإنا لا ننكر أن الكتابة طريق من طرق الإثبات وهي وإن كانت أضعف من السماع - فضلاً عن التواتر اللفظي - إذا انضمت إلى ما هو أقوى منها في الإثبات زادته قوة على قوة. وإنما احتيج إلى زيادة التأكيد في القرآن لكونه كتاب الله تعالى وأعظم معجزة لسيدنا محمد ﷺ المبعوث إلى الخلق كافة إلى يوم القيامة. ولكونه المعجزة الباقية من بين سائر معجزاته إلى يوم الدين. لتكون للمتأخرين دليلاً ساطعًا على نبوته وبرهانًا قاطعًا على رسالته. ولكونه أساس الشريعة الإسلامية وإليه ترجع سائر الأدلة الشرعية في ثبوت اعتبارها في نظر الشارع. وثبتت به جميع العقائد الدينية التي لا بد منها

стр. 43

وأمهات الأحكام الفرعية. ويترتب على ضياعه ضياع هذه الأمور كلها وتقويض الشريعة جميعًا. ولكونه قد تعبدنا الله بتلاوة لفظه في الصلاة وغيرها ولم يجز لنا أن نبدل حَرْفًا منه بحرف آخر. فلكون القرآن مشتملاً على هذه الأمور الجليلة العظيمة الخطر اهتم الشارع بأمره أعظم اهتمام وأحاطه بعناية أجل إحاطة، فأثبته للناس إلى يوم الدين بجميع الطرق الممكنة التي يتأتى بها الإثبات قويها وضعيفها، جليلها وحقيرها. للمحافظة على لفظه ونظمه. وليتأكد عند الناس ثبوته تمام التأكيد. كما أنه قد حافظ على معناه بِالسُنَّةِ المُبَيِّنَةِ لَهُ الدافعة لعبث العابثين به. ولما لم تكن السنة بهذه المثابة فلا ترتيب بين الأحاديث بعضها مع بعض. وليست بمعجزة ولم يتعبدنا الله بتلاوة لفظها. وأجاز لنا أن نغيره ما دامت المحافظة على المعنى متحققة. حيث إن المقصود من السُنَّةِ بيان الكتاب وشرح الأحكام. وهذا المقصود يكفي فيه فهم المعنى والتأكد منه سواء أكان بنفس اللفظ الصادر عن رسول الله أم بغيره. ولما كان القرآن يغنينا في إثبات حجية سائر الأدلة وإثبات العقائد الدينية وأمهات الأحكام الفرعية، لما كان الأمر كذلك لم يعطها الشارع هذه العناية وهذا الاهتمام، واكتفى بقيام دليل واحد على ثبوتها، فإن اجتمعت الطرق كلها على ثبوت شيء منها فلا بأس. هذا كله مع ملاحظة الفرق الشاسع بين حجم القرآن وحجم السنة التي من وظيفتها الشرح والبيان له. وعادة الشرح أن يكون أكبر حجما من المشروح. وما كان صغير الحجم أمكن في العادة نقله بجميع الطرق. بخلاف كبيره: فإنه من المتعذر تحصيل جميع الطرق فيه خصوصًا من أمة أمية كالعرب. وخصوصا إذا لاحظنا أن السنة قول أو فعل أو تقرير منه ﷺ . وليس من اللازم بل ولا من الممكن أن يجتمع معه ﷺ في كل أحواله جمع من الصحابة يمكنهم الكتابة ويؤمن تواطؤهم على الكذب. فيؤدون كل ما يسمعون ويشاهدون إلى من بعدهم أو من غاب عنهم بجميع الطرق من تواتر لفظي وكتابة. بل قد يصدر قوله أو فعله أمام صحابي واحد

стр. 44

أمي ولا يتكرر ذلك منه فيما بعد. بخلاف القرآن: فإن الآية منه أو السورة كان يقرأها النبي ﷺ أمام أقوام مختلفة منهم الكاتبون ومنهم الأميون. ويتكرر ذلك منه وفي أزمنة وأمكنة مختلفة بعبارة واحدة لا تغيير فيها ولا تبديل. فمن ذلك كله يتأتى وجود جميع طرق النقل فيه. ... لاَ يَدُلُّ نَهْيُهُ ﷺ عَنْ كِتَابَةِ السُنَّةِ عَلَى عَدَمِ حُجِّيَّتِهَا: فإن قال قائل: لو كان الأمر قد اقتصر على أن لا يأمر النبي ﷺ بكتابة السُنَّةِ لكان فيما ذكرته مقنع لنا ومدفع لشبهتنا. لكن الأمر لم يقتصر على ذلك. بل تعداه إلى نهيه عن كتابتها وأمره بمحو ما كتب منها. وذلك يدلنا على رغبته في عدم نقلها إلى من بعده، وتلك الرغبة تستلزم عدم حُجِّيَّتِهَا، إذ لو كانت حجة لما منع من نقلها بأي طريق من طرق النقل. قلت: لا يجوز بأي حال أن يكون نهيه عن الكتابة دليلاً على رغبته في عدم نقلها وعلى عدم حُجِّيَّتِهَا. لما بيناه لك فيما سبق من أن الكتابة ليست من لوازم الحُجِّيَّةِ. ومن أنها لا تفيد القطع ومن أنه ليس من الضروري في الحُجَّةِ أن تثبت بطريق قطعي على تسليم أن الكتابة تفيد القطع. وكيف نهيه ﷺ دليلا على عدم الحُجِّيَّةِ والنبي ﷺ عقب هذا النهي مباشرة يأمر أصحابه بالتحديث عنه الذي هو أبلغ في النقل وأقوى على ما علمت. وفي الوقت نفسه يتوعد من يكذب عليه متعمدًا أشد الوعيد كما في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه " مسلم ". ويقول فيما رواه " البخاري " و " مسلم " عن أبي بكرة: «لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ» , وفيما رواه أحمد عن زيد بن ثابت: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ». وفيما رواه الترمذي عن ابن مسعود: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا [سَمِعَ]، فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ». وفيما رواه أحمد عن جُبَيْرِ

стр. 45

ابْنِ مُطْعِمٍ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي، فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، [فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لاَ فِقْهَ لَهُ]، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ». وفيما رواه البخاري من قوله ﷺ لوفد عبد القيس - بعد أن أمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: «احْفَظُوهُ [وَأَخْبِرُوهُ] مَنْ وَرَاءَكُمْ». ويقول فيما رواه الشافعي وغيره عن أبي رافع: «لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ , يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِي، مِمَّا نَهَيْتُ عَنْهُ أو أَمَرْتُ بِهِ فَيَقُولُ: " لاَ نَدْرِي! مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللهِ اتَّبَعْنَاهُ». وما إلى ذلك من الأحاديث التي ذكرناها في أدلة الحُجِّيَةِ. أليس الأمر بالتحديث والتبليغ والحفظ، والإيعاد على الكذب عليه أشد الوعيد، والنهي عن عدم الأخذ بالسنة دليلاً على أن السنة لها شأن خطير وفائدة جليلة للسامع والمبلغ؟ فما هذه الفائدة وما هذا الشأن العظيم؟ أليس هو أنها حجة في الدين وبيان للأحكام الشرعية. كما يدل عليه تعقيبه ﷺ الأمر بالتبليغ - في الروايات السابقة - بقوله: «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لاَ فِقْهَ لَهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ [إِلَى مَنْ هُوَ] أَفْقَهُ مِنْهُ» ونحو هذه المقالة. ألا يشعرك هذا القول أن القصد من تبليغ السامع الحديث لمن بعده، أن يأخذ الغائب ما اشتمل عليه الحديث من فقه وحكم شرعي؟ وهل يكون ذلك إلا إذا كان الحديث حُجَّةً ودليلاً تثبت به الأحكام التي تضمنها؟ وهل يصح أن يذهب من عنده ذرة من عقل وإيمان إلى أن أمره ﷺ بالتحديث والتبليغ إنما كان لمجرد التسلية والمسامرة في المجالس كما يفعل تواريخ الملوك والأمراء؟ كَلاَّ: فإن النبي ﷺ أجل وأعظم وأشد عصمة من أن يأمر أمته بما لا فائدة فيه وبما هو مدعاة للهوهم وعبثهم. وإليك ما قَالَ الشَّافِعِيُّ - تعليقًا على حديث ابن مسعود المتقدم - مما فيه تأييد لما ذكرنا لك: قال ﵁ (١): «فَلَمَّا نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى اسْتِمَاعِ مَقَالَتِهِ

