مالك بن نبي
مشكلات الحضارة
وجهة العالم الإسلامي
دار الفكر معاصر بيروت-لبنان
دار الفكر دمشق - سورية
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وجهة العالم الإسلامي
стр. 3
مالك بن نبي
مشكلات الحضارة
وجهة العالم الإسلامي
ترجمة عبد الصبور شاهين
بإشراف ندوة مالك بن نبي
دار الفكر
стр. 4
إعادة
١٤٣١هـ = ٢٠٠٢م
ط١: ١٩٨٦م
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في عام ١٩٧١م ترك أستاذنا مالك بن نبي- ﵀ في المحكة الشرعية في طرابلس لبنان، وصية سجلت تحت رقم ٢٧٥/ ٦٧ في ١٦ ربيع الثاني ١٣٩١هـ الموافق ١٠ حزيران (يونيو) ١٩٧١م، وقد حملني فيها مسؤولية كتبه المعنوية والمادية.
وتحملاً مني لهذه الرسالة، ووفاءً لندوات سقتنا على ظمأ صافي الرؤية، رأيت تسمية ما يصدر تنفيذاً لوصية المؤلف (ندوة مالك بن نبي).
والتسمية هذه، دعوة إلى أصدقاء مالك بن نبي وقارئيه، ليواصلوا نهجاً في دراسة المشكلات، كان قد بدأه.
وهي مشروع نطرحه بوصفه نواة لعلاقات فكرية، كان ﵀ يرغب في توثيقها.
وإنني لأرجو من أصدقاء مالك وقارئيه، مساعدتنا على حفظ حقوق المؤلف في كل ما ينشر بالعربية أو الفرنسية مترجماً من قبل المترجمين أو غير مترجم. فقد حمّلني- ﵀ مسؤولية حفظ هذه الحقوق، والإذن بنشر كتبه. فإن وجدت طبعات لم تذكر فيه إشارة إلى إذن صادر من قبلنا، فهذه طبعات غير مشروعة، ونرجو إبلاغنا عنها.
طرابلس لبنان
١٨ ربيع الأول ١٣٩٩هـ
١٥ شباط (فبراير) ١٩٧٩ م
عمر مسقاوي
стр. 6
الإهداء
إلى الشعب الجزائري الثائر
إنني أحيي كفاحك أيها الشعب الكريم
لأن عدالة القضية تخلع عليه القداسة
إنني أحييه لأن كفاح الطفل الجزائري، سبيل
مستقبله، ولأنه كفاح المرأة الجزائرية من أجل أمن بيتها
وسعادة أسرتها، ولأنه كفاح الشهداء ولأنه كفاح
الأبطال الذين يريقون دماءهم من أجل الحق المقدس
للطفل وللمرأة ... ولأنه كفاحك أيها الشعب الكريم من
أجل البقاء والكرامة والحرية.
إن الله الذي يبارك صراع الأبرار يبارك كفاحك
ويقوده إلى النصر تحت الراية المقدسة التي كتب
عليها وعده الصادق:
﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
مالك
стр. 7
تقديم
بقلم الأستاذ محمد المبارك
ــ
ينتمي مؤلف هذا الكتاب الأستاذ (مالك بن نبي) إلى بلد عربي إسلامي، عانى من تجربة الصدام بين المجتمع الأوربي المادي والمجتمع الإسلامي العربي، ما لم يعانه بلد آخر، سواء في طول المدة أو قوة الصراع أو عمق الأثر. إن الجزائر تمثل هذه التجربة في نواحيها المؤلمة ومآسيها، وفي جوانبها المنتجة الموقظة المبشرة، كما أن المؤلف نفسه عانى هذه التجربة فكرياً ونفسياً، كأشد ما يعانيها إنسان مثقف مرهف الشعور والحس.
ولعل قراء الأستاذ مالك لا يعرفون أنه مهندس كهربائي تخرج من كبريات المعاهد الهندسية العالية في فرنسا، وسلخ من حياته أكثر من ثلاثين سنة عاشها في أوربا، وكانت هذه السنون الطويلة والخصبة بالنسبة إلى رجل مثقف عميق الثقافة سبباً في إظهار ذاتيته، وإيقاظ الشعور في نفسه وفكره: إنه عربي مسلم، ليس هو من المجتمع الأوربي الذي عاش فيه بجسمه في شيء، وكان تعمقه في الثقافة الأوربية سبباً في تحرره من نفوذها، ومعرفته لمصادرها ومواردها، لدوافعها الخفية وبواعثها العميقة، ولا سيما أنه جمع إلى جانب الثقافة العلمية، ثقافة فلسفية واجتماعية واسعة الأرجاء، عميقة الأغوار، كما تدل عليه آثاره ومؤلفاته العديدة التي قرأناها. والمهم في الأمر أن ثقافته هذه لم تكن ثقافة فكرية تقتصر على ساحة الفكر، ولكنها نضحت بحرارة المأساة التي كانت تعيش فيها الجزائر، مأساة الاستعمار والاستعلاء والسلب، واستخدام أرفع النظريات
стр. 8
العلمية لأحط الغايات وأخس الأهداف. لقد تجمعت في قلبه ونفسه، في عاطفته وشعوره، في عقله وتفكيره، مآسي أولئك الملايين من البشر، الذين يعيشون على أرض الجزائر ضحايا لمدنية القرن العشرين، وأمثلة بارزة لانحطاط أهدافها وغاياتها.
ولذلك لا تجد لهذا الكتاب خصوصاً، وكتب مالك عموماً، شبيهاً في كتب المشارقة من أبناء البلاد العربية، الذين لا يزال أكثر كتابهم يقفون من الحضارة الأوربية موقفاً آخر؛ هو موقف التلميذ المعجب الذي لم ينقض إعجابه، والمستجدي لأفكارها ومقاييسها، لأنه لم يعرف منها إلا مظاهرها، وإلا جوانبها الفكرية، ولم يعرف حين يعرفها إلا زائراً، ولو طالت زيارته لها بضع سنين.
لقد كانت أوربا بالنسبة إلى الأستاذ مالك تربة صالحة لتنمية جذوره التي لا تزال متصلة ببلده، مغموسة بتاريخ أمته.
إنك حين تقرأ هذا الكتاب تشعر أنك لست تقرأ كتاباً، ولكنك تعيش مأساة أمة، وتعيش معها خلال عشرة قرون أو أكثر، وتمر بعقد قصتها خلال هذه القرون.
إن مسرح المأساة والبلد الذي تمثل عليه هو العالم الإسلامي بمجموعه، لا يخص المؤلف فيه بلداً دون بلد، بل يبحث مشكلته المشتركة، يستعرض تاريخها منذ ظهور الإسلام، والمراحل التي مرت بها، ثم يقف بنا طويلاً في العقدة الأساسية في المرحلة الحاضرة من مراحل الإنسانية، ويوسع حينئذٍ مسرح المأساة ليرينا إياها في صورتها العالية، ويقفنا على مأساة الإنسانية التي تمثل على مسرح العالم، في جانبها الأوربي الأمريكي، وفي جانبها الإسلامي، بل يرينا من بعيد وجهها الهندوكي البوذي؛ كل ذلك ليدلنا على المخرج وعلى حل العقدة بنور يسلطه على المجتمع الإسلامي، وعلى هذه الرقعة من العالم التي تمتد من مراكش إلى إندونيسيا.
стр. 9
إن طريقة المؤلف في كتابه هذا لا تقوم على سد التفاصيل والحوادث، بل على تحليل عميق- أعانه عليه ثقافة قوية واطلاع واسع- لمراحل التاريخ، وسير المدنية وتطورها، وهو يقسم تاريخ المجتمع الإسلامي إلى ثلاث مراحل: أولاها: مرحلة الإسلام الأولى في دفعته الإيمانية الحية، وهي أقوى هذه المراحل في حيويتها وقوتها الدافعة وخصبها، وتنتهي في معركة صفين. وثانيتها: مرحلة المدنية الإسلامية، وهي مرحلة التفكير والازدهار الحضاري، وتنتهي بسقوط دولة الموحدين. وثالثتها: مرحلة الجمود والانحطاط؛ ويصف كل مرحلة من هذه المراحل وصفاً تحليلياً عميقاً، ويخص المرحلة الأخيرة بالعناية لأنها المرحلة التي لا نزال نعيش في رواسبها وآثارها، ولأنها تمثل في نظره الصائب مرحلة القابلية للاستعمار.
