وَرَوَى عَنْ إِسْحَاقٍ بْنَ مَنْصُورٍ قَالَ: قُلْتُ لأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مَنْ كَرِهَ كِتَابَ الْعِلْمِ؟ قَالَ: «كَرِهَهُ قَوْمٌ وَرَخَّصَ فِيهِ آخَرُونَ»، قُلْتُ لَهُ: لَوْ لَمْ يُكْتَبِ العِلْمُ لَذَهَبَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَوْلاَ كِتَابَةُ الْعِلْمِ أَيُّ شَيْءٍ كُنَّا نَحْنُ؟». قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: وَسَأَلْتُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ، فَقَالَ: كَمَا قَالَ أَحْمَدُ سَوَاءً.
وَرَوَى عَنْ أَبِي زُرْعَةَ قَالَ: [سَمِعْتُ] أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنَ مَعِينٍ، يَقُولاَنِ: «كُلُّ مَنْ لاَ يَكْتُبِ الْعِلْمَ لاَ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْغَلَطُ».
وَرَوَى عَنْ الرِّيَاشِيُّ [قَالَ]: قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، «اجْعَلْ مَا تَكْتُبُ بَيْتَ مَالٍ، وَمَا فِي صَدْرِكَ لِلنَّفَقَةِ».
وَرَوَى عَنْ المُبَرِّدِ، [قَالَ]: قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، «مَا سَمِعْتُ شَيْئًا إِلاَّ كَتَبْتُهُ، وَلاَ كَتَبْتُهُ إِلاَّ حَفِظْتُهُ، وَلاَ حَفِظْتُهُ إِلاَّ نَفَعَنِي».
...
وأما حصول هذه الأمور من بعض الصحابة: فلو سلمنا أن عمل هذا البعض حجة فلا دلالة فيه على عدم حُجِّيَّةَ السُنَّةِ، لما علمته في الكلام على نهي النبي ﷺ عن الكتابة: حيث بينا هناك عدم دلالته على عدم الحُجِّيَةِ، وأن الكتابة ليست من لوازمها، وأن النهي إنما كان لعلل أخرى يمكن مجيئها هنا.
ولا دلالة فيه اَيْضًا على أن النهي متأخر عن الإذن وناسخ له. لأنا إذا ذهبنا مذهب ابن قتيبة والخطابي (المذكور في القول السادس في البحث المتقدم) من أن كُلاًّ من النهي والإذن عام في جميع الأحوال والأشخاص - نقول: إنهم إنما استمروا على هذه الأمور بعد وفاته ﷺ : لأنهم لم يطلعوا على إذنه فاعتقدوا استمرار الحكم وعدم نسخه. لا لأن النهي في الواقع متأخر عن الإذن وناسخ له. وإلا لما حصل إجماع من بعدهم على الإذن والإباحة.
وإذا ذهبنا مذهب المخصصين لكل من النهي والإذن بأي نوع من أنواع التخصيص المتقدمة - نقول: إن امتناع من امتنع من الصحابة أو التابعين عن الكتابة،
стр. 76
ومنعه الغير منها وإحراقه لما كتب - إنما كان عند تحقق حالة من حالات النهي المتقدمة التي يمكن وجودها في عصرهم. كأن كان يخشى اشتباه القرآن بالسنة إذا كتبت معه في صحيفة واحدة أو مطلقا. أو يخشى الاتكال على الكتابة وترك الحفظ الذي يميل إليه بطبعه، ويرى في تركه مضيعة للعلم وذهابا للفقه والفهم.
ومثل ذلك يقال في التدوين وجمع السُنَّةِ في كتاب واحد كالقرآن.
ونزيد كون التدوين من لوازم الحُجِّيَةِ بطلانًا فنقول:
لو كان عدم التدوين دليلاً على عدم الحُجِّيَةِ لصح أن يقال: إن أبا بكر وزيد بن ثابت لما امتنعا عن جمع القرآن في أول الأمر كانا يفهمان أن القرآن ليس بحجة. وذلك ما لا يمكن أن يتصور في أبي بكر وزيد. ولكن الواقع أنهما إنما امتنعا عن جمعه أول الأمر: لأنه عمل لم يعمله الرسول قبلهما ولم يأمر به. ثم لما وجدا أن المصلحة والخير كل الخير في جمعه قاما به.
روى " البخاري " من طريق ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ،: أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: «أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ اليَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عِنْدَهُ»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ القَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمَامَةِ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بِالقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ القُرْآنِ، قُلْتُ لِعُمَرَ: «كَيْفَ [تَفْعَلُ] شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟» قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ، «فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ»، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لاَ نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، «فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ»، قُلْتُ: «كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟»، قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، " فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ العُسُبِ وَاللِّخَافِ، وَصُدُورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ
стр. 77
غَيْرِهِ، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ (١) [التوبة: ١٢٨] حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ﵁ ".
فهذا يدلك على أن عدم التدوين ليس دليلاً على عدم الحُجِّيَةِ. بل قد يكون لسبب آخر من الأسباب المتقدمة أو التي سنذكرها.
ثم إنا نجد أن عمر كان مترددًا في تدوين السُنَّةِ وجمعها في كتاب واستشار الصحابة في ذلك. فمنهم من أشار عليه بتدوينها. ولو كان التدوين متلازمًا مع الحُجِّيَةِ: للزم من تردده في حُجِّيَّةَ السُنَّةِ. أفيصح أن يظن ظان أن تردده هذا ناشئ عن تردده في حجيتها؟ لا يمكن أن يظن أن عمر يمضي عليه الزمن الطويل - من وقت إسلامه إلى أن تردد في تدوينها زمن خلافته - وهو متردد في كونها حُجَّةً. ولقد كان ﵁ حريصًا أشد الحرص على معرفة ما دون هذا الأمر الخطير - من الأحكام - من النبي ﷺ والبحث عنه. وقد كان يسارع في إبداء رأيه في كثير من المواقف مع الصراحة المتناهية. فلا يخلو حاله إذن من أحد أمرين: إما يكون مُعْتَقِدًا حُجِّيَّتَهَا، أَوْ مُعْتَقِدًا عَدَمَهَا. وعلى كل فلا يصح أن يكون تردده في التدوين ناشئًا عن تردده في حُجِّيَّةَ السُنَّةِ. بل لا بد أن يكون قد نشأ عن تردده فيما جد من الأسباب التي حملته على البحث في أمر تدوين السُنَّةِ.
ثم نزيد امتناع بعضهم عن التدوين، وإحراقهم لما دَوَّنُوهُ - سببين آخرين:
أولهما: أنه لشدة ورعه وخوفه من الله تعالى خشي أن يتمسك أحد بعده بحديث يدونه ويكون هذا الحديث المدون قد رواه له رجل ظاهره الثقة وهو كذوب، أو ظاهره أنه قوي الحفظ وهو ضعيفه. أو أنه إذا لم يكن هناك واسطة بينه وبين الرسول يحتمل أن يكون هو نفسه قد بدل حَرْفًا بحرف فيه سَهْوًا. وإلى هذا أشار أبو بكر في قوله لعائشة مبينا سبب إحراقه ما دونه من الأحاديث الذي ذكره صاحب الشبهة «خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ وَهِيَ عِنْدَكِ فَيَكُونُ فِيهَا أَحَادِيثٌ عَنْ رَجُلٍ
стр. 78
اِئْتَمَنْتُهُ وَوَثِقْتُ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ كَمَا حَدَّثَنِي. فَأَكُونُ قَدْ تَقَلَّدْتُ ذَلِكَ» (*). وقوله في الرواية الأخرى: «إِنِّي حَدَّثْتُكُمْ الحَدِيثَ وَلاَ أَدْرِي لَعَلِّي لَمْ أَسْمَعْهُ حَرْفًا حَرْفًا».
