← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 37886

كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (206 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

كتاب كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع تصنيف ابن حجر الهيتمي (٨٩٩ - ٩٧٤ هـ) تحقيق عبد الحميد الأزهري

стр. 2

عملي في الكتاب ١ - قمت بعمل ترجمة لمصنِّف الكتاب. ٢ - قمتُ بضبط النص بانتخابه من النُّسخ التي سيأتي بيانُها. ٣ - قمتُ بتخريج الآيات، والأحاديث، والآثار مع الحكم عليها في الغالب. ٤ - قمتُ بالترجَمة لبعض الكُتُبِ، والأعلام التي اعتَمَد عليها المصنِّف. ٥ - قمتُ ببيان غريب الألفاظ الواردة في بعض نصوص الكتاب. منهجي في تحقيق نسخ المخطوط: اعتمدت في تحقيق الكتاب على نسختين خطيَّتين من أصل سبع مخطوطات داخل المكتبة الأزهرية، ورمزت لهما بالرمزين (ز١)، (ز٢)، كما اعتمدت على طبعة مصطفى البابي الحلبي وسمَّيتها بـ (المطبوع)، وبسبب كثرة التصحيفات وسقطِ بعض الكلمات في المخطوط (ز٢) جعلتُ أصل الكتاب من المخطوط (ز١)، وعند وجود تصحيفات أو طمس بعض الحروف أو سقط بعض الكلمات أو اختلاف بيِّن في معاني الألفاظ بين المخطوطين - أنبِّه على ذلك في الحاشية. وقمت باستدراك هذه الكلمات ووضعتُها بين معقوفين، فأيُّ كلمةٍ بين معقوفين فإنها إمَّا سقط أو تصحيف من المخطوط (ز١)، وتَمَّ استدراكه من المخطوط (ز٢)، إلاَّ أنْ أنصَّ على خلاف ذلك في الحاشية؛ كأنْ يتمَّ الاستدراك من طبعة مصطفى الحلبي أو من مصادر التحقيق. كما قد تتَّفق كلمتان بين المخطوط (ز١) و (ز٢) في المعنى وتختلف في اللفظ؛ نحو: (الماوردي من كبار أصحابنا)، (الماوردي من كبار أئمَّتنا)، فأترُكها على أصل المخطوط (ز١)، وإذا كان هناك كلمتان اختلفتا في

стр. 3

اللفظ والمعنى أُثبِتُ ما في المخطوط وأبيِّن في الحاشية ما في المطبوع نحو (القراءة، والقرآن). وصف النسخة: ١ - النسخة الخطية (ز١): اعتمدت على النسخة الخطيَّة الموجودة في المكتبة الأزهرية - برقم خاص ١٣٤٣ - مجامع ٥٧٧٠٥، وتقَع في ٥٨ ورقة، كلُّ ورقة فيها صفحتان، مسطراتها ٢٣ سطرًا، كتبت بخطٍّ جميل، ويظهَر على طرَّتها اسم الكتاب "كف الرَّعاع عن محرَّمات اللهو والسَّماع لابن حجر الهيتمي". بداية النسخة: "وقف محمد حسين باشا، بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، الحمد لله الذي حظر مواطن اللهو على عباده ... ". نهاية النسخة: " ... وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة المباركة يوم الثلاثاء أربعة وعشرون الحجة سنة ١٢٩٣، على يد كاتبه علي حسانين غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات آمين". ثم ختمها بلاميَّة البوصيري. ٢ - النسخة الخطية (ز٢): اعتمدت على النسخة الخطية الموجودة في المكتبة الأزهرية - برقم ٣٠٧٢٢٦، وتقع في ٦٠ ورقة، كل ورقة فيها صفحتان، مسطراتها ٢٥ سطرًا، كتبت بخط نسخي جميل، ويظهَرُ على طرَّتها اسم الكتاب "كف الرَّعاع عن محرَّمات اللهو والسَّماع" تأليف العالم العلامة شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى. بداية النسخة: "بسم الله الرحمن الرحيم، وهو حسبي وكفى، الحمد لله الذي حظر مواطن اللهو على عباده ... ".

стр. 4

نهاية النسخة: " ... تَمَّ الكتاب بعون الملك الوهَّاب، والحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، تَمَّ وكمل". ٣ - النسخة المطبوعة: نسخة شركة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر مطبوعة مع ضمن كتاب "الزواجر عن اقتراف الكبائر" للمصنف نفسه، وطبع معها أيضًا: "الإعلام بقواطع الإسلام" للمصنف أيضًا. مميزات النسخة المطبوعة: بها جهدٌ بيِّن وواضح في المقابلة، وإنْ كان يُؤخَذ عليها عدم الاهتمام بتحقيق الكتب حديثيًّا، وتطوير ورق الكتب لديها. أمثلة للأخطاء في النسختين (الخطية، والمطبوعة) وتَمَّ تصويبها من مصادر التحقيق: أ- قال المصنف: "ادعى الكمال جعفر الأُدفوي فِي كتابه "الإسماع في أحكام السماع"". الصواب: "ادعى الكمال جعفر الأُدفوي فِي كتابه "الإمتاع في أحكام السماع"". ب- قال المصنِّف: "أنَّ تفسير الكوبة من كلام راويه علي بن نديمة". الصواب: "أنَّ تفسير الكوبة من كلام راويه علي بن بذيمة". ج- قال المصنِّف: "وذُكِرَ عند [عبدالله] بن سيرين الذِينَ يُصْرَعُونَ". الصواب: "وذُكِرَ عند [محمد] بن سيرين الذِينَ يُصْرَعُونَ". د- قال المصنف: "وعن روح ابنة أبي لهب قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ [حين تزوجت ابنة أبي لهب] فقال: ((هل من لهو؟))؛ رواه أحمد".

стр. 5

الصواب: "وعن زوج ابنة أبي لهب قال: دخل علينا رسول الله ﷺ [حين تزوجت ابنة أبي لهب] فقال: ((هل من لهو؟))؛ رواه أحمد". هـ- قال المصنف: "وقال وكيع وسفيان في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلَامِ﴾ (١) هي الشِّطرَنج". الصواب: "وقال سفيان بن وكيع في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلَامِ﴾ هي الشِّطرَنج". وقال المصنف في المخطوط: "وأنه ﷺ صارع ركانة على شاة رواه أبو داود، والترمذي عن محمد بن ركانة صارع النبي ﷺ ". وفي المطبوع: "وأنَّه ﷺ صارَعَ رُكانَةَ على شاة رواه أبو داود، والتِّرْمِذِيُّ عن محمد بن رُكانَةَ أنَّ ركانة صارعَ النبي ﷺ ". الصواب: "وأنه ﷺ صارَعَ رُكانَةَ على شاةٍ رواه أبو داوُد، والتِّرْمِذِيُّ [من حديث أبي الحسن العَسقلاني، عن أبي جعفر بن محمد بن رُكانَةَ: أنَّ ركانة] صارَعَ النبي ﷺ ". أمثلة الأخطاء في النسخة المطبوعة وتَمَّ تصويبها من المخطوط أو من مصادر التحقيق: أ- في المطبوع: "والقاضي شريح، والزبير بن بكار فِي روضتيهما". الصواب: "وللقاضي شريح والزبير بن بكار فِي زوجتيهما".

