← Общие книги

Общие книги · id 37827

وجهة العالم الإسلامي

مالك بن نبي

Полный текст (185 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الهكتارات التي تملكها الدولة أو الملكيات الكبيرة لتوزيعها على الأسر البدوية بمعدل خمسة هكتارات لكل أسرة (١). هذا الإصلاح الزراعي الذي تطبقه اليوم سورية، لا بد أن يؤدي إلى تغيير شامل في بناء المجتمع الإسلامي، وذلك واضح من الوجهة الاقتصادية. أما الأثر الذي ينشأ من دخول الإنسان البدوي ميدان الحياة الاجتماعية، فهو أنه سيزيد دون شك من مقدار الطاقة الإنسانية للدولة، ويغير شروط الحياة النفسية بما يضيف إليها من خمائر بدوية، بل إنه سيؤدي إلى إخصاب فطرة الطبقة البورجوازية في دمشق- وهي فطرة واهنة- بما تحمله البداوة من فطرة عذراء. ولا يغيبن عن نظرنا، ما لهذا العنصر المترحل من أهمية عددية، فإن تمثله في المجتمع لن يتم بمجرد اندماجه في البيئة الجديدة، اندماجاً يؤدي إلى تبدده وفنائه، بل عن طريق انتشاره في الكيان الاجتماعي السوري، انتشاراً يؤدي إلى تعديله وتنظيم استغلال طاقاته، فينتج عن ذلك إثراء في طابع الوطن الاجتماعي، يميزه عن بقية الأوطان العربية، التي لا نجد فيها تنوعاً بين الطبقات، ولا نلمح معالم مميزة لشخصيتها. والواقع أننا نلاحظ في هذه البلاد جمعياً نوعاً موحداً من النقص: ألا وهو نقص التنوع، فهناك الباشا والسوقي، والمثقف والأمي، دون أن يكون بين الطرفين اتصال يرسم صورة مستمرة للكيان الاجتماعي، وهذا عكس ما يحدث في أوربا، حيث تتكاثف المواهب والقرائح المختلفة على ربط ثمرة العبقرية بعمل

стр. 142

اليد، بواسطة (شلالات) من القيم المتدرجة المتكاملة، فتوحد بذلك عمل العالم بعمل الراعي، مارة في طريقها بالطبيب والمهندس والفنان، والعامل المحترف والصانع والفلاح؛ فهذه الثروة التي يتألف منها المسلم الاجتماعي تنقصنا تماماً في العالم الإسلامي المعاصر. وخذ مثلاً الوضع في الجزائر، فهناك يجلس الطبيب على القمة، دون أن يكون بينه وبين السائل المتكفف أي رباط انتقالي، هذا الفقر الاجتماعي يفسر لنا الفقر العقلي الذي أصيبت به طبقات القادة في تلك البلاد، لأن العبقرية ليست سوى فيضان لجهود غامضة، تتصاعد خلال سائر الطبقات الاجتماعية في مجتمع ما كيما تتفجر في قمته. وهنا يمكننا أن نرى تبادلاً حقا بين اليد والفكر فحيثما بطل عمل اليد سقط عمل الفكر حتماً، والعبقرية التي لا تستطيع استخراج عناصرها من ثنايا الدنيا لا يمكنها أن تزدهر في القمة. ولهذا نرى أن العمل الذي بدأ يتكون في سورية عمل مخصب، يدل على نضج الأفكار؛ فلقد انبعثت اليوم الطاقات الخامدة، وطفت على سطح الحياة الاجتماعية، سواء كان ذلك في دستور قومي، أم في حقل متواضع لإزالة الأنقاض والتسوية من أجل البناء. والنهضة الإسلامية تبدو، وكأنما تريد أن تتخلص من فوضاها، وهي تتطلع منذ عهد قريب إلى النظام والتنظيم، فإذا ما بلغت غايتها تلك، فإن معنى هذا أن الإنسان الأميبي، ذلك الفرد المتحلل القابل للاستعمار، قد دخل نطاق الحياة المنتجة، وتفسير ذلك في الإطار الجماعي: أن مجتمع ما بعد الموحدين يسعى نحو مرحلة من الحضارة تتسم بتركيب أصيل لعبقريته الإسلامية الخالصة مع العبقرية (الحديثة). لكن هذا يقتضي معرفة متعمقة للإنسان وإمكانياته ونقائصه، وتقصياً

стр. 143

واعياً للقيم الاجتماعية في الإسلام، فعلم النفس وعلم الاجتماع ضروريان إذن للكشف عن القيم الجديدة في النهضة الإسلامية، وعن الطرق الجديدة التي تزري بها بعض خرافات متخلفة عن عصر ما بعد الموحدين. وعليه، فلكي نعرف الإنسان، ينبغي أن نعرف أنفسنا، وذلك أمر لا يتيسر لقادة العالم الإسلامي، إلا إذا قاموا بعملية استبطان دقيق لذواتهم، واختبار قاس لضمائرهم؛ فإن الإنسان إذا ما أراد أن يعرف العيب الكامن في قضيب من الصلب، يريد أن يتخذ منه محوراً لمحرك في آلة ما، فإنه يخضعه لتحليل معين، كأن يفحصه بالمجهر ليدرس بناءه الداخلي. ولن يكون معقولاً ولاممكناً أن يسلك لهذه الدراسة طرقاً أخرى، فكذلك الحال إذا ما أردنا أن نعرف الإنسان من حيث كونه (محركاً) للحياة الاجتماعية؛ الشروط هي الشروط، في الإطار الإنساني، فنحتاج إلى قدر كبير من الدرس الواعي، فهو وحده الكفيل بالكشف عن العلاقات الخاصة التي تمثل التماسك داخل الشخصية الإنسانية في حركتها وفي نشاطها. وبهذه الطريقة ينقشع الغموض عن خفايا النفس، فما بعد الموحدين، لنتعرف أين ينبغي إحداث التغيير الضروري. ولقد علمنا أن هذه التغييرات مرتبطة دائماً ببعض (التجارب الشخصية)، ارتباطاً أتيح منه للإنسانية أن تكشف عن حقيقتها من خلال تجارب بعض أفرادها. والدين الذي هو التعبير التاريخي والاجتماعي عن هذه التجارب المتكررة خلال القرون، يعد في منطق الطبيعة أساس جميع التغييرات الإنسانية الكبرى، وإذن فلن نستطيع أن نتناول الواقع الإنساني من زاوية المادة فحسب. ومع ذلك، فنحن نعلم مقدار الوهم الذي ينتج عن عكس واقع معين على سطح معين، فقد يحدث أن نرى بأعيننا الدائرة في صورتها الحقيقية دائرة،

стр. 144

ولكنها تبدو لنا في وضع آخر خطاً مستقيماً؛ ورسالة الإنسان في الحياة الاجتماعية أن يكون عاملاً نفسياً زمنياً، فهو لا يؤثر فيها طبقاً لوجوده الزمني فحسب، أعني تبعاً لحاجاته المادية، بل إنه يؤثر طبقاً لوجوده النفسي، أعني طبقاً لحاجاته الروحية، وتلك هي حقيقة الإنسان كاملة، وهي ما ينبغي أن ندركه لنتناوله كلاً غير متجزئ. فما كان لنا أن نحدد شروط تغييره لو غاب عن أعيننا أحد هذين الجانبين، الروحي أو الزمني، فهو من الجانب الأول: إنسان متدين، فالعنصر الديني يتدخل هنا مباشرة في الطريقة التي يتبعها لاستبطان ذاته، باعتباره أساساً لضمير يبحث عن نفسه. هذا الضمير الديني قد ارتبط بالوعي الاجتماعي، ربطهما الإنسان ذاته، ربطاً لا يمكن معه أن ينفصل أحدهما عن الآخر. وإذن: فالإصلاح الديني ضروري باعتباره نقطة في كل تغيير اجتماعي. ولكن كيف نصوغ المشكلة في الإطار الخاص بالعالم الإسلام الحديث .. ؟ لقد رأينا أن المدرسة الإصلاحية قد صاغتها بلغة علم الكلام، بينما صاغها (إقبال) في مصطلحات أخرى، حين نبه على أن المطلوب ليس العلم بالله، ولكنه في أوسع وأدق معانيه (الاتصال بالله)؛ ليس المطلوب مفهوماً كلامياً، ولكنه انكشاف للحقيقة الخالدة وبحسب تعبيره هو (تجلي هذه الذات العلوية). فالاتجاه الإصلاحي- الذي كان من حسناته تحطيم التعادل الخامد الذي استقر عليه عصر ما بعد الموحدين- قد اتجه خاصة إلى الذكاء، وبعبارة أخرى: أدى بالمشكلة إلى (المرحلة الفكرية) من الحضارة، فهو بذلك يتخطى مرحلة جوهرية من مراحل التطور هي: المرحلة الروحية التي تؤدي إلى تغيير الفرد، إلى جانب أنها تؤدي إلى أول تغيير يمكن أن تتعرض له القيم الاجتماعية. فالرجوع إلى (السلف) وهو المبدأ الذي نادت به الحركة الإصلاحية

