← Общие книги

Общие книги · id 37827

وجهة العالم الإسلامي

مالك بن نبي

Полный текст (185 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أيضاً إلى اكتشاف أمريكا، وهنا نشهد انفصالاً عميقاً بين أوربا التي صارت صاحبة الكلمة العليا وبين بقية الإنسانية، وهو انفصال يفسر لنا سياسة العالم منذ أربعة قرون، كما يفسر لنا الاختلال الراهن في أوضاعه السياسية. ومهما يكن من شيء، فإن هذا المجتمع الذي طبع بعبقرية الأرض في صميمه، والذي انعدم فيه تقريباً تصور العلاقات البشرية، هذا المجتمع هو الذي اكتشف العالم الإسلامي حوالي نهاية القرن الثامن عشر. لم يكن الفرد في ذلك العالم الإسلامي يطلب رزقه من الأرض، إذ كانت فقيرة عن أن تمده به، بل كان يطلبه من الحيوان، فهو راع مترحل أو محارب، ولم يكن ممكناً تحديد البقعة التي يعيش فيها، أو تحديد (مجاله الحيوي)، إلا بتحديد أقرب منطقة من مسكنه، نزل بها المطر لآخر مرة. وكان مسكنه ذاته متنقلا بحكم الضرورة، وبذلك لم تكن قطع الأثاث ضرورية له، إذ لماذا يستقر في أرض لا تمده بحاجته من الزاد؟ .. وما كان لإنسان يعيش حياته متنقلا من نجد إلى سهل، ومن ربوة إلى واد، أن يمارس نشاطاً منتظماً، وعلى الرغم من أنه كان أحياناً يقوم بجهد مضنٍ، تجشمه إياه حرفته بوصفه راعياً أو مغيراً، فقد كان يجهل تماماً العمل المنظم اليومي، الذي يتصل بالأرض وأعبائها طوال الفصول. وهو يكتفي أيضاً بما تمده به الشمس من حرارة تدفئة، ولذلك لم يستخدم النار إلا كشيء ثانوي في حياته، زد على ذلك أن هذه الحياة السائحة التائهة لا تفرض علاقات جوار منظمة، لانعدام الملكية العقارية أي إن غريزة التجمع لديه لم تنم إلا قليلا، فهو لم يسع إلى الاندماج في نظام اجتماعي؛ لأن هذه العلاقات لم تكن لتؤتيه مطعمه ومشربه. والقبيلة التي ينتسب إليها لم تكن نظاماً معيناً ذا وشائج اجتماعية، بل كانت قائمة على أسباب حيوية، أما علاقات الفرد خارج القبيلة، وبعبارة أخرى علاقاته الاجتماعية، فقد كانت منعدمة.

стр. 37

ذلك عالم غاية في الانقسام، متحلل إلى أفراد، عالم ذو فضائل طردية تشع خارج نطاقه، فعلى الرغم من أنه كان يجهل التعاون جهله بفاعلية المادة، فقد كان مضيافاً يتعشق الكرم، ويهيم بالفخر وبالشعر وبالفروسية. هذا التحرك الدائب هو الذي يفسر لنا السرعة الخارقة التي امتاز بها الزحف الإسلامي، على الرغم من أن بعض المؤرخين حاولوا عبثاً أن يعللوه بأسباب خارجية. وعلى هذا المنوال جاء الإسلام لينسج حضارته العظيمة حين وهب للعالم تماسكاً وروحاً جماعياً، خطّا له اتجاهه التاريخي بعد أن كانت تسوده الأهواء الفردية؛ لقد خلق القرآن من البدوي إنساناً متحضراً، يشهد بحضارته ما خلف لنا من علم زراعي ناضج في إسبانيا، وفي جنوب فرنسا. واستقرار الإنسان على الأرض كان له نتيجته السريعة، فنشأ العلم والفن، وترعرعا في مجتمع منظم لم يعد الفرد يخضع فيه لمزاجه المتقلب، بل لنظم وقوانين. حتى إذا كان القرن الثامن عشر، كان هذا العالم قد أتم منذ بعيد دورة حضارته، فإذا الفرد قد انتكس مرة أخرى إلى حياة يسرها له مجتمع متحلل مشلول النشاط، فيما عدا بعض البلدان التي ظلت محتفظة برمق الحضارة، كفاس والقيروان ودمشق، وهي بقايا مهيبة تعد الشاهد الوحيد على ماض ضائع؛ لأن إنسان ما بعد الموحدين قد آثر العودة إلى حياة أسلافه البدو، على أن يركن إلى حياة متحضرة. ولو قدر للمهندس أو الفنان الأوربي أن يشهد اليوم نهاية دورة حضارته، فسيعود حتماً إلى سابق مهنته بستانياً أو مزارعاً، فهكذا عاد العالم الإسلامي إلى حالة اجتماعية قبلية مترحلة، عندما اكتشفه الغرب منذ قرن أو أكثر. وليس يغيب عن بالنا، أن أوربا التي اعتقدت أن العناية قد اختارتها

стр. 38

لتستودعها مصائر الإنسانية، قد أخذت منذ عصر (بوكاشيو) - حين كانت حضارتها ترتضع في مهدها لبان حضارة العرب- تتنكر للحضارة الإسلامية تنكراً خالصاً سهلاً، وهاك ما قاله أحد الأوربيين في هذا الصدد، وهو الدكتور (غوستاف لوبون)، فإنه حين أراد أن يختتم دراسته عن (الحضارة العربية) اختتمها بهذا التأمل الحزين: ((لعل القارئ يتساءل: لماذا ينكر العلماء في هذه الظروف تأثير العرب، وقد كان أولى بهم أن يتنزهوا عن اعتبارات التفرقة الدينية؟ الحق أن استقلال آرائنا وتجردها ظاهري أكثر من أن يكون واقعياً، وأننا لا نكون البتة أحراراً في تفكيرنا- كما ينبغي- حيال بعض الموضوعات، فلقد تجمعت العقد الموروثة، عقد التعصب التي ندين بها ضد الإسلام ورجاله، وتراكمت خلال قرون سحيقة حتى أصبحت ضمن تركيبنا العضوي)) ... هذا النص يوضح بصورة غير مباشرة، ولكنها صريحة، موقف الحضارة الأوربية في وجه العالم الإسلامي منذ بداية التاريخ الاستعماري، وهو موقف يتفق وموقف هذا العالم الإسلامي من (أشياء) أوربا (وأفكارها)، حين ينظر إليها باحتقار شديد، مؤكداً أنه المستقر الوحيد لفضل الله ومواهبه. فمن هذه الحقائق يسهل علينا أن نتخيل ضروب التناقض الداخلي التي جلبها الغرب إلى العالم الإسلامي القديم ... عالم إنسان ما بعد الموحدين. ***

стр. 39

الفصل الثاني النهضة

стр. 40

حركة الاصلاح ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١٣/ ١٢] ــ لم يصطحب الأوربي، عندما حل بالعالم الإسلامي في مطلع القرن الأخير من العالم المسيحي سوى بعض استعدادات نفسه، تلك النفس الطيبة التي تكشف النظرة الفاحصة داخلها عن مجمع للفضائل الجذبية، تميزت بها نفس مغلقة كثيفة تجاه المسلمين. والواقع أن النفس المسيحية في خارج إطارها، أعني في صِلاتها الواقعية بالعالم الإسلامي، تنقلب إلى نفس مستعمِرة، غذت طموحها- قبل إبحارها إلى شواطئ البربر أو سواحل الهند أو جزر السند- بأحاديث سمر عن منطقة كنوز خيالية في (الألدرادوس)، والقوم جلوس حول المدفأة، فهي تبحث بدورها لاكتشاف كنوز (بيرو)، إذ لم تشهد الإنسانية تعطشاً عارماً إلى الذهب، كما كان ذلك بعد اكتشاف المستعمرات. ومع ذلك فنحن لا نريد هنا أن نصدر حكماً أخلاقياً، بل إننا ننظر إلى المسألة نظرة اجتماعية، فإن الأوربي قد قام منذ قرنين بدور نافع في تاريخ العالم، ومهما كان في موقفه من انفصال عن بقية الإنسانية المحتقرة في نظره، والتي لا يرى فيها سوى سلم إلى مجده، فإنه قد أنقذ العالم الإسلامي من فوضى القوى الخفية، التي يغرق فيها كل مجتمع يستبدل الخيال الساذج بالروح. والخيال الساذبخ ظِلّ مشوه لتصورات المعتوهين الذين فقدوا ببعدهم عن معنى الواقع عبقرية الأرض.

стр. 41

لقد منح نشاط الأوربي- إنسان ما بعد الموحدين- إلهاماً جديداً لقيمته الاجتماعية، حين نسف وضعه الاجتماعي الذي كان يعيش فيه راضياً بالدون، وحين سلبه وسائله التي كان يتبطل بها هادئ البال حالاً. فإنسان أوربا قام - دونما قصد- بدور (الديناميت) الذي نسف معسكر الصمت والتأمل والأحلام، وبذلك شعر إنسان ما بعد الموحدين، كما شعر بوذي الصين وبرهمي الهند، بهزة انتفض بعدها مستيقظاً، ليجد نفسه في إطار جديد لم تصنعه يداه، وأمام ضرورتين ملحتين: فهو ملزم- على الرغم من تأخره وانحطاطه- بأن يحافظ على الحد الأدنى من كرامته، وهو أمر يتطلبه الإسلام لجميع معتنقيه، حتى في المجتمعات البدائية في إفريقية الوسطى، وهو ملزم أيضاً بأن يضمن لنفسه الحد الأدنى من الحياة، في مجتمع قاس، لا يعول البتة صعلوكاً يعيش على الغارة، أو متزهداً يعيش على صدقات الناس، أو ولداً محظوظاً يعيش على موارد أسرته، فقد زالت من الوجود كل إمكانيات التبطل منذ ذلك الحين. لقد وجد المسلم أن عليه أن يبحث عن أسلوب في المعيشة يتفق وشرائط الحياة الجديدة، في المجالين: الخلقي والاجتماعي. ولسوف نجد أن الحركات التاريخية، ستتولد عما قريب من ذلك البحث الغامض، الذي امتزج بقلق قديم خلفته في الضمير الإسلامي منذ قرون كتب ابن تيمية، وهي الحركات التي ستخلع على العالم الإسلامي صبغته الراهنة. هذه الحركات قد صدرت عن تيارين: تيار الإصلاح الذي ارتبط بالضمير المسلم، وتيار التجديد وهو أقل عمقاً، وأكثر سطحية، وهو يمثل مطامح طائفة اجتماعية جديدة تخرجت في المدرسة الغربية، ومن أمثلتها الحركة الجامعية التي قامت في (عليكرة) بالهند (١).

