← Общие книги

Общие книги · id 37827

وجهة العالم الإسلامي

مالك بن نبي

Полный текст (185 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وهذه الفكرة نفسها هي التي تتحكم في حياة رجال الجيش، حتى لقد أدلى المارشال (فرانشيت ديسبري) يوماً بتصريح في أحد الاستعراضات قال فيه: ((إن الرتبة ليست حقاً لأبناء المستعمرات، ولكنها منحة لهم)). والأمر سواء بالنسبة للتلاميذ أو المثقفين المسلمين، فليست الشهادة التي ينالها أو الوظيفة التي يظفر بها حقاً من حقوقه، وإنما هي منحة يُنْعَم بها عليه، ولهذا كان من المشكوك فيه أن تصلح هذه العينات المحزنة من أبناء الصفوة المسلمة لعمل نافع، وقد كانت ثماراً لمنح المستعمرين. ويكون الأمر على عكس ذلك حين ينبغ عقل واع ذكي، فإن المستعمر يحاول بوسائل شتى تحطيمه، فإذا ما بدا عصياً عنيداً حطم أسرته، ليشل نشاطه. وهكذا يعوق الحياة الفكرية في البلاد فيعوق بالتالي تطورها. والاستعمار يستخدم طبعاً الطريقة نفسها في الميدانين الاقتصادي والاجتماعي، فهو يهدم مقومات البلاد المستعمرة ويحول بينها وبين إعادة بنائها. كذلك فعلت إنجلترا في مصر منذ احتلالها، فقد قضت على فكرة محمد علي، وعلى ما قام به الخديوي اسماعيل من تجهيز لإنشاء الصناعة الوطنية، دعك من الخمسين في المائة من أسهم قناة السويس التي انتزعت من الحكومة المصرية بالضغط والإرهاب. أما في الجزائر فقد هدم الاستعمار منذ دخلها عدداً غير قليل من المؤسسات، وكانت هناك مؤسسة من نوع مؤسسات (سانسير) (١)، تربي اليتامى وتزوجهم، استمرت هذه المؤسسة بعد عام ١٨٣٠ ردحاً من الزمن تحت إدارة محسنة فرنسية،

стр. 107

ثم اختفت بدورها، وأصبحت أثراً بعد عين؛ أثراً في السجلات، وفي ذاكرة بعض شيوخ الجزائر. وفي قسنطينة نشأت نقابة معينة، اتخذت لها اسماً ذلك العنوان الرمزي (نادي صلاح بك)، وكان صلاح بك هذا يسهم في زمانه في النشاط الاجتماعي، فيشجع التعليم والعمل، ولكنها أغلقت بأمر الإدارة الاستعمارية. ولسنا نجد اليوم أثراً لفن النقش الدقيق والصور المصغرة، فلم يبق من صناعه إلا القليل النادر، من أمثال (عمر راسم) بالجزائر، فإذا ما قضى هؤلاء الفنانون قضى معهم فنهم، لأن الإدارة الاستعمارية لا تساعده بل تعمل جهدها للقضاء عليه. وهكذا نرى في كل ميدان من ميادين الحياة الاجتماعية وجهي الفوضى مقترنين كأنهما توءمان؛ الاستعمار والقابلية للاستعمار. وما فرض الاستعمار رقابته على الحياة الدينية، إلا لعلمه بأن الدين وحده هو الوسيلة النهائية لتصحيح أخلاق الشعب، الذي فقد في غمار أزمة تاريخه كل هم أخلاقي. وإذا كنا نجد اليوم شيئاً يدوي في جوانب النفس الإسلامية، فيردها قادرة على تغيير ذاتها، والتخلي عن جمودها، فلن يكون هذا الشيء سوى الإسلام. ولذلك لم تفلت هذه القوة الباعثة من تهجم الاستعمار، ففرض عليها أنواع القيود وأشكال الرقابات، حتى أصبح ميسوراً اليوم عندنا أن تفتح نادياً للميسر أو مقهى، أكثر من أن تفتح مكتباً لتحفيظ القرآن. وأعجب من ذلك أن تجد الإدارة هي التي تعين رجال الدين كالمفتي والإمام، لا طبقاً لمشيئة جماعة المسلمين، بل تبعاً لهوى المستعمرين. وبذلك تجمع في يديها أنفذ وسائل الإفساد، فاختيار رجل يؤم الناس في

стр. 108

المسجد، لا يكون بناء على تميزه بضمير حي، أو علم بأصول العقيدة، بل يراعى في ذلك ما يقدم للإدارة من خدمات، حتى كأنه (جاويش) صلاة. ولا شك أن هذا التحكم في شعائر الدين، مما يقض مضاجع أصحاب العقائد من المؤمنين، ويقلق ضمائرهم، لما يرون من أحداث غاية في الفساد والفتنة: إمام جاسوس خؤون، ومُفْتٍ فاسد مفسد، وقاض منافق مرتشٍ؛ وغاية الاستعمار من ذلك كله، أن يجعل من الإسلام صورة عجيبة من حياة أصحابه المستعمرين. ومن أجل هذا فهو يكدس العقبات والعوائق والقيود على طريق النهضة الإسلامية. بيد أننا نستطيع أن نعقد هنا مقابلة مباشرة بين القابلية للاستعمار والاستعمار باعتبارهما عوامل شلل وتعجيز، وسندرك من هذه المقابلة، أن المستعمَر يمكنه أن يتحرر من قابليته في الوقت الذي يستخدم فيه ذكاءه وجهده لتذليل العقبات وتخطي العوائق وتحطيم القيود. ولقد رأينا وما زلنا نرى في الجزائر، أن المسلم- حتى في مرحلة ما بعد الموحدين- لا يطيق المساس بدينه، فهو يصدف عن المساجد والمدارس التي سيطر عليها الاستعمار بواسطة عملائه، ليرفع بنفسه مساجد جديدة يعبد الله فيها دون قيود، وليشيد بيديه مدارس جديدة يتابع فيها أطفالهم، وهذه المحاولات تدلنا على أن الأمر لا يحتاج إلى الخطابة عن حرية العبادة أو نشر التعليم، وإنما يحتاج إلى القيام بأعباء اجتماعية، وأداء واجبات ملزمة. ومن الجميل حقاً أن يحصل المرء على (حقوقه) التي يطالب بها، ولكن من المؤسف حقاً أن نقلب نظام القيم فنقدم (الحقوق) على (الواجبات)، فذلك يزيد نسبة التخليط والقلق والفوضى في حياتنا، لأنه يضاعف خطوات (البوليتيكا) الخاطئة.

стр. 109

إن الاستعمار ما زال يدق أجراس الليل، داعياً المستعمرين إلى مواصلة الهجوع، ولكن ساعة النوم قد انقضت، وذهبت إلى حيث ألقت أشباح الاستسلام في العالم الإسلامي. ***

стр. 110

الفصل الرابع فوضى العالم الغربي ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣/ ٥٤] ــ

стр. 111

لم يذكر إقبال حين تحدث عن ((السرعة الهائلة التي يتحرك بها عالم الإسلام في جانبه الروحي نحو الغرب)) سوى ذلك الجانب الخاص، في ظاهرة سبق أن أدركها المؤرخ الكبير ابن خلدون في عمومها، حين قال: ((إن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده))، وقد أطلق الاصطلاح الحديثه على هذه الظاهرة (قانون التكيف). ولقد لاحظنا أن إقبالاً كان دائماً يضطرب عندما يقتضيه الأمر تحديد موقفه، كما هي حاله في مشكلة المرأة، فرأيناه يتردد بين عوائد الشرق التي تفصل المرأة عن دنيا الناس بحجاب تخفي به وجهها، (ومشربية) ترى منها الناس ولا يراها أحد؛ وبين فكرة الغرب عن تحرير المرأة دون قيد أو شرط، فتلقي لها الحبل على الغارب في دنيا الناس. هذا الموقف شاهد على الاضطراب العام الذي أصاب الضمير المسلم الحديث، التائه بين حلين يبدو كلاهما لعينه باعثاً على الأسى. ويبدو أن رجال الإصلاح في كثير من المجالات يبحثون عن حل ثالث أكثر توافقاً مع فكرة الإسلام ومع ضرورات العصر، بيد أن هذا البحث في ذاته يطفح بألوان التردد والمعاناة. ولا شك أن اضطراب أقطاب الفكر المسلمين يحدث وقفة في تطور الأفكار، إذ ليس في وسع المجتمع الإسلامي أن يعود إلى الوراء، وإلى مرحلة ما بعد الموحدين، أو أن يطفر إلى الأمام طفرة عمياء في حركته (نحو الغرب). وهكذا تشعرنا حالة العالم الإسلامي بأنه يقف في منطقة (حرام) في التاريخ، ما بين فوضى ما بعد الموحدين والنظام الغربي.

стр. 112

بيد أن هذا النظام لم يعد له ما كان يتمتع به من تأثير ساحر، وجاذبية غلابة ظفر بها على عهد مصطفى كمال وإقبال، فالعالم الغربي الآن قد أصبح حافلاً بمشاهد أخرى من الفوضى، لا يجد فيه الفكر الإسلامي الباحث عن (النظام) نموذجاً يحتذيه، ومنبع إلهام خارجي يهدي مساره التقدمي، حتى لقد أوشك أن يرجع إلى قيمته الخاصة. وهكذا نلمح في مطالعات الشباب المسلم وفي مناقشاته أمارات اهتمام جديد بالإسلام، لا ينطوي على أثارة من الانطواء، فهذا الإسلام يبدو- على العكس- متفتحاً بشكل واع لاستقبال العالم الحديث والتكيف مع قوانينه وأوضاعه، وهو يعلم أن الغرب لا يسعه أن يقدم له كل ما يتطلب من حلول كما كان الشأن أيام أتاتورك، وإنما هو واجد فيه إذا ما أراد نتائج تجربة هائلة ذات قيمة لا تقدر، على الرغم مما تحتوي من أخطاء، بل بسبب ما بها من أخطاء. هذه التجربة التي تعد درساً خطيراً لفهم مصائر الشعوب والحضارات، هي جد مفيدة لبناء الفكر الإسلامي، لأنها صادفت أعظم ما تصادفه عبقرية الإنسان من نجاح، وأخطر ما باءت به من إخفاق، وإدراك الأحداث من الوجهين كليهما ضرورة ملحة للعالم الإسلامي في وقفته الحالية، إذ هو يحاول ما وسعته المحاولة- منذ قضية فلسطين- أن يفهم مشكلاته فهماً واقعياً، وأن يقوم أسباب نهضته كما يقوم أسباب فوضاه تقويماً موضوعياً. ويبدو أنه يريد بهذا التقويم أن يصفي استبهام الأمر أمام سعيه، ذلك الاستبهام الذي تفقد فيه كل فكرة معناها ومغزاها، فقد لاحظنا لديه اتجاهاً إلى الفهم، وقد كان من قبل يستهدف التعلم، كما لاحظنا لديه اتجاهاً إلى محاولة إدراك مغزى التاريخ في أوربا، أكثر من أن ينقلها بحرفها بكل بساطة. فإذا ما أدرك العالم الإسلامي أن صدق الظواهر الأوربية مسألة نسبية،