وهو إذ يصل بتحليله التاريخي إلى هذه النقطة، يلتفت إلى العالم الأوربي، فيستعرض نشأة حضارته وصفاتها الأساسية العميقة التي ترتد إلى عهد بعيد، ويرجع بصفاتها إلى بيئتها الزراعية التي انبثقت عنها، ويسير معها في تطورها حتى يصل بها إلى العصر الحاضر، يذكر في خلال ذلك مناقبها وعيوبها والعناصر المختلفة التي تظاهرت على تكوينها: من مادية منظمة تولدت من زراعة الأرض، إلى روحية غزتها من خارجها وسطوحها بالمسيحية القادمة من الشرق، التي انكمشت وتقلصت واصطبغت بصبغة الحضارة المحلية، إلى العقلية الديكارتية التي تركت في التفكير الحديث أثراً عميقا، إلى الصناعة الكبرى وما آلت إليه من ثورة في القيم والمفاهيم، وأنظمة الحكم والأخلاق.
ثم يقابل المؤلف هنا بين الحلقتين الأخيرتين المتقابلتين من سلسلتي التطور في أوربا وفي البلاد الإسلامية، ويصف ما يكون من التقاء عالمين أحدهما حطت فيه المدنية رحالها، وتردت بردائه، واتسمت بصفاته، وانتهت إلى عهد الاستعمار، وإلى المادية، مادية البورجوازيين (المتمولين) التي تجلت في
стр. 10
الرأسمالية، ومادية الكادحين الفقراء (البروليتاريا) التي تجلت في الشيوعية.
وأما العالم الآخر (البلاد الإسلامية) فقد رحلت عنه المدنية بعد أن تركته هيكلاً فارغاً تجلى عليه الجمود في مرافقه كلها، وركدت تلك النفحة الإيمانية، واستبدل بها ألفاظاً جامدة جوفاء، حتى غدا هذا العالم كما وصفه المؤلف قابلاً للاستعمار قبل أن يُستعمر.
ويستثير الأستاذ مالك هنا تفكيرنا وحماستنا في آن واحد، ويتنبأ بحل جديد لهذه العقدة، ويبشرنا برحلة جديدة بدت طلائعها في انهيار الحضارة الغربية؛ حضارة الاستعمار والمادية، وفي استيقاظ العالم الإسلامي وفقاً لنظريته التي بسطها في أول كتابه في (دورات المدنية وانتقالها)، ويقف بنا أمام تحليل رائع لواقعنا ولحركاتنا الحديثة في التجديد والتقليد والإصلاح، كاشفاً عن سطحية بعض هذه الحركات والمظاهر التجددية، مشيراً إلى نواحي الأصالة والعمق في حركات الإصلاح والثورات الحقيقية من جهة أخرى.
ويرى كاتبنا الفيلسوف أن هذا العالم الإسلامي هو الذي يحقق الظروف النفسية لظهور (الإنسان الجديد)، وأن رسالته في هذا العصر التوفيق بين العلم والضمير، بين الأخلاق والصناعة، بين الطبيعة وما وراء الطبيعة، وأنه في منتصف الطريق إلى هذه الغاية، وأنه وإن كان يجب عليه بلوغ مستوى المدنية الحالية المادي، باستخدام مؤهلاته كلها على اعتياد النظام، في العهد الذري الذي يسيطر عليه الفكر الصناعي العلمي سيطرة شديدة؛ غير أن مهمته تظل روحية تقوم على التخفيف من حدة الفكر المادي والأنانية القومية.
غير أنه يعتقد أن مركز الثقل في هذا العالم سينتقل من البحر المتوسط إلى آسيا، وأنه يتجه اليوم نحو جاكرتا مستفيداً من تلك النفحة الصوفية التي لا تزال سارية في العالم البوذي والهندوسي، الذي يتصل به العالم الإسلامي في آسيا ويجاوره.
стр. 11
وقد أخالف المؤلف في نظرته هذه، ذلك أني- على تقديري للنهضة الرائعة التي تبدو في اندونيسيا وبعض البلاد الآسيوية الإسلامية- أرى أن للعالم العربي م كانت هـ ووظيفته الحيوية في قلب هذا العالم الإسلامي، وأنه أوتي القدرة على التوفيق بين القيم المادية والروحية، وإقامة التوازن بينهما، وأنه بحسن تفهمه للغة القرآن الكريم ولرسالة الحياة الجامعة بين المقاييس المادية والروحية، والجهد المادي والخلقي، لا يزال محط الأمل وموضع الرجاء، دون أن ينقص ذلك من قيمة الشعوب الإسلامية الأخرى، ومن خصائص عبقريتها، ولو أن العالم العريي لا يزال وعيه لم يبلغ العمق المطلوب، ولا يزال شعور الاضطلاع بحمل عبء هذه الرسالة الحضارية الكبرى ضعيفاً خافتاً، ولكن القوى المحركة، والبواعث النفسية، والدفقات الإيمانية لا تسير بسرعة منتظمة، بل بوثبات تتجاوز حساب الحاسبين. وأعتقد أن الأستاذ مالك في كتابه (فكرة الإفريقية الآسيوية) يبدو أقرب لرأيي هذا.
وعلى كل حال نستطيع أن نقول: إن هذا الكتاب يكشف في مالك بن نبي عن مفكر كبير احتل بسرعة فائقة مكانه اللائق في طليعة العالم العربي والعالم الإسلامي، وبرز بسلسلة من المؤلفات الأخرى (الظاهرة القرآنية، مشكلة الثقافة، شروط النهضة ... ) جعلته رمزاً لهذه المرحلة الجديدة التي بدأناها: مرحلة التحرر الفكري، التحرر من الاستعمار، والنفوذ الفكري، والتبعية الثقافية والحضارية، مرحلة الاستقلال الحقيقي والشعور بالذات، والاضطلاع بالعبء، والثقة بالقدرة على البناء، والسير بركب الحضارة، بعد التحرر من رواسب عصر الانحطاط والتشويه وقلب القيم، والفراغ الفكري والروحي، ومن الشعور بالنقص واحتقار الذات والإعجاب السطحي بمدنية أشرفت على نهايتها، وبدت عيوبها ونقائصها.
إن مالكاً يبدو في كتابه هذا وفي مجموع آثاره لا مفكراً كبيراً وصاحب نظرية
стр. 12
فلسفية في الحضارة فحسب، بل داعياً مؤمناً يجمع بين نظرة الفيلسوف المفكر ومنطقه، وحماسة الداعية المؤمن وقوة شعوره، وإن آثاره في الحقيقة تحوي تلك الدفعة المحركة التي سيكون لها في بلاد العرب أولاً، وفي بلاد الإسلام ثانياً، أثرها المنتج وقوتها الدافعة. وقلما استطاع كاتب مفكر أن يجمع كما جمع بين سعة الإطار والرقعة التي هي موضوع البحث، وعمق النظر والبحث، وقوة الإحساس والشعور- أنا لا أقول إنه (ابن نبي)، ولكني أقول إنه ينهل من نفحات النبوة، وينابيع الحقيقة الخالدة.
محمد المبارك
دمشق في
٢٠ من صفر ١٣٧٩هـ
٢٦ من آب (اغسطس) ١٩٥٩م
стр. 13
تنبيه
يظهر كتاب (وجهة العالم الإسلامي) بعد تحريره بسنوات أربع، دون أدنى تعديل يتصل بما جد من أحداث، خلال تلك الفترة، اللهم إلا ما رآه المؤلف ضرورياً فسجله تعليقاً على الهامش مؤرخاً بعام ١٩٥٤.
فإذا لم يعد ممكناً تطبيق آراء المؤلف، التي سجلها غداة الأزمة الفلسطينية، على الأوضاع الراهنة في العالم الإسلامي، فإن تنقيح هذه الآراء لن يفيد في علاج الأوضاع الجديدة، أما إذا كان من الممكن تطبيقها، فسيستطيع القارئ من باب أولى أن يقدر مدى صلاحيتها بوصفها مقياساً لما جدّ من أحداث.