стр. 42

أما التيار الأول: فيبدو أنه قد خط طريقه في الضمير المسلم منذ عصر ابن تيمية، كما يخط تيار الماء مجراه في باطن الأرض، ثم ينبجس هنا وهناك من آن لآخر، وابن تيمية لم يكن (عالماً) كسائر الشيوخ، ولا متصوفاً كالغزالي، ولكن كان مجاهداً يدعو إلى التجديد الروحي والاجتماعي في العالم الإسلامي. هذا التيار هو الذي أدى إلى تكوين إمبراطورية الموحدين القوية في إفريقية الشمالية على يد (ابن تومرت)، وهو الذي أدى إلى إنشاء دولة الوهابيين في الشرق على يد (محمد بن عبد الوهاب)، ثم اكتسحها محمد علي بإيعاز من الباب العالي، وتأييد من الدول الغربية عام ١٨٢٠، ومع ذلك فقد بقي روح الوهابية حياً، حتى تمكن القائمون بها من الظهور مرة أخرى عام ١٩٢٥ في صورة المملكة الوهابية الحديثة. بيد أننا نلاحظ هنا أن هذه الحركة قد وجدت منذ سقوط الدولة الوهابية الأولى، أي منذ قرن تقريباً، الضمير الذي يعكسها لدى العالم الإسلامي الحديث، ضمير (جمال الدين الأفغاني)، الذي فرّ في شعف الجبال هرباً من طابع المهانة الذي كان يلصقه مجتمع ما بعد الموحدين بالفرد، ليجعل منه ضحية أو متملقاً. لقد كان جمال الدين- إلى جانب أنه رجل (فطرة) - رجلاً ذا ثقافة فريدة عُدَّت فاتحة عهد (رجل الثقافة والعلم) في العالم الإسلامي الحديث، ولعل هذه الثقافة هي التي دفعت الشبيبة المثقفة على إثره في اسطنبول وفي القاهرة وفي طهران، وهي الشبيبة التي سيكون من بينها قادة حركة الإصلاح. لقد حاول المستشرق (جب) أن يشكك في مواهب هذا الرجل العقلية،

стр. 43

ولكن الذي لا شك فيه أنه أول من جرؤ منذ قرن على التحدث عن (الوظيفة الاجتماعية للأنبياء)، في عالم ساقط هو (عالم ما بعد الموحدين). ولقد شاءت الأقدار أن تجعل من هذا الرجل في التاريخ الشاهد الصادق، والحكم الصارم على مجتمع انتهى أمره في هدوء إلى الانحلال، بينما أخذ الاستعمار يستقر على أرضه. ويبدو أن الباعث الحقيقي الذي غرس في ضمير هذا الرجل إرادة إصلاح مجتمعه إنما هو ثورة (السيباي) التي أخمدت بالدماء؛ لقد شهد جمال الدين في هذه المأساة مشهد الإفلاس الروحي والمادي في العالم الإسلامي، وهو إفلاس استتبعه فشل تلك الثورة وأكدته في صورة ما حركة (عليكرة) التي ظهرت بالهند عقب تلك الأحداث الدامية، ف كانت بمثابة خيانة للإسلام والمسلمين في نظر جمال الدين، وبذلك أعلن على الفور الحرب ضد النظم البالية، وضد الأفكار الميتة. وكان هدفه الأول: أن يقوض دعائم نظم الحكم الموجودة آنداك، كيما يعيد بناء التنظيم السياسي في العالم الإسلامي على أساس (الأخوة الإسلامية) التي تمزقت في (صفين)، وبددتها النظم الاستعمارية نهائياً، وكان هدفه الثاني: أن يكافح (المذهب الطبيعي) أو (المذهب المادي) الذي يعتقد أنه كامن في تعاليم (أحمد خان) التي كان ينشرها في جامعة (عليكرة)، وأنه راجع إلى التأثير الخفي لأفكار الغرب، ولقد يبدو أن موقفه هذا يحمل طابع (الرجعية) إذا ما استخدمنا المصطلح الحديث، لا سيما أن هذه الحركة الجامعية المتهمة، قد اتضح فيما بعد أنها كانت عاملاً قوياً في نهضة الإسلام بالهند. ولكنا لكي نستطيع إصدار مثل هذا الحكم على رجل كان باعثاً- غير منازع- للحركة الإصلاحية الحديثة، ينبغي أن نثبت أن مجادلته لم تفد في توجيه تعاليم (عليكرة) فيما بعد، حين فرضت عليها تعديل اتجاهها. ويبدو أننا هنا أمام حالة جد شبيهة بما جرى في الجامعة المصرية بعد قرن

стр. 44

من الزمان، عندما نشر أحد أساتذتها إحدى النظريات الخطيرة (١)، هل يمكن لأحد أن يثبت في هذه الحالة أن موقف خصوم تلك النظرية- وخاصة السيد رشيد رضا- كان سلبياً سلبية لم يكن معها تأثير معدِّل لاتجاه الثقافة المصرية فيما بعد؟ .. إن إثباتاً كهذا سيكون عرضة للتكذيب، حتى من جانب ما كتبه الدكتور طه حسين فيما بعد. وأية كانت وجهة الأمر فإن دور (جمال الدين) لم يكن دور مفكر يتعمق المشكلات لينضج حلولها، فإن مزاجه الحاد لم يكن ليسمح له بذلك، لقد كان قبل كل شيء مجاهداً، ولم تكن ثقافته النادرة سوى وسيلة جدلية، مهما هبطت أحياناً إلى مستوى الجماهير، فأصبحت وسيلة نشاط ثوري. لقد كان لهذا النشاط أهمية نفسية وأدبية أكثر من أن تكون له أهمية سياسية في العصر الذي كان يعيش فيه، حين كان العالم الإسلامي غارقاً في خمود شامل، وكان من فائدة هذا النشاط أنه فجر المأساة الإسلامية في الضمير المسلم ذاته. ولكن يبدو أن استيقاظ هذا الضمير بما احتوى من مأساة، لم يكن جزءاً من خطة منهجية وضعها جمال الدين، فإن كتاباته القليلة التي تميزت بالجدل ضد الطبيعيين، أو ضد (أرنست رينان)، لا تثبت شيئاً من هذا. بيد أنه إذا لم يكن جمال الدين قائداً أو فيلسوفاً للحركة الإصلاحية الحديثة، فلقد كان رائدها، حين حمل ما حمل من القلق، ونقله معه أينما حل، وهو القلق الذي ندين له بتلك الجهود المتواضعة في سبيل النهضة الراهنة، وكان رائدها أيضاً حين جهد في سبيل إعادة التنظيم السياسي للعالم الإسلامي، وإن كان قد قصد بذلك التنظيم: تنظيم جموع الشعب وإصلاح القوانين، دون أن يقصد إلى إصلاح الإنسان الذي صاغه عصر ما بعد الموحدين. لقد أدرك جمال الدين بصادق فطنته، ما أصاب مجتمعه من عفونة وفساد،

стр. 45

فاعتقد أنه بدلاً من أن ينصرف إلى دراسة العوامل الداخلية التي أدت إلى هذا الوضع، يستطيع أن يقضي عليه، بالقضاء على ما يحيط به من نظم وقوانين. وربما كان هذا الرأي صادقاً، لو أنه أدى إلى الثورة الضرورية، فإن الثورات تخلق قيماً اجتماعية جديدة صالحة لتغيير الإنسان، بيد أن جمال الدين لم يحسن تشخيص الدافع إلى تلك الثورة، وما كان لثورة إسلامية أن تكون ذات أثر خلاق، إلا إذا قامت على أساس ((المؤاخاة)) بين المسلمين، لا على أساس (الأخوة) الإسلامية- وفرق ما بين (المؤاخاة) وبين (الأخوة): فإن الأولى تقوم على فعل ديناميكي، بينما الثانية عنوان على معنى مجرد، أو شعور تحجر في نطاق الأدبيات. و (المؤاخاة) الفعلية: هي الأساس الذي قام عليه المجتمع الإسلامي .. مجتمع المهاجرين والأنصار. فإذا كان جمال الدين باعث الحركة الإصلاحية ورائدها، وما زال بطلها الأسطوري في العصر الحديث (١)، فإنه لم يكن في ذاته (مصلحاً) بمعنى الكلمة. وبذلك كان على الشيخ (محمد عبده) أن يواجه مشكلة الإصلاح في شتى نواحيه: كان الشيخ عبده مصرياً أزهرياً، ومصر منذ عهود سحيقة أمة زراعية مرتبطة بالأرض، أي أنها كانت على طول التاريخ مجتمعاً يتكون فيه الفرد وسط جماعة، فهو لذلك مزود بغريزة الحياة الاجتماعية، والأزهر من ناحية أخرى كان يمد الحياة الاجتماعية بعقليات متمسكة بدينها، محافظة على أصولها. وبهذا التكوين واجه الشيخ عبده مشكلة الإصلاح، فبعد أن أدرك حقيقة

