← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 37886

كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (206 стр.). Показаны 176–206 · переход к 181.

стр. 176

أقرب، وقيل: إنما كَرِهَها منهم لتشاغُلِهم بها [عن] الأذان، وقوله: ((مَيْسِرُ الأعاجِم)) (١) لا يدلُّ على التحريم على أنَّه مرسل، وقوله: ((صاحِبُ الشِّطرَنجِ أكذَبُ الناس)) (٢) لا يدلُّ على التحريم؛ لأنه كذبٌ صوري لا حقيقي، أو المراد أنَّه ينبغي التنزُّه عنه لأنَّه قد يُؤدِّي إلى الكذب، وقول ابن عمر: ((إنَّه شرٌّ من النَّرْدِ)) (٣) لا يدلُّ على صريح التحريم؛ لأنَّا لا نعلم مذهبه فِي النرد، على أنَّه قول صحابيٍّ خُولِف فيه، وأيضًا لم يقلْ أحد: إنَّه أغلظ تحريمًا من النرد، وإنما أخرَجَه مخرج المبالغة فِي الزجر عنه، و [ممَّن] قال: إنَّ الشِّطرَنج شرٌّ من النرد [السبكي وشرطه] أنْ يكونَ فيه قمار، وإلا فلا فيكون هذا الأمر متروكَ الظاهرِ بالإجماع فلا يحتجُّ به، قاله ابن السبكي. واعتُرِضَ بأنَّ المالكيَّة يقولون: إنَّه شرٌّ من النرد مطلقًا، قيل: والعجب من أنَّه حَكاه، وأجاب عنه بأنَّ هذا اجتهادٌ لمالك، وليس اجتهادُه حجَّة علينا، قالوا: ولم يصحَّ فيه خبرٌ كما مرَّ، والخبر الصحيح السابق أوَّل هذا الباب لا دليل فيه؛ إذ لا يبعد أنْ يكون هذا قياسًا على ما استَثْناه ﷺ من اللعب على أنَّه ورد فِي روايةٍ زيادةٌ رابعة وهي: تعلُّم السباحة، وأيضًا هو لا يستلزم التحريم لما عدا الخصال المذكورة فيه، بل قد يتمسَّك به القائل بالكراهة فإنَّه عام مخصوص بِمُلاعَبة الأطفال، كما ورد من قوله ﷺ : ((يا أبا عُمَيْر، ما فعَل النُّغَيْرُ؟)) (٤)، [وبلعب]

стр. 177

الحبشة بالحِراب بين يدَيْه ﷺ كما مرَّ، وقد قال البخاري فِي باب الجهاد: باب اللعب بالحراب وغيرها، وأورد حديثَ الحبشة السابق (١)، وقياسه على النرد ممنوعٌ؛ لوضوح الفرق بينهما، إذ الشِّطرَنج موضوعةٌ لصحَّة الفكر [ز١/ ٤٥/أ] وصَواب التدبير ونظام السياسة، فهي تُعِينُ على تدبير الحروب والحساب، والنرد موضوعٌ لما يُشبِه الأزلام، وتفسير النرد بالشِّطرَنج غير صحيح، وزعم أنَّ ابن جبير إنما فعَلَه خوفَ ولاية القضاء، يردُّه أنَّه لو كان كذلك اكتَفَى بمرَّة أو مرَّتين منه، وقد كان يلعَبُها من وَراء ظهر، وهذا إنما يأتي بإدامة طويلة حتى يحصل له تلك الملَكَة، وتمثيله بالحيوانات فِي الأسماء لا يضرُّ؛ لأنها مجازات. وبالجملة: فقد قال التاج السبكي: إنَّ المنصف إذا نظَر فيما أوردناه من الجانبين علم أنَّ القول بالحلِّ هو الحق الأبلج، وجاءَ عن بعض أئمَّة أهل البيت أنَّه قال: ما مات شريفٌ من الطالبيين إلا بِيعَت الشِّطرَنج فِي ميراثه، قيل: ووُجِدَ فِي تركة الشَّافِعِي، وبالَغ بعض الحفَّاظ فِي ردِّه وتزييفه. القول الثالث: أنَّه مكروهٌ كراهة تغليظٍ تُوجِب المنع، وكذا مذهب أبي حنيفة على ما حَكاه الماورديُّ فِي "حاويه" (٢)، واعترض بأنَّ مذهبه التحريم كما مرَّ، ورُدَّ بأنَّ أصحابه كثيرًا ما يُرجِّحون خلاف ما ذهب إليه. القول الرابع: أنَّه مكروهٌ كراهةَ تنزيهٍ، وهو الصحيح من مذهبنا، قال التاج السبكي: وهذا هو الذي نَدِين الله به [وهو الصحيح] ونراه الحقَّ الواضح والنهار الجلي، والمنصف إذا أزال العصبيَّة عن نفسه ونظَر فِي دلائل الفريقين علم أنَّ ذلك هو الحق الأبلج، وقيَّد الغزالي الكراهة بالمواظَبة، والأصحُّ أنَّه لا

стр. 178

فرق، وعَنْ مالك قول أنه كمذهبنا، ورجحه بعض أصحابه، ونازَع البلقيني فِي نقل الكراهة عن الشَّافِعِي بأنَّ كلامه فِي موضعٍ يُفهَم أنَّه خلاف ما يحبُّه، وفي موضعٍ [يقتضي] أنَّه استحسن ما مرَّ عن ابن جبير أنَّه كان يلعَبه خلف ظهره، بل نُقِلَ عنه نفسه أنَّه لعب به استدبارًا، ورُدَّ بأنَّ الأصحَّ فِي النقل عنه ما مرَّ من الكراهة، ومحلُّ حلِّه عندنا حيث لم يلعبْه مع مُعتقِدِ تحريمه، وإلا حرُم عليه كما رجَّحه التقي السبكي وتَبِعُوه؛ لما فيه من الإعانة على انتهاك الحرمة والجراءة وإنْ جاز الفِعلُ فِي اعتقاده فِي غير هذه الحالة فهو كمَن يُناوِل قدح خلٍّ لمن علم منه أنَّه يشربه مع ظنِّه كونه خمرًا؛ لأنَّه حينئذٍ مُعِينٌ له على معصيته فِي زعْم مُعتقِد التحريم، ونظيرُ ذلك ما لو تَبايَع رجُلان بعد أذان الجمعة: أحدهما تلزَمه والآخر لا تلزَمه، فيحرم على هذا [ظ١/ ٤٥/ب] أيضًا على أصحِّ الوجهين وهو المنصوص، واعتَمَده الشيخان وغيرهما لإعانته الأوَّلَ على المعصية. قال السبكي: لكنَّ التحريم فِي مسألتنا أخفُّ منه فِي هذه، فإنَّه على مَن تلزمه معلومٌ عندنا وعنده، وتحريم لعب الشِّطرَنج غير معلومٍ عندنا ولا عنده إذا كان حُكم الله فيه الحل فِي نفس الأمر، وإنما الحرام فعلُه مع اعتقاد حُرمتِه لا فعله مطلقًا، وهذا المجموعُ لم تحصل المعاونة عليه بل على بعضه، قال: وهذه دقيقةٌ ينبغي أنْ يُتنبَّه لها، ا. هـ. فإنْ قلت: يُنافِي ما ذكر من التحريم فِي مسألة الجمعة قولَ الروياني فِي "بحره": لو أُرِيدَ بيع مال يتيم وقت نداء الجمعة للضرورة فبذل فيه مَن تلزَمُه دينارًا ومَن لا تلزمه نصفه، يحتمل وجهين: أحدهما: [يباع] ممَّن لا جمعةَ عليه؛ لئلاَّ يوقع الآخَر فِي معصية.

