[مقدمة المحقق]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الواحد الأحد، والصلاة والسلام على النبي الخاتم، وعلى آله وصحبه والتابعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
أما بعد:
أَلْهَمَنِي الله وإياك الرشد واليقين، ورزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، ونفعني وإياك بهذا الكتاب النصيح الذي هذَّب بهِ القاضي المهلبُ بن أبِي صفرة التميمي الأندلسي صحيحَ الإمام أبِي عبد الله البخاري رحمهما الله تعالى.
فإنَّ هذا الكتاب النصيح مبني على تهذيب روايتين مشهورتين لصحيح البخاري، هما رواية الأصيلي ورواية القابسي، وإن كانت رواية القابسي فرع عن رواية الأصيلي، لاجتماع الشيخين على الأخذ عن أبِي زيد المروزي في مكة المكرمة - شرفها الله - أولًا، ولاعتماد القابسي على أبِي محمد الأصيلي في ضبط النسخة عن أبِي زيد ثانيًا، وعن هذين العالمين الكبيرين والإمامين المحدثين - وعن غيرهما - تلقى القاضي المحدث العالم المهلب بن أبِي صفرة صحيح البخاري، ضبطه
стр. 3
وسمعه ودرسه على شيخه وأبي زوجته أبِي محمد الأصيلي، ثم أخذه عن أبِي الحسن القابسي, ثم رحل وسمعه في المشرق على أبِي ذر الهروي بروايته عن شيوخه الثلاثة المشاهير.
وليس المقصود من تهذيب واختصار هذا الكتاب ما يتبادر إلى الذهن من حذف للأسانيد، واقتصار على بعض الألفاظ دون بعض، بل هو تهذيب على نحو مبتكر مبني على جمع الطرق في مكان واحد، محافظا فيه على أسانيد الحديث المختلفة، حاشدا ألفاظه ورواياته الكثيرة، كما سنذكره عند الكلام على منهج المصنف فيه.
ولآل أبِي صفرة عناية بصحيح البخاري فائقة، واهتمام به بالغ، والمهلب هو الذي قيل فيه: أَحْيَا كِتَابَ البخاري في بلاد الأندلس.
وللمهلب بن أبِي صفرة على الصحيح كتابان:
الأول: هذا المختصر النصيح، الذي أقدمه لك، نبه مؤلفه عن أهميته بقوله في أوله: «كتابي هذا: يحتاج إليه طبقات العلم الثلاث؛ أعني المسندين، والمتفقهين، والمتحفظين».
هذب فيه صحيح البخاري على نحوٍ حسن بديع، من غير إخلال بمتونه وأسانيده، ولا تطويل بتكريره وتقطيعه، فقرب بذلك الاستفادة منه، وسهل التعامل معه، ولو شئت لقلت إن المفاضلة التي وقعت بين البخاري ومسلم وقيل فيها إن مسلما فاق البخاري بحسن الصناعة وجودة الصياغة من حيث إنه يجمع الروايات في مكان واحد، ويحشد الطرق في أول ورودها، ولا يقطع الحديث، ولا يكرره ونحو ذلك مما تقدم به مسلم على البخاري عند بعضهم، قد أتى به المهلب
стр. 4
في هذا النصيح على الوجه، مع المحافظة على ما امتاز به البخاري من دقائق الاستنباطات، ولطائف التراجم والتبويبات، وفوائد التصديرات، فجمع في هذا النصيح محاسن المناهج التي هي في الصحيحين مفرقة، كما سأبينه لاحقًا عند الحديث عن منهج المؤلف في هذا الكتاب.
وقد تكلم في هذا النصيح على المشكل، وشرح فقه أحاديثه, وعلل وجرح وصحح وضعف، وذلك كله محرر بقلم فقيه محدث اجتمعت فيه العلوم، واكتملت فيه الأهلية.
الثاني: شرح صحيح البخاري، فإن المهلب ﵀ لما عمل النصيح وعد بشرحه، وسأل الله تيسير ذلك له، ثم إنه وفى بما وعد، ويسر الله له ما أراد، فعمل شرحا على البخاري، اعتنى فيه ببيان مناسبة الأحاديث للتراجم، وجمع الفوائد الحديثية والفقهية، مع التنكيت على البخاري، وتتبعه في بعض ما أورده في المتابعات، والتنبيه على ما وقع في ألفاظه من زوائد للرواة، إلا أن الكتاب لم يصلنا كاملًا، ولكن تلميذه ابن بطال قد ضمنه شرحه الكبير، المشهور بين الناس بشرح ابن بطال، فمن اطلع على كلام المهلب فيه علم قيمة شرحه، وجودة فهمه، وحسن استنباطه، ويكفيك في معرفة ذلك كله مطالعة هذا المختصر وتعاليقه وتعقباته، فإنك ستستدل بتعاليقه اليسيرة على أفضلية شرحه الكبير, ولم لا يكون كذلك والمهلب ممن فرغ عمره لصحيح البخاري، ووقف وقته عليه، وقطع حياته فيه، فأقرأه ودرسه ورواه دهرًا طويلًا.
قال أَبُوالأصبغ القاضي: كان أَبُوالقاسم من كبار أصحاب الأصيلي، وبأبي القاسم حَيَا كتابُ البخاريِّ بالأندلس، لأنه قُرئ عليه تفقهًا، أيام حياته، وشرحه
стр. 5
واختصره، وله في البخاري، اختصار مشهور، سماه: كتاب النصيح في اختصار الصحيح، وعلق عليه تعليقًا في شرحه مفيد أهـ.
مع أنَّ الأصيلي والقابسي سبقاه لاختصار الصحيح، لكن ذلك لم يشع عنهما.
وكذلك أخوه الإمام أَبُوعبد الله محمد بن أبِي صفرة له شرح مشهور على مختصر القابسي لم يتصل بنا في هذا العصر، ينقل منه المهلب وغيره، وفي هذا الكتاب وغيره.
وقد ظهر لي أن الحافظ ابن حجر لم يطلع مباشرة على روايتي الأصيلي والقابسي، مع أن في الفتح عبارات قد توهم اطلاعه على الروايتين (١)، ولا على كتابي المهلب النصيح والشرح، وإنما ينقل الروايتين بواسطة بعض الشراح كابن التين وابن بطال وغيرهم، واعتماده على ابن بطال أكثر، وينقل عن المهلب بواسطة ابن بطال غالبا، ولم أجد عنده نقلا عن المهلب ليس في ابن بطال، ويحتاج الأمر إلى استقراء أكثر، وهو ما لم أفعله في هذه الجزئية، وقد نقل الحافظ عن الأصيلي والمهلب مصحفا عندما صحف ابن بطال في النقل عنهما، واعتمده الحافظ ثقةً به، كما سأذكره في موضعه، وذلك مما زادني بهذا النصيح احتفاء.
وشيء آخر ظهر لي بالتتبع والاستقراء، وهو أن ذاك الجزم القاطع الذي يطلقه الحافظ أحيانًا - وغيره - عن نسخ البخاري، - فيقولون مثلًا: في نسخة فلان كذا وقد تفردت به عن سائر النسخ -, قد لا يجوز هذا القطع في أحيان
стр. 6
كثيرة، إذ أنه قد ظهر لي خلافه، ولا نشك أن الحافظ جمع من النسخ وحشد من الروايات الشيء الكثير، واحتفى برواية أبِي ذر والنَّسفيِّ ونسخة الصاغاني، إلا أنه فاته من ذلك روايات، نبه على بعضها المزي في أطرافه، فينقلها الحافظ مستغربًا لها، لَمَّا لم يعرفها، وعلى كُلٍ مَنْ قارن نسختنا بما يذكره الحافظ من هذه الأحكام يظهر له هذا الذي أقوله، وقد كنتُ هممتُ أنْ أُنَبه على ذلك في مواضعه، إلا أنني رغبت عنه لَمَّا رأيتُ أن ذلك يطول الكتاب ويكثر الحواشي، فاكتفيت بالتنبيه، والحر تكفيه الإشارة.