стр. 46

المأساة الإسلامية وجد من الضروري أن ينظر إليها بوصفها مشكلة اجتماعية، على حين أن أستاذه جمال الدين ذا العقل القبلي العفوي قد تناولها من الزاوية السياسية. فالفضل في نشأة الحركة الإصلاحية واتجاهها الذي اصطبغت به، يعود إلى تلك الاستعدادات الأصيلة لدى الشيخ المصري، الذي كان بحق أستاذ تلك المدرسة. ويبدو أن غريزة الأرض، التي هي جوهر النزعة الاجتماعية، إلى جانب الروح الأزهري قد أوحيا- كل على حدة- بحلول للمشكلات التي واجهت الشيخ، وربما كان ذلك بسبب ما أطلق عليه (جب) تسميه (الذرية)، فلقد كان الشيخ عبده يعلم علم اليقين، أنه لكي يتحقق الإصلاح، يجب أن يبدأ خطوته الأولى من (الفرد)، ولقد وجد أساس هذه الفكرة في كتاب الله حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١٣/ ١٢) في هذه الآية- التي أصبحت شعار تلك المدرسة، ولا سيما عند الإصلاحيين بشمال إفريقية- نجد أن نفس الفرد هي العنصر الجوهري في كل مشكلة اجتماعية، فكيف نغير هذه النفس؟ هنا يتدخل عقل الشيخ عبده الأصولي، فلقد ظن- كما ظن فيما بعد الدكتور محمد إقبال- أن من الضروري إصلاح (علم الكلام) بوضع فلسفة جديدة، حتى يمكن تغيير النفس. بيد أن كلمة (علم الكلام) ستصبح قدراً مسلطاً على حركة الإصلاح، القدر الذي حاد بها جزئياً عن الطريق، حين حط من قيمة بعض مبادئها الرئيسية كمبادئ (السلفية)، أي العودة إلى الفكرة الأصلية في الإسلام؟ فكرة (السلف). وعلم الكلام لا يتصل في الواقع بمشكلة النفس، إلا في ميدان العقيدة أو

стр. 47

المبدأ، والمسلم حتى مسلم ما بعد الموحدين، لم يتخل مطلقاً عن عقيدته، فلقد ظل مؤمناً، وبعبارة أدق ظل مؤمناً متديناً، ولكن عقيدته تجردت من فاعليتها، لأنها فقدت إشعاعها الاجتماعي فأصبحت جذبية فردية، وصار الإيمان إيمان فرد متحلل من صلاته بوسطه الاجتماعي. وعليه فليست المشكلة أن نعلم المسلم عقيدة هو يملكها، وإنما المهم أن نرد إلى هذه العقيدة فاعليتها وقوتها الإيجابية، وتأثيرها الاجتماعي، وفي كلمة واحدة: إن مشكلتنا ليست في أن (نبرهن) للمسلم على وجود الله، بقدر ما هي في أن نشعره بوجوده، ونملأ به نفسه باعتباره مصدراً للطاقة. وتغيير النفس معناه إقدارها على أن تتجاوز وضعها المألوف، وليس هذا من شأن (علم الكلام) بل هو من شأن منهاج (التصوف)، أو بعبارة أدق، هو من شأن علم لم يوضع له (اسم) بعد، ويمكن أن نسميه (تجديد الصلة بالله). والتصوف الذي قاد إلى دروشة المرابطين وشعوذتهم، لا يمكن أن يقدم لنا الأساس الضروري للإصلاح، عندما نحث جهودنا إلى النهضة، فهو لا يستهدف سوى تطهير بعض الأنفس من الخطايا، على حين يهدف الإصلاح إلى توفير الدافع الداخلي لدى جماهير الشعب، تلك الجماهير المتعطشة إلى (انتفاضة القلب)، كيما تنتصر على ما أصابها من خمود (١). وربما لم تكن هذه الاعتبارات، لتخفى عن أعين القائمين على المدرسة الإصلاحية، لو أنها استطاعت أن تقوم بتركيب أفكارها، وتجميع عناصرها، لتوحد ما بين الأفكار الأصول التي ذهب إليها الشيخ محمد عبده، وبين الآراء

стр. 48

السياسية والاجتماعية التي نادى بها جمال الدين، الأمر الذي كان يؤدي حتماً إلى طريق أفضل من مجرد إصلاح مبادئ العقيدة، فموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، لم يكونوا علماء كلام، ينطقون أفكاراً مجردة، ولكنهم في الحق كانوا مجمعين لتلك الطاقة الأخلاقية، التي أوصلوها إلى نفوس فطرية. وعلم الكلام يمجد الجدال وتبادل الآراء، وهو في الوقت ذاته يشوه المشكلة الإسلامية ويفسد طبيعتها، حين يغير المبدأ (السلفي) في عقول المصلحين أنفسهم. هذه المناقضة اللاشعورية تضع في مكان (المشكلة النفسية) في النهضة (مشكلة كلامية)، فعلم الكلام لا يواجه مشكلة (الوظيفة الاجتماعية) للدين؛ لأن المؤمن لا يفيد شيئاً من مدرسة تعلمه مسألة وجود الله فحسب، دون أن تلقنه مبادئ الرجوع للسلف. وينبغي أن نضيف إلى الأسباب التي أحصيناها، ما أطلق عليه (جب) عقدة (التسامي)، حتى نفسر تفسيراً كاملاً أسباب انحراف الحركة الإصلاحية. وجدت هذه العقدة في الثقافة الأوربية على عهد (توماس الإكويني)، فاتخذت صورة تنحية كل ما من شأنه أن يدل على وجود تأثير إسلامي، واليوم تحدث الظاهرة نفسها في الثقافة الإسلامية التقليدية، في صورة مقاومة لضغط الأفكار الغربية، فعمل الشيخ عبده في ميدان العقيدة كان في أقصاه (نزعة إلى المديح) اقتضاها هذا (التسامي). إن تلخيصنا هذا النقد، يوشك ألا يطلعنا إلا على نقائص حركة الإصلاح، وربما فقدت بذلك في نظرنا قيمتها الاجتماعية، إن لم تفقد قيمتها التاريخية. ومع ذلك، فإن جزءاً كبيراً مما حققه العالم الإسلامي، وما قدره، راجع إلى مجهود الشيخ عبده ومدرسته، وأما ما بقي بعد ذلك فهو راجع إلى تيار المدنية الحديثة، وسنتناوله بالحديث فيما بعد.

стр. 49

فإذا كان الأزهري المصري الكبير، لم يحدد تماماً المشكلة في الضمير المسلم، فلقد بسطها على الأقل في المجال الأدبي، مجال العقل. ولقد كان للنشاط الإصلاحي في هذا المجال دوي وعمق، يشهد بهما ما شهده العالم الإسلامي كله تقريباً من بعث أدبي. ذلك لأن علم الكلام، كان في الحقيقة أول جهد بذله الفكر الإسلامي للتخلص من نومه المزمن، وحسبنا أن نتصور ما يمكن أن يحدثه نشر كتاب كـ (رسالة التوحيد)، في عالم لم ير شيئاً من ذلك منذ عهد ابن خلدون. فللمرة الأولى منذ قرون تمخض عقل مسلم عن عمل فكري، وللمرة الأولى أيضاً دار نقاش، فمزق الصمت الذي خيم على الجامعات الإسلامية القديمة، حتى وجدنا أن الأزهر، وهو الجامعة الإسلامية الكبرى، بدأ يتناغم في روحه مع ما دار من نقاش أثاره جمال الدين ومحمد عبده؛ أما مناهجه وطرق التدريس فيه فقد بقيت تنتظر دورها، على الرغم من بعض المحاولات السطحية، أي إن الأزهر وهو المركز الأدبي في العالم الإسلامي لم يعترف إلا مؤخراً بقانون الحركة والتقدم. وأدرك أن قبابه العظيمة لا تظل كمالاً دائماً مطلقاً، بل أشياء تتدرج نحو الكمال. وهكذا بدأ الفكر الإسلامي ينشط في الحقل الفسيح الذي مهدته له حركة الإصلاح، لكن هذا الحقل الذي ظل بوراً قروناً طويلة، كان قد أعشب بالنباتات الطفيلية في المجال الفكري، إن لم يكن في المجال الروحي، ولذلك كان من الضروري إزالة الأنقاض قبل البدء في عملية البناء. وهنا تضاف نقائص المؤسسات إلى نقائص إنسان ما بعد الموحدين. إن لكل مؤسسة حياتها وتاريخها وتقاليدها، وفي كلمة واحدة، جمودها الخاص الذي يتحدى أحيانا إرادة الإنسان. فإلى جانب ما اتصف به إنسان ما بعد الموحدين من (ذرية) وتزمت

стр. 50

ونزوع إلى المديح، لم تستطع التخلص منه عقول المصلحين، إلى جانب هذا كله تقف عيوب ذات طابع جماعي، كالجدل والحرفية والتشبث بأذيال الماضي والتحليق في الخيال، وهي ما يطبع ثقافة ما بعد الموحدين. فما السبيل إلى أن يتحرك العالم الإسلامي تحت أوزار القرون، وأثقال التقاليد، والعادات المتخلفة المتراكمة؟ .. لقد كان بحاجة إلى فكر ثوري كفكر (جمال الدين) يدعو إلى الهدم من أجل إعادة البناء، أو إلى فكر منهجي يجري عمليات التشذيب الضرورية لتحرير النظام القائم من أوزار التقاليد، على أساس منهج مرسوم، وكان لابد أولاً من إحصاء تلك العمليات الضرورية بأن يميز المصلحون خبيث (التقاليد) من طيبها. إن لكلمة (تقاليد) في اللغة الغربية سحراً آسراً، فهي تستر خرافات المتصوفة وخزعبلاتها بستار الإسلام الجليل (١). فأية مقارنة لتلك التقاليد بالإسلام، تنقي الثقافة الإسلامية من تلك المقدسات الوهمية التي تسمى (تقاليد)، ولقد قام بتلك المهمة على خير وجه الشيخ (عبد الحميد بن باديس)، فاستطاع أن يخلص الجزائر من تلك التقاليد الزائفة التي كانت تتجسد في الطريقة (المرابطية)، ولكن فرداً واحداً يعجز عن القيام بتلك المهمة وحده. ولقد كان الشيخ محمد عبده يواجه وحده هذا العبء في عصره، فقدم بوصفه مفكراً أعظم مثال على العمل الأدبي، لعالم لم يتعود التفكير في مشكلاته، وبعث في جامعته- بوصفه عضواً في مجلس إدارتها- حياة تدفعها إلى التناغم مع الأفكار الجديدة.