стр. 6

ب- في المطبوع: "وفي "التهذيب": إنْ كان التشبيب في امرأةٍ معيَّنة أو غُلام معيَّن فسق، وإلاَّ فلا وهو إنْ صحَّ وإنْ قال الروياني". الصواب: "وفي "التهذيب": إنْ كان فِي التشبيب بامرأةٍ معيَّنة أو غُلام معيَّن فسق، وإلاَّ فلا، وهو الأصحُّ، وإنْ قال الروياني". ج- في المطبوع: "بل الغالب أنَّ القصد به برقيق الشعر وإظهار الصَّنعة". الصواب: "بل الغالب أنَّ القصد به ترقيق الشعر وإظهار الصَّنعة". ٣ - التضاد بين النسختين (الخطية، والمطبوعة): أ - في المطبوع: "فظاهر كلام ابن الحاجب موافقته عن بعض المالكية". في المخطوط: "فظاهر كلام غير ابن الحاجب موافقته، قال بعض المالكية". ففي هذا الموضع أقوم بإثبات ما في المخطوط، وأذكُر ما في المطبوع في الهامش. * * * ترجمة ابن حجر الهيتمي اسمه: أبو العبَّاس أحمد بن محمَّد بن عليِّ بن حَجَرٍ الهيتميُّ ثم المكيُّ السَّعدي الأنصاري. نسبه ومولده: السَّعدي: نسبةً إلى بني سعد من عرب الشرقيَّة (بمصر)، والهيتمي نسبةً إلى محلَّة أبي الهيتم (من إقليم الغربيَّة بمصر)، والتي وُلِدَ فيها وإليها نسبته الأكثر شُهرةً، وُلِد عام ٨٩٩هـ. شيوخه: قال الكتاني فِي "فهرس الفهارس": يروي عن القاضي زكرياء، والمعمر الزين عبدالحق السنباطي، وشيخ الإسلام كمال الدين بن حمزة، والشمس المشهدي، والشمس السمنودي، وابن عز الدين السنباطي، والأمين الغمري، كلهم من تلاميذ الحافظ ابن حجر، والحافظ السيوطي،

стр. 7

وأبي الحسن البكري، وغيرهم، وله معجمٌ فِي مجلَّد وسط ذكر فيه إجازات مشايخه، والكتب التي أجازُوه بها، وقَفتُ على نُسخةٍ منه بخطِّ حَفِيدِه الشيخ محمد رضي الدين بن عبدالرحمن بن أحمد بن حجر المذكور، فرغ من نسخه عام ١٠٣٠، وهي موجودةٌ بالمكتبة الخديويَّة بمصر. ثناء العلماء عليه: قال عنه الزركلي فِي "الأعلام": فقيه باحث مصري، تلقَّى العلم فِي الأزهر، ومات بمكة، له تصانيف كثيرة (١). وقال عنه صديق حسن خان: كان أعظم عُلَماء عصره، وفُقَهاء دهره، لم يكن له نظيرٌ فِي الفقاهة فِي زمانه، وقال عنه الشيخ عبدالحق الدهلوي: لا نسبةَ له بالشيخ ابن حجر العسقلاني الكبير فِي علم الحديث، ولكن يحتمل أنْ يكون فِي الفقه مثله، تتَلمَذ على الشيخ زكريا المصري الآخِذ عن الحافظ ابن حجر العسقلاني (٢). وقال الكتاني في "فهرس الفهارس": الفقيه، المحدث، الصوفي، صاحب التآليف العديدة التي عليها المدار عند الشافعيَّة فِي الحجاز، واليمن، وغيرهما، قال فيه الشهاب الخفاجي فِي "الريحانة" لما ترجمه: علامة الدهر خُصوصًا الحجاز، فكم حجَّت وُفود الفُضَلاء لكعبته، وتوجَّهت وُجوه الطلب إلى قبلته، إنْ حدَّث عن الفقه والحديث لم تتقرَّط الآذان بمثل أخباره فِي القديم والحديث، فهو العلياء والسند (٣). ما أخذ العلماء عليه: قال صديق حسن خان فِي "أبجد العلوم": وكان له تعصُّب مع شيخ الإسلام ابن تيميَّة شديد - عفا الله عنه ما جناه.

стр. 8

تصانيفه: له مؤلَّفات ماتعة منها: الإمداد فِي شرح الإرشاد للمقري، الإيعاب فِي شرح العباب، الإعلام بقواطع الإسلام فِي الألفاظ المكفرة، الجوهر المنظم فِي زيارة قبر النبي المكرم - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - الخيرات الحسان فِي مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان، الدر المنضود فِي الصلاة على صاحب اللواء المعقود - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - الدر المنظوم فِي تسلية المهموم فِي الصلاة، الدرر الزاهرة فِي كشف بيان الآخرة، الزواجر عن اقتراف الكبائر، الصواعق المحرقة فِي الردِّ على أهل البدع والزندقة، الفضائل الكاملة لذوي الولاة العادلة، الفقه الجلي فِي الرد على الخلي، القول الحلي فِي خفض المعتلي، القول المختصر فِي علامات المهدي المنتظر، المناهل العذبة فِي إصلاح ما هي من الكعبة، المنح المكية فِي شرح همزية البوصيري، المنهج القويم فِي مسائل التعليم، النخب الجليلة فِي الخطب الجزيلة، النعمة الكبرى على العالم بمولد سيد ولد آدم ﷺ أسنى المطالب فِي صلة الأقارب، أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل، إتحاف أهل الإسلام بخصوصيَّات الصيام، إرشاد أهل الغنى والأناقة فيما جاء فِي الصدقة والضيافة، إسعاف الأبرار شرح مشكاة الأنوار، تحذير الثقات من أكل الكفتة والقات، تحرير الكلام فِي القيام عند ذكر مولد خير الأنام، تحرير المقال فِي آداب وأحكام وفوائد يحتاج إليها مؤدبو الأطفال، تحفة الزوار إلى قبر النبي المختار - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - تحفة المحتاج فِي شرح المنهاج، تطهير الجنان واللسان عن الخوض والتفوُّه بمثالب سيدنا معاوية بن أبي سفيان له، تطهير العيبة من دنس الغيبة، تلخيص الأحرا فِي حكم الطلاق المعلق بالأبرا، تَنْبِيه الأخيار عن مُعضِلات وقعت فِي كتاب الوظائف وأذكار الأذكار، خلاصة الأئمَّة الأربعة، درر الغمامة فِي

стр. 9

در الطيلسان والعذبة والعمامة، زوائد على سنن ابن ماجه، شرح الشمائل للترمذي، شرح عين العلم فِي السلوك، شرح مشكاة المصابيح للتبريزي، الفتاوى الحديثية، الفتاوى الفقهية، فتح الجواد على شرح الإرشاد فِي الفروع، فتح الإله شرح المشكاة، فتح المبين فِي شرح الأربعين للنووي، قرة العين فِي بيان أنَّ التبرع لا يبطله الدين، قلائد العقيان فِي مناقب النعمان، كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع، مبلغ الأرب فِي فضل العرب، معدن اليواقيت الملتمعة فِي مناقب الأئمة الأربعة، نصيحة الملوك. وفاته: توفي سنة ٩٧٤، وما يُفهَم من عبارة صاحب "خلاصة الأثر" من أنَّ وفاته سنة ٩٩٥ غلط، وما فِي فهرسة الدمنتي الكبير أنَّه مات فِي ٣ رجب ٩٦٤ غلط. تنبيه: يُفرَّق بين المصنِّف ابن حجر الهيتمي بالمثنَّاة الفوقيَّة، وبين الهيثمي بالمثلَّثة المحدِّث نور الدين صاحب "مجمع الزوائد" (ت ٨٠٧ هـ) علي بن أبي بكر أبي الحسين نور الدين الهيثمي، المصري القاهري. صحَّة نسبة الكتاب إلى مؤلفه: ١ - قال الهيتمي في "الفتاوى الفقهية الكبرى": وذكرت في كتابي "كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع" أحاديث أُخَر في ذلك؛ منها: قوله ﷺ ((إنَّ لله في كلِّ يوم وليلة ثلاثمائة وستين نظرةً إلى خَلقِه يرحَمُ بها عباده، ليس لصاحب الشاه فيها نَصِيبٌ)) ... إلخ (١).

стр. 10

٢ - وقال الهيتمي أيضًا في "تحفة المحتاج شرح المنهاج": (ويُكرَه الغِناءُ) بكسر أوَّله وبالمد (بلا آلةٍ وسماعُه)؛ يعني: استماعه لا مجرَّد سماعه بلا قصد؛ لما صحَّ عن ابن مسعودٍ، ومثلُه لا يُقال من قِبَلِ الرأي، فيكون في حكم المرفوع أنَّه يُنبِت النِّفاق في القلب كما ينبت الماء البقل، وجاء مرفوعًا من طُرُقٍ كثيرةٍ بيَّنتُها في كتابي "كف الرَّعاع عن محرمات اللهو والسماع" (١). ٣ - وممَّن نسَب كتاب "كف الرَّعاع" إلى ابن حجرٍ الهيتمي (خيرالدين الزركلي في "الأعلام"، ويوسف إليان سركيس في "معجم المطبوعات"، والحاج خليفة في "كشف الظنون"، والعيدروس في "النور السافر"). ٤ - لم يُشكِّك أحدٌ من العلماء المدقِّقين والمحقِّقين المحرِّرين في نسبة الكتاب إلى المصنِّف ابن حجر الهيتمي (٢).