والسبب في ذلك: أن أصحاب الروايات لهم نسخ مشهورة تختلف فيما بينها، لأمور قد ترجع إلى السامع أو إلى المسمع أو إلى النسخة المنقول عنها، وعن هؤلاء - أعني أصحاب النسخ - فروع كثيرة كتبها أصحابهم وهي تختلف أيضًا كما اختلفت نسخ شيوخهم، وللأسباب نفسها، فتجد نسخا كثيرة منسوبة لأبي ذر مثلًا بينها ائتلاف واختلاف، والنظر في مجموع نسخ موثوقة يصحح لك روايةً ما.
وهذه مقدمة مختصرة بين يدي الكتاب أتناول فيها ترجمة المصنف ابن أبِي صفرة، وترجمة شيخيه صاحبي الرواية، وأعرج على روايات صحيح البخاري، ثم أبين منهج المهلب في هذا الكتاب النصيح وأعرف به.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أنْ يتقبل مني هذا العمل، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، عدةً صالحة لي يوم ألقاه، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وأن يجعله في ميزان حسناتي، وحسنات مؤلفه، وقارئه، وناشره، والناظر فيه إلى يوم الدين، آمين.
стр. 7
(التراجم)
روى المهلبُ صحيحَ البخاري عن شيخين عن أبِي زيد المروزي، استفتح بذكر الإسناد قبل الشروع بتهذيب الصحيح, فقال:
«وها أنا حين أبتدئ بتهذيب الكتاب الجامع الصحيح, الذي:
حدثنا به سماعًا الفقيه الحافظ أَبُومحمد عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن جعفر الأصيلي، ﵁ وأرضاه واللفظ له، ولم ألق مثله.
وحدثنا به أيضا الشيخ الفقيه الفاضل أَبُوالحسن محمد بن خلف القابسي ﵀، وأكرم مثواه، إجازةً.
قالا: حدثنا أَبُوزيدٍ محمد بن أحمد المروزي, قال: نا محمد بن يوسف الفربري قال: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري ﵁».
وروى المهلب الصحيح أيضًا من طريق شيخه أبِي ذر، فقال في كتاب المناقب، باب مناقب الزبير:
نا أَبُوذر، نا أَبُوالهيثم، نا الفربري، نا البخاري، ثم ساق حديثا ظننتُ أنه ليس في رواية أبِي زيد، ولأجل ذلك احتاج أن يرويه من طريق أبِي ذر.
واستدرك سقطًا في رواية أبِي زيد من رواية أبِي ذر.
فقال في المغازي، باب معناه ذكر من قتل من المشركين يوم بدر:
سَقَطَ هَاهُنَا مِنْ كِتَابِ أبِي زَيْدٍ ﵀ وَرَقَتَانِ فَانْقَطَعَ حَدِيثُ الزُّبَيْرِ.
قال الْمُهَلَّبُ: وَنَا بِهِ أَبُوذَرٍّ بِمَكَّةَ نَا أَبُوالْهَيْثَمِ وَغَيْرُهُ حَدَّثَنَا الْفِرَبْرِيُّ نَا الْبُخَارِيُّ.
стр. 8
الإمام المهلب بن أبِي صفرة (١)
لم تصلنا أخبار هذا الإمام كما ينبغي، مع شهرته وإمامته وتصدره للتدريس والقضاء، والمصادر التي ترجمته فيها تكرار كثير، وقد لخصت هذه الترجمة وهذبتها من المصادر التي ذكرتها في الحاشية.
اسمه وكنيته:
هو أَبُوالقاسم المهلب بن أحمد بن أَسيد، وهو أَبُوصُفْرَة، بن عبد الله الأسدي التميمي الأندلسي.
من أهل الْمَرِّيَّة، وهي مدينة كبيرة من كورة ألبيرة من أعمال الأندلس، كانت هي وبُجَّانة بابي الشرق، منها يركب التجار وفيها تحل مراكبهم (٢).
يشاركه في الاسم والشهرة:
فارس الأزد، ورجل الدولة الأموية، الأمير المظفر: المهلب بن أبِي صفرة الأزدي، من طبقة التابعين، صاحب الوقائع والحروب، وكاسر الخوارج، وفي أخباره وأخبار أبنائه النابهين كتب على حيالها، وقليل العلم يتوهم أنه صاحب الشرح الذي ينقل منه ابن حجر!.
стр. 9
طلبه للعلم:
صحب أَبُوالقاسم المهلب بن أبِي صفرة أبا محمدٍ الأصيلي، وسمع عليه جملة من كتب العلم، ثم صاهره على ابنته، وأخذ عنه صحيح البخاري وموطأ مالك وسنن النسائي، وأشياء أخرى.
ثم رحل أَبُوالقاسم إلى المشرق في طلب العلم، كما رحل شيخه الأصيلي من قبل، فسمع بالقيروان، ومصر، ومكة، والمشرق، من جماعة من الحفاظ، منهم: أَبُوالحسن القابسي القيرواني (١)، وأبو ذر الهروي، وروى عنهما الصحيح وغيره، ويحيى بن محمد الطحان، وأبو الحسن علي بن محمد القزويني، وأبو الحسن علي بن فهرٍ، وعبد الوهاب بن الحسن بن منير الخشاب، وأخوه عبد الله، وأبو بكر بن يزيد الأنطاكي، ومحمد بن عباس، وأبو جعفر بن مسمار، وأبو عبد الله بن يسار، وأبو بكر بن إبراهيم البغدادي، المعروف بابن الحداد، وأبو إسحاق المصري، وأبو عبد الله بن صالح المصري، ومحمد بن شاكر، وروى عن أبِي الحسن الطائي العابد كتبه.
وقد سمع المهلب أيضا من أخيه أبِي عبد الله محمد, وسمع أَبُوعبد الله منه، واستفاد المهلب من شرح أخيه على ملخص أبِي الحسن القابسي لصحيح البخاري، وقد شحن كتابه هذا بالنقولات عن أخيه أبِي عبد الله صاحب الشرح.
وأخوه محمد هذا توفي في القيروان.
стр. 10
ثم عاد المهلب إلى الأندلس، فولي القضاء بمالقة، وتفرغ لصحيح البخاري تحديثًا وتدريسًا وشرحًا، حتى تلقفه الناس عنه، واشتهر الكتاب بسببه في تلك الديار، واشتهر هو بهذا الكتاب، فلا يذكر المهلب إلا ويذكر معه البخاري.
الرواة عنه:
حدث عن أبِي القاسم جماعة من أهل العلم في الأندلس, منهم:
أحمد بن رشيق التغلبي، وأحمد بن مروان بن قيصر الأموي, وإبراهيم بن خلف الغساني، وطاهر بن هشام الأزدي، وعيسى بن محمد الرعيني، ومحمد بن أحمد بن حسان البياسي، والقاضي ابن المرابط، راوي هذا الكتاب عنه، وأبو عمر بن الحذاء، وأبو العباس الدلائي، وحاتم الطرابلسي، وابو عبد الله بن عابد.
ثناء العلماء على المهلب:
رزق المهلب فطانة وفصاحة، وذكاء وفهمًا، وصفه بذلك كبار أصحابه، وَمَنْ ترجمه من العلماء.
فقال تلميذه أَبُوعمر بن الحذاء: كان أذهن من لقيت، وأفهمهم وأفصحهم.
وقال أَبُوالأصبغ بن سهل القاضي: كان أَبُوالقاسم من كبار أصحاب الأصيلي، وبأبي القاسم حَيَا كتاب البخاري بالأندلس، لأنه قرئ عليه تفقهًا، أيام حياته، وشرحه واختصره، وله في البخاري، اختصار مشهور، سماه: كتاب النصيح في اختصار الصحيح، وعلق عليه تعليقًا في شرحه مفيد.
