← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 37886

كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (206 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وحمله ابن بطال على ما يتشاغَل به أهلُ المسجد، كما تأوَّل أبو عبيدة حديث: ((لأنْ يمتلئ جوفُ أحدِكم قيحًا خيرٌ له من أنْ يمتلئ شِعرًا)) (١) بأنَّه الذي يغلب على صاحبه. (تنبيه ثانٍ) يحرم سَماع الغناء من حرَّةٍ أو أمة أجنبيَّة؛ بِناءً على قولٍ عندنا أنَّ صوت المرأة عورة، سواء أخاف فتنة بها أم لا، وكلام الشيخين فِي الروضة وأصلها فِي ثلاث مواضع يقتضي أنَّ هذا هو الراجح فِي المذهب، ونقَل القاضي أبو الطيب إمام أصحابنا [ز١/ ٧/أ] عن الأصحاب ولو من وراء حجاب (٢)، وصرَّح بالتحريم القاضي الحسين أيضًا وادَّعى أنَّه لا خِلاف فيه مستدلاًّ بالحديث الصحيح: ((مَن استمع إلى قَيْنَةٍ صُبَّ فِي أُذُنِهِ الآنُكُ)) (٣)؛ أي: الرَّصاص المذاب، قال الأذرعي: ولو لم يكن المغني والمغنية محلَّ الفتنة ولكن استماع الغناء منه يبعَثُ على الافتِتان بغيره من الناس، فهو حرامٌ؛ لما فيه من الخبث، وتحريك القلب الخَرِب إلى ما يَهواه، لا

стр. 37

سيَّما أهل العِشق والشَّغف، ومَن يشتغل بصورةٍ خاصَّة، وهذا واضحٌ لا ينازع فيه مُنصِف، ا. هـ. وأمَّا على أنَّ صوتها غير عورةٍ [وهو إنْ صحَّ] (١) فلا يحرم إلا إنْ خشي فتنة. قال الأذرعي: ومحلُّه فِي غير الغناء الملحَّن بالنغمات الموزونة مع التخنُّث والتغنُّج كما هو شأن المغنيات، أمَّا هذا ففيه أمورٌ زائدة على مُطلَق سماع الصوت فيتَّجه التحريم هنا، وإن قلنا: إنَّ صوتها غير عورة، ويجب أنْ يكون محل الخِلاف فِي صَوتٍ غير مشتمِل على ذلك [التحريم] بخلاف المشتمل عليه؛ لأنَّه يحثُّ على الفُسوق كما هو مُشاهَد، ويظهر أنَّ سماعه من الأمرد محرَّم أيضًا إنْ خشى فتنة به كسَماعه من المرأة، ثم رأيت الرَّافِعيَّ صرَّح بذلك، والأذرعي نقَل عن القرطبي أنَّ جمهور من أباح سماع الغناء حكموا بتحريمه من الأجنبيَّة على الرجال والنساء، وأنَّه لا فرق بين إسماع الشعر والقُرآن؛ لما فيه من تهييج الشهوة وخوف الفتنة لا سيَّما إذا لحنته، فسماعه كالاطِّلاع على محاسن جسدها، بل الحاصل بغنائها من المفسدة أسرع من ذلك؛ لأنَّ السماع يُؤثِّر فِي النفس قبل رؤية الشخص، وأمَّا تهيجه للشهوة وإيقاعه فِي الفتنة فلا شكَّ فيه، والحاصل أنَّ سماعهنَّ مظنَّة للشهوة قطعيًّا، وأطال فِي تقريره، وهو كما قال، ا. هـ كلام الأذرعي. (تنبيه ثالث): الغناء بالمدِّ والكسر هو رفع الصوت بالشعر؛ ومن ثَمَّ قال جمعٌ من الشافعية والمالكيَّة منهم الأذرعي فِي "توسطه"، والقرطبي فِي "شرح مسلم": الغناء إنشادًا واستماعًا على قسمين:

стр. 38

القسم الأول: ما اعتاد الناس استعماله عند محاولةِ عمَلٍ وحملِ ثقيلٍ، وقطع مفاوز سفر ترويحًا للنُّفوس وتنشيطًا لها؛ كحداء [ز١/ ٧/ب] الأعراب بإبلهم (١)، وغناء النساء لتسكين صِغارهن، ولعب الجواري بلعبهن، فهذا إذا سلم المغنِّي به من فحش وذِكر محرَّم كوصف الخمور والقَيْنَات لا شكَّ فِي جَوازه، ولا يختلف فيه، وربما يُندَب إليه إذا نشط على فعل خيرٍ كالحداء فِي الحج والغزو؛ ومن ثَمَّ ارتجز ﷺ هو والصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - فِي بناء المسجد (٢)، وحفر الخندق (٣)، وغيرهما كما هو مشهورٌ، وقد أمَر النبي ﷺ نساءَ الأنصار أنْ يقلن فِي عرسٍ لهن: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ = فَحَيَّانَا وَحَيَّاكُمْ (٤)