стр. 11

كتاب كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع لابن حجر الهيتمي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين (١) الحمدُ لله الذي حظَر مواطن اللهو على عِباده، وخلص من ريبه وشُبَهِه المصطفَيْن لقُربِه ووداده؛ لما امتنَّ به عليهم فعرَّفهم دسائسَ النُّفوس المانعة من فهْم حكمه ومُراده، وكشَف لهم عن تسويلات الشيطان لا سيَّما على قومٍ زعَمُوا التصوُّف والعرفان، وغفلوا عن قول أعظم الصدِّيقين بعد الأنبياء والمرسَلين: ((أبِمَزاميرِ الشَّيْطانِ في بيتِ رسول الله؟)) (٢)، ﷺ وشَرَّفَ وَكَرَّمَ، لما غلب عليهم من الشهوات ومحبَّة البطالات، والسعي فِي جلب فسَقَة العامَّة إلى مجالسهم لينالوا من حُطامهم وخَسائسهم الجالبة لهم إلى القطيعة، لعدم عملهم (٣) بما قاله أئمَّة الحقيقة والشريعة (٤)، فحمدًا لك اللهمَّ أنْ وفَّقتنا لردِّ سَقطاتهم الشنيعة، وتقولاتهم الفظيعة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له شهادةً أنجو بها من مَكائِد الشيطان ومُوالاته، ومن حمل أحد من الخاصَّة أو العامَّة على سَماع مَزامِيره الموجب لسروره وظفره منهم بغاية مُراداته.

стр. 12

وأشهد أنَّ سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وصفيُّه وخليله، الذي أرسَلَه الله قاصمًا لأعدائه بواضح براهينه [وبيِّناته] (١) صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله وأصحابه وتابعيهم المبرَّئين من سَفساف أهل الحظوظ والشَّهوات، والموفَّقين لصَرْفِ جميع الأوقات فِي مهمَّات العِبادات، لا سيَّما نفع المسلمين بتمهيد قواعد الدِّين، والرد على المُبطِلين الذي ضلُّوا سواء السبيل، واتَّخَذوا مَزامِيرَ الشيطان شَفاءً للغليل، زاعِمين زيادةَ مَعارِفهم بذلك، وما درى الأشقياء أنَّ أقدامَهم زلَّت عن سنن المسالك، وأقلامهم سجلت عليهم بأعظم المهالك؛ لأنهم سنُّوا سننًا سيِّئة مصحوبة بالإلحاد والعِناد، فباؤوا بوِزرِها، ووِزر مَن يعمل بها إلى يوم يرَوْن جزاء ذلك على رُؤوس الأشهاد، أعاذَنا الله من أمثال هذه القواطع، وجعَلَنا ممَّن ذبَّ عن شريعته الغرَّاء الواضحة [ز١/ ١/أ] البيضاء بالبراهين القَواطِع، وأدام علينا رضاه فِي هذه الدار وإلى أنْ نلقاه، إنَّه الجواد الكريم الرؤوف الرحيم. أمَّا بعدُ: فإنِّي أثناء شهر ربيع سنة ثمانٍ وخمسين وتسعمائة دُعِيت إلى نسيكة (٢) لبعض الأصدقاء، فوقَع السُّؤال عن فُروعٍ تتعلَّق بالسماع، فأغلظتُ فِي الجواب عنها وفي الردِّ على مَن زلَّ فهمُه أو قلمه فيها، فقيل لي عن كتاب لبعض المصريين بلدًا، التونسيين محتدًا، المالكيين معتقدًا، المتصوِّفين ملتحدًا، أنَّه بالغ فِي حلِّ ذلك بتأليف كتابٍ سماه "فرح الأسماع برخص السماع" (٣) فبالغت فِي الردِّ عليه فِي ذلك المجلس، فبعد مُدَّةٍ أرسل

стр. 13

لي بعض رؤساء مكَّة الكتاب، وطلب منِّي كتابة عليه حتى يتبيَّن ما فيه، ويظهر زيغُه الذي اشتمل [عليه] قوادمه وخوافيه، وأكَّد على ذلك، فعزمت على إجابته لأفوزَ بأجر هذا الأمر ومَثُوبته؛ لعلمي بأنَّ أبناء الزمان الذين غلب عليهم الخسار والهوان عكَفُوا على كتابة ذلك الكتاب، واتَّخذوه لسماع تلك المحرَّمات أعظم الأسباب، وظنُّوا أنَّه الحق الواضح، وأنَّ مؤلِّفَه المرشد الناصح، جهلاً منهم بالحقائق، وإصغاء لكلِّ ناعق وناهق، فتجاهَرُوا بها بين الملا، فضلاً عن السرِّ والخلا، فِي بلد الله وحرَمِه، ومَظهر جُوده وكرَمِه، ولم يخشَوْا يوم المعاد، ولا عظَّموا حُرمة أفضل البلاد، وزادوا فِي ذلك حتى كسَّرت من آلاتهم بيدي عدَّةً عديدة، ولزمت ذلك معهم مدَّة مَدِيدة، ورفعت أقوامًا منهم إلى حُكَّام الشريعة تارةً، والسياسة أخرى، بحسب جُرأة الفاعلين الموجبة لحسرتهم فِي الدُّنْيَا والأخرى، وشدَّدت عليهم إلى أنْ عاقَبُوهم بما يُناسِب جُرأتهم، وأشهَرُوا تعزيرهم فِي الأسواق، لتعلم سرائرهم، فخمدوا بحمد الله - تعالى - عن ذلك، ولزموا التحفُّظ عن أنْ يحوموا حول تلك المسالك، فتَمادَى بي الاشتغال فِي هذه السنة بـ"شرح المنهاج" عن أكثر المهمَّات؛ لظنِّي أنه الأهمُّ وأنَّ كلَّ شافعي إليه محتاج، إلى ثالث يومٍ من شهر رجب شهر الله الأصب، فسمعت أنَّ جماعةً من عُلَماء البلدان النائية حضَرُوا مجلسًا جرَى فيه ذكرُ ذلك، فتبايَنتْ [ز١/ ١/ب] أقوالهم، واضطربت أحوالهم، وأصغى جمعٌ منهم إلى مَن لا يُعتَدُّ به فِي تحليلٍ ولا تحريم، بل ربما يُخشَى عليه الدخول فِي ورطة المشار إليهم بقوله - تعالى عزَّ قائلاً -: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا

стр. 14

حَرَامٌ﴾ (١) الآية، فشرعت فيه قاصدًا نُصحَ المسلمين ببيان الحلال والحرام من ذلك عند جميع العلماء أو أكثرهم، غير مُعوِّل على رأيٍ انحرَفَ به صاحبه عن جادَّة المهتَدِين، أو قول لم تصحَّ نسبته لأحدٍ من العلماء العاملين، أو استِدلالٍ جازَفَ فيه بعض المقلِّدين، إمَّا فِي حِكايته، أو استنباطه، أو فِي خلطه به ما عاد عليه بما شهد على قائله بكثرة غلطاته، وقباحة خلطه واختلاطه، محذرًا مَن أراد صِيانةَ نفسه عن مَواضِع التُّهم؛ لئلاَّ يظن به المسلمون أنَّه استحلَّ حرمات الله بتحليل ما حرَّم، وأنَّه تمادَى به التفريط والاستهتار إلى أنْ خُتِمَ له بالسوء لا سيما فِي الحرم الأعظم. وتأمَّل قول سلف هذه الأمَّة الذين أنعَمَ الله عليهم بالحِفظ من الدخول فِي ورطةٍ ملمَّة أو مهلكةٍ مدلهمَّة: المعصية بَرِيدُ الكفر؛ أي: لا سيما مَن استصغر المعاصي وغفل عن أنَّ الله ربما جازَى العبد بما لم يخطر بباله أنَّه سببٌ لهلاكه الأبدي فِي حالِه ومآلِه، حفظنا الله وإيَّاك عن هذه الورطات المزيلة لنِعَمِ أكرم الأكرمين فِي الدينا والدِّين، وجعلنا ممَّن دلَّ الناس على الحق، وبيَّن لهم مَقامات الاحتياطات بالصدق، وحذَّرهم مقتَ الله وغضبه، ولم يبقَ لهم عذرٌ يستَمسِكون بسببه، وأبان لهم كلَّ مقام مُشكِل، وأوضح لهم كلِّ سبيل أُجمِل، مبتغيًا وجهَ ربه ذي الجلال والإكرام يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا مَن أتى الله بقلبٍ سليمٍ من كلِّ ميلٍ إلى ما أورَث شُبهة أو مَلامة آمين. ورتَّبتُه على مقدمة وبابين وخاتمة.