وثانيهما: أنه من المعلوم أن الواحد منهم أو الاثنين أو العشرة أو المائة لا يمكنهم أن يجمعوا كل ما صدر عن النبي ﷺ في كتاب واحد. كما حصل في القرآن. لأنه لا يوجد أحد منهم قد لازم النبي ملازمة تامة في جميع لحظات رسالته. ولو فرض ذلك فلا يمكنه أن يقوم بحفظ كل ما صدر منه واستذكاره وتدوينه. ولا يمكن اَيْضًا أن يجتمع عدد معين منهم قد وزعوا زمنه ﷺ عليهم وتقاسموه وتناوبوا ملازمته حتى لا يخرج عن حفظهم شيء مما صدر منه. ولقد تكون صحبة الواحد منهم له ﷺ ساعة واحدة ويكون منفردًا فيها ويصدر منه في هذه الساعة ما لم يطلع عليه غيره أصلاً. ولذلك وجب القول بأن كل فرد من الصحابة يحتمل أنه قد حمل شيئًا من السُنَّةِ لم يحمله غيره. ولا يمكن لأحد مهما أوتي من السلطان أن يجمع جميع الصحابة (وهم ألوف) (١) بعد وفاته ﷺ ويأخذ منهم جميع ما حملوه وَيُدَوِّنُهُ.
فلما رأوا أنهم غير قادرين على هذا امتنعوا عن التدوين وأحرقوا ما دونوا، مخافة
стр. 79
أن يعتقد من بعدهم أنهم بذلوا كل الجهد وأمكنهم استيعاب كل السُنَّةِ - كما فعلوا في القرآن - وجمعوها في هذا الكتاب المدون. ويعتقد أن ما عدا ما فيه - مما يتحدث به الرواة - ليس منها. أو لا يعتقد ذلك لكنه يقدم ما دونوه على ما يروى مشافهة عند التعارض. وقد يكون في الواقع المروي مشافهة نَاسِخًا لِلْمُدَوَّنِ. وفي ذلك كله ما فيه: من الخطر وضياع جزء كبير من الأحكام الشرعية.
ولا يخفى أن هذا الاعتقاد محتمل الوقوع من المتأخرين إذا كان المدون للسنة أكابر الصحابة الذين كانوا أكثر ملازمة له ﷺ من غيرهم وخصوصًا نحو أبي بكر وعمر.
وأنت إذا نظرت فيما رواه صاحب الشبهة من قول أبي بكر: «وَيَكُونُ قَدْ بَقِيَ حَدِيثٌ لَمْ أَجِدْهُ» (*) فيقال: لو كان قاله رسول الله ﷺ ما خفي على أبي بكر ". تتأكد مما قلناه.
فأما إذا قام بالتدوين صحابي لم تعلم عنه الملازمة له ﷺ فمثل هذا الاحتمال بعيد جِدًّا. وأبعد منه أن يتوهم متوهم أن إمامًا مثل الزهري أو البخاري أو مسلم - ممن بذلوا كل الجهد في استقصاء الأحاديث وتدوينها - أمكنه أن يجمع جميع السنة وذلك لبعد العهد واتساع رقعة الإسلام، وموت الصحابة أو معظمهم، وتزايد عدد الحَمَلَةِ من التابعين ومن بعدهم تزايدًا يجعل العقل يحكم لأول وهلة أن نحو الزهري لا يمكنه أن يقابلهم جميعًا ولا أن يأخذ عنهم جميع ما حملوا.
وإذا كان الاحتمال بالنسبة لهؤلاء مندفعًا بالبداهة فلا بأس من تدوينها منهم ومن نحوهم. بل هو مطلوب لطول العهد وموت الحَمَلَةِ الثقات ولضعف الحفظ واختلاط العجم بالعرب وانتشار مدنيتهم بينهم وتعلم أكثرهم الكتابة وخروجهم عن طبيعتهم الأولى من الاعتماد على الحفظ. ولانتشار الكذب على رسول الله ﷺ - بسبب تعدد المذاهب ونشوء الفرق وكثرة الإلحاد والزندقة - انتشارا احتيج معه إلى تأكيد ثبوت ما صح عنه ﷺ بكتابة الثقات النقدة وتدوينهم، حتى يتميز الصحيح
стр. 80
تمام التميز من المكذوب.
قال الحافظ ابن حجر - في مقدمة الفتح (١) - «اعلم علمني الله وإياك أن آثار النبي ﷺ لم تكن في عصر أصحابه وكبار تابعيهم مدونة في الجوامع ولا مرتبة لأمرين (أحدهما): أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك - كما ثبت في " صحيح مسلم " - خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم. (وثانيهما) لسعة حفظهم وسيلان أذهانهم ولأن أكثرهم لا يعرفون الكتابة. ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار، وتبويب الأخبار. لما انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار». اهـ.
ولذلك كله أمر عمر بن عبد العزيز ﵁ الولاة والعلماء بجمع الحديث وتدوينه. وأرسل صورة من المكتوب إلى كل مصر.
قال أبو عبد الله البخاري - في تعاليقه: وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: «انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهَابَ العُلَمَاءِ، وَلاَ تَقْبَلْ إِلاَّ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلْتُفْشُوا العِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لاَ يَعْلَمُ، فَإِنَّ العِلْمَ لاَ يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا». ورواه مالك في " الموطأ " (رواية محمد بن الحسن) مختصرًا (٢). وأخرج الهروي في " ذم الكلام " من طريق يحيى بن سعيد عن عبد الله بن دينار قال: «[لَمْ يَكُونُوا يَكْتُبُونَ] الْحَدِيثَ إِنَّمَا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا لَفْظًا وَيَأْخُذُونَهَا حِفْظًا إِلاَّ كِتَابَ الصَّدَقَاتِ وَالشَّيْءَ اليَسِيرَ الَّذِي يَقِفُ عَلَيْهِ الْبَاحِثُ بَعْدَ الاسْتِقْصَاءِ، حَتَّى خِيفَ عَلَيْهِ الدُّرُوسُ وَأَسْرَعَ فِي الْعُلَمَاءِ الْمَوْتُ أَمَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ [الأُمَوِيُّ] أَبَا بَكْرٍ الْحَزْمِيَّ - فِيمَا كَتَبَ إِلَيْهِ - " أَنِ انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ سُنَّةٍ أَوْ [حَدِيثِ عُمَرَ] فَاكْتُبْهُ فَإِنِّي أَخَافُ دروس الْعلم» (٣). وأخرجه أبو نعيم في " تاريخ أصبهان " بلفظ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الآفَاقِ:
стр. 81
«انْظُرُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاجْمَعُوهُ [وَاحْفَظُوهُ؛ فَإِنِّي أَخَافُ دُرُوسَ الْعِلْمِ، وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ]» (١). وروى عبد الرزاق (*) عَنْ ابْنَ وَهْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا، يَقُولُ: «إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَكْتُبُ إِلَى الأَمْصَارِ يُعَلِّمُهُمُ السُّنَنَ وَالْفِقْهَ، وَكَانَ يَكْتُبُ إِلَى الْمَدِينَةِ يَسْأَلُهُمْ عَمَّا مَضَى، وَيَعْلَمُ مَا عِنْدَهُمْ، وَيَكْتُبُ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنْ يَجْمَعَ لَهُ السُّنَنَ، وَيَكْتُبُ إِلَيَّ بِهَا، فَتُوُفِّيَ ﵀ وَقَدْ كَتَبَ ابْنُ حَزْمٍ كُتُبًا قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ بِهَا إِلَيْهِ» (٢).
وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ زِيَادٍ مَوْلَى [الزُّبَيْرِيِّينَ] قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ يُحَدِّثُ سَعْدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ [قَالَ]: «أَمَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِجَمْعِ السُّنَنِ. فَكَتَبْنَاهَا دَفْتَرًا دَفْتَرًا، فَبَعَثَ إِلَى كُلِّ أَرْضٍ لَهُ عَلَيْهَا سُلْطَانٌ دَفْتَرًا».