стр. 145

التقليدية، لم يسجل إذن في نسق من الأحداث التاريخية، فهو بهذا يعد (مزلقة) لا تؤدي بالإنسان إلى مرحلة من الوعي، بل إلى مرحلة يتعلم فيها ما يتصل بعلم الكلام، أي إنه يسلك النهج الذي سبق أن سلكه المسلمون في عصر ما بعد (صفين)، فهو إذن إصلاح للعلم، قلما يمس، بل لا يمس البتة مصير المجموعات الإنسانية. ولقد شذّت عن هذه الوتيرة حركة الإصلاح في الجزائر، بفضل تلك الشخصية العظيمة، شخصية الشيخ عبد الحميد بن باديس، وهو الرجل الذي قدر لإشعاعه أن يبلغ أعماق الضمير الشعبي. ولكن يبدو أن الحركة الإصلاحية في عمومها، لا تملك اليوم ما ظفرت به في بدايتها من نفثة روحية وانتفاضة تصوفية، فظلت كما رأينا تعاليم تهدف إلى تكوين متخصصين بارعين، أكثر مما تتجه إلى خلق مخلصين، ومع ذلك فيبدو أيضاً أنها تتخلى عن مكانها ليحل محلها اتجاه جديد أكثر انطباقاً مع ما دعا إليه إقبال. فمنذ خمسة عشر عاماً نشأت في العالم الإسلامي جماعات دينية، تلمس فيها الضمير المسلم طريقه من جديد. وإحدى هذه الجماعات كان لها في هذا المضمار حظ وافر، فكأنها استجابة حقة لما دعا إليه الاتجاه الجديد في آراء إقبال، ولقد ظفرت تلك الجماعة بأتباع كثيرين من سورية ومصر، ولكنا لا نملك، بكل أسف، ما يكفينا من الأسانيد والوثائق لدراستها، باعتبارها حركة تمتاز في جوهرها بالمؤاخاة العملية التي كان يحملها عنوانها. إن المجتمع الإسلامي الأول لم يتأسس على عاطفة مجردة أو شعور ساذج، بل قام على عمل جوهري هو (المؤاخاة) بين الأنصار والمهاجرين، وكان ذلك ميثاقاً لتلك الحركة الحديثة التي حاولت التأليف بين أعضاء المجتمع، تأليفاً يحمل معنى المشاركة في الأفكار والأموال. ولقد ظفرت الحركة بزعيم، لم يكن فيلسوفاً أو عالم كلام، فقد اكتفى بأن

стр. 146

بعث في الناس إسلاماً خلع عنه سدول التاريخ، وما كان له من نظرية يركن إليها سوى القرآن نفسه، ولكنه القرآن الذي يحرك الحياة؛ وإذ كانت الحركة الإصلاحية التقليدية لم تقم إلا على الأساس ذاته أي على القرآن، وذلك حق لاريب فيه، فإن الآية القرآنية لم تكن لتستخدم في منهجها إلا بوصفها وسيلة منطقية تساق لغرض تعليمي، فالقرآن في منطقها معلم يقدم لها مقاييس من كل نوع، وبراهين تفحم الخصوم، وأدلة تدين بعض التقاليد والبدع التي لا تتفق و (ما جرى عليه السلف)، وهو أيضاً نموذج جمالي، بل مجموعة من المقاييس الأدبية تستخدمها بعض العلوم الاستنباطية كعلوم البلاغة. ففي كل هذه الحالات، لم تكن الفكرة القرآنية لتمس مباشرة ضمير إنسان ما بعد الموحدين أو طبيعته، لا تمس مجال حياته وجوانب فكره ومناحي سلوكه، فهي بذلك أداة (للتجديد) أكثر من أن تكون إلزاماً (بالتجدد)، وهذا ولا شك أمر مهم، إذ كان على أية حال أساس النهضة الراهنة، فالتجديد في رأينا هو التفسير النفسي لما أطلقنا عليه لفظة (التكديس)، ولكنه يعد أيضاً نوعاً من الشرط المادي الضروري لعملية (التجدد)؛ أعني تجدد النفس الذي هو جوهر النهضة، على حين يعد التجديد- الذي يتصل بالفكر وحده- إصلاحاً ظاهرياً. ولقد كان من أثر تلك الحركة التي وصفناها أن تجددت القيمة القرآنية في ذاتها، فأصبحت قيمة ناشطة، ووسيلة فنية لتغيير الإنسان؛ ولطلما اعترف كثير من المثقفين الذين كان من حظهم الاتصال بزعيم الحركة، بأن للرجل قوة خارقة، إذ يجعل من آية القرآن أمراً حياً يملي على الفرد سلوكاً جديداً، ويجذبه جذباً إلى حياة العمل والنشاط. فالفكرة القرآنية هنا، تؤثر في سامعها كأنما دبت الحياة والجدة فيها فجأة على شفاه الرجل، ولعل في قولنا: ((إن الآية تتجدد)) ما يصطدم مع عقول

стр. 147

بعض القراء: إذ أنهم قد ينسبون هذا التجدد- من وجهة نظرهم- إلى سحر اختص به الرجل. ومع ذلك فليس في الأمر سحر ولا سر، فلقد كان ذلك المدرس يذهب ليؤدي صلاة الجمعة في جميع مساجد القاهرة، ثم ينتهز الفرصة ليذكر المؤمنين ببعض تعاليم القرآن، لم يكن يفسر هذا الذي يقرؤه، فلقد ترك التفسير لشيوخ الأزهر، وهم أكثر منه علماً به، فإن بابه متسع للجدل حول مسائل اللغة والكلام والفلسفة والفقه والتاريخ، وهذه أمور علمية محض؛ فعلم التفسير يستطيع أن يبين لنا وجه الحق فيما يعتقده المؤمنون، ولكن هذا (الحق) لن تكون له علاقة بالواقع إلا في المجال الفكري، وهي علاقة نظرية خالصة بين الحياة والعلم، ولو أننا افترضنا أن ما يقوله لنا علم التفسير أحياناً حق لا ريب فيه من جهة كونه فكرة مجردة، فإن هذا الحق لن يكون البتة سبباً في حدوث تغيير ثابت للعوامل الاجتماعية الأساسية، يحيلها (تركيباً) اجتماعياً. والحق أن هذا التركيب هو الذي ينشئ العلاقة العضوية بين المبدأ الاجتماعي وموضوعه، وفي هذا المجال يمكننا أن نوازن تعاليم المدرسة الإصلاحية التقليدية مع تعاليم تلك الحركة الجديدة، فتعاليم تلك المدرسة كانت تنادي مثلاً (بالتضامن الإسلامي) القائم على فكرة الأخوة، وليست هذه سوى عاطفة أحالتها الحركة الجديدة إلى مؤاخاة، أي عمل أساسي يصبح الناس به (إخوة). هذا العمل البسيط هو في الواقع تغيير شامل للإنسان الذي ينقّل خطاه من عصر ما بعد الموحدين إلى عصر النهضة، كما قدر له أن يتخطى بالطريقة نفسها غيابة المجتمع الجاهلي إلى حياة المجتمع الإسلامي، فلكي يتم تغيير الفرد لم يستخدم ذلك الزعيم سوى الآية القرآنية، ولكنه كان يستخدمها في الظروف النفسية عينها التي كان يستخدمها فيها النبي ﷺ وصحابته من بعده، وهذا هو السر كله: أن تستخدم الآية كأنها فكرة موحاة، لا فكرة محررة مكتوبة. وإذا كان قد أتيح لذلك الزعيم أن يؤثر تأثيراً عميقاً في سامعيه، فما ذلك إلا

стр. 148

لأنه لم يكن يفسر القرآن، بل كان يوحيه إلى الضمائر التي يزلزل كيانها، فالقرآن لم يكن على شفتيه وثيقة باردة، أو قانوناً محرراً، بل كان يتفجر كلاماً حياً، وضوءاً آخذاً يتنزل من السماء، فيضيء ويهدي، ومنبعاً للطاقة يكهرب إرادة الجموع. ولم يكن الرجل يتحدث عن ذات الله، كما صورها علم الكلام، أي عن (الله) العقلي، بل كان يتحدث عن (الله) الفعال لما يريد، المتجلي على عباده بالرحمة والقهر، تماماً كما كان المسلمون الأولون يستشعرون حضوره فيما بينهم، ونفحته المادية في بدر وحنين. فالحقيقة القرآنية تتجلى هنا بأثرها المباشر على الضمير، وبتأثيرها في الأناسي والأشياء. و (الفكرة) التي كانت متجردة في قليل أو كثير، قد أخلت مكانها لتشغله (قيمة) مادية محققة، أعني: تركيب ناشط للفكر والعمل، وهما الأمران اللذان يقوم عليهما كل تطور في مجتمع يفكر في عمله، ويعمل بفكره. فتعاليم الزعيم تجربة شخصية لا تستوحى من وثيقة؛ أعني من حروف القرآن، ولكنها تستقي معينها من نبع الوحي ذاته، وهي تجربة بدت ثمارها في صورة (الحقيقة العاملة)، في كل ميدان من ميادين الحياة، بل إنها في أساس هذه الحياة تغير نفسية الفرد. ولقد أدرك الشباب المصري الذي طالما احترق بلهيب الخطب في المطالبة بحقوقه، أدرك أن الطريق الوحيد لنيل مطالبه هي طريق الواجب، فحقق إمكانياته، ومدى سيطرته على الأنفس والأشياء، ثم سلك هذه الطريق، وبذلك أصبح الداعية الذي تمس دعوته شغاف القلوب فتغير معالها، وتهديها إلى الطريق الأقوم (طريق الأخوة)؛ ودار الجهاز الضخم ليحرك بدوره وجوه