قال عياض: من أهل العلم الراسخين فيه، المتفننين في الفقه والحديث والعبارة والنظر ..
стр. 11
قال الذهبي: وكان من أهل الذكاء المفرط، والاعتناء التام بالعلوم.
وكذا قال ابن العماد.
وقال الذهبي: كان أحد الأئمة الفصحاء الموصوفين بالذكاء.
وقال ابن بشكوال: وكان من أهل العلم والمعرفة والذكاء والفهم، من أهل التفنن في العلوم والعناية الكاملة بها، وله كتابٌ في شرح البخاري أخذه الناس عنه واستقضي بالمرية.
مؤلفاته:
لأبي القاسم على الصحيح كتابان كما ذكرت ذلك أول المقدمة, هذا المختصر النصيح، وشرح صحيح البخاري.
وقد اختصر شرح المهلب على صحيح البخاري القاضي محمد بن خلف بن المرابط الأندلسي الصدفي (ت٤٨٥) وزاد عليه فوائد.
ولأبي القاسم أيضًا معجم شيوخه، سننقل عنه لاحقًا نصًا في ترجمة شيخه الأصيلي.
فتلك ثلاثة كتب للمهلب، وقد يكون له كتب أخرى لم يصلنا خبرها، فالله أعلم.
وفاته:
اختلف في وفاة المهلب، فقيل إنه توفي سنة ستٍّ وثلاثين وأربع مائة (٤٣٦).
стр. 12
وقال: أَبُوبكر بن رزق: توفي المهلب يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال وقت الظهر، ودفن يوم الثلاثاء بعد العصر سنة خمسٍ وثلاثين وأربع مائة (٤٣٥).
وقيل سنة ثلاث وثلاثين (٤٣٣)، وقيل غير ذلك، وقول ابن رزق أصح, والله أعلم.
قال العماد: توفي في سن الشيخوخة.
стр. 13
راويا النسخة الأصيلي والقابسي
١ - أَبُومحمد الأصيلي (١):
هو عبد الله بن إبراهيم بن محمد، أصله من كورة شذونة، ورحل به أبوه إلى أصيلة من بلاد المغرب، فسكنها ونشأ أَبُومحمد بها, ثم ارتحل إلى قرطبة فتفقه بشيخيها اللؤلؤي وأبي إبراهيم.
وقيل: بل ولد بأصيلة, سنة ٣٢٤هـ.
قال الفرضي: سمعتَهُ يقول: قدمْتُ قرطُبة سنة اثنتين وأرْبَعين (٣٤٢هـ، أي وله قريب من ١٨ سنة)، فسمعتُ بها: من أحمد بن مُطَرّفٍ، وأحمد بن سَعيد، ومحمد بن مُعاوية القرشي، وأبي بكر اللؤْلؤيّ، وأبي إبراهِيم، ورحلتُ إلى وادِي الحِجارة إلى وهْب بن مَسَرّة فسمعت منهُ وأقَمْت عنده سبْعة أشْهر.
قال ابن عائدٍ تلميذُ الأصيلي: تفقه أَبُومحمد بقرطبة منذ صباه بشيخيها: اللؤلؤي وأبي ابراهيم، وسمع ابنَ حزم، وابن المشاط، والقاضي ابن السليم، وابن الأحمق، وأبان بن عيسى بن دينار الأصغر ونظرائهم.
وأخذ عن وهب بن مسرة بوادي الحجارة، وعن ابن فحلون ببجانة أهـ.
стр. 14
ثم ارتحل أَبُومحمد إلى المشرق, فسمعه الفرضيُّ يقول: كانَت رحْلَتي إلى المَشْرِق: في المحرَم سنة إحدى وخَمْسين وثلاثِ مائةٍ (١/ ٣٥١ هـ، وله نحو ٢٧سنة).
فدخل مصر, ولقي فيها القاضي أبا الطاهر البغدادي، وابن رشيق، وحمزة الكناني الحافظ، وأبا إسحاق ابن شعبان، ومحمد بن عبد الله بن زكريا النيسابوري، وغيرهم.
وكان معه في الرحلة أَبُوالحسن القابسي، وأبو موسى عيسى بن سعادة (١).
ففي أول لقاء جمع هؤلاء النفر مع حمزة الكناني جرت لهم قصة، ذكرها ابن بشكوال في ترجمة عمر بن عبيد الله بن زاهر:
قال أَبُوالحسن القابسي: قال لنا حمزة بن محمد الكناني حين دخلت عليه أنا وأبو موسى عيسى بن سعادة وأبو محمد الأصيلي، ووافقناه نازلًا في الدرج، درج مسجد يقال إنه مسجد ابن لهيعة في حضرموت، فقال: من هؤلاء؟ فقيل له: قوم مغاربة، فوقف فسلمنا عليه، ثم رجع فنظر في وجوهنا وقال: ما أرى إلا خيرًا، حدثونا عن محمد بن كثير، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن قيس الملائي، عن عطية العوفي، عن أبِي سعيد الخدري، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إحذروا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله»، وتلا ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾
стр. 15
قال الفرضي عنه: ودَخَلتُ بَغدادَ وصاحبُ الدّولة بها أحمد بن بُويه الأقْطَع.
قلت: فحج في رحلته تلك قبل أن يدخل بغداد، فلقي بمكة سنة ثلاث وخمسين (٣٥٣هـ) الراوية أبا زيد المروزي، فسمع منه صحيح البخاري، ولقي بمكة أبا بكر الآجري، ثم سافر إلى المدينة فلقي قاضيها أبا مروان المالكي، ثم سار إلى العراق فلقي بها أبا بكر الأبهري، رئيس المالكية، فأخذ عن الأبهري، وأخذ عنه الأبهري أيضًا، وحدث عن الدارقطني، وحدث عنه الدارقطني أيضا.
وبقي في الرحلة في المشرق قريبا من ثلاثة عشر (١٣) عامًا.
وهناك قال الدارقطني: حدثني أَبُومحمد الأصيلي ولم أر مثله.
ثم سمع ببغداد عرضته الثانية في صحيح البخاري من أبِي زيد المروزي، سنة ٥٩ وحضر العرضة الثانية أَبُوبكر الأبهري، وابن مجاهد البصري المتكلم (١).
وسمع صحيح البخاري أيضًا من أبِي أحمد محمد بن محمد بن يوسف الجرجاني، وهما شيخاه في صحيح البخاري وعليهما يعتمد فيه، وأكثر اعتماده على أبِي زيد، إذ في الجرجاني ما فيه (٢).
شيوخه:
قد روى الأصيلي عن جماعة من علماء المغرب والمشرق, فمن شيوخه الذين روى عنهم:
стр. 16
عبد الوارث بن سفيان بن جُبرون بن سليمان يعرف بالحبيب، أسند عنه الأصيلي في غير موضع من كتاب الدلائل، وأبو مروان عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن أحمد بن عبد الرحمن المديني، وعبد الله بن أحمد بن ابراهيم بن إسحاق المعروف بالإبياني، أخذ عنه أول الرحلة، وأبو بكر محمد بن عبد الله بن صالح الفقيه الأبهري، وهو صاحبه في السماع الثاني.
وكانت للأصيلي حظوة عند أبِي زيد المروزي, وكان أَبُوزيد يدنيه، فكان الأصيلي يضبط النسخ عنه، ويقيد السماعات، فممن ضبط اسمه في مجلس السماع على أبِي زيد المروزي وشوهد سماعه بخط الأصيلي في كتابه من صحيح البخاري: أَبُوبكر الأبهري، وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن مجاهد الطائي المتكلم، والأبهري الصغير محمد بن عبد الله، وأحمد بن محمد بن زيد القزويني.
فضلا عن رفيقه في الرحلة أبِي الحسن القابسي الضرير، وسماع القابسي مع الأصيلي هو السماع الأول بمكة شرفها الله سنة ٣٥٣.