стр. 113

فسيكون من السهل عليه أن يعرف أوجه النقص فيها، كما سيتعرف على عظمتها الحقيقية، وبهذا تصبح الصلات مع هذا العالم الغربي أعظم خصباً، لتظفر الصفوة المسلمة إلى حد بعيد بمنوال تنسج عليه فكرها ونشاطها. ولا شك أن هذا الإشعاع العالمي الشامل الذي تتمتع به ثقافة الغرب، هو الذي يجعل من فوضاه الحالية مشكلة عالمية، ينبغي أن نحللها وأن نتفهمها في صلاتها بالمشكلة الإنسانية عامة، وبالتالي بالمشكلة الإسلامية. إن تحليلاً كهذا يتيح للمسلم حتماً أن يقف أمام نظام أوربا بوصفه إنساناً لا مستعمَراً، وبذلك تنشأ حالة من التقدير المتبادل والتشارك الخصيب، بدلاً من تلك العلاقة المادية الصرف، التي لم تعد في جوهرها علاقة أوربا المستعمِرة بالعالم الإسلامي القابل للاستعمار، قل ذلك أو كثر. ولن تقتصر فائدة هذا التعديل على عالم الإسلام فحسب، إذ أن الواقع الاستعماري إذا كان قد أضر بحياة المسلمين إضراراً بليغاً، فإنه قد أضر كذلك بالحياة الأوربية ذاتها، لأن الاستعمار الذي يهلك المستعمرين مادياً، يهلك أصحاب أخلاقياً، وذلك ما يشهد به تاريخ إسبانيا منذ اكتشاف أمريكا. لكنا نلاحظ أن الأمم الاستعمارية على الرغم من إدراكها لأخطار الاستعمار، تعمى عن هذه الأخطار، كأن هنالك قدراً محتوماً يقضي على يقظتها ووعيها. ومع ذلك فيجب أن نذكر اتجاه هذه الأمم الآن إلى تعديل علاقاتها السياسية بالبلدان المستعمَرة، فقد أفسحت علاقة السيطرة مكانها شيئاً فشيئاً لعلاقات مؤسسة على الاحترام؛ والهند من شواهد ما نقول. أما فيما يتصل بأوربا فإن ما ألصقته القرون بعاداتها، وصبغت به حياتها يشق على الاتجاه الجديد أن يعدل حروفه، فما هو بالأمر الهين أن تعدل نفسية

стр. 114

الأمم وعاداتها، التي هي في الواقع أساس الفوضى الأخلاقية هناك. ولعلنا نكشف في هذه الصفحات عن علاقة هذه الفوضى بمثيلتها في العالم الإسلامي. والواقع أن هناك تأثيراً متبادلاً بين فوضانا وفوضى أوربا، فكلتاهما ذات وجهين، وذلك أن لفوضى أوربا وجهاً يعد نتيجة بسيطة، ولكنها محتومة للحركة التاريخية، أعني للعوامل الداخلية التي حتمت هذه الحركة، ولها وجه آخر عارض نتج عن تأثير الواقع الاستعماري على الحياة، وعلى العادات، وعلى الأفكار، منذ أكثر من قرن. هذان الوجهان يؤلفان في مجموعهما ظاهرة مشتركة في جميع الحضارات، هي ظاهرة تخلف الضمير في نموه عن العلم وعن حركة الفكر. فما الضمير إلا تلخيص نفسي للتاريخ، وخلاصة لأحداث الماضي منعكسة على ذات الإنسان، فهو بلورة للعادات والاستعدادات والأذواق. فكل ما لا يدخل في ميدان السوابق التاريخية التي تكون هذه العناصر يظل غريباً عن الضمير، فهناك مثلاً كثيرون منا لا يميلون إلى ركوب الطائرات، لأنهم ما زالوا لا يتصورون أن شيئاً أثقل من الهواء يمكن أن يحمله الهواء، فهذه الحقيقة لم تدخل بعد في تركيب الضمير، وكذلك الأمر بالنسبة لجميع فتوحات الفكر، فكلما فقدنا اتصالنا المباشر بماضينا وتقاليدنا وعوائدنا فقدت ضمائرنا قدراً كبيراً من مكوناتها الأساسية، لأن هذه تظل بعيدة عن مخالطة الضمير. تلكم هي مأساة الحضارة الحديثة في عمقها، فإن الضمير الحديث لم يتمثل بعد أغلب ما حققه العلم من مخترعات. هذا التخلف بين الضمير والعلم كان هو السبب المباشر في الانفصال الذي حدث في العالم الإسلامي في (صفين)، فالقرآن باعتباره نظاماً فلسفياً كان علماً يتجاوز في مداه آفاق الضمير الجاهلي بطريقة فريدة، فنتج عن ذلك انفصال بين أولئك الذين تمثلوا الفكر القرآني الجديد، وأولئك الذين استعبدتهم حمية الجاهلية

стр. 115

وأفكارها الاجتماعية، وشرائط الحياة التي جاء القرآن ليمحوها محواً من طبائع الناس. وتعد هذه الظاهرة هي السر الذي تحكم في التاريخ الإسلامي منذ ثلاثة عشر قرناً، فإذا غابت في غمار القرون، بعثتها ضروب الصراع الباطن من رمسها ما بين أزمة وأخرى. وما كانت حركة الخوارج في الجانب السياسي، وحركة المعتزلة في ميدان الفكر، إلا محاولات للجمع بين الفكر القرآني والضمير المتخلف الذي ما زال يتهرب من الحقائق المنزلة، وكان السبب في هذا الصراع كله، ما كان يعانيه العالم الإسلامي من انفصال بين سلطانه الزمني وفكرته القرآنية. فإذا صح أن الانحطاط منحصر بين هذين الطرفين من بعد، وهو صحيح، فإن النهضة تكون هي ما يبذله العالم الإسلامي من جهد في الميدان النفسي، هي حركة ضميره ليتدارك تخلفه عن الفكر القرآني، وعن ركب الفكر العلمي الحديث. ونستطيع أن نلاحظ أن الحركة ذاتها في تاريخ أوربا، حيث يفسر البعد بين العلم والضمير ما شاء فيها من فوضى، بوصفها نهاية محتومة لما أصابها من انفصالات متتابعة: حدث الانفصال الأول في مجال أخلاقها باسم الإصلاح، بيد أن انشقاقات كثيرة- من مثل انشقاق الحركة الألبية- قد أثبتت أن الضمير المسيحي عاجز عن مواجهة الفجوة التي كانت تفصله عن النزعة العقلية الناتجة عن التطور العلمي. وحدث الانفصال الثاني في مجال سياستها بحدوث الثورة الفرنسية، تلك التي حطمت التوازن الاجتماعي التقليدي، وأحلت محله وضعاً قائماً على المساواة بين الأفراد، بيد أن هذه المساواة النظرية لم تكن إلا توازناً لاقرار له، فقد كانت الظروف تهيئ انفصالاً في نطاق الشعب، بطل النظام الجديد. وكان قد نجم في صفوف اليعاقبة اتجاه عمالي معارض لاتجاه طبقة متوسطة. حتى إذا ما أعدم روبسبير، وسقط المجلس الشعبي الأول بباريس، انتصرت الطبقة المتوسطة. ومع ذلك فقد ظل الصراع خفياً بين جناحي المجتمع

стр. 116

الجديد؛ فإن الطبقة المتوسطة (البورجوازية) قد استهلت عهد الرأسمالية الجديد، كما أدى صراع العمال إلى ظهور طبقة جديدة، هي الطبقة العاملة (البروليتاريا). ولكن العالم الذي نتج عن هذا التطور المزدوج كان حافلاً بضروب التعارض، متهيئاً لتقبل صنوف الانفصال التي تصيبه. والواقع أن الشعب وجد نفسه نهائياً منشقاً إلى معسكرين عندما حملت الطبقة العاملة لواء (المادية الجدلية) في وجه (المادية العملية) التي تدين بها الطبقة المتوسطة الأوربية. وظل الصراع حيناً من الدهر على مستوى عال بين الاقتصاديين العمليين التقليديين، وعلى رأسهم آدم سميث وريكاردو، وبين الاقتصاديين الجدليين أصحاب المدرسة الجديدة، وفي مقدمتهم فردريك أنجلز وكارل ماركس، وذلك بصرف النظر عن الحركات النقابية الفوضوية، من مثل ما دعا إليه باكونين (١)، حتى إذا قامت الشيوعية الدولية الأولى بعد مؤتمرات بروكسل ولندن التحضيرية، وبعد إعلان قيام مجلس للشعب في باريس عام ١٨٧١، انقسم الشعب نهائياً إلى طبقتين متميزتين ومتعارضتين، لم تقتصر معاركهما على الميدان الفلسفي، بل نشبت أيضاً في المجال السياسي. هذه فترة من تاريخ أوربا وقد أصابها الانفصال في أوضاعها الأخلاقية والسياسية والاجتماعية، وهي الفترة المعاصرة لجبروت العصر الاستعماري، ولبوادر النهضة الإسلامية الأولى؛ وبهذه الدفعة المادية المزدوجة: دفعة البورجوازية، ودفعة البروليتاريا، تجلت أوربا للوعي الإسلامي فأدرك نفوذها في تطوره الفكري والسياسي. فهو لم يكتشف في أوربا هذه حضارة، بل أكتشف فوضى كانت تتعاظم داخلها الانفصالات طبقاً لعاملين كان لهما في هذا الشأن وزن كبير، هما: سرعة النمو العلمي، والتوسع الاستعماري.