قال ابن حجر في مقدمة " الفتح " - بعد قوله المتقدم -: «فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما. وكانوا يصنفون كل باب على حِدَةٍ. إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة فدونوا الأحكام: فصنف الإمام مالك " الموطأ " وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز، ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم. وصنف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْجٍ بمكة. وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي بالشام. وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري بالكوفة وأبو سلمة حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم. إلى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث النبي ﷺ خاصة. وذلك على رأس المائتين. فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي " مُسْنَدًا ". وصنف مسدد بن مسرهد البصري " مُسْنَدًا ". وصنف أسد بن موسى الأموي " مُسْنَدًا ". وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر " مُسْنَدًا ". ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أثرهم. فَقَلَّ إمام إلا وصنف حديثه على المسانيد: كالإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة وغيرهم من النبلاء».
стр. 82
«ومنهم من صنف على الأبواب وعلى المسانيد معا: كأبي بكر بن أبي شيبة».
«فلما رأى البخاري هذه التصانيف ورواها، وانتشق ريها، واستجلى محياها - وجدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين والكثير منها يشمله التضعيف فلا يقال لغثه سمين. فحرك همته لجمع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوى عزمه على ذلك ما سمعه من أستاذه:. . . إسحاق بن راهويه حيث قال لمن عنده والبخاري فيهم: لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله ﷺ قال البخاري: فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح». اهـ. باختصار.
قال في " قواعد التحديث ": قال السيوطي: «وَهَؤُلاَءِ الْمَذْكُورُونَ فِي أَوَّلِ مَنْ جَمَعَ، كُلُّهُمْ فِي أَثْنَاءِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا ابْتِدَاءُ تَدْوِينِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ وَقَعَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ فِي خِلاَفَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَأَفَادَ الحَافِظُ فِي " الفَتْحِ " اَيْضًا (١): أَنَّ أَوَّلَ مَنْ دَوَّنَ الحَدِيثَ ابْنُ شِهَابٍ بِأَمْرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. كَمَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدٍ بْنِ الحَسَنِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ العِلْمَ ابْنُ شِهَابٍ». يَعْنِي الزُّهْرِيُّ».
...
ولذلك اَيْضًا: انعقد الإجماع بعد عصر التابعين على إباحة الكتابة وتدوين السُنَّةِ. بل ذهب بعضهم إلى ندبها ووجوبها (٢).
قال القاضي عياض: (٣) «كَانَ بَيْنَ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ اِخْتِلاَفٌ كَثِيرٌ فِي كِتَابَةِ العِلْمِ: فَكَرِهَهَا كَثِيرُونَ مِنْهُمْ وَأَجَازَهَا أَكْثَرُهُمْ. ثُمَّ أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِهَا وَزَالَ ذَلِكَ الخِلاَفُ». اهـ.
стр. 83
وقال ابن الصلاح (١): «اخْتَلَفَ الصَّدْرُ الأَوَّلُ ﵃ فِي كِتَابَةِ الْحَدِيثِ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ كِتَابَةَ الْحَدِيثِ، وَالْعِلْمِ، وَأَمَرُوا بِحِفْظِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ ... ثُمَّ إِنَّهُ زَالَ ذَلِكَ الخِلاَفُ وَأَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى تَسْوِيغِ ذَلِكَ وَإِبَاحَتِهِ، وَلَوْلاَ تَدْوِينُهُ فِي الكُتُبِ لَدُرِسَ فِي الأَعْصُرِ الآخِرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ». اهـ.
وقال ابن حجر: (٢) « ... [لأَنَّ] السَّلَفَ اِخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَمَلاً وَتَرْكًا، وَإِنْ كَانَ الأَمْرُ اِسْتَقَرَّ وَالإِجْمَاعُ اِنْعَقَدَ عَلَى جَوَازِ كِتَابَةِ العِلْمِ، بَلْ عَلَى اِسْتِحْبَابهِ، بَلْ لاَ يَبْعُدُ وُجُوبَهُ عَلَى مَنْ خَشِيَ النِّسْيَانَ مِمَّنْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ تَبْلِيغُ العِلْمِ». اهـ.
...
اِمْتِنَاعُ الصَّحَابَةِ عَنْ التَّحْدِيثِ بِالسُنَّةِ وَنَهْيِهِمْ عَنْهُ:
فإن قيل: قد ظهرت الحكمة في امتناعهم عن كتابة السُنَّةِ وتدوينها. ولكن ماذا تقول في امتناعهم عن التحديث بها ونهيهم عنه؟ أفلا يدل حصول ذلك منهم على أن عدم حُجِّيَّةَ السُنَّةِ كان متقررًا عندهم، وأنهم علموا إرادة الشارع أن لا تنقل حتى لا يتخذها الناس دليلاً على الأحكام الشرعية؟.
قلت: لا يصح بحال أن يتوهم متوهم أنهم امتنعوا عن التحديث في جميع الأحوال. ولا أن يتوهم أن امتناعهم في بعض الأحوال كان ناشئًا من عدم حجيتها.
وكيف يصح هذا الوهم وقد ثبت أن رسول الله ﷺ أمرهم بالتحديث وتبليغ ما يصدر منه إلى من بعدهم كما تقدم. وأنه قال فيما يرويه ابن عباس عنه: «تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ».
وقد تواتر عن الصحابة أنفسهم - سواء منهم من كان ينهى ويمتنع عن
стр. 84
التحديث ومن كان لا يحصل منه ذلك - أنهم جميعًا كانوا أحرص الناس على التمسك بالسنة وعلى تبليغها والتحدث بها إذا لم يطرأ شيء من الموانع التي سنذكرها. وعلى الاحتجاج بها على الغير. وعلى الاقتناع بها إذا احتج بها الغير عادلين عن آرائهم حينئذ. وعلى الرجوع إليها فيما يطرأ بها من الحوادث وعلى حث غيرهم على العمل بها كل ذلك بدون نكير.
فهذا أبو بكر يحتج بحديث «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» على الأنصار يوم السقيفة فيقتنعون به. ويحتج بحديث «نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» على فاطمة فتقتنع به. ويقضي بحديث ميراث الجدة الذي رواه المغيرة بعد أن تأكد ثبوته برواية محمد بن مسلمة له. ويحتج عليه عمر بحديث «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ» فيرد عليه بقوله في آخر الحديث: «إِلاَّ بِحَقِّهَا».
وهذا عمر يقول - وهو يقبل الحجر الأسود -: « ... وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ». ويتحدث على ملأ من الناس فوق منبر رسول الله - بحديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». ويقتنع بحديث الاستئذان الذي يرويه له أبو موسى بعد أن شهد بصحته أبو سعيد. وهو الناشد للناس في غير موقف - بل في مواقف شَتَّى: من عنده علم عن رسول الله ﷺ في كذا. (نحو ما ذكره مالك وغيره عنه في توريث المرأة من دية زوجها وفي الجنين يسقط عند ضرب بطن أمه وغير ذلك مما تقدم). وهو الكاتب إلى عُمَّالِهِ: «تَعَلَّمُوا [الْفَرَائِضَ] وَالسُّنَّةَ وَاللَّحْنَ كَمَا تَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ». وهو القائل: «إِيَّاكُمْ وَالرَّأْيَ، فَإِنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ أَعْدَاءُ السُّنَنِ، أَعْيَتْهُمُ الأَحَادِيثُ أَنْ يَحْفَظُوهَا». والقائل: «خَيْرُ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ ». والقائل: «سَيَأْتِي قَوْمٌ يُجَادِلُونَكُمْ بِشُبُهَاتِ الْقُرْآنِ فَخُذُوهُمْ بِالسُّنَنِ؛ فَإِنَّ أَصْحَابَ السُّنَنِ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ ».