стр. 179

والثاني: يُباع بالدينار؛ لأنَّ الذي إليه الإيجاب وهو غير عاصٍ به، وإنما القبول للطَّالِب وهو الذي يَعصِي به. قلت: إنما يتوهَّم المنافاة على الثاني فقط، ولكنْ عند التحقيق لا مُنافاة، بل الثاني هو الأوجَهُ، وليس ممَّا نحن فيه؛ لأنَّ كلامنا فِي مُبايَعة مَن لا يلزمه لِمَن تلزَمه بلا ضرورة وهنا ضرورةٌ، وجوب الحظِّ لليتيم اقتضت المسامحة للوليِّ فِي بيع مَن تلزَمُه بالدينار، وإنْ أثم المشتري إنْ خشي فَوات الجمعة، ثم رأيت احتمالاً ثالثًا للروياني يوافق بعض ما ذكرته وهو قوله: يحتمل أنْ يرخص له فِي القبول [لنَفعِ] اليتيم إذا لم يُؤدِّ إلى ترك الجمعة، كما يرخص للولي الإيجاب لحاجة اليتيم إليه. فإنْ قلت: ما مرَّ عن السبكي يُنافِيه قول ولده عنه فِي ترجمة الروياني فِي "طبقاته الوسطى" سمعت والدي يقول: لا يأثم شافعيٌّ لعب الشِّطرَنج مع حنفي، وفرَّق بينه وبين مسألة البيع وقتَ النداء بأنَّه حينئذٍ محرَّم عندهما، ولعب الشِّطرَنج ليس محرَّمًا عند الشَّافِعِي، وإنما المحرَّم عند الحنفي لعبه مع ظنِّه التحريمَ، وكلُّ واحدٍ من الجزأين ليس بِحَرام، أمَّا الظنُّ فهو [نتيجة] اجتهاد يُثاب عليه وليس بحرام، وأمَّا اللعب من حيث هو فليس بحرام لا عليه ولا [على] غيره إذا كان حُكم الله فيه ذلك فِي نفس الأمر. فإن قلت: يظنُّ الحنفي - أي المحرِّم - صار حراما عليه، قلت: الذي صار حرامًا عليه لعبه مع ظنِّه لا لعبه مطلقًا، فالهيئة الاجتِماعيَّة [ز١/ ٤٦/أ] هي المحرَّمة، وهي النسبة الحاصلة بين اللَّعِب المظنون والظنِّ، والشَّافِعِي اللاعب لم يعن إلا على أحد الجزأَيْن، وهو اللعب وهو بلسان [الحال] يردُّ على الحنفيِّ ويقول له: لا تظنُّ، ا. هـ ما فِي "الطبقات".

стр. 180

قلت: المعتمَد ما قدَّمته عنه أوَّلاً من الحرمة قِياسًا على مسألة الجمعة، وأمَّا هذا فهو اختيارٌ [له]، ويُجاب عنه بأنَّ المذاهب بعدَ أنْ تقرَّرت واتَّبع الناس [كلامها] (١) والتزَمُوا العمل بها، لم يبقَ للنظر إلى نفس الأمر مَساغ، ولم يتوجَّه من شافعيٍّ على حنفيٍّ مثلاً ردٌّ، ولم يسغْ قوله له: لِمَ لا تظن حرمة الشِّطرَنج؟ وإذا تمهَّد هذا وتقرَّر فالشافعيُّ إذا لعبه مع حنفيٍّ مثلاً كان مُعينًا على معصيةٍ حتى فِي اعتقاد الشَّافِعِي؛ لأنَّ من جملة اعتقاده أنَّ مَن قلَّد مالكًا مثلاً يَحرُم عليه لعب الشِّطرَنج، فإذا لاعَبَه كان معينًا له على معصيةٍ فِي اعتقادهما، أمَّا فِي اعتقاد المالكي فواضح، وأمَّا فِي اعتقاد الشَّافِعِي فهو لا مُطلقًا، بل من حيث نظرنًا لاعتقاد المالكي؛ إذ لو استَفتَى مالكيٌّ شافعيًّا قال: أنا مذهبي مالكيٌّ فهل يحرم عليَّ لعبُ الشِّطرَنج؟ وجَب على الشَّافِعِي أنْ يقول له: نعم، يحرم عليك لعبه ما دمت مالكيًّا، وقد صرَّح الأئمَّة بما يدفع ما قاله السبكي هنا؛ حيث قالوا: يجبُ النهيُ عن المنكر فِي اعتقاد الفاعل وإنْ لم يكن منكرًا فِي اعتقاد المنكِر، وهذا شاملٌ لمسألتنا، فيُعلَم منه نصًّا أنَّه يجبُ على شافعيٍّ رأى مالكيًّا مثلاً يلعب بالشِّطرَنج وهو مستمر على [تقليد مالك] أنْ يُنكِر عليه بيَدِه ثم بلِسانه ثم بقَلبِه؛ نظَرًا لِمُباشَرته حَرامًا فِي اعتقاده، وهو واضحٌ، وكذا فِي اعتقاد الشَّافِعِي لا مُطلقًا، بل نظرًا لاعتقاد الفاعل، وإذا صرَّحوا بأنَّه يلزَم الإنكار عليه كانوا مُصرِّحين بأنَّه يحرم عليه اللعب [معه]؛ لأنَّه ضد الإنكار الذي أوجَبُوه عليه، فاتَّضح ما مرَّ أولاً وهو حُرمة لعبِه معه، وأنَّه منقولُ المذهب، وليس بحثًا للسبكي ولا لغيره، فتأمَّله، فإنَّ مَن تكلَّموا على المسألة كلهم يحكيها عن السبكي