стр. 15

المقدمة في ذم المعازِف، والمزامِير، والأوتار ونحوها ممَّا جاء عن الصادق المصدوق الذي لا يَنطِق عن الهوى إنْ هو إلاَّ وحيٌ يُوحَى؛ [قال تعالى:] ﴿فَليَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١)، عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله - صلَّى الله [ز١/ ٢/أ] عليه وسلَّم -: ((إنَّ الله بعثَنِي هُدًى ورحمةً [للعالمين] (٢)، وأمرَنِي بمحْق المعازف، والمزامير، والأوتار والصليب، وأمر الجاهلية، وحلف ربِّي بعزَّته وجلاله لا يشرب عبدٌ من عِبادي جرعةً من خمرٍ متعمدًا في الدنيا إلا سقَيْته مكانَها من الصديد يومَ القيامة مغفورًا له أو معذبًا، ولا يترُكها من مخافتي إلا سقَيْتها إيَّاه في حظيرة القدس، لا يحلُّ بيعهن، ولا شِراؤهن، ولا التجارة فيهن، وثمنهن حرام))؛ رواه أبو داود الطيالسي واللفظ له، وأحمد بن منيع، وأحمد بن حنبل، والحارث بن أبي أسامة بلفظ: ((إنَّ الله بعثَنِي رحمةً وهُدًى للعالمين، وأمرني أنْ أمحق المزامير، والمعازف، والخمور، والأوثان التي تُعبَد في الجاهلية، وأقسم ربِّي بعزَّته لا يشرب عبدٌ الخمرَ في الدنيا إلا سقَيْته من حميم جهنم مُعذَّبًا أو مغفورًا له، ولا يدَعُها عبد من عبيدي تحرُّجًا عنها إلا سقيتُها إياه في حظيرة القدس)). وقال رسول الله ﷺ : ((لكُلِّ شيءٍ إقبالٌ وإدْبار وإنَّ من إقْبال هذا الدِّين ما بعثَنِي الله به حتى أنَّ القبيلة لتتفقَّه كلُّها من عند آخِرها حتى لا يبقَى إلا الفاسق والفاسقان فهما مقهوران مقموعان ذليلان، إنْ تكلَّما أو نطَقا قُمِعا وقُهِرا واضطُهِدا، ثم ذكَر من إدبار هذا الدِّين أنْ

стр. 16

تجفو القبيلة كلها من عند آخِرها حتى لا يبقى فيها إلا الفقيه أو الفقيهان، فهما مقهوران مقموعان ذليلان، إنْ تكلَّما أو نطَقا قُمِعا، وقُهِرا، واضطهدا، وقيل لهما: أتطعنان علينا حتى يشرب الخمر في نادِيهم، ومجالسهم، وأسواقهم وتنحل الخمر غير اسمها حتى يلقى آخِر هذه الأمَّة أولها إلا حلَّت عليهم اللعنة، ويقولون: لا نأمن هذا الشراب، يشرب الرجل منهم ما بدَا له ثم يكفُّ عنه حتى تمرَّ المرأة فيقوم إليها بعضهم، فيرفع ذيلها فينكحها وهم ينظُرون كما يرفع ذنب النعجة، وكما أرفع ثوبي هذا، ورفع رسول الله ﷺ ثوبًا عليه من هذه السحوليَّة، فيقول القائل منهم: لو نَحَّيتمونا عن الطريق، فذاك فيهم كأبي بكرٍ وعمر، فمَن أدرك [ز١/ ٢/ب] ذلك الزمان وأمَر بالمعروف ونهى عن المنكر فله أجر خمسين ممَّن صحبني وآمَن بي وصدَّقني أبَدًا)). وحديث أبي أمامة هذا فيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف (١)، لكنْ له شاهدٌ من حديث ابن مسعود وغيره (٢).

стр. 17

ومنه: عن ابن عباس ﵄ قال: ((الكُوبَةُ حرامٌ، والدن حرامٌ، والمعازِفُ حرامٌ، والمزامِيرُ حرامٌ))؛ رواه مسدد، والبيهقي فِي "سننه الكبرى" موقوفًا، ورواه البزار مرفوعًا، ولفظه عن ابن عباس عن النبي ﷺ أَنَّه حرَّم الميتة، والميسِر، والكُوبة - يعني: الطبل - وقال: ((كلُّ مسكرٍ حرامٌ)) (١).

стр. 18

وعن أبي هُرَيرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((يُمسَخ قومٌ من أمَّتي في آخِر الزَّمان قردةً وخنازير)) قالوا: يا رسول الله، أمسلمون هم؟ قال: ((نعم؛ يشهدون أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويصومون، [ويُصلُّون]))، قالوا: فما بالهم يا رسول الله؟ قال: ((اتَّخذوا المعازف، والقينات، والدفوف، وشربوا هذه الأشربة، فباتوا على شَرابهم ولهوهم، فأصبحوا وقد مُسِخوا))؛ رواه مُسدَّد، وابن حبان، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقومُ الساعة حتى يكون ... )) (١). وعن سهل بن سعدٍ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يكونُ في هذهِ الأُمَّةِ خسفٌ ومسخٌ وقذفٌ))، قيل: ومتى ذلك يا رسولَ الله؟ قال: ((إذا ظهَرت القَيْنات والمعازف، واستُحِلَّت الخمر))؛ رواه عبدُ بن حميد واللفظ له، وابن ماجه مختصرًا، ومَدار مسانيدهما على: عبدالرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف (٢)، وصَحَّ من طُرُقٍ خلافًا لما وهم فيه ابن حزم، فقد علَّقَه البخاري، ووصَلَه الإسماعيلي، وأحمد، وابن ماجه، وأبو نعيم، وأبو داود بأسانيد صحيحة لا مَطعَن فيها، وصحَّحه جماعةٌ آخَرون

стр. 19

من الأئمَّة كما قاله بعض الحفَّاظ: أنَّه ﷺ قال: ((لَيكونَنَّ في أمَّتي أقوامٌ يستَحِلُّون الخزَّ، والحرير، والخمر، والمعازف)) (١)، وهذا صريحٌ ظاهرٌ في تحريم جميع آلات اللهو المطربة. وعن علي ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: ((إذا فعلَتْ [ز١/ ٣/أ] أمَّتى خمس عشرة خصلةً حَلَّ بها البلاءُ: إذا كان المغنم دولاً، والأمانة مغنمًا، والزكاة مغرمًا، وأطاع الرجل زوجته وعقَّ أمه، وبرَّ صديقه وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذَلهم وأُكرِم الرجل مخافةَ شرِّه، وشُرِبت الخمر، ولُبِسَ الحرير، واتُّخذت القَيْنات والمعازف، ولعن آخِرُ هذه الأمَّة أوَّلها، فليرتَقِبوا عند ذلك ريحًا حمراء أو خَسْفًا أو مَسْخًا))؛ رواه الترمذي (٢). وعن ابن عباس ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: ((أُمِرتُ بهدمِ الطبلِ والمِزمار)) (٣)؛ أخرجه الديلمي. وعن ابن مسعودٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: ((الغِناء يُنبِت النِّفاق في القلب، كما يُنبِت الماء البقل)) رواه البيهقي،