ثم انصرف أَبُومحمد بعد طول رحلة إلى الأندلس وكان الحكم قد سمع به وهو بالمشرق مدة طويلة، فأقبل الأصيلي الى الأندلس، فلما وصل المرية مات الحكم، فانعكس أمل الأصيلي وبقي حائرًا هائمًا.
ثم نهض إلى قرطبة ونشر بها علمه، فسار ذكره، وشرق به فقهاء البلد، فبقي مدة مضاعًا، حتى همّ بالانصراف إلى المشرق، إلى أنْ عرفه ابن أبِي عامر فنوه به، وأمر بإجراء الرزق عليه، وكان انصرافه إلى الأندلس: سنة ست وستين (٣٦٦هـ).
стр. 17
فأقام بقرطبة وابن أبِي عامر على غاية التعظيم له، فانتهت إليه الرئاسة بالأندلس في المالكية، وأقبل الناس على الأخذ منه.
وولي قضاء سرقسطة، وقام بالشورى بقرطبة، حتى كان نظير ابن أبِي زيد بالقيروان.
وروى عنه أمم لا يحصون، فممن روى عنه:
أحمد بن عبد الرحمن بن غالب بن حزم، وأحمد بن ثابت بن أبِي الجهم الواسطي، وكان يتولى القراءة على الأصيلي، وأحمد بن محمد بن ملاس الفزاري، وإسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي، قاضي إشبيلية، وأصبغ بن سعيد بن أصبغ، وكان صهرًا للأصيلي، وجهور بن محمد بن جهور رئيس قرطبة المشهور، والحسن بن بكر القيسي، وحيون بن خطاب بن محمد، وخلف بن عثمان الأندلسي بن اللجام، وسراج بن سراج بن محمد بن سراج، وابن عمه سراج بن عبد الله بن محمد بن سراجٍ، وسيد بن أحمد بن محمد الغافقي ثم الشاطبي، وداود بن خالد الخولاني، وعبد الله بن أحمد بن قند اللغوي، وعبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي، وعبد الله بن سعيد بن عبد الله الأموي، وعبد الله بن محمد بن سعيد الأموي، المعروف بالبشكلاري، وأبو محمد عبد الله بن محمد بن قيد، المعروف بالطليطلي، وعبد الله بن غالب بن تمام بن محمد الهمداني, وعبيد الله بن أحمد بن عبيد الله بن معمر القرشي التيمي، وعبد الرحمن بن أحمد الكتامي المالكي، وعبد الرحمن بن محمد بن عيسى بن فطين بن أصبغ، وعبد الرحمن بن أحمد بن سعيد بن محمد بن بشر بن غوية، وعبد الرحمن بن مسلمة بن عبد الملك بن الوليد القرشي المالقي، والحاكم أَبُوشاكر عبد الواحد بن محمد بن موهب القبري، وقد
стр. 18
روى ابن عبد البر الحافظ عنه عن الأصيلي، وعثمان بن خلف بن مفرج الأنصاري، وعمران بن عبد ربه بن غزلون المعافري، ومحمد بن عطاء الله النحوي، ومحمد بن أحمد بن يحيى المعروف بابن الفصال، ومحمد بن أصبغ البلوي، ومحمد بن يحيى التميمي، ومحمد بن عبد الله بن ربيع بن بنوش التميمي، ومحمد بن سعيد بن إسحاق بن يوسف الأموي, ومحمد بن جماهر بن محمد بن جماهر الحجري، ومحمد بن عبد الله بن أحمد البكري، ومحمد بن عبد الله بن سعيد بن عابد المعافري، وكان آخر من بقي بقرطبة ممن يحمل عن الشيخ أبِي محمد الأصيلي ويروي عنه، ومحمد بن موسى بن فتح الأنصاري، ومحمد بن أبِي صفرة أخو المهلب، وموسى بن عيسى بن أبِي حاج، ومحمد بن يحيى التميمي المالكي، ومروان بن علي الأسدي القطان، ومفرج بن محمد بن الليث، وسمع منه صحيح البخاري سنة ثمانٍ وثمانين وثلاث مائة، وهشام بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن أكدر، والمهلب بن أبِي صفرة صاحب هذا الكتاب، وهشام بن محمد بن هشام، وهارون بن سعيد المرسي، ويحيى بن عبد الله بن محمد القرشي، ويحيى بن يحيى بن عبد السلام، ويوسف بن حمود بن خلف بن أبِي مسلم الصدفي، وآخرون.
قال الفرضي: وكانَ حرِج الصّدر، ضَيِّق الخُلْق، وكان عالِمًا بالكَلام والنّظر، مَنسُوبًا إلى مَعرِفة الحديث.
وقد كتب عنه الفقيه ابن أبِي زيد عن شيوخه الأندلسيين، ثم حصل ما أوجب القطيعة بينهما، بسبب حرج الصدر وضيق الخلق، فحُكيَ أنه ناظر ابن أبِي زيد يومًا في مسألة، فتغير مزاجه، وضاق صدره، فقال له ابن أبِي زيد: قال خلاف قولك فلان، فقال: لو قالها فلان ما صدقته، أو لكان خطأ، أو نحو هذا من
стр. 19
الكلام مما أسرف فيه، وغلا بفرط حرجه، فانتدب له البرادعي وتولاه ووجد للمقال سبيلًا، وأنكر عليه كل من حضر، ولكن تولى ذلك البرادعي، بفرط حرج منه هو أيضًا، فخرج الأصيلي، فكان ذلك سبب مقاطعته مجلس ابن أبِي زيد.
فيقال إن ابن أبِي زيد قال للبرادعي: لقد حرمتنا فوائد الشيخ بإسرافك في الرد عليه.
وكانت بين الأصيلي وبين ابن زرب القاضي وأصحابه مشاحنة، أثارتها النفاسة، وعلو كعب الأصيلي في العلم، وإزراؤه عليهم، فأراد ابن أبِي عامر صلاح حالهم بتفريقهم، فقلد الأصيلي قضاء سرقسطة، فدارت بين الأصيلي وواليها بين يدي ابن أبِي عامر منافسة، ومحارجة لأشياء أنكرها عليه الأصيلي، فاستعفى من القضاء فعوفي، وقيل بل حلف الوالي أن لا يلي معه.
فصرفه ابن أبِي عامر عن القضاء صرفًا جميلًا، فأقام رأسًا في أهل الشورى بقرطبة، ولاسيما بعد وفاة ابن زرب، فإنه استكملت رئاسته، حتى كان بالأندلس نظير ابن أبِي زيد بالقيروان وعلى هديه، إلا أنه كان فيه ضجر شديد، يخرجه أوقات القيظ إلى غير صفته، ذكر بعضهم أنه هنأه بالشورى حين تقلدها، فقال: لعن الله الشورى إنْ لم أرفعها، ولعنني إنْ رفعتني، ونحو هذا!
وكان مقبلًا على إفادة تلاميذه والاستفادة منهم.
جاء في الصلة لابن بشكوال في ترجمة أبِي عبد الله محمد بن أصبغ البلوي: أنه رحل إلى المشرق مع أبِي عبد الله بن عابد، وهما تلميذان للأصيلي، فسمعا هناك من أبِي بكر بن إسماعيل وغيره.
стр. 20
قال ابن عابد: ولما قدمنا معًا بمسند شعبة، تصنيف أبِي بشر الدولابي الذي سمعناه بمصر من أبِي بكر بن إسماعيل أخذه أَبُومحمد الأصيلي فاستغربه، وعظم قدر علو سنده، فقرأه عليه محمد بن أصبغ, وكان تلميذه، وسمعه منه الأصيلي ﵀.
ثناء العلماء عليه:
قال أَبُوإسحاق الشيرازي: وممن انتهى إليه هذا الأمر من المالكية بالأندلس أَبُومحمد الأصيلي، وانتهت إليه الرئاسة.
قال ابن عفيف: رحل وتفقه فاحتوى على علم عظيم، وقدم الأندلس ولا نظير له فيها في الفهم والنبل.
