← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 37886

كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (206 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وعَدُّ هذه الست من الكبائر تبعتُ فيه الأكثَرين في بعضِها وقياسة الباقي، بل في "الشامل" - كما يأتي - التصريحُ بذلك في الجملة، قال الإمام: قال شيخي أبو محمد: سَماع الأوتار مرَّة واحدة لا تُوجِب ردَّ الشهادة، وإنما تردُّ بالإصرار عليها، وقطع العراقيُّون ومُعظَم الأصحاب بأنَّه من الكبائر، هذا لفظُه وتابَعَه عليه الغزالي، قالا: وما ذكَرْناه من سَماع الأوتار مَفروضٌ فيما إذا لم يكن الإقدام عليها مرَّة تُشعِر بالانحلال، وإلا فالمرَّة الواحدة تُرَدُّ بها الشهادةُ، وطرَد الإمام ذلك في كلِّ ما جانَسَه، وتوقَّف ابن أبي الدم فيما نسَبَه الإمام للعِراقيِّين، وقال: لم أرَ أحدًا منهم صرَّح به، بل جزَم الماوردي - وهو منهم - بنَقِيض ما حَكاه الإمام، فقال: إذا قُلنا بتحريم الأغاني والملاهي فهي من الصَّغائر دُون الكبائر مفتقرٌ إلى الاستِغفار ولا تُرَدُّ به الشهادة إلا بالإصرار، ومتى قلنا بكَراهة شيءٍ منها فهي من الخلاعة لا مفتقر إلى الاستغفار ولا تُرَدُّ الشهادة بها إلا مع الإكثار، ا. هـ. وتابَعَه في "المهذب"، وكذلك القاضي الحسين فإنَّه قال في "تعليقه": قال بعض أصحابنا: لو جلس على الديباج عند عقد النكاح لم ينعَقِد؛ لأنَّه مخلٌّ بالشَّهادة فيه كالأداء، والذي صارَ إليه المحصلون أنَّ هذا من الصَّغائر، وما يندر منه لا يوجب الفسق، وتابَعَه الفوراني في "الإبانة"، وردَّ بعضهم إنكارَ ابن أبي الدم على الإمام ما ذكر بأنَّ مجليًا صرَّح في [ذخائره] (١) بما يُوافِقه، فقال: إنَّ كون ذلك من الكبائر هو ظاهِرُ كلام "الشامل" حيث قال: مَن استَمَع إلى شيءٍ من هذه المحرَّمات فسق ورُدَّتْ شهادته، ولم يشترط تكرُّر السَّماع، ا. هـ (٢).

стр. 142

والحاصل: أنَّ المُعتَمَد عندنا من أنَّ ذلك من الصَّغائر حيث لم يحصلْ إدمان عليه حتى غلبت مَعاصِيه طاعاته، وإلا التحَقَ بالكبائر فِي إبطال العَدالة وردِّ الشَّهادة. (تَنْبِيه) وقَع لصاحب هذا الكتاب أنَّه قال: مَن ارتكب أمرًا فيه خلافٌ لا يُعزَّر عليه؛ لقوله ﷺ : ((ادرؤُوا الحدُودَ بِالشُّبُهات)) (١)، وهذا من جملة سَقطاته؛ للاتِّفاق على أنَّه لا عبرة بعقيدة الخصم، وإنما العِبرة بعقيدة الحاكم الذي رُفِعَ إليه الخصم، فيفعَلُ فيه الحاكم باعتِقاد نفسه دُون غيره، ولو رأينا إلى هذه السَّقطة لم يجزْ أنْ يُرفَع خصمٌ إلى قاضٍ يخالف عقيدته، وهذا بدعٌ خارق للإجماع، لا يصدر مثلُه إلا ممَّن لا يُفرِّق بين الحكم بعدَ الرَّفع إلى الحكام وقبلَه؛ وبيان ذلك أنَّ مَن ارتكب مُختَلَفًا فيه فإنْ قلَّد القائل بحلِّه وكان ذلك القائل ممَّن يجوزُ تقليده فلا حرج عليه عند الله - تعالى - وهذا الذي قال فيه العلماء: لا يُعذِّب الله الشخصَ بمسألةٍ عَمِلَ بها على قول عالم، وأمَّا بالنسبة للأحكام الظاهرة فمتى رُفِعَ لحاكمٍ فعل معه باعتقاده ولم ينظر لتقليده مَن يُجوِّز ذلك ولا لعدمه إقامَة لنظام [السياسات] (٢) الشرعيَّة، وإلاَّ لكان كلُّ مَن ادَّعى عليه بشيءٍ يَزعُم أنَّه قلَّد فيه مَن لا يلزمه به، وتتعطَّل الأحكام وتستحلُّ الأموال، ومن ثَمَّ قالَ

стр. 143

الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي حنفيٍّ شرب نبيذًا يعتَقِد حلَّه ثم رفع إليه: أحدُّه وأقبَلُ شهادته، قال أصحابُه: إنما حدَّه لأنَّ العبرة بعقيدة الحاكم لا الخصم، وإنما قَبِلَ شهادته لأنَّه أقدَمَ على جائزٍ فِي اعتقاده، وهذا هو الصَّواب فِي هذا البحث فاحفَظْه لئلاَّ تزلَّ فيه قدمُك كما زلَّ فيه قدم صاحب ذلك الكتاب، فإنَّه استدلَّ على عدم التعزير بالحديث السابق، وبما نقَلَه عن الشَّافِعِي: إنَّ الله لا يُعذِّب على فعلٍ اختَلَف العلماء فيه، فالتبس عليه الأمر الأخروي بالأمر الدنيوي، وقد علمتَ ما بينهما من الفرق الواضح. ثم ظاهِرُ كلامه أنَّ مجرَّد كون الفعل مختلفًا فيه يمنع [من] العقاب عليه، وهو خِلافُ الإجماع كما قالوا الأئمَّة، وإنما شرْط ذلك أنْ يعلم القائل بذلك، وأنَّه من المجتهدين، وأنَّه من الذين يَجُوزُ تقليدهم، ثم بعد ذلك كلِّه يُقلِّده تقليدًا صحيحًا، بألاَّ يترتَّب عليه تلفيق التقليد، وإلا لم يجزِ اتِّفاقًا، كما إذا قلَّد الشَّافِعِيُ مالكًا فِي (١) نجاسة الكلب، ولم يمسحْ رأسه كله، أو لم يُوالِ فِي وضوئه مثلاً، كما هو مقرَّر فِي الأصول، فاستَفِدْ ذلك فإنَّ كثيرين يزلُّون فيه؛ اعتقادًا منهم أنَّ مجرَّد الاختلاف فِي الشيء [ز١/ ٣٧/أ] يمنَع العقاب عليه، وليس كذلك كما علمت: وإنما قُلنا: يجوز تقليده؛ لأنَّ كثيرين من المجتهِدين الخارجين عن الأئمَّة الأربعة لا يجوزُ تقليدهم كما هو مُقرَّر فِي كتب الفقه والأصول، ألا ترى إلى ما جاء عن عطاء فِي إباحة [إعارة] الجواري للوطء، وعن آخَرين فِي تحليل المطلقة ثلاثًا، وَعَن الأعمش فِي الأكْل فِي رمضان بعد الفجر وقبل طُلوع الشمس، ونحو ذلك من

стр. 144

مذاهب المجتهِدين الشاذَّة التي كاد الإجماع أنْ ينعقد على خِلافها، فهذه كلُّها لا يجوز تقليد أربابها، ومَن قلَّدهم فهو آثِمٌ فاسق يحدُّ ويُعزَّر إجماعًا بموجب فعله. وبهذا يتَّضح لك خطَأُ ذلك الرَّجُلِ فِي إيهامه أنَّه يجوزُ تقليدُ غيرِ الأئمَّة الأربعة مطلقًا، وما درى المسكين أنَّ لذلك شروطًا كثيرةً أشَرتُ إليها بينه وبينها خرطُ القتاد (١)، وليس مجرَّد الاختِلاف مُسوِّغًا للهُجوم على الفعل، بل لا بُدَّ من جميع شُروط التقليد كما هو مقرَّر ومحرَّر فِي كتب الأصول، ولكنَّ الجهل بذلك يُوجِب الوُقوع فِي أوعَرِ المسالك، وقد ذكَر الأئمَّة أنَّه لا يجوزُ لمفتٍ ولا لقاضٍ تقليدُ غير الأئمَّة الأربعة، قالوا: لا لنقصهم؛ لأنَّ الصحابة وتابِعِيهم ساداتُ الأمَّة، وإنما هو لارتفاع الثقة بشُروط مَذاهبهم وتحقيقاتها وصُورها، فإنها أقوالٌ فِي جُزئيَّات مُتعدِّدة، ولم يعلمْ لهم قواعدُ يُرجَع إليها، ولا شروطٌ وتقييداتٌ يُعوَّل عليها، وارتفعت الثِّقة بها لأنَّها لم تُحرَّر وتُدوَّن بخلاف المذاهب الأربعة؛ فإنها حُرِّرتْ ودُوِّنت وتعاقَبتها الآراء، [ومَحَّصَتْها] كَوامِلُ العقول حتى نقَّحتها وحرَّرتها، ولم يقلْ منها مسألة إلا وعلم مَغزاها ودَليلها ومَعناها، فوثقت بها النُّفوس، واطمأنَّت إليها [ز١/ ٣٧/ب] القلوب، بخِلاف بقيَّة المذاهب الخارجة عنها، ومن ثَمَّ كان الشَّافِعِيُّ يقول: الليث أفقَهُ من مالك لكن ضيَّعَه أصحابُه؛ أي: بعدَم تدوين مذهبه وتحرير مقاصده وقواعده، واعلم أنَّ الأئمَّة صرَّحوا بأنَّ الظاهريَّة لا يعتدُّ بخلافهم، ولا يجوز تقليد أحدٍ منهم؛ لأنهم سُلِبوا العقول حتى أنكَرُوا