стр. 149

الحياة في البلاد، فينشئ المصارف لتوجيه رأس المال، والصحافة القوية لتوجيه الثقافة، والصناعة الناهضة لخلق العمل وتوجيهه، وجمع الجهاز الضخم أموالاً طائلة استثمرت لتأسيس القاعدتين الضروريتين لحياة الفرد: قاعدة الروح وقاعدة المادة. ومع كل ما يمر بالعالم الإسلامي من تطورات نفسية واجتماعية وسياسية، فإن البذور التي استودعت التربة ستؤتي أكلها يوماً، فإن الأفكار التي تتمكن من الضمير الإنساني فتصبح جزءاً منه لا يمكن أن تفنى، وغاية الأمر أنها قد تخط طريقها أحياناً في حنايا هذا الضمير، ثم تنبجس منطلقة في اللحظة التاريخية، وقد اتخذت صبغة أخرى. فهكذا انبجست فكرة ابن تيمية في العالم الإسلامي الحديث في صورة الإصلاح، وكذلك لن يكون من الممكن انفصال فكرة الإصلاح، التي خطت تلك الخطوات الكبيرة، عن حركة التطور في العالم الإسلامي، فقد جددت صورة (التوتر الأخلاقي)، ففتحت بذلك أغنى حقل من حقول النهضة. لذلك فسيلاحظ القارئ، أننا لم نهتم هنا بالتسلسل التاريخي للحديث عن هذه التجربة، فنحن نرى أنه من معالم الطريق، وليس هدفاً مقصوداً. فالحركة تخص العالم الإسلامي باعتبارها محاولة من محاولاته التي يهدف بها إلى التخلص من فوضاه الراهنة، وهي تعد في التاريخ الإسلامي المعاصر أول محاولة إيجابية لاستحداث تركيب عضوي تاريخي، ربما تمخضت عن تجميع أفكار العالم الإسلامي المعاصر، وطعمتها بإدخال العنصر الصناعي الحديث في حركة تطوره، بل ربما كانت هي العامل الحاسم الذي ينشئ جسراً عبر التاريخ، يقوم أوله على الأرض التي شهدت وحدة القلوب، وصفاء النفس الإسلامية، فما قبل انحراف صفين، ويقوم آخره على الأرض التي شهدت تصفية صنوف العجز، وضروب الخرافات والأوهام التي طبعت عصر ما بعد الموحدين. بل إنها لتمثل- في

стр. 150

رأينا- أول جهد يستهدف إعادة بناء المجتمع الإسلامي، مسترشداً بالتخطيط الذي وضعه المهندس الأول: محمد ﷺ . وإن كان التركيب الاجتماعي الجديد، قد بدأ يتكون مع شيء من الفوضى، فسرعان ما تزول هذه الفوضى حين يتغشاها الفكر الفني، الذي أصبح الآن عاملاً يعجل بحركة التاريخ، وبذلك يتولى الفن قيادة تطورنا الحديث. ***

стр. 151

الفصل السادس بواكير العالم الإسلامي ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء ٤/ ١٢٣]. ــ

стр. 152

ليس العالم الإسلامي طائفة من الخلق منعزلة مما سواها، فهي قادرة على أن تكمل تطورها داخل وعاء مغلق، بل إنه يمثل في رواية الإنسانية دورين يقوم بهما في وقت واحد، دوره ممثلاً، ودوره شاهداً؛ هذا الاشتراك المزدوج يفرض عليه واجب التوفيق بين حياته المادية والروحية وبين مصائر الإنسانية. فهو لكي يقوم بدور مؤثر فعال في حركة التطور العالمي ينبغي أن يعرف العالم، وأن يعرف نفسه، وأن يعرّف الآخرين بنفسه، فيشرع في تقويم قيمه الذاتية، إلى جانب تقويمه لا تملكه البشرية من قيم. والحق أن من العسير الشروع في عمل كهذا، في عالم لا يخضع لأي مقياس، وهو ما عبر عنه المستشرق (جب) بطريقته المتغالية حين قال: ((لم يتح للحركة الحديثة Modernisme، أن تشق طريقها في العالم الإسلامي بوصفها تياراً ضخماً مؤسساً على نظريات ذات أصول سليمة ومعقولة، بل إنها وقد حرمت من الرقابة المنهجية في تفكيرها ألفت نفسها ضائعة وسط متاهات من الدوافع الذاتية، مندفعة بذلك إلى السقوط برأسها في هاوية لم تأخذ منها حذرها)). ومع ذلك فإن هذا الاعتباط في التجربة، يبدو أنه- كما ذكرنا في الفصل السابق- قد أخلى مكانه لنوع من الفكر الناقد، والاهتمام بالمنهج منذ قضية فلسطين. ويبدو أيضاً أن قرارات الحكومات وأعمالها تتجه شيئاً فشيئاً إلى فهم نفسها وفهم الآخرين، أعني أنها تحاول أن تتغلغل في فهم الغرب وفلسفته بصورة أعمق من ذي قبل. ولكن هذا كله، لم يتبلور بعد في صورة نشاط اجتماعي، يشمل مجموع العالم الإسلامي، ويستوعب جميع وسائله. فالعالم الإسلامي لم يبلغ بعد

стр. 153

درجة النشاط أو العمل الفني، الذي يعد وحده كفيلاً بتحديد مكانه في العالم الحديث، حيث يحتل مبدأ (الفاعلية) أول درجة في سلم القيم، وهذا المبدأ من أحوج الأمور بالنسبة لنا، وهو يزداد ضرورة حين نرى العالم الحديث- بعد أن أمضى قروناً في تجربة طويلة- يبدأ تجربة أخرى تحمل شعاراً لها قول شكسبير في قصة هملت: ((إما وجود أو عدم))، والواقع أن الظروف التي تجتازها الإنسانية الآن على قدر هائل من التعارض، حتى ليبدو لنا أن الإنسانية حائرة ذاهلة، لا تدري أي الحدين تمضي إليه، فإذا كان العمل العلمي والتأثير الاقتصادي قد دفعا العالم إلى وضع قريب من الاتحاد، فإن الأفكار على العكس من ذلك، قد أبقت داخله خمائر التفرق والنزاع، وهنا نجد البون شاسعاً بين ضمير الإنسانية الرجعي، وعلمها التقدمي. بيد أن هذا التخلف بين الضمير والعلم، لم يعد أمراً مستحيلاً يتلخص في موقف نزاع بين طرفين، بل أصبح متنافياً مع وجود النوع الإنساني ذاته. فالأوضاع الاقتصادية التي خلقها القرن التاسع عشر، قد فرضت في كثير من المجالات قيماً إيجابية، تخلع على العالم صفة الوحدة الأرضية، وما محكمة العدل في لاهاي والقانون الدولي والقانون البحري، إلا مظاهر خاصة لذلك الاتجاه العام الذي لا يفتأ يمهد الطريق لتوحيد العالم، وهناك مؤتمرات مختلفة للتنظيم العلمي والفني والاتحادات النقابية العالمية، كاتحاد البريد العالمي، وهي خير شاهد على حاجة الشعوب إلى تنظيم حياتها على أساس من التعاون والعمل المشترك. أما في المجال السياسي، فقد ظهر الاتجاه إلى العالمية جلياً، منذ برزت المرحومة عصبة الأمم إلى عالم الأحياء. وما من يوم يمر، إلا تطالعنا فيه بواكير اتحاد عالمي في مختلف ميادين الحياة الدولية. بل لقد استفحلت هذه النزعة منذ كانت الحرب العالمية الأخيرة،