أية كانت وجهة الأمر، فإن صناعة تاريخ العالم الإسلامي لم تعد من مهمة المؤامرات الخارجية التي قعدت به إلى حين عن التطور والازدهار، وإنما هو العمل الصامت المضني، المنبعث عن حركته الداخلية. وهو ما جهد المؤلف للكشف عنه في الصفحات التي نقدمها إلى القارئ الكريم.
حزيران (يونيو)، ١٩٥٤
стр. 14
مدخل الدراسة
كنت قد فرغت من تخطيط هذه الدراسة، عندما جاءني أحد أصدقائي، وقد كان على علم بمشروعي، فأطلعني على المؤلف القيم الذي وضعه الأستاذ (جب) بعنوان (الاتجاهات الحديثة في الفكر الإسلامي) Les tendances modernes de L'Islam. فوجدت أن موقف المؤلف الكبير يشبه في مواطن كثيرة موقفي الذي حاولت مع قصر باعي أن أجلوه.
فهل كان عليّ أن أراعي هذا التشابه، فأكتفي بإحالة القارئ إلى آراء أستاذ أكسفورد، وخاصة فيما يتصل بالفصلين الثاني والثالث من هذا الكتاب .. ؟ لقد آثرت أن أواصل طريقي متخذاً منه سنداً يؤيد رأيي، وهو سند له عندي وزن كبير.
غير أنه يبدو لي من الضروري أن أشير إلى بعض المواطن التي اختلفنا فيها كيلا أعود إليها داخل الكتاب تجنباً للجدل.
فأنا لا أعتقد أن صفة (الذرية) (١) - تلك اللازمة من لوازم العقل العاجز عن التعميم- خاصة فطرية من خواص الفكر العربي، على ما أكده المستشرق الإنجليزي المحترم، بل هي طراز من طرز العقل الإنساني عامة عندما يقصر عن بلوغ درجة معينة من التطور والنضج، أو عندما يفوتها، وبعبارة أدق يقع العقل المعمم في التطور التاريخي بين مرحلتين من مراحل (الذرية).
فالفكر غالباً ما يكون ذرياً في خطواته الأولى، كما كانت الحال في أوربا
стр. 15
قبل (ديكارت)، وكما صارت إليه الحال بعد عصر ابن خلدون في العالم الإسلامي، عندما توقف كل جهد عقلي.
ولكن التراث الثقافي الخطير الذي خلفته الحضارة الإسلامية للحضارة الحديثة، يظل شاهداً على ما كان يتصف به الفكر الإسلامي في عصوره الذهبية، فلقد اتسم كفاحه في مجالاته كافة بالإحساس (بالقانون)، وهو يستلزم القدرة على التركيب، فوضعت النظريات القانونية وبناها الفقهاء على قواعد (الأصول). وهكذا نجد التشريع الإسلامي يحمل للمرة الأولى في تاريخ التشريع طابع نظام فلسفي يقوم على مبادئ أساسية، بينما لا يعدو القانون الروماني أن يكون مجموعة من الملفقات القانونية العفوية، ليس بينها رباط عقلي.
وبوسعنا أن نذكر أيضاً ما حققه العلامة (أبو الوفا) في علم الفلك من اكتشاف للتغيير في حركة القمر، وهو ما يطلق عليه اسم (اللا متساوية الثانية)، وما حققه العلامة (ابن خلدون)، الذي يرجع إليه الفضل في استنباط قوانين التاريخ وعلاقاتها بأوجه نشاط المجتمعات، وهذا دليل على أن الفكر العربي كان يحمل حاسة القانون وذوقه.
ولست أيضاً مع العالم الإنجليزي، فيما ذهب إليه حين تحدث عن (الاتجاه الإنساني) في الحركة الإسلامية الحديثة، فعزاه إلى تأثير الثقافة الأوربية. فإن من الواجب أولاً أن نحدد مصطلحاتنا: فإذا كنا نتحدث عن نزعة إنسانية تقليدية أو دبلوماسية، فإنا نعترف مختارين بأن الثرثرة الإنسانية ذات جرس جميل، وبأن المتاع اللغوي لدى بعض المسلمين المحدثين قد أثرى ببعض الجمل المنمقة، وببعض الأشعرة الخلابة.
بيد أنه ربما وجب علينا أن نبحث الوقائع وأن نذر الألفاظ، وذلك بأن
стр. 16
نتناول النزعة الإنسانية في معادنها الأصيلة من التسامح والإيثار واحترام شخص الإنسان.
ولا مجال في مثل هذا الكتاب لعقد مثل هذه الموازنة، إذ ينبغي أن نبدأ فيما يخص الإنسانية في الإسلام، بذكر (القيمة الدينية) التي قررها القرآن للفرد، كما أكدنا ذلك في دراستنا عن (الظاهرة القرآنية)، في الفصل الذي درسنا فيه (علاقة القرآن بالكتاب المقدس).
وربما كان من الواجب أن نورد أيضاً ما أوصى به أبو بكر الصديق، ﵁، جيش المسلمين من أن ((لا يقتلوا الأعزل، ولا الراهب في صومعته، ولا يقتلوا الأنعام، ولا يحرقوا الزرع)) (١).
ثم يرد بعد ذلك الموقف الجليل الذي وقفه عمر، ﵁، عندما استولى المسلمون على بيت المقدس، فقد أبى أن يؤدي الصلاة داخل كنيسة القيامة، واكتفى بأن يسجد عند بابها الخارجي في خشوع، مؤمّناً بذلك النصارى من جسارة الجند المسلمين، كما أننا لا نستطيع أن نضرب صفحاً عن سعة الصدر التي امتازت بها مدارس الفكر في العالم الإسلامي في عصرها الذهبي، حين تتلمذ عليها الفكر الإنساني دونما قيد أو شرط؛ كان العلم أمراً مباحاً للراهب (جربرت)، وللكاهن (ميمون)، على حد سواء. فإذا ما رجعنا البصر إلى الحضارة الأوربية الحديثة، وجدناها تدل بعلمها على البلدان المتخلفة أو على الأصح: البلدان التي صيرتها متخلفة، فلا يمكن أن ننسى فداحة الثمن الذي تكبده بعض مثقفينا المسلمين من الأشغال الشاقة والسجن المؤبد.
стр. 17
فكيف يتأتى للعالم الإسلامي أن يبحث عن إلهام فلسفته الإنسانية فيما وراء تقاليده العريقة .. ؟ إن حديثنا عن إنسانية أوربا لا يكون إلا حديثاً عن نزعة إنسانية (جذبية) دون إشعاع، وفي هذه الحالة نراها تعني (إنسانية أوربية) في الداخل، و (إنسانية استعمارية) في الخارج، وهذه الأخيرة قائمة على أقبح المعادلات السياسية وأشنعها: (فالإنسان) في عرفها مضروباً في (المعامل الاستعماري) يساوي مستعمراً.
أياً ما كان الأمر، فإن كتاب العالم الإنجليزي يستحق اهتمام كل مسلم يريد أن يختط بعض المعالم لأفكاره، وأن يقوِّم موضوعياً، لا أقول القيم الإيجابية في نهضته فحسب، ولكن القيم السلبية التي تعد حالياً أساس الفوضى في العالم الإسلامي.
ويتحدث (جب) على الأخص عن (النزعة الأدبية)، وهو ما سبق أن نددنا به تحت عنوان (الحرفية) في الثقافة (١).
كما يتحدث عن سمة غالبة يرمز إليها بذوق الفخر والمديح، وبالنزعة الرومانتيكية التي تتسم بها ثقافتنا، حتى عند بعض كبار المفكرين المحدثين، ولهذا الحديث قيمة كبرى في كتابه، وخاصة لدى من يذهبون إلى القول إن محرك التقدم ودليله إنما هو (الحقيقة)، والفخر إنما يكون دائماً على حساب (الحقيقة)، فهو خيانة لها، وبالتالي خيانة للتاريخ نفسه.
ولكن إذا كان من الخيانة للحقيقة أن نسرف في الحديث عن أنفسنا، فمن الخيانة لها أيضاً أن نجهل قدر أنفسنا، فنقلل من شأنها، ولهذا يبدو أن (جب) قد أغفل الحديث عن مركب النقص الذي يتصف به بعض المثقفين والقادة المسلمين.