стр. 145

القياس الجلي، وابنُ حزم من أقبحهم فِي ذلك، فلا يجوزُ لأحدٍ أنْ ينظُر لما قاله فِي الآلات، خِلافًا لما وهم فيه صاحبُ ذلك الكتاب فإنَّ الظاهر أنَّه يشير إلى أنَّه إذا جاز تقليدُ غير الأئمَّة الأربعة جاز تقليدُ مثل ابن حزم، وهذه زلَّة قبيحة، يتعيَّن على كلِّ مَن خطرت له التوبةُ منها؛ لما علمت أنَّ العلماء لا يُقِيمُون لابن حزم وأصحابه وزنًا، وأنَّه لا يجوزُ لأحدٍ تقليده ولا الإصغاء لما يقولُه أصلاً ورأسًا.

стр. 146

الباب الثاني: فِي أقسام اللهو المحرم وغيره اعلمْ أنَّ أصل هذا الباب قوله ﷺ فِي الحديث الصحيح: ((كُلُّ شيء يَلهُو بهِ ابن آدم باطِلٌ إلا رَميَه بقَوْسِه، وتأدِيبَهُ فرَسَه، مُلاعَبَته امرأته)) (١)؛ وذلك لأنَّه أفاد أنَّ كلَّ ما يَتلهَّى به الإنسان ممَّا لا يفيد فِي العاجل والآجل فائدة دينيَّة فهو باطل، والاعتراض فيه متعيِّن إلا هذه الأمور الثلاثة، فإنَّه وإنْ فعلها على أنَّه يتلهَّى بها وليستأنس بها وينشط، فإنها حقٌّ؛ لاتِّصالها بما قد يفيد، فإنَّ الرمي بالقوس وتأديب الفرس فيهما عونٌ على القِتال، ومُلاعبة المرأة قد تُفضِي إلى ما يكون عنه ولد يُوحِّد الله ويعبده؛ فلهذا كانت هذه الثلاث من الحق وما عداها من الباطل، وحينئذٍ يتَّضح بذلك ما يأتي من التحريم في الأقسام الآتية. وقال الخطابيُّ فِي الكلام على نحو هذا الحديث: وفي هذا بيانٌ أنَّ جميع أنواع اللهو محظورةٌ وإنما استثنى ﷺ هذه الخِلال من جُملة ما حرم منها؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ منها إذا تأمَّلتها وجدتها مُعِينة على حقٍّ أو ذريعة إليه، ويدخُل فِي معناها ما كان من المثاقفة بالسلاح والشدِّ على الأقدام ونحوهما ممَّا يَرتاضُ الإنسان به ويتقوَّى به على مُجالَدة العدوِّ، لا كما فِي سائر ما يتلهَّى به البطَّالون من أنواع اللهو؛ كالنرد، والشِّطرَنج، واللعب بالحمام [ز١/ ٣٨/أ] وسائر ضُروب [اللهو] ممَّا لا يُستعان به في حقٍّ [فمحظورٌ] كله، ا. هـ.

стр. 147

القسم الأول: اللعب بالنرد (١) وهو حَرامٌ كما نصَّ عليه الشَّافِعِي فِي "الأم" وجرى عليه أكثَرُ أصحابه، واعتمَدَه الشيخان وغيرهما، وعبارة الشَّافِعِي فِي "الأم": وأكرَهُ - من جِهة الخبَر - اللعبَ [بالنرد] أكثر ممَّا أكره اللعب بشيءٍ من الملاهي، ولا أحبُّ اللعبَ بالشِّطرَنج، وهي أخفُّ حالاً من النَّرْدِ، انتهت (٢). ومُرادُه كَراهة التحريم؛ إذ هو كثيرًا ما يُطلِق الكراهة ويريدُ بها التحريم؛ ولهذا قال فِي "البيان": المنصوص فِي "الأم" التحريمُ، وقيل: إنَّه مكروهٌ كراهةَ تنزيهٍ، وعليه أبو إسحاق المروزي، والإسفراييني، وحُكِي عن ابن [خير الله] (٣) وإفتاء أبي الطيب، وغلط الأصحاب هذا الوجه وقالوا: إنَّه ليس بشيء؛ لمخالفته الأدلة الآتية؛ إذ هي صريحة فِي التحريم بل فِي كونه كبيرةً كما يأتي، والمنقول عن الشَّافِعِي وأكثر أصحابه، فبطل هذا القول، وإنما يُحكَى ليُبيَّن بُطلانُه وزيفُه، وأنَّه لا يُعوَّل عليه ولا يُنظَر إليه، وممَّا يُزيِّفه أيضًا نقلُ القُرطبي فِي "شرح مسلم" اتِّفاقَ العلماء على تحريم اللعب به، ونقَل الموفَّق الحنبلي فِي "مغنيه" الإجماعَ على تحريم اللعب به (٤)، وأمَّا قول جمعٍ: إنَّ المنصوصَ عليه فِي "الأم" وغيرها الكراهة، فهو غلطٌ منهم إنْ أرادوا كراهة التنزيه؛ لما مرَّ أنَّ الشَّافِعِي ﵁ يُطلِق قوله:

стр. 148

وأكره كذا، مريدًا به التحريم كثيرًا؛ ولهذا قال فِي "البيان" كما مرَّ: إنَّ المنصوص فِي "الأم" التحريم، وبه قال كثير أصحابنا، وقال الروياني فِي "الحلية": أكثر أصحابنا على التحريم وقالوا: إنَّه مذهب الشَّافِعِي. (تَنْبِيه) الدليل على تحريمه وتغليظ العُقوبة فيه خَبَرُ أحمد، ومسلم، وأبي دواد، وابن ماجه، وأبي عوانة، وابن حبَّان أنَّه ﷺ قال: ((مَن لعب [بالنَّردَشير] (أي: بفتح الدال) فكأنَّما غمَس يدَهُ في لحمِ خِنزير ودَمِه)) (١). وخبر أبي داود وغيره، وصحَّحه ابن حبان، وقيل: فيه انقطاعٌ عَن أبِي مُوسى الأشْعريِّ عَن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: ((مَن لعِب بالنَّرْدِ فقد عصَى الله ورسُولَه)) (٢). وخبر أحمد، وأبي يعلى، والبيهقي وغيرهم: ((مَثَلُ الذي يلعَبُ بالنَّرْدِ ثم يقومُ يصلِّي، مَثَلُ الذي يتوَضَّأُ بالقيحِ ودَمِ الخِنْزِير، ثم يقومُ فيُصلِّي)) (٣)؛ أي: فلاَ تُقبَلُ له صلاة، كما صرَّحت به روايةٌ أخرى. وخبر أحمد: [ز١/ ٣٨/ب] ((مَن لعبَ بالكِعاب فقدْ عصَى الله ورسولَه)) (٤).

стр. 149

وخبر البيهقي عن يحيى بن أبي كثيرٍ قال: ((مرَّ رسولُ الله ﷺ على قومٍ يلعَبُون بالنَّرْدِ فقال: قلوبٌ لاهيةٌ، وأيدٍ عاملةٌ، وأَلسِنَةٌ لاغيةٌ)) (١). وخبر أحمد: ((إيَّاكم وهاتانِ الكعبتانِ الموسُومتانِ اللتانِ [تزجُرانِ زَجْرًا]، فإنَّها من المَيْسِر؛ ميسرُ العَجَمِ)) (٢). وخبر الطبراني: ((اجتَنِبُوا هذه الكِعابَ الموسومة التي [يُزْجَرُ بها زَجْرًا]، فإنَّها من المَيْسِرِ)) (٣). وخبَر الديلمي: ((إذا مَررتُمْ بهؤلاءِ الذين يلعَبون بهذه الأزلام، والشطرنج، والنرد، وما كان من هذه - أي: وما شابه ذلك من كلِّ لهوٍ محرَّم - فلا تُسلِّموا عليهم، وإنْ سلَّموا عليكم فلا تردُّوا عليهم)) (٤). وفي روايةٍ تأتي في مبحث الشِّطرنج: ((إذا مرَرتُم بهؤلاء الذين يلعَبُون بهذه الأزلام النرد والشطرنج وما كان من اللهو فلا تُسلِّموا عليهم؛ فإنهم إذا اجتمعوا وأكبُّوا عليها جاءَهم الشيطان بجنوده فأحدَق بهم كلَّما ذهَب واحدٌ منهم يصرف بصَرَه عنها، لكَزَه الشيطان بجنوده، فلا يزالون يلعَبُون