стр. 39

وكالأشعار المزهِّدة فِي الدُّنْيَا المرغِّبة فِي الآخِرة، فهي من أنفع الوعظ، الحاصل عليها أعظم الأجر، ويُؤيِّد ما نقَلَه من نفى الخلاف فِي هذا القسم أنَّ ابن عبدالبر وغيره قالوا: لا خلافَ فِي إباحة الحُداء واستِماعه، [وهو نحو ما يُقال خلف الإبل] (١) من الشعر سوى الرجز وغيره؛ لينشطها على السير، ومَن أوهم كلامه نقل خلافٍ فيه فهو شاذ أو مُؤوَّل على حالةٍ يُخشَى منها شيءٌ غير لائق (٢). القسم الثاني: ما ينتحله المغنون العارفون بصنعة الغناء المختارون المدن من غزَل الشعر مع تلحينه بالتلحينات الأنيقة، وتقطيعه لها على النغمات الرقيقة التي تهيج النفوس وتطربها؛ كحُميَّا الكؤوس، فهذا هو الغناء المختلف فيه على أقوال العلماء: أحدها: أنَّه حَرام: قال القرطبي وهو مذهب مالك، قال أبو إسحاق: سألت مالكًا عمَّا يُرخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال: إنما يفعله عندنا الفُسَّاق، فهو مذهبُ سائرِ أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد وحدَه فإنه لم يرَ به بأسًا،

стр. 40

وهو أيضًا مذهبُ أبي حنيفة - رضِي الله تعالى عنه - وسائر أهل الكوفة [إلا] إبراهيم النخعي، والشعبي، وحماد، وسفيان الثوري وغيرهم لا خِلاف بينهم فيه، وهو أحد قولي الشَّافِعِي وأحمد ﵄ وقال الحارث المحاسبي: الغناء حرامٌ كالميتة، ووقَع لإمام مذهبنا الرَّافِعِيِّ فِي "الشرح الكبير" أنَّه فِي موضعين منه فِي البُيوع والغصب أطلَقَ أنَّ الغناء حَرامٌ وتابَعَه الإمام النووي فِي "الروضة" على الثاني (١)، قال الأذرعي: وظاهر مذهب مالك ما قاله [ز١/ ٨/أ] القرطبي؛ أي: لا ما يأتي عن الماوردي، ويستدلُّ لهذا القول بحديث المغنِّي السابق فِي المقدمة [فإنه] استأذن رسول الله ﷺ فِي الغناء من غير فاحشةٍ فقال: ((لا آذَنُ لك ولا كرامة ولا نعمة عين، كذبت أيْ عدو الله، لقد رزقَكَ الله حلالاً طيِّبًا، واخترتَ ما حرَّم الله عليك من رزقه مكانَ ما أحلَّ الله لك من حَلاله، ولو كنت تقدَّمت إليك - أيْ بالنهي - قبل الآن لفعلتُ بك وفعلتُ، قُمْ عنِّي وتُبْ إلى الله، أمَا إنَّك لو قلت بعد التقدمة شيئًا - أي: لو فعلت ما نهيتك عنه - بعد الآن ضربتك ضربًا وجيعًا، وحلقت رأسك، ونفيتُك عن أهلك، وأحللت سلبك نهبةً لفتيان المدينة، هؤلاء العصاة - أي: الذين يفعلون مثل فعل عمرو هكذا - مَن مات منهم بغير توبةٍ حشَرَه الله - تعالى - يوم القيامة كما كان في الدنيا: مخنثًا عريانًا، لا يستتر من الناس بهدبةٍ كلَّما قام صُرِعَ)) (٢).