стр. 117

ولقد تحالف هذان العاملان اللذان نطلق عليهما: النزعة العلمية، والنزعة الاستعمارية ليصبحا قدراً مكتوباً على أوربا، كما صار علم الكلام قدراً على مجتمع ما بعد الموحدين. وكان من شأن هذين التأثيرين، أن انزلقت أوربا إلى حمأة المادية، فما تمالكت أن حثت خطوها نحوها، يحدوها ما أحرزه العلم من ازدهار هائل مبدع. وكانت الفجوة بين هذا العلم الذي قلب الأوضاع، وبين الضمير التقليدي الناكص تزداد اتساعاً وعمقاً كلما جد جديد، أو حدث اكتشاف في ميدات العلوم. وغرق ذلك الضمير الذي طأطأ رأسه منذ نهاية القرن الثامن عشر أمام إله العلم فغمره فيضان علمي حقيقي في بداية القرن العشرين، استودع في النفسية الأوربية (طمياً) نما فيه الفكر الديكارتي، حتى انقلب أحياناً نزعة (ديكارتية) عقلية خطرة؛ لقد افتتنت (الذات) الأوربية بما حررت من قوى، فاستسامت لسحر عبقريتها. ولكن هذه (الذات) قد قامت في الواقع بدور (تلميذ الساحر)، فلقد أبدعت آلات لم تستطع السيطرة عليها، ثم استنامت لتلك الآلات تقودها بعقل آلي، وتزدردها في أحشاء من حديد؛ فصارت الحياة أرقاماً، وأضحت السعادة مقيسة بعدد ما لديها من وحدات حرارية وهرمونات، وصار العصر عصر (كم) يخضع الضمير فيه للنزعة الكمية، كما صار عصر النسبية الأخلاقية، فقد استهل قرنه بالمبدأ القائل: ((كل شيء في الحياة نسبي))، فلم يعد أحد يدرك معنى (الفضيلة المطلقة)، بل إن الكلمة نفسها قد أضحت من المعميات، أضحت كلمة ميتة لا معنى لها، لأن القرن العشرين وهو قرن العقل الوضعي الذي يشبه عقل الآلة، لم يعد يفهم شيئاً وراء التصورات النسبية للمادة. لقد مات معنى الفضيلة (المطلقة)، من الوجه الذي مات منه مفهوم (العدالة) في قول أحد الأوربيين: ((إن تسوية جائرة خير من قضية عادلة))،

стр. 118

وسارت الحياة الاقتصادية نفسها إلى مصيرها، يوم وجد بعض الناس في أنفسهم قحة وجرأة ليؤكد أن ((التجارة هي السرقة الحلال)). وهكذا نجد أن أوربا النازعة إلى (الكم) وإلى (النسبية) قد قتلت عدداً كبيراً من المفاهيم الأخلاقية، حين جردتها من أرديتها النبيلة، وأحالتها ضروباً من الصعلكة، وكلمات منبوذة في اللغة، طريدة من الاستعمال ومن الضمير، وكأنما صارت القواميس (أحياناً) مقابر لكلمات لا توحي بشيء، لأن مفهومها لا ينبض بالحياة. ولقد تعاظم خطر تلك النزعة الكمية في أوربا طبقاً (للعامل المضاعف) المتمثل في القوة الفنية، والذي تملكه صناعة غزت العالم، كأنها أخطبوط يضاعف بصورة هائلة شهوة الإنسان إلى المادة، فهي تملي على الطفل اتجاهه في الحياة، فلا يختار طريقه فيها إلا وقد وضع نصب عينيه ما يأخذ من المجتمع لا ما يعطي، إنه يبحث عن حظه لا عن رسالته، وتلك طريقة جيدة لإعداد مدير المستقبل في المستعمرات، لأن ذلك الموظف لم يعد لديه أدنى قدر من التحفظ الذي يحول بينه وبين الأخذ بمبدأ النسبية الأخلاقية في بلاده، بل المضي فيه إلى أبعد مدى. فهناك في المستعمرات تسلك الأخلاق النسبية في نفوس الناس باسم (السيادة القومية)، وبذلك يسقط قناع (التحفظ) كأنه مسحوق يذوب بحرارة الشمس، في جو حميت فيه الشهوات المنطلقة والغرائز المطلقة، فالناس ما بين راغب وآخذ. والناس في أوربا ذاتها، قد احتاجوا ما درجوا عليه في حياة المستعمرات من عادات وأذواق وأفكار، فلم تعد مطامحهم تسعى لإدراك (علة) الشيء، ولا (كيفية) حدوثه، وإنما هي متعلقة بالبحث عن (الكم)، غير أنهم يحاولون نفاقاً أن يستروا هذه النزعة بما يتيسر لهم من البلاغة واللسن، لكن هذه البلاغة سرعان ما تختفي لتنكشف الأمور على حقيقتها، وتتسمى بأسمائها، فإذا بالقط قط، وقد كان منذ قليل نمراً، وإذا بالنزعة الكمية تشمل مرافق الحياة الاجتماعية

стр. 119

جميعاً، في الإنتاج وفي عمليات الدفع والشراء، بل في عملية الأكل أيضاً، فالحياة تجري على سنن (الكم) وحده. لقد أصبح (الرقم) سلطاناً في المجتمع الفني الآلي الذي قام بأوربا منذ عام ١٩٠٠، وصار الإحصاء لا معقب لحكمه، فليس للفطرة الإنسانية، أعني الضمير الإنساني ذاته، دخل في الحياة الجديدة، شأنه في ذلك شأن ما لا يدخل في عداد الأرقام، ولا يقاس بالكمات، وبذلك أصبحت حياة الإنسان مجرد وظيفة تكم الأرقام، فالآلات هي التي تحرر وتحسب، تسخر الإنسان للانخراط في حركة أجهزتها. إن قانون (لاسال) الذي أطلق عليه (القانون الفولاذي) قد أصبح المتحكم في مصير الإنسان، والخالق للحمه وأعصابه، حتى جعل منه آلة عاقلة. بل إن (الحاجة) التي تعد من ألصق الأمور بالإنسانية، حتى هذه تجردت الآن من إنسانيتها، فتحولت ضرباً من ضروب التجارة، فما يتصورها أحد هنالك أو يقرها إلا حيث تكون مربحة. أما الحاجات الإنسانية العامة، وخاصة حاجات الأرملة واليتيم والشيوخ والمرضى فهي ليست مربحة، لأن الآلات لا تعرف الحساب الأخلاقي أو التقديرات الميتافيزيقية. ألا ما أعجب منطق الآلة: تدور المعامل، وتقدم إليها المستعمرات المادة الأولية واليد العاملة بثمن بخس، ثم تنتج المصانع ويقبل على شراء إنتاجها المستهلكون الذين يقدرون على الدفع، فتحسب الحاسبات قوائم الأسعار وترصد الأرباح والأجور وساعات العمل. ولا شك أن هذه الآلية عجيبة رائعة، شريطة ألا تندس حبة من الرمل بين أجهزة المحرك؛ لكن هذا لم يكن إلا وهماً، فمنذ عام ١٩١٤ والآلة الحديثة تعاني

стр. 120

نقصاً رهيباً في أجهزتها، إذ لما لم تعد مصادر المواد الأولية كافية، دارت محركات لتطحن الهواء، وتوقفت محركات أخرى أو كادت، فلم تعد تشبع إنتاجاً منهوماً لا يشبع، لقد تفجرت ضوضاء الآلات بين أيدي صانعيها؛ فبعد سنوات أربع غمرت بملايين القتلى وأحداث الهدم والتخريب، ظفرت الحياة في أوربا بلون من الاستقرار، فاستأنفت المحركات دوراتها المنتظمة، لكن هذا الانفصال الذي حدث عام ١٩١٤ - ١٩١٨ لم يسكب عبرته في الضمائر المفتونة بسحر المال، السكرى بالشمبانيا، فقد أخفى الرخاء الظاهر المؤقت عنها لذعة الواقع. ومع ذلك ففي عام ١٩٣٠، سمع الناس من جديد صوت احتكاك رهيب في أجزاء الآلة، وكشفت الأزمة التي بدأت تستحكم عن السرطان الأخلاقي الذي يلتهم الحضارة، ويدلل على أن النهضة الفنية وحدها عاجزة برسومها ومعادلاتها عن حل المشكلة الإنسانية. لقد توقفت الآلات عن الدوران والكتابة وحساب ساعات العمل والأرباح، وطال صف العاطلين أمام صناديق البطالة، وسكن البؤس منازل الناس. ولكن سخرية مؤسية خيمت على هذا البؤس، فلأول مرة في التاريخ الإنساني تصبح علة البؤس وفرة الإنتاج لا قلة الثروات، وتلك أمارة عبقرة القرن العشرين، فلقد استطاعت بعملها أن تجعل من أسباب الرفاهية عوامل فاقة وشقاء. فأين إذن مكان الداء .. ؟ هل هو في تفوق المنحنى البياني للإنتاج على منحنى الاستهلاك .. ؟ هذه مسألة صبيانية!! فالفنيون الذين يلمون بمعرفة الحساب يعرفون كيف يصححون المسائل، ويعيدون المنحنيات إلى مستوى معين، وبذلك يكون الحل رياضياً يتلخص في إعدام الفائض، فهذا أبسط شيء، وبهذه الصورة تم إحراق القطن والقمح والبن، على الرغم من أن شعوباً كثيرة لا تجد أثراً منها في بلادها. وهكذا وجدنا أن الحضارة التي أبدعت نظرية

стр. 121

(مالتوس) القائلة بتحديد النسل للموازنة بين الثروة وبين مستهلكيها، تشرع في تطبيق هذا التحديد على الأشياء المستهلكة لا على المستهلكين. لم تنهض أية سلطة روحية للتنديد بتلك الفضيحة، فأولئك الذين كانوا يستطيعون إنقاذ أوربا من فوضاها الاقتصادية لم تكن حاجات الشعوب لديهم مربحة، فإن الشعوب المستعمَرة العارية الجائعة لم تكن تستطيع أن تشتري شيئاً، فلقد عدها المستعمرون مجرد أدوات للعمل، فخرجت بذلك من عداد المستهلكين. إن النظام الذي خلق الفوضى في أوربا ذو صبغتين، فهو علمي واستعماري في آن واحد، فإذا ما كان في أوربا فكَّر بمنطق العلم، أما إذا انساح في العالم فإنه يفكر بعقلية الاستعمار، حتى إذا وافى إبان الأزمة عام ١٩٣٠ كان المنطقان قد امتزجا، وبلغ الوحش بهذا الامتزاج أبلغ أحوال الضراوة. وبتأملنا للظواهر في تخلقها، نجد أن حريق عام ١٩٣٩، لم يكن سوى عودة للضرام، في لحظة نقم فيها ميكيافيلي على نفسه، وسخط الشيطان على عمله، فهدم ما كان قد بناه، وتلك لحظة تهب فيها ريح القضاء المبرم على شراع الإنسانية المشرع، حتى يبلغ القدر مداه، لقد علمنا رسول الله (محمد) ﷺ وهو النبي الاجتماعي درساً قال فيه: «من حفر مغواة لأخيه أوشك أن يقع فيها» (١)، وكان أخوف ما يخاف على أمته ما ترتكب من مظالم لا ما تتعرض له منها (٢). ولقد صدق تاريخ عصرنا لسوء الحظ هذا الحكم، فأوربا التي كان عليها أن تهدي سعي الإنسانية، قد اتخذت من مشاعل الحضارة (فتيلاً) يحرق بدل أن