стр. 150

حتى يتفرَّقوا كالكلاب إذا اجتمعت على جِيفةٍ فأكلت منها حتى مَلأت بُطونها ثم تفرَّقت)) (١). وخبر ابن أبي الدنيا والبيهقي: ((اتَّقوا هذين الكعبين الموسومين اللذَيْن يزجران زجرًا، فإنهما من ميسر العجم)) (٢). وخبَرُ أبي داود في "مراسيله": ((ثلاثٌ [من] الميسر: [القمار]، والضرب بالكِعاب، والصفير بالحمام)) (٣)، وحِكمة تحريمه أنَّ فيه حرزًا وتخمينًا فيُؤدِّي إلى التخاصُم والفتن التي لا غاية لها، ففطم الناس عنه حذَرًا من الشُّرور التي تترتَّب عليه. (تَنْبِيه ثانٍ) اختلف أصْحابنا فِي اللعب بالنرد كبيرة أو صغيرة، وظاهر الأخبار المذكورة أنَّه كبيرةٌ، لا سيَّما الخبر الأوَّل، والخبر الذي فيه عدَم قبول الصلاة، وقد ذكَرتُ ذلك فِي "الزَّواجر عن اجتناب الكبائِر"، فقلت عقب ذكر تلك الأحاديث: عدُّ هذا هو ظاهِرُ هذه الأخبَارِ، لا سيَّما الخبر

стр. 151

الثاني، والخبر الثالث؛ أنَّ التشبيه الذي فيهما يفيدُ وعيدًا شديدًا لو لم يكنْ منه إلا عدَم قبول الصَّلاة، وبذلك صرَّح في "البيان" نقلاً عن أكثر الأصحاب فقال: قال أكثر أصحابنا: يحرم اللعب بالنرد، وهو المنصوص في "الأم"، ويفسق به وتردُّ به الشهادة، اهـ (١). وسَبَقه إلى ذلك الماورديُّ فصرَّح به في "حاويه"، [وعبارته]: الصحيح الذي ذهَب إليه الأكثَرُون [ز١/ ٣٩/أ] تحريمُ اللعب بالنرد، وأنَّه فسقٌ تردُّ به الشهادة، انتهت، وتبعه الروياني في "البحر" على عادته فقال بعد قول الشافعي في المختصر: وأكرَهُ اللعب بالنرد [للخبر؛ قال عامَّة أصحابنا: يكره اللعب بالنرد] (٢) وتردُّ به الشهادة والكراهة للتحريم، وقال أبو إسحاق: هو كالشِّطرنج سواء وهذا غلطٌ، ا. هـ (٣).

стр. 152

وعبارة [تحريم] (١) الروياني: وقال بعض أصحابنا فإنْ فعل فسق وردت شَهادته، وعبارة المحاملي فِي "تجريده": مَن لعب به فسق ورُدَّتْ شَهادته، هذا قول عامَّة أصحابنا إلا أبا إسحاق قال: هو كالشِّطرَنج وليس بشيءٍ، والأوَّل هو المذهب، ا. هـ. وقال إمام الحرمين: الصحيح أنَّه من الكَبائر، [واعتمد] ذلك الأذرعيُّ فقال: مَن لعب بالنرد عالِمًا بما [جاء] فيه مستحضرًا له، فسق وردَّت شهادته فِي أيِّ بلد كان، لا من جهة ترْك المروءة بل لارتكاب النَّهي الشديد، ا. هـ. والذي جرَى عليه الرَّافِعِي وسبَقَه إليه الشيخ أبو محمَّد أنَّه صغيرة، وعبارة الرَّافِعِي: ما حكمنا بتحريمه كالنرد هل هو من الكبائر حتى ترد الشهادة بالمرَّة الواحدة منه، أو من الصغائر يتعيَّن فيه الإكثار؟ فيه وجهان: كلام الإمام يميلُ إلى ترجيح أوَّلهما، والأشبه الثاني، وهو المذكور فِي "التهذيب" وغيره، ا. هـ. واعتَمَده الأسنوي فقال: والصحيح ما قاله الشيخ أبو محمد، كذا رجَّحَه الرَّافِعِي فِي آخِر الفصل ثم أورد كلامه هذا، ثم قال: ورجَّحه الشرح الصغير لكن اعترض الإمام البلقيني ما رجَّحَه الرَّافِعِيُّ فقال: إنْ كان مورد التصحيح ما صحَّحه الأكثرون فقَد نقَل المحاملي فِي "التجريد" عن عامَّة الأصحاب مثلَ ما صحَّحه الإمام؛ أي: إنَّه كبيرة مطلقًا، وذكره الماوردي عن الأكثَرين أيضًا وقال: إنَّه الصحيح، وحينئذٍ فلا يستقيمُ قول الرَّافِعِي: إنَّه المذكور فِي "التهذيب" وغيره، وإنْ كان المراد الدليل فأين الدليل الذي استدلَّ به على مُدَّعاه، ا. هـ.

стр. 153

وأشار بذلك إلى أنَّ القول بأنَّه صغيرةٌ مخالفٌ لما عليه الأكثرون، وهو ظاهر؛ لما مرَّ من النَّقل عنهم، ولما جاء فيه من السُّنَّة وهو ظاهرٌ أيضًا لما مرَّ من الوعيد الشديد فيه، وفصَّل بعضُهم فقال: ينظر إلى عادة البلد؛ فحيث استعظَمُوه رُدَّتْ [شهادته] بمرَّة واحدة منه [ز١/ ٣٩/ب] وإلا فلا، وهذه التفرِقة ضعيفة كما قاله البلقيني، وعلى القول بأنَّه صغيرةٌ فمحلُّه حيث خَلا عن القمار وإلا فهو كبيرةٌ بلا نِزاع كما أشار إليه الزركشي، وهو واضحٌ. (تَنْبِيه ثالث) يُسمَّى نردشير بالشين المعجمة والراء نسبةً لأوَّل مُلوك الفرس؛ من حيث كونه أوَّل مَن وضَع له ذكره فِي "المهمات"، وقال القاضي البيضاوي فِي "شرح المصابيح": يُقال: وضَعَه سابور ابن أزدشير ثاني ملوك الساسان ولأجْله يُقال له: النردشير، وشبَّه رقعته بالأرض وقسمها أربعة أقسام تشبيهًا بالفصول الأربعة، وقال الماوردي: قيل: إنَّه على الفصول الاثني عشر، والكواكب السبعة؛ لأنَّ بيوته اثنا عشر كالبروج ونقطه من جانبي الفص سبع كالكواكب السبعة، فعدل به إلى تدبير الكواكب والبروج. (خاتمة): فِي بيان أنَّ اللهو المباح مأذونٌ فيه منه ﷺ وأنَّه فِي بعض الأحوال قد لا يُنافِي الكمال: عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: ((خيرُ لهوِ المؤمِن السباحةُ، وخيرُ لهوِ المرأة المِغزَل))؛ أخرجه ابن عدي (١).

стр. 154

وعن جابر بن عبدالله وجابر بن عمير أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((كلُّ شيءٍ ليس من ذِكر الله لهوٌ ولعب، إلا ملاعبة الرَّجل امرأتَه، وتأدِيب الرَّجل فرسَه ... )) الحديث؛ رواه النسائي (١). وفي روايةٍ: ((اللهو في ثلاثٍ: [في] تأديب فرسك، ورميك بقوسك، ومُلاعبتك أهلَك)) (٢). وعن المطَّلب بن عبدالله أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((الهوا والعَبوا؛ فإنِّي أكرَهُ أنْ أرى في دِينكم غِلظة))؛ رواه البيهقي (٣).