стр. 41

ثانيها: أنَّه مكروهٌ: وهو الأظهَرُ عند الشَّافِعِي وأحمد وأكثر أصحابهما، وقول أهل البصرة، وقال غير واحدٍ من العلماء: لا يُعرَف عن أهل البصرة خلاف فِي كراهته، وقال الماوردي: حرَّم الغناء قومٌ وأباحَه آخَرون، وكرهه مالك والشافعي وأبو حنيفة فِي أصحِّ ما قِيل عنهم، ومرَّ أنَّ سماعه من أجنبيَّةٍ مع أمن الفتنة مكروهٌ، لكنَّه شديد الكراهة، ومع خوفها حرامٌ بلا خلاف، وكذا من الأمرد الحسن. ثالثها: الإباحة: وهو المروي عن إبراهيم بن سعد والعنبري، وهما شاذَّان، على أنَّ العنبري مُبَدَّع فِي اعتقاده، غير مَرضِيٍّ عمله، وإبراهيم بن سعد ليس من أهل الاجتهاد. قال القرطبي: وحكاية أبي طالب المكي لذلك عن جماعةٍ من الصحابة والتابعين، وأنَّ الحجازيين لم يَزالوا يسمعون السماع فِي أفضل أيَّام السَّنة الأيَّام المعدودات، إنْ صحَّت هذه الحكاية فهي من القسم الأول دون الثاني، قال: وقد حكَى جمعٌ من الشافعيَّة كالقشيري - رحمه الله تعالى - عن مالك - رضِي الله تعالى عنه - الإباحة، ولا يصحُّ عنه بوجهٍ ولا عن أحدٍ من أصحابه بوجهٍ. رابعها: يحرم كثيره دون قليله، ذكَرَه بعضُ شرَّاح "المنهاج"، وقال ذكره الرَّافِعِيُّ - رحمه الله تعالى - من رواية السرخسي، واقتضى إيراد ابن أبي هريرة أنَّه المذهب، فإنَّه قال: قال الشَّافِعِيُّ لا نبيحه مطلقًا، ونقول: إنْ كان كثيرًا دخَل فِي باب السفه، ا. هـ، ونازَعَه الأذرعي فِي دلالة هذا على التحريم، وإنما يدلُّ على ترك المروءة، ا. هـ[ز١/ ٨/ب]. والحق أنَّه ظاهرٌ فِي التحريم؛ إذ سلب الإباحة وعدُّه من السفه إنما يَلِيقان بالتحريم دُون خرم المروءة كما يُعرَف من كلامهم فيها.

стр. 42

خامسها: يحرم فِعله وسماعه إلاَّ إذا كان فِي بيتٍ خالٍ على إحدى وجهين، ذكره بعض تلامذة البغَوِيِّ، ونظَر فيه الأذرعي ثم قال: وأحسبه راجعًا لردِّ الشهادة بالمجاهرة دُون إخفائه، ويُجاب بأنَّ هذا لا يُنافِي الحرمة لتصريحهم بأنَّ [مَن] (١) تحمَّل شهادة يحرم عليه فعل خارم لمروءته، وإنْ أُبِيح فِي نفسه؛ لأنَّ فعله [إبطالٌ لغير الحق] (٢). سادسها: يحرم إنْ كان من امرأةٍ لرجل أو لرجالٍ، أو من رجلٍ لامرأة أو نساء، أو إنِ اقترن به نحو مُسكِر أو أكثر منه أو انقطع إليه، ذكره الحليمي من أكابر أصحابنا. سابعها: إنْ صحَّت النيَّة فيه لم يكره، وإلا كره، قاله الخوارزمي فِي "كافيه": ونازع الأذرعي فِي عدِّ هذا بأنَّ صاحب "الكافي" ليس من أصحاب الوجوه. ثامنها: يجوزُ الغناء وسماعه إنْ سلم من تضييع فرْض [أو حُرمة مبيح] (٣)، وكان من رجلٍ أو محرم لرجلٍ ولم يسمعه على قارعة طريق، ولم يقترن به مكروه، ذكره الأستاذ أبو منصور. تاسعها: يحرم إنْ كان بِجُعْلٍ كما نقل الأستاذُ عن نصِّ الشَّافِعِي ﵁. عاشرها: هو طاعة إنْ نوى به تَروِيحَ القلب على الطاعة، ومعصية إنْ نوى به التقوية على المعصية، فإنْ لم ينوِ طاعة ولا معصية فهو معفوٌّ عنه؛