стр. 122

يضيء، وفي ضوء ما أشعلت من نار أشاعت وهجها في المستعمرات حتى جارت على أرضها هي؛ أوربا هذه رأينا الفوضى تنتشر فيها، الفوضى نفسها التي أشاعتها في بقية أجزاء الأرض، والضلال نفسه. بل إنها قد تجرعت الكأس المحتومة نفسها؛ كأس الاستسلام لقوى الشر الأسطورية، نعم .. الأسطورية؛ فعلى الرغم من أن أوربا قد دانت لمناهج ديكارتية علمية محض، وعلى الرغم من أن الصناعة قد سادتها حتى بلغت في تنظيمها الصناعي أقصى مداه بنظرية (تايلور)، فإن لها أيضاً أساطيرها وخرافاتها، وهي أساطير ذات أثر (كاف)، ولكن بصورة غير التي عهدناها في أساطير مجتمع ما بعد الموحدين. فإذا كان الشلل في بلاد الإسلام بليداً خامداً لا حس له، فإن الشلل الأوربي على العكس من ذلك شلل ذو رعشة وضجيج، بل إن الأساطير الأوربية خطيرة إلى أبعد غاية، لأنها تتصرف في قوة الآلة وقوة المادة، وما دام الأمر هكذا فيوشك أن تهدم كل شيء بطريقة علمية، فتنسف بقنابلها الذرية البلاد والعباد. والعجيب أن أساطير أوربا أساطير علمية، لها مجامعها وفقهاؤها وشعراؤها. فقبل الحرب العالمية الأولى بقليل، كان أحد الضباط الشبان واسمه (أرنست بسيكاري) يعمل في منطقة موريتانيا، فأثار حماسته ما رأى عليه مسلمي هذه البلاد من بساطة وعمق في إيمانهم، فكأنما ساقته العناية إلى هنالك لتبعث في خاطره روحاً من التأمل والرجوع إلى النفس، كان من نتيجته تغير كامل في حياته، وهداية إلى الطريق الذي أدى به إلى الكنيسة (عصبة أسلافه) كما قال، وهو أمر طبيعي، ولكن شريطة ألا يتنكر المرء لمن هداه إلى سواء الصراط!!! أما الذي حدث منه فقد كان على العكس من ذلك، ففي أثناء رحلة قام بها إلى موريتانيا فيما بعد، جلس مع شاب مسلم من أبناء البلاد، اتخذه رائداً،

стр. 123

فأخذ يتمدح أمامه بالقوة المادية التي تتميز بها الحضارة الحديثة، فعقب الشاب البدوي على كلامه قائلاً: ((لكم الأرض، ولنا السماء)). كم كان من اللائق أن يبسم لبراءة محدثه، ولكنه كتب بعد ذلك يقول في (مفكرته) هذا التعجب الدال على مكنون نفسه: - آه!! تلك كلمة لا يحق للمسلمين أن يتلفظوها. من أين انبعثت هذه الصرخة الشاذة الصادرة عن رجل لم يعد إلى حظيرة الدين إلا منذ عهد قريب .. ؟ إليك السبب: لقد كان بسيكاري ابن أخت (رينان) الفيلسوف المشهور بعداوته للإسلام، فتفكيره هذا يتفق بصورة مذهلة مع تفكير خاله، (وقد كان ابن الأخت يرفض هذا التفكير بسبب ما فيه من إلحاد)، فقد كتب رينان عقب حرب عام ١٨٧١ هذه السطور، وهي شاهد من وجه آخر على العنصرية المتأصلة في فطرتهم، وعلى النزوع إلى احتقار الإنسانية قال: .. ((جنس واحد يلد السادة والأبطال، هو الجنس الأوربي، فإذا ما نزلت بهذا الجنس النبيل إلى مستوى الحظائر التي يعمل فيها الزنوج والصينيون فإنه يثور، فكل ثائر في بلادنا هو بطل لم يتح له ما خلق له، وهو إنسان ينشد حياة البطولة، فإذا هو مكلف بأعمال لا تتفق وخصائص جنسه. إن الحياة التي يتمرد عليها عمالنا يسعد بها صيني أو فلاح أو كائن لم يخلق لحياة الحرب، فليقم كل امرئ بما خلق له، لتسير الحياة على ما يرام)). فهذا العالم الكبير قد خلّى- ولا شك- بين قلمه وبين الضلال أكثر من مرة، بغض النظر عما تحتويه هذه الأسطر من ضعف فكري، فهو يكشف لنا ضمناً عن (الأسطورة العظمى) التي فاقت سائر الأساطير في أوربا منذ قرن، فالخال وابن أخته يكرعان من نبع واحد هو امتياز (جنس السادة)، وهو نبع

стр. 124

للأساطير الدامية، كأسطورة (ملوخ)، الإله الذي لا يشبع مما يقدم له عباده من قرابين بشرية؛ والصنم الذي تمخض عن الاستعمار، عدو الإنسانية، فتمخض عن النازية عدو أوربا، لقد هدمت هذه الأسطورة جميع ما أمرت به الديانة المسيحية من فضائل، بل تعدت ذلك إلى الهجوم على (الله) ذاته، فحاولت أن تسلخ الإيمان به من الضمير الأوربي، فهي هنالك تسكن قلوب الناس، وتقيم في أفكارهم، وتحرك إرادتهم، وتوحي إلى الشباب دائماً اتجاههم ورسالتهم. وما التاريخ منذ قرن من الزمان إلا ملحمة للفكر الاستعماري، فالطفل الذي يولد في أوربا يشعر في استقباله الحياة كأنما سبقت تهيئته للاستعمار، فإذا ما أخطأ وجهته لم يصرفه ذلك عن تغذية ذهنه بأفكاره، كما يتغذى هو من خيرات المستعمرات. ولكن سرعان ما يعود اللهب ... فلقد انقلب الاستعمار في الضمير الأوربي إلى قومية عمياء، آلت بعد تصفيتها وتكريرها إلى أسطورة (الجنس المختار)، التي ستتخذ فيما بعد ذريعة إلى بلوغ قمة البربرية، وبذلك أدى قيام الاستعمار على أساس احتقار الأجناس إلى نشوء (جنس أسمى) بين سائر أجناس البشرية. وما كانت حرب ١٩١٤ - ١٩١٨ في الواقع سوى فترة وسيطة بين الحركة الاستعمارية والحركة النازية، أعني مرحلة من التصفية، فلقد تشبث كل طرف آنذاك بمصالحه المادية، فاختلطت المفاهيم التي عهدناها متمثلة في كلمات مثل: الله، القانون، الإنسان، اختلطت بالبترول والقصدير. وأصبح التاريخ رقية تتلى على المفاهيم الميتة ليبتعثها من مراقدها، حيث دفنتها حضارة الرقم والآلة؛ ومن هذا الوجه أقحم الدين إقحاماً، كأنه ضرب من التعاويذ والرقى لتأمين المنافع المادية، وهو إقحام طبع العبقرية الديكارتية طبعة شاذة. أما الذي حدث فعلاً فقد كان عكس ذلك تماماً، فحين دعا هؤلاء (الله) سبحانه ليعينهم على أن يؤدوا أعمالاً فاسدة، لينهبوا ويفسدوا ويقتلوا، بعث الله إليهم

стр. 125

(الشيطان) ليتم لهم عملهم، ويبث في قوانين المجتمع ونظمه ما كان قد نجم في طباع الفرد من خبث وسوء. فالمستعمر الذي تعود تسخير (المستعمَر في العمل) لوته عادته عن مهمته الحقيقية، وعرّته عن معنى حضارته، وكانت مباشرته الظلم سبباً أنساه العدالة وأصولها: من احترام القانون والشعور بحق الآخرين، وأدت به السهولة التي جرت عليها الحياة الاستعمارية إلى إنسائه كل جهد، بما في ذلك الجهد الفردي، حتى إن طائفة من المستعمرين بالجزائر وهي تقارب مليوناً من الأنفس لا يبلغ جهدها الفكري قدر ما يبلغه جهد مدينة صغيرة في فرنسا. وهكذا يتجرد المستعمر من حضارته في هدوء فيتوحش وينحط، من حيث أراد أن يفعل ذلك بالمستعمر، ولكن ((من حفر مغواة لأخيه وقع فيها))، وبذلك تتم النبوءة، فالرجل الاستعماري هو نفسه قد أصبح اليوم معزولاً عن حضارته، فلم يعد يفهم ماهية مشكلاتها، فإن تعصبه العنصري قد هاج من (نزعته الفردية) في النطاق القومي، وأوقد نزوعه إلى الحرب في النطاق العالمي. وهكذا أيضاً لم تعد الإدارة الاستعمارية إدارة عامة، أو هيئة من هيئات الدولة، بل أصبحت بالتدريج (شركة أفراد) أو بعبارة أصح أصبحت (عصابة) كتلك الشركة التي كانت بالهند منذ بعيد. لقد صارت شركة مستقلة لا تتصل لوائحها ونظمها الداخلية تقريباً بمصالح بلادها المستعمرة، ولا علاقة لها البتة بمصالح الشعب المستعمَر (١)، فليس الأمر أمر إدارة، بل هي فرق من الموظفين يسعى كل فرد فيها وراء مغنمه، ويستولي استيلاء على كل ما تطمح نفسه إليه.