стр. 46

وَحِفْظِهَا وَأَدَائِهَا امْرَأً يُؤَدِّيهَا، وَالامْرُؤُ وَاحِدٌ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ لاَ يَأْمُرُ أَنْ يُؤَدَّى عَنْهُ إِلاَّ مَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ أُدِّيَ إِلَيْهِ , لأَنَّهُ إِنَّمَا يُؤَدَّى عَنْهُ حَلاَلٌ يُؤْتَى , وَحَرَامٌ يُجْتَنَبُ , وَحَدٌّ يُقَامُ , وَمَالٌ يُؤْخَذُ وَيُعْطَى , وَنَصِيحَةٌ فِي دَيْنٍ وَدُنْيَا. وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَحْمِلُ الفِقْهَ غَيْرُ فَقِيهٍ».اهـ. ثم نقول: لم كان الكذب على رسول الله ﷺ بخصوصه فاحشة عظيمة وموبقة كبيرة مستحقًا عليها هذا الوعيد الشديد. بخلاف الكذب على غيره: فإنه مع حرمته ليس بهذه المثابة. إذا لو كان مساويًا له لما كان هناك حكمة في النص على الكذب على نفسه بخصوصه مع دخوله في عموم الكذب المعلومة حرمته للجميع. لا شك في أنه إنما نص على خصوص الكذب عليه وخصه بهذا الوعيد الشديد: لأنه مستلزم لتبديل الأحكام الشرعية واعتقاد الحلال حرامًا والحرام حلالاً. وهذا الاستلزام لم يتفرع إلا عن حُجِّيَّةِ السُنَّةِ وأنها تدل على الأحكام الشرعية. وإذا أردت أن تتحقق مما قلناه فعليك بما رواه الشيخان عن المغيرة أنه ﷺ قال: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». ثم انظر إلى ما رواه " مسلم " عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ، وَلاَ آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ، لاَ يُضِلُّونَكُمْ، وَلاَ يَفْتِنُونَكُمْ». وأخبرني بربك إذا لم يكن الحديث عن رسول الله ﷺ حجة فعلام هذا التحذير من الأحاديث المكذوبة عنه؟ ولم يحصل بها الضلال والفتنة؟ ولو كان المقصود من التحديث بأحاديث رسول الله ﷺ مجرد التسلية واللهو كرواية الأشعار وأخبار العرب وغيرهم أفلا يستوي الصادق منها والكاذب في هذا المعنى؟ ولو كان هناك فرق بينهما أفيستحق هذا الفرق التحذير الشديد من الضلال والفتنة؟ كَلاَّ. وبالجملة: فكل ما نقلناه لك من هذه الأحاديث ونحوها ينادي أن السُنَّةَ

стр. 47

حجة. وهو بمثابة التصريح من الرسول ﷺ بذلك عند من له سمع يسمع وعقل يدرك وهو في الوقت نفسه صريح في رغبته ﷺ في نقل السُنَّةِ والمحافظة عليها. فكيف مع هذا يزعم زاعم أن نهيه عن كتابتها دليل على رغبته في عدم نقلها والمحافظة عليها وعلى عدم حجيتها ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَمَا أَنْتَ بِهَادِ (*) الْعُمْيِ عَنْ ضَلاَلَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١)؟. ... الحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنْ كِتَابَةِ السُنَّةِ: فإن قيل: قد أبنت فيما سبق الحكمة في الأمر بكتابة القرآن وعدم الأمر بكتابة السُنَّةِ ولكن ما ذكرته في ذلك لا يستلزم النهي عن كتابتها، إذ كونها غير معجزة، وغير مُتَعَبَّدٍ بِتِلاَوَتِهَا، وكونها شارحة للقرآن، مُبَيِّنَةٍ للمراد منه، كل ذلك لا يكون باعثًا على هذا النهي وإنما يصلح حكمة لترك الصحابة وشأنهم في كتابتها وعدم كتابتها. ثم إنك قد أبنت (اَيْضًا) أنه لا يصح أن يكون عدم حجيتها باعثًا على هذا النهي، لما تقرر من حجيتها. فلا بد وأن يكون هناك باعث آخر عليه، فلتبين لنا ما هو؟ قلت: للعلماء في بيان حكمة هذا النهي، أقوال: القول الأول: أنه نهاهم عن كتابتها خشية اختلاطها بالقرآن، واشتباهه بها (٢). فإن قيل: لا ضرر من هذا الاشتباه، حيث إن كُلاًّ منهما حجة مفيدة للأحكام الشرعية، ويكفينا في إثبات الحكم الشرعي أن يكون اللفظ صَادِرًا عن الرسول

стр. 48

سواء أكان قرآنًا أم سُنَّةً، والمهم أنه لا يخرج عن أحدهما (١). قلت: إن القرآن قد امتاز عن السنة بأشياء كالتعبد بتلاوته، ودلالته على الرسالة بإعجازه دلالة باقية إلى يوم القيامة. فهو - وإن شارك السنة في الحُجِّيَةِ - يجب تمييزه عنها: لهذه الأمور التي امتاز بها. فإن قيل: إن إعجازه كاف في تمييزه عنها (٢) فلا حاجة إلى التمييز بخصوص الكتابة. قلت: إعجازه إنما يدركه أساطين البلغاء من العرب أيام أن كانت بلاغة العرب في أوجها. وذلك في عصره ﷺ والأعصر القريبة منه. فأما غير البلغاء منهم في هذه الأعصر - وهم الأكثرون - وجميع العرب فيما وبعد ذلك، وجميع الأعاجم والمستعربين في جميع العصور فلا يمكنهم تغييره عن السُنَّةِ، خُصُوصًا إذا لاحظنا: أن السنة القولية كلام أفصح العرب وأبلغهم، وأنها تكاد تقرب من درجة القرآن في البلاغة. ولا يستطيع أن يقف موقف المميز بينهما إلا من كان من فرسان البلاغة والبيان، وممن يشار إليهم بالبنان. ولا يتمكن غير البلغاء (اَيْضًا) من إدراك إعجاز القرآن بأنفسهم، وإنما يدركونه: بواسطة عجز من تحداهم النبي ﷺ : من أساطين البلاغة، وأمراء الفصاحة - عن الإتيان بأقصر سورة منه. وإذا ما ثبت إعجازه: ثبتت لهم رسالته ﷺ ، وإذا ثبتت رسالته: ثبت صدقه في إخباره أن هذه السورة، أو هذه الآية، أو هذه الكلمة، أو هذا الحرف من القرآن , فبهذا الإخبار: يتميز لجميع الأمة عربيها وأعجميها بليغها وغير بليغها - القرآن من غيره

стр. 49

ولما كان هذا الإخبار لا يحصل لكل الأمة بالضرورة، بل إنما يحصل لبعض من في عصره ﷺ ، وكان يخشى على هؤلاء السامعين، قبل استقراره في القلوب وشيوعه بين الناس الاشتباه بطول الزمن وعدم تمام الحفظ للفظه - خصوصًا الاشتباه في الآية الواحدة، والكلمة الواحدة، والحرف الواحد - حرص النبي ﷺ أشد الحرص على تمييزه جميعه بالكتابة عن سائر ما يصدر عنه، وتخصيصه بها إلى أن يطمئن إلى كمال تميزه عن غيره عند سائر الناس، وإلى استقراره في القلوب وشيوعه بين الناس، وإلى أنه إذا أخطأ فرد من الأمة - فخلط بينه وبين غيره - رده سائر الأمة أو القوم الذين يؤمن تواطؤهم على الكذب إلى الصواب. ولذلك لما اطمأن النبي ﷺ إلى تميزه تمام التميز أذن في كتابة السنة. كما سيأتي. ... القول الثاني: أنه نهي عن كتابتها خوف اتكالهم على الكتابة، وإهمالهم للحفظ الذي هو طبيعتهم وسجيتهم وبذلك تضعف فيهم ملكته (١). ولا يخفى عليك ما في الاتكال على الكتابة، وإهمال الحفظ من ضياع العلم، وذهاب الفهم. على ما علمت بيانه فيما سبق: (٢) ولذلك: كان النهي خَاصًّا بمن كان قوي الحفظ، آمنًا من النسيان (٣)، فأما من كان ضعيفه: فقد كان يجيز له الكتاب كما سيأتي في أبي شاه. وكذلك أجاز كتابتها لمن قوي حفظه، لما كثرت جِدًّا، وفاتت الحصر والعد، وضعفت عن حفظ جميعها. كما حصل لعبد الله بن عمرو.

стр. 50

فإن قيل: إن خوف الاتكال على الكتابة - الذي يضعف معه الحفظ، ويذهب به العلم - متحقق اَيْضًا بالنسبة للقرآن، فلم لم يكن بَاعِثًا على النهي عن كتابته اَيْضًا؟. قلت: هناك أسباب أخرى بالنسبة للقرآن عارضت هذه الحكمة، واستدعت الأمر بكتابته، بل تقوت على هذه الحكمة، وتغلبت عليها، وأبطلت مفعولها وما ينشأ عنها من الضرر إذا كتب القرآن، وهذه الأسباب هي ما علمته من التعبد بتلاوته وإعجازه، وغير ذلك مما سبق، وقد علمت وجه استدعائها للأمر بكتابته. أما وجه إزالتها للضرر الناشئ عن الكتابة فهو أن التعبد بالقرآن يتطلب من المكلف حفظه وإن كتبه وإعجازه وسلاسة نظمه، وغرابة أسلوبه كل هذه الأشياء تغري كاتبه على الحفظ، وتحمله عليه. ... القول الثالث: أن العارفين بالكتابة كانوا في صدر الإسلام قليلين، فاقتضت الحكمة قصر مجهودهم على كتابة القرآن، وعدم اشتغالهم بكتابة غيره. تقديمًا للأهم على المهم (١). ولذلك لما توافر عددهم أذن ﷺ في كتابة الحديث. كما حدث لعبد الله بن عمرو، وكما حدث في مرض وفاته من همه بالكتابة. كما سيأتي. القول الرابع: أنه نهاهم خشية الغلط فيما يكتبون من السُنَّةِ لضعفهم في الكتابة، وعدم إتقانهم لها وإصابتهم في التهجي (٢).