стр. 155

وعن عائشة ﵂ وعن أبيها - أنَّ النبيَّ ﷺ قال: ((إنَّ الأنصار فيهم غزل، فلو أرسَلتُم مَن يقولُ: أتيناكم أتيناكم، فحيَّانا وحيَّاكم))؛ رواه البيهقي (١). وعن جابرٍ أنَّ النبي ﷺ قال: ((أهديتُم الجارية - أي: زفَفتُموها إلى زوجها - فهلا بعَثْتُم معها مَن يغنيها يقول: أتيناكم أتيناكم،

стр. 156

فحيونا [نحيِّيكم]، فإنَّ الأنصار قومٌ فيهم غزل))؛ رواه أحمد، وابن منيع وغيرهما (١). وعن عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: ((هل كان معكم من لهوٍ، فإنَّ الأنصار يحبون اللهو))؛ رواه الحاكم (٢). وعن [زوج ابنة أبي لهب] (٣) [ز١/ ٤٠/أ] [قال]: دخَل علينا رسول الله ﷺ حين تزوَّجتُ ابنة أبي لهب فقال: ((هل من لهو؟))؛ رواه أحمد (٤). وعن أبي أيُّوب ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ أنَّه قال: ((ما من شيءٍ تحضره الملائكة من اللهو إلا ثلاثة: الرجل مع امرأته، وإجراء الخيل، والنضال))؛ رواه الحاكم في "الكنى" (٥). وعن عائشة ﵂ قالت: دخَل علينا رسول الله ﷺ وعِندى جاريتان من جَوارِى الأنصار تُغنِّيان بما تَقاوَلت به الأنصار يوم بُعاث وليستا بمغنِّيتين، فقال أبو بكر [الصِّدِّيق ﵁]: أبمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ وذلك

стр. 157

في يوم عيد، فقال: ((يا أبا بكرٍ، لكلِّ قوم عيدٌ، وهذا عيدُنا))؛ رواه البخاري ومسلم (١). وجاء عن عمر ﵁ ((أنه كان إذا خلا في بيته ترنم بالبيت والبيتين))؛ ذكره المبرد في "كامله" في قصة، وذكره البيهقي في "المعرفة" عن عمر وغيره، ورواه المعافى النهرواني في كتاب "الجليس والأنيس" (٢)، وابن منده في "المعرفة" في ترجمة أسلم الحاوي في قصة، وروى أبو القاسم الأصبهاني شيئًا من ذلك في قصة (٣).

стр. 158

(تنبيه) قوله ﷺ : ((الهوا والعَبوا فإنِّي أكرَهُ أنْ أرى في دِينكم غِلظة)) (١)، فيه دليلٌ لطلب ترويح النفوس إذا [سَئِمتْ]، وجَلائها إذا صدأت باللهو واللعب المباح. ومن ثَمَّ جاء عن عليٍّ كرم الله وجهه: "القلب إذا [كره] عمي" (٢). وعن ابن مسعود ﵁: "القلوب تملُّ كما تملُّ الأبدان، فاطلُبوا لها [طرائفَ] الحكمة" (٣). وعن غيره: "روِّحوا هذه القُلوب؛ فإنها سريعة [الدثور])) (٤). وعن عمر بن عبدالعزيز: "أنَّ ولده لَمَّا قال له: إنَّك لتَنام القائلة وذو الحاجة على بابك غير نائم! أجابَه بقوله: يا بنيَّ، إنَّ نفسي مطيَّتي، وإنْ حملت عليها في الطلب خسرتها)) (٥).

стр. 159

وعن ابن عباسٍ أنَّه كان إذا أكثر الكلام في القُرآن والسنن قال لِمَن عنده: ((احمضوا بنا - أي: نوصوا [بنا] في الشعر والأخبار)) (١)، وأصل ذلك أنَّ الإبل إذا أكثَرت الرعي في النبات الحلو أخرَجُوها إلى ما فيه حموضة؛ خَوفًا عليها من الهلاك. ورُوِيَ: إنَّ في صحيفةٍ لآل داود - صلَّى الله على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء وسلَّم -: "لا ينبغي للعاقل الكامل أنْ يخلي نفسَه من واحدةٍ من أربع: [ز١/ ٤٠/ب] عمل لمعادٍ، أو صَلاح لمعاشٍ، أو فكر يَقِفُ به على ما يصلحه ممَّا يفسده، أو لذَّة في غير كرمٍ يستعينُ بها على الحالات الثلاث)) (٢). وروى الخطيب عن علي: "رَوِّحوا القُلُوب وابتغوا لها طَرائف الحكمة؛ فإنها تَمَلُّ كما تَمَلُّ الأبدان" (٣). وقال غيرُه: "رَوِّحوا القلوب تَعِي الذِّكرَ" (٤)، وقال الزهري: "كان رجلٌ يُجالِس أصحابَ رسولِ الله ﷺ ويُذاكِرهم، فإذا كثُر

стр. 160

وثقُل عليه الحديثُ قال: "إنَّ الأذُن مجاجة، ألا فهاتوا من أشعاركم وحَدِيثكم" (١).

стр. 161

القسم [الثاني]: اللعب بالشِّطرَنج هو حَرامٌ عند أكثر العلماء، وكذا عندنا، أنَّ لعبَه مع مَن يعتقدُ تحريمه أو اقترن به قمارٌ أو إخراجُ صلاة عن وقتها أو سباب أو نحو ذلك من الفَواحش التي تغلب على أهله، وإلا كره كراهةَ تنزيهٍ. (تَنْبِيه) الدليل على تحريمه مطلقًا أو بقيدٍ ممَّا ذكرناه الأحاديثُ الكثيرةُ فيه. أخرَجَ أبو بكرٍ الأثرم في "جامعه" بسنده عن واثلة بن الأسقع عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: ((إنَّ لله في كلِّ يوم ثلاثمائةً وستين نظرةً إلى خلقه، ليس لصاحب الشاه [فيها نصيب))، وفسَّر صاحب الشاه] بلاعب الشطرنج؛ لأنَّه يقول: شاه، وأخرجه الديلمي بلفظ: ((إنَّ لله - تعالى - في كلِّ يومٍ وليلة ثلاثمائةً وستين نظرة لا ينظُر فيها إلى صاحب الشاه))؛ يعني: الشطرنج (١). وأخرج الخرائطي في "مساوئ الأخلاق" بلفظ: ((إنَّ لله ﵎ لوحًا ينظُر فيه في كلِّ يومٍ وليلة ثلاثمائةً وستين نظرة يرحَمُ بها عباده، ليس لأهل الشاه فيها نصيبٌ)) (٢). وأخرج أبو بكرٍ الآجري بسنده عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((إذا مرَرتُم بهؤلاء الذين يلعَبُون بهذه الأزلام - النرد والشطرنج وما كان من اللهو - فلا تُسلِّموا عليهم؛ فإنهم إذا اجتمَعُوا وأكبُّوا عليها جاءَهُم الشيطان بجنوده فأحدَقَ بهم، كلَّما ذهَب واحدٌ منهم

стр. 162

يصرف بصره عنها [لكَزَه] الشيطان بجنوده، فما يزالون يلعبون حتى يتفرَّقوا كالكلاب اجتمعت على جيفة فأكلت منها حتى ملأت بطونها ثم تفرَّقت)). وفي روايةٍ للآجُرِّي والدارقطني وأخرى: ((إذا مرَرْتُم بهؤلاء الذين يلعَبُون بالأزلام أو الشِّطرنج والنرد وما كان من اللهو [ز١/ ٤١/أ] فلا تُسلِّموا عليهم، وإنْ سلَّموا عليكم فلا تردُّوا عليهم، فإنهم إذا اجتمعوا وأكبُّوا عليها جاء إبليس - أخزاه الله - بجنوده فأحدَق بهم كلَّما ذهَب رجلٌ يصرف بصره عن الشطرنج [لكَزَه في ثغره] وجاءت الملائكة من وراء ذلك فأحدقوا بهم ولم يدنوا منهم، فما يزالون يلعبون حتى يتفرَّقوا عنها حين يتفرَّقون كالكلاب اجتمعت على جِيفة، فأكَلتْ منها حتى مَلأت بُطونها ثم تفرَّقت)) (١). وأخرج ابن حزم أنَّ النبيَّ ﷺ قال: ((أشدُّ الناس عَذابًا يوم القيامة صاحب الشاه - يعني: صاحب الشطرنج - أمَا تراه يقول: قتلته، والله مات، والله افترى كذبا على الله)) (٢). وأخرج الديلمي: ((ملعونٌ من لعب بالشِّطرنج)) (٣). وأخرج ابن حزم: ((الشِّطرنج ملعونةٌ، ملعونٌ من لعب بها، والناظر إليها كآكل لحم الخنزير)) (٤).

стр. 163

وأخرج الديلمي أنَّه ﷺ قال: ((مَلعونٌ مَن لعب بالشِّطرنج)) (١). وأخرج أيضًا أنَّه ﷺ قال: ((يأتي على الناسِ زمانٌ يلعَبُون بها، ولا يلعَبُ بها إلا كلُّ جبَّار، والجبَّار في النار (يعني: الشطرنج) لا يُوقَّر فيه الكبير، ولا يُرحَم فيه الصغير، يقتُل بعضهم بعضًا على الدنيا، قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب، لا يَعرفون معروفًا ولا يُنكرون مُنكرًا، يمشي الصالح فيهم مُستخفِيًا، أولئك شِرار خَلق الله لا ينظر إليهم)) (٢). وأخرج أيضًا: ((ألاَ إنْ أصحاب الشاه في النار، الذين يقولون: قتلت والله شاهك)) (٣). وأخرج أيضًا: ((مَن لعب بالشِّطرنج فقد قارَف شِركًا، ومَن [يشرك] بالله فكأنما خرَّ من السَّماء)) (٤). وفي روايةٍ: ((مَن لعب بالشِّطرنج فقد عصَى الله ورسولَه)) (٥).