стр. 126

وبهذا رأينا المستعمر الذي تخلى عن كل وازع أخلاقي، فلم يعد يتحفظ في شيء داخل المستعمرات، يوشك أن يتخلى عن كل وازع داخل بلاده أيضاً. فالنبوءة تتم، وأوربا بدورها تصبح ميداناً تسوده الروح الاستعمارية، ولو أننا أردنا أن نلخص خطوها البطيء الثابت في هذه الحركة المقدورة، فلن يسعنا إلا أن ندع أحد المستعمرين يتحدث عن هذه الظاهرة: هذا هو (إميه سيزير) (١) يتحدث في إحدى مقالاته حديثاً، يدلنا على الثروات الإنسانية التي كاد يحطمها الاستعمار فيقول: ((إن من الواجب أن نبين أولاً كيف يعمل الاستعمار على تجريد المستعمَر من حضارته، والانحدار به إلى مستوى التوحش بمعنى الكلمة، حتى أيقظ فيه الغرائز الدنيا، وسوّل له الجشع والعنف، والحقد العنصري، والنسبية الأخلاقية، ومن الواجب أيضاً أن نبين أنه طالما كانت في الهند الصينية (فيتنام) رأس مقطوعة، أو عين مقلوعة، ورضي بذلك الفرنسيون، وطالما كانت هناك فتاة مفتضة كرهاً ورضي الفرنسيون، أو مدغشقري معذب ورضي الفرنسيون، فإن طارئاً في هذه الحضارة يضغط عليها بثقله الرهيب، وتقهقراً عاماً يسودها، ولصوصية تستقر في جوانبها، وبلاء محيقاً يمتد ليطوقها. وليعم أولئك الذين يزعمون أنهم قوامون على الحضارة الإنسانية أن لكل شيء نهاية، وأن نهاية الغدر بالمعاهدات، ونهاية هذه الأكاذيب المتفشية، وهذه الحملات التأديبية الغاشمة، وهؤلاء المسجونين المقيدين المستجوبين، وأولئك الوطنيين المعذبين، ونهاية هذه الغطرسة العنصرية، وتلك الثرترة المنشورة، نهاية هذه جميعاً سم مصفى يتسرب في شرايين أوربا، وتقدم بطيء ثابت لأخلاق الوحشية حتى تعمها. وإذا بالناس يفيقون ذات يوم على رجع الصدى،

стр. 127

فالجاسوسية تنشط، والسجون تنز بمن فيها، والجلادون يخترعون آلات النكال، ويهذبونها ويتناقشون حولها، فيغضب الناس ويصرخون قائلين: ((عجباً!! ها هي ذي النازية، لا بأس .. عاصفة .. وتمر))، وينتظرون على أمل، ويطول بهم الانتظار، ولكنهم يتكتمون في أنفسهم الحقيقة المرة، وهي أن النازية هي البربرية، ولكنها البربرية العظمى التي تتوج وتتمثل سائر ما شهدت أوربا في أيامها من بربريات ... أجل هذه هي النازية، ولكنهم قبل أن يصبحوا ضحاياها، كانوا شركاء في جرمها، فهم قد ساعدوها قبل أن يعانوا من إجرامها، لقد غفروا لها، وأغمضوا أعينهم عن بوادرها، بل خلعوا عليها صفة الشرعية، لأنها حتى ذلك الوقت كانت تخوض في شعوب غير أوربية. لقد زرع الأوربيون هذه النازية الشريرة، فهم مسؤولون عنها، وقد حان الوقت لكي يؤتي الزرع أكله، فينز ويقطر، قبل أن يطفح في تلك المياه الحمراء ما تحتويه دماميل الحضارة الغربية المسيحية ... )). إن ضروب الانفصال والفساد، وصنوف الغدر والخيانة تتضاعف وتستشري كل يوم في أوربا، وبقدر ما يستخدمون العدالة وسيلة من وسائل الضغط والاضطهاد في المستعمرات فإن قيمتها تنحط في بلادهم نفسها، وكلما زوروا الانتخابات وزيفوها في المستعمرات تعودوا هم في أوربا طعم التزييف في الحياة المدنية، وكلما فرضوا ألوان القيود على ضمائر الشعوب المستعمرة فقدوا هم معنى احترام الضمير؛ إنهم يتمزقون أكثر مما تتمزق المستعمرات. ولقد نشهد فيما بينهم صراعاً رهيباً حتى في المجال العلمي، وذلك عندما يقف (ليسنكو Lyssenko) ليحاول إنزال (ماندل Mandel) و (وست مان Wiestman) و (مورجان Morgan) عن عرش البيولوجيا. أنا لا أشك في أن العلم يجني فائدة ما من هذه المساجلات، ولكنها لم تقتصر على الكشف عن قوانين

стр. 128

الوراثة واستكمالها، فقد كان كل منهم ينازع غالباً ليظهر للناس أنه أعظم حجة وأعز نفراً. فالتمزق هنا لم يصب الضمير العلمي، وإنما أصاب ضمير الإنسانية المتهيئ لجميع الانفصالات، المستعد لضروب المنازعات، المشرف على منازل القيامة. ولعل في ضمير الغيب مصيراً محزناً ينتظر هذه الإنسانية، إذ عساها تعود إلى عهود الكهوف، وقد توحي إلينا القنابل الذرية في الغد بفن جديد من فنون العمارة، عمارة الحياة في جوف الأرض، ويومئذٍ تعيش الإنسانية في أعشاش هائلة تشبه أعشاش القوارض، أعشاش عجيبة تتفق وخصائص إنسانية استعاضت عن العقل بالآلة، وعن المبادئ الأخلاقية بالرقم، وعن (الله) بما ابتدعته من أساطير. أية كانت وجهة الأمر، فإن العالم الإسلامي لا يستطيع في غمرة هذه الفوضى أن يجد هداه خارج حدوده، بل لا يمكنه في كل حال أن يلتمسه في العالم الغربي الذي اقتربت قيامته، ولكن عليه أن يبحث عن طرق جديدة ليكشف عن ينابيع إلهامه الخاصة. ومهما يكن شأن الطرق الجديدة التي قد يقبسها، فإن العالم الإسلامي لا يمكنه أن يعيش في عزلة، بينما العالم يتجه في سعيه إلى التوحد، فليس المراد أن يقطع علاقاته بحضارة تمثل ولا شك إحدى التجارب الإنسانية الكبرى، بل المهم أن ينظم هذه العلاقات معها. ***

стр. 129

الفصل الخامس الطرق الجديدة ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ٦/ ١٥٣] ــ

стр. 130

خلق مجتمع ما بعد الموحدين كائناً على صورة (الأميبا): كائناً متبطلاً يتسكع، حتى إذا رأى فريسة هينة أبرز إليها ما يشبه (اليد) ليقنصها، ثم يهضمها في هدوء. ولقد شاءت المصادفة أن تمده بفرائس أشبعت حاجاته المتواضعة، فدرج على هذا النحو خلال قرون خلت، اتكل فيها على عناية السماء لترزقه، حتى إذا جاء الاستعمار اختطف منه ما كان يطعم، حتى لم يدع له شيئاً يتبلغ به، وكان من نتيجة ذلك أن تحرك ضميره الأميبي، أعني معدته، فمد (شبه اليد) إلى فريسة وهمية أطلق عليها لفظة (الحق). كان ذلك هو منشأ (البوليتيكا) باعتبارها (يداً) لمجتمع ساغب، لم يعد يملك شيئاً يسد به رمقه. لقد قالوا: إن الحاجة هي أول عمل تاريخي شعر به الإنسان في علاقاته الاجتماعية. وهذا تعريف نفعي يفسر التاريخ بعملية استهلاك، وهو تعريف أدى في بلد كالجزائر إلى إطالة يد (الأميبا)، إلى جانب أنه لا يتفق ومرحلة التطور التي يمثلها مجتمع ما بعد الموحدين، فلا شك أن هذا المجتمع كان يشعر ببعض الحاجات البدائية، كالحاجة إلى الأكل والشرب مثلاً، لكنه منذ سبعة قرون لم يخترع حتى يد المكنسة، اللهم إلا ما اخترعه من (خيط يقطع به الزُّبد) .. !! لم تكن (الحاجة) إذن هي التي تنقصه، فإن جداتنا قد استشعرنها عندما كن يكنسن حجراتهن كل صباح بمكانسهن القديمة القصيرة، فيلعنّها ويتنهدن، إذ تضطرهن إلى الانحناء، ومع ذلك فإن الفكرة البسيطة التي توحي إليهن بعمل ذراع للمكنسة لم تراود خيالهن. ذلك لأن الحاجة لا تكون فعالة خلاقة إلا حين يمنحها الضمير من روحه ما يحيلها عملاً ملزماً، وهذا العمل الملزم هو الذي يسّر للمجتمع الإسلامي أن يحيل

стр. 131

أفكاره وحاجاته إلى منتجات حضارة. أما منذ ظهر إنسان ما بعد الموحدين فقد صارت عملية الإنتاج مجرد عملية استهلاكية. وليس يكفي مجتمعاً لكي يصنع تاريخه أن تكون له حاجات، بل ينبغي أن تكون له مبادئ ووسائل تساعده على الخلق والإبداع. ومن هذا الوجه نرى من المفيد أن نصف التطور بلغة الطاقة، فإن قانون التبادل الذي يتحكم في الحياة الاجتماعية، غير مقتصر في الواقع على مجرد التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، فإن توازناً كهذا يكون قاتلاً، لأنه يقتصر على استخدام المنتجات دون أن يعمل على زيادة القوى الإنتاجية، بل إن هذا التوازن لا يمكن أن يتصور، وهو ما يهدف إليه قانون (كارنو) في مجال الحرارة الديناميكية. فلكي تتجلى الطاقة بصورة فعالة يجب أن نرفع مستواها، بمعنى أنه يجب أن نجمِّعها حتى ينتج من هذا التجميع ما يشبه (المسقط)، شأن اختلاف درجات الحرارة في إحدى الآلات الحرارية، أو اختلاف قوة التيار الكهربي في إحدى الآلات الكهربية. فما سميناه من قبل (بالحاجة) يجب أن ننظر إليه باعتباره في باب الطاقات الاجتماعية هبوطاً في قوة هذه الطاقات. وينبغي أن نعلم أن علم الاجتماع يرى أن (الحاجة) في صورتها البدائية العاجلة ليست هي العمل التاريخي الأول، ولكنه يخلع هذا الوصف على روح المبادرة التي تخلقها وتنميها وتشبعها، وبعبارة أخرى نحن بحاجة إلى تعريف مزدوج (للحاجة)، تعريف لها في صلتها بالطاقة، وآخر في صلتها بالمنفعة، فلو أننا حاولنا أن نترجم هذه الاعتبارات إلى حقل السياسة، وجب أن يكون ذلك طبقاً لوسائلنا، لا تبعاً لحاجاتنا، فلسنا إذن بحاجة إلى نظرية تهتم (بالحق) على حدة، أو (بالواجب) على حدة، فإن الواقع الاجتماعي لا يفصلهما، بل يقرنهما، ويربط بينهما في صورة منطقية أساسية، هي التي تسيِّر ركب التاريخ.