стр. 51

وعلى هذا: فالذين نهاهم كانوا لا يحسنون الكتابة. فأما من كان يحسنها: فقد أذن له، كما حصل لعبد الله بن عمرو. لكن يرد على هذا القول: أن العمدة - في ثبوت النهي - حديث أبي سعيد الخدري، والمتبادر منه: أنه أجاز كتابة القرآن لمن نهاه عن كتابة السنة فلو كانت علة النهي خوف الخطأ في الكتابة، فكيف يجيز لهم كتابة القرآن؟ اللهم إلا أن يثبت خلاف هذا المتبادر. ... ثُبُوتُ إِذْنِهِ ﷺ بِكِتَابَةِ السُنَّةِ: ثم إنه مما يذهب بالشبهة ويقوضها من أساسها، ثبوت إذنه ﷺ بكتابة السُنَّةِ: لقد روى ابن عبد البر (١) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، [أُقَيِّدُ] الْعِلْمَ؟»، قَالَ: «قَيِّدُوا الْعِلْمَ» قَالَ عَطَاءٌ: «وَمَا تَقْيِيدُ الْعِلْمِ؟»، قَالَ: [الْكِتَابُ] (*). وفي رواية أخرى (٢): فقال له: «يا رسول الله، وما تقييده؟ قال: الكتاب ". ورواه ابن قتيبة (٣) (اَيْضًا) من طريق ابن جريج، عن عطاء، والمراد من «الْعِلْمِ»: خصوص الحديث (٤). وروى أحمد من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو أنه قال: " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُرِيدُ (**) حِفْظَهُ،

стр. 52

فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: «اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنِّي إِلاَّ حَقٌّ». ورواه ابن عبد البر (١) - من هذا الطريق اَيْضًا - مختصرًا، بلفظ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكْتُبُ كُلَّ مَا أَسْمَعُ مِنْكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قُلْتُ: فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، فَإِنِّي لاَ أَقُولُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلاَّ حَقًّا». ... فإن قيل: «إن طريقي ابن المؤمل وابن شعيب لا يصح الاحتجاج بهما» فابن المؤمل قال فيه ابن معين والنسائي والدارقطني والمنذري: هو ضعيف. وقال أبو حاتم وأبو زُرعة: ليس بقوي. وروي عن ابن معين اَيْضًا أنه قال: ليس به بأس، عامة حديثه منكر، وقال أحمد: أحاديثه مناكير. وقال ابن عدي: عامة حديثه الضعف عليه بَيِّنٌ. وابن شعيب قال فيه أبو داود - حين سئل: عمرو عن أبيه عن جده حجة؟ -: لا، ولا نصف حجة. وقال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أهل الحديث إذا شاؤا احتجوا بعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وإذا شاؤا تركوه. يعني لترددهم في شأنه. وقال عبد الملك الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، له أشياء مناكير، وإنما نكتب حديثه لنعتبر به. فأما أن يكون حجة: فلا، وقال يحيى بن سعيد القطان: حديث عمرو بن شعيب عندنا واه. وروى عباس عن ابن معين أنه قال: إذا حدث عن أبيه، عن جده: فهو كتاب، (فمن ههنا جاء ضعفه) وإذا حدث عن سعيد أو سليمان بن يسار أو عُروة: فهو ثقة، أو نحو هذا. وقال ابن أبي شيبة: سألت ابن المديني عن عمرو بن شعيب فقال: ما روى عنه أيوب وابن جريج فذلك كله صحيح، وما روى عمرو، عن أبيه، عن جده فإنما هو كتاب وجده، فهو ضعيف. اهـ. ولم يحتج بهذا الطريق إلا بعض المتأخرين وهو تساهل منهم - ولا طريق

стр. 53

ثالثة (فيما نظن) لهذا الحديث فهو: غير صحيح» (١). قلنا: أما ابن المؤمل فقد قال فيه (اَيْضًا) ابن سعد: هو ثقة. وصحح له ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما، ووثقه ابن معين في روايتين وضعفه في رواية (٢). فها أنت ترى أنهم قد اختلفوا في تجريحه ولم يجمعوا عليه، وأن بعض من جرحه لم يترك أحاديثه بالكلية، بل أخذ منها وترك. ثم إنه يقوي روايته لهذا الحديث بخصوصه، رواية ابن عبد البر (٣) والذهبي (٤) له من طريق عبد الحميد بن سليمان، عن عبد الله بن المثنى، عن ثمامة، عن أنس مرفوعا، بلفظ: «قيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ». ولا يؤثر في ذلك تضعيف ابن معين وابن المديني والنسائي والدارقطني، لعبد الحميد، فقد وثقه أبو داود وغيره، ويقوي حديث أنس رواية الحكيم الترمذي وسمويه له عنه مرفوعًا اَيْضًا. ... وأما ابن شعيب فقد قال فيه اَيْضًا (الذهبي) (٥): هو «أَحَدُ عُلَمَاءُ زَمَانِهِ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَابْنُ رَاهَوَيْهِ وَصَالِحُ جَزَرَةٌ». اهـ. وقال الأوزاعي: «مَا رَأَيْتُ قُرَشِيًّا أَكْمَلَ مِنْ عَمْرُو بْنَ شُعَيْبٍ» وقال: «حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنَ شُعَيْبٍ وَمَكْحُولٌ جَالِسٌ». اهـ. وقال إِسْحَاقُ بْنِ رَاهَوَيْهِ: «عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ كَأَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ». اهـ. وقال أبو حاتم: «عَمْرُو عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ

стр. 54

أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ» وَقَالَ: «سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ عَنْ عَمْرُو بْنَ شُعَيْبٍ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُهُ -؟». وَغَضِبَ - وَقَالَ: «مَا أَقُولُ فِيهِ؟ قَدْ رَوَى عَنْهُ الأَئِمَّةَ». اهـ. وروى عباس ومعاوية بن صالح عن ابن معين اَيْضًا، أنه قال: «ثِقَةٌ» وروى الكوسج عنه أنه قال: «يُكْتَبُ حَدِيثُهُ». اهـ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: «وَعَامَّةُ [هَذِهِ] المَنَاكِيرِ الَّتِي تُرْوَى عَنْهُ، إِنَّمَا هِيَ عَنِ المُثَنَّى بْنِِ الصَّبَّاحِ وَابْنِ لَهِيْعَةَ, [وَالضُّعُفَاءِ]، [وَهُوَ ثِقَةٌ فِي نَفْسِهِ]». اهـ. وقال يحيى القطان: «إِذَا رَوَى عَنْ ثِقَةٍ فَهُوَ حُجَّةٌ». اهـ. (١) وما نقل عن أحمد: مما يفيد عدم احتجاجه به - إِنْ صَحَّ - فإنما نشأ عن تردد - لا عن يقين - ثم زال تردده وقال بحجيته. يدل على التردد قول الأثرم: «سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ عَمْرٍو بْنَ شُعَيْبٍ، فَقَالَ: رُبَّمَا اِحْتَجَجْنَا بِحَدِيثِهِ، وَرُبَّمَا وَجَسَ فِي القَلْبِ مِنْهُ» (٢). اهـ. ويدل على زواله، وقوله بحجيته، قول البخاري في " التاريخ ": «رَأَيْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَعَلِيَّ بْنَ المَدِينِي، وَإِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ وَالحُمَيْدِيَّ، وَأَبَا عُبَيْدٍ وَعَامَّةَ أَصْحَابِنَا يَحْتَجُّوْنَ بِحَدِيثِ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، [عَنْ أَبِيْهِ عَنْ جَدِّهِ] مَا تَرَكَهُ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِيْنَ، فَمَنِ النَّاسُ بَعْدَهُم?.» (٣). اهـ. وَإِلاَّ: فَنَقْلُ البُخَارِيِّ أَصَحُّ وَأَقْوَى. وما نقل عباس بن يحيى بن معين: من تضعيفه لهذا الطريق: فمحمول (اَيْضًا) على أنه كان مُتَرَدِّدًا فيه ثم زال تردده وقال بحجيته. وإلا فهو معارض بما نقله عنه أبو حاتم والكوسج ومعاوية بن صالح وعباس نفسه (وقد تقدم) وبما قاله أبو عبد الله البخاري: «اجْتَمَعَ عَلِيٌّ وَيَحْيَى بْنَ مَعِينٍ

стр. 55

وَأَبُو خَيْثَمَةَ، وَشُيُوخٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، فَتَذَاكَرُوا حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فَثَبَّتُوهُ وَذَكَرُوا أَنَّهُ حُجَّةٌ» (١). اهـ. وَنَقْلُ البخاري وحده أقوى - بلا شك - من نقل عباس. وكذلك: القول فيما نقله ابن أبي شيبة عن ابن المديني. وما نقل عن أبي داود من التضعيف - فمعارض بأنه نفسه قد أخرج من حديث حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب - بهذا الطريق - أن النبي ﷺ قال: «يَحْضُرُ الجُمُعَةَ ثَلاَثَةٌ: دَاعٍ، أَوْ لاَغٍ، أَوْ مُنْصِتٍ» (٢) (*). وبالجملة فتجريح مَنْ جَرَّحَ - وهو ضعيف قليل - معارض بتوثيق مَنْ وَثَّقَ، وهو قوي كثير. ومن الغريب أن صاحب الاعتراض لا يشير إلى شيء منه، كأنه أمن أن أحدًا يرجع إلى ما نقل هو التجريح عنه، وفيه الكثير من التوثيق. ... هذا ثم إن تردد من تردد، أو تجريح مَنْ جَرَّحَ إنما نشأ عن أحد أمرين، أو عنهما مجتمعين: أولهما: أنه فهم أن الحديث من هذا الطريق مُرْسَلٌ. (فلا يحتج به، أو يتوقف فيه) قال ابن عدي: «عَمْرُو بْنَ شُعَيْبٍ فِي نَفْسِهِ ثِقَةٌ، إِلاَّ إِذَا رَوَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ يَكُونُ مُرْسَلاً». اهـ. قال الذهبي: «لأَنَّ جَدَّهُ - عِنْدَهُ - مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، وَلاَ صُحْبَةَ لَهُ " (٣). اهـ. وقال ابن حبان: «وَالصَّوَابُ فِي عَمْرٍو بْنَ شُعَيْبٍ أَنْ يُحَوَّلَ إِلَى الثِّقَاتِ، لأَنَّ عَدَالَتَهُ قَدْ