стр. 164

وأخرج أيضًا: ((اللاعِب بالشِّطرنج كالقاطع لحم الخنزير، والناظر إلى مَن يلعَبُ بالشطرنج كالغامس يده في لحم الخنزير)) (١). وأخرج أيضًا: أنَّه ﷺ نهى أنْ يُسلَّم على مَن لعب بنردٍ أو شِطرنج وعلى شارب الخمر)) (٢). وأخرج أيضًا: أنَّ عليًّا كرم الله وجهه مرَّ بقومٍ يلعَبون بها فلم يُسلِّم عليهم، فقال: أُسلِّم على قومٍ يَعكُفون على أصنامٍ لهم، سمعتُ خليلي ﷺ يقول ذلك (٣). وأخرج أيضًا: ((اللاعِبُ بالشِّطرنج يَأكُل لحمَ الخنزير)) (٤). وأخرج أيضًا: مرَّ النبي ﷺ بقومٍ يلعَبُون الشِّطرنج فقال: ما هذه الكوبة؟ ألم أنه عنها؟! لعَن الله مَن لعب بها)) (٥). [ز١/ ٤١/ب] وفي روايةٍ: ((لعنَةُ الله على مَن يلعَبُ بها)) (٦). وأخرج أيضًا: ((نفرٌ من أمَّتي لا يُكلِّمهم الله ولا يَنظُر إليهم ولهم عَذاب أليم: المانعون الزكوات، والنائمون عن العِبادات، والمتلذِّذون بالشَّهوات، واللاعبون بالشاه، ومات الضاربون بالكُوبات ... )) الحديث (٧).

стр. 165

وأخرج الطبراني: إنَّ أعرابيًّا قال: يا نبيَّ الله، إنِّي رأيت البارحةَ في المنام أنَّه ليس من عبدٍ يشهَدُ أن لا إله إلا [الله] ويشهد أنَّك رسولُ الله إلا رفَعَه الله درجةً في الجنَّة، إلا أصحاب الشاه))؛ وهي الشطرنج (١). وأخرج الديلمي: أنَّه ﷺ نهى عن اللعب بالشطرنج (٢). وأيضًا: ((يُغفَر ليلة النصف من شعبان لكلِّ متكبرٍ إلا صاحب الشاه))؛ يعني: الشطرنج (٣). وأخرج الحليمي حديثًا طويلاً فيه: ((ومَن لعب بالشطرنج والنرد [والجوز] والكعاب مقَتَه الله، ومَن جلس إلى مَن يلعَبُ بالشِّطرنج والنرد ينظُر إليهم [مُحيَتْ] عنه حسَناته كلها وصار ممَّن [مقته] الله)) (٤). قال علي كرم الله وجهه: ((الشطرنج ميسر الأعاجم)) (٥).

стр. 166

ومرَّ [علي] كرم الله وجهه على قومٍ يلعَبون الشِّطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكِفون؛ لأنْ يمسَّ أحدكم جمرًا حتى تُطفَأ خيرٌ له من أنْ يمسَّها، ثم قال: والله لغيرِ هذا خُلِقتم (١). وقال أيضًا: صاحب الشِّطرنج أكثَرُ الناس كذبًا يقول أحدهم: قتلت، وما قتل، ومات، وما مات (٢). وقال أبو موسى الأشعري: لا يلعَبُ بالشطرنج إلا خاطئ (٣). وقيل لإسحاق بن راهويه: أترى في اللعب بالشِّطرنج بأسًا؟ فقال: البأس كلُّه فيه، قيل له: أهل الثغور يلعَبُون بها لأجل الحرب، فقال: هو فُجور (٤). وسُئِلَ محمَّد بن كعب القرظي عن اللعب بها، فقال: أدنى ما يكون فيه أنَّ اللاعب بها يعرض - أو قال: يُحشَر - يومَ القِيامة مع أصحاب الباطل (٥). وسُئِلَ ابنُ عمر عنها - وهو صحيحٌ عنه - فقال: هي شرٌّ من الميسر (٦)، ويُوافِقه قول مالك، وقد سُئِلَ عنها [فقال]: هي من النرد، ومرَّ في النرد أنَّه كبيرةٌ عند أكثر العلماء.

стр. 167

وقال مالكٌ: بلغنا عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّه ولي مالاً ليتيمٍ فوجدها في تركة والد اليتيم فأحرقها، ولو كان اللعب بها حَلالاً لما أجازَ إحراقها؛ لكونها مالَ يتيمٍ، لكنْ لَمَّا كان [ز١/ ٤٢/أ] اللعب بها حَرامًا أحرَقَها، فتكون مثل الخمر إذا وجدت في مال اليتيم يجبُ إراقتها، هذا مذهب حبر الأمَّة ابن عباس ﵄ لكن قال الحافظ: هذا منقطعٌ، بل مُعضَل (١). وعنه بسندٍ لا يصحُّ: المَيْسِرُ: النرد، والشِّطرَنج، والقمارُ حتى [الجُوزُ]، والفُلُوس، والحصَى، والكِعاب وما أَشبَه ذلكَ باطل حرامٌ (٢). وقيل لإبراهيم النخعي: ما تقولُ في اللاعب بها؟ فقال: إنَّه ملعون (٣). وقال وكيعٌ وسفيان (٤) في قوله - تعالى -: ﴿وأنْ تستَقسِموا بالأزلام﴾ هي الشطرنج (٥). وقال مجاهد: ما من ميتٍ يموت إلا مُثِّلَ له جلساؤه الذي كان يجالسهم، فاحتضر بعض لاعبيها، فقيل له: قُل: لا إله إلا الله، فقال: شاهك، ثم

стр. 168

ماتَ (١)، فكانت تلك الكلمة الخبيثة هي خاتمةَ نُطقِه بدل الكلمة الطيِّبة التي هي: لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ التي وعد ﷺ : ((مَن كانت آخِرُ كلامِه بأنَّه يدخل الجنَّةَ)) (٢) مع الناجين الفائزين السابقين. (تَنْبِيه) إنْ قلت: هذه الأحاديث كلها [فيها] أعدَل شاهد وأظهَر مستند لما قاله أكثر العلماء أنَّ اللعب بالشِّطرَنج حرام مطلقًا وإن لم يقترن به شيء ممَّا مرَّ فما دليل القائلين بالحل؟ قلت: قال الحفَّاظ: إنَّ جميع تلك الأحاديث ليس فيها حديثٌ صحيحٌ ولا حسن، بل أقلها ضعيف وأكثرها منكر ساقط؛ ومن ثَمَّ قال الحافظ المنذري: وقد ورد ذكر الشِّطرَنج فِي أحاديث لا أعلم لشيء منها إسنادًا صحيحًا ولا حسنًا (٣). وقال شيخ الإسلام أبو الفضل العسقلاني: لا يَثبُت فِي الشِّطرَنج عن النبيِّ ﷺ شيءٌ، وقال تلميذه الحافظ السخاوي بعد ذِكره تلك الأحاديثَ والكلام على كلِّ واحدٍ منها بما يعلم منه أنَّه منكر ساقط - وهو الأكثر فيها - أو ضعيف: ليس فِي هذا الباب حديث صحيح، بل ولا حسن، فإنْ قلت: جاء عن عشرةٍ من الصحابة أنهم كرهوه وذموه كما مرَّ بعض ذلك، قلت: أكثر هؤلاء لم يصحَّ عنه ما نُقِلَ عنه وهم: عُقبة بن عامِرٍ، بل ما روي: لأَنْ أعبد وثنًا من دُون الله أَحَبُّ إلَيَّ من أنْ ألعَبَ

стр. 169

بالشِّطْرَنج (١)، كذبٌ صراح عليه؛ لأنَّ مثلَ هذه العبارةِ لا تصدر من مسلم، ومُعاذ، وأبو بكرة، وأبو سعيدٍ الخدري، وأبو موسى الأشعري، فإنَّ ما رُوِيَ عنه وإنْ صحَّ لكنَّه منقطعُ [ز١/ ٤٢/ب] وعائشة، وابن عباس (٢). وأمَّا ما مرَّ عن ابن عمر فلا يلزم من كونه شرًّا من النرد الحرمة؛ لاحتمال أنَّه يرى حلَّ النرد، كما هو وَجْهٌ لبعض أصحابنا على أنَّه كما مرَّ عن علي مذهب صحابي وهو غير حجَّة عندنا لا سيَّما وقد جاء عن سبعةٍ من الصحابة أنَّ بعضهم لعبه وبعضهم أقرَّ عليه، وأُجِيبَ عن قول عليٍّ السابق أيضًا بأنَّ الشِّطرَنج إذ ذاك كان مصورًا بصور الفيلة ونحوها ممَّا هو موضوعٌ لها، وجاء عن كثيرٍ من التابعين ومَن بعدهم حلُّه وَعَنْ آخَرين امتناعه فيَتكافَآن نظير ما ذكر عن الصحابة، وإنْ كان القائلون بالحرمة أكثر. فإنْ قلت: قد نازَع بعض الحفَّاظ المتأخِّرين فِي ثُبوت ما مرَّ عن أولئك السبعة الصحابة بأنَّ البيهقي أعلَمُ أصحاب الشَّافِعِي بالحديث وأنصحهم له ذكر إجماع الصحابة على المنْع منه ولم يحكِ عن الصحابة فِي ذلك نِزاعًا، قال: ومَن نقَل عن واحدٍ من الصحابة أنَّه رخَّص فيه فهو غالِطٌ، والبيهقي