стр. 132

ومع ذلك فينبغي ألا يغيب عن نظرنا أن (الواجب) يجب أن يتفوق على (الحق) في كل تطور صاعد، إذ يتحتم أن يكون لدينا دائماً محصول وافر، أو بلغة الاقتصاد السياسي (فائض قيمة). هذا (الواجب الفائض) هو أمارة التقدم الخلقي والمادي في كل مجتمع يشق طريقه إلى المجد. وبناء على ذلك يمكننا القول: إن كل سياسة تقوم على طلب (الحقوق) ليست إلا ضرباً من الهرج والفوضى، أو هي، كما عبرنا من قبل، (يد) تطيل عمر الحياة الأميبية في الحقل الفكري، وتلك هي (البوليتيكا) بالمعنى الشعبي للكلمة. والحق أن العلاقة بين الحق والواجب هي علاقة تكوينية تفسر لنا نشأة الحق ذاته، تلك التي لا يمكن أن نتصورها منفصلة عن الواجب، وهو يعد في الواقع ((أول عمل قام به الإنسان في التاريخ)). فالسياسة التي لا تحدث الشعب عن واجباته، وتكتفي بأن تضرب له على نغمة حقوقه، ليست سياسة، وإنما هي (خرافة)، أو هي تلصص في الظلام، وليس من مهمتنا أن نعلم الشعب كلمات وأشعاراً، بل أن نعلمه مناهج وفنوناً. ليس من مهمتنا أن نغني له نشيد (الحرية)، فهو يعرف الأغنية، أو أن نقول له ونكرر القول في الحقوق، فهو يعرفها، أو أن نلقنه فضائل الاتحاد المقدس، فإن غريزة التجمع قد علمته هذه الفضائل. وفي كلمة واحدة ليس من شأننا أن نكشف له عما ألم بمعرفته من قبل، بل أن نمنحه من المناهج الفعالة ما يستطيع به أن يصوغ مواهبه ومعارفه في قالب اجتماع مُحَس. وبعبارة أدق: ليس الشعب بحاجة إلى أن نتكلم له عن حقوقه وحريته، بل أن نحدد له الوسائل التي يحصل بها عليها، وهذه الوسائل لا يمكن إلا أن تكون تعبيراً عن واجباته.

стр. 133

سيكون على مجتمع ما بعد الموحدين إذن، أن يخفف من نزوعه إلى المطالبة بالحقوق، لكي يفرغ لاستخدام الإنسان والتراب والوقت استخداماً فنياً لاستحداث تشكيل اجتماعي، ينتج من تلقاء ذاته (الحق)، وذلك بمقتضى الاقتران الوثيق بينه وبين الواجب. فرسم سياسة معينة معناه إعداد الشروط النفسية والمادية للتاريخ، أعني إعداد الإنسان لصنع التاريخ. وإنسان ما بعد الموحدين قادر على رسم هذه السياسة، لو أنه نأى بنفسه أن يسلك مسلك (الأميبا) التي تتربص بفريسة تقع لها اعتباطاً، فإذا هي فريسة غير مصونة، ومعنى هذا أنه عندما يتحدث قليلاً أو يدع الحديث عن حقوقه، ويتحدث كثيراً عن واجباته عندما يدع الحديث عن ميثاق الأطلنطي، ويكثر من الحديث عن مواهبه وموارده، يكون بذلك قد نأى عن أن يكون مخلوقاً محروماً، يهدده دائماً عدوان الاستعمار، ولن يكون هذا الإنسان فريسة سهلة إذا ما اتجه إلى تثقيف طرائق تفكيره وطرائق عمله، طبق منطق عملي يخطط نشاطه، ومنطق علمي موضوعي ينظم فكره، وإذا ما تخلص من الخرافات التي تكف نشاطه، وتحد من فاعليته. ويبدو لنا أن هذا الشرط قد بدأ يتحقق شيئاً فشيئاً في واقع العالم الإسلامي، منذ قضية فلسطين، فهي بلا ريب أخطر حدث، بل أعظم الأحداث بركة في تاريخ العالم الإسلامي الحديث. لقد حللت قضية فلسطين الفوضى، التي أقام فيها هذا العالم حيناً بسبب بعض الاتجاهات الفوضوية في نهضته، فكشفت جميع القيم الباطلة، والأوهام السائدة التي كانت تزيف له توقعات مستقبله. ولقد حررت هذه الهزيمة المباركة- أو بعبارة أدق ذلك النصر السعيد للواقع على الوهم - حررت العقول والضمائر التي كانت تخنقها الفوضى، فظهرت منذئذٍ

стр. 134

طرق جديدة أمام الشعوب التي زلزلتها الأزمة فأيقظتها، وتبددت أوهامها فاتجهت عندئذٍ إلى الواقع المرير. لقد استهلت هزيمة فلسطين عهداً جديداً في النهضة الإسلامية، فلم تعد الخرافات قائمة أمام واقع انبلج، وقد كان مستوراً بهالة من الفلسفات العاطفية. وبذلك تلقى الذُّهان الرهيب (ذهان السهولة)، ضربة قاتلة، فخلا الضمير المسلم إلى نفسه، يفكر في أسباب ضعفه، أسباب ضعف العملاق الذي تحمله قدمان من صلصال، والذي دفعته الجامعة العربية دون ما اكتراث ليواجه دويلة (إسرائيل)، فقدمت بذلك إلى العالم الحديث مشهد ملحمة جديدة، تحكي الصراع بين داود وجالوت. لقد استجمع الآن الرجل المسلم، وقد كان من قبل مخدوعاً بما يقال عن القوانين، وعن هيئة الأمم المباركة، وقد أصم أذنيه ما سمع عن هزيمة (جالوت)، وفي هذا الاجتماع خير كثير. ومن آية ذلك أننا رأينا أحد المثقفين السوريين- وقد أذهلته صدمة الواقع المرير، وطاح بصوابه هذا الانتصار المهين الذي أحرزته إسرائيل- يحاول أن يفهم وأن يفهمنا (الأسباب العميقة للفوضى)، وكانت محاولته جديرة أن نذكرها هنا لأنها تمثل أعراض فكر جديد في العالم الإسلامي، ودليل منعطف جديد في التاريخ. وإلى القارئ ما كتبه الدكتور ناظم القدسي بعد أشهر من انتصار إسرائيل: ((إن الأسباب العميقة لكارثة فلسطين ليست أسباباً عسكرية وسياسية فحسب، فلقد كشفت الهزيمة عن نقائصنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، تلك التي تعاني منها بلادنا، وليس يكفي أن نعرف أخطاءنا التي وقعنا فيها، وأن نكشف عن نقائصنا، بل المهم أن نفيد منها درساً لعلاجها،

стр. 135

فلكي نواجه الخطر الصهيوني لا يكفي أن نعقد اتفاقات سياسية بين الدول العربية، بل يجب قبل كل شيء تحسين مستوى المعيشة، وعلاج الحياة الاجتماعية، وإعادة تنظيم قواتنا المسلحة، وعندي أن أكبر همنا يجب أن ينصرف إلى الجهد الاجتماعي، فينبغي إصلاح حياة المجتمع وطبقاته، إذ ليس من الممكن أن نطلب من الشعب أن يضحي في سبيل نظام يضيق به، والشعب الجائع المريض الذي لا يأمن مستقبله لا يقدر، بل لا يقبل على النضال من أجل النظام الذي يحكمه، وما كان لرجل أن يتطلب من أبنائه الطاعة إذا لم يتح لهم عيشاً كريماً، فكيف نطلب من شعب طاعة ونظاماً وإيماناً بوطنيته، وكيف نقتضيه أن يقدم تضحياته عن رضاء وسخاء إذا لم نضمن له تحسين مستوى معيشته، وإذا لم نضمن له تعليماً مناسباً وعملاً لائقاً .. ؟ إن من الواجب أن نسرع في إصلاح ما ينبغي إصلاحه، فإن التطور السريع قد أصبح القانون الحتمي لعصرنا، ولست أريد بهذا أن أغض من أهمية الاتفاقات السياسية، أو الاتفاقات التي تستهدف الإعداد الحربي، ولكني أعتقد أن العيشة اللائقة هي الشرط الجوهري لتكوين الوعي الشعبي، والإيمان القومي، وبدون هذا الوعي وذلك الإيمان لا تساوي الاتفاقات السياسية أو العسكرية شروى نقير. والجامعة العربية تقدم لنا على ذلك مثالاً واضحاً، فإن السبب الرئيسي لعدم اكتراث الشعوب العربية بها، يكمن في أن هذه الجامعة لم تهتم حتى الآن إلا بمشكلات السياسة العليا، بينما لا يثير اهتمام الرأي العام في بلادنا سوى منظمة تستهدف الارتفاع بحياة الفرد من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية، وعلى الرغم من الكارثة التي أصابتنا في فلسطين، فإني أعتقد أن الجامعة العربية تستطيع أن تسترد هيبتها، إذا ما اهتمت بالمشكلات الاجتماعية والاقتصادية، ورسمت خطة تستهدف تحسين مستوى المعيشة. فيجب أن نحرر شعوبنا من خوفها

стр. 136

الاقتصادي، وأن نؤمن لها حقها في التعليم، وأن نعنى بصحتها، وهذا هو الطريق الوحيد إلى النهضة الحقة، والوسيلة الوحيدة لتأمين وجودنا)). هذه هي المقالة بحذافيرها، نذكرها هنا لنستخرج الوضع الجديد الذي صار إليه فكر الأوساط الموجهة في العالم الإسلامي، وما أراد الكاتب اتخاذه من تحفظات حول ما أطلق عليه لقب (السياسة العليا)، وهو ما نطلق عليه لفظة: (البوليتيكا). بيد أن هذا الفكر الجديد ليس مقتصراً على منطقة الشرق الأوسط، فإن الوعي الإسلامي كله قد استيقظ منذ قضية فلسطين، وأبلغ شاهد على ذلك كلمات أحد الوطنيين المراكشيين التي قالها في مؤتمر (التجمع الديمقراطي لمناصرة البيان الجزائري) بتلمسان، وهي تدل على الاهتمام بتعمق المشكلات لإدراك أسبابها، قال: ((إن هنالك داء واحداً ينهش الشعوب العربية في كل مكان: في المغرب وفي الشرق الأوسط منذ قرون، ذلك الداء هو: فقدان الثقة بالنفس، وما طبع أخلاقنا من الوشاية والتشهير وعبادة التشريفات وتملق الرؤساء، وفي كلمة واحدة: هذا التردي المزمن الذي حمل الخلفاء والأباطرة والأمراء العرب على فرض نظام صارم على هذا الشعب، لا ينطوي على أدنى اهتمام بالتربية أو بالتقدم الاجتماعي، وكان هذا حتى قبل أن يفكر الاستعمار في استغلال هذه النقائص بوصفها سلاحاً فتاكاً في الشرق أو في الغرب)). ففي هذا النقد الذي يحمل نوعاً ما الطابع الأدبي، نلاحظ الاهتمام بتقصي الداء الدفين داء (القابلية للاستعمار)، وفي هذه الكلمات نغمة لم نتعود سماعها في الأوساط السياسية والفكرية في العالم الإسلامي، تلك التي كانت حتى ذلك الحين لا تهتم إلا ((بالقشة التي في عين الجار)) فإذا بها تفكر فجأة في ((الخشبة التي في عينها)). فالسياسة الإسلامية التي كانت قائمة على الادعاء العقيم المستهجن تصدر