стр. 154

وهي اليوم تكتسي أردية جديدة؛ ليس أقلها شأناً- على كل حال- نزعة (المواطن العالمي). ولعلنا لو أردنا تحديد العامل الذي أسرع بالعالم إلى هذا الوضع، لما وجدنا غير العامل الصناعي، فلقد ألغى ذلك العامل المكان، فلم تعد تفصل بين الشعوب مسافات سوى مسافة ثقافاتها. ومن المؤسف أن نقول: إن هذه المسافة قد اتسعت ففرقت مصائر البشر بعضهم عن بعض، ونظرة إلى ذلك البائس الفقير الذي يعيش بالجزائر، ولا يحمل أحد من الناس هم تعليمه، ترينا البون الهائل بينه وبين نظيره الذي يحلل الذرة في أمريكا وفي روسيا. فالعلم قد ألغى المسافات الجغرافية بين الناس، ولكن هُوىً سحيقة قد بقيت بين ضمائرهم. هكذا يتعارض الواقع مع الفكر، بينما الأرض قد أصبحت كرة جد صغيرة، سريعة الالتهاب، لو شبت النار في أحد طرفيها لامتدت إلى الطرف الآخر، ولذلك لم يعد ممكناً تقسيم المشكلات والحلول، وبالتالي انتهاج سياسة أوربية في جانب، واستعمارية في جانب آخر. فالصراع في الهند الصينية الذي لم يكن، منذ عشرين عاماً فقط، قد تخطى حدوده الجغرافية، قد أصبح اليوم ذا طابع عالمي، يشعر بل يهتم به حمالو ميناء وهران، باعتبارهم من المستعمَرين، كما يهتم به الياباني باعتباره مستهلكاً للأرز. فالعالم قد انقلب رأساً على عقب، فبدأت بذلك صفحة جديدة في التاريخ عنوانها: ((إما أن تكون الإنسانية وحدة أو تفنى)) فهل يا ترى سيجد قادة العالم حلاً سعيداً يحسم هذا الاختيار حسماً سليماً؟ .. إن أعمالنا تدلنا- والحسرة تهدد قوانا- على أنهم طائفة من الرسامين، خامرهم النوم، وأيديهم ما زالت تحرك أقلامهم محاولة رسم بناء نخره البلى، بينما

стр. 155

بدأت أيد أخرى تحمل المعاول تهده من أساسه، فقلم الرسام هنا لبي إلا أداة تبعث على الضحك والسخرية، إذ لا محل لها في عمل يحتاج إلى المجرفة (والمسطرين) للتعفية على أنقاض عالم قديم، وبناء عالم جديد. فإذا ما رفض أولئك القادة أن يسعوا لبناء هذا العالم الجديد، فلن يغني رفضهم شيئاً، وسيتم بناؤه على أصوله أطاعوا أو كرهوا، وعلى الرغم من بعض الفلسفات التي تساند الاستعمار، فقد أصبح القضاء عليه أمراً محتوماً. لكنا في موقفنا هذا نشعر بالألم وبالمأساة، لوجود هذا التعارض المدمر، إذ كيف يفسر أولئك الذين امتهن الاستعمار إنسانيتهم فمدّنهم بطريقته المحقرة، كيف يفسرون المطالبة (باحترام شخص الإنسان) و (إعلان حقوق الإنسان)؟ إن سر هذا التعارض هو تلك الثقافة المادية، التي تعد قاسماً مشتركاً يغذي السعي إلى حكم الشعوب، ثم إلى فرض نوع من القيصرية الطاغية، دون أن تهدف إلى نشر حضارة. وهذه الثقافة قد زودت بكل ما تحتوي المادة من خمود، فهي عاجزة عن مسايرة حركة التطور في منتجاتها ذاتها، ثم إنها قد حبست نفسها في سجن هذا التعارض بحكم منهجها ذاته، المنهج الوضعي الديكارتي. وما كان لدعاتها أن يهتموا بغاية الأشياء، بل كان تعلقهم بأسبابها. ومن أمثلة ذلك أن مشكلة تسخير الإنتاج لخدمة الإنسان، حيث كان هذا الإنسان، هذه المشكلة لم تخالط بعد الضمير الغربي، فالغرب ينتج، ولكنه عاجز عن توزيع ما ينتجه، وأوربا العقلية التي أبدعت الآلة، تجد نفسها في منتهى العجز عن مواجهة مشكلات الإنسانية وعلاجها، فكل علاقة لا تقاس لا تدخل في حيز ضميرها، والناس في أوربا يجيدون تشكيل المادة، ولكنهم لا يعرفون كيف يجعلونها أداة في يد الإنسان، أو بعبارة أخرى: هم لا يحددون قيمة الإنسان- الآلة- بالنسبة لكمية النتجات. لقد بلغت أوربا الغاية في الفن والصناعة، ولكنها ارتدت عن المثل

стр. 156

الأخلاقية، فلم تعد تعرف شيئاً من الخير للإنسانية فيما وراء حدود عالمها الذي لا يمكن فهمه إلا بلغة المادة. وما كان لحضارة أن تقوم إلا على أساس من التعادل بين الكم والكيف، بين الروح والمادة، بين الغاية والسبب، فأينما اختل هذا التعادل في جانب أو في آخر كانت السقطة رهيبة قاصمة. والحضارة الإسلامية، قد فقدت تعادلها يوم فاتها أن ترعى سلامة هذه العلاقة بين العلم والضمير، بين العناصر المادية والوجود الروحي، فغرقت في هاوية الصوفية الخالصة، في فوضى المرابطين التي سببت سقوطها. وها نحن أولاء اليوم نشهد تجربة أخرى تنتهي إلى اختلال آخر: فالحضارة الغربية التي فقدت معنى الروح تجد نفسها بدورها على حافة الهاوية. فنهضة العالم الإسلامي إذن ليست في الفصل بين القيم، وإنما هي في أن يجمع بين العلم والضمير، بين الخلق والفن، بين الطبيعة وما وراء الطبيعة، حتى يتسنى له أن يشيد عالمه طبقاً لقانوق أسبابه ووسائله، وطبقاً لمقتضيات غاياته. إن الذي يرد إلى العالم شبابه، لا بد أن يكون (إنساناً جديداً)، قادراً على حمل مسؤوليات وجوده مادياً وروحياً، ممثلاً وشاهداً؛ وإنسان ما بعد الموحدين إنسان هرم، في طريقه إلى الفناء. ولكن العالم الإسلامي على الرغم من ذلك لديه قدر كبير من هذا الشباب الضروري. والواقع أنه، على الرغم من قابليته للاستعمار، قد احتفظ بمعنى جوهري، هو معنى القيمة الخلقية، وهو ما ينقص الفكر الحديث الشائخ. ولكنا في الوقت نفسه نجد هذا العالم الإسلامي، يخطو في طريقه إلى تجديد نفسه بفضل ما تحصل في يديه من قيم حديثة، فهذا الامتزاج بين الروح والمادة، الذي يتم الآن في بطء، سيسرع دون ريب، كما تعود مواجهة المشكلات بفكر علمي، ذلك

стр. 157

الفكر الذي أصبح الآن عامل تعجيل بحركة التاريخ، فالمنهج يختصر المراحل، والتجربة ترينا أي هذه المراحل لا لزوم له. لقد قطعت اليابان- القديمة المتخلفة- التي فتحت أبوابها عام ١٨٦٨ للكومودور بيري في خطوة واحدة، المسافة التي كانت تفصلها عن القرن العشرين، ولكنها قطعتها على أصول فنية ومنهجية، فضبطت ساعاتها، واستخدمت بعلمها الإنسان والتراب والوقت. وعلى العالم الإسلامي بدوره أن يتخطى المدى الذي يفصله عن التقدم، وذلك بتنظيم استغلال وسائله وضروب نشاطه طبقاً لمنهج تايلور. لقد أكدت له قضية فلسطين تلك الضرورة الملحة، وأرشدته أيضا إلى طرق جديدة، ويبدو أنه على وشك أن يبدأ تجربة جديدة آخذاً في حسابه مساوئه وأخطاء ماضيه، التي بدونها يفقد درس التاريخ، وخاصة تاريخ السنوات الأخيرة كل معنى، ومرحلة كالعصبية إلى مراحل كثيرة كانت تبدو ضرورية، لم تعد سوى نزعة قديمة فاتها ركب التاريخ. فالعالم الراهن ثمرة التحلل المحتوم لعالم مستعمر وقابل للاستعمار، وهو تحلل عرفنا قصته منذ عشر سنوات خلت، ولكن هذا التحلل قد كشف عن الاتجاه العميق لحركة التاريخ، فقد كشف من ناحية عن وحدة المشكلات والحاجات في العالم، وأبان من ناحية أخرى عن ضرورة إعادة تنظيم العلاقات بين الشعوب. فكأنما قد أدان التحلل الراهن حركتي الاستعمار والقومية على سواء، فالاستعمار لم يعد متفقاً مع شرائط الوجود الدولي، الذي لا يمكن أن يكون أساسه القوة، بل لقد أدانه الضمير العالمي رسمياً باعتباره علة الاضطرابات والقلاقل في العالم، بل باعتباره سبب التخلف والحرب. لقد استطاع الميثاق الاستعماري أن يتآمر على حياة المستعمَر، وعلى ضميره،