стр. 51

فالشيخ فضلاً عن أنه قام بعمليات تشذيب في الثقافة الإسلامية، قد كشف للعالم الإسلامي عن وجه الثقافة الغربية حين أدخلها في إعادة تنظيم جامعته الكبرى، وفي كتاباته التي حملت منها الإشعاع الأول، وسنجد أن هذه المحاولات جميعاً قد أدت إلى ما شهدته النهضة الحديثة من بعث فكري. بيد أنه بينما كان البعث (الميجي) في اليابان يوجهها نحو الصناعات، ظل بعث النهضة الإسلامية دهراً طويلاً حبيساً في مجال آخر، تحكمت فيه الميول الطبيعية لدى إنسان ما بعد الموحدين، وهو إنسان لا يكترث بالفاعلية، كما تحكمت فيه المساوئ الخاصة بالمؤسسات الثقافية، وقد أخطأت منذ بعيد هدفها الاجتماعي. وقد أسهم المصلحون- وأقصد بهم الذين حملوا الراية بعد محمد عبده- بأنفسهم في إبقاء هذه الحال كما هي، إذ ظل الجدل سائداً في المناقشات الأدبية؛ لم يكن المتجادلون يبحثون عن حقائق، وإنما عن براهين، ولم يكن المجادل ليستمع إلى محدثه، بل كان يغرقه في طوفان من الكلام، والجدل من أضر الأمور على كيان الأمة، إذ هو يقوم في عمومه على هيام أحمق بالكلمات. وهنا يؤدي بنا المقام إلى الحديث عن (الحرفية)، فلقد أبدعت العبقرية العربية أجمل لغات الدنيا، ولكن هذه العبقرية كنت في موقفها مما أبدعت، كالمثّال الذي هام بتمثاله، وقد أبدعه منقاشه، والغرام بالكلمات أخطر من الغرام بالمعدن أو الرخام أو الحجر، فهو يؤدي أولاً وقبل كل شيء إلى أن يفقد الإنسان حاسة تقدير الأمور على وجهها الصحيح، وهو أمر ضروري لكل جهد إيجابي من أجل البناء، وأقل عنوان في جريدة عربية يعطينا دليلاً على ما نقول: فمنذ عهد قريب أعلنت إحدى الصحف في تونس، عن عودة أحد الزعماء السياسيين بعد أن كان مبعداً في الخارج، فوضعت اسمه بعد حشد من الألقاب الفخمة بلغ خمسة أو ستة هي: (المجاهد، الكريم، العظيم، الجليل الزعيم ... الخ) ولا شك أن هذه مجرد ألقاب تفخيمية، ولكن للكلمات العربية وقعاً وجاذبية لا تقاوم على

стр. 52

عقل ما بعد الموحدين، فقد نتج عن ذلك أن صارت العربية مؤلهة لا تقبل التطور، وأحال تقديس أهلها لها تصريفها إلى شيء لا يمسه التطويع، مقتصر على خمس عشرة صيغة، حتى ليعد من الكفر خلق صيغ جديدة بإضافة زوائد مناسبة، على الرغم من أن ذلك ممكن جداً في روح اللغة نفسه. أما التعليم الحر في العالم الإسلامي، فإِن مناهجه وطرقه يبدو أنها تتحدى الزمن، فلقد بقيت مبادئه على حالها منذ القرن المسيحي الوسيط، وما دامت هذه المبادئ هي المنوال العقلي للعمل، فإِن أوجه النشاط تظل متناغمة مع عالم ولّى وانقضى. لقد وهم بعض المصلحين، حين أراد أن يغير عالماً مشحوناً بالأفكار بإدخال بعض الإصلاحات السطحية: كما حدث بالجزائر حين أدخل الكرسي والنضد إلى المدارس الحرة، ولم يعلموا أن هذه إن كانت خطوة أولى، فإن من السذاجة الاكتفاء بها. فلا غرابة إذن أن نرى الفكر العربي، لم يعرف بعد معنى الفاعلية، فإن استبداد الألفاظ والصيغ به يخلع على أي تفسير للنهضة طابعاً سطحياً. ومن الأمثلة على ذلك ما حدث في مؤتمر الثقافة الإسلامية بتونس، فقد قام أحد الشيوخ ليلقي على المؤتمرين محاضرة قصرها على أحاديث الرحمة، ومضت ساعة أو أكثر في سرد سلسلة (١) الحديث، ولا حاجة بنا إلى القول إن أحداً لم يُعِر حديثه التفاتاً، بل إن المستمعين راحوا يتثاءبون ... من الإعجاب. وهنا نصل إلى الحديث عن نقطة هامة في نفسية ما بعد الموحدين، فإن أخطر شيء يواجهنا في هذه المشكلة، هو اتفاق المحاضر والمستمع على الجمود وانعدام

стр. 53

الفاعلية، حتى لقد تحولت الحقائق الحية، التي شكلت فيما مضى وجه الحضارة الإسلامية، إلى حقائق خامدة مدفونة في جمل رائقة، (وعلم غزير). ويبدو أن المثل الأعلى قد ظل، كما كان منذ عصر الانحطاط؛ أن يصبح المرء (بحر علم)، يزدرد العلم ويفقد معنى دوره الاجتماعي. وأي، درس في التفسير يتيح لنا ملاحظة تفاهة ثقافتنا الراهنة، التي استعبدتها الألفاظ، فلم تعد تعبر عن اهتمام بالعمل، بل عن مجرد الشهوة إلى الكلام. وهناك سبب آخر لانعدام الفاعلية التي وصمت بها نزعة المديح العمل الفكري؛ فحين اتجهت الثقافة إلى امتداح الماضي أصبحت ثقافة أثرية، لا يتجه العمل الفكري فيها إلى أمام بل ينتكس إلى وراء. وكان هذا الاتجاه الناكص المسرف سبباً في انطباع التعليم كله بطابع دارس لا يتفق ومقتضيات الحاضر والمستقبل، وبذلك أصيبت الأفكار بظاهرة التشبث بالماضي، كأنما قد أصبحت متنفساً له. ولكي نختتم تلك اللوحة التي بسطنا عليها مساوئ ثقافة ما بعد الموحدين، يجب أن نضيف نقيصتين هما: التعلق الواهم (بالكم)، ونلحظه حتى عند الذين احتكوا بالثقافة الغربية، والنزوع إلى (الشعر)، وقد انفردت به شبيبة جامعة الزيتونة، تلك التي ارتضعت لبان الثقافة القديمة. ومن شأن النزعة (الكمية)، أن تعوّد المرء النظر إلى فاعلية الشيء وإلى قيمته من خلال الكمية أو العدد، فتجده يقوِّم كتاباً ما بعدد صفحاته المكتوبة. أما النزعة (الشعرية) فتقصد إلى الناحية الجمالية، وإلى (البديع) الذي تتصف به حرفة الثقافة ونزعة المديح. وتلك وسيلة رشيقة مناسبة تخفي مواضع النقص والاختلال، فتجمل الأخطاء، وتستر العجز بستار من البلاغة المزعومة. وغني عن البيان أن هذه النقائص التي حللناها، لم تكن لتعين جهود

стр. 54

المدرسة الإصلاحية؛ تلك التي لم تعرف أو لم تستطع التغلب على نقائصها بطريقة منهجية. فهكذا ظلت مشكلة بقايا ما بعد الموحدين ساكنة برمتها في الضمير المسلم. ومع ذلك، فإن الحركة في مجموعها تجتاز منعطفاً جديداً بعد قضاء زعمائها الكبار الذين حملوا رايتها أخيراً، كالشيخ رشيد رضا في الشرق، وبن باديس في إفريقية الشمالية. فلقد رأينا في مصر أن فكرة الإصلاح تتغير، وتتحول في أعماقها إلى حركة جديدة، حين سعت إلى وضع أساس أخلاقي لحياة المسلمين، وسنتناول هذه الحركة بالبحث فيها بعد. أما في إفريقية الشمالية فقد أفسحت المكان شيئاً فشيئاً لقيام مؤسسة عظيمة الأهمية، هي مؤسسة التعليم الحر، الذي يعالج النقص الهائل في التعليم العام علاجاً دائباً، وفي هذه السبيل ظلت الفكرة الإصلاحية متماسكة نوعاً ما، إذ كان بعض المدرسين الشباب مندفعين بغيرة على تراث السلف، وحماسة لبعثه ونشره وتسويده، على حين تناول آخرون الأمر على أنه وظيفة لكسب العيش. ولقد كان لهذا التعليم فضل كبير في الهجوم على ذلك العيب المهلك في عالم ما بعد الموحدين، عيب (الأمية)؛ بيد أنه لما لم يكن هذا الإصلاح قائماً على نظرية في الثقافة، فقد أشاع حرفية مهذبة، يخيل إليه معها أنه قادر على تغيير أوضاع الحياة بتعليم الناس تذوق (أشياء) الحضارة الإسلامية، وبلاغة الأدب العربي. ولقد نتج عن هذا أن الحركة الإصلاحية، لم تستطع تغيير النفس الإسلامية، بل لم تستطع أن تترجم إلى لغة الواقع فكرة (الوظيفة الاجتماعية) للدين، ولكنها- على أية حال- نجحت في إزالة الركود الذي ساد مجتمع ما بعد

стр. 55

الموحدين، حين أقحمت في الضمير الإسلامي فكرة مأساته المزمنة، وإن كان ذلك قد اقتصر على المجال العقلي، فإذا ما أريد للنهضة أن تبرز إلى عالم الوجود، فإن علينا أن نواجه مشكلة الثقافة في أصولها. لقد ذكرنا فيما مضى، أن التطور المعروف باسم (الحضارة الإسلامية)، لم يكن في الواقع سوى محاولة للتوفيق بين واقع الأمر المتخلف عن (صفين) وبين ما جاء به الإسلام، ولقد جهدت مدارس الفقه لتحقيق هذا التوفيق، ووقف الأئمة في وجه الحكم الملكي- غير الإسلامي- المتعصب المستبد، حتى إننا نرى أن الحضارة الإسلامية آنذاك لم تنشأ عن مبادئ الإسلام، بل إن هذه المبادئ هي التي توافقت مع سلطة زمنية قاهرة. فكل محاولة لإعادة بناء حضارة الإسلام يجب أن تقوم أولاً، وقبل كل شيء، على أساس سيادة (الفقه الخالص) على (الواقع السائد) الذي نشأ عن صفين، ولا شك أن هذا يقتضي رجوعاً إلى الإسلام الخالص، أعني تنقية النصوص القرآنية من غواشيها الكلامية والفقهية والفلسفية. أما الحركة الحديثة، فإنها ترمي إلى قيادة العالم الإسلامي في طريق غاية في الاختلاف عن هذه الطريق، فقد حطمت التقاليد التي كانت تخفي جهالة ما بعد الموحدين، ولكنها لجأت أحياناً إلى العنف، وهو ما حدث على يد الحركة الكمالية في تركيا. ***