وَهَذَا عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - يَقُولُ: «إِذَا حَدَّثْتُمْ - وفي رواية «إِذَا حَدَّثْتُكُمْ» - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ حَدِيثًا فَظُنُّوا بِهِ الَّذِي [هُوَ] أَهْنَأُ وَأَهْدَى وَأَتْقَى. وفي رواية: «فَظُنُّوا بِرَسُولِ اللهِ أَهْنَاهُ وَأَتْقَاهُ وَأَهْدَاهُ».
أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لأَنْفَذْتُهَا».
وهذا البراء بن عازب يقول فيما يرويه أحمد: «مَا كُلُّ الحَدِيثِ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ، كَانَ يُحَدِّثُنَا أَصْحَابُنَا عَنْهُ، كَانَتْ تَشْغَلُنَا عَنْهُ رَعِيَّةُ الإِبِلِ».
وَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ يَحْكِي عَنْهُ مُجَاهِدٌ - فِيمَا رَوَاهُ " مُسْلِمٌ " - فَيَقُولُ: جَاءَ بُشَيْرٌ الْعَدَوِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ، وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ لاَ يَأْذَنُ لِحَدِيثِهِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَالِي لاَ أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِي، أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلاَ تَسْمَعُ؟، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلاً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ، وَالذَّلُولَ، لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلاَّ مَا نَعْرِفُ».
والآثار في ذلك عن كثير من الصحابة كثيرة تفوت الحصر والعد. وقد سبق كثير منها في حُجِّيَّةَ السُنَّةِ. ومجموعها يفيدنا إفادة قطعية أنهم ما كانوا يمتنعون عن التحديث لذات التحديث. ولا لأن الحديث ليس بحجة في نظرهم. بل لبعض الموانع التي تطرأ. ويفيدنا اَيْضًا أن حُجِّيَّةَ السُنَّةِ متقررة في نفوسهم مجمعون عليها.
وهذا يحملنا على أن نبحث عن أسباب أخرى غير ما ذكر صاحب الشبهة تكون قد حملتهم في بعض الأحوال على الامتناع عن التحديث وعلى النهي عنه (وهذا ما سنبحثه بعد) إذ لا يصح بعد أن ثبت أمر النبي بالتبليغ والتحديث. وبعد ما ثبت من إجماعهم على حُجِّيَّةَ السُنَّةِ، وعلى حرصهم على امتثال ذلك الأمر. وبعد قيام الأدلة القاطعة على حُجِّيَّتِهَا - أن يتوهم أنهم إنما امتنعوا ونهوا لعدم حجيتها في نظرهم.
ولو فرضنا أن امتناعهم ونهيهم قد ثبت. وفرضنا كذلك دلالتهما على عدم الحُجِّيَةِ - أفيسوغ لك يا هذا الذي له رأس بين كتفيه وعقل في ذلك الرأس - يا من تذهب إلى أن الإسلام هو القرآن وحده وأنه لا دليل على الأحكام سواه ولو كان هذا الدليل قول أو عمل ذلك النبي الذي كان ينزل عليه الوحي من السماء وكان
стр. 87
لا ينطق عن الهوى - أفيسوغ لك ويمكنك أن تتصور ما لا يتصوره الطفل أن امتناع أو نهي صحابي واحد أو اثنين أو عدد من الصحابة - عن التحديث يكون دليلاً لك - صحيحًا معتبرًا في نظر الشارع - على عدم الحُجِّيَةِ في الوقت الذي تهدر فيه قول الرسول والإجماع ودلالة القرآن نفسه والأدلة الأخرى على الحُجِّيَةِ.
لا يجوز لك يا هذا أن تفعل ذلك، لأنه مخالف لقاعدتك من أن الإسلام هو القرآن وحده، كما هو مخالف لقاعدتنا من أن السُنَّةَ وإجماع الصحابة حُجَّتَانِ كالقرآن، وأن عمل الصحابي أو قوله ليس بحجة وأنه لو فرضنا أنه حجة فامتناعه ونهيه محتملان لأن يكونا لغير عدم الحُجِّيَةِ احتمالاً راجحًا على الاحتمال الذي ذهبت إليه. كما تدل عليه آثارهم المتقدمة وما سيأتي، وأنه لو فرضنا أنهما لا يحتملان إلا ما ذهبت إليه فهو معارض بما ثبت عن هؤلاء الممتنعين الناهين من تحدثهم بالسنة وعملهم بها وبما ثبت عن غيرهم وهم الأكثرون، بل بإجماعهم في الحقيقة، وبما ثبت عن رسول الله ﷺ . ونكون قد تساهلنا معك في التعبير بالتعارض، إذ لا يصح لنا نحن أن نقول بالتعارض بين قول صحابي وبين قول النبي والإجماع، فإنهما مقدمان عندنا ولو كرهت ذلك وكان هذا مما لا يرتضيه عقلك.
وحيث إن استدلالك لا ينطبق على قاعدتك ولا على قاعدتنا كان لغوا من الكلام، لا يصلح للاستدلال ولا للإلزام.
...
الأَسْبَابُ التِي حَمَلَتْهُمْ عَلَى الاِمْتِنَاعِ وَالنَّهْيِ:
ثم إنا سنبين لك الأسباب الحقيقية التي حملتهم على الامتناع والنهي، والتي تدل عليها آثارهم، حتى لا يكون هناك أدنى شبهة في كلامك. فنقول:
السبب الأول: أن بعض الآثار التي تمسكت بها إنما كانوا يمتنعون فيها أو ينهون عن الإكثار من التحديث، لا عن التحديث بالكلية. وذلك منهم خشية وقوع المكثر
стр. 88
في الخطأ وهو لا يشعر , فيتخذ حديثه الذي أخطأ فيه حجة يعمل بها إلى يوم القيامة.
وذلك: لأن الإكثار مظنة للخطأ. والخطأ وإن كان لا إثم فيه إلا أن تعمد مظنته يوجب النسبة إلى التفريط، لأنه في قوة تعمد الكذب «وَمَنْ حَامَ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ».
فلذلك كانوا يتحرزون أشد التحرز، وَيُقِلُّونَ من التحديث، ولا يحدثون إلا بما يثقون به من أنفسهم. ومن كان منهم واثقًا من نفسه مع الإكثار فقد أكثر من التحديث.
وهذه الخشية منهم دليل على عظم شأن السُنَّةِ في نفوسهم، وأنها حجة في الدين يجب العمل بها على عكس ما ذهبت إليه. وهي في الوقت نفسه تملأ قلوبنا احترامًا لهم وثقة بهم واطمئنانًا لما يَرْوُونَهُ عن رسول الله ﷺ .
وإليك الأحاديث والآثار التي تدل على أن خشيتهم من الخطأ كانت سببًا في امتناعهم ونهيهم عن الإكثار. وعلى أنهم ما كانوا يحدثون أو يعملون إلا بما وثقوا به واطمأنوا إليه.
روى أحمد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «اتَّقُوا الحَدِيثَ عَنِّي إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
وروى هو و" ابن ماجه " و " الدارمي " عن أبي قتادة أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على هذا المنبر: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَدِيثِ عَنِّي، مَنْ قَالَ عَلَيَّ فَلاَ يَقُولَنَّ إِلاَّ حَقًّا، أَوْ صِدْقًا، فَمَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ورواه الحاكم اَيْضًا وقال على شرط مسلم.
وأخرج أحمد عن سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: «مَنْ رَوَى عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَيْنِ» (١). وفي رواية: «الكَذَّابِينَ». وأخرجه
стр. 89
اَيْضًا " مسلم " و" الترمذي " و " ابن ماجه " وغيرهم. وأخرجوا مثله من طريق المغيرة بن شعبة.
وروى" مسلم " عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّث بِكُلِّ مَا سَمِعَ».