стр. 181

ومَن تَبِعَه فقط، ولم يستَحضِروا ما ذكرته الذي علم منه أنَّ الحرمة منقولُ الأصحابِ، وأنَّه لا غبار عليها من حيث المعنى أيضًا، وأنَّ جميع ما نقَلَه التاج عن والده ثانيًا مردودٌ بما قرَّرته كما لا يَخفَى على مَن له أدنى ذوق (١). (تَنْبِيه [خامس] (٢) علم ممَّا مرَّ أنَّ محلَّ القول بالإباحة أو الكراهة ما لم تكنْ [ز١/ ٤٦/ب] بَيادق الشِّطرَنج ونحوها مُصوَّرة كلها أو بعضها ولو [كان] واحدًا بصُورة حَيوان، وإلا حرم اللعب به لأنَّ فيه تعظيمًا له، وبه فارق الجلوس والنوم ونحوهما على المصور؛ لأنَّ فيه إهانةً له، وما لم يقترن به فُحشٌ وسفه، وإلا حرم كما قاله الصيمري (٣)، بل نقل الإجماعَ على رَدِّ

стр. 182

الشهادة به حينئذٍ، [وأمَّا] إذا لم يلعَبْه على الطريق وإلا حرم كما صرَّح به الصيمري أيضًا، وقال تلميذه الإمام الماوردي: تردُّ شَهادته بذلك، وفيما صرَّح به الصيمري فِي المسألتين نظَر؛ لأنَّ الفحشَ والسَّفه [إنْ] حُرِّمَ لذاته فالحرمة فيه لا فِي لعب الشِّطرَنج، إلا على ما قدَّمته فِي اجتماع الدُّفِّ والشَّبَّابَة مثلاً فراجِعْه، وكذا يُقال فيما إذا اقتَرَن به قمارٌ أو نحوه ممَّا يأتي، وأمَّا لعبه على الطريق فلا وجْه لحرمته، نعم إنْ كان قد تحمَّل شهادة حُرِّمَ عليه لا من حيث كونه لَعِبَ بشطرنج، بل من حيث كونه إزالة مُروءة يفضي لردِّ أمانةٍ تحمَّلها وهي الشهادة المتعلق بها حق الغير، واللازم على ردِّها ضَياع حقه ففيه إضرار له أي إضرار، فهو كمَن فرَّط فِي حِفظ وديعةٍ عنده يأثَم وتردُّ شهادته به، [وأمَّا] إذا لم يقتَرِن به قمار وإلا حرم إجماعًا، كما أشار إليه الشَّافِعِي فِي "الأم"، وما إذا لم تخرج الصلاة عن وقتها وإلا حرم إجماعًا، وما إذا لم يلعَبْه مع الأراذل ولم يورث نحو حقدٍ، ولم يؤدِّ إلى التكلُّم بكلامٍ غير لائقٍ بمثله، كذا قاله بعضهم، وفيه ما قدَّمته فِي لعبه على الطريق. (تَنْبِيه [سادس] (١) يجوز بيعُ الشِّطرَنج ومَن كسر منه شيئًا ضمنه إلا أنْ يكون مصورًا، ولا يجوزُ الإنكارُ على لاعبيه إلا إنِ اعتقدوا حُرمته أو لعبوا مع مُعتقدِيها أو فعلوا شيئًا من المحرَّمات المذكورة، فيجبُ الإنكارُ عليهم كما مرَّ. (تَنْبِيه [سابع] (٢) اختلفوا فِي سُقوط عَدالة لاعبه؛ فعند أبي حنيفة ومالك هي ساقطة وشهادته مردودة على أيِّ وجْه لَعِبَه، لكن شرط ابن الحاجب

стр. 183

إدمان لعبه، وهو فِي "المدونة" فِي موضعٍ ولم يقيد به فِي موضعَيْن آخرين منها، فإمَّا أنْ يحمل المطلق على المقيَّد أو يكون له فِي المسألة قولان، فظاهر كلام غير ابن الحاجب مُوافقته، قال بعض المالكيَّة: والإدمان أنْ يلعب بها فِي السَّنة أكثر من مرَّة، وقال آخَر منهم: أنْ يلعَب بها فِي السنة مرَّة، وبالإدمان قيَّد بعض الحنفيَّة أيضًا وهو صاحب "البدائع" (١) [ز١/ ٤٧/أ] وصاحب "الذخيرة"، وفرَّقا بينه وبين النرد أنَّه حَرام بالنصِّ، وحكَى صاحب "المغني" من الحنابلة عن مالكٍ وأبي حنيفة أنَّه مثله، وكذا نقَلَه عن بعض أكابر أصحابهم (٢)، وَعَنْ بعض أصحابه أنَّ لعبه مع معتقدٍ تحريمَه فكالنرد أو مع معتقد إباحته لم تردْ إلا إنِ اقترن به نحو قمار، وأمَّا عندنا فلا تسقُط العدالة إلا إنِ اقترن به محرم كما مرَّ وكذا إذا اقترن معه خارم مروءة؛ كلعبه به على الطريق، ولا نِزاع فيه وانقِطاعه إليه فِي أكثَرِ أحواله فتُرَدُّ به الشهادة على المنقول المعتمَد خِلافًا للبلقيني، قال بعضهم: وعلى هذا المنقول، فمَن أكبَّ عليه ممَّن بيده تدريس أو مشيخة أو غير ذلك من الوظائف التي يُشتَرط فيها العدالةُ فهو معزولٌ عنها شرعًا، وتَعاطِيه لذلك حَرامٌ إنْ كان قد وَلِيَها بطريق مُعتبَر شرعًا، ووجدت فيه الشُّروط المعتبرة أو أكثرها، فأمَّا مَن [اقتات] (٣) بذلك من أجْل [انتمائه] إلى مَن لا تمييز عنده فهو مُرتكبٌ للإثم ابتداءً وانتهاءً، انتهى. وهي نفثة مَصدُور، على أنها سقطة فاحشة؛ إذ الذي تقرَّر أنَّ الإكباب عليه مخلٌّ بالمروءة، وهي ليست شرطًا فِي مُطلَق العدالة فِي قبول الشهادة فقط،