стр. 158

وعلى وجوده ذاته، ومع ذلك فإن المتمدنين يغضون أبصارهم عما يقارف، وليس أمام الدبلوماسية الدولية في الظروف الراهنة إلا أحد أمرين: التمسك بالميثاق الاستعماري، أو العمل بالميثاق الإنساني، فما يستطيع العالم أن يستهل عهداً إنسانياً وهناك مستعمِر ومستعمَر. والعالم الآن في طريقه إلى تحقيق وحدته، في طريقه إلى التكامل والتشارك في الموارد وفي الحاجات، فهو بذلك ماض إلى تقرير اتجاه التاريخ عن طريق المنظمات، وبدأت النزعة القائلة بحرية الإنتاج والتجارة، تخلي مكانها ليحتله نظام عقلي يتجه بالإنسانية نحو التوافق العام، وليس هذا طبقاً لخطط يخترعها الخيال، بل بحكم الضرورات الحيوية الصارمة. فعلى العالم الإسلامي إذن أن يأخذ في حسابه هذه الخطوة التاريخية الحاسمة في تطوره الخاص، فإن الأشكال التي يتنادى عليها الناس، والتي تحمل عنوان (العصبيات) بمختلف ألوانها قد فات أوانها الآن تماماً، كما فات أوان (القومية الأوربية) ألتي أرادوا بعثها في استراسبورغ. ولا ريب أنه ليس من حقنا أن نتفاءل أو أن نتشاءم فيما يتصل بمستقبل السلام، ولكنا نلاحظ أن الدول فيما يبدو لم تفهم معنى المرحلة الحاسمة التي اجتازها العالم، والتي يعبر عنها عنوان كتاب مثل (العالم واحد)، على الرغم من أن هذا الكتاب لم يعالج سوى الجانب الجغرافي من المسألة، وهو ما قد يبديه رجل يجتاز في بضعة أيام ستين وثلاث مائة درجة في الكرة الأرضية المسلحة، كما فعل (فاندال فلكي) (١) مؤلف الكتاب. بيد أن وحدة العالم كانت وما تزال الظاهرة الجوهرية في التاريخ، على حين لم تكن التقسيمات السياسية سوى أعراض زائلة وظواهر سطحية، فإذا غاب هذا عن فكر اصطبغ بالصبغة الديكارتية، فما ذلك إلا لأن الثقافة التي صاغته تجعل بداية التاريخ يوم تأسست

стр. 159

روما، كما تجعل بداية الفكر في مجامع أثينا. وإنه لما يدعو إلى العجب؛ أن نرى كبار المفكرين الأوربيين، يبدون عاجزين عن أن يتخطوا بفكرهم ما وراء الفكر الهليني، فإذا ما تجاوزوا حدود (الإنسانيات الإغريقية اللاتينية) أصبحوا وكأنهم يكتشفون كوكباً آخر. ومع ذلك فيجب أن ننوه هنا باتجاه جديد ظهر في كتابات (جينون) (١) و (هكسلي)، يدرس الفكر الصوفي في العالم درساً منهجياً، كما يكشف عن أصوله المشتركة، ولا شك أن هذه الجهود جزئية وما زالت حديثة، بل أكثر من ذلك نجدها لا تمس الواقع إلا في قمته، فلا يمكننا أن نحدد أثرها في العلاقات اليومية، والصلات المباشرة بين الناس، وبين الشعوب بعضها مع بعض. ومع ذلك فإن ما ذكرناه من أحداث يدعو الإنسانية إلى حل مشكلة اختيارها. وأية كانت وجهة الأمر، فإن العالم الإسلامي- بحكم استعداداته الأخلاقية الموروثة- في منتصف الطريق، متقدم على الشعوب الأخرى إلى العالم الجديد. ولا شك أن إنسان ما بعد الموحدين مهما بدا من تأخره يعد خيراً من الإنسان المتحضر في تحقيقه للشروط النفسية للإنسان الجديد، أعني (للمواطن العالمي)، أو بحسب التعبير الملهم الذي أطلقه ديستويفسكي: (الإنسان العالمي). ولا جدال في أنه بحاجة إلى أن يبلغ المستوى المادي للحضارة الراهنة، فيستخدم كل مواهبه وقدراته على التكيف مع الوضع الزمني للعصر الذري، وهو يتسم في حقيقته بطابع الفكر الفني، ولكن دور إنسان ما بعد الموحدين سيظل فوق ذلك كله روحياً يكفكف من غلواء الفكر المادي، كما يهذب من تطرف الأنانية القومية. لقد سبق لإقبال، وهو يخط للعالم الإسلامي طريق نهضته الروحية، أن طالبه بصبغة في التفكير تمكنه من النظر إلى الأشياء والتنظيمات ((لا من حيث

стр. 160

نفعها أو ضررها الاجتماعي الذي تعود به على بلد أو آخر، بل من حيث الأهداف العظمى التي يسعى إليها مجموع الإنسانية)) .. فهذا النوع من الفكر الميتافيزيقي الذي قال به إقبال قد يصطدم بالأذهان ذات النزعة العقلية، تلك التي ترى أن كل ما لا يدخل في نطاق المادة لا يدخل في نطاق العقل. فالمشكلة على هذا تستوجب المواجهة؛ إذ هي تتصل بموقف الإنسان في العالم الجديد، كما تتصل بمستقبل الحضارة. إن من الأنسب هنا أن نطبق وجهة النظر الكونية لكي ندرك المعنى الكلي للتاريخ، وها هو ذا المؤرخ الفرنسي الكبير (غوستاف جيكييه) بعد أن درس قطاعاً من التاريخ المصري يبلغ أربعة آلاف عام يخرج بهذه النتيجة المعبرة، قال: ((لقد لاحظنا في تاريخ هذا الشعب أن الحضارة منذ خط لها طريقها سلكته دون أن تفارقه البتة، بل لم تفلح الانقلابات السياسية أن تخرجها أو تنحرف بها عن الطريق الصاعد الذي قامت عليه، ومع ذلك فإن الأزمات التاريخية الكبرى تسمح لنا بتحديد بعض المراحال في تاريخ الحضارة، وتوحيدها في عصور، لندرك إدراكاً جيداً ضروب التقدم التي حققتها الحضارة خلال القرون)) ... (١) فهذه إذن نظرة يبدو أنها تضم نوعين من الأحداث المتمايزة، وهي تشمل قطاعاً كبيراً من التاريخ، فهي تضم من ناحية، حضارة ((تتابع سيرها في طريق صاعد)) ومن ناحية أخرى، (انقلابات سياسية) بكل ما يتصل بها من مجموعات بشرية، وبكل ما حدث خلالها من انتصارات، ومهرجانات، وما ضمت من أحداث ميلاد وممات، ومن آلام. فهناك من جانب خط متوافق يعبر آلاف السنين دون أدنى معوق. وهناك

стр. 161

من جانب آخر صورة المأساة الإنسانية بكل انقلاباتها. هذا التمييز الجلي بين نوعين من الأحداث لا يفسد إلى حد كبير وحدتها، فإن الرابط بينهما ذو صبغة جدلية: وهو أن الإنسان هو الشرط الأساسي لكل حضارة، وأن الحضارة تؤكد دائماً الشرط الإنساني، وهكذا تتعقد أبسط الأحداث كلما أدركناها في توقعها الإنساني الشامل، ولكنه تعقد ذو مغزى، فالزواج مثلاً حين يحدث في مدينة ما يكون حدثاً معتاداً، فمن الواضح أن له معنى بالنسبة للزوجين وأسرتيهما. ولكن له أيضاً معنى بالنسبة للسائل المتكفف، فإن التقاليد الإسلامية تتخذ من الزواج فرصة ليظفر السائل بأكلة تحفظ وجوده الموقوت يوماً كاملاً، فهكذا رأينا أن الحديث الواحد قد يتصل بوجود كثيرين، كما يتصل بأحداث متمايزة مختلفة. ولقد تكون الروابط دقيقة أحياناً: فقد يموت رجل ما بالجزائر؛ لأن رجلاً آخر قام أو لم يقم بشيء معين في ذلك اليوم بسيدني. وهذه الملاحظة تزداد صدقاً بقدر ما تزداد الحياة تعقداً، وكلما تجاوزت إطار الفرد، أو خرجت عن حدود المدينة أو الأمة. وهناك بعض الأحداث التاريخية التي تتجاوز نطاق التفسير العقلي البسيط القائم على فكرة الإنسان السريعة، وعلى المنفعة المادية أو الأخلاقية أو السياسية، بل يبدو أنها متصلة بنظام غير عقلي، لا يمكن للفكر الديكارتي أن يدرك مضمونه. والتاريخ يمدنا على ذلك بأمثلة كثيرة: فقصة (١) حياة تيمورلنك، تمد نطاق التوقع التاريخي المتصل بها إلى ما وراء المصير الإنساني. فإذا ما نظرنا إلى هذه الملحمة نظرة عقلية، فإن معنى ذلك أن