وأخرج ابن عبد البر من طريق مالك ومعمر وغيرهما عن عمر بن الخطاب - في حديث السقيفة - أنه خطب يوم الجمعة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ لِي أَنْ أَقُولَهَا، مَنْ وَعَاهَا وَعَقَلَهَا وَحَفِظَهَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا [حَيْثُ] تَنْتَهِي بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَمَنْ خَشِيَ أَنْ لاَ يَعِيَهَا فَإِنِّي لاَ أُحِلُّ لَهُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ. إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ مَعَهُ الْكِتَابَ فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ مَعَهُ [آيَةُ] الرَّجْمِ».وذكر الحديث.
وذكر ابن عبد البر: [ذَكَرَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، فِي كِتَابِ " التَّمْيِيزِ "] ... عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، يَقُولُ: «مَنْ سَمِعَ حَدِيثًا، فَأَدَّاهُ كَمَا سَمِعَ فَقَدَ، سَلِمَ».
وروى " مسلم " عن عمر أنه قال: «بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ». وروي عن عبد الله مثل قول عمر.
وأخرج من طَرِيق ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ رَجَاءَ بْنَ أَبِي سَلمَةَ، قَالَ: بَلغنِي أَن مُعَاوِيَة كَانَ يَقُول: «عَلَيْكُمْ مِنَ الحَدِيثِ بِمَا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَخَافَ النَّاسَ فِي الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ذكره الذهبي في " التذكرة ".
وأخرج " أحمد " و " البيهقي " عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - أنه قال: كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي مِنْهُ، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ - وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ -، [قَالَ]: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلاَّ غَفَرَ لَهُ».
وأخرج البيهقي، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةُ «حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وروى " مسلم " عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ (١)، وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَحَدَّثْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ فَأَنْكَرَهُ عَلَيَّ، فَقَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَنَزَلَ بِقَنَاةَ (٢) [فَاسْتَتْبَعَنِي] إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَعُودُهُ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَلَمَّا جَلَسْنَا سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثْتُهُ ابْنَ عُمَرَ.
السبب الثاني: أنهم كانوا يمتنعون أو ينهون عن أن يحدثوا قومًا حديثي عهد بالإسلام ولم يكونوا قد أحصوا القرآن. فخافوا عليهم الاشتغال بغيره عنه: إذ هو الأهم والأصل لكل علم.
وقد يشير إلى هذا السبب قول عمر: «إِنَّكُمْ تَأْتُونَ [أَهْلَ قَرْيَةٍ] لَهُمْ دَوِيٌّ بِالقُرْآنِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ فَلاَ تَصُدُّوهُمْ بِالحَدِيثِ ... ». يعني: أن أهل هذه البلدة اعتنقوا الإسلام حديثًا، وأخذوا يحفظون القرآن ولما ينتهوا من حفظه. فلا تشغلوهم عن الأهم بالمهم.
...
السبب الثالث: أنهم إنما نهوا أو امتنعوا عن الإكثار من الحديث، خوف اشتغال سامح الكثير منهم بحفظه عن تدبر شيء منه وتفهمه، لأن المكثر لا تكاد تراه إلا غير متدبر ولا متفقه.
...
стр. 93
السبب الرابع: أنهم كانوا ينهون أو يمتنعون عن تحديث العامة وضعاف العقول بالأحاديث المتشابهة التي يعسر عليهم فهمها فيحملونها على خلاف المراد منها، ويستدلون بظاهرها على ما يبتدعه السفهاء منهم. أو يكون معناها غير مقبول لعقولهم القاصرة فيعترضون عليها، ويؤدي ذلك إلى تكذيب الله ورسوله.
ولذلك يقول ابْنُ مَسْعُودٍ: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلاَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً». رواه " مسلم ". ويقول عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - «حَدِّثُوا النَّاس بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ». رواه " البخاري " قال ابن حجر: «وَزَادَ آدَم بْن أَبِي إِيَاس فِي " كِتَاب الْعِلْم " لَهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن دَاوُدَ عَنْ مَعْرُوف فِي آخِره " وَدَعُوا مَا يُنْكِرُونَ " أَيْ: يَشْتَبِه عَلَيْهِمْ فَهْمه ... وَمِمَّنْ كَرِهَ التَّحْدِيث بِبَعْضٍ دُون بَعْض أَحْمَد فِي [الأَحَادِيث] الَّتِي ظَاهِرهَا الْخُرُوج عَلَى السُّلْطَان، وَمَالِك فِي أَحَادِيث الصِّفَات، وَأَبُو يُوسُف فِي الْغَرَائِب، وَمِنْ قَبْلهمْ أَبُو هُرَيْرَة». حيث يروي " البخاري " عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «حَفِظْتُ [مِنْ] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ: فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ» ... قال ابن حجر: «وَحَمَلَ الْعُلَمَاء الْوِعَاء الَّذِي لَمْ يَبُثّهُ عَلَى الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا تَبْيِين أَسَامِي أُمَرَاء السُّوء وَأَحْوَالهمْ وَزَمَنهمْ ... [وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ الأَحَادِيث المَكْتُومَة لَوْ كَانَتْ مِنْ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مَا وَسِعَهُ كِتْمَانهَا لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْحَدِيث الأَوَّل] مِنْ الآيَة الدَّالَّة عَلَى ذَمّ مَنْ كَتَمَ الْعِلْم. [وَقَالَ غَيْره]: يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ مَعَ الصِّنْف الْمَذْكُور مَا يَتَعَلَّق بِأَشْرَاطِ السَّاعَة وَتَغَيُّر الأَحْوَال وَالْمَلاحِم فِي آخِر الزَّمَان، فَيُنْكِر ذَلِكَ مَنْ لَمْ يَأْلَفهُ، وَيَعْتَرِض عَلَيْهِ مَنْ لاَ شُعُور لَهُ بِهِ» (١) (*).
أو يكون النهي متعلقًا بالأحاديث التي يخشى من العامة الاتكال عليها. مثل حديث الشيخين عَنْ أَنَسٍ: أَنَسٍ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، - وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ -، قَالَ: «يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ»، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ»، قَالَ: لَبَّيْكَ
стр. 94
يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلاَثًا، قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ»، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلاَ أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا» وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا. أي: خروجا من الإثم، وهو إثم كتم العلم ممن يؤمن عليه الاتكال. وكان سكوته إلى ذلك الحين امتثالاً للنهي عن الإشاعة كما ينبئ عنه ترجمة البخاري هذا الحديث بباب: (بَابُ مَنْ خَصَّ بِالعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ، كَرَاهِيَةَ أَنْ لاَ يَفْهَمُوا) كذا قال بعضهم.
وقال ابن حجر (١) بعد أن ذكر نحو هذا وما أورد عليه: «بِأَنَّ مُعَاذًا اِطَّلَعَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْمَقْصُود مِنْ الْمَنْع التَّحْرِيم بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ أَمَرَ أَبَا هُرَيْرَة أَنْ يُبَشِّر بِذَلِكَ النَّاس، فَلَقِيَهُ عُمَر فَدَفَعَهُ وَقَالَ: اِرْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَة، وَدَخَلَ عَلَى أَثَره فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه لَا تَفْعَل، فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِل النَّاس، فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ. فَقَالَ: فَخَلِّهِمْ. أَخْرَجَهُ مُسْلِم. فَكَأَنَّ قَوْله ﷺ لِمُعَاذٍ: " أَخَاف أَنْ يَتَّكِلُوا " كَانَ بَعْد قِصَّة أَبِي هُرَيْرَة، فَكَانَ النَّهْي لِلْمَصْلَحَةِ لَا لِلتَّحْرِيمِ، فَلِذَلِكَ أَخْبَرَ بِهِ مُعَاذ لِعُمُومِ الْآيَة بِالتَّبْلِيغِ».اهـ.
...
стр. 95
الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُمْ بِوُجُودِ أَخْبَارٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ حُجِّيَّةِ السُنَّةِ:
روي أنه ﷺ دعا اليهود فسألهم فحدثوه حتى كذبوا على عيسى ﵇ فصعد النبي ﷺ المنبر، فخطب الناس فقال: «إِنَّ الْحَدِيثَ سَيَفْشُو عَنِّي، فَمَا أَتَاكُمْ عَنِّي يُوَافِقُ الْقُرْآنَ فَهُوَ عَنِّي، وَمَا أَتَاكُمْ عَنِّي يُخَالِفُ الْقُرْآنَ فَلَيْسَ عَنِّي».