стр. 56

الحركة الحديثة (أو ليس عجاباً أن أتجه إلى إصلاح الوطن، بينما قد عجزت عن إصلاح فرد في هذا الوطن). ((بلزاك)) ــ رأينا أن أوربا حين اكتشفت العالم الإسلامي لم تؤته روحها، أي إنها لم تؤته حضارتها كلها، وإنما اقتصرت فيما اصطحبت من الأدوات على ما يسهل للمستعمر الحصول على رفاهيته العاجلة. ومع ذلك فلقد جلبت إلى أبناء المستعمرات (مدرسة) تتفق ونظرتها إليهم، وعن هذه المدرسة صدرت الحركة الحديثة في العالم الإسلامي. وتناظر المدرسة في هذا التيار الحديث (المدرسة) الأخرى الناتجة عن تيار الإصلاح، فهذه تنشر بحكم مشربها فكرة إسلامية فتية، بينما تحاول تلك أن تدخل إلى الحياة الإسلامية عناصر ثقافة جديدة. ولئن تمكنت الأولى من قطع الصلة بماضي ما بعد الموحدين، فإن الثانية قد أحدثت اتصالاً معيناً بالفكر الغربي. لقد قال الدكتور (إقبال) حين رأى هذا الواقع الجديد: ((إن أجدر ظاهرة بالملاحظة في التاريخ الحديث هي السرعة الهائلة التي يتحرك بها عالم الإسلام في جانبه الروحي نحو الغرب))، فهل الأمر هو ذلك حقاً .. ؟ لقد كان ينبغي ليكون الحق مع إقبال، أن تكون أوربا قد آتت عالم

стр. 57

الإسلام روحها وحضارتها، أو أن يكون هو قد سعى فعلاً ليكتشفهما في مواطنهما. ومن البين أن عدداً كبيراً من المسلمين، لم يرحل في طلب الغرب (١)، فالحركة الحديثة لا تعدو على هذا مستوى يتخبط فيه مجتمع فقد توازنه التقليدي، إذ هي مكونة في جوهرها من عناصر خالية من المعنى مأخوذة عن المدرسة الاستعمارية، ثم يضاف إلى هذه العناصر، بعض العناصر الأخرى التي التقطتها اتفاقاً الشبيبة الجامعية، التي نشأت في طبقة متوسطة، وأقامت في أوربا إقامة قصيرة لم تهدف خلالها إلى معرفة الحضارة الغربية. إن الأوربي لم يفد إلى الشرق بوصفه ممدّناً، بل بوصفه مستعمراً؛ والشاب المسلم المذكور، لم يذهب إلى أوربا إلا لكي يحصل على لقب جامعي، أو لكي يشبع فضوله السطحي التافه. ومما يلقي ضوءاً على هذا الرأي أن أحد طلبة جامعة الزيتونة قدم طلباً إلى الإدارة الثقافية يلتمس فيه السماح له باستكمال دراسته في فرنسا، بعد أن انتهى من دراسته الإسلامية، فاعترضت الإدارة على طلبه، وكان السبب هو: ((أنه لا حاجة مطلقاً إلى السفر إلى فرنسا لدراسة اللغة الفرنسية)). هذه الملاحظة تبين بجلاء، كيف يتصور المجتمع الإسلامي دور الطالب الذي يسافر إلى أوربا، فالهدف الوحيد أن يدرس لغة أو يتعلم حرفة، لا أن يكتشف ثقافة. فكل ما يهمه هو المنفعة العاجلة؛ لكنا لا ينبغي أن نعزو هذا الاتجاه إلى عدم اكتراث المسلم بحضارة الغرب فحسب، بل إن المدرسة الاستعمارية قد أسهمت في خلق هذا الوضع، إذ لم تكن تهتم بنشر عناصر الثقافة الأوربية، بقدر

стр. 58

ما تحرص على توزيع نفاياتها، التي تحيل (المستعمر) عبدا للاقتصاد الأوربي، فهي لا تسعى إلى اكتشاف ذكاء تلاميذها، أو دفع مواهبهم، وإنما تسعى إلى خلق آلات ذات كفاءة محدودة. وعلى الرغم من هذا كله، فإن المسلم الواعي- رجلاً كان أو تلميذاً أو موظفاً- قد ظل (ذاتاً) مفكرة، وإن كان يعامل على أنه (موضوع) يفكر فيه الاستعمار ويستغله، ومن ثم وجدنا المسلم بوصفه (ذاتاً) يحكم على النظام الأوربي الذي يحيط به أو الذي يستشعر وجوده في مطالعاته المبتورة، فأفكاره عن الحضارة الأوربية تصدر عن ذلك الحكم المبتسر، وعن تلك العلاقة السطحية - الوظيفية أو التجارية- بينه وبينها. ولا شك أن الطفل المسلم، الذي يذهب إلى المدارس الاستعمارية، أخ لذلك الذي يذهب إلى مدارس التعليم الحر، وبذلك يمكن القول إن العادات العقلية والمواريث الاجتماعية، التي كانت تسم حركة الإصلاح، لا بد أن تسم الحركة الحديثة، مضافاً إليها بعض العناصر الجديدة المقتبسة من الكتب، أو المأخوذة عن تجارب الحياة الأوربية، كما تتراءى من الخارج. فمنذ قرون مضت، كان الفكر الإسلامي عاجزاً عن إدراك حقيقة الظواهر، فلم يكن يرى منها سوى قشرتها؛ وأصبح عاجزاً عن فهم القرآن، فاكتفى باستظهاره، حتى إذا انهالت منتجات الحضارة الأوربية على بلاده اكتفى بمعرفة فائدتها إجمالاً، دون أن يفكر في نقدها، وإذا كانت الأشياء قابلة للاستعمال، فإن قيم هذه الأشياء قابلة للمناقشة، ومن ثم وجدنا المسلم لا يكترث بمعرفة كيف تم إبداع هذه الأشياء، بل قنع بمعرفة طرق الحصول عليها، وهكذا كانت المرحلة الأولى من مراحل تجديد العالم الإسلامي، مرحلة تقتني أشكالاً دون أن تُلم بروحها؛ فأدى هذا الوضع إلى تطور في الكم، زاد في كمية الحاجات دون أن

стр. 59

يعمل على زيادة وسائل إشباعها، فانتشر الغرام بكل ما هو (مستحدث) في جميع طبقات المجتمع. ولعلنا لو رجعنا إلى سنوات الرخاء التي تلت الحرب العظمى عام ١٩٢٥م، لرأينا تحت الخيام سيارات فاخرة رابضة يبيض فيها الدجاج ويفرخ، ورأينا صنابير الماء على أحواض من القاشاني في بيوت الطبقة المتوسطة، تزين غرف النوم الحديثة. هذا كله اختلال وفشل، وهو يدل دلالة صريحة على أن المغرمين به إنما أغرموا بذوق الفنادق، أي أنهم أغرموا بالنظر إلى الأوربي في مظهره فحسب، ولقد أسهمت المرأة نفسها في هذه الرفاهة، فبدلاً من أن تعمد إلى تعلم فن حياكة ملابسها، وذوق هذا الفن لتستخدم القماش البسيط في أناقتها، نراها قد اكتفت بشرائها مجهزة مهيأة بيد الأوربية الحاذقة. ولا شك أن هذا النوع من التطور ظاهري، وهو دليل على أن أصحابه قد اكتفوا بأن خلعوا على الشكل القديم لمضمون ما بعد الموحدين شكلاً حديثاً. وكلما زادت الفئة المتخرجة من مدارس الغرب عدداً نمت هذه السطحية في المجتمع الإسلامي. ولقد تخطت هذه الفئة شيئاً فشيئاً مرحلة المدرسة الاستعمارية المحلية، فإذا بطائفة من الشباب المثقف يقضون مدة تمرين في الجامعات الغربية، وبهذا تقترب الحركة الحديثة من كمالها- إن صح التعبير-، فيصبح مضونها الأخلاقي والاجتماعي ذا دلالة ترشد المباحث عن تاريخ هذه الحقبة. فنظرُ الطالب المسلم إلى الحضارة خاضع للقيود النفسية التي صنعت بيئة ما بعد الموحدين، تلك التي تجعل للأمر أحد احتمالين: فهو إما طاهر مقدس، وإما دنس حقير، دون أن تعرف بينهما وسطاً، فهو حين انتقل من دراسة علوم

стр. 60

الدين إلى العلوم الحديثة لم يقف عند (فكرة الثقافة)، وإنما انطلق واضعاً على عينيه غشاوة، تحول بينه وبين تأمل الحضارة إلا من جانبها النظري، أو أشيائها التافهة، تجاوباً مع استعداده الخاص للجد أو للهزل، وبهذا الاستعداد ينتسب - عموماً- إلى كلية ما، في عاصمة من العواصم الأوربية. إن الأحياء اللاتينية واحدة في كل مكان، وهي تعرض دائماً الجانب العلمي الجدلي من الثقافة، كما تعرض الجانب السطحي بمسراته وملاهيه، والطالب لا يمكنه أن يرى فيها تطور الحضارة، وإنما يرى هنالك منها نتيجتها، فهو لا يرى المرأة التي تجمع قبضات العشب لأرانبها، وإنما يرى تلك التي تصبغ أظافرها وشعرها، وتدخن في المقاهي والندوات. وهو لا يرى الصانع والفنان مكبين على عملهما ليحققا فكرة في صفحة المادة، لأنه وقد خضع لتأثير معنى المنفعة لم يعد يلاحظ الطاقات الخفية، الطاقات التي تخلق القيم الأخلاقية والاجتماعية، والتي تجعل الإنسان المتحضر في وضع يمتاز فيه عن الإنسان البدائي، فإن الثقافة تبدأ متى تجاوز الجهد العقلي الذي يبذله الإنسان حدود الحاجة الفردية. ولن يتاح له أيضاً أن يدرك الجانب العام من الحضارة، ذلك الجانب الذي يغذي نشاط الإنسان المتحضر، ويهب عبقريته الدفعة الخالقة، وكم كان حقاً ما قاله بعضهم من أن ((الأفكار الكبيرة إنما تنبع من القلب)). لقد خرج ذلك الطالب من عالم باع آثاره ومخطوطاته للسائحين الأمريكيين، فإذا ما ذهب إلى مجال الحياة الأوربية، فلن يستطيع أن يجد معنى لتعلق الأوربي (بالأشياء القديمة) التي تصل الماضي بالمستقبل، بل لن يلاحظ كيف يتعلم الطفل معنى الحياة، واحترام الحياة، وهو يدلل قطة، أو يغرس زهرة، بل لن يلفت نظره ذلك الفلاح الكادح وهو يقف في نهاية خط محراثه ليحكم على عمله متفاعلاً مع التربة تفاعلاً هو الخميرة التي تصنع منها الحضارات.