стр. 43

كخروج الإنسان إلى بستانه، وقُعوده على بابه متفرِّجًا، ذكره ابن حزم ونحا نحوه الغزالي وغيره. حادي عشرها: [إنْ كان ما استعمل] (١) يحتمل وجهَيْن: جائزًا وحرامًا، فسماعه جائزٌ، وإنْ لم يحتمل إلاَّ وجهًا واحدًا وهو وجْه الفسق، فحرامٌ، ذكَرَه الروياني فِي "بحره" عن بعض أصحابنا الخراسانيين وهو صحيح، وبه يتأيَّد ما قدَّمته آخِر التنبِيه الأول. هذا جملة ما يتحصَّل للعلماء فِي الغناء من الأقوال، وبها مع ما يأتي قريبًا يعلم مَن طالَع ذلك الكتاب السابق ذكره فِي الخطبة ما فيه من السقطات والتدليسات والاختلال. (تَنْبِيه رابع): وقَع لصاحب ذلك الكتاب ولبعض شُرَّاح "المنهاج" أنهم نقَلُوا عن ابن طاهر أنَّه قال: إنَّ جواز الغناء مُجمَعٌ عليه بين [ز١/ ٩/أ] الصحابة والتابعين لا خلاف بينهم، وهم أهل الحلِّ والعقد، فليس لِمَن بعدهم إحداث قولٍ يخالفهم، ثم قالوا: وعليه إجماع أهل المدينة، ونقلوا فعله وسماعه عن أربعة وعشرين صحابيًّا من أكابر الصحابة وفقهائهم، وعن جماعةٍ لا يُحصَوْن من التابعين وتابعيهم، وعن الأئمَّة الأربع وأصحابهم وغيرهم، قال الأذرعي - شكر الله سعيه -: وقد تساهَل ذلك الشارح فيما نقَل، وابن طاهر الذي تبعوه وإنْ كان مُكثِرًا فليس بظاهر النقل.

стр. 44

وفي كتابه "صفوة التصوف" (١) وكتابه فِي "السماع" فضائح وتدليسات قبيحة لأشياء موضوعة [ومختلقة على بعض الأئمَّة]، وأمَّا دعواه إجماعَ الصحابة فمُجازفةٌ وتدليس، فقد روى البيهقي عن ابن مسعودٍ ﵁ أنَّه قال: ((الغناء يُنبِت النِّفاق في القلب كما ينبت الماءُ البقلَ)) (٢)، وقال: إنْ وقفه عليه هو الصحيح؛ أي: ومثله لا يُقال من قِبَلِ الرأي؛ لأنَّه إخبارٌ عن أمرٍ عيني، فإذا صَحَّ عن الصحابة فقد صحَّ عن النبي ﷺ كما هو مُقرَّر عند أئمَّة الحديث والأصول، وقد روى أبو داود وغيره عن ابن مسعود، وأبي هريرة ﵄ ذلك مع التصريح برَفعِه إلى النبي ﷺ وقد قدَّمت فِي المقدمة هذا الحديث وطرقه وما قيل فيه، فراجِعْه فإنَّه مهم. ثم رأيت الأذرعي أشارَ إلى ما ذكرته أنَّ ذلك لا يُقال من قِبَلِ الرأي، فعلم أنَّ هذا الحديث قد صَحَّ عن النبيِّ ﷺ بكلِّ تقرير، وحينئذٍ فالحجَّة فيه دُون ما سواه، قال الأذرعي: وما نُسِبَ إلى أولئك الصحابة أكثَرُه لم يثبتْ، ولو ثبَت منه شيءٌ لم يظهر منه أنَّ ذلك الصحابي يُبِيح الغناء المتنازَع فيه، فالمرويُّ عن عمر ﵁ أنَّ غلامًا دخَل عليه فوجده يترنَّم ببيتٍ أو نحو ذلك فعجب منه فقال: إذا خلَوْنا قُلنا كما

стр. 45

تقولُ الناس، فالله أعلم ما كان ذلك البيت وما كان ترنُّمه وصفته (١)، وصَحَّ عن عثمان ﵁: "ما تَغَنَّيْتُ وما تَمَنَّيْتُ)) (٢)؛ أي: زنيت، فإطلاق القول بنسبة الغناء المتنازع فيه وإسماعه إلى أئمَّة الهدى تجاسر، ولا يفهم الجاهل منه [إلا] هذا الغناء الذي تَعاطاه المغنُّون المخنَّثون ونحوهم. وقال الشيخ الإمام إبراهيم [ز١/ ٩/ب] المروزي فِي تعليقه: وَعَنْ عمر، وعبدالرحمن بن عوف، وأبي عبيدة بن الجراح، وأبي مسعود الأنصاري، أنهم كانو يترنَّمون بالأشعار فِي الأسفار، وكذلك عن أسامة بن زيد، وعبدالله بن الأرقم، وعبدالله بن الزبير ﵃ والترنُّم كذلك ليس فِي محلِّ النِّزاع؛ إذ هو من أنواع القسم الأول من القسمين السابقين، وقد مرَّ أنَّه لا خِلافَ [فيه]، وبه يعلم أنَّ الظاهر الذي يتعيَّن القطع به أنَّ غالب ما