وقد روي هذا المعنى من طرق مختلفة، وهو يفيد وجوب عرض ما ينسب إليه ﷺ على الكتاب، وأنه لا يصح التمسك إلا بما ساواه إجمالاً وتفصيلاً دون ما أفاد حكمًا استقلالاً، ودون ما بين حُكْمًا قد أجمله الكتاب، لأن كُلاًّ منهما ليس موجودًا فيه. فتكون وظيفة السُنَّةِ محض التأكيد.
وعلى ذلك: لا تكون حجة على حكم شرعي، لأن دلالة ما هو حجة على شيء، لا تتوقف على ثبوت ذلك الشيء بحجة أخرى.
بل لك أن تمنع التأكيد اَيْضًا. فإنه فرع صلاحية الدليل للتأسيس مفردا فهي لا توصف إلا بالموافقة.
...
وروي أنه ﷺ قال: «إِذَا حُدِّثْتُمْ عَنِّي حَدِيثًا تَعْرِفُونَهُ، وَلاَ تُنْكِرُونَهُ، قُلْتُهُ أَوْ لَمْ أَقُلْهُ، فَصَدِّقُوا بِهِ، فَإِنِّي أَقُولُ مَا يُعْرَفُ، وَلاَ يُنْكَرُ، وَإِذَا حُدِّثْتُمْ عَنِّي حَدِيثًا تُنْكِرُونَهُ وَلاَ تَعْرِفُونَهُ، قُلْتُهُ أَوْ لَمْ أَقُلْهُ، فَلاَ تُصَدِّقُوا بِهِ، فَإِنِّي لاَ أَقُولُ مَا يُنْكَرُ، وَلاَ يُعْرَفُ».
وقد روي هذا المعنى من طرق مختلفة وهذا يفيد عرض ما نسب إليه ﷺ -
стр. 96
على المستحسن المعروف عن الناس من الكتاب أو العقل. فلا تكون السنة حجة، كما تقدم.
...
وروي أنه ﷺ قال: «إِنِّي لاَ أُحِلُّ إِلاَّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَلاَ أُحَرِّمُ إِلاَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ».
ذكر السيوطي (١): أن الشافعي والبيهقي أخرجاه من طريق طاوس هكذا. والذي في " جماع العلم " (٢): أنه ﷺ قال: «لاَ يُمْسِكَنَّ النَّاسُ عَلَىَّ بِشَىْءٍ، فَإِنِّي لاَ أُحِلُّ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَلاَ أُحَرِّمُ إِلاَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ». وأشار بعد ذلك إلى أنه من طريق طاوس اَيْضًا.
فالرواية الأولى: تدل على أن ما يصدر منه يكون موافقًا لكتاب الله. فلا يكون حجة كما سبق.
والرواية الثانية: نهى فيها عن التمسك بالسنة والاحتجاج بها.
...
وروي: أن بعض الصحابة سأل النبي ﷺ : هل يجب الوضوء من القيء؟ فأجاب ﷺ : «لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَوَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى».
فدل ذلك: على أنه لا يجب إلا ما في الكتاب ولا توجب السُنَّةُ شَيْئًا.
...
стр. 97
الجواب:
أما عن أحاديث العرض على كتاب الله: فكلها ضعيفة لا يصح التمسك بها. (فمنها) ما هو منقطع. (ومنها) ما بعض رواته غير ثقة أو مجهول. (ومنها) ما جمع بينهما.
وقد بين ذلك ابن حزم في " الإحكام " (١)، والسيوطي في " مفتاح الجنة " (٢) - نقلاً عن البيهقي - بالتفصيل.
وقال الشافعي - في " الرسالة " (٣) -: «ما روى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغر ولا كبر فيقال لنا: قد أثبتم حديث من روى هذا، في شيء. وهذه اَيْضًا رواية منقطعة عن رجل مجهول، ونحن لا نقبل مثل هذه الرواية في شيء». اهـ.
وقال ابن عبد البر - في " جامعه " (٤) -: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: «الزَّنَادِقَةُ وَالْخَوَارِجُ وَضَعُوا ذَلِكَ الْحَدِيثَ». ثم قال (٥): وَهَذِهِ الأَلْفَاظُ لاَ تَصِحُّ عَنْهُ ﷺ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِصَحِيحِ النَّقْلِ مِنْ سَقِيمِهِ وَقَدْ عَارَضَ هَذَا الْحَدِيثَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَقَالُوا: نَحْنُ نَعْرِضُ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَنَعْتَمِدُ عَلَى ذَلِكَ، قَالُوا: فَلَمَّا عَرَضْنَاهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَجَدْنَاهُ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ؛ لأَنَّا لَمْ نَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَلاَّ نَقْبَلَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلاَّ مَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ، بَلْ وَجَدْنَا كِتَابَ اللَّهِ يُطْلِقُ التَّأَسِّيَ بِهِ والأَمْرَ بِطَاعَتِهِ وَيُحَذِّرُ الْمُخَالَفَةَ عَنْ أَمْرِهِ جُمْلَةً عَلَى كُلِّ حَالٍ». اهـ. , فقد رجع على نفسه بالبطلان.
стр. 98
ثم إنه ورد في بعض طرقه عن أبي هريرة مرفوعا أنه ﷺ قال: «إِنَّهُ سَيَأْتِيكُمْ عَنِّي أَحَادِيثٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَمَا [جَاءَكُمْ] مُوَافِقًا لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِسُنَّتِي فَهُوَ مِنِّي , وَمَا [جَاءَكُمْ] مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».
وهذه الرواية - وإن كانت ضعيفة اَيْضًا - ليست أضعف من غيرها وهي - كما ترى - لنا لا علينا.
ومما يدل على أن الخبر موضوع أنه صح عنه ﷺ أنه قال: «لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِي، مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِى كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ».
قال الشافعي - في " الرسالة " - بعد أن روي هذا الحديث: «فقد ضيق رسول الله على الناس أن يردوا أمره. بفرض الله عليهم اتباع أمره».
...
وعلى تسليم صحة خبر العرض فلا نعتقد أن أحدًا من المسلمين، يذهب إلى أن معنى الحديث: «أن ما يصدر عن رسول الله على نوعين: ما يوافق الكتاب - وهذا يعمل به - وما يخالفه. وهذا يرد». ألا ترى قوله - في الرواية المذكورة - «فَهُوَ عَنِّي». بالنسبة للأول وقوله: «فَلَيْسَ عَنِّي». بالنسبة للثاني وقوله في بعض الروايات التي رواها ابن حزم: «وَمَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى يَقُولَ مَا لاَ يُوَافِقُ القُرْآنَ، وَبِالقُرْآنِ هَدَاهُ اللهُ!؟».
وكيف يكون هذا معنى الحديث ورسول الله ﷺ معصوم - بالاتفاق - عن أن يصدر عنه ما يخالف القرآن، وهو أبلغ الناس حفظًا، وأعظمهم لآياته تدبرًا، وأكثرهم لها ذِكْرًا؟ وقد قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (١) فكل مسلم يعتقد أن كل ما يصدر عنه ﷺ لا يخالف القرآن.
стр. 99
قال الشافعي ﵁ في " جماع العلم " (١): «إن الله ، وضع نبيه ﷺ من كتابه ودينه بالموضع الذي أبان في كتابه. فالفرض على خلقه أن يكونوا عالمين بأنه لا يقول - فيما أنزل الله عليه - إلا بما أنزل عليه، وأنه لا يخالف كتاب الله، وأنه بين عن الله معني ما أراد الله». ثم قال (٢): «ولا تكون سنة أبدًا تخالف القرآن والله تعالى الموفق». اهـ.