стр. 61

بل إنه لن يفيد درساً من بعض الأعمال التي تعد ضرباً من الجنون، كجنون ذلك العبقري (برنارد باليسي) وهو يحرق آخر أمتعته وأرضية حجرته لكي يحصل على طلاء (المينا)، بل إنه لن يرى ذلك الجانب الرهيب في تلك الحضارة التي أدمجت الناس في سلسلة إنتاج، تتولاهم خلالها الآلة فتنهكهم، وتستنزف دماءهم، وتحيلهم (أجهزة من لحم ودم)، بل لن يرى المرأة الأوربية تغادر مسكنها لتكسب بعرقها كسرة الخبز، في جو يهدر كرامتها فيحرمها أنوثتها، كما يحرم الرجل رجولته، ولن يرى أيضاً هذا الجانب المفزع من الحضارة الأوربية، الذي يعد مجتمع ما بعد الموحدين- مهما احتوى من انحطاط- بالقياس إليه ممتازاً في بعض نواحيه، ممتازاً أحياناً على حضارة فقدت معنى الإنسان. وكيف يراه، وعلى عينيه غشاوة من المادية اللاشعورية، والغرام الشديد (بالمنفعة العاجلة)؟ .. فمن الوجهة العامة، نرى أن الطالب المسلم لم يجرب حياة أوربا، بل اكتفى بقراءتها، أي إنه تعلمها دون أن يتذوقها. فإذا أضفنا إلى ذلك أنه ما زال يجهل تاريخ حضارتها، أدركنا أنه لن يستطيع أن يعرف كيف تكونت، وكيف أنها في طريق التحلل والزوال، لما اشتملت عليه من ألوان التناقض، وضروب التعارض مع القوانين الإنسانية، ولأن ثقافتها لم تعد ثقافة حضارة، فقد استحالت بتأثير الاستعمار والعنصرية (ثقافة إمبراطورية). فإذا حدث يوماً أن ساقه فضوله إلى البحث عن شيء من ذلك، فلن يصادف في بحثه غير الواقع؛ أي لن يتصل إلا بأوربا التي تعيش في القرن العشرين عارية عن تقاليدها القديمة، متبرجة براقة أخاذة؛ سيلقى أوربا الحديثة بما حوت من مادية عملية دانت بها الطبقة المتوسطة، ومادية جدلية دانت بها الطبقة العاملة. فالمثقف الذي لم يتعلم فيما تعلمه بالمدرسة الأوربية، معنى (الفاعلية

стр. 62

الواقعية)، التي يتقدم بها المسيحي اليوم على المسلم، هذا المثقف سيقبس من مادية أوربا اتجاهها البورجوازي، أعني أذواقها المادية، أكثر مما سيقبس اتجاهها البروليتاري، أعني منطقها الجدلي. ولما كان لم يتناول في استقرائه لحضارة أوربا، ما يتصل بمنتجاتها من علاقات تكوينية تربطها ببيئتها الطبيعية، فإن استعارته لهذه الأذواق سوف تصرفه عن ملاحظة علاقاتها بالحياة الإسلامية، وهكذا وجدنا هذه الحياة تغص بآلاف الأذواف المستعارة دون أن ندري سبباً لوجودها. هذا الاستعداد في العالم الإسلامي لجمع منتجات مستعارة، يدلنا على ما تتم به الحركة الحديثة من طابع بدائي، إذ ليست الحضارة تكديساً للمنتجات، بل هي بناء وهندسة، فلو أننا قصرنا نظرنا على عناصر الحضارة ومنتجاتها، فلن نرى حتماً بناء المجتمع الغربي؛ لن ندرك ما ترمز إليه تلك الفضائل الدائمة المتجسدة في العامل، والفنان، والعالم، والفلاح البسيط، على حد سواء، بل سننخدع بما تدل عليه أشكالها المؤقتة كالطائرة والمصرف. وليس في بناء العالم الإسلامي شيء يمكن إدراكه بوضوح، فالناس هنا أو هناك يأخذون بناصية ما يبدو لهم أكثر سهولة ويسراً. وليس من المستغرب في هذه الظروف أن تفقد الكلمات معانيها، وأن تفرغ من مضامينها التي تكفل لها قيمتها الاجتماعية، (فالكلام ذو قدسية). ولكن حين ينبئ عن عمل ونشاط، لا عن مجرد رصف للألفاظ، كما يحدث في الخطب الانتخابية؛ فالمجتمع المتحفز إلى النهوض يخلد دائماً إلى ما تقدمه إليه الاتجاهات الحرفية من ثروة لغوية جديدة، ذات أسر وجمال؛ وهنا يبدأ الكلام وكأنما يخون رسالته، إذ أنه بدلاً من أن ينشط جهد المجتمع في سبيل مضاعفته الضرورية لمواجهة أعباء الحاضر، ينحط به إلى درجة لا تكفي إلا لكسب سياسي، أو ضمان مركز سني.

стр. 63

ولكم رأينا أناساً يتصدرون الحياة العامة فيتناولون الأشياء لمجرد التفاصح والتشدق بها، لا لدفعها ناشطة إلى مجال العمل، فكلامهم على هذا ليس إلا ضرباً من الكلام، مجرداً من أية طاقة اجتماعية أو قوة أخلاقية (١) على الرغم من أن هذه القوة هي الفيصل الوحيد في المواقف الفعالة الأخلاقية والمادية. فالمرء عندما يبلغ دور الاكتمال يضغط على نفسه، ويخالف ما درج عليه، محاولاً بذلك تعديل وضعه، وحينئذ يصبح كلامه إرادة وعملاً يدلان على وجود علاقة بين الكلمات والوقائع. فإذا ما انعدمت العلاقة بين الكلام والعمل أصبح الكلام هذراً. ولو لم تقر في أذهاننا صلة الكلام- باعتباره صورة للفكر- بالعمل باعتباره صورته المادية، فلن ندرك- من باب أولى- العلاقة العكسية بين العمل والفكر، وبذلك نفقد تلك الحركة الجدلية التي تنتقل- حين تواجه مناقضاتها- إلى فتوح جديدة في عالم الفكر، لكي تواجه مناقضات أخرى، تؤدي إلى فتوح جديدة ... وهكذا ... فالكلام الذي انطلق خلال الحركة الإصلاحية، وخاصة منذ قضاء زعمائها الكبار، لم يكن قائماً على ضرورة اجتماعية. كما أن الكلام الذي أطلقته الحركة الحديثة، لم يكن يهدف إلى إحداث أثر، بل لم يكن يستتبع دفع الكلمات دفعاً إلى مجال العمل. فالخطأ الذي وقع فيه المحدثون ودعاة الإصلاح، ناتج عن أن كليهما لم يتجه إلى مصدر إلهامه الحق، فالإصلاحيون لم يتجهوا حقيقة إلى أصول الفكر الإسلامي، كما أن المحدثين لم يعمدوا إلى أصول الفكر الغربي.

стр. 64

ومع ذلك، فإن الفصل بين الحركتين ضروري من الناحية النفسية؛ فلقد كان السلفي وحده هو الذي يمثل فكرة النهضة، وهو وإن كان لم يحقق شروطها العملية بصورة منهجية، فإنه على الأقل ألم يضيع هدفها الجوهري؛ لقد كان يعي تماماً أوضاع بيئته، حتى إنه ألح في المطالبة بأن يؤدي كلٌّ واجبه، تاركاً للمحدثين الضرب على نغمة (الحقوق). ولقد توصل من وراء جهده- الذي قد يبدو ساذجاً، وغالباً ما كان كذلك- إلى معرفة بيئته من خلال جهوده الإصلاحية. أما المحدثون فقد انعدمت لديهم فكرة النهضة ذاتها، فأصبحت ثانوية، لأنهم لم يخالطوا حياة بلادهم إلا في الميدان السياسي. وليس من شأننا هنا أن ننفي ما أسهموا به، بل أن نبين طبيعته، ونحدد أهميته، فإن المسألة في نظر المحدثين لم تكن مسألة تجديد العالم الإسلامي وبعثه، وإنما كان انتشاله من فوضاه السياسية الراهنة، وهذه فكرة مستعارة لا ترى في الواقع مشكلة الفرد المسلم، بل ترى مشكلة النظم الأوربية، والشواهد على ذلك كثيرة، وإن كانت أحياناً مؤسية، فقد رأيت ذات يوم في شوارع الجزائر شاباً مكباً على (صندوق قمامة) يلتمس غذاءه، وقد علا رأسه إعلان على الحائط يدعوه إلى المطالبة (بسلطة دستورية). أو ليس هذا دليلاً على أن الموحدين بهذا التناقض المشؤوم لم يقتربوا مطلقاً من رجل الشارع، ولم يتكفلوا مؤونة معرفة ما يتصل بمصيره المحزن، معرفة صحيحة وواقعية وعاجلة؟ فالحركة الحديثة ليس لها في الواقع نظرية محددة، لا في أهدافها ولا في وسائلها، والأمر بعد هذا لا يعدو أن يكون غراماً بالمستحدثات، فسبيلها الوحيد هو أن تجعل من المسلم (زبوناً) مقلداً- دون أصالة- لحضارة غريبة تفتح أبواب متاجرها أكثر من أن تفتح أبواب مدارسها، مخافة أن يتعلم التلاميذ وسائل استخدام مواهبهم في تحقيق مآربهم، ويكفينا لكي ندرك هذا، أن ننظر

стр. 65

إلى تكوين البعثات الدراسية التي ترسلها مصر سنوياً إلى الجامعات الأوربية، وأحدث هذه البعثات، وهي التي أرسلت عام ١٩٤٧م كانت تتكون تقريباً من ستين طالباً، لم يخصص واحد من بينهم للدراسات الفنية (١). من هذا المثال وغيره، نرى أن الحركة الحديثة لم تتجه نحو الآمال ووسائل أدائها، بل اتجهت إلى الأشكال والأذواق والحاجات (٢). وقد يحاول زعماء الحركة الحديثة أن يلصقوا أسباب عطلهم بالاستعمار، ولكن ذلك ليس إلا ضرباً من التعلل، إذ يقصدون بذلك الهرب من مسؤوليتهم الحقيقية. ولقد شاركهم في تعللهم أيضاً دعاة الحركة الإصلاحية؛ أولئك الذين لم يبحثوا مطلقاً عن الأسباب الداخلية لعجزهم، بل اكتفوا بإسناد التبعة إلى السلطة الأجنبية، فالتياران كلاهما لا يهتمان بعلاج نقائصه، بل لقد جهد في سبيل إخفائها عن الشعب (٣).