стр. 20

وابن أبي الدُّنيا، وكذا أبو داود لكن بدون التشبيه، ورواه البيهقي أيضًا موقوفًا (١)، وفي الباب عن أبي هريرة أيضًا رواه ابن عدي (٢). واعلم أنَّ بعض الصوفيَّة الذين لا يعرفون مواقع الألفاظ ومدلولاتها قال: المراد بالغناء هنا غنى المال، وكأنَّه لم يُفرِّق بين الغناء الممدود، والمقصور؛ إذ الرواية إنما هي الغناء بالمد، وأمَّا غنى المال فهو مقصورٌ لا غير، ذكَرَه الأئمَّة. واستدلَّ له شيخُ الإسلام الحافظ العسقلاني بحديث ابن مسعود الموقوف بأنَّ فيه: "والذِّكر ينبت الإيمان في القلب، كما ينبت الماء البقل"، ألاَ تراه جعل ذِكر الله مُقابلاً للغناء؛ لكونه ذكر الشيطان، كما قابَل الإيمان بالنِّفاق، ا. هـ (٣). وسيأتي أنَّ ذلك حديثٌ مرفوع أيضًا، ولعلَّ الحافظ لم يستحضره وقتَ كتابته لذلك. وعن عليٍّ - كرم الله وجهه -: أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن ضرب الدفِّ ولعب [الصج] (٤) وضرب الزَّمَّارة؛ أخرجه الخطابي (٥).

стр. 21

وعن أنسٍ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ – أنَّه قال: ((مَن قعَد إلى قَيْنةٍ يستَمِع منها صَبَّ الله في أذنَيْه الآنُك (١) يومَ القيامة))؛ رواه ابن صصري فِي "أماليه"، وابن عساكر فِي "تاريخه" (٢). وعن صفوان بن أميَّة، أنَّ عمرو بن قُرَّة قال: "كُتِبتْ عليَّ الشقوة، فلا أرى أُرزَق [ز١/ ٣/ب] إلا من دفِّي، فَأْذَنْ لي في الغناء من غير فاحشة؟ فقال له رسول الله ﷺ : ((لا آذَنُ لك ولا كرامة ولا نعمة

стр. 22

عين، كذبت أيْ عدو الله، لقد رزقَكَ الله حلالاً طيِّبًا، واخترتَ ما حرَّم الله عليك من رزقه مكانَ ما أحلَّ الله لك من حَلاله، ولو كنت تقدَّمت إليك - أيْ بالنهي - قبل الآن لفعلتُ بك وفعلتُ، قُمْ عنِّي وتُبْ إلى الله، أمَا إنَّك لو قلت بعد التقدمة شيئًا - أي: لو فعلت ما نهيتك عنه - بعد الآن ضربتك ضربًا وجيعًا، وحلقت رأسك، ونفيتك عن أهلك، وأحللت سلبك نهبةً لفتيان المدينة، هؤلاء العصاة - أي: الذين يفعلون مثل فعل عمرو هكذا - مَن مات منهم بغير توبةٍ حشَرَه الله - تعالى - يوم القيامة كما كان في الدنيا: مخنثًا عريانًا، لا يستتر من الناس [بهدبةٍ كلَّما قام صُرِعَ] (١)))؛ رواه البيهقي، والطبراني، ورواه الديلمي إلى قوله: ((وتُبْ إلى اللهِ))، وزاد: ((وأوسع على نفسك وعيالك حلالاً؛ فإنَّ ذلك جهادٌ في سبيل الله، واعلَمْ أنَّ عون الله مع صالحي التجَّار)) (٢). وعن عليٍّ ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: ((مَن مات وله قَيْنَةٌ فلا تصلُّوا عليه))؛ رواه الحاكم فِي "تاريخه"، والديلمي وسنده ضعيف (٣). وعن السائب بن يزيد أنَّ النبي ﷺ قال لعَائِشَةَ وقد دخلت لها قينة مغنية: ((يا عائشة، تَعرِفين هذه؟ هذه قَيْنةُ بنى فلان، أتحبِّين

стр. 23

أنْ تغنيك؟)) قالت: نعم، فغنَّتها، فقال: ((لقد نفَخ الشيطان في مِنْخَرَيْها))؛ رواه أحمد، والطبراني (١). وعن ابن عباس ﵄ أنَّ النبي ﷺ قال ((إنَّ الله حرَّم على أمَّتي الخمرَ، والميسرَ، والكُوبةَ في أشياء عدَّدَها))؛ رواه أحمد، وأبو داود، وابن حبان، زاد البيهقي: وهي - أي: الكُوبَة - الطبل؛ أي: الآتي (٢). ورواه أبو داود من حديث ابن عمرٍو زاد ((والغُبَيْراء)) (٣)، وزاد أحمد فيه ((والمزْرَ)) (٤)، ورواه أحمد أيضًا من حديث قيس بن سعد بن عبادة ﵄ (٥).

стр. 24

واختلف فِي تفسير ((الغُبَيْرَاء)) فقيل: الطُّنْبُور، وقيل: العُود، وقيل: البَربَط، وقيل غير ذلك، وعن ابن عباسٍ ﵄ أنَّ النبي ﷺ قال: ((إذا كان يومُ القيامةِ [ز١/ ٤/أ] قال اللهُ : أين الذين كانوا يُنزِّهون أسماعهم وأبصارهم عن مَزامِير الشَّيْطانِ؟ ميزوهم فيميزوهم فِي كثب المسك والعنبر، ثم يقول لملائكتِه: أسمعوهم تسبيحي [وتحميدي] وتمجيدي فيسمعون بأصواتٍ لم يسمع السامعون مثلها)) أخرَجَه الديلمي (١). وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: ((حبُّ الغِناء يُنبِت النِّفاق في القلب، كما يُنبِت الماء العشب))؛ أخرجه الديلمي (٢). وعن ابن مسعود ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: ((إيَّاكم [وإسماع] (٣) المعازف والغناء فإنهما ينبتان النِّفاق في القلب كما ينبت الماءُ البقلَ))؛ رواه ابن صصري في أماليه (٤).

стр. 25

وأخرج الديلمي أنَّه ﷺ قال: ((الغناء واللهو يُنبِتان النِّفاق في القلب، كما يُنبِت الماء العشب، والذي نفسي بيده إنَّ القُرآن والذِّكر لينبتان الإيمانَ في القلبِ كما ينبت الماءُ العُشبَ)) (١). وعن جابرٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: ((الغناء يُنبِت النِّفاق في القلب، كما يُنبِت الماء الزرع)) (٢). وعن أبي موسى ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: ((مَن استمع إلى صوت غناء لم يُؤذن له أنْ يستَمِع إلى صوت الروحانيين في الجنَّة))؛ رواه الحكيم الترمذي (٣). وعن أنسٍ وعائشةَ عن النبي ﷺ أنه قال: ((صوتان مَلعونان في الدُّنيا والآخِرة: مِزمار عند نِعمةٍ، ورنَّة عند مُصِيبة))؛ رواه البزار، وابن مردويه، والبيهقي (٤). وعن ابن عمرَ ﵄ أنَّ النبي ﷺ نهى عن الغِناء والاستماع إلى الغناء، وعن الغيبة والاستماع إلى الغيبة، ونهى عن النميمة والاستماع إلى النميمة؛ رواه الطبراني، والخطابي (٥).