стр. 184

ألا ترى أنَّ الولي فِي النكاح شرطه العدالة، ومع ذلك لا يُؤثِّر فيه خرم المروءة؛ لأنَّه لا يخلُّ بالعدالة فِي غير [الشهادة]؛ ومن ثَمَّ كان المعتمَد فيه أنَّه إذا تابَ توبةً صحيحة زوَّج فِي الحال، وإنْ لم تُقبَل شَهادته إلا بعدَ استِبرائه سنة؛ لأنَّه يحتاط للشهادة ما لم يحتَطْ بغيرها، فقياس غيرِها عليها فِي ذلك اشتباهٌ، والقياس نشَأ عن فقْد استِحضار كلامهم فِي غير باب الشهادة، ويلزم على ما قاله هذا المصدور المقهور على أقذَر وظيفةٍ منه سعى عليها أنْ ولي اليتيم لو باشَر خرم مروءة؛ كأنْ أكَل فِي السوق وهو لا يَلِيقُ به سقطَتْ ولايته، وهو باطلٌ كما هو واضحٌ. (تَنْبِيه [ثامن] (١) قد سبق أنَّه إذا اقترَنَ به قمار كان حَرامًا، وصُورة القمار المجمَع عليها أنْ يخرج العوض من الجانبين مع تَكافُئِهما لتحريم ذلك بالنصِّ؛ إذ الميسر فِي الآية هو القمار، ووجْه حُرمته أنَّ كلَّ واحدٍ منهما مُتردِّد بين أنْ يغلب صاحبه فيغنم أو يغلبه صاحبه فيغرم، فإنْ عدلا عن ذلك إلى حُكم السبق [ز١/ ٤٧/ب] والرمي بأنْ ينفرد أحدُ اللاعبين بإخراج العوض ليُؤخَذ منه إنْ كان مغلوبًا ويمسكه إنْ كان غالبًا، فهذا مختلفٌ فِي جَوازه والأصح حُرمته، وبه جزَم الشيخان، وفرَّقوا بينه وبين جَوازه فِي المسابقة بأنَّ له غرَضًا فيها وهو الحذق فِي الفروسية والرماية، بخلاف الشِّطرَنج ليس [فيه] كبير غرض، وإذا قامر لم يلزم المال المشروط فإنْ أمسَكَه ولم يردَّه فسق ورُدَّتْ شهادته؛ لأنَّه غاصبٌ سواء الصورة الأولى والثانية، فإنْ لم [يأخُذْه] لم يفسقْ بالصورة الثانية؛ لوجود الخِلاف فيها، وكذا الأولى إنْ قطَع فيها بأنَّ أحدهما غالبٌ لزَوال صُورة القمار حينئذٍ.

стр. 185

(تَنْبِيه [تاسع] (١) مرَّ أنَّه إذا أخرج به الصلاة عن وقتِها فسق ورُدَّتْ شَهادته، ومرَّ ما فِي ذلك من إشكالٍ وجواب وتحقيقه، مع زيادة أنَّ الشيخين ذكَرَا أنَّه إذا لم يتعمَّدْ أخراجها به ولكنْ شغله اللعب بها حتى خرج وهو غافلٌ أنَّه إذا لم يتكرَّر ذلك منه لم تردَّ شهادته وإنْ كثُر منه فسق ورُدَّتْ شهادته، بخلاف ما إذا ترَكَها ناسيًا مِرارًا؛ لأنَّه هنا شغل نفسه بما فاتت به الصلاة. قال الرَّافِعِيُّ: هكذا ذكَرُوه وفيه إشكالٌ لما فيه من تعصية الغافل واللاهي، ثم قِياسه الطَّرد فِي شغل النفس بسائر المباحات، وأشار الروياني إلى وجْه أنَّه يفسق، تكرَّر [ذلك منه] أو لم يتكرَّر، ا. هـ. ومرَّ فِي التَّنْبِيه الثاني جوابُه مبسوطًا، وقد نصَّ الشَّافِعِي ﵁ بما يُوضِّح ذلك الجواب فقال: إنْ غفل به عن صلاةٍ فأكثَرَ حتى تفوته ثم يعود له حتى تفوته، ردَدْنا شَهادته على الاستِخفاف بمواقيت الصلاة، كما نردُّها لو كان جالسًا فلم يُواظِبْ على الصلاة من غير نِسيانٍ ولا [علة] حتى غفل، فإنْ قِيلَ: فهو لا يترك الصلاة حتى يخرج وقتها للعب إلا وهو ناسٍ، قيل: كلا، يعودُ للعب الذي يورث النسيان وإنْ عاد له وقد جرَّب أنَّه يورثه ذلك فذلك استخفافٌ، فأمَّا الجلوس والنسيان بما لم يجلب على نفسه فيه شيئًا إلا حديث النفس الذي لم يمتنعْ منه أحدٌ، فلا يأثَمُ به، وإنْ قبح ما يحدث به نفسه والناس يمتنعون من ذلك، ا. هـ. نصُّ الشَّافِعِي وهو مُؤيِّد لما فرَّقت به فيما مرَّ من أنَّ سبب العصيان تقصيره بتعاطيه ما يعلم أنَّ من شأن نفسه أنها إذا اشتَغلَتْ به ذهلت عن إدراك

стр. 186

الزمن [ز١/ ٤٨/أ] ومضيِّه حتى يخرُج وقت الصلاة وهو لا يشعُر ومفيد للفرق بين الشِّطرَنج وغيره، ورادٌّ لقول الرَّافِعِيّ: ثم قياسه الطرد ... إلخ، ولم يحطْ بعضهم بحقيقة هذا النص فقال: [ويحتاج] إلى تأمُّل، ا. هـ. وقد قال البلقيني بعد ذِكرِه النصَّ: وبه يحصل الجواب عن إشكال الرَّافِعِيِّ، وأنَّه لا يطرد فِي حديث النفس للفرق الذي أبْداه الشَّافِعِي، فقال: إنْ كان يسهو عن وقت الصلاة لشغله به فلا يعلم حتى يفوته [شطرها] هنا بأنْ كان ذلك الدُّفعة والدُّفعتين فلم ترد شهادته، فإنْ كثُر ذلك منه رُدَّتْ شهادته بذلك. قال الشَّافِعِي: فإنْ كان متفكرًا فِي نفسه فكرًا شغَلَه عن الصلاة ولا يعلم خُروج وقتها لشغله لم تُرَدَّ شهادته بذلك وإنْ كثُر منه، قال: والفرق بينهما أنَّ اللاعب بالشِّطرَنج هو الذي أدخَلَ على نفسه ذلك فغلظ عليه، فلهذا لم تُقبَل شَهادته، وليس كذلك الذي لحقه الفكر والهوس؛ لأنَّه لم يدخل ذلك على نفسه، وذلك أنَّ الإنسان لا ينفكُّ عن فكرٍ يتفكَّر فيه، فلهذا قُبِلتْ شَهادته فدلَّ على الفرق بينهما، ا. هـ (١). (تَنْبِيه [عاشر] (٢) الشِّطرَنج فارسيٌّ مُعرَّب، وكسر شينه أجود، بل منَع الصاغاني الفتح، ووجَّه الحريري الكسر بأنَّه القياس فِي كلام العرب فِي المعرَّب أنَّه يُرَدُّ إلى نظيره فِي لغتهم، وليس منها فَعلَل بفتح أوَّله بل بكسره كجردحل وهو الضخم من الإبل، ومقتضى كلام آخَرين أنَّ الفتح أشهر؛ لأنَّه أعجمي، وقال آخَرون: الفتح غلطٌ، ومشى عليه فِي "القاموس"، ويجوز إبدال شينه سينًا، كالتشميت بالشين المعجمة إشارة لجمع الشمل،