стр. 46

حُكِي عن الصحابة ﵃ وعمَّن بعدَهم من الأئمَّة إنما هو من هذا القسم الذي لا خِلافَ فيه، وقد قال الإمام القدوة خطيبُ الشام أبو القاسم الدولقي من أئمَّتنا فِي "مصنفه فِي السماع": إنَّه لم يُنقَل عن أحدٍ من الصحابة ﵃ أنَّه سمع الغناء - أي: المتنازع فيه - ولا جمع له جموعًا، ولا دعا الناس إليه، ولا حضَر له فِي ملأ، ولا خلوة، ولا أثنى عليه، بل ذمَّه وقبَّحه وذم الاجتماع إليه، هذا لفظه ومن خطه ﵀ نقلتُ، انتهى كلام الأذرعي - رحمه الله تعالى. وبه يعلم أنَّ ابن طاهر لا يجوزُ تقليده فِي نقلٍ ولا عقلٍ؛ لأنَّه فاسدٌ فيهما، كيف وهو كذَّاب مُبتدِع إباحي كما يأتي، وإنَّ من نقل عن الصحابة وغيرهم أنهم نصُّوا على إباحة الغناء المتنازَع فيه، وهو القسم الثاني السابق فقد أخطأ خطأً قبيحًا، وغلط غلطًا فاحشًا؛ لأنَّ الغِناء من أفراده المجمَع على حلِّه والمختلف فِي حُرمته، فتخصيصُ ما جاء عنهم بالثاني تحكُّم فاسد لا تشهد له قاعدة أصوليَّة ولا حديثيَّة، بل الذي شهدت به القواعدُ حملُ ما جاء عنهم على المجمع عليه؛ لأنهم أئمَّة الهدى ومصابيح الدُّجَى، فهم أبعَدُ الناس عن الوُقوع فِي مواطن الخلاف، وأحقُّ العلماء بتجنُّب ذلك السَّفساف ﵃. (تَنْبِيه خامس) قد تقرَّر أنَّ القسم الثاني من قسمي الغناء فيه خِلافٌ قوي فِي تحريمه؛ لما مرَّ من نقل القرطبي للتحريم عن أبي حنيفة ومالك، وأولئك الأئمَّةُ الأكابر، قال الأذرعي: والذي يقوَى فِي النفس رُجحانُه تحريمُ الغناء الملحَّن وسماعه على أكثر الناس، والعجب استدلال الرَّافِعِيِّ ﵀ [ز١/ ١٠/أ] تعالى - للكراهة فقط بقوله - تعالى -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ [لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلمٍ﴾ [لقمان: ٦] قال ابن

стр. 47

مسعود كما صحَّ عنه ﵁: "لَهْوَ الحَدِيثِ] (١) الغِنَاء" (٢)، ومرَّ أنَّه صَحَّ عن النبي ﷺ أنَّه قال: ((الغِناء يُنبِت النِّفاق في القلب، كما يُنبِت الماءُ البقلَ)) (٣) وهذان ظاهران فِي التحريم. وروى البيهقي عن ابن عباسٍ أنَّه فسَّر لهو الحديث وأشباهه [بالملاهي] (٤)، قال: وروينا عن إبراهيم النخعي، ومجاهد، وعكرمة - وزاد غيره روايته عن الحسن البصري - وسعيد بن المسيب، وقتادة. ومن أدلَّة التحريم أيضًا قولُه - تعالى -: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ (٥) فسَّره مجاهد بالغناء وَالمَزَامِير (٦)، وقوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ [وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا]﴾، قال محمد بن الحنفيَّة ومجاهد: "هو الغناء" (٧)، وقوله - تعالى -: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ (٨)؛ أي: "مغنُّون بلغة حمير"

стр. 48

قاله عكرمة، وحَكاه أبو العباس القرطبي عن ابن عباس ﵄ قال: وقال مجاهد: هو الغناء بلغة أهل اليمن (١). قال الأذرعي: وقد أوضحت فِي كتابي "غنية المحتاج فِي شرح المنهاج" (٢) من حجج القول بالتحريم أو الكراهة الشديدة والرد على المبيحين للغناء والمتساهلين فيه ما ينشرح له القلب المنور باتِّباع السنَّة، الخالي من البدعة والأهوية الحيوانيَّة، وممَّا يدلُّ على ذمِّه وذمِّ متعاطيه من المتَّفق على صحَّته قوله ﷺ : ((مَن أحدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ))، وفي رواية: ((شيئًا ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ)) (٣). قال أبو العباس القرطبي: وجْه الدليل أنَّ الغناء المطرب لم يكن من عادة النبي ﷺ ولا فُعِلَ بحضرته ولا اتَّخذ المغنِّين ولا اعتنى بهم، فليس ذلك من سِيرته ولا سِيرة خُلَفائه من بعده ولا من سِيرة أصحابه ولا عترته، فلا يصحُّ بوجهٍ نسبتُه إليه ولا أنَّه من شريعته، وما كان كذلك فهو من المُحدَثات التي هي بدعةٌ وضلالة، وقد يتعامى عن ذلك مَن غلب عليه الهوى، وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال (([كُلُّ] لهوٍ يَلهُو به الرجلُ فهو باطلٌ إلا رميَه بقَوسِه، وتَأدِيبَه لفرَسِه، ومُلاعَبتَه أهلَه)) (٤).