стр. 56

تَقَرَّرَتْ (١). فَأَمَّا المَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ إِذَا كَانَتْ فِي رِوَايَتِهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الثِّقَاتِ إِذَا رَوَوُا المَقَاطِيعَ وَالمَرَاسِيلَ بِأَنْ يُتْرَكَ مِنْ حَدِيْثِهِمُ المُرْسَلُ وَالمَقْطُوعُ، وَيُحْتَجَّ بِالخَبَرِ الصَّحِيحِ». اهـ. ثانيهما: أن ما رواه من هذا الطريق إنما هو عن صحيفة رواها وِجَادَةً، أو بعضها وِجَادَةً والبعض سَمَاعٌ. (والتصحيف على الرواية من التصحف، بخلاف المشافهة بالسماع) فلا يصح الاعتماد عليها. قَالَ مُغِيْرَةُ: «مَا يَسُرُّنِي أَنَّ صَحِيْفَةَ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو عِنْدِي بِتَمْرَتَيْنِ، أَوْ بِفِلْسَيْنِ» (٢). وانظر ما تقدم نقله - في الاعتراض - عن ابن معين وابن المديني. ... وَكِلاَ الأمرين باطل: أما الأول: فقد قال الذهبي: «هَذَا لاَ شَيْءَ، لأَنَّ شُعَيْبًا ثَبَتَ سَمَاعُهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ الَّذِي رَبَّاهُ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَاتَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ عَبْدُ اللهِ، وَكَفَلَ شُعَيْبًا جَدُّهُ عَبْدُ اللهِ. فَإِذَا قَالَ: عَنْ أَبِيهِ، ثُمَّ قَالَ: عَنْ جَدِّهِ، فَإِنَّمَا يُرِيدُ بِالضَّمِيرِ فِي جَدِّهِ: أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى شُعَيْبٍ» (٣). اهـ. وقال علي بن المديني: «سَمِعَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، شُعَيْبٌ بْنُ مُحَمَّدٍ». اهـ. قال الذهبي: «يَعْنِي حَفِيدُهُ» (٤). اهـ. وقال الحافظ العراقي: «قَدْ صَحَّ سَمَاعُ شُعَيْبٍ مِنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، كَمَا صَرَّحَ بِهِ البُخَارِيُّ فِي " التَّارِيخِ " وَأَحْمَدُ، وَكَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ» (٥). اهـ. وقال ابن الصلاح: «اِحْتَجَّ أَكْثَرُ أَهْلِ الحَدِيثِ بِحَدِيثِهِ حَمْلاً لِمُطْلَقِ الجَدِّ عَلَى الصَّحَابِيِّ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو دُونَ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ وَالِدِ

стр. 57

شُعَيْبٍ، لِمَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنْ إِطْلاَقِهِ ذَلِكَ» (١). اهـ. وأما الثاني: فقد قال الذهبي: «أَمَّا كَوْنُهَا وِجَادَةً أَوْ بَعْضُهَا سَمَاعٌ وَبَعْضُهَا وِجَادَةٌ فَهَذَا مَحَلُّ نَظَرٍ. وَلَسْنَا نَقُولُ: إِنَّ حَدِيثَهُ مِنْ أَعْلَى أَقْسَامِ الصَّحِيحِ بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْحَسَنِ» (٢). اهـ. أقول: ولو سلمنا أن روايته إنما كانت عن الصحيفة وحدها دون المشافهة فالذي يغلب على الظن أن عمروًا أو أباه شُعَيْبًا - وكل منهما ثقة - لا يروى عن الصحيفة شيئًا إلا إذا وثق أن المكتوب لا تصحيف فيه، وأنه بخط عبد الله بن عمرو نفسه، ولم يدخله تغيير ولا تبديل. فلا جرم أن قال بصحتها والاحتجاج بها جمهور الثقات إن لم نقل جميعهم. قال أحمد بن صالح: «أَجْمَعَ آلُ عَبْدِ اللهِ عَلَى أَنَّهَا صَحِيفَةُ عَبْدِ اللهِ» (٣). اهـ. وقال ابن القيم (٤): «وَصَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ حَدِيثَهُ، وَكَانَ مِمَّا كَتَبَهُ صَحِيفَةٌ تُسَمَّى الصَّادِقَةَ، وَهِيَ الَّتِي رَوَاهَا حَفِيدُهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ، وَهِيَ مِنْ أَصَحِّ الْأَحَادِيثِ، وَكَانَ بَعْضُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَجْعَلُهَا فِي دَرَجَةِ أيوب عَنْ نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالأَئِمَّةُ الأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمُ احْتَجُّوا بِهَا». وقال اَيْضًا (٥): «وَقَدْ احْتَجَّ الأَئِمَّةُ الأَرْبَعَةُ وَالفُقَهَاءُ قَاطِبَةً بِصَحِيفَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَلاَ يُعْرَفُ فِي أَئِمَّةِ الْفَتْوَى إلاَّ مَنْ احْتَاجَ إلَيْهَا وَاحْتَجَّ بِهَا، وَإِنَّمَا طَعَنَ فِيهَا مَنْ لَمْ يَتَحَمَّلْ أَعْبَاءَ الفِقْهِ وَالفَتْوَى كَأَبِي حَاتِمٍ الْبُسْتِيِّ وَابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِمَا». اهـ. ولك أن تقول: إن الحديث الذي نستدل به ليس من الصحيفة وإنما هو حديث تضمن الإذن بكتابة الصحيفة المشتملة على أحاديث أخرى. ولا يلزم من

стр. 58

كونه مَرْوِيًّا من طريقها أن يكون منها. وأما أنه لم يحتج بهذا الطريق إلا بعض المتأخرين، وأن هذا تساهل منهم فهو باطل كما يدل عليه أقوال البخاري وابن القيم وابن الصلاح المتقدمة، وقول أحمد بن سعيد الدارمي (١): «احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِهِ». اهـ. وقول المنذري (٢): «وَالجُمْهُورُ عَلَى تَوْثِيقِهِ وَعَلَى الاِحْتِجَاجِ بِرِوَايَتِهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ». اهـ. وأما أنه لا طريق ثالثة لهذا الحديث فهو باطل اَيْضًا. فقد أخرجه أبو داود (٣) وأحمد اَيْضًا من طريق يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن الأخنس، عن الوليد بن عبد الله، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو - وهي طريق في غاية الصحة - بلفظ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ، فَقَالَ: «اكْتُبْ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلاَّ حَقٌّ». وأخرجه اَيْضًا البيهقي في " المدخل " والدارمي في " السنن " بهذا اللفظ، قال " في الفتح الرباني " (٤): «وَرَوَاهُ الحَاكِمُ اَيْضًا وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ، أَصْلٌ فِي نَسْخِ الحَدِيثِ (يَعْنِي الكِتَابَةَ) عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ. وَقَدْ اِحْتَجَّا بِجَمِيعِ رُوَاتِهِ إِلاَّ عَبْدَ الوَاحِدِ بْنَ قَيْسٍ، وَهُوَ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَابْنُهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الوَاحِدِ الدِّمِشْقِيِّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ. اهـ. وأقره الذهبي». اهـ. ثم نقول: ويزيد ذلك كله قوة ما رواه أحمد والبخاري والترمذي، عن وهب

стр. 59

ابن منبه، عن أخيه همام، أنه قال: سمعت أبا هريرة يقول: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ أَحَدٌ أكْثَرَ حَدِيثاً منِّيْ إلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو، فإنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أكْتُبُ».ورواه عبد الرزاق اَيْضًا من طريق معمر عن همام بن منبه. قال العيني (١): «إن عبد الله بن عمرو - من أفاضل الصحابة - كان يكتب ما يسمعه من النبي ﷺ . ولو لم تكن الكتابة جائزة لما كان يفعل ذلك. فإذا قلنا: فعل الصحابي حجة فلا نزاع فيه. وإلا فالاستدلال على جواز الكتابة يكون بتقرير الرسول ﷺ كتابته». ثم قال (٢): «أخرج حديث أبي هريرة " الترمذي " - في العلم وفي المناقب - عن سفيان بن عيينة به، وقال: حسن صحيح. وأخرجه " النسائي " في العلم عن إسحاق بن راهوية عن سفيان به». اهـ. أقول: قد ورد الإذن منه ﷺ له بالكتابة، فيما رواه أحمد والبيهقي من طريق عمرو بن شعيب، عن مجاهد والمغيرة بن حكيم، أنهما قالا: سمعنا أبا هريرة يقول: «مَا كَانَ أَحَد أَعْلَم بِحَدِيثِ رَسُول اللَّه ﷺ مِنِّي، مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ بِيَدِهِ، [وَيَعِيهِ] بِقَلْبِهِ، وَكُنْتُ [أَعِيهِ بِقَلْبِي]، وَلاَ أَكْتُبُ [بِيَدِي]، وَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْكِتَابِ عَنْهُ، فَأَذِنَ لَهُ». قال ابن حجر (٣): «إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا الْعُقَيْلِيُّ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْن [سَلْمَان] (*) عَنْ عَقِيل عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ حَكِيمٍ». اهـ. وأخرجه الدارمي، - في النقض - (٤) من هذا الطريق اَيْضًا. وروى " البخاري " (٥) " ومسلم " (٦) من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي

стр. 60

، عن يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: [حَدَّثَنِي] أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ قَامَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ (أوْ القَتْلَ)، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا لاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي. وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، فَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلاَ يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلاَ تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ»، فَقَالَ العَبَّاسُ: إِلاَّ الإِذْخِرَ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِلاَّ الإِذْخِرَ». فَقَامَ أَبُو شَاهٍ - رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ - فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ [رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ]: «اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ»، قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هَذِهِ الخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ (*) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . [وأخرج الشيخان] مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: «أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلاً مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَخَطَبَ». وباختلاف يسير في ألفاظه (١). وَرَوَى البيهقي (**) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، [فِي رَجُلٍ] مِنَ الأَنْصَارِ شَكَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ الْحَدِيثَ وَلاَ أَحْفَظُهُ فَقَالَ: «اسْتَعِنْ بِيَمِينِكَ» وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ لِلْخَطِّ. ورواه الترمذي اَيْضًا وصححه. إلا أن بعضهم ذكر أنه قال (٢): «وَهَذَا الإِسْنَادُ لَيْسَ بِالْقَائِمِ وَالْخَلِيلُ بْنُ مُرَّةَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ» (٣) ( ... ). وروى أحمد والبخاري ومسلم - واللفظ له - عن يزيد بن شريك التَّيْمِيِّ أنه قال: خَطَبَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَؤُهُ إِلاَّ كِتَابَ

стр. 61

اللهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ - قَالَ: وَصَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِي قِرَابِ سَيْفِهِ - فَقَدْ كَذَبَ، فِيهَا أَسْنَانُ الإِبِلِ، وَأَشْيَاءُ مِنَ الْجِرَاحَاتِ، وَفِيهَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «المَدِينَةُ [حَرَمٌ] مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا، وَلاَ عَدْلاً، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا، وَلاَ عَدْلاً». وروى " أحمد " و " البخاري " - واللفظ له - عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ (١) قَالَ: «لاَ، إِلاَّ كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. [قَالَ]: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ». وروى " مسلم " عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ، أَخَصَّكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ: مَا خَصَّنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ كَافَّةً، إِلاَّ مَا كَانَ فِي قِرَابِ سَيْفِي هَذَا. [قَالَ]: فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً [مَكْتُوبٌ] فِيهَا: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ سَرَقَ مَنَارَ الأَرْضِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ [آوَى] مُحْدِثًا». وروى " النسائي " عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَالأَشْتَرُ إِلَى عَلِيٍّ ﵁ فَقُلْنَا: هَلْ عَهِدَ إِلَيْكَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً؟ قَالَ: لاَ، إِلاَّ مَا كَانَ فِي كِتَابِي هَذَا. فَأَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ، فَإِذَا فِيهِ «الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ أَلاَ لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلاَ ذُو عَهْدٍ بِعَهْدِهِ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَى نَفْسِهِ أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». وروى " أحمد " بسند حسن - كما قال الحافظ ابن حجر - عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيًّا ﵁، [وَهُوَ يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ]: «وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ عَلَيْكُمْ إِلا كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ - مُعَلَّقَةً بِسَيْفِهِ - أَخَذْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِيهَا فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ».

стр. 62

قال ابن حجر: «وَالْجَمْع بَيْن هَذِهِ الأََحَادِيث أَنَّ الصَّحِيفَة كَانَتْ وَاحِدَة وَكَانَ جَمِيع ذَلِكَ مَكْتُوبًا فِيهَا، فَنَقَلَ كُلّ وَاحِد مِنْ الرُّوَّاةِ عَنْهُ مَا حَفِظَهُ. وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَتَادَة فِي رِوَايَته لِهَذَا الْحَدِيث عَنْ أَبِي حَسَّان عَنْ عَلِيّ، وَبَيَّنَ اَيْضًا السَّبَب فِي سُؤَالهمْ لِعَلِيٍّ ﵁ عَنْ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّلاَئِل " مِنْ طَرِيق أَبِي حَسَّان أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَأْمُر [بِالأَمْرِ] فَيُقَال: قَدْ فَعَلْنَاهُ. فَيَقُول: " صَدَقَ اللَّه وَرَسُوله ". فَقَالَ لَهُ الأَشْتَر: " هَذَا الَّذِي تَقُول أَهُوَ شَيْء عَهِدَهُ إِلَيْك رَسُول اللَّه ﷺ خَاصَّة دُون النَّاس؟ " فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ». اهـ. وروى ابن عبد البر عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: وُجِدَ فِي قَائِمِ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَحِيفَةٌ فِيهَا مَكْتُوبٌ «مَلْعُونٌ مَنْ أَضَلَّ أَعْمَى عَنِ [السَّبِيلِ]، مَلْعُونٌ مَنْ سَرَقَ تُخُومَ الأَرْضِ، مَلْعُونٌ مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ» أَوْ قَالَ: «مَلْعُونٌ مَنْ جَحَدَ نِعْمَةَ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ» (١). وروى أبو داود (٢) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «مَا كُنَّا نَكْتُبُ غَيْرَ التَّشَهُّدِ، وَالْقُرْآنِ». والتشهد من السنة. فقد ثبتت كتابتها في الجملة عن أبي سعيد الذي روى حديث النهي عنها. وَرَوَى الرَّامَهُرْمُزِيُّ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْمَعُ مِنْكَ أَشْيَاءَ أَفَنَكْتُبُهَا؟ قَالَ: " اكْتُبُوا ذَلِكَ وَلاَ حَرَجَ "» (٣). وَرَوَى الدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: «إِذَا كَتَبْتُمُ الْحَدِيثَ فَاكْتُبُوهُ بِسَنَدِهِ» (٤). وروى البخاري (٥) من ثلاث طرق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس بألفاظ متقاربة أنه قال: لَمَّا حُضِرَ النَّبِيُّ ﷺ

стр. 63

قَالَ، وَفِي البَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، قَالَ: «هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا»، قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الوَجَعُ. وَعِنْدَكُمُ القُرْآنُ فَحَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ البَيْتِ وَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ (١)، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغَطَ وَالاِخْتِلاَفَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «قُومُوا عَنِّي». قَالَ [عُبَيْدُ اللَّهِ]، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الكِتَابَ مِنَ اخْتِلاَفِهِمْ وَلَغَطِهِمْ». (إلا أن إحدى هذه الطرق لم يصرح فيها باسم عمر أو غيره) ورواه اَيْضًا " أحمد " و " مسلم " و " الإسماعيلي " و " ابن سعد ". وفي رواية أحمد: أن المأمور بذلك عَلِيٌّ. وروى الشيخان (٢) من طريق سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (واللفظ للبخاري)، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمُ الخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ؟ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ، فَقَالَ: «ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا»، فَتَنَازَعُوا وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ. فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ، أَهَجَرَ؟ (٣) اسْتَفْهِمُوهُ؟ فَذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ» وَأَوْصَاهُمْ بِثَلاَثٍ. الحديث. قال ابن حجر (٤): «قَدَّمَ (يعني البخاري) حَدِيثَ عَلِيٍّ - أَنَّهُ كَتَبَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَيَطْرُقهُ اِحْتِمَالَ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا كَتَبَ ذَلِكَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ، وَثَنَّى بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة [وَفِيهِ الأَمْرُ بِالْكِتَابَةِ] وَهُوَ بَعْدَ النَّهْيِ فَيَكُونُ نَاسِخًا، وَثَلَّثَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. وَقَدْ بَيَّنْتُ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ إِذْنُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَهُوَ أَقْوَى فِي الاسْتِدْلاَل لِلْجَوَازِ مِنَ الأَمْرِ أَنْ يَكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ لاحْتِمَالِ اِخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِمَنْ يَكُونُ أُمِّيًّا أَوْ أَعْمَى، وَخَتَمَ بِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ هَمَّ أَنْ يَكْتُبَ لأُمَّتِهِ كِتَابًا

стр. 64

يَحْصُلُ مَعَهُ الأَمْنُ مِنَ الاخْتِلاَف وَهُوَ لاَ يَهُمُّ إِلاَّ بِحَقٍّ». اهـ. وقد ثبت أنه ﷺ كتب كُتُبًا كثيرة في بيان ديات النفس والأطراف والفرائض وغير ذلك من الأحكام. كما وقع لعمرو بن حزم حين بعثه على نجران ومعاذ بن جبل لما أرسله إلى اليمن، وغيرهما. ولولا خشية الإطالة عليك، ولحوق الملل بك لأتيت بها من مراجعها الصحيحة، ونقلتها عن مصادرها الوثيقة. فإن كنت من الحريصين على الوقوف عليها، والراغبين في قراءتها فارجع إليها (١). ... الجَمْع بَيْنَ أَحَادِيثِ النَّهْيِ وَأَحَادِيثِ الإِذْنِ: فإن قيل: إن أحاديث النهي تتعارض مع أحاديث الإذن فكيف يمكن الجمع بينهما؟ وهل يصح أن يكون النهي ناسخًا للإذن كما ذهب إليه بعض (٢) من كتب في الموضوع؟. قلت (إجابة عن السؤال الأول): إن للعلماء في الجمع بين هذين النوعين من الأحاديث أقوالاً: أولها: أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره. والإذن في غير ذلك الوقت (٣). ثانيها: أن النهي خاص بكتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة. لأنهم كانوا يسمعون تأويل الآية فربما كتبوه معها فنهوا عن ذلك خوف الاشتباه. والإذن