وقال غيره: كان من جلة العلماء نسيج وحده، رحل الى الأمصار ولقي الرجال وتفنن في الرأي ونقد الحديث وعلله وألف كتبًا نافعة.
قال فيه المهلب بعد أن ذكر مشيخته: فأجلّهم علمًا وفقهًا، وأثبتهم نقلًا، وأصحهم ضبطًا، وأرفعهم حالًا، وأعدلهم قولًا، أَبُومحمد الأصيلي.
وقال ابن حيان: كان أَبُومحمد في حفظ الحديث، ومعرفة الرجال، والإتقان للنقل، والبصر بالنقد، والحفظ للأصول، والحذق برأي أهل المدينة، والقيام بمذهب المالكية، والجدل فيه على أصول البغداديين، فردًا لا نظير له في زمانه.
قال الذهبي: الإمام شيخ المالكية عالم الأندلس.
ولما ورد أَبُويحيى ابن الأشج من أهل المشرق، وكان قد روى كتاب البخاري، سئل إسماعه، فقال: لا يراني الله أحدث به والأصيلي حي أبدًا.
стр. 21
قال أَبُوالوليد: لما دخلت القيروان أتيت أبا محمد ابن أبِي زيد فقال لي: ما حاجتك؟ قلت: الأخذ عنك، فقال لي: ألم يقدم عليك الأصيلي؟ قلت: بلى، قال لي: تركت والله العلم وراءك، فكيف حاله مع أهل بلده؟ فأخبرته بظلمهم له، قال: جهلوا ما أتى به، وأتيت القابسي فجرى لي معه مثل ذلك، وقال لي مثل قوله.
وأحضره ابن أبِي عامر في جملة الفقهاء، فاستشارهم في أرض موقوفة على بعض كنائس أهل الذمة، أراد شراءها، فمنعه جماعة الفقهاء منها، غير الأصيلي وحده فإنه أفتاه بجوازه، واحتج لذلك.
وكان يأخذ بالأثر ويترك المذهب المالكي في مسائله الضعيفة، وكان يخطئ القول بنبوة مريم أم عيسى ﵉، ويقول: هي صدّيقة، ويرد القول بإتيان النساء في إعجازهن كراهة من غير تحريم، على أن الآثار في ذلك شديدة، وقد روي في بعضها التحريم ولعنة فاعله، وكان ينكر الغلو في كرامات الأولياء، ويثبت منها ما صح سنده أو كان بدعاء الصالحين.
قال المهلب: وكان يعمل بالمزارعة على الثلث والربع، ويرى ذلك ولا يقول بمنعها في المذهب، ويقول هي ألين مسائلنا وأضعفها، وحجته حديث معاملة النبي ﷺ أهل خيبر، وأن النبي ﷺ عاملهم في أن يزرعوها ويعملوها ولهم شطر ما يخرج منها، وما حكي عن عمر وجماعة أهل المدينة.
قلت: وبذا قال المهلب في هذا الكتاب في ذلك الباب.
وللأصيلي كتاب الدلائل في الاختلاف مشهور، ونوادر الحديث خمسة أجزاء، والانتصار، ورسالة المواعد المنتجزة، ورسالة الرد على من استحل عن
стр. 22
رسول الله ﷺ ، ورسالة الرد على ما شذ فيه الأندلسيون، وغير ذلك.
وفاته:
تُوفّي لَيْلَة الخَميس لإحدى عَشْرة ليلة بَقيت من ذي الحجّة سنة اثنتين وتِسْعِين وثلاثِ مائةٍ.
ودُفِنَ يوم الخَميس بعد صَلاة العصرِ بِمَقْبَرة الرّصافة، وصلّى عليه القاضي أحمد بن عبد الله وهوَ ابن ثمانٍ وستين سنة.
وكان جَمْعُهُ مشهودًا، وأوصى أن يكفن في خمسة أثواب، وكان آخر ما سمع منه حين احتضر: اللهم إنك قد وعدت الجزاء على المصيبة ولا مصيبة علي أعظم من نفسي فأحسن جزائي فيها يا أرحم الراحمين، ثم خفت.
وكان أراد ابنه أن يدفنه ليلًا ولا يعلم بجنازته، فرده عن ذلك صهره المهلب بن أبِي صفرة، وأوصى أن يدفن في خمسة أثواب.
وكان قد أعد قبره لنفسه، يقف عليه ويتعظ به، وكان كثيرًا ما يتخوف من سنة أربعمائة، وما يجري فيها من الفتن، فذكر يومًا شأنها في مجلسه، ودعا الله تعالى أن يتوفاه قبلها، وابنه محمدًا، وسأل من حضر التأمين.
وكره ابنه محمد ذلك, ففعل من حضر ذلك، وأجيب دعاؤه، فتوفي عما قريب, وتوفي ابنه بعده بأعوام، ثم كانت سنة أربعمائة، فكان فيها من الفتن، وخراب الأندلس ما كان.
стр. 23
٢ - أَبُوالحسن القابسي (١):
هو أَبُوالحسن علي بن محمد بن خلف المعافري.
من أهل القيروان البلد المعروف في تونس، ولد فيها سنة أربع وعشرين وثلاثمائة (٣٢٤هـ)، وكان ضريرًا.
قال الداني: مولده في رجب لست ليال مضين منه سنة أربع وعشرين وثلاثماية (٦/ ٧/٣٢٤هـ).
يعرف بالقابسي، قيل إنها نسبة إلى مدينة اسمها قابس بإفريقية, بين الإسكندرية والقيروان، كَأنَّ أصلهم منها، وقيل: إنما قيل له القابسي لأنَّ عمه كان يشد عمامته شدة قابسية، فاشتهر لذلك بالقابسي، وهذا من غرائب النسب.
قال الداني: ولم يكن أَبُوالحسن قابسيًّا، وإنما كان له عَمٌّ يشد عمامته مثل القابسيين فسمي بذلك، وهو قيرواني الأصل أهـ، وهذا أصح في النسبة، فالداني من خاصته.
سمع أَبُوالحسن أول ما سمع من رجال إفريقية كأبي العباس الإبياني، وأبي الحسن علي بن محمد بن مسرور, ودراس بن إسماعيل الفاسي وغيرهم.
ثم ارتحل عام ثلاثمائة واثنين وخمسين (٣٥٢هـ وله من العمر٢٨ سنة) قاصدًا الحج, فسمع بمصر ومكة من جماعة من الكبار, كـ: حمزة بن محمد الكناني، وأبي الحسن التلباني، وابن أبِي الشريف، وأبي الحسن ابن حبونه النيسابوري، وأبي
стр. 24
الحسن بن أبِي هلال، وأبي الحسن بن شعبان الطحان، وأبي الحسن بن هاشم، وأبي الطاهر محمد بن عبد الغني، وأبي الحسن الأسيوطي، وأبي بكر أحمد بن عبد الله بن عبد المؤمن، وأبي أحمد بن المفسر، وأبي الفتح بن يرمين، وأبي إسحاق عبد الحميد بن أحمد بن عيسى.
ولم يدخل العراق, فكتب إليه من بغداد أَبُوبكر ابن خلاد.
وبمكة سمع من أبِي زيد صحيح البخاري، ضبط له النسخة والسماع رفيقه أَبُومحمد الأصيلي بخط يده رحمهم الله تعالى، وذلك عام ٣٥٣ كما ذكرت آنفا في ترجمة الأصيلي.
وبمصر عرض على أبِي الفتح بن بدهن المقرئ القرآن، فهو إسناده في القراءة.
قال الداني: وأقرأ القرآن بالقيروان دهرًا، ثم قطع القراءة لما بلغه أن بعض أصحابه استقرأه الوالي فقرأ عليه، ودرس الحديث والفقه إلى أن رأس فيهما، وبرع إلى أن صار إمام عصره وفاضل دهره أهـ.