стр. 187

وبالمهملة إشارة إلى أنَّه يرزق السمت الحسن، وزعم اشتقاق الشِّطرَنج من المشاطرة أو التشطير مردودٌ بأنَّ الأسماء الأعجميَّة لا تشتقُّ من الأسماء العربيَّة. (تَنْبِيه [حادي عشر] (١) أوَّل من وضَع الشِّطرَنج صِصَّة بمهملتين أولهما مكسورة وثانيهما مشدَّد ابن زاهر الهندي وضَعَه لبهلبث، ويُقال له: بِهرم، بكسر أوَّله المعجم ملك الهند مُضاهاة لأزدشير أوَّل مُلوك الفرس الأخيرة حيث وضع النرد مُضاهاة للدنيا وأهلها، وافتخرت الفرس به فقضَتْ حُكَماء ذلك العصر بتَرجِيحه على النَّرد، وعُدَّ ككتاب "كليلة ودمنة"، والتسعة أحرف التي تجمَعُ أنواعَ الحساب فيما يُميَّز به أهلُ الهند على غيرهم، وقيل: إنَّ صِصَّة لَمَّا عرَضَه [ز١/ ٤٨/ب] على الملك فرح به كثيرًا، وسأَلَه أنْ يقترح إليه ما يشتهي، فقال له: اقترحتُ أنْ تضع حبَّةً فِي البيت الأول ولا تزال يضاعفها حتى تنتهي إلى آخِرها فمهما [تبلغ] تعطيني، فاستصغر الملك ذلك من همَّته، وأنكر عليه ما قابَلَه من الفوز اليسير فِي ذلك المقام فقال: ما أريد غير ذلك، فأمَر له به فلمَّا حسبه أرباب الديوان قالوا للملك: ما عندنا ما يُقارب القليل من ذلك، فأنكر عليهم مقالَهم، فأوضَحُوا له بالبرهان، فلمَّا علم ذلك قال: أنت فِي اقتِراحك لما سألت أعجب حالاً من وَضعِك الشِّطرَنجَ، وسرُّ ذلك أنَّك تُضاعِف الأعداد إلى البيت السادس عشر فأثبت به اثنين وثلاثين ألفًا وسبعمائة وثمانية وستين حبَّة، فهذه الجملة مِقدار قدحٍ ثم تُضاعف السابع عشر إلى البيت العشرين يكونُ فيه ويبة، ثم تنتقل من الويبات إلى الأرادب، ولم تزَلْ تضعفها ففي

стр. 188

البيت الأربعين تنتهي إلى مائة ألف أردب وأربعمائة وستين ألف أردب وسبعمائة واثنين وستين أردبًّا وثلثي أردب وهذا المقدار شونة، وهي الحظيرةُ الكبيرةُ التي تخزن فيها الحبوب، ثم تُضاعف الشون إلى البيت الخمسين يكون الجملة ألفًا وأربعة وعشرين شونة، وهذا المِقدار مدينة، ثم ضاعَف ذلك إلى الرابع والستين تكون الجملة ستة عشر ألف مدينة وثلاثمائة وأربعة وثمانين مدينة، والعلم حاصِلٌ أنَّه ليس فِي الدُّنْيَا مدن أكبر من هذا المقدار، فإنَّ دور كرة الأرض ثمانية ألاف، ولم يُعرَف الشِّطرَنج إلا بعد أنْ فُتِحت البلاد، فإنَّ أصلَه من الهند، وانتقل منهم إلى الفرس بخلاف النرد فإنَّه كان معروفًا عند العرب. وعن كعبٍ: أوَّل مَن لعب بالشِّطرَنج يوشع بن نون وصاحبه كالب بن موفثا - صلَّى الله على نبيِّنا وعليهما وسلَّم - وأوَّل مَن علمها قارون وتعلَّمتها الفرس من يوشع. وأخرج الديلمي عن مالك بن أنسٍ أنّ أَوَّلُ مَنْ جَاءَ بِالشِّطْرَنْجِ، والنَّرْدِ عمرو بن العاصِ فعلم الحبري (١)، وبه ردَّ على مَن زعَمُوا أنَّ الصولي محمد بن يحيى هو الذي وضَعَه ووفاته سنة ست أو خمس وثلاثين [وثلاثمائة] أثنى عليه الخطيب فقال: كان أحد العُلَماء بفنون الآداب، حسَن المعرفة بالتواريخ، واسع الرِّواية، حسَن الحِفظ للآداب، حاذِقًا بتَصنِيف الكتب، حسَن الاعتقاد، جميل الطريقة، مقبول القول، كثير الشعر، وهو مَنسُوب لجدِّه صُول بضم أوَّله [ز١/ ٤٩/أ] من مُلوك جرجان ثم أسلَمَ، لا لصُول المدينة المشهورة، ونادَمَ عدَّة من الخُلَفاء، وأخَذ عن أبي داود السجستاني،

стр. 189

والبزار، والمبرد، وثعلب وآخَرين وروى عنه الدارقطني، وابن شاذان، قيل: لعلَّ السبب فِي نسبه أوَّل واضع الشِّطرَنج إليه أنَّه كان أوحَدَ زمنه فِي لعبه، حتى إنَّه يضرب به المثل فيه (١). واختلف فِي سبب وضْع صِصَّة له فقيل: مضاهاة، كما مرَّ، وقيل: إنَّ امرأةً كان لها ابن ملك قُتِلَ فِي حرب وحده، فطلبت أنْ تراه عيانًا، فلمَّا عمل لها الشِّطرَنج ورأَتْه تَسلَّت، وقِيل: لأنَّ مُلوك الهند كانوا حُكَماء لا يرَوْن قِتالاً، فوضَعُوه ليروا صُورة ذلك، وقيل: إنَّه وُضِعَ لملكٍ جبان فأدمَنَه حتى صار أشجَع أهل زمنه.