стр. 66

ومع ذلك فيجب ألا ننسى أن روح المبادرة، وهو المقياس الوحيد لفاعلية الفرد، قد أخذ في الظهور في بعض المجالات الفكرية، وخاصة في الجزائر. فمن الأهمية القصوى بمكان، أن نلاحظ أن بعض الأطباء في قسنطينة قد خصصوا كل أسبوع يوماً اجتماعياً لصالح الشعب الفقير، وهذا دليل على اتجاه جديد. هنا نشعر بأن المثقف قد أخذ يتغلغل في بلده من باب آخر، غير باب الانتخابات. وهكذا يتسنى للجهود الأدبية والسياسية أن تحظى بمغزاها الكامل، أعني بوسائلها لا بغاياتها، وهو يعني أن الجهد السياسي الذي بذلته الحركة الحديثة لم يكن عقيماً. يضاف إلى ذلك، أن هذه الحركة قد نجحت في بلورة الوعي الجماعي الذي كان ينقص البلاد الإسلامية منذ صفين، فقامت في هذه البلاد بدور السهم الذي إن لم يرشد الناس إلى الهدف الجوهري، فإنه قد دلهم، ولا شك، على أهداف عملية صالحة لانتزاع الجماهير المسلمة من نزعات الاستهتار والركود. أما في المجال الفكري: فإذا كانت الحركة الحديثة، لم تأت بعناصر ثقافية جديدة لعدم اتصالها الواقعي بالحضارة الحديثة، ولانفصالها الفعلي عن ماضي ما بعد الموحدين، فإنها قد خلقت بما جلبت من الغرب تياراً من الأفكار، صالحاً للمناقشة، وإليه يرجع الفضل في أنه وضع على بساط البحث جميع المقاييس التقليدية.

стр. 67

الفصل الثالث فوضى العالم الإسلامي الحديث

стр. 68

العوامل الداخلية ((هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم ... )) (سفر التكوين) ــ لقد تناولنا الظواهر حتى الآن من وجهة مجردة هي وجهة التحليل، وسنتناولها الآن من الطرف الآخر، أعني أننا سنتناولها في حياتها وفي حركتها ونشاطها. فالحياة لا تحلل الظواهر وإنما تركبها، فإذا ما كانت العناصر متوافقة قابلة للاندماج صاغت منها الحياة (تركيباً)، أما حين تكون متوزعة متضاربة، فإنها تجعل منها (تلفيقاً)، أي مجرد تكديس، هو والفوضى صنوان. والعالم الإسلامي اليوم خليط من بقايا موروثة عن عصر ما بعد الموحدين، وأجلاب ثقافية حديثة جاء بها تيار الإصلاح، وتيار الحركة الحديثة، وهو خليط لم يصدر- كما رأينا- عن توجيه واع، أو تخطيط علمي، وإنما هو مجموعة من رواسب قديمة لم تصف من طابع القدم، ومستحدثات لم تتم تنقيتها. هذا التلفيق لعناصر من عصور مختلفة، ومن ثقافات متباينة، دون أدنى رباط طبيعي أو منطقي يربط بينها- قد أنتج عالماً رأسه في عام ١٩٤٩ وقدماه في عام ١٣٦٩، وهو يحمل في حشاه ما حملت العصور الوسيطة؛ عالم متضارب منطوٍ على ألوان من التناقض والتنافر التي تجمعت وتراكمت في هيئة فوضى، جعلت أحد كبار المفكرين وهو إقبال، بعد أن كان محافظاً فيها يتصل بمشكلة المرأة، جعلته يستودع قلقه هذا البيت الحزين المتردد في نهاية حياته:

стр. 69

((شد ما يحزنني اضطهاد المرأة، ولكن مشكلتها معقدة، لا أرى لها حلاً)). فإقبال يرى أن حل مشكلة المرأة، لا يمكن أن يكون في وضعها الراهن المؤسي، كما أنه ليس فيما درجت إليه أختها الأوربية، ومع ذلك فإنه لم يقترح لنا حلاً وسطاً بين هذين القطبين، فلم يكن اضطراب فكره إلا صدى لذلك الاضطراب العام الذي يسود التفكير الإسلامي، بعد قرابة نصف قرن من الإصلاح ومحاولة التكيف مع الأسلوب الغربي. فشكل النهضة الإسلامية الراهن هو خليط من الأذواق، ومن المحاولات، ومن التذبذب، ومن مواقف التدين أيضاً. فهي في الواقع قد اختارت الطريق الذي يقضي لها ما تريد من (أشياء) و (حاجات)، دون أن تبحث عن (الأفكار) و (الوسائل). فمضمون التعليم في مدارس الإصلاح هو المضمون نفسه منذ ستة قرون، على الرغم من أن الأستاذ وتلاميذه أصبحوا يجلسونمايت الكراسمب ويحملون القماطر، وكان مسلك السؤولين عن الثقافة العربية غريباً شديد الغرابة، فقد؟ نوا يستهدفونما غايات، دون أن يطلبوا وسائلها ٤ إذ ايعتزموا حتى الآدما العودة إلى نظام العدد العرل! الذي أخذ به الغربما منذ عهد (هربرت). ومع ذلك فليسوا! وحدط! السؤولين عن هذا الوقف التناقض، إذ إن القاسم الشترك بينهم وبين ستة قرون مضت، من الانحطاط، يؤدي بالتيار الحديث وباتجاه الإصلاح معاً إلى ذلك الخليط اللفق من محدثات مستعارة، ورواسب متوارثة. هذه الفوض! الكونة من عناصر! تهفم أو تكثل، تنفجر في صورة تنافر عنيف، يمكننا ملاحظته حين نتأمل مثلاً مظ! هر العباءة والجلباب القديم بجاذب سيارة حديثة، وهذا النشاز يصبح أعجوبة حين نرى رجلاً من الطراز القديم، ذا ممامة كبيرة، يعب من خر معتقة، على منضدة إحدى اطارات.

стр. 70

تلك أمثلة فجة بسيطة لا تعطينا سوى فكرة مبهمة شديدة الإبهام عن الفوضى، ففي كل مجتمع ناشئ متهيئ للنهضة عناصر تقليدية إلى جانب العناصر الحديثة، وهي عموماً مستعارة من مجتمعات سابقة في مضمار الحضارة، فيبذل المجتمع الناشئ في استعارتها جهداً في التحليل والتكييف، يقتضي منه في الواقع جهداً في الإبداع والتركيب. فهضم تلك العناصر وتمثلها يقتضي تمييزاً دقيقاً، وفكراً ناقداً يقظاً، يحدد الشروط التي يجب توافرها في الاستعارات الضرورية؛ أعني شروط توافقها، ونفعها، ولياقتها. لقد وجد المجتمع الإسلامي الأول نفسه مرات كثيرة في مواجهة مشكلات من هذا النوع، فحلها في كل مرة بطريقة واعية موفقة، ولا سيما حين حاول اختيار طريقة الدعوة إلى الصلاة، ومن قبل واجه المجتمع المسيحي هذه (الحاجة)، فاختار صوت الأجراس للنداء للصلاة، فكان من الممكن إذن أن يقبس المجتمع الإسلامي هذه الوسيلة ليحل مشكلته، ولكن النبي ﷺ وصحابته قد اختاروا بعد فكرة وتأمل طريقة أصيلة في النداء هي: الصوت الإنساني، فنشأت حينئذٍ وظيفة المؤذن، وبذلك تحاشوا مشكلة استيراد الأجراس، التي لم تكن تصنع في مكة أو المدينة، بل لم يكن ممكناً صُنعها. فنحن هنا أمام مجتمع جديد يقبس بصورة ما (حاجة) من مجتمع منظم فعلاً، ولكنه يبدع (الوسيلة) التي تشبع حاجته الجديدة. وهناك عادات وتقاليد كثيرة لم يأخذ بها المجتمع الإسلامي الأول، إلا بعد اختبار متعمَّد، واختيار بين وسيلة وأخرى، وبين الطرق والأفكار المختلفة. بذلك يدخل الشيء المستعار بصورة طبيعية إلى الحياة الإسلامية، فيندمج فيها لأنه يحقق غاياتها، ويتفق مع إمكانياتها. ولنأخذ على ذلك مثالاً آخر: فإن المنبر لم يكن سوى تكييف لشكل كرسي