стр. 162

نجمع عناصرها، وأن نربط بينها حسب علاقتها بشخص البطل المحوري. لكنا نلاحظ أن العناصر العقلية المتصلة بالرجل، وبصفاته الشخصية لا تعطينا تفسيراً كافياً شافياً لما قام به، فالواقع أن الرجل لم يكن مجرد جندي يحمل السيف، إذ أن العقيدة الدينية والذوق السياسي، والعبقرية الحربية والإدارية قد جعلت منه شخصية معقدة، ولكنها تامة التحديد. لقد رأيناه ينقض بسيفه على جيوش الـ Horde d'or (١) التي كانت في طريقها إلى غزو أوربا بقيادة (طغطاميتش Toghtamich) ، ورأينا سيفه الرهيب يهوي مرة أخرى، لا على الصين، وهي من مخلفات جده جنكيزخان، ولا على الهند التي سيغزوها حفيده بابر Baber، وإنما يهوي على رأس الإمبراطورية العثمانية، هنالك حيث جمع السلطان بايزيد جيشاً من خمس مائة ألف لغزو (فينا)، فلماذا اتخذ تيمورلنك هذا المسلك الغريب .. ؟ لقد كان لديه إذا ما غزا الصين دواع منها: الحق الملكي، والطموح، وسهولة الغلب دون غرم، والعاطفة الدينية، أعني جميع العوامل الإنسانية التي تقوم عليها سياسة معينة أو حملة حربية، كانت جميعها في كفة واحدة من الميزان، ومع ذلك فلقد رجحت الكفة الأخرى حين اتجه إلى الجهة الأخرى، فقد هزم الـ Horde d'or، كما هزم جيش بايزيد، الأمر الذي يدفعنا إلى أن نتساءل عن الأقدار التي استطاعت أن تلعب هنا دوراً يؤدي إلى رجحان ميزان التاريخ على هذه الصورة .. ؟ وكأن هذه الصفحة من التاريخ، هي التي أراد ((غيزو)) أن يعرضها عرضاً سريعاً، عندما سجل في مستهل القرن الماضي هذه التأملات الغريبة، قال: ((هكذا يتقدم الإنسان في تنفيذ خطة لم تساور خياله لحظة، بل لم يعرفها قط،

стр. 163

فهو العامل الذكي الذي يقوم باختياره ليس له، فهو لا يعرفه، ولا يدركه إلا ريثما يتم حدوثه في الواقع، بل إن إدراكه آنذاك لا يكون إلا ناقصاً مبتوراً)). ولقد قام تيمورلنك في الواقع بعمل لم يكن يستطيع إداراكه حتى بعد انتهائه منه، لأن مغزاه التاريخي الحق لا يمكن أن يظهر إلا بعد عدة قرون. إن مسألة كهذه قد تتركنا مشدوهين بحجة أنها ذات طابع ميتافيزيقي (١) ولكنا لكي نعطي للأحداث تفسيراً متكاملاً يتفق مع مضمونها كله، يجب ألا نحبس تصورنا لها في ضوء العلاقات الناتجة عن الأسباب، بل ينبغي أن نتصور الأحداث في غايتها التي انتهت إليها في التاريخ. ومن هذا الجانب قد نحتاج أن نقلب المنهج التاريخي: فنرى الظواهر في توقعها بدلاً من أن نراها في ماضيها، ونعالجها في نتائجها لا في مباديها، فلكي نفهم ملحمة تيمورلنك ينبغي- مثلاً- أن نسأل أنفسنا: ماذا كان يمكن أن يحدث لو أتيح (لطغطاميتش) أن يحتل موسكو، ومن بعدها وارسو .. ؟ ولو قدر (لبايزيد) أن ينصب رايته على أطلال فينا، ثم على أطلال برلين .. ؟ لو حدث هذا لأذعنت أوربا حتما لصولجان الإسلام الزمني المنتصر، ولكن ألا يدفعنا هذا إلى أن نرى أن توقعاً مختلفاً تمام الاختلاف عما حدث فعلاً كان سيحدث في التاريخ .. ؟ كانت النهضة الأوربية

стр. 164

التي ما زالت في ضمير المقادير ستنصهر في (النهضة التيمورية) ولكن هاتين النهضتين- على الرغم من عظمهما- كانتا مختلفتين، فلم يكن مغزاهما التاريخي واحداً؛ كانت الأولى فجراً يفيض على عبقريات جاليلي وديكارت وغيرهما، بينما كانت الأخرى شفقاً يغلف الحضارة الإسلامية لحظة أفولها. كانت إحداهما بداية نظام جديد، وكانت الأخرى نهاية نظام دارس، وما كان شيء في الأرض يستطيع أن يدفع عن العالم الليل، الذي أخذ يبسط سلطانه آنئذ على البلاد الإسلامية في هدوء، فلو أن تيمورلنك كان قد اتبع دوافعه الشخصية لما استطاع شيء أن يحول دون نهاية الحضارة الإنسانية. ومهما يكن من شيء، فإن مضمون هذه الأحداث التاريخية، ليس بالبساطة التي تظهر لأعين الذين لا ينظرون إلى الأشياء إلا من وجهاتهم الفردية أو القومية، فهناك حسب تعبير إقبال (خطة للمجموع) هي التى تكشف عن اتجاه التاريخ. وعلى أساس هذه الخطة العامة للإنسانية ولحضارتها، ندرك المعنى الكامل، أو المغزى الميتافيزيقي للأحداث. لماذا حال تيمورلنك دون قيام بايزيد وطغطاميتش بنشر الإسلام في قلب أوربا .. ؟ والجواب: لكي تتابع أوربا المسيحية جهدها الحضاري الذي لم يكن العالم الإسلامي بقادر عليه منذ القرن الرابع عشر، لأنه كان في نهاية رمقه، فملحمة الامبراطور التتري تجلو غاية التاريخ، إذ كانت نتيجتها متطابقة مع استمرار سير الحضارة ودوامها، كيما تتعاقب دوراتها، ويتم الكشف الخالد عن العبقريات التي تتناوب على طريق التقدم. فدورة من دورات الحضارة تولد في بعض الظروف النفسية الزمنية، ثم تنمو

стр. 165

وتطرد، فإذا ما سبقتها الحضارة الإنسانية توقفت تلك الدورة لتبدأ أخرى في ظروف جديدة تتحول بدورها إلى ظروف متخلفة. فهذا هو القانون الذي خط على مر السنين خلال التاريخ ذلك (الطريق الصاعد)، الطريق الذي مُنحته البشرية في بطء وروية، وبذلك تمتزج غاية التاريخ بغاية الإنسان. ***

стр. 166

خاتمة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٥/ ٤] ــ

стр. 167

المآل الروحي لعالم الإسلام وفي خاتمة هذه الدراسة أشعر تماماً أن جزءاً آخر ينقصها، وهو إيضاح بعض الجوانب الجوهرية التي آثرت تركها خلال دراستي، خضوعاً لأحكام المنهج الذي اتبعته، ولست أملك هنا سوى أن أشير إلى هذه الجوانب، تاركاً لغيري مهمة معالجتها كما ينبغي. فلقد ظل العالم الإسلامي، خلال قرون طويلة، متجمداً في أشكال سبق الحديث عنها، وهي التي أدت إلى وجود القابلية للاستعمار في مجتمع ما بعد الموحدين، الذي أدى إلى وجود الاستعمار. واليوم يتحرك العالم الإسلامي نحو الغد الأمول، أو بعبارة أخرى: إن تاريخه قد استعاد حركاته، ودبت فيه الحياة، إذ أصبح في وضع متحرك، وتكشفت له بعض الآفاق منذ قريب. والعجيب أن مفهوم كلمة ( Vocation) التي اخترناها عنواناً للكتاب يدل على هذين الجانبين: ((أعني ظروف حدوث حركة معينة، وسعيها إلى غايتها بواسطة المجتمع الإنساني الذي يوجد في هذه الظروف)). فهل يمكننا أن نتحدث عن وجهة للعالم الإسلامي بهذا المعنى المزدوج .. ؟ الحق أن العالم الإسلامي يبدو بعيداً عن إدراك مآله الروحي، هذا إذا ما استثنينا الحركة الأخيرة، التي أشرنا إليها، فهي التي يبدو أنها قد حاولت أن تتخذ لنفسها اتجاهاً مفهوماً في أعماقه. لكنا نذهب على أية حال، إلى أنه مهما يكن أمر الفوضى الراهنة في العالم الإسلامي، فمن الممكن أن نتلمس فيه اتجاهين ليسا في طبيعة واحدة:

стр. 168

أما أولهما: فهو ذو طابع تاريخي، وهو ناتج عن تأثير القوى الداخلية التي تظهر في صورة فعل ورد فعل للاستعمار ولقابليته، وقد درسنا فيما مضى عناصر هذا الاتجاه، وهي التي تتمثل في: حركة الإصلاح، والحركة الحديثة، وهما اللتان تخلعان على العالم الإسلامي صورته الحديثة. وأما ثانيهما: فمع أنه لا يمكن فصله عن التطور التاريخي، فإنه يتمثل في صورة جد مختلفة، تعود هذه المرة إلى الظواهر الكبرى لانتقال الحضارة في مستواها العالمي: أعني أنه يتصل بانتقال مركز الجاذبية من حوض البحر الأبيض المتوسط إلى آسيا. ولا ريب في أنه يمكننا أن نعد انتهاء تركز هذه الجاذبية في الشرق، إحدى الظواهر الجوهرية في السنوات الخمسين الأخيرة، لقد انتهى تركّز العالم على شواطئ البحر الأبيض، وكان من أثر الحربين العالميتين أن اتخذ العالم شكلاً مخروطياً ذا قطبين: أحدهما في الشرق والآخر في الغرب. وكان من نتائج هذه الظاهرة العالمية أن أصبح العالم الإسلامي يخضع لجاذبية جاكرتا، كما يخضع لجاذبية القاهرة أو دمشق (١)، وهذا الانتقال إلى مرحلة آسيوية، لا بد أن يُحدث نتائج نفسية وثقافية وأخلاقية واجتماعية وسياسية، سيكون لها أن تتحكم في حركته وفي مستقبله، بل في تشكيل (الإرادة الجماعية) لهذا العالم أولاً وقبل كل شيء. فلقد ظلت هذه الإرادة حتى الآن غامضة، منتشرة في محيط من العادات