стр. 190

القسم الثالث: اللعب بالحزة والقِرق الأولى بحاء مهملة وزاي مشدَّدة: قطعة خشب تحفر فيها حفر ثلاثة أسطر، ويجعل فيها حصى صِغار يُلعَب بها، وقد تُسمَّى الأربعة عشر، وهي المسمَّاة فِي مصر بالمنقلة، وفسَّرَها سليم فِي "تقريبه" بأنها: خشبة تحفر فيها ثمانية وعشرون حُفرة؛ أربعة عشر من ناحية وأربعة عشر من الجانب الآخَر، ويلعب بها، والظاهر أنها نوعان، فلا تخالف بين هذا وما قبلَه، والثانية بكسر القاف وسُكون الراء، وحكى الرَّافِعِيّ عن خطِّ القاضي الرُّوياني فتحهما، ويسمى شطرنج المغاربة أنْ يُخَطَّ على الأرض خط مربع ويجعل فِي وسطه خطَّان كالصليب، ويُجعَل على رأس الخطوط حصى صغارٌ يلعب بها، هذا حقيقتهما، وأمَّا حُكمهما فاختَلَف أئمَّتنا فيه على رأيين ذكرَهُما الرَّافِعِيُّ فقال: وفي "الشامل" أنَّ اللعب بهما لهوٌ كالنرد، وفي تعليق الشيخ أبي حامد أنَّه كالشِّطرَنج، ويشبه أنْ يُقال ما يعتمد فيه على إخراج الكعبين فهو كالنرد، وما يعتمد فيه على الفكر فهو كالشِّطرَنج. قال الأذرعي، وهذا صحيح مليح، موافق لفَرْقِ الجمهور بين النرد والشِّطرَنج، ثم نازَع الرَّافِعِيّ فيما نقَلَه عن الشيخ أبي حامد أنَّه كالشِّطرَنج بأنَّ المحاملي نقل عنه أنَّ الحزة كالنرد، وسليمًا نقل عنه أنهما كالنرد، وبأنَّ البندنيجي صَرَّحَ بأنهما كالنرد، وهؤلاء الثلاثة هم رُواة طريقة الشيخ أبي حامد، وتعليقه وهو ما أورَدَه الروياني والعمراني، ونقل ابن الرفعة فِي "المطلب" أنَّ تحريمهما هو ما ذهَب إليه [ز١/ ٤٩/ب] العراقيُّون كما صرَّح به البندنيجي، وابن الصَّبَّاغ ثم ذكَر ابن الرفعة حكايةَ الرَّافِعِيِّ عن تعليق أبي حامد وما بَحَثَّه وأقرَّه، وقال الأسنوي: يُؤخَذ من بحث الرَّافِعِيِّ الفَرق

стр. 191

السابق حلهما؛ لأنَّ كلاًّ منهما يعتَمِد فيه الفكر لا على شيءٍ يُرمَى، وأسقط من "الروضة" هذا البحث، ا. هـ. واعترضه الأذرعي بما مرَّ عن سليم وغيره من أنهما فِي معنى النرد سواء؛ إذ لو كان المعتمَد فيهما الفكر لم يكونا كالنرد سواء. ثم قال الأذرعي: ولعلَّ ذلك يختلف باختلاف عادات البلاد أو غير ذلك، ا. هـ. والحق أنَّ الخلاف فِي ذلك ليس له كبيرُ جَدوَى؛ لأنَّ الضابط السابق في ذلك فِي كلام الرَّافِعِيِّ أخذًا من فرقهم السابق بين النرد والشِّطرَنج، إذا عرف وتقرَّر أُدِيرَ الأمرُ عليه، فمتى كان المعتمد على الفِكر والحساب فلا وجْه إلا الحل كالشِّطرَنج، ومتى كان المعتمَد على الحزر والتخمين فلا وجْه إلا الحرمة كالنرد. (تَنْبِيه) قال أبو حنيفة: يُكرَه اللعب بالنرد، وبالشِّطرَنج، وبالأربعة عشر، ونقل مجليٌّ من أصحابنا عنه ما نصُّه: أكرهه كراهةَ تحريم، فظاهره أنَّه يكره ذلك كله كراهة تحريم.

стр. 192

القسم الرابع: اللعب بما تسميه العامة الطاب والدك هو حَرام كما اقتَضاهُ الفرق المذكور؛ لأن معتمده ليس إلا على الحزر والتخمين؛ إذ هو أنْ يُؤخَذ أربع قصبات أو جريدات لكلِّ بطن وظهر، فتُرمَى ثم ننظُر كم فيها بطن وكم فيها ظهر، ثم يتَرتَّب على ذلك ما اتَّفَقَا عليه أو اقتضَتْه قاعدة هذا اللعب، فليس فيه اعتمادٌ على حساب ولا فكر ألبتَّة، وإنما الاعتمادُ فيه على ما تخرجه تلك التي تُرمَى من ظهر وثلاثة بطون، أو عكسه، أو بطنين، أو ظهرين، أو محض بُطون أو ظُهور، وممَّا يقتضي الحرمة أيضًا فِي ذلك قول الماوردي: والصحيح الذي ذهب إليه الأكثرون تحريمُ اللعب بالنرد، وأنَّه فسقٌ تُرَدُّ به الشهادة، وهكذا اللعب بالأربعة عشر المفوضة إلى الكعاب، وما ضاهاها فهي فِي حُكم النرد فِي التحريم، ا. هـ. وما أشار إليه الماوردي فِي الأربعة عشر موجودٌ الآن؛ فإنَّه تُؤخَذ الخشبة السابقة ويجعل فيها بُيوت أربعة عشر ثم يرمي تلك القصبات، وينقل من تلك البُيوت بحسب ما يخرجه من تلك الكعاب التي يرمى بها. وأمَّا توقُّف الأذرعي [ز١/ ٥٠/أ] فِي التحريم فِي هذه فهو مبنيٌّ على ما مرَّ عنه من المنازعة للرافعي، وقد مرَّ أنَّه نِزاعٌ لا جَدوَى له، وأنَّ الصواب فِي ذلك التعويل على الفَرْقِ الذي أبْداه الرَّافِعِيُّ وصرَّح به كلامُهم أنَّ ما كانت العُمدة فيه على الحزر والتخمين يكون كالنرد، وقد علمت أنَّ هذا اللعب ليست العمدة فيه إلا على ذلك، ثم رأيتُ الأذرعي جزَم بِحُرمة الطاب فِي توسُّطه كالنرد، وهو واضحٌ جَلِيٌّ لا غبار عليه، واعتمده الزركشي وغيره.

стр. 193

القسم الخامس: اللعب بالكنجفة هو حَرامٌ أيضًا كاللعب بالطاب والدك كما صرَّح به فِي "الخادم"؛ لأنَّه ليسَت العمدة فيه إلا على الحزر والتخمين، كما أنها العمدة فِي الطاب كما تقرَّر، ثم رأيتُ الأذرعيَّ نقَل ذلك عن بعض مُتقدِّمي أصحابنا فقال: وممَّا أظهَرَه المردة للترك فِي هذه الأعصار أوراق مزوقة بنُقوش سموها كنجفةٍ يلعَبُون بها، فإنْ كان بعِوَضٍ فقِمارٌ، وإلا فهي كالنَّرد ونحوه ممَّا سبق من التوجيه، ا. هـ.

стр. 194

القسم السادس: اللعب بالخاتم ونحوه ظاهر كلام الصيمري من أصحابنا جَوازُه، وجرى عليه الأذرعي فقال فِي "توسطه": اللاعب بالمداحي والخاتم مقبولُ الشهادة إذا لم يتَظاهَر بذلك، وواضحٌ أنَّ محلَّ ذلك حيث لم يكنْ فيه حزر ولا تخمين، وإلا فهو حَرام كما عُلِمَ ممَّا مَرَّ.