وقد مكث أَبُوالحسن في الرحلة خمس سنين، ثم عاد إلى القيروان سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، (٣٥٧ وله من العمر ٣٣ سنة).
وكان أَبُوالحسن ﵀ واسع الرواية عالمًا بالحديث وعلله ورجاله، فقيهًا أصوليًا متكلمًا مؤلفًا مجيدًا، وكان من الصالحين المتقين الزاهدين الخائفين.
وكان أهل العلم يعظمونه.
وذكر ابن سعدون: أن أبا الحسن لما جلس للناس وعزم عليه في الفتوى تأبّى وسدّ بابه دون الناس، فقال لهم أَبُوالقاسم ابن شبلون: اكسروا عليه بابه لأنه قد وجب عليه فرض الفتيا، هو أعلم من بقي بالقيروان، فلما رأى ذلك خرج إليهم ينشد:
стр. 25
لعمر أبيك ما نُسب المعلى ... الى كرم وفي الدنيا كريم
ولكن البلاد إذا اقشعرّت ... وصوّح نبتُها رُعِي الهشيم
قال حاتم الطرابلسي صاحبه: كان أَبُوالحسن فقيهًا عالمًا محدثًا ورعًا متقللًا من الدنيا، لم أرَ أحدًا ممن يشار إليه بالقيروان بعلم إلا وقد جاء اسمه عنده وأخذ عنه، يعترف الجميع بحقه ولا ينكر فضله.
وقال محمد بن عمار الهوزني: متأخر في زمانه متقدم في شأنه العلم والعمل والرواية والدراية، من ذوي الاجتهاد في العباد والزهاد مجاب الدعوة، له مناقب يضيق عنها الكتاب، عالمًا بالأصول والفروع والحديث وغير ذلك من الرقائق.
وذكره أَبُوعبد الله ابن أبِي صفرة فقال: كان فقيه الصدر.
قال أَبُوالحسن: لما رحلت الى الإبياني أنا وأبو محمد الأصيلي، وعيسى بن سعادة الفاسي كنا نسمع عليه، فإذا كان بعد العصر ذاكرنا في المشكل، فتذاكرنا يومًا وطال الذكر فخصني بأن قال لي: يا أبا الحسن، لتضربن إليك آباط الإبل من أقصى المغرب، فقلت له: ببركتك إن شاء الله، ولما نرجوه من النفع بك إن شاء الله.
ثم جرى لي منه ذلك يومًا آخر، ثم ذاكرني يومًا ثالثًا فهمني له، فقال مثل ذلك، فقلت له ببركتك إن شاء الله فقال: والله لتضربن إليك آباط الإبل من أقصى المغرب.
стр. 26
الرواة عنه:
روى عن أبِي الحسن جماعة من العلماء, منهم الحافظ الكبير أَبُوعمرو الداني شيخ الإسلام في علوم القراءات والحديث، وأبو عمران الفاسي، وأبو القاسم البيري، وأبو بكر عتيق السوسي، وأبو القاسم ابن الحساري، وابن سمحان، وابن أبِي طالب العابد، وأبو عمرو ابن العتاب، وابن محرز، وابن سفيان، وأبو محمد اللوبي، وأبو حفص العطار، وأبو عبد الله الخواص، وأبو عبد الله المالكي، ومكي القيسي، وابن الأجدابي.
ومن الأندلسيين سوى من ذكرنا المهلب ابن أبِي صفرة، وأخوه أَبُوعبد الله، وحاتم بن محمد الطرابلسي، وأبو عمرو الداني الحافظ المذكور آنفا أشهرهم.
مؤلفاته:
لأبي الحسن تواليف عديدة، أشهرها: ملخص الموطأ، وله من الكتب: المهذب في الفقه، وأحكام الديانة، وكتاب المنقذ من شبه التأويل، وكتابه المنبه للفطن من غوائل الفتن، والرسالة المعظمة لأحوال المتقين، وأحكام المتعلمين والمعلمين، وكتاب الاعتقادات، وكتاب مناسك الحج، وكتاب الذكر والدعاء، ورسالة كشف المقالة في التوبة، وغير ذلك.
ولأبي الحسن أحوال وكرامات مشهورة, ذكر له القاضي عياض بعضها, وكان مجاب الدعوة, يعرف بذلك.
قال أَبُوعمرو المقرئ: توفي أَبُوالحسن بالقيروان سنة ثلاث وأربعماية، ودفن بباب تونس، وقد بلغ الثمانين أو نحوها بيسير.
قال الذهبي: توفي في ربيع الآخر سنة ٤٠٣.
стр. 27
أبو زيد المروزي راوي الصحيح عن الفربري (١):
هو الشيخ الامام المفتى القدوة الزاهد، شيخ الشافعية، أَبُوزيد محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد المروزي، راوي صحيح البخاري عن الفربري.
وسمع أيضا من أحمد بن محمد المنكدري، وأبي العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي، وعمر بن علك، ومحمد بن عبد الله السعدي، وطائفة.
وأكثر الترحال، وروى الصحيح في أماكن.
سُمِعَ أَبُوزيد يقول: ولدت سنة إحدى وثلاث مئة (٣٠١هـ)
وسئل أَبُوزيد: متى لقيتَ الفربري؟ فقال: سنة ثماني عشرة وثلاثمائة (٣١٨هـ وله من العمر ١٧ سنة).
حدث عنه بالصحيح وغيره أمم، منهم: الحاكم، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو الحسن الدارقطني وهو من طبقته، وعبد الوهاب الميداني، والهيثم بن أحمد الدمشقي الصباغ، وأبو الحسن بن السمسار، وأبو بكر البرقاني، ومحمد بن أحمد المحاملي، والاصيلي والقابسي, وغيرهم.
قال الحاكم: كان أحد أئمة المسلمين، ومن أحفظ الناس للمذهب، وأحسنهم نظرًا، وأزهدهم في الدنيا، سمعت أبا بكر البزاز يقول: عادلت الفقيه أبا زيد من نيسابور إلى مكة، فما أعلم أنَّ الملائكة كتبت عليه خطيئة.
стр. 28
وقال الخطيب: حدث أَبُوزيد ببغداد، ثم جاور بمكة، وحدث هناك بالصحيح, وهو أجل من رواه.
قلت: جاور بمكة سبعة أعوام.
وأبو زيد صاحب الرؤية المشهورة:
سُمع أَبُوزيد يقول: كنت نائما بين الركن والمقام، فرأيت النبي ﷺ فقال: يا أبا زيد إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي؟ فقلت: يا رسول الله وما كتابك؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل، يعني البخاري.
وكان فقيرًا يقاسي البرد ويتكتم ويقنع باليسير.
أقبلت عليه الدنيا في آخر أيامه، فسقطت أسنانه، فكان لا يتمكن من المضغ، فقال: لا بارك الله في نعمة أقبلت حيث لا ناب ولا نصاب، وعمل في ذلك أبياتًا.
توفي بمرو في رجب سنة إحدى وسبعين وثلاث مئة (٣٧١ وله من العمر سبعون سنة).
стр. 29
(رُواة صحيح البخاري)
قصد الناس الإمامَ البُخاريَ لسماع الصحيح منه من كل حدب وصوب، وكان البخاري يحدث به أينما حل، فروى الفقيه إبراهيم بن أحمد البلخي قال: سمعت أحمد بن عبد الله الصفار البلخي يقول: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملى يروي عن محمد بن يوسف الفربري أنه كان يقول: سمع كتاب الصحيح لمحمد بن إسماعيل تسعون ألف رجل فما بقي أحد يرويه عنه غيري (١).
ومع أن هذه الرواية حكاية حال من الفربري، وفيها ما فيها، إلا أن البخاري كان ولا شك وجهة الناس، وقصد الراحلين من أجل السماع, فقد كان صحيحه بلغت شهرته الأفاق، وتنافس العامة والخاصة في سماعه.
وفي رواة صحيح البخاري كتب وبحوث، وسأشير في هذا المبحث إلى أشهر الروايات عنه، التي لها ذكر وإسناد في كتب الروايات.