стр. 49

(تَنْبِيه سادس) من الأحاديث الموضوعة [ز١/ ١٠/ب] الكذب الذي لا تحلُّ روايتها إلاَّ لبيان حالها حتى لا يغتر العامَّة بها ما رواه الكذَّاب - ابن طاهر - (١) بسنده الباطل عن أنس قال: "كنَّا عند رسول الله ﷺ فقال ﷺ : ((فيكم مَن ينشدنا؟)) قال بدوي: نعم يا رسول الله، فأنشده: قَدْ لَسَعَتْ حَيَّةُ الهَوَى كَبِدِي = فَلاَ طَبِيبَ لَهَا وَلاَ رَاقِي إِلاَّ الحَبِيبُ الَّذِي شُغِفْتُ بِهِ = فَعِنْدَهُ رُقْيَتِي وَتِرْيَاقِي فَتَوَاجَدَ رسول الله ﷺ وتَواجَدَ أصحابُه حتى سقَط رداؤه عن منكبه، فلمَّا فرغوا آوَى كلُّ واحدٍ إلى مكانه، فقال معاوية بن أبي سُفيان: ما أحسن لعبكم يا رسول الله! فقال: يا معاوية، ليسَ بكرِيمٍ مَن لم يهتزَّ عِنْدَ السَّماع الحسن (٢)، ثم قَسَمَ رسول الله ﷺ رِداءَه ممَّن حضرَ أربعَمائة قِطْعَةٍ)) (٣)، قال ابن طاهر فِي كتابه "صفوة التصوف" بعد سوقه سند هذا الحديث: وهذا الحديث نصَّ على أنَّ مذهب الصوفية كان معلومًا عندهم، معمولاً به بينهم، فإنكاره جهلٌ بالمنقول والتَّمادِي على إنكاره بعد هذا ليس له محصول، ا. هـ.

стр. 50

وليس كما زعَم بل كذب وافترى وجازَف واجترأ، بل هو من جملة كذباته وفرياته وضَلالته وخرافاته؛ ومن ثَمَّ قال أبو العباس القرطبي: لا يحتجُّ بحديث ابن طاهر لما ذكره السمعاني عن جماعةٍ من شيوخه أنهم تكلَّموا فيه ونسبوه إلى مذهب أهل الإباحة الذين لا يُحرِّمون مالاً ولا فرجًا، وعنده مناكير فِي هذا الكتاب، روى عن مالكٍ وغيره من أئمَّة الهدى حكايات منكرة باطلة قطعًا، وقال محمد بن ناصر الحافظ: ابن طاهر ليس بثقةٍ، ثم العجب من غلبة الهوى والميل على هذا الفاسق المبتدِع أنَّه لما استكمل سياق هذا الحديث الباطل الكذب المختلق قال فِي آخره كلامًا يُوهِم به الضُّعَفاء أنَّه على شرط البخاري ومسلم وهو تمويهٌ وتدليس على العوام، فتأمَّل غلبة هذا الهوى على هذا الرجل حتى لم يرضَ بإيهامه صحَّة هذا الحديث، بل زاد وبالَغ حتى أوهَمَ أنَّه على شرط الصحيحين؛ كلُّ ذلك ترجيحٌ لقوله الباطل، وتمويهٌ لحاله الحائل؛ لفساد عقله، واستيلاء خبله، والإفساد فِي الناس، [وإلاَّ فأدنى عارف] بالسنَّة يعلم عند مجرَّد [سماعه] هذا الحديث أنَّه كذبٌ مصنوعٌ موضوعٌ لرَكاكة ألفاظِه، وأنَّ شعره لا يليق بجزالة شعر [ز١/ ١١/أ] العرب، بل بركاكة شعر المخنَّثين، قال الأذرعي: وأطال القرطبي فِي ردِّ هذا الحديث الباطل المختلق، وما قاله حقٌّ لا ينازِع فيه أحدٌ من أهل المعرفة بالحديث، ولا شكَّ فيه، فالله حسب مفتريه. وقد ذكَر صاحب "عوارف المَعارِف" هذا الحديث ثم قال: لكن يخالج سرِّي أنَّ هذا الحديث ليس فيه دون اجتماع النبي ﷺ بأصحابه، ويأبى القلب قبوله، ا. هـ. قال بعض الحفَّاظ: وما خالج صدره - رحمه الله تعالى - يقينٌ عند غيره قد خالَط قلبه؛ أي: فلنور قلب الشهاب السهروردي لم يقبَل قلبه هذا الحديث