стр. 195

القسم السابع: اللعب بالجوز جزَم بعضُ أصحابنا بتحريمه، وقال شريح الروياني: اللعب به أخفُّ من اللعب بالحمام والشِّطرَنج، وهذا حيث لا قمار، وإلا فهو حرام إجماعًا، ولا يجوز عقْد المسابقة على المداحاة وهي رمْي بَنادق أو حصًى إلى حُفرةٍ، قال الدارمي: وإنْ كان مجانًا فهو لعب، ا. هـ. وحقيقة اللعب بالخاتم، والجوز، والمداحاة لا أعرفها، ولكن قد علمت أنَّ الضابط الذي عليه المعوَّل أنَّ ما كان مُعتَمده الحساب والفكر حلالٌ، وما كان معتمده الحزر والتخمين حرام، فإنْ وجد في شيءٍ ممَّا ذُكِرَ حزر وتخمين فهو حرام على المعتمد، وقد سبَق فِي النرد رأي غلط لا مُعول عليه أنَّه مكروه، فلعلَّ مَن قال بالحلِّ مع وجود الحزر والتخمين جرَى على ذلك الرأي الذي قد عرفت أنَّه غلطٌ، فتنبَّه لذلك.

стр. 196

القسم الثامن: اللعب بالحمام [ ز١/ ٥٠/ب] قال الشيخان والعبارة للرافعي: اتِّخاذ الحمام للبيض والفرخ أو الأنس أو حمل الكتب جائزٌ بلا كَراهة، وأمَّا اللعب به بالتطيير والمسابقة ففيه وجه أنَّ حكمه كذلك؛ لأنَّ فيه تعليمها وترسيخها لإنهاء الأخبار. والظاهر وعبارة "الروضة": والصحيح أنَّه مكروهٌ كالشِّطرَنج (١)، وهذه الفائدة تتعلَّق بتَطييرها دون المسابقة واللعب بها، ثم لا تُرَدُّ الشهادة بمجرَّده، فإنِ انضمَّ إليه قمارٌ وما فِي معناه رُدَّتِ الشهادة، ا. هـ. وذكَر الماوردي لمتَّخِذ الحمام ثلاثة أحوال: أحدها: اتخاذه للفرخ وغيره كما سبق فلا تُرَدُّ به الشهادة. الثاني: أنْ يخرج باتِّخاذها إلى السَّفاهة، أمَّا للمُتدلِّه فِي أفعاله والخنا فِي أقواله فتُرَدُّ بذلك شَهادته. الثالث: ما اختُلِف فِي ردِّ الشهادة به، وهو اتِّخاذها للمسابقة، وفيه وجهان بِناءً على ما سبق فِي خبر: ((لا سَبَقَ)) وقد سبق؛ أي: ولفظه: ((لا سَبَقَ إلا في خُفٍّ أو نَصْلٍ أو حافِرٍ)) (٢)، وهو حديث صحيح، والسَّبَق بفتح السين والباء الموحدة ما يجعل للسابق على سبقه من جُعْلٍ، واقتصر الدارمي وغيره على قولهم: ويكره اللعب بالشِّطرَنج، والحمام، وعبارة مجموع المحاملي: فأمَّا اللعب بها فهو مكروهٌ نصَّ عليه الشَّافِعِي. ومن أصحابنا مَن قال: مُباح لإنهائه بعلم المجيء من البلاد ونقل الأخبار، وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ اللعب بها لا يحصل به منفعةٌ، والكلام إنما هو فِي كراهته دُون إرسالها

стр. 197

من البلاد، وإذا ثبَت أنَّه مكروهٌ فلا يفسق به ولا تسقط الشهادة، وَعَنْ مالكٍ وأبي حنيفة: يفسق وتسقُط شهادته، والدليل على هذا ما ذكَرَاه فِي الشِّطرَنج، ا. هـ. قال الأذرعي: واعلَمْ أنَّ اتِّخاذ الحمام لحمل الكتب من شَأن الملوك ونوَّابهم لا من أغْراض العامَّة ومَقاصدهم، فالمختار الجاري على القَواعد أنَّ مَن أظهَرَ اللعب بها بالتطيير والمسابقة مجانًا - أي: من غير قمار - وعرف بذلك مردود الشهادة؛ إذ العرف [فِي هذه الأعصار] (١) مطَّردٌ بأنَّه لا يَتعاطَى ذلك إلاَّ أراذل الناس وسفلتهم، ومَن خلَع جِلبابَ الحياء والمروءة على أنَّ الذي يُقتَنَى للعب به بالتطيير نوعٌ غير ما يُقتنَى لحمل الكتب، والأوَّل لا يكاد يخرج عن سَماء الدار أو البلد [ز١/ ٥١/أ] إلا نادرًا. وقال الشيخ الموفَّق الحنبلي: اللاعب بالحمام بتطييرها لا شَهادة له؛ لأنَّه سفهٌ ودَناءة وقلَّة مُروءة، ويتضمَّن أذَى الجيران بتطييره وإشْرافه على دُورِهم ورميه إيَّاها بالحجارة، وقد رأَى النبيُّ ﷺ رجلاً يتبعُ حَمامةً، فقال: شَيْطانٌ يَتْبَعُ شَيْطانةً (٢)، ا. هـ (٣). وصرَّح صاحب "الترغيب" بأنَّ اللعب بها مكروهٌ واقتناؤها مباح، إلا إذا اقتناها لسرقةِ حمامِ غيرِه، وظاهرٌ أنَّ الحمام مثال وأنَّ غيرها ممَّا يُقتَنى للعب به من الحيوانات كذلك.

стр. 198

(تَنْبِيه) ممَّا يدلُّ لقٌبح اللعب بالحمام بل لحرمته حديثٌ أبي داود فِي "المراسيل"، والبَغَوي فِي "الصحابة" وهو مرسلٌ أنَّه ﷺ قال: ((ثلاثةٌ من المَيْسِرِ: القِمارُ، والضَّربُ بالكِعاب، والصفيرُ بالحمامِ)) (١). (فائدة) نقَل بعض المفسِّرين أنَّ اللعب بالحمام كان من دأب قومِ لوط، وأنَّه من جملة المنكر الذي كانوا يأتونه فِي ناديهم كما أخبر الله - تعالى - عنهم به (٢).

стр. 199

القسم التاسع: اللعب بغير الحمام وحكمه أنَّه يأتي فيه ما مرَّ فِي اللعب بالحمام، ومحله إنْ لم يكن فيه إضرار بحيوان وإلا كان حرامًا تحريمًا غليظًا كنطاح الكباش والثيران ومهارشة الديوك وغير ذلك ممَّا فِي معناه، فكلُّ ذلك حَرامٌ كما صرَّحوا به فِي البعض ويُقاس به الباقي، والكلام كلُّه حيث لا قمار، وإلا بانَ شرطُ المال من الجانبين، فالكلُّ حرامٌ إجماعًا، وكذا إذا وُجِدَ المال من إحدى الجانبين فإنَّ ذلك يكون حَرامًا أيضَا؛ لأنَّ تَعاطِي العقد الفاسد حَرام، فإنْ أخَذ المال كان أخذُه فِسقًا مع عِلم تحريمه؛ لأنَّه حينئذٍ كالغصب.