стр. 18
وأعود فأكرر القول إن كتاب المستشرق الإنجليزي يعد مرشداً ثميناً لكتابي هذا في دراسة الأمراض (شبه الصبيانية) في العالم الإسلامي، ولكم أتمنى أن يتأمل موضوعاته كثيرون من المسلمين، كما تأملتها، وأن يقدروا فيه نزاهته التي سمت على كل مركب عقيدي أو سياسي.
***
стр. 19
الفصل الأول
مجتمع ما بعد الموحدين
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[البقرة: ٢/ ١٣٤، ١٤١﴾
ــ
стр. 20
الظَّاهِرَةُ الدَّوْرِيَّةُ
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾
[آل عمران: ٣/ ١٤٠]
ــ
لدراسة التاريخ جوانب متعددة، فإذا ما تناولناه بالقياس إلى الفرد كان دراسة نفسية، إذ يكون دراسة للإنسان بوصفه عاملاً نفسياً زمنياً في بناء حضارة، ولكن هذه الحضارة تعد مظهراً من مظاهر الحياة والفكر الجماعي، ومن هذا الجانب يعد التاريخ دراسة اجتماعية، إذ يكون دراسة لشرائط نمو مجتمع معين لا يقوم نموه على حقائق الجنس أو عوامل السياسة، بقدر ما يخضع لخصائصه الأخلاقية والجمالية والصناعية المتوافرة في رقعة تلك الحضارة.
على أن هذا المجتمع ليس معزولاً، بل إن تطوره مشروط ببعض الصلات الضرورية مع بقية المجموعة الإنسانية، ومن هذا الجانب يصبح التاريخ ضرباً من الميتافيزيقا، إذ أن مجاله يمتد إلى ما وراء السببية التاريخية، لكي يلم بالظواهر في غايتها. هذا الجانب الميتافيزيقي يضم الأسباب التي لا تدخل ضمن ما أطلق عليه توينبي (مجال الدراسة) لحضارة ما.
فالمؤرخون حين يدرسون مثلاً انهيار الامبراطورية الرومانية، يقصرون الأسباب التي حتمت ذلك الانهيار على نطاق معين ينطبق على رقعة تلك الإمبراطورية من ناحية، وعلى السهول الشمالية التي تدفقت منها القبائل الجرمانية من ناحية أخرى، خلال القرنين الرابع والخامس، فهذا بالتحديد هو المجال الذي يرى فيه المؤرخون تأثير الأسباب التاريخية التي حللت إمبراطورية روما. وهناك تكونت الموجة الجرمانية التي أطلق عليها المؤرخون الألمان
стр. 21
Volkerwanderung أي (هجرة الشعوب)، والتي تحطمت مرات على الحدود، إلى أن استطاعت أن تحطم كل شيء في طريقها.
إن من الممكن أن نقف عند هذا الجانب، أما إذا أردنا دراسة أسباب مد تلك الشعوب، فسنجد أنفسنا أمام عملية متسلسلة في عناصر تكونها، توجد خارج المجال الروماني والمجال الجرماني.
ففي نص ساقه إلينا المؤرخ (بيير ريشيه Pierre Richèe)، وصف القديس (أمبرواز Ambroise) الحالة التي نتحدث عنها كما رآها فقال: ((انقضت قبائل الشعوب الهونية على القبائل الجرمانية القاطنة على حدود روسيا les Alains وانقضّ هؤلاء على القوط، وحين جلا القوط عن بلادهم زحفوا علينا فأجبرونا على الهجرة إلى إقليم الليريا، وليس هذا هو كل شيء ... الخ)).
فمن هذا نرى أن الموجة التي أغرقت الإمبراطورية الرومانية، لم تتولد في النطاق الإمبراطوري أو في النطاق الجرماني، بل هنالك بعيداً، في شمال آسيا.
فإذا أضفنا إلى ذلك، أن سقوط أسرة (الهان) في الصين فجر القرن الثالث، هو الذي حرك قبائل (الهون) الذين استهوتهم الإمبراطورية الصينية في فترة من فترات أزماتها، وأن قبيلة المغول المسماة Toun-gouses هي التي حولت هجرة الشعوب الهونية نحو الغرب، أدركنا بذلك أن الأسباب الرئيسية التي حتمت نهاية الإمبراطورية الرومانية إنما تكمن وراء (مجال الدراسة) الذي يقدم عادة تفسير أحداث التاريخ في الغرب.
وهكذا نرى أن تأثير (رد الفعل) الذي حدث في سفح سور الصين قد استغرق قرنين من الزمان، قبل أن يصل إلى حدود االإمبراطورية الرومانية.
فهناك إذن خلف الأسباب القريبة أسباب بعيدة، تخلع على تفسير التاريخ طابعاً ميتافيزيقياً أو كونياً، أياً ذلك كان.
стр. 22
لقد تناولنا في دراسة سابقة هذا الموضوع من جانب الفرد، كيما نستخرج الشروط التي ينبغي عليه أن يسهم بها في نمو حضارة يعد هو فيها العامل الحاسم. ونحن هنا نتناول الناحيتين الأخريين، لكي ندرس التطور الحديث في العالم الإسلامي، آخذين بعين الاعتبار علاقات هذا التطور القائمة أو الممكنة مع الحركة العامة في التاريخ الإنساني.
وإنه لمما يشق علينا أن نعرف جذور هذه الحركة في المكان والزمان، وليس يفيدنا في شيء أن نتساءل هنا عما إذا كانت قد بدأت في مصر أو في غيرها، كل ما نقوم به هو أن نلاحظ استمرارها عبر الأجيال، فإذا ما أردنا أن نحدد أبعادها (التاريخية) وجدناها تشير إلى رقعة غير ثابتة، حتى إن ما نلاحظه من الاستمرار في حركة التاريخ العامة، قد يختفي وراء (انفصال) يظهر عندما ننظر إلى تعاقب مجالي الحضارة.
والواقع أن لنا هنا جانبين جوهريين: الجانب الميتافيزيقي أو الكوني، وهو جانب ذو هدف عام وذو غاية. والجانب (التاريخي) الاجتماعي، وهو جانب مرتبط بسلسلة من الأسباب.
والحضارة من هذا الجانب الأخير تتمثل أمامنا كأنها مجموعة عددية تتتابع في وحدات متشابهة، ولكنها غير متماثلة. وهكذا تتجلى لأفهامنا حقيقة جوهرية في التاريخ هي: (دورة الحضارة)، وكل دورة محددة بشروط نفسية زمنية خاصة بمجتمع معين، فهي (حضارة بهذه الشروط). ثم إنها تهاجر وتنتقل بقيمها إلى بقعة أخرى، وهكذا تستمر في هجرة لا نهاية لها، تستحيل خلالها شيئاً آخر، لتعد كل استحالة تركيباً خاصاً للإنسان والتراب والوقت.
ولقد يحدث أن يقوم بعض الكتاب ببتر المفهوم التاريخي، كما فعل (توسيديد) حين أبطل ماضي الإنسانية كله بقوله: ((إن حدثاً مهماً لم يقع في
стр. 23
العالم قبل عصره))، فمثل هذه الأقوال هي التي تخلق (ثقافة الامبراطورية)، تلك الثقافة التي تقوم على أساطير السيادة العنصرية، والاستعمار ... ناشر الحضارة .. !!
ومع ذلك فعندما تذهب الفلسفة الماركسية إلى أن (التطور التاريخي والاجتماعي) يبدأ من (الحيوانية البدائية) إلى عهد يسود فيه (الرخاء والضمير والحرية) فإنها تغفل فكرة (الدورة) الجوهرية، مع أن غاية هذه النظرة ونتيجتها تتعارض مع منطقها الجدلي ذاته.
كان ابن خلدون وحده، هو أول من استنبط فكرة (الدورة) في نظريته عن (الأجيال الثلاثة) إذ يختفي عمق الفكرة خلف مصطلحات ضيقة ضحلة؛ فقد رد نطاق الحضارة إلى حدود العصبية الأسرية، وعلى الرغم من ضيق هذه النظرة التي قد تعكس لنا عناصر النفس الإسلامية آنذاك، فإنها تدفعنا إلى تأكيد الجانب الانتقالي في الحضارة، أي إننا لا نرى فيها سوى تعاقب ظواهر عضوية، لكل منها بالضرورة في مجالها المعين بداية ونهاية.