ويتعلق بالرواة عن البخاري مسألة مهمة:
ألا وهي: متى سُمِعَ الكتاب على البخاري، ومتى كان السماع الأخير عليه؟ وهل حدث بالكتاب بعد الفتنة التي تعرض لها، والتعصب الذي أوذي بسببه؟.
وسنبحث هذه المسألة عند ذكر رواية الفربري، لأن هذه المسألة أكثر مماسة لرواية الفربري من غيره، إذ أن على الفربري مدار الأسانيد، وعلى روايته اعتماد العلماء قديما وحديثًا.
стр. 30
روايات صحيح البخاري
١ - رواية حماد بن شاكر أبِي محمد الوراق النسفي (ت ٣١١ه ـ):
قال الحافظ أَبُوالعباس جعفر المستغفري في تاريخ نَسَف: روى عن محمد بن إسماعيل الجامع، ثقة مأمون، رحل إلى الشام وروى عن جماعة من الشاميين والغرباء، وروى عن أبِي عيسى الترمذي، وعيسى بن أحمد العسقلاني، مات سنة إحدى عشرة وثلاثمائة (١).
قلت: الرواة عن حماد أربعة:
* أحمد بن محمد بن رميح بن وكيع, أَبُوسعيد النسفي (ت ٣٥٧ه ـ):
له ترجمة مطولة في تاريخ بغداد وتاريخ دمشق، وهو ثقة مشهور، وهو شيخ أبِي عبد الله الحاكم, روى الحاكم من طريق صحيح البخاري، وعن الحاكم رواه البيهقي.
قال الحاكم: قدم نيسابور في سنة خمسن وثلاثمائة، فعقدت له مجلس الإملاء، في مسجد يحيى بن صبيح، وقرأت عليه صحيح البخاري أهـ (٢)، ثم أثنى عليه ثناء طيبًا.
стр. 31
وفي السنن الكبرى للبيهقي سبعة عشر حديثًا من رواية حماد بن شاكر, إلا انه لما كان كتابه كالمستخرج على الصحيحين؛ فإنه يخرج أحاديثه من طرق أخرى يلتقي بها مع الشيخين في شيوخ شيوخهما أو في شيوخهما (١).
وينقل الحافظ في الفتح هذه الرواية من مصنفات البيهقي، ومن كتب الأطراف التي اطلع عليها، فإنَّ خلف الواسطي قد اعتمد في أطرافه رواية حماد بن شاكر.
* أحمد بن مُحتاج بن روح بن صديق بن بشير النسفي الصيرفي (ت ٣٧٥ه ـ):
وهو سبط حماد بن شاكر، ابن ابنته، روى عن جده صحيح البخاري وجامع الترمذي.
رواهما عنه الإدريسي، وقال: حدثنا بهما عن جده حماد من أصول جيدة، وسماعه عنهما صحيح أهـ (٢).
* بَكر بن محمد بن جعفر بن راهب بن إسماعيل، أَبُوعمرو المؤذن (ت٣٨٠):
سمع الحافظ المستغفري عليه الصحيح بروايته عن حماد سنة ٣٧٠.
стр. 32
* أَبُوأحمد قاضي بخارا:
لم أهتد لمعرفته، إلا أنه أحد رجلين روى عنهما المستغفري صحيح البخاري، فقال: حدثني عن حماد بكر بن محمد بن جعفر بالجامع من أوله إلى آخره، وأبو أحمد قاضي بخارى أهـ.
стр. 33
٢ - رواية أبِي طلحة منصور بن محمد بن علي بن قرينة:
ويقال: مزينة، بن سوية البزدوي النسفي (ت ٣٢٩هـ) , ويصححون قول من قال: مزينة، كالمستغفري وابن ماكولا وغيرهما.
وهو آخر من حدث بصحيح البخاري عن صاحبه (١)، وروايته فرع عن رواية حماد بن شاكر.
قال أَبُوالعباس المستغفري: يضعفون روايته من جهة صغره حين سمع، ويقولون: وجد سماعة بخط جعفر بن محمد مولى أمير المؤمنين دهقان توبن، فقرؤوا كل الكتاب من أصل حماد بن شاكر.
وسمع منه: أهل بلده، وصارت إليه الرحلة في أيامه.
ثم قال المستغفري: حدثنا عنه أحمد بن عبد العزيز المقرئ، ومحمد بن علي بن الحسين أهـ (٢).
وقال المستغفري أيضا في ترجمة منصور بن عبد الله بن خالد الحافظ, المعروف بأبي علي الذهلي الخالدي: روى عن منصور بن محمد البزدوي, يعني صاحب البخاري، ثم قال: مات في المحرم سنة اثنتين وأربعمائة، وقيل توفي سنة إحدى وأربعمائة أهـ (٣).
لعله أشار بذلك إلى روايته عنه الجامع الصحيح فالله أعلم.
стр. 34
ف الرواة إذًا عن البزدوي هم:
* أحمد بن عبد العزيز المقرئ .
* ومحمد بن علي بن الحسين ، وهذان روى عنهما المستغفري.
* ومنصور بن محمد البزدوي ، كما أشار المستغفري، والله أعلم.
فالبزدوي آخر من روى الجامع عن البخاري وفاة.
وقد بقي بعده ممن روى عن البخاري أشياء غير الجامع الصحيح القاضي الحسين بن إسماعيل المحاملي البغدادي المتوفي سنة ٣٣٠هـ، وقد خرج من طريقه الخطيب في تاريخ بغداد حديثًا عن البخاري في ترجمة البخاري.
قال السيد صدق حسن خان: لم يكن عند المحاملي الجامع الصحيح وإنما سمع منه مجالس أملاها ببغداد في آخر قدمة قدمها البخاري، قد غلط من روى الصحيح من طريق المحاملي المذكور غلطًا فاحشًا أهـ (١).
стр. 35
٣ - رواية إبراهيم بن معقل النسفي (ت ٢٩٥ه ـ):
قال الحافظ: ومن رواة الجامع أيضا ممن اتصلت لنا روايته بالإجازة إبراهيم بن معقل النسفي، وفاته منه قطعة من آخره رواها بالإجازة أهـ.
وقد ذكر في الفتح ما يفيد أنه اطلع على هذه النسخة وذلك في شرح حديث جابر: إذا كان يوم عيد خالف الطريق، قال الحافظ: ثُمَّ رَاجَعْت رِوَايَة النَّسَفِيِّ فَلَمْ يَذْكُر قَوْله: وَحَدِيث جَابِر أَصَحّ ... أهـ.
ولم يتفق لابن معقل أن يسمع الجامع كله من البخاري، فسمع أكثره وبقي له في آخره ورقات أجازه البخاري بروايتها عنه، كما قال الحافظ.
لكن ما اشتهر عند بعض الناس من أن روايته أنقص الروايات, ومن أنها تنقص عن الفربري نحو ثلاثمائة حديث غير صحيح.
قال العلامة أَبُوعلي الغساني: روينا عن أبِي الفضل صالح بن محمد عن شاذان الأصبهاني عن إبراهيم بن معقل: أن البخاري أجاز له آخر الديوان, من أول كتاب الأحكام إلى آخر ما رواه النسفي من الجامع, لأن في رواية أبِي إبراهيم النسفي نقصان أوراق من آخر الديوان عن رواية الفربري، قد أعلمتُ على الموضع في كتابي، وذلك في باب قوله تعالى (يريدون أن يبدلوا كلام الله) روى النسفي من هذا الباب تسعة أحاديث آخرها بعض حديث عائشة في الإفك, ذكر منه البخاري كلمات استشهد بها، وهو التاسع من أحاديث الباب، وروى الفربري زائدا عليه من أول حديث قتيبة عن مغيرة .. إلى آخر ما رواة الفربري عن البخاري، وهو تسع أوراق من كتابي (١).