فمعنى الحديث - إن صح -: «إذا روي لكم حديث فاشتبه عليكم وجه الحق فيه فاعرضوه على كتاب الله فإذا خالف فردوه فإنه ليس من مقولي».
ثم إنه لا يلزم من عدم مخالفة ما يصدر عنه ﷺ للكتاب بطلان حُجِّيَّةَ السُنَّةِ، وأن لا يبين حُكْمًا قد أجمله القرآن، وأن لا يبين تخصيص عام، أو تقييد مطلق، أو انتهاء حكم ونسخه، وأن لا يوضح مشكلا فيه. (كما فهمه صاحب الشبهة)، فإن هذا البيان موافق، تمام الموافقة لمراد الله تعالى، وإذا نظرنا لظاهر لفظ الكتاب فلو سلمنا أنه غير موافق، وغير محتمل له فهو غير مخالف له. والنبي ﷺ إنما أمر برد المخالف، ولا يلزم من ذلك رَدَّ ما ليس بموافق ولا بمخالف.
ويدلك على هذا رواية أخرى لحديث العرض على الكتاب (رواها ابن حزم): أن رسول الله ﷺ قال: «الحَدِيثُ عَنِّي عَلَى ثَلاَثٍ، فَأَيُّمَا حَدِيثٍ بَلَغَكُمْ عَنِّي تَعْرِفُونَهُ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَاقْبَلُوهُ، وَأَيُّمَا حَدِيثٍ بَلَغَكُمْ عَنِّي لاَ تَجِدُونَ فِي القُرْآنِ مَا تُنْكِرُونَهُ بِهِ، وَلاَ تَعْرِفُونَ مَوْضِعَهُ فِيهِ فَاقْبَلُوهُ، وَأَيُّمَا حَدِيثٍ بَلَغَكُمْ عَنِّي تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُكُمْ، وَتَشْمَئِزُّ مِنْهُ قُلُوبُكُمْ، وَتَجِدُونَ فِي القُرْآنِ خِلاَفَهُ - فَرُدُّوهُ» (*).
فأنت تراه قد جعل ما لم يوافق ولم يخالف واجب القبول. وهذه
стр. 100
الرواية - وإن كانت ضعيفة -: فهي من نوع ما يحتج به صاحب الشبهة.
وعلى ذلك فلا دلالة في هذه الروايات على بطلان الاستدلال بالسنة على حكم لم يتعرض له القرآن، ودلت عليه مستقلة، فإنه حكم لم يخالف القرآن، حيث إنه قد سكت عنه.
بل نقول: إن القرآن قد تعرض له على وجه الموافقة إجمالاً، حيث قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) وعمم ذلك، ولم يخصصه: بكونه موافقًا للقرآن إجمالاً وتفصيلاً، ومن كل وجه. على أن النبي ﷺ قد يفهم من القرآن ما لا يفهمه غيره فنظنه نحن ليس فيه، وهو فيه.
أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عَنِ الحُمُرِ، قَالَ: «مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلاَّ هَذِهِ الآيَةُ الجَامِعَةُ الفَاذَّةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾؟ (٢)».
فانظر - يا من تريد: أن تستقل باستنباط الأحكام من القرآن، بدون اعتماد على السُنَّةِ - أيستطيع عقلك أن يستنبط هذا الحكم من هذه الآية؟.
قال ابن مسعود ﵁: «مَا مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ بُيِّنَ لَنَا فِي القُرْآنِ وَلَكِنَّ فَهْمُنَا يَقْصُرُ عَنْ إِدْرَاكِهِ، فلذلك قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٣)».فانظر هذا من ابن مسعود أحد أجلاء الصحابة، وأقدمهم إسلامًا.
...
وأما حديث العرض على ما يعرفه الناس فرواياته اَيْضًا ضعيفة منقطعة، (كما قال البيهقي وابن حزم وغيرهما) فضلاً عما فيه: من نسبة الكذب إليه ﷺ حيث يقول: «مَا أَتَاكُمْ مِنْ خَبَرٍ فَهُوَ عَنِّي قُلْتُهُ أَوْ لَمْ أَقُلْهُ».
قال البيهقي - في " المدخل " (*): «وَأَمْثَلُ إِسْنَاٍد رُوِيَ فِي هَذَا المَعْنَى رِوَايَةَ
به، والعمل بمقتضاه، واتهام عقولنا.
قال ابن عبد البر: وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَيَّارٍ يَقُولُ: «بَلَغَنِي وَأَنَا حَدَثٌ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنِ اخْتِنَاثِ فَمِ الْقِرْبَةِ وَالشُّرْبِ مِنْهُ» قَالَ: فَكُنْتُ أَقُولُ: إِنَّ لِهَذَا الْحَدِيثِ لَشَأْنًا وَمَا فِي الشُّرْبِ مِنْ فَمِ الْقِرْبَةِ حَتَّى يَجِيءَ فِيهِ هَذَا النَّهْيُ؟ فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: إِنَّ رَجُلاً شَرِبَ مِنْ فَمِ قِرْبَةٍ فَوَكَعَتْهُ حَيَّةٌ فَمَاتَ، وَإِنَّ الحَيَّاتِ والأَفَاعِي تَدْخُلُ فِي أَفْوَاهِ الْقِرَبِ عَلِمْتُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لاَ أَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ مِنَ الحَدِيثِ أَنَّ لَهُ مَذْهَبًا وَإِنْ جَهِلْتُهُ».
وروى ابن عبد البر عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [قَالَ]: قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، «ثَلاَثٌ أَنَا فِيهِنَّ رَجُلٌ، [يَعْنِي] كَمَا يَنْبَغِي، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَأَنَا رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا قَطُّ إِلاَّ عَلِمْتُ أَنَّهُ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ، وَلاَ كُنْتُ فِي صَلاَةٍ قَطُّ فَشَغَلْتُ نَفْسِي بِغَيْرِهَا حَتَّى أقْضِيَهَا وَلاَ كُنْتُ فِي جِنَازَةٍ قَطُّ فَحَدَّثْتُ نَفْسِي بِغَيْرِ مَا تَقُولُ وَيُقَالُ لَهَا حَتَّى أَنْصَرِفَ عَنْهَا». قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: «هَذِهِ الْخِصَالُ مَا كُنْتُ أَحْسَبُهَا إِلاَّ فِي نَبِيٍّ».
...
وأما حديث طاوس: فهو منقطع في كلتا روايته، كما قال الشافعي والبيهقي وابن حزم. وقد رواه من غير طريق طاوس.
ولو فرضنا صحته: فليس - في الرواية الأولى - دلالة على عدم حُجِّيَّةَ السُنَّةِ، ولا على أنه ﷺ لا يأتي إلا بما في الكتاب: من تحليل أو تحريم.
فإنه ليس المراد من الكتاب: القرآن، بل المراد به - كما قال البيهقي - ما أوحي إليه، ثم ما أوحي إليه نوعان: (أحدهما): وحي يتلى. (والآخر): وحي لا يتلى.
والذي حملنا على هذا التأويل والتجوز، نحو قوله ﷺ : «لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ
стр. 103
مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ ... ». الحديث. (وقد تقدم): فإنه يدل على أن الرسول يُحِلُّ أَوْ يُحَرِّمُ ما ليس في الكتاب.
وقد ورد في السُنَّةِ استعمال الكتاب في عموم ما أنزل عليه، فقد روي - في " الأم " -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لأَبِي الزَّانِي بِامْرَأَةِ الرَّجُلِ الَّذِي صَالَحَهُ عَلَى الْغَنَمِ وَالْخَادِمِ: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ [- عَزَّ ذِكْرُهُ -] أَمَا إنَّ الْغَنَمَ وَالْخَادِمَ رَدَّ عَلَيْك وَإِنَّ امْرَأَتَهُ تُرْجَمُ إذَا اعْتَرَفَتْ» وَجَلَدَ ابْنَ الرَّجُلِ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا».