стр. 169

والتقاليد والخرافات التي تتنوع على حسب المكان والزمان، تتمثل أحياناً في طبقة نبيلة ملفقة ذات سلطان لا جذور له في النفس الشعبية، أو ذات علم لا أفق له في عالم القيم، وهكذا ظل الإسلام على شواطئ البحر الأبيض ملكياً عند الباشوات وسادتهم، أو قبلياً بدوياً عند الأمير العربي البربري، أو تنطعاً حبيساً في وعاء التحلل المغلق في ظل رعاية المشايخ. ولقد عرف الاستعمار الثمار التي يستطيع أن يجنيها من وضع كهذا، فبذل كل ما في وسعه، وصرف كل اهتمامه إلى تدعيم طبقة هؤلاء النبلاء، كما قوّى من نفوذ تلك الصفوة المزعومة، مستهدفاً من وراء ذلك، الإبقاء على وضع القابلية للاستعمار. فنهاية العهد الذي تركزت فيه الجاذبية الإسلامية على البحر الأبيض، تسجل تحرر العالم الإسلامي من معوقاته وقيوده الداخلية. وهذا الاتجاه واضح في باكستان- كما أنه واضح في جاوة (إندونيسيا)، وهي بلاد توطن فيها الإسلام منذ عهد قريب نسبياً؛ أعني أنها بلاد جديدة فتية يتفوق فيها جانب الفكر والعمل على جانب العلم التقليدي المغلق؛ وإن العالم الإسلامي لقادر هنالك على تجديد نفسه، فيتحول إلى طاقة ناشطة، ويتعلم طرق الحياة. ومما سيظفر به في هذا المجال، أن جوه الاجتماعي الجديد ليس مؤلفاً من طبقات، بل هو شعبي على أوسع نطاق، وسيجد نفسه هنالك ملزماً بأن يتكيف وعبقرية الشعوب الزراعية، واستعدادها الفطري للعمل، مما يبشر بتركيب جديد من الإنسان والتراب والوقت، وبالتالي: بقيام حضارة جديدة. ومما سيحتاج إليه العالم الإسلامي كذلك أن يتكيف مع ما سيصادف من جو

стр. 170

روحي جديد، في جوار الهند المعقدة التي ما يزال يشع فيها فكر ديانة (الفيدا). ومن السهل علينا أن نتصور، ما يمكن أن تصير إليه تلك (الإرادة الجماعية) في العالم الإسلامي، الذي نزع عن نفسه أغلفة ما بعد الموحدين، ثم. غرست شجرته في الأرض جموع تعيش على ثمرات الأرض، يقودها فتية يجعلون فكرة القرآن نصب أعينهم، فيلتزمونها وقد تخلصت من أن تكون وثيقة أثرية ثمينة مرتبة محررة حبيسة، بل أصبحت ذات حركة دائمة. وليس بوسعنا أيضاً، أن نغض من قيمة الدور الذي يمكن أن يؤديه اتصال العالم الإسلامي بروحانية الهند، فإن الإسلام في جواره للمسيحية على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، لم يفد شيئاً من روحها، كما لم تحمله على تغيير نفسه، وذلك لأن الاتصال بين الدينين قد تم في إطار استعماري زور قيمة الفكرة المسيحية في نظر المسلم، حتى لقد كان المسلم يشعر تماماً بسموه وارتفاع قدره على أي مستعمر شره ينتسب إلى المسيحية، وهي منه براء، وهو غارق إلى أذنيه في الظلم والشهوات. لذلك لم يشعر المسلم أمام هذا المستعمر بأي (مركب نقص) يدعوه إلى الكمال، أعني أنه لم يشعر بحاجته إلى تدارك ما فاته، وإلى إعادة التفكير في أمر دينه. وبوسعنا أن نقول: إن البلادة الأخلاقية التي اتصفت بها الشعوب الإسلامية على شواطئ البحر الأبيض إنما تعود في جانبها الأكبر إلى هذا النوع من التسامي المتدين، أعني من القنوع بمظاهر الدين، الذي جعلهم ضمناً، كأنما يواجهون جانباً استعمارياً من المسيحية. فاتصال الطبقة المثقفة في العالم الإسلامي الآسيوي بالأديان الأخرى، إنما يتم في ظروف مختلفة تمام الاختلاف، إذ يشعر المسلم هنا بأنه يعيش في أرض غريبة، غزاها في فتوحاته، ولم يستجب له من أهلها إلا أقلية بالنسبة لمجموع

стр. 171

السكان، كما أن هذه الأرض التي يعيش عليها قد غزتها من قبله أديان أخرى، فالهند هي أرض البرهمية والبوذية. سيجد المجتمع الإسلامي نفسه هنالك بما يضم من جمهرة يبلغ عددها تسعين مليوناً، يحيط بهم خضم من الهندوس يبلغ عددهم ثلاث مائة مليون، وهنا يشهد المسلم الحياة الدينية العجيبة التي يحياها هؤلاء الناس كل يوم، والذين يعدون من أشد المتمدينين في العالم، حيث يعيشون في جو صوفي ملتهب. هنالك يهز أعماقه انقلاب هائل، وهو انقلاب أصاب من قبله (إقبال) حين كان يشهد تقاليدهم، ويعيش في جوهم، فنضج بذلك ضميره الديني، مما أكسب الفكر الشاعر ذاتية غنية، اتصف بها ضمير يتمتع بالعقل وبالعاطفة، أي بميزة الفهم وميزة الانفعال، هذا الحوار بين القلب والفكر، هو الذي ينقص إنسان ما بعد الموحدين، والذي يبدو أنه لم يتحرك بعد داخل نفسه على شاطئ البحر الأبيض، وهو من أعظم ما يتعلمه العالم الإسلامي في رحلته نحو آسيا. ومع ذلك فإن المسلم في إندونيسيا، وأخاه في باكستان، يمثلان رجلين ذوي خصائص ممايزة: فإن الاحتلال الهولندي الذي امتد قروناً عديدة، لم يترك في جزائر إندونيسيا عدداً كافياً من المثقفين، ولكن هذه القلة المثقفة البسيطة وهي المسؤولة عن الكفاح ضد الفاقة العامة، وضد الأمية الشاملة، وضد التفريط والفوضى- وهي الأمراض التي تعمد الاستعمار خلقها، ثم ولى هارباً إلى حيث تختفي الجرذان- هذه القلة تدلنا على ما تزخر به عبقرية الشعب الإندونيسي من استعدادات عجيبة. والرجل في جاوة دقيق الحس، يحترم النظام والتنظيم، وهو مغرم بتعميق جزئيات الأشياء، فهو بذلك رجل مادي إيجابي ذو طاقة ضخمة، وهو أيضاً رجل عملي، ماهر في صنعته، ذواقة لشتى أنواع الفنون.

стр. 172

أما في الباكستان فقد خلفت إنجلترا من ورائها هيكلاً مثقفاً، لا يجهل أحد خصائصه، ومن بين أعضائه (السيد أمير علي)، وهو من أوائل المفكرين والمدافعين عن الإسلام الحديث، والسيد محمد إقبال (وهو من التلاميذ القدامى في جامعة أكسفورد، كما كان من تلاميذها معاصره الشاعر رابندرانات طاغور). هكذا تتضح معالم الطريق الجديد الذي ينفتح أمام الإسلام، وبقي علينا بطبيعة الحال تحفظ في هذا السبيل: إذ يجب أن نأخذ في اعتبارنا الملابسات الدولية التي قد تتيح لنا ظروفاً مختلفة وغير متوقعة، يمكننا الاستفادة منها لتحقيق ما رسمناه من آمال. وذلك إذا لم تنشب حرب عالمية يكون من ورائها على الأقل تغيير شامل لما عهدناه في هذا الوجود الإنساني. القاهرة في ١٣ من ربيع الثاني ١٣٧٩ ١٥ من تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٥٩ ***

стр. 173

المسارد

стр. 174

١ - مسرد الآيات القرآنية (١)