стр. 26

وعن ابن مسعودٍ أنَّه سُئِلَ عن قوله - تعالى -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ فقال: "الغناء، والذي لا إله إلا هو [لا] غيره"؛ رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، وأخرجه الحاكم وصحَّحه، والبيهقي [وغيره] (١). * * *

стр. 27

الباب الأول: في أقسام الغناء المحرَّم وغيره القسم الأول: فِي سماع مجرد الغناء من غير آلة اعلَمْ أنَّ مذهبنا أنَّه يُكرَه الغناء وسماعه إلا إنِ اقتَرَن به ما يأتي، وقال بعض العلماء: إنَّه سنَّة فِي العُرْسِ [ز١/ ٤/ب] ونحوه، وقال الغزالي وابن عبدالسلام من أئمَّتنا: إنَّه سنَّة إنْ حرَّك بحال سني مُذكِّر للآخِرة، ا. هـ. [وبه يُعلَم أنَّ كلَّ شِعر فيه الأمر بالطاعة، أو كان حكمةً] (١)، أو كان فِي مكارم الأخلاق أو الزهد ونحو ذلك من خِصال البر؛ كحثٍّ على طاعة أو سنة، أو اجتناب معصية يكون كلٌّ من إنشائه وإنشاده وسماعِه سنَّة؛ كما صرَّح به غيرُ واحد من أئمَّتنا، وهو ظاهر؛ إذ وسيلةُ الطاعة طاعةٌ. قال الأذرعي (٢): وما أحسن قول الماوردي: الشعر فِي كلام العرب: مستحب: إنْ حذَّر من الدُّنْيَا أو رغَّب فِي الآخِرة، أو حثَّ على مكارم الأخلاق. ومباح: وهو ما سَلِمَ من فُحش وكذب. ومحظور: وهو ما اقترن بأحدهما (٣). فإنْ قلت: نقل القاضي الحسين عن سيِّد الطائفة أبي القاسم الجنيد (٤) وهو من أكابر الشافعيَّة أنَّ السماع على ثلاثة أقسام:

стр. 28

سماع العوام: وهو حرامٌ عليهم؛ لبقاء نفوسهم. وسماع الزهَّاد: وهو مباح لهم؛ لحصول مجاهدتهم. وسماع العارفين: فيستحبُّ لهم لحياة قُلوبهم، فجعل من السماع ما هو حرام، وصحَّح ما قاله السهروردي فِي "عوارف المَعارِف" (١) وهو من كبار الشافعية أيضًا، وذكر نحوه أبو طالب المكي وهو خلاف ما مرَّ. قلت: لم ينفرد الجنيد بذلك بل صرَّح به من كبار أئمَّتنا أقضى القضاة الماوردي وغيره، وليس خلافًا لما ذكر؛ لأنَّ الذي مر مفروضٌ فِي سماعٍ لم يخشَ منه فتنة، ولم يقترنْ به منكرٌ بوجه، ومراد الجنيد ﵁ بهذا الحرام ما خُشِي منه فتنة؛ كأنْ سمعه من امرأةٍ أجنبيَّة، [أو أمرد حسن، أو ما اقترن به منكر؛ كهوًى نشَأ] من عشقٍ محرَّم كما هو الغالب على العامَّة، ثم رأيت بعض الشافعيَّة قال: الظاهر أنَّ الجنيد لم يرد التحريم الاصطلاحي، وإنما أراد أنَّه لا ينبغي، ا. هـ. وما قرَّرت به كلامه أولى كما لا يخفى على مُتأمِّل، وكأنَّ الغزالي أخَذ من كلام الجنيد هذا قوله في "الإحياء": السماع إمَّا مندوب لِمَن غلب عليه حبُّ الله وحبُّ لقائه، فإنَّه يستخرج منه أحوالاً ومُلاطفات ومُكاشفات، وإمَّا مباحٌ لعاشقٍ عشقًا مباحًا لزوجته أو أمَتِه، أو لعامي لم يغلبْ عليه حبُّ

стр. 29

الله ولا الهوى، وإمَّا محرَّم لِمَن غلب عليه هوى محرم (١)، وسُئِل العزُّ بن عبدالسلام [ز١/ ٥/أ] عن استماع الإنشاد فِي المحبَّة والرقص؟ فقال: الرقص بدعةٌ لا يتعاطاه إلا ناقص العقل، ولا يصلح إلاَّ للنساء، وأمَّا سماع الإنشاد المحرِّك للأحوال السنيَّة المذكِّر لأمور الآخرة فلا بأس به، بل يُندَب عند الفتور وسآمَة القلب، ولا يحظر [إلا] لِمَن فِي قلبه هوًى خبيث فإنَّه يُحرِّك ما فِي القلب. وقال أيضا: السماع يختلف باختلاف السامعين والمسموع منهم وهم أقسام: أحدها: العارفون بالله، ويختلف سماعهم باختلاف أحوالهم؛ فمَن غلب عليه الخوف أثَّر فيه سماع المخوفات وظهر أثَرها عليه من البكاء وتغيُّر اللون والحزن، والخوف إمَّا خوف عِقاب أو فَوات ثواب أو فَوات الأنس والقُرب، وهذا من أفضل الخائفين وأفضل السامعين، فمثله لا يتصنَّع بها، ولا يصدر منه إلاَّ ما غلب من آثار الخوف، وهذا إذا سمع القرآن كان تأثيرُه فيه أشدَّ من تأثير الإنشاد والغناء. الثاني: مَن غلب عليه الوجدُ، فهذا يُؤثِّر فيه ذِكرُ المرجيات، [فإنْ كان رجاه] للأنس والقُرب كان سماعُه أفضل من كلِّ سماع أو للثواب فهو مفضول.

стр. 30

الثالث: مَن غلب عليه الحبُّ للإنعام عليه فيُؤثِّر فيه [ذكره أو لشرف ذاته فيُؤثِّر فيه ذكر ذلك] (١). [القسم الرابع] (٢) أو للتعظيم والإجلال وهذا أفضل الأقسام: ويختلف هؤلاء فِي المسموع منه، فالسماع من الأولياء أكثر تأثيرًا من السماع من الجهَلَة، ومن الأنبياء أشد تأثيرًا من الأولياء، ومن ربِّ الأرض والسماء أشدُّ تأثيرًا من الأنبياء؛ ولهذا لم يشتغل النبيُّون والصديقون وأصحابهم بسماع الملاهي والغناء، واقتصروا على سماع كلام ربهم. [القسم الخامس] (٣) وأمَّا مَن يغلب عليه هوًى مُباح كعشق حليلته فهو يُهيجه السماع ويُؤثِّر فيه آثار الشوق وخوف الفراق، فسماعه لا بأس به. [القسم السادس] (٤) وأمَّا مَن يغلب عليه هوى محرَّم كعشق أمرد أو أجنبية، فهذا يهيجه السماع إلى السعي فِي الحرام، وما أدَّى إلى الحرام حرام. [القسم السابع] (٥) ومَن قال لا أجد فِي نفسي شيئًا من الأقسام الستة فالسماع فِي حقِّه مكروه، وخالَفه الغَزاليُّ فقال: إنَّه مباح، قال: وقد يحضر السماع قومٌ من الفجرة فيبكون وينزعجون لأغراضٍ خبيثة أبطَنُوها، ويُراؤون [الحاضرين] (٦) بأنَّ سماعهم لأحد الأسباب السابقة، قال: واعلَم أنَّه

стр. 31

لا يحصل السماع المحمود إلا عند [ز١/ ٥/ب] ذكر الصفات الموجبة للأحوال السنيَّة والصفات المرضية، ا. هـ. قال الأذرعي: ولأبي القاسم القشيري - وهو من أئمَّة الشافعية - مُصنَّفٌ فِي السَّماع ذكَر فيه أنَّ من شرائطه معرفة الأسماء والصِّفات ومدلولاتها وما يَلِيق بالحق - تعالى - منها، هذا على لسان أهل التحصيل من ذوي العقول، وأمَّا على لسان أهل الحقائق فمن شرائطه [بَقاء النفس] (١) بصِدق المجاهدة ثم حياة القلب بروح المشاهدة، فمَن لم يتقيَّد بالصحَّة معاملته، ولم يحصل بالصدق منازلته، فسماعُه ضَياع له، وتواجُده طباع، والسَّماع فتنةٌ يدعو إليها استيلاء العشق إلا عند سُقوط الشهوة، وحُصول الصفوة ... وأطال بما يطول ذكره. قال الأذرعي: وبما ذكره تبيَّن تحريمُ السماع والرقص على أكثر مُتصوِّفة الزمان؛ لفقد شروط القيام بآدابه، ا. هـ. ووقَع لبعض مَن لا تحقيقَ له أنَّه أنكَرَ سماعَ الغناء من غير تفصيلٍ، وليس كما زعم؛ ومن ثَمَّ قال أبو طالب المكي: مَن أنكره أنكر على سبعين صديقًا، وأراد بالسبعين الكثرة، وإلا فالصديقون - وهم العلماء [لا غير - السبعون] (٢) له بشرطه الآتي لا ينحصرون، قال الإمام السهروردي: هذا المُنْكِر إمَّا جاهل بالسنن والآثار، وإمَّا جاهل الطبع لا ذوق له، وأشار بالسنن إلى ما صَحَّ عنه ﷺ أنَّه كان له شُعَراء يصغي إليهم فِي المسجد وغيره، منهم: حسان، وابن رواحة - رضي اللهُ تعالى