стр. 137

الآن نبرة قلبية رائعة، وتتجه إلى التعمق في امتحان ضميرها، والندم على ما فاتها، وهو ما يتجلى بوضوح في مقالة رجل الدولة السوري، وفي كلمات الشاب المراكشي، إنها ولا ريب فكرة (الواجب) الجديد، التي تعد منذئذٍ عاملاً سياسياً جوهرياً، فنحن ندرك الآن شيئاً فشيئاً، أن واجبنا هو أن نبذل جهوداً ضخاماً في جميع الميادين، وأن نقوم بكثير من الواجبات لكي نصل إلى حقوقنا، التي تصبح حينئذٍ مشروعة. فهذه إذن هي نهاية (ذهان السهولة)، نهاية ما كنا نطالب به بوصفه (حقاً) من حقوقنا، لقد فهمنا أخيراً أن المحراث لا يوضع أمام الثور، وأنه لا يتحرك بفضل الخطابة الرنانة الطائرة، أو الحماسة الوطنية الدافقة. وهكذا تحول العالم الإسلامي عن طريق السهولة الذي اتبعه حيناً من الدهر، وبدا أنه قد سلك إلى نهضته سبيلاً جديدة، تدفعه في هذا السبيل إرادة لا ترهب العقبات، بل تقهرها، وهي بذلك تقضي على ذهان آخر هو (ذهان الاستحالة). والواقع أن خرافة هذا الذهان تختفي تماماً متى قمنا بأقل الجهود تواضعاً، لأن لكل جهد ثمرته في الميدان الاجتماعي، ومتى تجمعت الثمرات بصورة إيجابية، وجدنا أن أداء الواجب أعظم أثراً من المطالبة (بالحق)، وبذلك تتكون لنا نفسية اجتماعية، لاحت لنا بواكيرها في الجزائر خاصة؛ ولما كانت الأفكار بحكم طبيعتها تعد أحداثاً في حيز القوة، فينبغي إذن أن نتوقع رؤية ما وصفناه للقارئ، وهو يتجسد في أشكال اجتماعية مُحَسَّة، وفي البيان التالي الذي نقتطفه من إحدى صحف الجزائر شاهد على ما نقول، فربما اعتادت هذه الصحيفة دون ريب على منطق (السياسة العليا) أكثر من أن تهتم بأحداث التغيير الاجتماعي الذي نحتاج إليه فعلاً، فلقد نشرت هذا البيان دون أدنى تعليق، ودون أن تشعر بأنها إنما تعلن (نشرة انتصار) على (ذهان الاستحالة):

стр. 138

((بدأ بعض الشباب في إحدى ضواحي الجزائر شق طريق بواسطة المتطوعين، والوثيقة التالية تصف لنا فترة من فترات العمل به. حقل القديس يوجين: الأحد ٢٠ من تشرين الثاني (نوفمبر): راحة في الصباح لاجتماع لجنة المسجد. الأحد ٢٧ من تشرين الثاني (نوفمبر): انجلى الجو بعد الثامنة وقد كان مكفهراً، ولكن المتطوعين قد استشعروا رداءة الطقس فلم يحضروا، وحضر من بينهم اثنان إلى مكان العمل ليختبرا حالة الطريق بعد هطول الأمطار، لقد سلم كل شيء فيما خلا بعض الأشياء الطفيفة. الأحد ٤ من كانون الأول (ديسمبر): حضر ثلاثة متطوعين من سكان بلدة القديس يوجين، لقد اشتدت السواعد بعد تقدم التجربة، وأنشئ درج الطريق من الحجارة الضخمة التي تقاوم السيول، وروعي أن يهيأ في كل درج انحدار خفيف يسمح بتصفية الماء في قناة شقت بين الطريق والمنحدر، ومهد الطريق بخليط من الحجارة والصلصال، فكون مجموعهما بعد المطر الغزير طبقة سميكة تضمن متانة العمل. لقد انتهينا من خمسة عشر متراً من الطريق. ملاحظات: قدم لنا اليوم أحد المتطوعين من سكان المنطقة القهوة خلال الاستراحة، فأشاع هذا صفاء شدّ من عزمنا، وقد تبادلنا خلال العمل أفكاراً كثيرة، وكنا نرد على سلام المارة المتاخمين للطريق بما سنح من الفكاهة، وكم كان من الجميل أن يقولوا لنا ((أعانكم الله)) ... كنا نشكرهم في أدب، ولكنا كنا نلفت نظر من يستخدم طريقنا إلى أننا بحاجة إلى ساعديه، وكان ذلك يدعو الابتسامة إلى شفتيه، ثم ينثني قائلاً: ((معذرة اليوم، وسأكون معكم غداً)). وكثيراً ما برّ بوعده .. إلى أحد قادم)).

стр. 139

هذا هو الجديد، فلقد برهن فتية الجزائر، الذين أنشؤوا هذا الطريق الصغير بقرية القديس يوجين، على أن مجال العمل كان هنالك، وعلى أنه لا يليق بنا أن نطوف به شاكين معولين، بل أن نقتحمه بالمجرفة والمعول، ولا شك أن هذه الأدوات التي أثارت الأرض قد قلبت معها (ذهان الاستحالة). فهل يعلم هؤلاء الرواد، أنهم قد خطوا أول طريق في التاريخ الجزائري؛ طريق لا يمر بالبرلمان، بل هو مجهول كهؤلاء الذين خطوه، ولكنه يؤدي مباشرة إلى التاريخ .. ؟ ومع ذلك فمن المستحسن ألا يعلموا، فالرواد دائماً جنود مجهولون، وهم يكتفون بأن يرسموا طريق (الواجب) لمن بعدهم، وربما كان بوسعهم أن يتحدثوا عن حق القرية في أن يكون لها طريق، وبالتالي يتحدثون عن الشعب المسلم التعيس في قرية القديس يوجين، ولكنهم آثروا أن ينشئوا الطريق بأنفسهم، كأنهم من عمال الحفر والبناء في البلدية (١)، وبهذا أعادوا إلى الفكرة الأساسية مغزاها الحق. والواقع أن تقسيم العمل الذي يحدث دائماً نتيجة النمو الاجتماعي يخلق طبقة من الأجراء، ولكن هذا التقسيم يخفي في طياته تفرقة واجبة بين العمل والأجر. أما عندما ينزل العمل إلى ميدان السوق، فإن الفكرتين تختلطان، ويصبح الأمر سخرة، يبيع المرء بمقتضاها (ساعات عمله) مكرهاً لصاحب عمل لقاء أجر معين.

стр. 140

وطبيعي أن يحدث هذا في مجتمع منظم، بلغ فيه تقسيم العمل مداه، ولكن اختلاط العمل بالأجر قد يكون مضراً في مجتمع لمّا يتخط مرحلة التنظيم، إذ تنتج عنه موجة من الكسل والتفريط، تصيب الذي لا يجد من يشتري ساعات عمله، ينشأ عنها في المجال الاجتماعي (البطالة)، كما ينشأ عنها في المجال النفسي عبودية أخلاقية تأخذ صورة (ذهان الاستحالة)، وذلك عندما يبلغ الفرد درجة، لا يتصور معها لنفسه قدرة على العمل أو التزاماً به، إلا تصور معها مستَغلاً يُدفع له أجره عن ساعات عمله. ولا شك أن قيام هؤلاء الشباب برد المغزى الحق لفكرة العمل يقتضي شروطاً اجتماعية أخرى، ومن المحتمل أن تتحقق هذه الشروط شيئاً فشيئاً، كما قد تحققت على عهدالنبي ﷺ وصحابته، حين كانوا يؤسسون أول مسجد في الإسلام. وهذه البوادر التي تتفجر اليوم هنا وهناك في صورة محاولات خاصة لن تبقى حالات مفردة، بل إنها ستقدم للشعب كلما تقدمت الأيام منوالاً ينسج عليه ضروب نشاطه الجماعي، فهذه البوادر تضم التيار الخفي العميق للنهضة، والزمان كفيل بتوسيع نطاقها كلما اتسع نطاق هذه النهضة. وكان من نتائج قضية فلسطين أيضاً أن تطرقت هذه الفكرة إلى مجال الاهتمام الرسمي، يشهد بذلك تجربة الإصلاح الزراعي في سورية، فللمرة الأولى في العالم الإسلامي الحديث تواجه مشكلة الإنسان والتراب والوقت، وينص عليها في دستور قومي، وقد كان في حسبان هذه التجربة أن تعمل على تحضير البدوي المترحل، وأن تجهد في تكييف التراب في ضوء الحالة العامة للشعب، فالمشكلتان في الواقع مرتبطتان، إذ أنه لا يمكن للبدوي أن يستقر ما لم يربط مصيره بالتراب، ومن أجل هذا نص الدستور السوري على تخصيص ملايين