وتأتي أهمية هذه النظرة من أنها تتيح لنا الوقوف على عوامل التقهقر والانحطاط، أي على قوى الجمود داخل الحضارة، إلى جانب شرائط النمو والتقدم، فهي تتيح لنا أن نجمع كلاً لا تتجزأ مراحله. ومن الملاحظ أن التعارض الداخلي بين أسباب الحياة والموت في أية عملية حيوية (بيولوجية)، هو الذي يؤدي بالكائن إلى قمة نموه ثم إلى نهاية تحلله، أما في المجال الاجتماعي، فإن هذه الحتمية محدودة بل مشروطة، لأن اتجاه التطور وأجله يخضعان لعوامل نفسية زمنية، يمكن للمجتمع المنظم أن يعمل في نطاقها حين يعدل حياته، ويسعى نحو غاياته في صورة متجانسة منسجمة.
هذه الملاحظات تدفعنا إلى أن ننتقد مسلك بعض الباحثين حين ينظرون
стр. 24
إلى ظاهرة (الحضارة) منفصلة عن ظاهرة (الانحطاط)؛ وإن العالم الإسلامي لفي مسيس الحاجة في هذه النقطة إلى أفكار واضحة تهدي سعيه نحو النهضة ولهذا فإن مما يهمنا في المقام الأول أن نتأمل الأسباب البعيدة التي حتمت تقهقره وانحطاطه.
فلقد عرف هذا العالم أول انفصال في تاريخه في معركة صفين عام ٣٨ للهجرة، إذ كان يحمل بين جنبيه بعد قليل من سنوات ميلاده تعارضاً داخلياً؛ كانت (حمية الجاهلية) تصطرع مع (الروح القرآني)، فجاء معاوية، ﵁، فحطم ذلك البناء الذي قام لكي يعيش، ربما إلى الأبد، بفضل ما ضُمِّنه من توازن بين عنصر الروح وعنصر الزمن.
ومنذ ذلك الانفصال الأول- الذي سنعود إليه فيما بعد- فقد العالم الإسلامي توازنه الأولي، على الرغم من بقاء الفرد المسلم متمكساً في قرارة نفسه بعقيدته التي نبض بها قلبه المؤمن. ومع ذلك فنحن ندين لتلك (الحضارة) المنحرفة التي ازدهرت في دمشق في ظل الأمو ين باكتشاف النظام المئوي، وتطبيق المنهج التجريبي في الطب، واستخدام فكرة الزمن الرياضية (١)، وهذه هي المعالم الأولى للفكر الصناعي.
وربما اتضح لنا ذات يوم أن (تفاحة نيوتن) التي اكتشف بها عالم الفلك قوة الجاذبية الأرضية، ذات اتصال معين بما قام به (ابنا موسى) من أعمال علمية (٢). ومع ذلك فإن هذه الحضارة ليست- من الناحية العضويه التاريخية
стр. 25
التي تهمنا- سوى صورة مشوهة عن البناء الأصلي الذي شاده القرآن، والذي قام على أساس من التوازن بين العقل والروح، أي على الأساس المزدوج، الروحي المادي، الضروري لكل بناء اجتماعي أهل للخلود.
والحق، أن العالم الإسلامي لم يقو على البقاء إبان تلك الأزمة الأولى في تاريخه وبعدها، إلا بفضل ما تبقى فيه من دفعة قرآنية حية قوية، وكان سر تماسكه رجال من أمثال عقبة بن نافع، وعمر بن عبد العزيز، والإمام مالك، ﵃ أجمعين، لا لأن أولهم كان فاتحاً كبيراً، والثاني خليفة عظيماً، والثالث إمام مدرسة كبرى في التشريع، بل لأن فضائل الإسلام الفطرية العظيمة قد تجسدت فيهم بصورة أو بأخرى.
هذا هو (عقبة)، وقد وقف في عاصمة الفاطميين المقبلة، التي زحف منها جيش المسلمين لفتح إفريقيا الشمالية، وقف يودع أبناءه الوداع الأخير، ثم صرخ وهو يمتطي صهوة جواده داعياً: ((اللهم تقبل عملي واجعلني في عبادك الصالحين)).
وعمر بن عبد العزيز، هو الذي ارتأى أن من الظلم أن يتولى أمراً، يخص في نظره- نسل علي، كرم الله وجهه، فآثر أن يتنازل عنه.
والإمام مالك، هو الذي تعرض للجلد في الأماكن العامة، لأنه دافع سلطاناً باغياً. تلكم هي الفضائل: احتقار مجد حان موعده، ورفض سلطة لا تقوى على حق، وتحدّ يجابه به ظالم باغ، وهي التي حفظت في العالم الإسلامي سر الحياة الذي أودعه فيه القرآن.
ومن هنا ندرك سر القيمة التي خص بها (عالم الاجتماع) محمد ﷺ ، الفضائل الخلقية باعتبارها قوة جوهرية في تكوين الحضارات. ولكن أوضاع القيم تنقلب في عصور الانحطاط لتبدو الأمور ذات خطر كبير، فإذا ما حدث هذا الانقلاب
стр. 26
انهار البناء الاجتماعي، إذ هو لا يقوى على البقاء بمقومات الفن والعلم والعقل فحسب، لأن الروح، والروح وحده، هو الذي يتيح للإنسانية أن تنهض وتتقدم، فحيثما فقد الروح سقطت الحضارة وانحطت، لأن من يفقد القدرة على الصعود لا يملك إلا أن يهوي بتأثير جاذبية الأرض.
وعندما يبلغ مجتمع ما هذه المرحلة، أي عندما تكف الرياح التي منحته الدفعة الأولى عن تحريكه، تكون نهاية (دورة) وهجرة (حضارة) إلى بقعة أخرى، تبدأ فيها دورة جديدة، طبقاً لتركيب عضوي تاريخي جديد.
وفي البقعة المهجورة يفقد العلم معناه كله، فأينما توقف إشعاع الروح يخمد إشعاع العقل، إذ يفقد الإنسان تعطشه إلى الفهم، وإرادته للعمل عندما يفقد الهمة و (قوة الإيمان).
فالعقل يختفي لأن آثاره تتبدد في وسط لا يستطيع أن يفهمها أو يستخدمها، ومن هذا الوجه يبدو أن أفكار ابن خلدون قد جاءت إما مبكرة أو متأخرة عن أوانها: فلم تستطع أن تنطبع في العبقرية الإسلامية التي فقدت مرونتها الخاصة، ومقدرتها على التقدم والتجدد. حتى إذا وهنت الدفعة القرآنية توقف العالم الإسلامي، كما يتوقف المحرك عندما يستنزف آخر قطرة من الوقود. وما كان لأي معوض زمني أن يقوم خلال التاريخ مقام المنبع الوحيد للطاقة الإنسانية، ألا وهو: (الإيمان). ولذا لم تستطع (النهضة التيمورية) التي ازدهرت في القرن الرابع عشر حول مغاني سمرقند، أو الإمبراطورية العثمانية، كلاهما أن تمنح العالم الإسلامي (حركة) لم يعد هو في ذاته يملك مصدرها.
لقد بلغت عوامل التعارض الداخلية قمتها، وانتهت إلى وعدها المحتوم، وهو تمزق عالم واهن، وظهور مجتمع جديد ذي معالم وخصائص واتجاهات جديدة، ف كانت تلك مرحلة الانحطاط، إذ لم يعد الإنسان والتراب والوقت عوامل حضارة، بل أضحت عناصر خامدة ليس لها فيما بينها صلة مبدعة.
стр. 27
ومع ذلك فمن المناسب أن نزيل هنا لبساً قد يقع فيه بعض القراء: هو أن الإيمان لم يفقد مطلقاً سيطرته في العالم الإسلامي، حتى في عهود الانحطاط، بل إن هذه الملاحظة تصبح جوهرية حين يكون الأمر أمر تقويم أخروي للقيم الروحية، أما حين نتناول المشكلة من الوجهة التاريخية والاجتماعية فينبغي ألا نخلط نجاة المرء في عاقبة أمره بتطور المجتمعات.