стр. 32

عنهُما - واستنشد [من شعر] أميَّة بن [أبي] (١) الصلت، واستمع إليه كما فِي مسلم (٢)، ومن ثم قال العز بن عبدالسلام فِي تفسيره: وأمَّا الأشعار والتشبيهات فمأذون فيها، وقد أنشد كعب [بن زهير]- رضي الله تعالى عنه - رسولَ الله ﷺ بانت سعاد القصيدة المشهورة فاستمعها [ولم يُنكِر عليها] (٣) شيئًا، وفيها الاستعارات والتشبيهات حتى شبَّه الريقة بالخمرة، وكانت حرمت، ولكنَّ تحريمها لم يمنع عندَهم طيبها، بل تركوها مع الرغبة فيها والاستحسان بها، وكان ذلك أعظم لأجرهم، ا. هـ. وذكر الروياني فِي "البحر" أنَّ (سعاد) كانت زوجته وبنت عمِّه، وأنَّه إنما أنشد فيها هذه القصيدة لطول غيبته عنها بهربه من النبي - صلَّى الله [ز١/ ٦/أ] عليه وسلَّم - وقال ابن عبدالبر: لا ينكر الحسنَ من الشعر أحدٌ من أهل العلم ولا من أولي النهى، وليس أحدٌ من كبار الصحابة وأهل العلم وموضع القدوة إلا وقد قال الشعر أو تمثَّل به أو سمعه فرَضِيَهُ، ما كان

стр. 33

حكمةً أو مباحًا، ولم يكن فيه فُحش ولا خنا ولا أذًى لمسلم (١)، وقال غيره: وما زال العلماء قديمًا وحديثًا على إيداع أشعارهم تلك التشبيهات والاستعارات فِي [الخمر] (٢) وغيرها، حتى حكَى البدر الزركشي عن الشيخ الإمام أبي إسحاق الشيرازي وناهيك به زهدًا وعلمًا أنه أنشد بعض الرؤساء: ذَهَبَ الشِّتَا وَتَصَرَّفَ البَرْدُ = وَأَتَى الرَّبِيعُ وَأَقْبَلَ البَرْدُ فَاشْرَبْ عَلَى وَجْهِ الحَبِيبِ بِهِ = صَهْبَاءَ لَيْسَ لِمِثْلِهَا رَدُّ فقال [له] (٣) ذلك الرئيس: أدام الله أيَّام مولانا الشيخ قد أبحتَ الخَمْر! فقال: إنما أردت خمر الجنَّة، وروى الدارقطني والحاكم والبيهقي أنَّه ذكر عند رسُول الله ﷺ الشِّعر، فقال: ((هو كلامٌ حسنُه حسنٌ وقبيحُه قبيحٌ)) (٤). وقد جمَع الإمام الطبراني جُزءًا حافِلاً فِي غزل التابعين وتابِعِيهم، وذكَر هو وغيره عن جماعةٍ كثيرين من الصحابة أنهم سمعوه ولم يُنكِروا، وللقاضي شريح والزبير بن بكَّار فِي زوجتَيْهما، وعبدالله بن المبارك فِي سريَّته من

стр. 34

الغزل الكثير ما يتعجَّب منه، وكذا الشَّافِعِي ﵁ وفي "الإحياء" التشببهُ بوصف الخدود، والأصداغ، وحُسن القدِّ والقامة، وسائر أوصاف النساء فيه نظَر، والصحيح أنَّه لا يحرم نظمه ولا إنشاده بصوتٍ ولا بغير صوت، وعلى المستمِع ألاَّ ينزله على امرأةٍ مُعيَّنة، فإن نزَّله على زوجته أو على أمَتِه جاز، وإنْ نزَّلَه على الأجنبيَّة فهو العاصي بالتنزيل، ومَن هذا وصفه فينبغي أنْ يتجنَّب السماع. وفي التهذيب: إنْ كان التشبيب فِي امرأةٍ مُعيَّنة أو غلام مُعيَّن فسَق، وإلا فلا، وهو [الأصحُّ] (١)، وإنْ قال الروياني: يفسق فِي الغلام وإنْ لم يعيِّنه؛ لأنَّه لا يحلُّ بحالٍ؛ إذ ليس فِي مجرد التشبيب بالمجهول ما يدلُّ على نظَر ولا عِشق، بل الغالب أنَّ القصد به ترقيق الشعر وإظهار الصَّنعة، قال الأذرعي: الذي يجبُ القطعُ به أنَّ تسمية مَن لا يدري مَن هي وذكر محاسنها الظاهرة والشوق [ز١/ ٦/ب] والمحبَّة من غير فُحشٍ ولا ريبة لا يقدح فِي قائله، ولا يتحقَّق فيه خلاف، ومن ذلك [تعارُض الشعراء] (٢) على ذكر ليلى وسلمى وسُعدى والرباب وهندًا وغير ذلك. (تَنْبِيه) قال النووي - رحمة الله تعالى عليه - فِي كتاب "شرح المُهَذَّب" الذي هو أعظم مؤلَّفاته، بل أعظم مؤلفات الشافعية: لا بأسَ بإنشاد الشعر في المسجد إذا كان فيه خيرٌ كما سبق، وإلا كره؛ لما جاء بسندٍ صحيح حسن أنَّ النبي ﷺ نهى عن تناشُد الأشعار في

стр. 35

المسجد (١)، نعم؛ إنْ كان فيه مذموم كهجو محرَّم أو صفة خمر أو ذكر نساء أو أمرد أو مدح ظالم أو افتخار منهي عنه حرام، ا. هـ (٢). وهو صريحٌ في تحريم كثيرٍ من الأشعار التي فيها ذكر صفات الخَمْر ولو [بالتشبيهات] (٣)، وذكر صِفات النساء والمرد، ويُنافِيه ما قالوه فِي الشهادات من أنَّه لا يحرم التشبيب إلاَّ بامرأةٍ أو غلامٍ معيَّن، ويمكن [أنْ يفرق] (٤) بأنَّ الحرمة هنا جاءَتْ من حيث المسجد فيحرم فيه ذلك مطلقًا؛ لما فيه من الفحش بخلاف خارجه، وأمَّا ذكر صِفات الخَمْر المقتضية مدحها فالظاهر ما اقتضاه صريحُ كلامه من حُرمته فِي المسجد، وأمَّا خارجه فظاهر ما قدَّمته عدم الحُرمة، وظاهرٌ أنَّ محله إنْ قصد نحو ما مرَّ عن الشيخ أبي إسحاق من خمر الجنَّة أو ريق المحبوب كله أو فواتح الحق على [عباده] (٥) أو نحو ذلك، وإلاَّ فالظاهر الحرمة، ومن ثَمَّ أفتيتُ بحرمة مُطالعة "حلبة الكميت"، وقد قال أهل الاستِقراء: ما طالَعها أحد إلا شرب الخَمْر أو كاد، وعلى الشعر المذموم قوله ﷺ : ((مَن رأيتُموه ينشد في المسجد شعرًا فقولوا له: فضَّ الله فاك، ثلاث مرات))؛ رواه ابن السني (٦)،