стр. 51

الركيك الذي يجعَل كلماته ﷺ عن أنْ يحاكي به هذه الألفاظ الركيكة المظلمة. (خاتمة) فِي فروع مُتمِّمة لما سبق منها: مَن غنَّى لنفسه أو غيره إنْ أخَذ عليه أجرًا واشتهر به بحيث يُسمَّى مغنِّيًا فهو سفيهٌ مردود الشهادة، وكذا مَن انقطع لسماعه بخلاف مَن يسمعه أحيانًا ولو فِي الملأ ومَن تكسَّب يجمع المغنين والمغنيات عنده ليطلب [منه] إحضارهم، أو بتعليم غناء لامرأة وأمرد - فهو سفيهٌ مردودُ الشهادة، بخلاف مَن اقتناهم ليسمعهم غير مُكثِر ولا مُجاهِر ما لم يدخل معه لسماعهم مَن يحرم عليه سماعهن؛ لأنَّ ذلك دِياثة، ولو كان يغشى بيوت الغناء ويغشاه المغنُّون للسماع فإنَّ كان فِي خفية لم تردَّ شهادته لبقاء مُروءته، وكذا إنْ أظهره ولم يُكثِر منه.

стр. 52

القسم الثاني: في سماع الغناء المقترن برقص أو نحو دف أو مزمار أو وتر قد سبق حُكمُ الغناء المجرَّد، وسيأتي أحكامه وما بعده إذا تجرَّدت، والمقصود هنا أنَّ الغناء إذا أُبِيح أو كره إن انضمَّ إليه محرَّمٌ يصير بانضِمام المحرَّم إليه محرمًا، وإذا حرم يشتدُّ إثمه بانضِمام المحرَّم [الآخَر] إليه، وأنَّ الرَّقص إنْ كان فيه تكسُّر كفعل المخنث كان حرامًا، وإنْ خلا عن ذلك كان مكروهًا، فإذا انضمَّ القسم الحرام منه إلى الغناء المحرَّم ازداد الإثم والتحريم، وكذا إذا كان المحرَّم أحدهما؛ لأنَّ المكروه وإنْ كان لا إثمَ فيه لكنَّه بانضِمامه إلى المحرَّم يَزداد إثمًا، ويشهَدُ لما قرَّرتُه قولُه ﷺ فِي الحديث الصحيح: ((لا يخرُج الرجلان [ز١/ ١١/ب] يَضرِبان الغائط كاشفَيْن عن عَوْرتهما يتحدَّثان؛ فإنَّ الله يمقت على ذلك)) (١). فجعل التحدُّث على الغائط الذي هو مكروهٌ لا حرام إذا انضمَّ إلى الحرام الذي هو كشْف العَوْرة بحضرة مَن ينظُر إليها مقتضيًا للمقت الذي هو أشدُّ البُغض، فكذا إذا انضمَّ مكروهٌ من رقصٍ أو غناءٍ إلى محرَّمٍ من أحدهما يزداد إثمه وعقابه، وإذا ثبت هذا فِي مكروه ومحرَّم فهو فِي محرَّمين أولى، وسيأتي عن الإمام أبي عمرو بن الصلاح فِي اجتماع الدُّفّ الذي هو حلال إلى