فدور الدين الاجتماعي منحصر في أنه يقوم (بتركيب) يهدف إلى تشكيل قيم، تمر من الحالة الطبيعية إلى وضع نفسي زمني، ينطبق على مرحلة معينة لحضارة، وهذا التشكيل يجعل من (الإنسان) العضوي وحدة اجتماعية، ويجعل من (الوقت) - الذي ليس سوى مدة زمنية مقدرة (بساعات تمر) - وقتاً اجتماعياً مقدراً (بساعات عمل)، ومن (التراب) - الذي يقدم بصورة فردية مطلقة غذاء الإنسان في صورة استهلاك بسيط- مجالاً مجهزاً مكيفاً تكييفاً فنياً، يسد حاجات الحياة الاجتماعية الكثيرة، تبعاً لظروف عملية الإنتاج.
فالدين إذن هو (مركِّب) القيم الاجتماعية، وهو يقوم بهذا الدور في حالته الناشئة، حالة انتشاره وحركته، عندما يعبر عن فكرة جماعية.
أما حين يصبح الإيمان إيماناً جذبياً دون إشعاع، أعني نزعة فردية، فإن رسالته التاريخية تنتهي على الأرض، إذ يصبح عاجزاً عن دفع الحضارة وتحريكها، إنه يصبح إيمان رهبان، يقطعون صلاتهم بالحياة، ويتخلون عن واجباتهم ومسؤلياتهم، كأولئك الذين لجؤوا إلى صوامع المرابطين منذ عهد ابن خلدون.
فالتاريخ يبدأ بالإنسان المتكامل الذي يطابق دائماً بين جهده وبين مثله الأعلى وحاجاته الأساسية، والذي يؤدي في المجتمع رسالته المزدوجة، بوصفه ممثلاً
стр. 28
وشاهداً (١). وينتهي التاريخ بالإنسان المتحلل؛ بالجزيء المحروم من قوة الجاذبية، بالفرد الذي يعيش في مجتمع منحل، لم يعد يقدم لوجوده أساساً روحياً، أو أساساً مادياً.
فليس أمامه حينئذ إلا أن يفر إلى صوامع المرابطين، أو إلى أي مستقر آخر، وهذا الفرار صورة فردية للتمزق الاجتماعي.
стр. 29
إنسان ما بعد الموحدين
(يا للهول، لقد اقتربت الساعة التي لن يطلق الإنسان بعدها سهم هواه فوق رؤوس البشر، ويومئذ تكف أوتار قوسه عن الرنين).
((نيتشه))
ــ
عندما نقوم بتحليل نشاط الأفراد وأذواقهم في بيئة معينة، نجد عوائد سائدة، تنتقل فيما بينهم كابراً عن كابر، فهناك وراثة اجتماعية، كما أن هناك وراثة جسمية.
ومن اليسير علينا أن نلاحظ هذا الأمر في بلاد كانجلترا، حيث (يميل) الناس إلى المحافظة، كما أن هذا (الميل) أكثر ظهوراً في العالم الإسلامي، خلال عصور الانحطاط، حينما أصيبت الأوضاع الاجتماعية كلها بالجمود.
على أن هذين الشكلين من أشكال (الميل) ليسا من نوع واحد، إذ أن أحدهما يدل على الكفاءة، والآخر يدل على العطل؛ فالإنجليزي يتمسك بمجموعة من التقاليد، يراها ضرورية للتوازن القومي المطبوع بطابع الحركة، وهو يتمسك بها عن طيب خاطر، على حين أن الفرد في المجتمع الإسلامي عاجز عن التقدم، والتخلي عما تعارف عليه الناس، عاجز عن اجتياز مراحل تاريخية جديدة، عاجز عن ابتكار المعاني والأشياء الجديدة وتمثلها، فالميل إلى المحافظة هنا ليس إرادياً، بل هو حقيقة افتقار ونقص.
стр. 30
إن ألوان نشاط الفرد وأفكاره في كل مجتمع تنسج دائماً على منوال الوراثة، ويكفينا أن ننظر إلى طفل يلعب لكي ندرك أهمية الوراثة الاجتماعية، وقوتها الموجهة، فتقاليد المجتمع تتمثل في لعب الطفل، الذي يعد صورة أولية فطرية من النشاط الإنساني.
ويمكننا أن نرى هذه الصفات أينما توجهنا، حيث تأخذ الحياة الاجتماعية خلال القرون الأشكال الجمالية والأخلاقية والفنية نفسها.
فإذا ما درسنا أوجه النشاط في بلد معين، وجب علينا لكي نفهمها أن نردها إلى إطار حضارة، تستمد منها الحياة أشكالها، ويشكل فيها الفرد دائماً أفكاره وضروب نشاطه، على المنوال الذي صنعته القرون والأجيال.
وليس من قبيل المصادفة أن نرى (الحاوي) يجمع حوله الأطفال في سمرقند وفي مراكش، وهو يلوح لهم بثعابينه، إن معنى هذا أن مشكلة العالم الإسلامي واحدة- لا أقول في أشكالها السياسية أو العنصرية، وإنما في جوهرها الاجتماعي- هذا الرأي يتيح لنا، بل يفرض علينا وضع المشكلة في نطاق التاريخ؛ وعليه فليس من باب اللعب بالألفاظ، بل من الضرورة المنطقية، أن نقرر هنا أن العالم الإسلامي لا يعيش الآن في عام ١٩٤٩م، بل في عام ١٣٦٩هـ.
وإنا لمضطرون إلى أن نؤكد هذا التاريخ، لأنه يسجل نقطة انطلاق في (تطور تاريخي) ترجع إليه سائر مشكلات العالم الإسلامي، وأشكالها المختلفة التي تسمى هنا (مشكلة جزائرية)، وهناك (مشكلة جاوية)، فالقاسم المشترك في هذه المشكلات جميعاً هو- في الواقع- المشكلة الإسلامية، وتسلسلها التاريخي منذ الهجرة. ولو أننا ترجمنا حركة هذا التسلسل إلى منحنى بياني، فربما رأيناه في بعض مراحله- عصر ابن خلدون مثلاً- يتجه إلى أسفل، وهذه النقطة هي التي تسجل انقلاب القيم الإسلامية الحقة إلى أشياء لا قيمة لها.
стр. 31
لم يكن الانقلاب فجائياً، إذ هو النهاية البعيدة للانفصال الذي حدث في (صفين)، فأحل السلطة العصبية محل الحكومة الديمقراطية الخليفية، فخلق بذلك هوة بين الدولة وبين الضمير الشعبي، وكان ذلك الانفصال يحتوي في داخله جميع أنواع التمزق، والمناقضات السياسية المقبلة في قلب العالم الإسلامي.
فإذا ما تناولنا الظواهر من جانبها السياسي، وجدنا أن هذا الانفصال الأول إنما كان إحدى (الأزمات) التي تغير نظام بلد معين خلال التاريخ. لكن يأتي يوم ينعدم فيه الفرد القادر على حفظ السلطان، الفرد القادر على تولي الأمر وتسويته على نظم جديدة، وحينئذ يخر الصولجان من تلقاء ذاته فينحطم، ويستحيل إلى (صويلجانات) يتلقفها صغار الملوك.
هذه اللحظة هي نقطة الانكسار في منحنى التطور التاريخي، وهي لحظة انقلاب القيم داخل حضارة معينة.
وهنا لا نواجه تغيراً في النظام السياسي، بل إن التغير يصيب الإنسان ذاته، الإنسان المتحضر الذي فقد همته المحضِّرة، فأعجزه فقدها عن التمثل والإبداع.
وليس من الصواب أن نبحث عن النظم، بل عن العوامل الإنسانية المتمثلة في عجز الناس عن تطبيق مواهبهم الخاصة على التراب والوقت.
إن التركيب الأساسي نفسه قد تحلل فتحللت معه الحياة الاجتماعية، وأخلت مكانها للحياة البدائية.
ويؤرخ لتلك الظاهرة في التاريخ الإسلامي بسقوط دولة الموحدين، الذي كان في حقيقته سقوط حضارة لفظت آخر أنفاسها.
ثم يبدأ تاريخ الانحطاط بإنسان ما بعد الموحدين، ففي عهد ابن خلدون استحالت القيروان قرية مغمورة، بعد أن كانت في عهد الأغالبة قبة الملك، وقمة
стр. 32
الأبهة، والعاصمة الكبرى التي يقطنها مليون من السكان، ولم يكن حظ بغداد وسمرقند خيراً من ذلك؛ لقد كانت أعراض الانهيار العام تشير إلى نقطة الانكسار في المنحنى البياني.