стр. 65

إنما كان بكتابة الحديث في صحف مستقلة ليس فيها شيء من القرآن (١). ولهذا الاشتباه الذي يحصل من كتابة تأويل الآية معها ذهب بعض العلماء إلى أنه يحتمل أن تكون القراءة الشاذة نشأت من أن الصحابي كتب تفسير كلمة من القرآن معها. فظن التابعي أن ذلك التفسير قرآن. أو من أن الصحابي ذكر التفسير للتابعي فكتبه هذا مع القرآن. فظن من بعده أنه منه. ثالثها: أن النهي خاص بكتاب الوحي المتلو (القرآن) الذين كانوا يكتبونه في صحف لتحفظ في بيت النبوة. فلو أنه أجاز لهم كتابة الحديث لَمْ يُؤْمَنْ أن يختلط القرآن بغيره. والإذن لغيرهم (٢). رابعها: أن النهي لمن أمن عليه النسيان ووثق بحفظه وخيف اتكاله على الخط إذا كتب. والإذن لمن خيف نسيانه ولم يوثق بحفظه أو لم يخف اتكاله على الخط إذا كتب (٣). خامسها: أن النبي ﷺ خص بالإذن عبد الله بن عمرو لأنه كان قارئًا للكتب المتقدمة ويكتب بالسريانية والعربية. وكان غيره من الصحابة أُمَّيِّينَ لا يكتب منهم إلا الواحد والاثنان وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التهجي. فلما خشى عليهم الغلط فيما يكتبون نهاهم ولما أَمِنَ على عبد الله بن عمرو ذلك أذن له. قاله ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث " (٤). وأقول: المستفاد من قوله ﷺ : " «لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ». وقوله: «امْحِضُوا كِتَابَ اللهِ، [وَأَخْلِصُوهُ]»، أن من نهاهم عن كتابة السُنَّةِ أذن لهم في كتابة القرآن. ولا يعقل أن يكون قد نهاهم عن كتابتها خشية الغلط

стр. 66

ويأذن لهم أنفسهم في الوقت نفسه بكتابة القرآن مع أنه يستدعي احتياطًا أعظم. ويظهر لك من تقرير هذه الأقوال المتقدمة أن أصحابها لا يقولون بنسخ شيء بشيء. ولم يقل بالنسخ إلا أصحاب القول السادس الآتي. سادسها: أن يكون النهي من منسوخ السُنَّةِ بِالسُنَّةِ كأنه نهي في أول الأمر عن أن يكتب قوله ثم رأى - لما علم أن السنن تكثر وتفوت الحفظ - أن تكتب وتقيد. قاله ابن قتيبة اَيْضًا. ومثله في " معالم السنن " للخطابي حيث قال: «يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ مُتَقَدِّمًا وَآخِرُ الأَمْرَيْنِ الإِبَاحَةُ». وظاهر كلامهما أن كُلاًّ من النهي والإذن عام للصحف والأشخاص والأزمنة لا تخصيص فيه بشيء مما تقدم في الأقوال السابقة. وظاهره اَيْضًا أنه نهي في أول الأمر سَوَاءًا خِيفَ اللُّبْسُ أَوْ لاَ. ثم أذن مطلقًا كذلك. فيرد عليهما أَوَّلاً: أنه لا حكمة في النهي عند أمن اللبس. اللهم إلا أن يقول: إنه تَعَبُّدِي. وَثَانِيًا: أنه لا يصح الإذن بحال إذا خيف اللبس. اللهم إلا أن يقال: إن القرآن من وقت صدور الإذن تقرر عندهم وتواتر بينهم، وميزوه تمام التمييز عن غيره، وستستمر هذه الحالة بين الأمة إلى يوم القيامة، فلا يمكن حصول الاشتباه فالخوف قد انقطع زمنه وانقضى حكمه. وفيه بعد، فإنه يمكن حصول الاشتباه لمن يكون حديث عهد بالإسلام بعيدًا عمن يرجع إليه ويهديه إلى الصواب إذا اشتبه. فيجب أن لا يكتب له شيء من غير القرآن معه إذا ما طلب منا كتابة القرآن له. فالحق أن الإذن يجب أن يكون مُقَيَّدًا بحالة الأمن، ولذلك قال السيوطي في تقرير هذا المذهب: «(أَوْ نَهَى) عَنْهُ (حِينَ خِيفَ اخْتِلاَطُهُ بِالْقُرْآنِ، وَأَذِنَ) فِيهِ (حِينَ أَمِنَ) ذَلِكَ. فَيَكُونُ النَّهْيُ مَنْسُوخًا». اهـ. ومثله في " شرح مسلم للنووي " (١). وقال

стр. 67

ابن حجر (١) في تقريره: «إِنَّ النَّهْيَ مُتَقَدِّمٌ وَالإِذْنَ نَاسِخٌ لَهُ عِنْدَ الأَمْنِ مِنَ الاِلْتِبَاسِ». اهـ. لكن عبارة ابن حجر يظهر فيها القول بالنسخ فإنه جعل النهي في أول الأمر متوجهًا في حالتي الخوف والأمن كما هو ظاهر من إطلاقه ثم جاء الإذن في حالة الأمن نَاسِخًا النَّهْيَ في هذه الحالة. وبقي النهي في حالة الخوف مستمرًا وأما عبارة السيوطي والنووي فلا يعقل فيها نسخ لأن النهي كان من أول الأمر خَاصًّا بحالة الخوف. والإذن في حالة الأمن. فلا يرفعه إذ لم يَرِدَا في حالة واحدة بل هما في حالتين مختلفتين وَلِعِلَّتَيْنِ مُتَغَايِرَتَيْنِ. فيستمران هكذا إلى يوم القيامة: إن وجد الخوف توجه النهي، وإن وجد الأمن حصلت الإباحة. فمن أين النسخ؟. اللهم إلا أَنْ يَدَّعِي أن النهي إنما كان في زمن لا يوجد فيه إلا الخوف من الاشتباه لعدم تقرر القرآن في النفوس وتميزه تمام التمييز. وأنه من حين الإذن إلى يوم القيامة , لا يوجد إلا الأمن لتواتر القرآن وكمال تميزه عند الأمة. ولو فرض أنه حصل لبس لأحد رجع إلى الكثير من الناس فيبينون له الصواب فهو آمن من اللبس في النهاية. وحيث إن النهي قد انتهت علته ولا يمكن وجودها من وقت الإذن فقد انتهى هو اَيْضًا. وهذا نسخ. وفيه نظر: فإن الإذن لا يقال: إنه ناسخ لهذا النهي على تقدير صحة كلامهم هذا. وكل ما في الأمر أنه قد انتهى تعلق الحكم لانتهاء علته وعدم وجودها فيما بعد. ولا يقال لنحو هذا: نسخ. لأن النسخ رفع حكم شرعي بخطاب شرعي. وفيه نظر آخر يعلم مما تقدم في مسألة حديث العهد بالإسلام. فالنسخ إنما يعقل في كلام ابن قتيبة والخطابي - على ما فيهما من المناقشة

стр. 68

المتقدمة - وفي كلام ابن حجر. إلا أن النسخ في كلاميهما عام لحالتي الأمن والخوف. وفي كلامه خاص بحالة الأمن. وقد قال بالنسخ جمهور العلماء (١)، واختاره بعض المتأخرين (٢) والحق أنه لا نسخ أصلاً. وأن النهي دائر مع الخوف، والإذن دائر مع الأمن وُجُودًا وَعَدَمًا. وأن الخوف قد يحصل في أي زمن فيتوجه النهي، والأمن قد يحصل في أي زمن فيتوجه الإذن. فإنه يجب أن لا نقول بالنسخ إلا عند عدم إمكان الجمع بغيره، وقد أمكننا الجمع بتخصيص النهي بحالة الخوف والإذن بحالة الأمن. وهو جمع معقول المعنى. فما الذي يضطرنا إلى القول بالنسخ؟ ثم إنه لا داعي للتخصيصات بالصحف أو الأشخاص أو الأزمنة كما ذكر في الأقوال السابقة. بل المدار في النهي على حصول الاشتباه من كتابة السُنَّةِ مع القرآن أو مستقلة ومن كاتب الوحي أو من غيره. وفي زمن نزول الوحي أو في غيره. والمدار في الإذن على الأمن من الاشتباه في هذه الأحوال كلها. وقلت (إجابة عن السؤال الثاني): إنه لا يصح بحال أن يكون النهي نَاسِخًا للإذن. لأمور ثلاثة: الأول: ما تقدم لك في إبطال أن الإذن ناسخ للنهي من أنه يجب أن لا يصار إلى القول بالنسخ إلا عند العجز عن الجمع بين الدليلين المتعارضين بغيره. وقد أمكن الجمع كما تقدم. فلا يصح أن يكون أحدهما ناسخا للآخر. الثاني: أن أحاديث الإذن متأخرة، فحديث أبي شاه عام الفتح وذلك في أواخر حياة النبي ﷺ . وحديث أبي هريرة في المقارنة بينه وبين عبد الله بن عمرو متأخر اَيْضًا لأن أبا هريرة متأخر الإسلام. وهو يدل اَيْضًا على أن عبد الله كان يكتب بعد إسلام أبي هريرة. وحديث [هَمِّهِ] ﷺ بكتابة كتاب لن تضل الأمة بعده كان في