стр. 170

وغيره من أهل الحديث أعلَمُ بأقوال الصحابة ممَّن ينقل أقوالاً بلا إسناد، والعلم عند الله - تعالى - ا. هـ. قلت: الإجماع مدخولٌ؛ فقد جاء عن عمرَ من طرقٍ إباحتُه، فهو حسنٌ لغيره، بل صحَّح التاج السبكي بعضَ طرقه، وإنِ اعتُرِض، وصَحَّ عن الحسن بن علي ﵄ لكن من طريق الكلبي بن مزاحم، وهو وإنْ كان ثقةً على الأصحِّ إلا أنَّ اجتماعه بالصحابة مُنظَرٌ فيه، وكيف يُتعقَّل إجماع الصحابة والقائلون بالحلِّ من التابعين ومَن بعدهم لا يُحصَوْن؟ وصحَّ عن سعيد بن جبيرٍ أنَّه كان يلعبه من وَراء ظهره كثيرًا، وزعَم أنَّه تستَّر به عن طلَب الحجَّاج منه القضاء (١)، وكذا كان يلعبه بالغيب جماعةٌ آخَرون من التابعين؛ كالشعبي (٢)، وهشام بن عروة (٣). (تَنْبِيه ثانٍ) ظاهر ما مرَّ عن ابن عمر وابن عباس ﵃ وَعَنْ مالك، ووكيع، وسفيان، وإسحاق وغيرهم أنَّه كبيرة عند القائلين بتحريمه، وأمَّا القائلون بحِلِّه فلا يُنافِي كونه معصيةً فضلاً عن كونه صغيرة (٤) فإنَّه إذا انضمَّ إليه قِمار أو إخراج صَلاة عن وقتها أو سب أو غير ذلك، فالمعصية والكبيرة إنما جاءَتْ من المنضمِّ إليه لا من ذاتِه، لكنْ قد يُفِيد

стр. 171

الانضِمام من القبح ما لم يُفدْه الانفِراد فلا يبعد جعْل [ز١/ ٤٣/أ] هذا الانضِمام [من القُبح] مقتضيًا لمزيد التغليظ والتنفير عنه. فإنْ قلت: كيف يكونُ إخراج الصلاة عن وقتها به كبيرةً مع أنَّه مشغولٌ به فهو غافلٌ، والغافل غير مُكلَّف، وكذا الجاهل والناسي فكيف يحكم بتأثيمه فضلاً عن كونه كبيرة؟ قلت: محلُّ عدَم تكليف النَّاسي والغافل والجاهل حيث لم ينشأ النسيان والغفلة والجهل عن تقصيره وإلا كان مُكلفًا آثمًا، أمَّا فِي الغَفلة فلمَّا صرَّحوا به فِي الشِّطرَنج من أنَّه لا يُعذَر باستغراقه فِي اللعب حتى خرَج وقت الصلاة وهو لا يشعُر؛ لما تقرَّر أنَّ هذه الغفلة نشَأتْ عن تقصيره بمزيدِ انكِبابه ومُلازمته على هذا المكروه حتى ضيَّع بسببه الواجب عليه، وأمَّا فِي الجهل فلِمَا صرَّحوا به من أنَّه لو مات إنسانٌ فمضَتْ عليه مُدَّةٌ ولم يُجهَّز ولا صُلِّي [عليه] أثم جاره وإنْ لم يعلم بموته؛ لأنَّ تركَه البحثَ عن أحوال جاره إلى هذه الغاية تقصيرٌ شديدٌ، فلم يبعد القول بعِصيانه وتأثيمه. فإنْ قلت: ما الفرق عندكم بين النرد والشِّطرَنج؟ قلت: قد أشَرتُ إلى الفرق بقولي فِي النرد: وحِكمة تحريمه ... إلى آخِر ما قدَّمته فِي مبحثه، وهو مستمدٌّ من فَرقِ أئمَّتنا بأنَّ التعويل فِي النرد على ما يخرجه الكعبان فهو كالأزلام، وفي الشِّطرَنج على الفكر والتأمُّل وأنَّه ينفع فِي تدبير الحرب. (تَنْبِيه ثالث) اختلفوا فِي مشروعيَّة السلام على لاعبه والرد عليه، فعندنا يُشرَع عليه وإنْ علم أنَّه لا يجيب ويجب الردُّ عليه لو سلَّم، واختلف القائلون بحرمته؛ فقال أبو حنيفة: يسلم عليه؛ لأنَّه يشتغل بالرد عمَّا هو فيه،

стр. 172

وكَرِهَه أبو يوسف تحقيرًا له! لعلَّه يتوبُ، ومرَّ عن عليٍّ وغيره ما يشهَدُ له، وبه قال مالك وأحمد. (تَنْبِيه رابع) فِي جملة الأقوال فِي الشِّطرَنج قد مرَّ أنَّ أكثر الصحابة والتابعين ومَن بعدهم على تحريم لعب الشِّطرَنج؛ ومنهم أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، ونُوزِع فِي نقْل التحريم عن مالك، ويردُّه قول ابن عبدالبر: أجمع مالك وأصحابه على تحريمه (١)، وبه جزَم الحليمي من كبار أصحابنا، واختاره القاضي الروياني، وجزم الذبيلي من أئمَّتنا أيضًا بأنَّه من الصغائر، وتمسَّك القائلون بالتحريم بقوله - تعالى -: ﴿إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ﴾ الآية (٢)، فَسَّر علي وغيره الميسرَ بما يشمل الشِّطرَنج؛ حيث جعله منه [ز١/ ٤٣/ب] ولم يَثبُتْ عن صحابيٍّ أنَّه خالَفَه فِي هذا التفسير، فهو إمَّا تفسير لغة فهو من أعلم أئمَّة اللسان فيُرجَع إليه، أو إبداء حُكمٍ فهو إجماع سُكوتي، أو قول صحابي لم يُخالَفْ، وهو حجَّة عند الجمهور، أو غيرهما فهو فِي حُكم المرفوع؛ إذ لا مجالَ للرأي فيه، وبقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ الآية (٣)، دلَّ على أنَّ كلَّ لهوٍ دعا قليلُه إلى كثيرِه وأوقع العَداوة والبَغضاء بين العاكفين عليه وصدَّ عن ذِكر الله وعَن الصلاة فهو كشُرب الخَمْر والميسر؛ فيكون حرامًا مثلهما، ولا شكَّ أنَّ الشِّطرَنج إذا استُكثِر منها يُؤدِّي لذلك كله، كيف ولاعبها لا يحسُّ بجوعٍ ولا عطشٍ ولا غيرهما من أحواله الضروريَّة فضلاً عن العاديَّة والعباديَّة، وقد شبَّه عليٌّ لاعبها بعابد

стр. 173

الصنم (١)، كما شبَّه ﷺ شارِبَ الخَمْرِ بعابدِ الوَثَنِ (٢)، وتمسَّكوا أيضًا بالأحاديث السابقة، وأقوال الصحابة فما كان منها صحيحًا فواضح أو مرسلاً قَوِيَ بتعدُّد طرقِه، وتمسَّكوا أيضًا بأنَّ العلَّةَّ فِي تحريم النرد أنَّه يوقع العَداوة والبَغضاء، ويصدُّ عن ذِكر الله وَعَن الصلاة، ويشغل القلب، والشِّطرَنج كذلك، بل هو أبلَغُ فِي إفساد القلوب من النرد؛ فإنَّه محتاجٌ إلى تقديرٍ وتفكُّر وحِساب النقلات قبل النقل، بخِلاف النرد فإنَّ صاحِبَه يلعب ويحسب بعد ذلك؛ ولهذا يُقال: إنَّ الشِّطرَنج مبني على مذهب الغدر، والنرد مبنيٌّ على مذهب الجبر؛ ومن ثَمَّ حُكِي عن بعض العلماء أنَّه قال: اللعب بالنرد خيرٌ من اللعب بالشِّطرَنج؛ لأنَّ لاعب النَّرد يعتَرِف بالقَضاء والقدر، ولاعب الشِّطرَنج ينفي ذلك؛ فهو أقرب إلى الاعتزال، وحكَى ابن أبي الدُّنْيَا عن بعضهم تفسيرَ النرد بالشِّطرَنج، قال المحرِّمون جوابًا عمَّا مرَّ: ممَّا يدلُّ للجواز، ولعبُ ابن جبير به إنما هو لكون الحجاج طلَبَه للقَضاء ففعَلَه ليكون قادحًا فيه، وحمل زجر عليٍّ على أنها كانت مُصوَّرة، يردُّه صِدق اسم التماثيل عليها وإنْ لم تكن مصورة؛ لأنها