стр. 71

الوعظ المسيحي، لكن هذا التكييف لم ينشأ عن مجرد (حاجة جديدة) أحسَّ بها المجتمع الإسلامي، بل كان ضرورة نفسية، وإمكاناً فنياً متوافراً في ذلك المجتمع. ولقد رأينا (الفارابي) ومدرسته في ميدان العلم والمعرفة ينقلون فلسفة أرسطو المادية إلى الفكر العلمي الإسلامي، ولكن بعد أن طبعوها بطابع إسلامي، كما رأينا من بعدهم (توماس الإكويني) ينزع عن فلسفة أرسطو طابعها الإسلامي كيما يطبقها على المجتمع المسيحي الذي كان يتهيأ بدوره للنشوء والارتقاء. وها هو ذا العالم الإسلامي قد وقف منذ قرن يواجه مشكلة الاقتباس، مدفوعاً بحركة نهضته إلى الأخذ بكل جديد أو مقتبس، على حين تشده إلى الوراء أشكال من التقاليد البالية. وهنا يجدر بنا أن نستخلص عوامل هذا القلق والعجز، كيما نزيدها وضوحاً؛ فبعض هذه العوامل متصل بمسألة الاقتباس من الحضارة الحديثة، فهو يواجهنا بمشكلة من طراز عضوي تاريخي، وبعضها الآخر يتصل بموقف المسلم إزاء مشكلات الحياة الراهنة، فالمشكلة على هذا نفسية منطقية. أما المشكلة الأولى فينبغي أن نذكر بصددها أن الحياة الاجتماعية محكومة بقوانين خاصة بها، شأنها في ذلك شأن الحياة العضوية. ومن حقائق علم الحياة أن عملية نقل الدم تخضع لشروط وقواعد دقيقة تنبغي مراعاتها، مخافة أن يؤدي الأمر إلى زلزلة الجسم المتلقي والفتك به، فليس كل عنصر من عناصر الدم بقابل ليحل محل الآخر، لا بين فصائله من اختلاف عضوي يرجع في الحقيقة إلى اختلاف الأبدان. هذه الحقيقة ذات الطابع الحيوي صادقة فيما يتعلق بالمجال العضوي

стр. 72

التاريخي، فالعناصر الاجتماعية التي تسم الثقافات المختلفة ليست كلها قابلة للتداول. وذلك ما استطعنا أن نلاحظه مثلاً في أمريكا عام ١٩٣٣، عندما فشل (تحريم الخمر)، فإن الأخذ المؤقت بنظام التحريم قد أحدث اضطرابا ًاجتماعياً لا يقل في خطره مما أحدثه الإدمان ذاته من فساد، على حين قد سن القانون لعلاجه. ومع ذلك فلا يمكن القول إن ضمير الأمة الأمريكية، أو طبيعة تكوينها، كان أحدهما أو كلاهما متعارضاً مع (نظام التحريم)، كما لا يمكن القول إن طبيعة الجاهلي كانت أكثر تهيؤاً في هذا الصدد، وإنما يرجع الفضل في نجاح الحظر في البلاد الإسلامية إلى أمر القرآن الذي سلكه في نفسية الجاهلية، وفي عوائدها. وعليه فإن المجتمع الناشئ لا يمكنه تمثل العناصر الاجتماعية الجديدة التي يقتبسها إلا بشروط معينة، فإما حاجة ملحة، وإما أمر علوي. والواقع أن المجتمع الإسلامي منذ نصف قرن لم يقدر هذه الشروط حق قدرها، فقبس من (أشياء) الغرب دون أدنى مقياس أو نقد، يحمله على ذلك أحياناً نوع من الإكراه، وغالباً كثير من النفج وفراغ العقل. وكل ما يسوده من اختلاط وفوضى في الميادين الفكرية والخلقية أو في ميادين السياسة إنما هو نتيجة ذلك الخليط من الأفكار الميتة؛ تلك البقايا غير المصفاة، ومن الأفكار المستعارة؛ تلك التي يتعاظم خطرها كلما انفصلت عن إطارها التاريخي والعقلي في أوربا. ففي المجتمع الأوربي مثلاً يدين الناس بالحكمة القائلة: ((كل إنسان لنفسه، والله للجميع)) تسمع ذلك في أحاديثهم وتلمسه في بعض سلوكهم ولكن التنظيم

стр. 73

الاجتماعي قد درأ خطر هذه الحكمة بقيم أخرى. أما في المجتمع الإسلامي فإن هذا المبدأ يصبح مبيداً حين نحله محل الحكمة القائلة: ((الفرد للمجموع والمجموع للفرد))، وهي المبدأ الاجتماعي الجوهري في الإسلام. وقد يكون المبدأ المبيد مقتبساً عن بعض المصادر العلمية ومن هنا يستمد مهابة ذات تأثير ضار، فهكذا صارت نظرية (دارون)، القائلة إن ((البقاء للأصلح))، حكمة لأخلاقيينا المحدثين، دون أن يخطر ببالهم أن ما يصدق في علم الحيوان قد يكون خاطئاً في ميدان الاجتماع؛ حيث يعني (الأصلح) هنا غالباً (الأعظم بلاء). بل لقد أدى نقل هذا المبدأ في أوربا من متنه العلمي إلى نشأة الفلسفات العنصرية التي قادها (جوبينو) و (روزنبرج) (١). فلقد كان هذا المبدأ سبباً في التنافس والتسابق اللذين ساعدا على النمو المادي في العالم الغربي، بيد أن هذا الاندفاع في النشاط لم يكن سوى فورة عابرة، فسرعان ما أصبح (الأصلح) هو الرجل الشرير الذي لا يتورع عن استخدام أية وسيلة لضمان انتصاره على بعض (المغفلين)، الذين يقيمون وزناً للاعتبارات الخلقية، وبذلك نشأت عصابات خطيرة للصوصية في المجتمع الغربي، وكان العامل الأول في نشأتها اتخاذهم من المبدأ الحيواني مبدأ خلقياً. تلكم هي الأفكار الخطيرة حتى على الحضارة التي خلقتها، والتي تتردد كثيراً في جوانب النهضة الإسلامية، وهكذا تتراكم في مجتمع انطمر ببقايا انحطاطه، بقايا تحلل جديد. ويخيل إلينا أن أحداً لم يفكر حتى الآن في نقد ما قبسه مجتمعنا في نصف

стр. 74

قرن. ومع ذلك فإن تصفية الأفكار الميتة، وتنقية الأفكار الميتة يعدان الأساس الأول لأية نهضة حقة. وهكذا نرى مشكلات رئيسية تواجه المجتمع الإسلامي، ولم يقف هو في مواجهتها، فإن المصادفة تحل فيه محل الأفكار والمحاولات. والجانب الثاني من المسألة التي نتناولها هنا هو العجز عن التفكير وعن العمل، وهو في المجال النفسي يدل على انعدام الرباط المنطقي (الجدلي) بين الفكر ونتيجته المادية، فالفكرة والعمل الذي تقتضيه لا يكشلان كلاً لا يتجزأ، والواقع أننا عندما نحلل اطراد أي نشاط له علاقة ما بالحياة العامة للنهضة نجده مبتوراً من جانب أو آخر: فإما فكرة لا تحقق، وإما عامل لا يتصل بجهد فكري، وليس في قائمة النشاط الاجتماعي ما يصح أن يعد ضئيل القيمة، فلكل حركة في ذلك الاطراد أثرها في تقدم المجتمع. وكما يتجلى هذا النقص في الإطار العام، أعني في النشاط الاجتماعي، يتجلى أيضاً في الإطار الخاص، أعني في النشاط الفردي، فالفكرة الإصلاحية مثلاً تستهدف إصلاح الفرد، ولكنا لا نشم مطلقاً رائحة مصلح تتطلب معه الأمور أن يوجد ناطق بفكرة الإصلاح، أي حيث يوجد موضوع الإصلاح نفسه: في المقاهي، وفي الأسواق، وفي كل مكان تنكشف فيه العيوب الاجتماعية التي يدعو إلى إصلاحها. وكل ما يقوم به المصلحون، هو أن يكتفوا بتلقين بعض الأطفال دروساً طبقاً لمناهج لا تدعو لشيء من الإصلاح، أو بتوجيه بعض العظات من المنابر، إلى جمهور لم يدرسوه في بيئته وجَوِّهِ الذي ألفه، بل هو الذي سعى ليحيط بالمنبر: فإذا بالطفل وقد أصبح متعلماً بقدر، وإذا بالفتى وهو يجيد الاستماع والمجاملة.

стр. 75

فمنهاج المدرسة الإصلاحية، لم يختلف في جوهره عن منهاج المدرسة التقليدية (القديمة)، وليست كلمة (إصلاح) سوى طابع ألصق على أوجه نشاط منقطعة الصلة بالفكرة النظرية، وإن كانت في الحق نافعة. على أن هذا الانفصال بين الفكر والعمل، ليس هو السبب الوحيد في جمود التفكير الإسلامي، فهو يعود أيضاً إلى الاختلاط بين جوهر الظواهر وأشكالها؛ حدث هذا الاختلاط في بداية الحركة الفكرية في المجتمع الإسلامي الحديث: فلم يكن العلم الذي قبسته من جامعات الغرب وسيلة (للإسعاد)، بل كان طريقاً إلى (المظهرية)؛ لم يكن ذلك العلم (استبطاناً) لحاجة مجتمع يريد معرفة نفسه ليحدث تغييرها، بل لم يكن (استظهاراً) لبيئة نبحث عنها لنغيرها، فهو قانع منطوٍ على ذاته، حبيس في صوره وأشكاله المألوفة، وأقرب دليل على انعدام فاعلية هذا العلم الإسلامي، هو أننا لم نرَ فينا حتى الآن وجهاً من تلك الوجوه الخالدة، يبرز في تاريخ المعرفة الإنسانية في القرن الحالي. ومع ذلك فإن هذا العجز الذي طبع الحركة الفكرية قد نشأ عن سبب عضوي، أخطأ (جب) في تعريفه حين أسرف في تعميم ملاحظاته الدقيقة، فعدّ العجز صبغة (فطرية) اصطبغ بها وحده عقل متجه نحو تحصيل (العلوم). فلو أننا ذهبنا إلى أن كل علم يتجه إلى الكشف عن (المجهول) يقتضي نوعاً من (التوتر الفكري)، فلن يكون هذا العجز سوى عارض خاص بعقل ما بعد الموحدين، ولم تستطع الحركة الحديثة أو حركة الإصلاح تعديل الاستعداد العقلي في هذه الناحية تعديلاً جوهرياً. فالذكاء يتبع دائماً حال النفس، فإذا ما فقدت النفس صفاءها فقد الذكاء عمقه، ولقد رأينا أن حركة الإصلاح لم تؤت النفس المسلمة (هزة القلب)، كيما ترتفع بها فوق ركود ما بعد الموحدين، والحق أنها قد طبعت فيها حركة،
следующие страницы →