فإذا نظرنا إلى هذا الوضع نظرة اجتماعية، وجدنا أن جميع الأعراض التي ظهرت في السياسة أو في صورة العمران، لم تكن إلا تعبيراً عن حالة مرضية يعانيها الإنسان الجديد- إنسان ما بعد الموحدين- الذي خلف إنسان الحضارة الإسلامية، والذي كان يحمل في كيانه جميع الجراثيم التي سينتج عنها في فترات متفرقة جميع المشاكل التي تعرض لها العالم الإسلامي منذ ذلك الحين. فالنقائص التي تعانيها النهضة الآن، يعود وزرها إلى ذلك الرجل الذي لم يكن طليعة في التاريخ، فنحن ندين له بمواريثنا الاجتماعية، وبطرائقنا التقليدية التي جرينا عليها في نشاطنا الاجتماعي، ليس ذاك فحسب، بل إنه يعيش الآن بين ظهرانينا، وهو لم يكتف بدور المحرك الخفي الذي دفعنا إلى ما ارتكبنا من خيانة لواجبنا، وأخطاء في حق نهضتنا، بل لقد اشترك معنا في فعلنا؛ لم يكتف بأن بلغنا نفسه المريضة التي تخلقت في جو يشيع فيه الإفلاس الخلقي والاجتماعي والفلسفي والسياسي، فبلغنا ذاته أيضاً.
هذا الوجه المتخلف الكئيب ما زال حياً في جيلنا الحاضر، نصادفه في المظهر الرقيق البريء الذي يتميز به فلاحنا الوديع القاعد، أو راعينا المترحل، المتقشف المضياف.؟ نصادفه في المظهر الكاذب الذي يتخذه ابن أصحاب (المليارات) نصف المتعلم، الذي انطبع في الظاهر بجميع أشكال الحياة الحديثة، فأكسبه (مليار) أبيه وشهادة (البكالوريا) مظهر الإنسان العصري، بينما تحمل أخلاقه وميوله وأفكاره صورة (إنسان ما بعد الموحدين).
وطالما ظل مجتمعنا عاجزاً عن تصفية هذه الوراثة السلبية التي أسقطته منذ ستة قرون، وما دام متقاعساً عن تجديد كيان الإنسان طبقاً للتعاليم الإسلامية
стр. 33
الحقة، ومناهج العلم الحديثة، فإن سعيه إلى توازن جديد لحياته وتركيب جديد لتاريخه سيكون باطلاً عديم الجدوى.
إن العلوم الأخلاقية والاجتماعية والنفسية تعد اليوم أكثر ضرورة من العلوم المادية، فهذه تعد خطراً في مجتمع ما زال الناس يجهلون فيه حقيقة أنفسهم، ومعرفة إنسان الحضارة وإعداده أشق كثيراً من صنع محرك أو ترويض قرد على استخدام رباط عنق. وإنسان ما بعد الموحدين في أية صورة كان- باشا أو عالماً مزيفاً أو مثقفاً مزيفاً أو متسولاً- يعد عموماً عنصراً جوهرياً فيما يضم العالم الإسلامي من مشكلات منذ أفول حضارته، وهو عنصر لا ينبغي أن يغيب عن أنظارنا عندما ندرس نشأة المشكلات وحلولها التي تشغل اليوم- فيما يبدو- الضمير الإسلامي.
وربما رأينا من الضروري على الأقل، أن تقوم ألوان النشاط الدالة على يقظة الضمير الإسلامي في مختلف قطاعات الحياة الاجتماعية، على أساس دراسة علمية للعوامل السلبية، وأسباب العطل الضارب بطنبه في حياتنا.
فإذا كان عسيراً أن نتعرف على (إنسان ما بعد الموحدين)، إلا إذا تشخص في سمات رجل كـ (آغا خان)، فإنه على أية حال تجسيد للقابلية للاستعمار، والوجه النموذجي للعصر الاستعماري، والبهلوان الذي أسند إليه المستعمر القيام بدور (المستعمَر)، وهو أهل لأن يقوم بجميع الأدوار، وحتى ولو اقتضاه الموقف أن يقوم بدور (إمبراطور).
***
стр. 34
الاتصال الأول
بين أوربة والعالم الإسلامي
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾
[الحجرات ٤٩/ ١٣]
ــ
استمد إنسان أوربا دائماً غذاءه من الأرض، منذ كان يشيد حياته وسط المستنقعات، ولقد هيأت هذه الضرورة الحيوية جميع العناصر الأولية في (الحضارة الزراعية) أو (الحضارة الخضراء)، على ما ذهب إليه أحد علماء الاجتماع الفرنسيين.
وكان دور هذه الضرورة أنها حققت منذ عهد مبكر (تركيب) عبقرية الإنسان مع عناصر التراب، فوجد الإنسان نفسه يعيش في بيئة مكيفة، تفرض عليه سلوكاً يتفق وعلاقات الجوار الوثيقة، تلك العلاقات التي خلقت فكرة الملكية، وسنت حدودها بوصفها مجالاً للحياة الإنسانية: للمنزل وللأسرة، وكان هذا (المجال الحيوي) مكيفاً في جوهره طبقاً لضروب نشاط موسمية منتظمة، فكون هذا النشاط لدى الفرد فكرة جد واضحة؛ هي فكرة العمل اليومي، أي إنه لم يزوده بفكرة غامضة عن (الجهد في سبيل لقمة العيش)، تلك التي تسود البيئات اليدوية.
وهنا تدخل فكرة الزمن الاجتماعية بدورها في (التركيب) الأولي، فلقد
стр. 35
دفع الناخ الإنسان إلى استخدام النار عنصراً أساسياً في حياته، وإلى تأثيث بيته تبعاً لظروف عمله، وتبعاً للمناخ الذي يحيط به، ولاستخدامه النار. وبذلك صارت المنضدة والكراسي ضرورية لحياة الأسرة، يجتمع أفرادها ساعات معينة لتناول وجبات مشتركة.
أما خارج البيت فقد كانت هذه الأسرة متصلة ببقية الأسر المجاورة طبقاً لشروط معينة.
فتولدت عن ذلك الروح القروية بين الجموع المحلية، وهي التي أدت فيما بعد إلى وجود الحياة الاجتماعية شيئاً فشيئاً، وبهذا اندمج الفرد في وضع تنطبق عليه شرائط الحياة المستقرة ومطامحها.
هذا المنوال هو الذي نسجت عليه الحياة الأوربية في أصولها البعيدة، لذلك لم تفلح السيطرة الرومانية أو الزحوف الجرمانية في تعديله خلال القرون، حتى إننا نرى اليوم المرأة الأوربية تنزل إلى الحقل لتأخذ بيدها قبضة من العشب لأرانبها، بينما طفلها يلهو بلعبه الريفية. فهذه صورة من صميم مجتمع تغلغل فيه معنى المنفعة. ثم تفد إليه تعاليم المسيح وفلسفة ديكارت لتكمل هذه الصورة، فتمده الأولى بالاتجاه نحو العموم، وبذلك تمنحه ما كان يفتقر إليه استقراره من حركة ونشاط، وتنظم الثانية ضروب نشاطه الأساسية تنظيماً علمياً، كيما تدفعه دفعاً مثمراً إلى الازدهار الصناعي الذي سينتج عن تطوره.
في هذا المجتمع ذي الفضائل الجذبية الأثرة- التي سنت التعاون وجهلت سنة الضيافة- أودعت المسيحية (خميرة) التوسع الأخلاقي، الذي استخدم فيما بعد ذريعة للحروب الصليبية، وللمشاريع الاستعمارية.
حتى إذا جاءت الحروب الصليبية وجدنا الحضارة الأوربية تخرج عن حدودها لتجني حصاداً طيباً من الحضارة الإسلامية، ودفعتها هذه الاتجاهات
стр. 36
أيضاً إلى اكتشاف أمريكا، وهنا نشهد انفصالاً عميقاً بين أوربا التي صارت صاحبة الكلمة العليا وبين بقية الإنسانية، وهو انفصال يفسر لنا سياسة العالم منذ أربعة قرون، كما يفسر لنا الاختلال الراهن في أوضاعه السياسية.