стр. 174

تمثل ببني آدم وغيرهم فِي أسمائها، ومَن لم ينهَ عنها من الصحابة ظنَّ أنها ليست ممَّا يلهي، وزعَم بعضهم أنَّ فيها تدبيرًا للحرب ممنوع، بل لا تنفع فِي الحرب وإنْ سُلِّمَ فهو لا يقصد منها، بل المقصود منها غالبًا اللعب والقمار، وتجويز إباحة ابن عمر للنرد بعيدٌ، كيف والأدلة ظاهرة فِي تحريمه [ز١/ ٤٤/أ] لا سيَّما وهو من أشدِّ الصحابة اتِّباعًا وأعظمهم تحرِّيًا، وقد بالَغ ابن العربي المالكي فِي الإنكار على لاعِبِها فقال: انتهى مقال بعض الشافعيَّة إلى أنْ يقول: هو مندوبٌ إليه لأنَّ جمعًا من الصحابة والتابعين فعَلُوه، وهو يشحَذُ الذهن، حتى اتَّخذوه فِي المدارس ليلعَبُوا به عند الأعياد، تاللهِ ما مسَّها [يد تقي]، ولا لعب بها صحابيٌّ ولا غيرُه، ولا يتمهَّر فيها رجلٌ قطُّ له ذهن. القول الثاني: إنَّه مباح، وهو - وإنْ قال به جماعة من أكابر أصحابنا وغيرهم - شاذٌّ، وقد تطابَق كثيرٌ منهم على قولهم وإفتائهم بما لفظه: إذا سلمت الأموال عن الخسران، واللسان عن الطُّغيان، والصلاة عن النِّسيان، فهو أنسٌ بين الإخوان، واشتغالٌ عن الغيبة والبهتان (١)، وحُكِي نحو هذه العبارةِ عن الشَّافِعِيِّ، وشرَط الماورديُّ للإباحة انتفاءَ سائر وُجوه الخلاعة، وتمسَّكوا بأنَّ الإباحة هي الأصل، وبأنَّ فعله والإقرارَ عليه جاء عمَّن لا يُحصَى من العلماء، وبأنَّه ينفَعُ فِي تدبير الحرب، وبأنَّ بعضَهم رأى النبي ﷺ فشكا ولدَه فِي إدمانه عليه فقال: ((دعْه، فلا بأس به))، وقد ذهب بعض أصحاب الشَّافِعِي إلى جواز العمل بذلك؛ لأنَّ مَن رآى النبي ﷺ فقد رآه حقًّا، قال التاج السبكي:

стр. 175

واعلم أنَّا لم نجعَل عُمدتنا فِي إباحته ما مرَّ من الآثار، ولا ندَّعي أنها جميعها صحيحة؛ ولذلك لم نشتغلْ بالكلام على رجالها، ولكنَّا نقول: إنَّه غير محرَّم لعدم قيام ما يدلُّ على التحريم، وما أوردناه من الآثار ومذاهب السَّلَفِ يساعد القول بالحل، وإن لم يكن هو المستند، ا. هـ. قال الماوردي: وفيها مع تدبير الحرب، ومكيدة العدوِّ، وتشحيذ الخواطر، وتزكية الأفهام، ووُجوه الحزم [ما يشبه] اللعب بالحِراب والرِّماية والفروسيَّة، فإنْ لم يكن لأجل ذلك ندبًا مستحبًّا، فأولى ألاَّ يكون حظرًا محرمًا (١)، وأجاب هؤلاء عن أدلَّة التحريم السابقةِ بأنَّ الميسر هو القمار ولا خِلافَ فِي تحريمه، وتفسير عليٍّ السابقُ لم يصحَّ عنه، لا سيَّما وقد حصَل فيه شكٌّ من بعض رواته، بل فِي حديثٍ مرسل مرَّ: ((ثَلاَثة مِن المَيْسِرِ: القِمارُ، والضربُ بالكِعابِ، [والصَّفيرُ] بالحمامِ)) (٢). والخصم لا يحرِّم الأخيرَ مع الحكم عليه بأنَّه من الميسر، وبأنَّه حيث صَدَّ عن ذِكر الله وعَن الصلاة فهو كسائر [ز١/ ٤٤/ب] المباحات إجماعًا حَرام حِينئذٍ، وليس هذا من محلِّ النِّزاع؛ إذ محلُّه فِي مجرَّد لعبٍ لم يقتَرِنْ به فُحْشٌ مطلقًا، وبأنَّ قولَ علي للاعِبيه ما مرَّ إرشادٌ على أنَّه كان يصور مسمياته كما مرَّ، قال الصولي: ولم يزل الشِّطرَنج على ذلك أيَّام بني أميَّة، وقد رأيت منها شيئًا كثيرًا، وكثرت فِي ذلك الزمن لقُرب أيَّام الأعاجم منه، ولأجل ذلك قال: التماثيل، ولم يُنهَ عنها نصًّا تامًّا؛ ومن ثَمَّ استدلَّ به بعضهم على أنَّه كان يقول بعدم تحريمها، وإلا لأمرهم بالمعروف وأقامهم عنها قهرًا عليهم؛ ومن ثَمَّ لعبها كثيرون من التابعين وهم بقَوْلِ عليٍّ أعلم، وهم إليه

стр. 176

أقرب، وقيل: إنما كَرِهَها منهم لتشاغُلِهم بها [عن] الأذان، وقوله: ((مَيْسِرُ الأعاجِم)) (١) لا يدلُّ على التحريم على أنَّه مرسل، وقوله: ((صاحِبُ الشِّطرَنجِ أكذَبُ الناس)) (٢) لا يدلُّ على التحريم؛ لأنه كذبٌ صوري لا حقيقي، أو المراد أنَّه ينبغي التنزُّه عنه لأنَّه قد يُؤدِّي إلى الكذب، وقول ابن عمر: ((إنَّه شرٌّ من النَّرْدِ)) (٣) لا يدلُّ على صريح التحريم؛ لأنَّا لا نعلم مذهبه فِي النرد، على أنَّه قول صحابيٍّ خُولِف فيه، وأيضًا لم يقلْ أحد: إنَّه أغلظ تحريمًا من النرد، وإنما أخرَجَه مخرج المبالغة فِي الزجر عنه، و [ممَّن] قال: إنَّ الشِّطرَنج شرٌّ من النرد [السبكي وشرطه] أنْ يكونَ فيه قمار، وإلا فلا فيكون هذا الأمر متروكَ الظاهرِ بالإجماع فلا يحتجُّ به، قاله ابن السبكي. واعتُرِضَ بأنَّ المالكيَّة يقولون: إنَّه شرٌّ من النرد مطلقًا، قيل: والعجب من أنَّه حَكاه، وأجاب عنه بأنَّ هذا اجتهادٌ لمالك، وليس اجتهادُه حجَّة علينا، قالوا: ولم يصحَّ فيه خبرٌ كما مرَّ، والخبر الصحيح السابق أوَّل هذا الباب لا دليل فيه؛ إذ لا يبعد أنْ يكون هذا قياسًا على ما استَثْناه ﷺ من اللعب على أنَّه ورد فِي روايةٍ زيادةٌ رابعة وهي: تعلُّم السباحة، وأيضًا هو لا يستلزم التحريم لما عدا الخصال المذكورة فيه، بل قد يتمسَّك به القائل بالكراهة فإنَّه عام مخصوص بِمُلاعَبة الأطفال، كما ورد من قوله ﷺ : ((يا أبا عُمَيْر، ما فعَل النُّغَيْرُ؟)) (٤)، [وبلعب]

стр. 177

الحبشة بالحِراب بين يدَيْه ﷺ كما مرَّ، وقد قال البخاري فِي باب الجهاد: باب اللعب بالحراب وغيرها، وأورد حديثَ الحبشة السابق (١)، وقياسه على النرد ممنوعٌ؛ لوضوح الفرق بينهما، إذ الشِّطرَنج موضوعةٌ لصحَّة الفكر [ز١/ ٤٥/أ] وصَواب التدبير ونظام السياسة، فهي تُعِينُ على تدبير الحروب والحساب، والنرد موضوعٌ لما يُشبِه الأزلام، وتفسير النرد بالشِّطرَنج غير صحيح، وزعم أنَّ ابن جبير إنما فعَلَه خوفَ ولاية القضاء، يردُّه أنَّه لو كان كذلك اكتَفَى بمرَّة أو مرَّتين منه، وقد كان يلعَبُها من وَراء ظهر، وهذا إنما يأتي بإدامة طويلة حتى يحصل له تلك الملَكَة، وتمثيله بالحيوانات فِي الأسماء لا يضرُّ؛ لأنها مجازات. وبالجملة: فقد قال التاج السبكي: إنَّ المنصف إذا نظَر فيما أوردناه من الجانبين علم أنَّ القول بالحلِّ هو الحق الأبلج، وجاءَ عن بعض أئمَّة أهل البيت أنَّه قال: ما مات شريفٌ من الطالبيين إلا بِيعَت الشِّطرَنج فِي ميراثه، قيل: ووُجِدَ فِي تركة الشَّافِعِي، وبالَغ بعض الحفَّاظ فِي ردِّه وتزييفه. القول الثالث: أنَّه مكروهٌ كراهة تغليظٍ تُوجِب المنع، وكذا مذهب أبي حنيفة على ما حَكاه الماورديُّ فِي "حاويه" (٢)، واعترض بأنَّ مذهبه التحريم كما مرَّ، ورُدَّ بأنَّ أصحابه كثيرًا ما يُرجِّحون خلاف ما ذهب إليه. القول الرابع: أنَّه مكروهٌ كراهةَ تنزيهٍ، وهو الصحيح من مذهبنا، قال التاج السبكي: وهذا هو الذي نَدِين الله به [وهو الصحيح] ونراه الحقَّ الواضح والنهار الجلي، والمنصف إذا أزال العصبيَّة عن نفسه ونظَر فِي دلائل الفريقين علم أنَّ ذلك هو الحق الأبلج، وقيَّد الغزالي الكراهة بالمواظَبة، والأصحُّ أنَّه لا