فأنت ترى أنه جعل حكم الرجم والتغريب في كتاب الله، فدل ذلك على أنه أراد به: ما أنزل مطلقًا.
...
ويمكن أن يكون المراد من الكتاب: اللوح المحفوظ. كما قال بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١).
...
ولو سلمنا أن المراد من الكتاب: القرآن، فما أحله رسول الله ﷺ أو حرمه، ولم ينص القرآن عليه -: فهو حلال أو حرام في القرآن، يقول تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) [الحشر: ٧]. وقد تقدم ذلك في الشبهة الأول، فارجع إليه (٣).
وأما الرواية الثانية: فليس معنى قوله: «لاَ يُمْسِكَنَّ النَّاسُ عَلَىَّ بِشَىْءٍ»: تحريم التمسك بشيء مما يصدر منه، والمنع من الاحتجاج به.
وإنما معناه: لا يتمسكن الناس عَلَىَّ بشيء من الأشياء التي خصني الله بها،
стр. 104
وجعل حكمي فيها مخالفًا لحكمهم، ولا يعترض علي معترض فيقول: لم يفعل رسول الله ﷺ كذا , ويحرمه علينا؟ ولم يمنع نفسه من كذا، ويبيحه لنا؟ أو لاَ يَقِسْ أحد نفسه عَلَيَّ في شيء من ذلك: فإني لم أحل لي أولهم، أو أحرم عَلَيَّ أو عليهم شيئًا من نفسي، ولم أفرق بيني وبينهم، وإنما الحاكم في ذلك كله هو الله تعالى: فهو الذي سوى بيني وبينهم في بعض الأحكام، وهو الذي فَرَّقَ بيني وبينهم في بعضها الآخر.
قال الشافعي (١) - بعد أن روى حديث طاوس -: «هَذَا مُنْقَطِعٌ، وَنَحْنُ نَعْرِفُ فِقْهَ طَاوُسٍ وَلَوْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَيَّنَ فِيهِ أَنَّهُ عَلَى مَا وَصَفْت إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ «لاَ يُمْسِكَنَّ النَّاسُ عَلَيَّ بِشَيْءٍ» وَلَمْ يَقُلْ لاَ تُمْسِكُوا عَنِّي بَلْ قَدْ أَمَرَ أَنْ يُمْسَكَ عَنْهُ وَأَمَرَ اللَّهُ بِذَلِكَ».
أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لاَ أَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الأَمْرَ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ فَيَقُولُ: مَا نَدْرِي. [هَذَا] وَمَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ [ ] اتَّبَعْنَاهُ».
وَقَدْ أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِ مَا أَمَرَنَا، وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ، وَفَرَضَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ عَلَى خَلِيقَتِهِ وَمَا فِي أَيْدِي النَّاس مِنْ هَذَا إلاَّ تَمَسَّكُوا بِهِ عَنْ اللَّهِ ﵎، ثُمَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ عَنْ دَلاَلَتِهِ».
ولكن قوله - إن كان قاله -: «لاَ يُمْسِكَنَّ النَّاسُ عَلَىَّ بِشَىْءٍ». يدل على أن رسول الله ﷺ إذ كان بموضع القدوة: فقد كان له خواص أبيح له فيها ما لم يبح للناس، وحرم عليه منها ما لم يحرم على الناس - فقال: «لاَ يُمْسِكَنَّ النَّاسُ عَلَىَّ بِشَىْءٍ» من الذي لي أو عَلَيَّ دونهم، فإن كان عَلَيَّأو لي دونهم: لا يمسكن به». اهـ.
...
стр. 105
وأما خبر السؤال عن الوضوء من القيء -: فلم تنظره أعيننا إلا في مجلة " المنار " (١) في مقال الدكتور صدقي. ولم يبين لنا سنده، ولا الكتاب الذي نقل منه. ولعله من وضع العصر الحديث (٢).
وعلى فرض صحته: فقد علمت جوابه من الكلام على حديث طاوس في الرواية الأولى.
وأما قول الدكتور: «فهذا الحديث - صح أو لم يصح -: فالعقل يشهد له ويوافق عليه، وكان يجب أن يكون مبدأ للمسلمين لا يحيدون عنه»: ففي غاية السقوط بعد ما تبين: من الحجج، ودفع الشبه.
وعقول المسلمين - وهي سليمة، والحمد لله: توجب الأخذ بما جاء به الرسول ﷺ : حيث إنه سفير ورسول بين الله وبين خلقه، وإن لم يكن قد جاء في كتاب.
كما أن رعية الملك - يلزمهم الأخذ بقول رسوله - بعد أن تثبت رسالته - وإن لم يأت لهم بكتاب - بما يقول - من الملك.
وهذا أمر متقرر في بداهة العقول، ولعل العقل الذي وافقه ظاهر خبر القيء، هو: عقل الدكتور فقط.
وأما عقول المسلمين: فنظيفة من خبر القيء ولم تتلوث به. هدانا الله لما فيه الخير والرشاد
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
стр. 106
الفهرس التحليلي
مقدمة ......................................................................... ٣٩٦
* الشُبْهَةُ الأُولَى: قَوْلُهُمْ بِأَنَّ الكِتَابَ قَدْ حَوَى كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر مثل السُنَّةِ، لقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ................... ٣٩٧
- الجواب .................................. ٣٩٧
- تأويل العلماء للآية المذكورة .......... ٣٩٨
- الوجه الثاني ........................... ٤٠١
- الوجه الثالث ........................... ٤٠٢
* الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُمْ إِنَّ اللهَ تَكَفَّلَ بِحِفْظِ القُرْآنِ دُونَ السُنَّةِ، وَلَوْ كَانَتْ السُنَّةُ حُجَّةً وَدَلِيلاً مِثْلَ القُرْآنِ لَتَكَفَّلَ اللهُ بِحِفْظِهَا أَيْضًا:
- الجواب ............................... ٤٠٣
* الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُمْ: لَوْ كَانَتْ السُنَّةُ حُجَّةً لأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِكِتَابَتِهَا وَلَعَمِلَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ عَلَى جَمْعِهَا وَتَدْوِينِهَا!!:
الجواب الإجمالي .................... ٤٠٦
الجواب التفصيلي ................... ٤١٢
- إنما تحصل صيانة الحجة بعدالة حاملها .............. ٤١٣
- الكتابة ليست من لوازم الحجية ....................... ٤١٣
- الكتابة لا تفيد القطع ................................... ٤١٥
- الكتابة دون الحفظ قوة ................................ ٤١٦
- الكتابة دون الحقظ قوة خصوصًا من العرب ومن على شاكلتهم ........ ٤١٧
- وخصوصًا الصحابة والتابعين منهم .................. ٤١٨
- القطع بالقرآن إنما حصل بالتواتر اللفظي ............ ٤١٩
- يجب العمل بظني الثبوت في الفروع ................. ٤٢٣
- الحكمة في أمره ﷺ بكتابة القرآن وحده ......... ٤٣٦
- لا يدل نهيه ﷺ عن كتابة السنة على عدم حجيتها .......... ٤٣٨
- الحكمة في النهي عن كتابة السُنَّةِ ..................................................... ٤٤١
стр. 107
- ثبوت إذنه ﷺ بكتابة السُنَّةِ ..................................... ٤٤٥
- الجمع بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن ............................................... ٤٥٨
- الكلام على كتابة السُنَّةِ وتدوينها في عهد الصحابة ................................... ٤٦٣
- امتناع الصحابة عن التحديث بالسنة ونهيهم عنه ..................................... ٤٧٧
الأسباب التي حملتهم على الامتناع ونهيهم عنه ......................................... ٤٨١
* الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُمْ بِوُجُودِ أَخْبَارٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ حُجِّيَّةِ السُنَّةِ!!:
الجواب ........................... ٤٩١
الخاتمة ........................... ٤٩٩
الفهرس التحليلي
***