стр. 200

القسم العاشر: اللعب بأمورٍ أخرى في معنى ما مرَّ كما ذكره الصيمري فِي "شرح كفايته" حيث قال: ويُلحَق باللعب بالنرد اللعبُ بالأربعة عشر، وبالصرير، والمنقلة، والنواقيل، والكعاب، والرباريب، والدرامات، قال: وكلُّ مَن لعب بهذا الجنس فسخيفٌ مردودُ الشهادة، قمارًا أو غيره، ا. هـ. قال الأذرعي: وبعض ما ذكره لا أعرفه، ا. هـ. وإذا حفظتَ ما مرَّ من الضابط الذي عليه المعوَّل فِي ذلك وهو: أنَّ ما كان المعتمَد فيه الحزر والتخمين حَرامٌ، وما كان المعتمَد فيه الفكر والحساب حَلال، ظهر لك الحقُّ فِي كلِّ ما عُرِضَ عليك من أنواع اللعب التي ذكروها [ز١/ ٥١/ب] ولم [تعرف] مدلولها والتي لم يذكروها أصلاً.

стр. 201

القسم الحادي عشر: اللعب بالمسابقة بالجري ونحوه وبالمصارعة ونحوها هو جائزٌ حيث لا مالَ من الجانبين ولا قِمار، والأصل فِي ذلك أَنَّ رسُولَ الله ﷺ تسابَقَ هو وعائشة؛ رواه الشافعي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والبيهقي، من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: سابَقتُ رسول الله ﷺ فسبقتُه، فلمَّا حملت اللحم سابقته، فسبقني، فقال: ((هذه بتلك)) (١). واختُلِف فيه على هشامٍ، فقيل هكذا، وقيل: عن رجل، عن أبي سلمة، وقيل: عن أبيه، وعن أبي سلمة، عن عائشة ﵂ (٢). وأنَّه ﷺ صارَع ركانة على شاة؛ رواه بو داود، والترمذي [من حديث أبي الحسن العسقلاني، عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة:] (٣) أنَّ ركانة صارَع النبيَّ ﷺ قال ركانة:

стр. 202

وسمعت النبي ﷺ يقول: ((فرق ما بيننا وبين أهل الكتاب العمائمُ على القلانس)) (١). وقال الترمذي: غريبٌ، وليس إسناده بالقائم (٢). وروى أبو داود في "مراسيله" عن سعيد بن جبير قال: "كان رسول الله ﷺ بالبَطحاء، فأتى عليه يزيد بن ركانة - أو ركانة بن يزيد - ومعه أعنزٌ له، فقال له: يا محمد، هل لك أن تصارعني؟ قال: ((ما تسبقني؟)) قال: شاة من غنمي، فصارعه فصرعه، فأخذ شاة، فقال ركانة: هل لك في العود؟ ففعل ذلك مرارًا، فقال: يا محمد، والله ما وضع جنبي أحدٌ إلى الأرض، وما أنت بالذي تصرعني؛ يعني: فأسلم، فردَّ عليه النبي ﷺ غنمَه (٣). إسناده صحيح إلى سعيد بن جبير لكنَّه لم يُدرِك ركانة ولا يضرُّه؛ لأنَّه جاء موصولاً من طريقٍ أخرى، فقد رواه أبو بكرٍ الشافعي، وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مطولاً (٤)، ورواه أبو نعيم [في "معرفة

стр. 203

الصحابة"] (١) من حديث أبي أمامة مطولاً وسندهما ضعيف (٢)، ورواه

стр. 204

عبدالرزَّاق [عن معمر، عن يزيد بن أبي زياد، أحسبه] (١) عن عبدالله بن الحارث، قال: صارَع النبي ﷺ أبا رُكانة في الجاهليَّة، وكان شديدًا، فقال: شاة بشاة، فصرَعَه النبي ﷺ فقال: عاودني في أخرى، فصرعه النبي ﷺ فقال: عاودني، فصرعه الثالثة، فقال أبو ركانة: ماذا أقول لأهلي؛ شاة أكلها الذئب، وشاة نشزت، فما أقول في الثالثة؟ فقال النبي ﷺ : ((ما كنَّا لنجمع عليك أنْ نصرعك ونغرمَك، خُذْ غَنَمَك)) (٢)

стр. 205

[ز١/ ٥٢/أ] وسندُه ضعيفٌ، وصَوابه رُكانة لا أبو رُكانة الذي وقَع فيه (١). (تَنْبِيه) أخْذُه ﷺ المالَ منه لا يقتضى جَواز أخْذه فِي المُصارَعة ويُوجَّه بوجهين: أحدهما: أنَّ الظاهر أنَّه ﷺ إنما أراد أنْ يُبيِّن غلبَه وعجزَه من وجهين صرَعَه وأخذ ماله فلمَّا ظهر ذلك ردَّه إليه. ثانيهما: لو سلَّمنا خلاف هذا الظاهر لم يكن فيه حجَّة أيضًا؛ لأنَّ رُكانة إذ ذاك كان كافرًا، فهو حربيٌّ يجوزُ أَخْذُ ماله مُطلقًا، ومن ثَمَّ لَمَّا أسلم تفضَّل عليه ﷺ وردَّ إليه غنمه، ثم بتقدير صحَّة تلك الأحاديث يتعيَّن حملُها على أنهما واقعتان. (تَنْبِيه ثانٍ) قال الحافظ عبدالغني: ما رُوِيَ من مُصارَعة النبيِّ ﷺ أبا جهلٍ لا أصلَ له، وحديث رُكانة أمثلُ ما رُوِيَ في مصارعة النبيِّ ﷺ وشرَّف وكرَّم (٢). وليكنْ هذا آخِرَ ما أرَدْناه، ونهايةَ ما قصَدْناه، والحمد لله الذي هَدانا لهذا وما كنَّا لنهتدي لولا أنْ هَدانا الله. يا ربَّنا لك الحمدُ كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سُلطانك، حمدًا كثيرًا طيبًا مُبارَكًا فيه أبدَ الآبِدين، وصلِّ اللهمَّ وسلِّم وبارِك أفضل صلاةٍ وأفضل سلامٍ وأفضل بركة على أفضل مخلُوقاتك وزين عِبادك سيدنا محمَّد، وعلى آله وأصْحابه وتابعيهم كلهم بإحسانٍ عدد معلُوماتك أبدًا. ختَم الله لنا بالحُسنَى في عافيةٍ بلا محنة ... أمين.

стр. 206

وحسبُنا الله ونعمَ الوكيل، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله العليِّ العظيم. وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة المباركة يوم الثلاثاء أربعة وعشرون الحجة ١٢٩٣ على يد كاتبه علي حسانين غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ... آمين (١). * * * * *