стр. 69

مرض موته ﷺ . ويبعد جِدًّا أن يكون حديث أبي سعيد قد تأخر عن هذه الأحاديث كلها خصوصًا حديث الهَمِّ. ولو كان متأخرًا عنها لعرف ذلك عند الصحابة يقينًا صريحًا. الثالث: إجماع الأمة القطعي بعد عصر الصحابة والتابعين على الإذن وإباحة الكتابة وعلى أن الإذن متأخر عن النهي. كما سنبينه. وهو إجماع ثابت بالتواتر العملي عن كل طوائف الأمة بعد الصدر الأول (١). حتى ممن كان يقول في عصرنا هذا بأن النهي ناسخ للإذن فإنا نجده قد ملأ الصحف بالحديث عن رسول الله ﷺ . ... الكَلاَمُ عَلَى كِتَابَةِ السُنَّةِ وَتَدْوِينِهَا فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ: فإن قيل: بقي علينا أن ننظر فيما كان عليه الصحابة والتابعون- ﵃ بعد وفاة النبي ﷺ : من امتناعهم عن كتابة السُنَّةِ وتدوينها، ومنعهم الغير من ذلك وإحراقهم ما كتب منها، واستدلالهم على ذلك كله بنهيه ﷺ عن كتابتها. أفلا يدلنا ذلك كله على عدم حُجِّيَّةِ السُنَّةِ، وعلى أن نهيه ﷺ كان متأخرًا عن الإذن وناسخًا له؟ وإلا لعملوا بمقتضى الإذن: قلنا: إنهم يكونوا مجمعين على هذه الأمور المذكورة. فقد كان أكثرهم يبيح الكتابة (٢) ويحتفظ بالمكتوب منها والبعض يكتب بالفعل (٣). وإليك ما ورد في ذلك من الآثار: لما وجه أبو بكر الصديق أنس بن مالك إلى البحرين عاملاً على الصدقة كتب

стр. 70

لهم: «إِنَّ هَذِهِ فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ ﷺ ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِ، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَ ذَلِكَ فَلاَ يُعْطِ» الكتاب. أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي. وروى ابن عبد البر عن عبد الملك بن سفيان عن عمه أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: «قيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ» .. ورواه اَيْضًا الحاكم والدارمي. وروى مثله ابن عبد البر من طريق يحيى بن أبي كثير عن ابن عباس. وروي عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ». وروي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: «أَنَّهُ كَانَ يَكُونُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَيَسْمَعُ مِنْهُ الحَدِيثَ، فَيَكْتُبُهُ فِي وَاسِطَةِ الرَّحْلِ، فَإِذَا نَزَلَ نَسَخَهُ». وروى مسلم عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابًا، وَيُخْفِي عَنِّي، فَقَالَ: «وَلَدٌ نَاصِحٌ أَنَا أَخْتَارُ لَهُ الأُمُورَ اخْتِيَارًا، وَأُخْفِي عَنْهُ»، قَالَ: فَدَعَا بِقَضَاءِ عَلِيٍّ، فَجَعَلَ يَكْتُبُ مِنْهُ أَشْيَاءَ، وَيَمُرُّ بِهِ الشَّيْءُ، فَيَقُولُ: «وَاللهِ مَا قَضَى بِهَذَا عَلِيٌّ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ ضَلَّ». وروي من طريق سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، [عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ]، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: «أُتِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِكِتَابٍ فِيهِ قَضَاءُ عَلِيٍّ ﵁، فَمَحَاهُ إِلاَّ قَدْرَ»، وَأَشَارَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِذِرَاعِهِ. وروى أحمد عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، أَنِ ارْفَعْ إِلَيَّ حَاجَتَكَ، [قَالَ]: فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ يَقُولُ: «" إِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ "، وَلَسْتُ أَسْأَلُكَ شَيْئًا، وَلاَ أَرُدُّ رِزْقًا رَزَقَنِيهِ اللَّهُ مِنْكَ». وقال ابن حجر في " الفتح ": «وَجَدْتُ فِي كِتَابِ " الوَصِيَّة " لأَبِي الْقَاسِم بْن مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ البُخَارِيِّ بِسَنَدٍ لَهُ صَحِيحٍ إِلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلِيِّ أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بِكِتَابٍ فِيهِ أَحَادِيثٌ فَقَالَ: اُنْظُرْ فِي هَذَا الكِتَاب، فَمَا عَرَفْتَ مِنْهُ اُتْرُكْهُ وَمَا لَمْ تَعْرِفهُ اُمْحُهُ».

стр. 71

ثم قال (ابن حجر): «وَعَبْد اللَّه يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ اِبْن عُمَر بْن الْخَطَّاب، فَإِنَّ الْحُبُلِيّ سَمِعَ مِنْهُ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن عَمْرو بْن الْعَاصِي، فَإِنَّ الْحُبُلِيّ مَشْهُور بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ». وروى ابن عبد البر عن مجاهد: أَنَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «مَا يُرَغِّبُنِي فِي الحَيَاةِ إِلاَّ خَصْلَتَانِ: الصَّادِقَةُ وَالوَهْطُ. فَأَمَّا الصَّادِقَةُ فَصَحِيفَةٌ كَتَبْتُهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَّا الْوَهْطُ فَأَرْضٌ تَصَدَّقَ بِهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ [كَانَ يَقُومُ عَلَيْهَا]». وروي عن عَنِ [الْفَضْلِ] بْنِ حَسَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: تَحَدَّثْتُ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَدِيثٍ فَأَنْكَرَهُ، فَقُلْتُ: إِنِّي [قَدْ] سَمِعْتُهُ مِنْكَ، قَالَ: «إِنْ كُنْتَ سَمِعْتَهُ مِنِّي، فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدِي»، فَأَخَذَ بِيَدِي إِلَى بَيْتِهِ فَأَرَانَا كُتُبًا كَثِيرَةً مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَوَجَدَ ذَلِكَ الْحَدِيثَ فَقَالَ: «قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنِّي إِنْ كُنْتُ قَدْ حَدَّثْتُكَ بِهِ فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدِي».وأخرج ابن حجر نحوه. قال ابن عبد البر: «هَذَا خِلاَفُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَكْتُبُ وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَتَبَ، وَحَدِيثُهُ بِذَلِكَ أَصَحُّ فِي النَّقْلِ مِنْ هَذَا؛ لأَنَّهُ أَثْبَتُ إِسْنَادًا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، إِلاَّ أَنَّ الحَدِيثَيْنِ قَدْ يَسُوغُ التَّأَوُّلُ فِي الجَمْعِ [بَيْنَهُمَا]»: بأنه لم يكن يكتب في عهد النبي ﷺ ثم كتب بعده. وبأنه لا يلزم من وجود الحديث مكتوبًا عنده أن يكون بخطه. وقد ثبت أنه لم يكن يكتب. فتعين أن يكون المكتوب عنده بغير خطه. وروى ابن عبد البر عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ قَالَ: «كُنْتُ أَكْتُبُ مَا أَسْمَعُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أُفَارِقَهُ أَتَيْتُهُ بِكِتَابِي فَقُلْتُ: هَذَا سَمِعْتُهُ مِنْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ» وروى " مسلم " عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ (محمود): قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَلَقِيتُ عِتْبَانَ، فَقُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ، قَالَ: أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْضُ الشَّيْءِ، فَبَعَثْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنِي فَتُصَلِّيَ فِي مَنْزِلِي، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ ، وَمَنْ شَاءَ اللهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلَ وَهُوَ يُصَلِّي فِي مَنْزِلِي وَأَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ أَسْنَدُوا عُظْمَ ذَلِكَ وَكُبْرَهُ

стр. 72

إِلَى مَالِكِ بْنِ دُخْشُمٍ، قَالُوا: وَدُّوا أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ، وَدُّوا أَنَّهُ أَصَابَهُ شَرٌّ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلاَةَ، وَقَالَ: «أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ؟»، قَالُوا: إِنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ، وَمَا هُوَ فِي قَلْبِهِ، قَالَ: «لاَ يَشْهَدُ أَحَدٌ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَيَدْخُلَ النَّارَ، أَوْ تَطْعَمَهُ»، قَالَ أَنَسِ: فَأَعْجَبَنِي هَذَا الْحَدِيثَ، فَقُلْتُ لابْنِي: اكْتُبْهُ فَكَتَبَهُ. وروى ابن عبد البر عَنْ ثُمَامَةَ قَالَ: كَانَ أَنَسٌ يَقُولُ لِبَنِيهِ: «يَا بَنِيَّ قَيِّدُوا العِلْمَ بِالكِتَابِ» ورواه الحاكم اَيْضًا. وروى عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «رَأَيْتُ جَابِرًا يَكْتُبُ عِنْدَ [ابْنِ سَابِطٍ] (*) فِي أَلْوَاحٍ». وروى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ [بْنِ حَنَشٍ] قَالَ: «رَأَيْتُهُمْ عِنْدَ الْبَرَاءِ يَكْتُبُونَ عَلَى أَيْدِيهِمْ بِالْقَصَبِ». وروى عَنْ مَعْنٍ قَالَ: «أَخْرَجَ إِلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كِتَابًا وَحَلَفَ لِي: إِنَّهُ خَطُّ أَبِيهِ بِيَدِهِ». وروى عن عَنِ الْحَسَنِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: «سَأَلْتُ أَبَا أُمَامَةَ، عَنْ كِتَابِ الْعِلْمِ، فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا». وروى عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ [أُحْرِقَتْ] كُتُبُهُ يَوْمَ الْحَرَّةِ، وَكَانَ يَقُولُ: «وَدِدْتُ لَوْ أَنَّ عِنْدِي كُتُبِي بِأَهْلِي وَمَالِي». وروى عَنْ السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، عَنِ الْحَسَنِ «أَنَّهُ كَانَ لاَ يَرَى بِكِتَابِ الْعِلْمِ بَأْسًا، وَقَدْ كَانَ أَمْلَى التَّفْسِيرَ فَكُتِبَ». وروي عَنِ الأَعْمَشِ [قَالَ: قَالَ] الْحَسَنُ: «إِنَّ لَنَا كُتُبًا نَتَعَاهَدُهَا». وروي عن عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي قَالَ: «لاَ بَأْسَ [بِكِتَابِ] الأَطْرَافِ»