стр. 36

وحمله ابن بطال على ما يتشاغَل به أهلُ المسجد، كما تأوَّل أبو عبيدة حديث: ((لأنْ يمتلئ جوفُ أحدِكم قيحًا خيرٌ له من أنْ يمتلئ شِعرًا)) (١) بأنَّه الذي يغلب على صاحبه. (تنبيه ثانٍ) يحرم سَماع الغناء من حرَّةٍ أو أمة أجنبيَّة؛ بِناءً على قولٍ عندنا أنَّ صوت المرأة عورة، سواء أخاف فتنة بها أم لا، وكلام الشيخين فِي الروضة وأصلها فِي ثلاث مواضع يقتضي أنَّ هذا هو الراجح فِي المذهب، ونقَل القاضي أبو الطيب إمام أصحابنا [ز١/ ٧/أ] عن الأصحاب ولو من وراء حجاب (٢)، وصرَّح بالتحريم القاضي الحسين أيضًا وادَّعى أنَّه لا خِلاف فيه مستدلاًّ بالحديث الصحيح: ((مَن استمع إلى قَيْنَةٍ صُبَّ فِي أُذُنِهِ الآنُكُ)) (٣)؛ أي: الرَّصاص المذاب، قال الأذرعي: ولو لم يكن المغني والمغنية محلَّ الفتنة ولكن استماع الغناء منه يبعَثُ على الافتِتان بغيره من الناس، فهو حرامٌ؛ لما فيه من الخبث، وتحريك القلب الخَرِب إلى ما يَهواه، لا

стр. 37

سيَّما أهل العِشق والشَّغف، ومَن يشتغل بصورةٍ خاصَّة، وهذا واضحٌ لا ينازع فيه مُنصِف، ا. هـ. وأمَّا على أنَّ صوتها غير عورةٍ [وهو إنْ صحَّ] (١) فلا يحرم إلا إنْ خشي فتنة. قال الأذرعي: ومحلُّه فِي غير الغناء الملحَّن بالنغمات الموزونة مع التخنُّث والتغنُّج كما هو شأن المغنيات، أمَّا هذا ففيه أمورٌ زائدة على مُطلَق سماع الصوت فيتَّجه التحريم هنا، وإن قلنا: إنَّ صوتها غير عورة، ويجب أنْ يكون محل الخِلاف فِي صَوتٍ غير مشتمِل على ذلك [التحريم] بخلاف المشتمل عليه؛ لأنَّه يحثُّ على الفُسوق كما هو مُشاهَد، ويظهر أنَّ سماعه من الأمرد محرَّم أيضًا إنْ خشى فتنة به كسَماعه من المرأة، ثم رأيت الرَّافِعيَّ صرَّح بذلك، والأذرعي نقَل عن القرطبي أنَّ جمهور من أباح سماع الغناء حكموا بتحريمه من الأجنبيَّة على الرجال والنساء، وأنَّه لا فرق بين إسماع الشعر والقُرآن؛ لما فيه من تهييج الشهوة وخوف الفتنة لا سيَّما إذا لحنته، فسماعه كالاطِّلاع على محاسن جسدها، بل الحاصل بغنائها من المفسدة أسرع من ذلك؛ لأنَّ السماع يُؤثِّر فِي النفس قبل رؤية الشخص، وأمَّا تهيجه للشهوة وإيقاعه فِي الفتنة فلا شكَّ فيه، والحاصل أنَّ سماعهنَّ مظنَّة للشهوة قطعيًّا، وأطال فِي تقريره، وهو كما قال، ا. هـ كلام الأذرعي. (تنبيه ثالث): الغناء بالمدِّ والكسر هو رفع الصوت بالشعر؛ ومن ثَمَّ قال جمعٌ من الشافعية والمالكيَّة منهم الأذرعي فِي "توسطه"، والقرطبي فِي "شرح مسلم": الغناء إنشادًا واستماعًا على قسمين:

стр. 38

القسم الأول: ما اعتاد الناس استعماله عند محاولةِ عمَلٍ وحملِ ثقيلٍ، وقطع مفاوز سفر ترويحًا للنُّفوس وتنشيطًا لها؛ كحداء [ز١/ ٧/ب] الأعراب بإبلهم (١)، وغناء النساء لتسكين صِغارهن، ولعب الجواري بلعبهن، فهذا إذا سلم المغنِّي به من فحش وذِكر محرَّم كوصف الخمور والقَيْنَات لا شكَّ فِي جَوازه، ولا يختلف فيه، وربما يُندَب إليه إذا نشط على فعل خيرٍ كالحداء فِي الحج والغزو؛ ومن ثَمَّ ارتجز ﷺ هو والصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - فِي بناء المسجد (٢)، وحفر الخندق (٣)، وغيرهما كما هو مشهورٌ، وقد أمَر النبي ﷺ نساءَ الأنصار أنْ يقلن فِي عرسٍ لهن: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ = فَحَيَّانَا وَحَيَّاكُمْ (٤)

стр. 39

وكالأشعار المزهِّدة فِي الدُّنْيَا المرغِّبة فِي الآخِرة، فهي من أنفع الوعظ، الحاصل عليها أعظم الأجر، ويُؤيِّد ما نقَلَه من نفى الخلاف فِي هذا القسم أنَّ ابن عبدالبر وغيره قالوا: لا خلافَ فِي إباحة الحُداء واستِماعه، [وهو نحو ما يُقال خلف الإبل] (١) من الشعر سوى الرجز وغيره؛ لينشطها على السير، ومَن أوهم كلامه نقل خلافٍ فيه فهو شاذ أو مُؤوَّل على حالةٍ يُخشَى منها شيءٌ غير لائق (٢). القسم الثاني: ما ينتحله المغنون العارفون بصنعة الغناء المختارون المدن من غزَل الشعر مع تلحينه بالتلحينات الأنيقة، وتقطيعه لها على النغمات الرقيقة التي تهيج النفوس وتطربها؛ كحُميَّا الكؤوس، فهذا هو الغناء المختلف فيه على أقوال العلماء: أحدها: أنَّه حَرام: قال القرطبي وهو مذهب مالك، قال أبو إسحاق: سألت مالكًا عمَّا يُرخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال: إنما يفعله عندنا الفُسَّاق، فهو مذهبُ سائرِ أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد وحدَه فإنه لم يرَ به بأسًا،

стр. 40

وهو أيضًا مذهبُ أبي حنيفة - رضِي الله تعالى عنه - وسائر أهل الكوفة [إلا] إبراهيم النخعي، والشعبي، وحماد، وسفيان الثوري وغيرهم لا خِلاف بينهم فيه، وهو أحد قولي الشَّافِعِي وأحمد ﵄ وقال الحارث المحاسبي: الغناء حرامٌ كالميتة، ووقَع لإمام مذهبنا الرَّافِعِيِّ فِي "الشرح الكبير" أنَّه فِي موضعين منه فِي البُيوع والغصب أطلَقَ أنَّ الغناء حَرامٌ وتابَعَه الإمام النووي فِي "الروضة" على الثاني (١)، قال الأذرعي: وظاهر مذهب مالك ما قاله [ز١/ ٨/أ] القرطبي؛ أي: لا ما يأتي عن الماوردي، ويستدلُّ لهذا القول بحديث المغنِّي السابق فِي المقدمة [فإنه] استأذن رسول الله ﷺ فِي الغناء من غير فاحشةٍ فقال: ((لا آذَنُ لك ولا كرامة ولا نعمة عين، كذبت أيْ عدو الله، لقد رزقَكَ الله حلالاً طيِّبًا، واخترتَ ما حرَّم الله عليك من رزقه مكانَ ما أحلَّ الله لك من حَلاله، ولو كنت تقدَّمت إليك - أيْ بالنهي - قبل الآن لفعلتُ بك وفعلتُ، قُمْ عنِّي وتُبْ إلى الله، أمَا إنَّك لو قلت بعد التقدمة شيئًا - أي: لو فعلت ما نهيتك عنه - بعد الآن ضربتك ضربًا وجيعًا، وحلقت رأسك، ونفيتُك عن أهلك، وأحللت سلبك نهبةً لفتيان المدينة، هؤلاء العصاة - أي: الذين يفعلون مثل فعل عمرو هكذا - مَن مات منهم بغير توبةٍ حشَرَه الله - تعالى - يوم القيامة كما كان في الدنيا: مخنثًا عريانًا، لا يستتر من الناس بهدبةٍ كلَّما قام صُرِعَ)) (٢).
следующие страницы →