стр. 141

الهكتارات التي تملكها الدولة أو الملكيات الكبيرة لتوزيعها على الأسر البدوية بمعدل خمسة هكتارات لكل أسرة (١). هذا الإصلاح الزراعي الذي تطبقه اليوم سورية، لا بد أن يؤدي إلى تغيير شامل في بناء المجتمع الإسلامي، وذلك واضح من الوجهة الاقتصادية. أما الأثر الذي ينشأ من دخول الإنسان البدوي ميدان الحياة الاجتماعية، فهو أنه سيزيد دون شك من مقدار الطاقة الإنسانية للدولة، ويغير شروط الحياة النفسية بما يضيف إليها من خمائر بدوية، بل إنه سيؤدي إلى إخصاب فطرة الطبقة البورجوازية في دمشق- وهي فطرة واهنة- بما تحمله البداوة من فطرة عذراء. ولا يغيبن عن نظرنا، ما لهذا العنصر المترحل من أهمية عددية، فإن تمثله في المجتمع لن يتم بمجرد اندماجه في البيئة الجديدة، اندماجاً يؤدي إلى تبدده وفنائه، بل عن طريق انتشاره في الكيان الاجتماعي السوري، انتشاراً يؤدي إلى تعديله وتنظيم استغلال طاقاته، فينتج عن ذلك إثراء في طابع الوطن الاجتماعي، يميزه عن بقية الأوطان العربية، التي لا نجد فيها تنوعاً بين الطبقات، ولا نلمح معالم مميزة لشخصيتها. والواقع أننا نلاحظ في هذه البلاد جمعياً نوعاً موحداً من النقص: ألا وهو نقص التنوع، فهناك الباشا والسوقي، والمثقف والأمي، دون أن يكون بين الطرفين اتصال يرسم صورة مستمرة للكيان الاجتماعي، وهذا عكس ما يحدث في أوربا، حيث تتكاثف المواهب والقرائح المختلفة على ربط ثمرة العبقرية بعمل

стр. 142

اليد، بواسطة (شلالات) من القيم المتدرجة المتكاملة، فتوحد بذلك عمل العالم بعمل الراعي، مارة في طريقها بالطبيب والمهندس والفنان، والعامل المحترف والصانع والفلاح؛ فهذه الثروة التي يتألف منها المسلم الاجتماعي تنقصنا تماماً في العالم الإسلامي المعاصر. وخذ مثلاً الوضع في الجزائر، فهناك يجلس الطبيب على القمة، دون أن يكون بينه وبين السائل المتكفف أي رباط انتقالي، هذا الفقر الاجتماعي يفسر لنا الفقر العقلي الذي أصيبت به طبقات القادة في تلك البلاد، لأن العبقرية ليست سوى فيضان لجهود غامضة، تتصاعد خلال سائر الطبقات الاجتماعية في مجتمع ما كيما تتفجر في قمته. وهنا يمكننا أن نرى تبادلاً حقا بين اليد والفكر فحيثما بطل عمل اليد سقط عمل الفكر حتماً، والعبقرية التي لا تستطيع استخراج عناصرها من ثنايا الدنيا لا يمكنها أن تزدهر في القمة. ولهذا نرى أن العمل الذي بدأ يتكون في سورية عمل مخصب، يدل على نضج الأفكار؛ فلقد انبعثت اليوم الطاقات الخامدة، وطفت على سطح الحياة الاجتماعية، سواء كان ذلك في دستور قومي، أم في حقل متواضع لإزالة الأنقاض والتسوية من أجل البناء. والنهضة الإسلامية تبدو، وكأنما تريد أن تتخلص من فوضاها، وهي تتطلع منذ عهد قريب إلى النظام والتنظيم، فإذا ما بلغت غايتها تلك، فإن معنى هذا أن الإنسان الأميبي، ذلك الفرد المتحلل القابل للاستعمار، قد دخل نطاق الحياة المنتجة، وتفسير ذلك في الإطار الجماعي: أن مجتمع ما بعد الموحدين يسعى نحو مرحلة من الحضارة تتسم بتركيب أصيل لعبقريته الإسلامية الخالصة مع العبقرية (الحديثة). لكن هذا يقتضي معرفة متعمقة للإنسان وإمكانياته ونقائصه، وتقصياً

стр. 143

واعياً للقيم الاجتماعية في الإسلام، فعلم النفس وعلم الاجتماع ضروريان إذن للكشف عن القيم الجديدة في النهضة الإسلامية، وعن الطرق الجديدة التي تزري بها بعض خرافات متخلفة عن عصر ما بعد الموحدين. وعليه، فلكي نعرف الإنسان، ينبغي أن نعرف أنفسنا، وذلك أمر لا يتيسر لقادة العالم الإسلامي، إلا إذا قاموا بعملية استبطان دقيق لذواتهم، واختبار قاس لضمائرهم؛ فإن الإنسان إذا ما أراد أن يعرف العيب الكامن في قضيب من الصلب، يريد أن يتخذ منه محوراً لمحرك في آلة ما، فإنه يخضعه لتحليل معين، كأن يفحصه بالمجهر ليدرس بناءه الداخلي. ولن يكون معقولاً ولاممكناً أن يسلك لهذه الدراسة طرقاً أخرى، فكذلك الحال إذا ما أردنا أن نعرف الإنسان من حيث كونه (محركاً) للحياة الاجتماعية؛ الشروط هي الشروط، في الإطار الإنساني، فنحتاج إلى قدر كبير من الدرس الواعي، فهو وحده الكفيل بالكشف عن العلاقات الخاصة التي تمثل التماسك داخل الشخصية الإنسانية في حركتها وفي نشاطها. وبهذه الطريقة ينقشع الغموض عن خفايا النفس، فما بعد الموحدين، لنتعرف أين ينبغي إحداث التغيير الضروري. ولقد علمنا أن هذه التغييرات مرتبطة دائماً ببعض (التجارب الشخصية)، ارتباطاً أتيح منه للإنسانية أن تكشف عن حقيقتها من خلال تجارب بعض أفرادها. والدين الذي هو التعبير التاريخي والاجتماعي عن هذه التجارب المتكررة خلال القرون، يعد في منطق الطبيعة أساس جميع التغييرات الإنسانية الكبرى، وإذن فلن نستطيع أن نتناول الواقع الإنساني من زاوية المادة فحسب. ومع ذلك، فنحن نعلم مقدار الوهم الذي ينتج عن عكس واقع معين على سطح معين، فقد يحدث أن نرى بأعيننا الدائرة في صورتها الحقيقية دائرة،

стр. 144

ولكنها تبدو لنا في وضع آخر خطاً مستقيماً؛ ورسالة الإنسان في الحياة الاجتماعية أن يكون عاملاً نفسياً زمنياً، فهو لا يؤثر فيها طبقاً لوجوده الزمني فحسب، أعني تبعاً لحاجاته المادية، بل إنه يؤثر طبقاً لوجوده النفسي، أعني طبقاً لحاجاته الروحية، وتلك هي حقيقة الإنسان كاملة، وهي ما ينبغي أن ندركه لنتناوله كلاً غير متجزئ. فما كان لنا أن نحدد شروط تغييره لو غاب عن أعيننا أحد هذين الجانبين، الروحي أو الزمني، فهو من الجانب الأول: إنسان متدين، فالعنصر الديني يتدخل هنا مباشرة في الطريقة التي يتبعها لاستبطان ذاته، باعتباره أساساً لضمير يبحث عن نفسه. هذا الضمير الديني قد ارتبط بالوعي الاجتماعي، ربطهما الإنسان ذاته، ربطاً لا يمكن معه أن ينفصل أحدهما عن الآخر. وإذن: فالإصلاح الديني ضروري باعتباره نقطة في كل تغيير اجتماعي. ولكن كيف نصوغ المشكلة في الإطار الخاص بالعالم الإسلام الحديث .. ؟ لقد رأينا أن المدرسة الإصلاحية قد صاغتها بلغة علم الكلام، بينما صاغها (إقبال) في مصطلحات أخرى، حين نبه على أن المطلوب ليس العلم بالله، ولكنه في أوسع وأدق معانيه (الاتصال بالله)؛ ليس المطلوب مفهوماً كلامياً، ولكنه انكشاف للحقيقة الخالدة وبحسب تعبيره هو (تجلي هذه الذات العلوية). فالاتجاه الإصلاحي- الذي كان من حسناته تحطيم التعادل الخامد الذي استقر عليه عصر ما بعد الموحدين- قد اتجه خاصة إلى الذكاء، وبعبارة أخرى: أدى بالمشكلة إلى (المرحلة الفكرية) من الحضارة، فهو بذلك يتخطى مرحلة جوهرية من مراحل التطور هي: المرحلة الروحية التي تؤدي إلى تغيير الفرد، إلى جانب أنها تؤدي إلى أول تغيير يمكن أن تتعرض له القيم الاجتماعية. فالرجوع إلى (السلف) وهو المبدأ الذي نادت به الحركة الإصلاحية

стр. 145

التقليدية، لم يسجل إذن في نسق من الأحداث التاريخية، فهو بهذا يعد (مزلقة) لا تؤدي بالإنسان إلى مرحلة من الوعي، بل إلى مرحلة يتعلم فيها ما يتصل بعلم الكلام، أي إنه يسلك النهج الذي سبق أن سلكه المسلمون في عصر ما بعد (صفين)، فهو إذن إصلاح للعلم، قلما يمس، بل لا يمس البتة مصير المجموعات الإنسانية. ولقد شذّت عن هذه الوتيرة حركة الإصلاح في الجزائر، بفضل تلك الشخصية العظيمة، شخصية الشيخ عبد الحميد بن باديس، وهو الرجل الذي قدر لإشعاعه أن يبلغ أعماق الضمير الشعبي. ولكن يبدو أن الحركة الإصلاحية في عمومها، لا تملك اليوم ما ظفرت به في بدايتها من نفثة روحية وانتفاضة تصوفية، فظلت كما رأينا تعاليم تهدف إلى تكوين متخصصين بارعين، أكثر مما تتجه إلى خلق مخلصين، ومع ذلك فيبدو أيضاً أنها تتخلى عن مكانها ليحل محلها اتجاه جديد أكثر انطباقاً مع ما دعا إليه إقبال. فمنذ خمسة عشر عاماً نشأت في العالم الإسلامي جماعات دينية، تلمس فيها الضمير المسلم طريقه من جديد. وإحدى هذه الجماعات كان لها في هذا المضمار حظ وافر، فكأنها استجابة حقة لما دعا إليه الاتجاه الجديد في آراء إقبال، ولقد ظفرت تلك الجماعة بأتباع كثيرين من سورية ومصر، ولكنا لا نملك، بكل أسف، ما يكفينا من الأسانيد والوثائق لدراستها، باعتبارها حركة تمتاز في جوهرها بالمؤاخاة العملية التي كان يحملها عنوانها. إن المجتمع الإسلامي الأول لم يتأسس على عاطفة مجردة أو شعور ساذج، بل قام على عمل جوهري هو (المؤاخاة) بين الأنصار والمهاجرين، وكان ذلك ميثاقاً لتلك الحركة الحديثة التي حاولت التأليف بين أعضاء المجتمع، تأليفاً يحمل معنى المشاركة في الأفكار والأموال. ولقد ظفرت الحركة بزعيم، لم يكن فيلسوفاً أو عالم كلام، فقد اكتفى بأن
следующие страницы →