ومهما يكن من شيء، فإن هذا المجتمع الذي طبع بعبقرية الأرض في صميمه، والذي انعدم فيه تقريباً تصور العلاقات البشرية، هذا المجتمع هو الذي اكتشف العالم الإسلامي حوالي نهاية القرن الثامن عشر.
لم يكن الفرد في ذلك العالم الإسلامي يطلب رزقه من الأرض، إذ كانت فقيرة عن أن تمده به، بل كان يطلبه من الحيوان، فهو راع مترحل أو محارب، ولم يكن ممكناً تحديد البقعة التي يعيش فيها، أو تحديد (مجاله الحيوي)، إلا بتحديد أقرب منطقة من مسكنه، نزل بها المطر لآخر مرة. وكان مسكنه ذاته متنقلا بحكم الضرورة، وبذلك لم تكن قطع الأثاث ضرورية له، إذ لماذا يستقر في أرض لا تمده بحاجته من الزاد؟ ..
وما كان لإنسان يعيش حياته متنقلا من نجد إلى سهل، ومن ربوة إلى واد، أن يمارس نشاطاً منتظماً، وعلى الرغم من أنه كان أحياناً يقوم بجهد مضنٍ، تجشمه إياه حرفته بوصفه راعياً أو مغيراً، فقد كان يجهل تماماً العمل المنظم اليومي، الذي يتصل بالأرض وأعبائها طوال الفصول.
وهو يكتفي أيضاً بما تمده به الشمس من حرارة تدفئة، ولذلك لم يستخدم النار إلا كشيء ثانوي في حياته، زد على ذلك أن هذه الحياة السائحة التائهة لا تفرض علاقات جوار منظمة، لانعدام الملكية العقارية أي إن غريزة التجمع لديه لم تنم إلا قليلا، فهو لم يسع إلى الاندماج في نظام اجتماعي؛ لأن هذه العلاقات لم تكن لتؤتيه مطعمه ومشربه. والقبيلة التي ينتسب إليها لم تكن نظاماً معيناً ذا وشائج اجتماعية، بل كانت قائمة على أسباب حيوية، أما علاقات الفرد خارج القبيلة، وبعبارة أخرى علاقاته الاجتماعية، فقد كانت منعدمة.
стр. 37
ذلك عالم غاية في الانقسام، متحلل إلى أفراد، عالم ذو فضائل طردية تشع خارج نطاقه، فعلى الرغم من أنه كان يجهل التعاون جهله بفاعلية المادة، فقد كان مضيافاً يتعشق الكرم، ويهيم بالفخر وبالشعر وبالفروسية. هذا التحرك الدائب هو الذي يفسر لنا السرعة الخارقة التي امتاز بها الزحف الإسلامي، على الرغم من أن بعض المؤرخين حاولوا عبثاً أن يعللوه بأسباب خارجية.
وعلى هذا المنوال جاء الإسلام لينسج حضارته العظيمة حين وهب للعالم تماسكاً وروحاً جماعياً، خطّا له اتجاهه التاريخي بعد أن كانت تسوده الأهواء الفردية؛ لقد خلق القرآن من البدوي إنساناً متحضراً، يشهد بحضارته ما خلف لنا من علم زراعي ناضج في إسبانيا، وفي جنوب فرنسا.
واستقرار الإنسان على الأرض كان له نتيجته السريعة، فنشأ العلم والفن، وترعرعا في مجتمع منظم لم يعد الفرد يخضع فيه لمزاجه المتقلب، بل لنظم وقوانين.
حتى إذا كان القرن الثامن عشر، كان هذا العالم قد أتم منذ بعيد دورة حضارته، فإذا الفرد قد انتكس مرة أخرى إلى حياة يسرها له مجتمع متحلل مشلول النشاط، فيما عدا بعض البلدان التي ظلت محتفظة برمق الحضارة، كفاس والقيروان ودمشق، وهي بقايا مهيبة تعد الشاهد الوحيد على ماض ضائع؛ لأن إنسان ما بعد الموحدين قد آثر العودة إلى حياة أسلافه البدو، على أن يركن إلى حياة متحضرة.
ولو قدر للمهندس أو الفنان الأوربي أن يشهد اليوم نهاية دورة حضارته، فسيعود حتماً إلى سابق مهنته بستانياً أو مزارعاً، فهكذا عاد العالم الإسلامي إلى حالة اجتماعية قبلية مترحلة، عندما اكتشفه الغرب منذ قرن أو أكثر.
وليس يغيب عن بالنا، أن أوربا التي اعتقدت أن العناية قد اختارتها
стр. 38
لتستودعها مصائر الإنسانية، قد أخذت منذ عصر (بوكاشيو) - حين كانت حضارتها ترتضع في مهدها لبان حضارة العرب- تتنكر للحضارة الإسلامية تنكراً خالصاً سهلاً، وهاك ما قاله أحد الأوربيين في هذا الصدد، وهو الدكتور (غوستاف لوبون)، فإنه حين أراد أن يختتم دراسته عن (الحضارة العربية) اختتمها بهذا التأمل الحزين:
((لعل القارئ يتساءل: لماذا ينكر العلماء في هذه الظروف تأثير العرب، وقد كان أولى بهم أن يتنزهوا عن اعتبارات التفرقة الدينية؟ الحق أن استقلال آرائنا وتجردها ظاهري أكثر من أن يكون واقعياً، وأننا لا نكون البتة أحراراً في تفكيرنا- كما ينبغي- حيال بعض الموضوعات، فلقد تجمعت العقد الموروثة، عقد التعصب التي ندين بها ضد الإسلام ورجاله، وتراكمت خلال قرون سحيقة حتى أصبحت ضمن تركيبنا العضوي)) ...
هذا النص يوضح بصورة غير مباشرة، ولكنها صريحة، موقف الحضارة الأوربية في وجه العالم الإسلامي منذ بداية التاريخ الاستعماري، وهو موقف يتفق وموقف هذا العالم الإسلامي من (أشياء) أوربا (وأفكارها)، حين ينظر إليها باحتقار شديد، مؤكداً أنه المستقر الوحيد لفضل الله ومواهبه.
فمن هذه الحقائق يسهل علينا أن نتخيل ضروب التناقض الداخلي التي جلبها الغرب إلى العالم الإسلامي القديم ... عالم إنسان ما بعد الموحدين.
***
стр. 39
الفصل الثاني
النهضة
стр. 40
حركة الاصلاح
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
[الرعد:١٣/ ١٢]
ــ
لم يصطحب الأوربي، عندما حل بالعالم الإسلامي في مطلع القرن الأخير من العالم المسيحي سوى بعض استعدادات نفسه، تلك النفس الطيبة التي تكشف النظرة الفاحصة داخلها عن مجمع للفضائل الجذبية، تميزت بها نفس مغلقة كثيفة تجاه المسلمين.
والواقع أن النفس المسيحية في خارج إطارها، أعني في صِلاتها الواقعية بالعالم الإسلامي، تنقلب إلى نفس مستعمِرة، غذت طموحها- قبل إبحارها إلى شواطئ البربر أو سواحل الهند أو جزر السند- بأحاديث سمر عن منطقة كنوز خيالية في (الألدرادوس)، والقوم جلوس حول المدفأة، فهي تبحث بدورها لاكتشاف كنوز (بيرو)، إذ لم تشهد الإنسانية تعطشاً عارماً إلى الذهب، كما كان ذلك بعد اكتشاف المستعمرات.
ومع ذلك فنحن لا نريد هنا أن نصدر حكماً أخلاقياً، بل إننا ننظر إلى المسألة نظرة اجتماعية، فإن الأوربي قد قام منذ قرنين بدور نافع في تاريخ العالم، ومهما كان في موقفه من انفصال عن بقية الإنسانية المحتقرة في نظره، والتي لا يرى فيها سوى سلم إلى مجده، فإنه قد أنقذ العالم الإسلامي من فوضى القوى الخفية، التي يغرق فيها كل مجتمع يستبدل الخيال الساذج بالروح. والخيال الساذبخ ظِلّ مشوه لتصورات المعتوهين الذين فقدوا ببعدهم عن معنى الواقع عبقرية الأرض.