стр. 73

وَرَوَى عَنْ أَبِي كِبْرَانَ قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتَ شَيْئًا، فَاكْتُبْهُ وَلَوْ فِي حَائِطٍ». وَرَوَى عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَقِيلٍ قَالَ: «أَمْلَى عَلَيَّ الضَّحَّاكُ مَنَاسِكَ الْحَجِّ». وَرَوَى عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ قَالَ: «الكِتَابُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنَ النِّسْيَانِ». وَرَوَى هو والسيوطي - في " التدريب " - عَنْ أَبِي المَلِيحِ أَنَّهُ قَالَ: «يَعِيبُونَ عَلَيْنَا [أَنْ نَكْتُبَ الْعِلْمَ وَنُدَوِّنَهُ]، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ : ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنْسَى﴾ (١)». وَرَوَى (*) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ قَالَ: «كُنْتُ سَيِّئَ الْحِفْظِ فَرَخَّصَ لِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ فِي الْكِتَابِ». وَرَوَى عَنْ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: «لأَنْ أَكُونَ كَتَبْتُ كُلَّ مَا [كُنْتُ] أَسْمَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ مَالِي». وَرَوَى عَنْ سَوَادَةَ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ يَقُولُ: «مَنْ لَمْ يَكْتُبِ الْعِلْمَ فَلاَ تَعُدُّوهُ عَالِمًا». وَرَوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كُنَّا نَكْتُبُ الحَلاَلَ وَالحَرَامَ، وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَكْتُبُ كُلَّ مَا سَمِعَ، فَلَمَّا احْتِيجَ إِلَيْهِ عَلِمْتُ أَنَّهُ أَعْلَمُ النَّاسِ». وَرَوَى عَنْ [عَبْدِ الْعَزِيزِ] الدَّرَاوَرْدِيِّ قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ العِلْمَ وَكَتَبَهُ ابْنُ شِهَابٍ». وَرَوَى عن مالك نحوه. وَرَوَى عن معمر عن الزهري أنه قال: «كُنَّا نَكْرَهُ كِتَابَ الْعِلْمِ، حَتَّى أَكْرَهَنَا عَلَيْهِ هَؤُلاَءِ الأُمَرَاءُ فَرَأَيْنَا أَنْ لاَ نَمْنَعَهُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ». وَرَوَى عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «اسْتَكْتَبَنِي الْمُلُوكُ فَأَكْتَبْتُهُمْ، فَاسْتَحْيَيْتُ اللَّهَ إِذْ كَتَبْتُهَا المُلُوكَ أَلاَّ أَكْتُبَهَا لِغَيْرِهِمْ». وَرَوَى عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَابْنُ شِهَابٍ، وَنَحْنُ نَطْلُبُ الْعِلْمَ، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى أَنْ نَكْتُبَ السُّنَنَ فَكَتَبْنَا كُلَّ شَيْءٍ سَمِعْنَا

стр. 74

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ [بِنَا] مَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِهِ، فَقُلْتُ: لاَ، لَيْسَ بِسُنَّةٍ، وَقَالَ هُوَ: بَلْ هُوَ سُنَّةٌ، وَكَتَبَ وَلَمْ أَكْتُبْ، فَأَنْجَحَ وَضَيَّعْتُ». وَرَوَى عَنْ خَالِدِ بْنِ نِزَارٍ قَالَ: «أَقَامَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ كَاتِبَيْنِ يَكْتُبَانِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَأَقَامَا سَنَةً يَكْتُبَانِ عَنْهُ». وَرَوَى عَنْ مَعْمَرٌ قَالَ: [حَدَّثْتُ] يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ بِأَحَادِيثَ، فَقَالَ: «اكْتُبْ لِي حَدِيثَ كَذَا وَحَدِيثَ كَذَا»، فَقُلْتُ: أَمَا تَكْرَهُ أَنْ تَكْتُبَ الْعِلْمَ؟ فَقَالَ: «اكْتُبْ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَكُنْ كَتَبْتَ فَقَدْ ضَيَّعْتَ» أَوْ قَالَ: «عَجَزْتَ». وَرَوَى عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: «الْكِتَابُ قَيْدُ الْعِلْمِ». وَرَوَى عَنْ وَهْبٍ بْنِ جَرِيرٍ، أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِحَدِيثٍ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا وَجَدْتُهُ مَكْتُوبًا عِنْدِي فِي الصَّحِيفَةِ». قَالَ: وَسَمِعْتُ شَبَابَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ شُعْبَةَ يَقُولُ: «إِذَا رَأَيْتُمُونِي أَثُجُّ (١) الحَدِيثَ فَاعْلَمُوا أَنِّي تَحَفَّظْتُهُ مِنْ كِتَابٍ». وَرَوَى عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى قَالَ: «يَجْلِسُ إِلَى العَالِمِ ثَلاَثَةٌ: رَجُلٌ يَأْخُذُ كُلَّ مَا [يَسْمَعُ] فَذَلِكَ حَاطِبُ لَيْلٍ، وَرَجُلٌ لاَ يَكْتُبُ وَيَسْمَعُ فَيُقَالُ لَهُ جَلِيسُ العَالِمِ، وَرَجُلٍ يَنْتَقِي وَهُوَ خَيْرُهُمْ»، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: «وَذَلِكَ الْعَالِمُ». وَرَوَى عَنْ سُفْيَانُ، [قَالَ]: قَالَ بَعْضُ الأُمَرَاءِ لابْنِ شُبْرُمَةَ، مَا هَذِهِ الأَحَادِيثُ الَّتِي تُحَدِّثُنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: «كِتَابٌ عِنْدَنَا». وَرَوَى عَنْ حَاتِمٍ الْفَاخِرُ، [وَكَانَ ثِقَةً] قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَكْتُبَ الحَدِيثَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ، حَدِيثٌ أَكْتُبُهُ أُرِيدُ أَنْ أَتَّخِذَهُ دِينًا، وَحَدِيثُ رَجُلٍ أَكْتُبُهُ فَأُوقِفُهُ لاَ أَطْرَحُهُ وَلاَ أَدِينُ بِهِ، وَحَدِيثُ [رَجُلٍ] ضَعِيفٍ أُحِبُّ أَنْ أَعْرِفَهُ وَلاَ أَعْبَأَ بِهِ». وَرَوَى عَنْ خَالِدٍ بْنَ خِدَاشٍ قَالَ: وَدَّعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَوْصِنِي فَقَالَ: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي السَّرِّ وَالْعَلاَنِيَةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَكِتَابَةِ الْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ».

стр. 75

وَرَوَى عَنْ إِسْحَاقٍ بْنَ مَنْصُورٍ قَالَ: قُلْتُ لأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مَنْ كَرِهَ كِتَابَ الْعِلْمِ؟ قَالَ: «كَرِهَهُ قَوْمٌ وَرَخَّصَ فِيهِ آخَرُونَ»، قُلْتُ لَهُ: لَوْ لَمْ يُكْتَبِ العِلْمُ لَذَهَبَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَوْلاَ كِتَابَةُ الْعِلْمِ أَيُّ شَيْءٍ كُنَّا نَحْنُ؟». قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: وَسَأَلْتُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ، فَقَالَ: كَمَا قَالَ أَحْمَدُ سَوَاءً. وَرَوَى عَنْ أَبِي زُرْعَةَ قَالَ: [سَمِعْتُ] أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنَ مَعِينٍ، يَقُولاَنِ: «كُلُّ مَنْ لاَ يَكْتُبِ الْعِلْمَ لاَ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْغَلَطُ». وَرَوَى عَنْ الرِّيَاشِيُّ [قَالَ]: قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، «اجْعَلْ مَا تَكْتُبُ بَيْتَ مَالٍ، وَمَا فِي صَدْرِكَ لِلنَّفَقَةِ». وَرَوَى عَنْ المُبَرِّدِ، [قَالَ]: قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، «مَا سَمِعْتُ شَيْئًا إِلاَّ كَتَبْتُهُ، وَلاَ كَتَبْتُهُ إِلاَّ حَفِظْتُهُ، وَلاَ حَفِظْتُهُ إِلاَّ نَفَعَنِي». ... وأما حصول هذه الأمور من بعض الصحابة: فلو سلمنا أن عمل هذا البعض حجة فلا دلالة فيه على عدم حُجِّيَّةَ السُنَّةِ، لما علمته في الكلام على نهي النبي ﷺ عن الكتابة: حيث بينا هناك عدم دلالته على عدم الحُجِّيَةِ، وأن الكتابة ليست من لوازمها، وأن النهي إنما كان لعلل أخرى يمكن مجيئها هنا. ولا دلالة فيه اَيْضًا على أن النهي متأخر عن الإذن وناسخ له. لأنا إذا ذهبنا مذهب ابن قتيبة والخطابي (المذكور في القول السادس في البحث المتقدم) من أن كُلاًّ من النهي والإذن عام في جميع الأحوال والأشخاص - نقول: إنهم إنما استمروا على هذه الأمور بعد وفاته ﷺ : لأنهم لم يطلعوا على إذنه فاعتقدوا استمرار الحكم وعدم نسخه. لا لأن النهي في الواقع متأخر عن الإذن وناسخ له. وإلا لما حصل إجماع من بعدهم على الإذن والإباحة. وإذا ذهبنا مذهب المخصصين لكل من النهي والإذن بأي نوع من أنواع التخصيص المتقدمة - نقول: إن امتناع من امتنع من الصحابة أو التابعين عن الكتابة،
следующие страницы →