стр. 178

فرق، وعَنْ مالك قول أنه كمذهبنا، ورجحه بعض أصحابه، ونازَع البلقيني فِي نقل الكراهة عن الشَّافِعِي بأنَّ كلامه فِي موضعٍ يُفهَم أنَّه خلاف ما يحبُّه، وفي موضعٍ [يقتضي] أنَّه استحسن ما مرَّ عن ابن جبير أنَّه كان يلعَبه خلف ظهره، بل نُقِلَ عنه نفسه أنَّه لعب به استدبارًا، ورُدَّ بأنَّ الأصحَّ فِي النقل عنه ما مرَّ من الكراهة، ومحلُّ حلِّه عندنا حيث لم يلعبْه مع مُعتقِدِ تحريمه، وإلا حرُم عليه كما رجَّحه التقي السبكي وتَبِعُوه؛ لما فيه من الإعانة على انتهاك الحرمة والجراءة وإنْ جاز الفِعلُ فِي اعتقاده فِي غير هذه الحالة فهو كمَن يُناوِل قدح خلٍّ لمن علم منه أنَّه يشربه مع ظنِّه كونه خمرًا؛ لأنَّه حينئذٍ مُعِينٌ له على معصيته فِي زعْم مُعتقِد التحريم، ونظيرُ ذلك ما لو تَبايَع رجُلان بعد أذان الجمعة: أحدهما تلزَمه والآخر لا تلزَمه، فيحرم على هذا [ظ١/ ٤٥/ب] أيضًا على أصحِّ الوجهين وهو المنصوص، واعتَمَده الشيخان وغيرهما لإعانته الأوَّلَ على المعصية. قال السبكي: لكنَّ التحريم فِي مسألتنا أخفُّ منه فِي هذه، فإنَّه على مَن تلزمه معلومٌ عندنا وعنده، وتحريم لعب الشِّطرَنج غير معلومٍ عندنا ولا عنده إذا كان حُكم الله فيه الحل فِي نفس الأمر، وإنما الحرام فعلُه مع اعتقاد حُرمتِه لا فعله مطلقًا، وهذا المجموعُ لم تحصل المعاونة عليه بل على بعضه، قال: وهذه دقيقةٌ ينبغي أنْ يُتنبَّه لها، ا. هـ. فإنْ قلت: يُنافِي ما ذكر من التحريم فِي مسألة الجمعة قولَ الروياني فِي "بحره": لو أُرِيدَ بيع مال يتيم وقت نداء الجمعة للضرورة فبذل فيه مَن تلزَمُه دينارًا ومَن لا تلزمه نصفه، يحتمل وجهين: أحدهما: [يباع] ممَّن لا جمعةَ عليه؛ لئلاَّ يوقع الآخَر فِي معصية.

стр. 179

والثاني: يُباع بالدينار؛ لأنَّ الذي إليه الإيجاب وهو غير عاصٍ به، وإنما القبول للطَّالِب وهو الذي يَعصِي به. قلت: إنما يتوهَّم المنافاة على الثاني فقط، ولكنْ عند التحقيق لا مُنافاة، بل الثاني هو الأوجَهُ، وليس ممَّا نحن فيه؛ لأنَّ كلامنا فِي مُبايَعة مَن لا يلزمه لِمَن تلزَمه بلا ضرورة وهنا ضرورةٌ، وجوب الحظِّ لليتيم اقتضت المسامحة للوليِّ فِي بيع مَن تلزَمُه بالدينار، وإنْ أثم المشتري إنْ خشي فَوات الجمعة، ثم رأيت احتمالاً ثالثًا للروياني يوافق بعض ما ذكرته وهو قوله: يحتمل أنْ يرخص له فِي القبول [لنَفعِ] اليتيم إذا لم يُؤدِّ إلى ترك الجمعة، كما يرخص للولي الإيجاب لحاجة اليتيم إليه. فإنْ قلت: ما مرَّ عن السبكي يُنافِيه قول ولده عنه فِي ترجمة الروياني فِي "طبقاته الوسطى" سمعت والدي يقول: لا يأثم شافعيٌّ لعب الشِّطرَنج مع حنفي، وفرَّق بينه وبين مسألة البيع وقتَ النداء بأنَّه حينئذٍ محرَّم عندهما، ولعب الشِّطرَنج ليس محرَّمًا عند الشَّافِعِي، وإنما المحرَّم عند الحنفي لعبه مع ظنِّه التحريمَ، وكلُّ واحدٍ من الجزأين ليس بِحَرام، أمَّا الظنُّ فهو [نتيجة] اجتهاد يُثاب عليه وليس بحرام، وأمَّا اللعب من حيث هو فليس بحرام لا عليه ولا [على] غيره إذا كان حُكم الله فيه ذلك فِي نفس الأمر. فإن قلت: يظنُّ الحنفي - أي المحرِّم - صار حراما عليه، قلت: الذي صار حرامًا عليه لعبه مع ظنِّه لا لعبه مطلقًا، فالهيئة الاجتِماعيَّة [ز١/ ٤٦/أ] هي المحرَّمة، وهي النسبة الحاصلة بين اللَّعِب المظنون والظنِّ، والشَّافِعِي اللاعب لم يعن إلا على أحد الجزأَيْن، وهو اللعب وهو بلسان [الحال] يردُّ على الحنفيِّ ويقول له: لا تظنُّ، ا. هـ ما فِي "الطبقات".

стр. 180

قلت: المعتمَد ما قدَّمته عنه أوَّلاً من الحرمة قِياسًا على مسألة الجمعة، وأمَّا هذا فهو اختيارٌ [له]، ويُجاب عنه بأنَّ المذاهب بعدَ أنْ تقرَّرت واتَّبع الناس [كلامها] (١) والتزَمُوا العمل بها، لم يبقَ للنظر إلى نفس الأمر مَساغ، ولم يتوجَّه من شافعيٍّ على حنفيٍّ مثلاً ردٌّ، ولم يسغْ قوله له: لِمَ لا تظن حرمة الشِّطرَنج؟ وإذا تمهَّد هذا وتقرَّر فالشافعيُّ إذا لعبه مع حنفيٍّ مثلاً كان مُعينًا على معصيةٍ حتى فِي اعتقاد الشَّافِعِي؛ لأنَّ من جملة اعتقاده أنَّ مَن قلَّد مالكًا مثلاً يَحرُم عليه لعب الشِّطرَنج، فإذا لاعَبَه كان معينًا له على معصيةٍ فِي اعتقادهما، أمَّا فِي اعتقاد المالكي فواضح، وأمَّا فِي اعتقاد الشَّافِعِي فهو لا مُطلقًا، بل من حيث نظرنًا لاعتقاد المالكي؛ إذ لو استَفتَى مالكيٌّ شافعيًّا قال: أنا مذهبي مالكيٌّ فهل يحرم عليَّ لعبُ الشِّطرَنج؟ وجَب على الشَّافِعِي أنْ يقول له: نعم، يحرم عليك لعبه ما دمت مالكيًّا، وقد صرَّح الأئمَّة بما يدفع ما قاله السبكي هنا؛ حيث قالوا: يجبُ النهيُ عن المنكر فِي اعتقاد الفاعل وإنْ لم يكن منكرًا فِي اعتقاد المنكِر، وهذا شاملٌ لمسألتنا، فيُعلَم منه نصًّا أنَّه يجبُ على شافعيٍّ رأى مالكيًّا مثلاً يلعب بالشِّطرَنج وهو مستمر على [تقليد مالك] أنْ يُنكِر عليه بيَدِه ثم بلِسانه ثم بقَلبِه؛ نظَرًا لِمُباشَرته حَرامًا فِي اعتقاده، وهو واضحٌ، وكذا فِي اعتقاد الشَّافِعِي لا مُطلقًا، بل نظرًا لاعتقاد الفاعل، وإذا صرَّحوا بأنَّه يلزَم الإنكار عليه كانوا مُصرِّحين بأنَّه يحرم عليه اللعب [معه]؛ لأنَّه ضد الإنكار الذي أوجَبُوه عليه، فاتَّضح ما مرَّ أولاً وهو حُرمة لعبِه معه، وأنَّه منقولُ المذهب، وليس بحثًا للسبكي ولا لغيره، فتأمَّله، فإنَّ مَن تكلَّموا على المسألة كلهم يحكيها عن السبكي
следующие страницы →