стр. 36
وقال ابن خير: حدثني بها الشيخ أَبُوبكر محمد بن احمد بن طاهر القيسي، قال: نا أَبُوعلي حسين بن محمد بن احمد الغساني، قال: حدثني بها القاضي حكم بن محمد بن حكم الجذامي إجازة، قال: نا أَبُوالفضل احمد بن أبِي عمران الهروي بمكة سنة (٣٨٢)، سمعت بعضه وأجاز لي سائره، قال: نا أَبُوصالح خلف بن محمد بن إسماعيل الخيام البخاري، نا إبراهيم بن معقل ابن الحجاج النسفي، قال: نا البخاري.
قال ابن خير: وروينا عن أبِي الفضل صالح بن محمد بن شاذان الأصبهاني، عن أبِي إسحاق إبراهيم بن معقل النسفي، أن البخاري أجاز له آخر الديوان، لأن في رواية محمد بن يوسف الفربري زيادة على الموضع من كتابي نحوًا من تسع أوراق من نسختي، وقد أعلمت على الموضع من كتابي.
قلت: فالأوراق التسعة أدرجها النسفي في روايته إجازة، وعلى فرض أنه لم يروها فلا يمكن أن تحتوي الأوراق التسعة على ثلاثمائة حديث!
وقد اتصلت رواية النسفي من طريق واحد، وهو:
* أَبُوالفضل خلف بن محمد بن إسماعيل الخيام البخاري:
ومن طريق الخيام روى العلامة الخطابي صحيح البخاري، وقال: وقد سمعنا معظم هذا الكتاب من رواية إبراهيم بن معقل النسفي, حدثناه خَلفُ بن محمد الخيام, قال: حدثنا إبراهيم بن معقل, عنه. وقال: سمعنا سائر الكتاب إلا احاديث من آخره من طريق: محمد بن يوسف الفربري, حدثنيه محمد بن خالد بن
стр. 37
الحسن, قال: حدثنا الفربري، عنه، قال: ونحن نبين مواضع اختلاف الرواية في تلك الأحاديث إذا انتهينا إليها أهـ (١).
стр. 38
٤ - رواية حاشد:
ذكره الحافظ في الفتح في كتاب الطب، في باب هل يستخرج السحر، قال: ثُمَّ وَقَفْت عَلَى صِفَة النُّشْرَة فِي (كِتَاب الطِّبّ النَّبَوِيّ) لِجَعْفَرٍ الْمُسْتَغْفِرِيّ قَالَ: وَجَدْت فِي خَطّ نَصُوح بْن وَاصِل عَلَى ظَهْر جُزْء مِنْ (تَفْسِير قُتَيْبَة بْن أَحْمَد الْبُخَارِيّ) قَالَ: قَالَ قَتَادَة لِسَعِيدِ بْن الْمُسَيِّب: رَجُل بِهِ طِبّ أُخِذَ عَنْ اِمْرَأَته أَيَحِلُّ لَهُ أَنْ يُنَشَّر؟ قَالَ لَا بَأْس, وَإِنَّمَا يُرِيد بِهِ الْإِصْلَاح, فَأَمَّا مَا يَنْفَع فَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ.
قَالَ نَصُوح: فَسَأَلَنِي حَمَّاد بْن شَاكِر: مَا الْحَلّ وَمَا النُّشْرَة؟ فَلَمْ أَعْرِفهُمَا, فَقَالَ: هُوَ الرَّجُل إِذَا لَمْ يَقْدِر عَلَى مُجَامَعَة أَهْله وَأَطَاقَ مَا سِوَاهَا فَإِنَّ الْمُبْتَلَى بِذَلِكَ يَأْخُذ حُزْمَة قُضْبَان وَفَأْسًا ذَا قِطَارَيْنِ وَيَضَعهُ فِي وَسَط تِلْكَ الْحُزْمَة ثُمَّ يُؤَجِّج نَارًا فِي تِلْكَ الْحُزْمَة حَتَّى إِذَا مَا حَمِيَ الْفَأْس اِسْتَخْرَجَهُ مِنْ النَّار وَبَالَ عَلَى حَرّه فَإِنَّهُ يَبْرَأ بِإِذْنِ الله تَعَالَى, وَأَمَّا النُّشْرَة فَإِنَّهُ يَجْمَع أَيَّام الرَّبِيع مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ وَرْد الْمُفَارَة وَوَرْد الْبَسَاتِين ثُمَّ يُلْقِيهَا فِي إِنَاء نَظِيف وَيَجْعَل فِيهِمَا مَاء عَذْبًا ثُمَّ يَغْلِي ذَلِكَ الْوَرْد فِي الْمَاء غَلْيًا يَسِيرًا ثُمَّ يُمْهِل حَتَّى إِذَا فَتَرَ الْمَاء أَفَاضَهُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَبْرَأ بِإِذْنِ الله تَعَالَى: قَالَ حَاشِد: تَعَلَّمْت هَاتَيْنِ الْفَائِدَتَيْنِ بِالشَّامِ.
قُلْت -أي ابن حجر-: وَحَاشِد هَذَا مِنْ رُوَاة الصَّحِيح عَنْ الْبُخَارِيّ أهـ.
قلت: هو حاشد بن إسماعيل بن عيسى، وهو من أقران البخاري وزملائه في الرحلة، ويقال له: الغزال، وكان يسكن الشاش.
روى عنه الفربري وابو جعفر الوراق وغيرهما.
قال أَبُوجعفر المسندي: حفاظ بخارى ثلاثة محمد بن إسماعيل، وحاشد بن إسماعيل، ويحيى بن سهيل.
стр. 39
روى حاشد أخبارًا وقصصًا عن البخاري كثيرة، رواها الوراق في سيرة البخاري.
مات حاشد في سنة إحدى أو اثنتين وستين ومائتين.
وفي الطبقة نفسها حاشد بن عبد الله البخاري، من أصحاب الحديث ببخارى، قال الذهبي: معدود في طبقة صاحب الصحيح.
قال أَبُوأحمد الحاكم: فيه نظر أهـ، ولم يعرفه صاحب اللسان، وقد نقل عنه أَبُوجعفر الوراق شيئا يسيرًا في ترجمة البخاري أيضًا.
ولم أر أحدا من المتقدمين نص على أنَّ حاشد بن إسماعيل روى الصحيح عن البخاري إلا الحافظ، ولأجل ذلك ذكرته.
ولم أذكر أبا جعفر وراق البخاري مع أن له زيادات سيأتي ذكرها، لأنه لم ينص أحد على أنه روى الصحيح، بل كان يورق للبخاري فحسب، وقصدنا برواة الصحيح: الذين سمعوه ورووه، وليس كل من سمعه ولم يروه، فهؤلاء لا يحصيهم إلا الله، والله أعلم.
ولسبب آخر: أني اطلعت على نص في هامش القطعة الموجودة من رواية أبِي زيد المروزي يفيد أن هذه الزيادات ربما كانت في أصل الفربري مقيدة في الهامش، أي أنها ليست سوى فوائد نقلها الفربري عند مواضعها وليست من أصل الرواية، وأدخلها المتأخرون في صلب الكتاب، فقد كان رواق البخاري يخرج الكتاب لمن أراده ثم يقرؤونه على البخاري, فربما وجد الفربري بعض الفوائد فينقلها ولا يقرؤها على البخاري لأنها ليست من الكتاب.
стр. 40
ونص العبارة كما جاءت في هامش النسخة المخطوطة مايلي:
قت: قال محمد بن يوسف الفربري: وجدت في كتاب أبِي جعفر: قال أَبُوعبد الله: الزبير بن عدي كوفي، والزبير بن عربي بصري أهـ.
فقول الفربري: أنه وجده في كتاب أبِي جعفر يدل على أن هذه الزيادات إنما هي فوائد نقلها الفربري من كتاب أبِي جعفر أو سمعها منه عن البخاري أو غيره، ولم تكن أصلا في الرواية، والله أعلم.