стр. 175

_________ الآية ................................................................................. رقمها ......................... الصفحة _________ سورة الرعد (١٣) ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ....................................... ١٢ ......................... ٤٧ و٥١ سورة مريم (١٩) ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ ............................................................. ١٢ ......................... ح ٧٠ سورة النمل (٢٧) ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ................ ٢٤ ......................... ١٠٨ و١١٠ سورة الروم (٢٧) ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ...................................................... ٣٠ ......................... ٧ سورة الحجرات (٤٩) ﴿يأيها يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ .......... ١٣ ......................... ٣٩ ٢ - مسرد الأحاديث النبوية _________ الحديث .............................................................................. الصفحة _________ "أ" «اخرجوا باسم الله تعالى، تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع» .................... ح ١٩ "م" «من اجتهد فأخطأ فله أجر ومن اجتهد فأصاب فله أجران» ............................ ح ٨٦ «من حفر مغواة لأخيه أوشك أن يقع فيها» ............................................ ١٣١ و١٣٥

стр. 176

٣ - مسرد الأعلام (يشمل الأشخاص والدول والأمكنة)

стр. 177

_________ باريس ٩١، ١١٢، ١٢٥، ١٢٦ باكستان ١٠٥، ١٨٣، ١٨٥، ١٨٦ باكونين (نقابي) ١٢٦ بايزيد (سلطان عثماني) ١٧٥، ١٧٦، بدر ١٥٩ بغداد ٣٧ برلين ١٧٦ برنارد باليسي ٦٨ برناردشو ١٠٣ بلزاك ٦٣ بوكاشيو ٤٣ بونسارا (كاتب) ح ٦٤ بيت المقدس ١٩ بيرو ٤٧ بيير ريشيه (مؤرخ) ٢٦ "ت" تايلور (نظرية) ١٣٢، ١٧٠ تركيا ٦٢ تشرشل ١٠٥ تلمسان ١٤٧ توسيديد ٢٧ توماس الإكويني ٥٥، ٨٠ تونس ٥٨، ١١٤ توينبي (مؤرخ إنكليزي) ح ١٧٦ تيمورلنك ١٧٤، ١٧٥، ١٧٦، ١٧٧ "ج" جاكرتا ١٨٢ جاليلي ١٧٧ جاوة (إند ونيسيا) ١٠٥ جب (مستشرق إنكليزي) ١٧، ٤٩، ٥٣، ٥٥، ح ٧٠، ٨٤، ٨٧، ١٦٥ جربرت (الراهب) ١٩ الجلادي ح ٥٧ جمال الدين الأفغاني ٤٩، ٥٠، ٥١، ٥٢، ٥٥، ٥٦، الجهورية العربية المتحدة ح ٧٢، ح ١٥٢ جنكيز خان ١١١، ١٧٥ جوبينو (فيلسوف فرنسي) ٨٢ جينون (مفكر فرنسي) ١٧٢ "ح " الحديدة (ميناء يمني) ١٠٢ الحسن بن موسى بن شاكر (عالم عربي) ح ٢٩ حسني الزعيم ١٠٢ ح ١٥٢ حنين (معركة) ١٥٩ "د" دارون ٨٢ دمشق ١٤، ٣٩، ٤٢، ١٨٢ ديستويفسكي ١٧٢ دينول ح ١٣٥ ديكارت ١٨، ٤٠، ١٧٧ "ر" رشيد رضا ٥١، ٦١ روبسبير ١٢٥ روزنبرج (فيلسوف النازية) ٨٢ روسيا ٢٦ روما ٢٥، ١٧٢ ريكاردو ١٢٦ رينات (فيلسوف معادٍ للإسلام) ٨٦، ١٣٣

стр. 178

_________ "زا" الزركلي ح ٢٩٥ الزيتونة (جامعة) ٦٤ "س" سالان (قائد فرنسي تمرد على ديغول) ح ١٣٥ سامي الحناوي ١٠٢ سمرقند ٣٥، ٣٧ السند (جزر) ٤٧ سورية ١٠٢، ١٠٦، ١٥١، ١٥٣، ١٥٦، ح ١٨٢ السويس (قناة) ١١٥ السيباي (ثورة) ٥٠ سيبرياح ١٧٥ السيد أمير علي ١٨٦ سيدني ١٧٤ "ش" شيرسترتون (كاتب أوربي) ح ٥٤ "ص " صفين (معركة) ١١، ٢٩، ٣٦، ٥٠، ٦٢، ١٢٤ الصين ٢٦، ٤٨، ١٠٥، ١٧٥ "ط " طاغور ١٨٦ طرابلس (لبنان) طفطاميتش (قائد قديم) ١٧٥، ١٧٦، ١٧٧ طه حسين ٥١، ٨٧ طهران ٤٩ "ع" عبد الحميد بن باديس ٥٧، ١٠١، ١٥٦ العراق ح ٧٢، ح ١٠٢ عقبة بن نافع ٣٠ علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) ٣٠ عليكرة (جامعة) ٤٨، ٥٠ علي الهمامي (كاتب جزائري) ٥٢ عمر بن الخطاب ﵁ ١٩، ٨٥، ح ١٣١ عمر بن عبد العزيز ٣٠ عمر راسم (فنان جزائري) ١١٦ عمر مسقاوي ٥ عيسى ﵇ ٥٥ "غ" الغزالي ٤٩ غوستان لوبون ٤٣ غوستاف جيكييه (مؤرخ فرنسي) ١٧٣ غيزو (مفكر) ١٧٥ "ف" فاس ٤٢ الفارابي ٨٠ فاندال فلكي (كاتب أمريكي) ١٧١ فرانشيت ديسبري (المارشال) ١١٥ فرنسا ٩، ٤٢، ٦٤، ١٣٥ فلسطين ١٠٢، ١٠٣، ١٢٢، ١٤٥، ١٤٦، ١٤٧، ١٧٠ فولتا (عالم) ح ١٠٩ فينا ١٧٥، ١٧٦ فينيش ح ٩٥

стр. 179

_________ "ق " القاهرة ٤٩، ١٥٨، ١٨٢، ١٨٦ القديس يوجين (بلدة) ١٤٩، ١٥٠ قسنطينة ٧٣، ٩٠، ١١٦ القيروان ٣٦، ٤٢ "ك " كارنو (قانون) ١٤٢ كشمير ١٠٥ كبودياح ١٠٦ الكويت ح ٧٢ الكدمودو ربيري ١٧٠ "ل " لاسال ١٢٩ لامانس ٨٦ لاهاي ١٦٦ لاوس ح ١٠٦ لستراداموس (منَجِّم) ح ١٠٩ الليريا (إقليم) ٢٦ ليسنكو ١٣٧ "م" ماركس ٩٥، ١٢٦ مالتوس (نظرية) ١٣١ مالك (الإمام) ٣٠ ماندل (عالم) ١٣٧ ماوتسي تونغ ١٠٥، ١٠٦ محمد ﷺ ٥٥، ٧٩، ١٥١، ١٥٨، ١٦١ محمد بن عبد الوهاب ٤٩ محمد بن موسى بن شاكر (عالم عربي) ح ٢٩ محمد بن يوسف (سلطان مراكش) ٩٤ محمد عبده ٥٢، ٥٤، ٥٥، ٥٦، ٥٧، ٥٨، ٨٧ محمد علي ٤٩، ١١٥ محمد المبارك ٩، ١٤، ح ١٨٢ مدام دي مانيتيان (مؤسسة دور اليتامى الفرنسية) ح ١١٥ مراكش ١٠، ٣٥، ح ٩٢، ح ١٠٩ المسيح ﵇ ٤٠ مصر ٢٧، ٧٢، ١١٥، ١٥٦، ح ١٧٢ المصرية (الجامعة) ٥٠ مصلمفى كمال ١٢٢ معاوية ٢٩ مورجان (عالم) ١٣٧ موريتانيا ١٣٢ موسكو ١٧٦ موسوليني ١٠٢ موسى ﵇ ٥٥ موسى بن شاكر (عالم فلك عربي) ح ٢٩ ميري برومبرجيه (كاتب) ح ١٠٥ ميمون (الكاهن) ١٩ "ن" ناظم القدسي (رئيس الجمهورية السورية سابقاً) ١٤٥ نيتشة ٣٤ نيوتن ٢٩ "هـ " الهان (أسرة حكمت الصين) ٢٦ هتلر ح ٨٢ هربرت ٧٨

стр. 180

_________ الهند ٤٧، ٤٨، ٥٠، ١٠٥، ١٠٦، ١٢٢، ١٣٥، ١٧٥، ١٨٤، ١٨٥ الهند الصينية (فيتنام) ١٣٦، ١٦٧ هورددور (مملكة مغولية) ١٧٥ هوشي منه (زعيم فيتنامي) ح ١٠٦ هوميروس ح ٥٢ "و" وارسو ١٧٦ وست مان (عالم) ١٣٧ ولهلمينا (ملكة هولندا) ١٠٤ وهران ١٦٧ "ي " اليابان ٥٨، ١٧٠ يافا ١٠٣ يحيى (إمام اليمن) ح ١٠١ اليمن ٩٣، ١٠٢ يوشع ١١١ اليونان ح ٥٢
следующие страницы →