стр. 53

الشَّبَّابَة التي هي حَرام ما يوافق ما ذكرته، مع ردِّ ما اعترض به عليه، فاستَفِده. (تَنْبِيه) ما تقرَّر فِي الرقص من أنَّه إنْ كان فيه تثنٍّ أو تكسُّر حرم على الرجال والنساء، وإن انتفى كلٌّ منهما عنه كره، قال الرَّافِعيُّ: لأنَّه مجرَّد حركات على استقامة هو المعتمد فِي مذهبنا، وقيل: يكره مع التكسُّر أو التثنِّي ولا يحرم، وقيل: يُباح مع عدمها ولا يكره، وقال بعض أصحابنا: إنْ أكثر منه حرم وإلاَّ فلا، وأشار القاضي حسين فِي تعليقه والغزالي فِي "إحيائه" إلى أنَّ محلَّ الخلاف فيمَن فعَلَه باختياره بخلاف مَن كان من أهل الأحوال، فحصل له وجدٌ اضطرَّه إليه، فإنَّ هذا لا حُرمة ولا كَراهة عليه اتِّفاقًا. وعلى هذه الحالة يحمل ما حُكِي عن العزِّ بن عبدالسلام أنَّه كان يرقص فِي السماع، وممَّا يعين هذا الاحتمال ويردُّ على مَن توهَّم مَن فعَلَه أنَّه كان يفعله عن اختياره، فجعله حجَّة لدعواه الفاسدة وبضاعته الكاسدة - قولُه نفسه فِي قواعده التي لم يُصنَّف مثلها: "أمَّا الرقص والتصفيق فخفَّة ورُعونة مشابهة لرُعونة الإناث لا يفعلهما إلا أرعن أو مُتصنِّع جاهل، ويدلُّ على جهالة فاعلهما أنَّ الشريعة لم تردْ بهما لا فِي كتابٍ ولا سنَّة ولا فعَل ذلك أحدٌ من الأنبياء، ولا مُعتَبَرٌ من [أتباع] الأنبياء، وإنما يفعله الجهلة السُّفَهاء الذين التبسَتْ عليهم الحقائق بالأهواء، وقد حرَّم بعض العلماء التصفيق على الرجال؛ لقوله ﷺ ((إنَّما التَّصْفِيقُ للنِّساءِ)) (١)، ا. هـ كلامه.

стр. 54

فبعدَ صُدور هذه العِبارة منه وهو أخشى لله [وأتْقاه] (١) من أنْ يتكلم فِي كتابه الذي هو نتيجة علومه [ز١/ ١٢/أ] ومَعارِفه بما يفعَل خلافه على رؤوس الأشهاد، ولكي يتوهَّم صدور ذلك منه، وبفرض صحَّته عنه يتعيَّن حملُه على أنَّه إنما فعَلَه اضطرارًا لعروض حالٍ أزعَجَه وأخرَجَه عن اختِياره، وقد عرفت أنَّ هذه الحالة ليسَتْ من محلِّ الخلاف فاحفَظ ذلك وردَّ به على مَن زلَّ فِي هذه المسألة قدمُه، وطغَى فِي حُكمها فهمُه وقلَمُه، وسيأتي قريبًا عن السهروردي وغيره فِي التواجُد ما يُوضِّح ذلك. وإذا بان لك هذا الذي ذكرته عن ذلك الإمام واتَّضح، ظهَر لك بُطلان نقل الأُدْفوي ومَن قلَّده خلافه فيه، وقلَّدهم صاحب هذا الكتاب من غير تأمُّلٍ؛ حيث عدَّ ممَّن حضَر السماع بالدُّفِّ والشَّبَّابَة هذا الإمام الذي قال فِي الغناء المجرَّد وفي مجرَّد ضَرْب يدٍ على يدٍ ما مرَّ، فكيف يقولُ هذا فِي ذلك ويحضر بنفسه الغناء المقترِن بالدُّفِّ والشَّبَّابَة، سبحانك هذا بهتان عظيم! والأُدْفوي هذا يتابع ابن طاهر فِي جميع كذباته كصاحب هذا الكتاب، ويعتمدها ويجعلها حجَّة له على ما يريد الانتصار به للصوفية المبرَّئِين من هذا السفساف، الأغنياء عن الانتصار لهم بأنَّ من شريطة طريقتهم ترْك المختَلَف فيه فكيف بالمُجمَع عليه، ومَن وقع منه خلاف ذلك منهم وصحَّ، أُجِيبَ عنه بأنَّ الوقائع الفعليَّة من المعصوم إذا أسقَطَ الاستدلالَ بها الاحتمالُ كما هو مقرَّر فِي الأصول، فأولى أنَّ ذلك يسقطه فيها إذا وقعَتْ من غير المعصوم؛ إذ ليست الحجة إلاَّ فِي الكتاب والسنَّة ونحوها من الأدلَّة المقرَّرة فِي الأصول، ونحن نجزم بأنَّه لم يقع عن أحدٍ

стр. 55

يُقتَدى به من أهل التصوُّف الجامعين بين العلم والمعرفة شيء من ذلك السفساف الذي هو سماع الأوتار ونحوها من المُجمَع على تحريمها، وأمَّا المختَلَف فيه فكذلك عند المحقِّقين منهم لمجانبتهم الشُّبَه ما أمكن، وأمَّا الحائمون حول حمى الشبهات وسماع المشتبهات فأولئك ليس لهم من التصوُّف إلاَّ رسمه، ومن العلم إلا اسمه، والخير كل الخير إنما هو فِي اتِّباعه ﷺ وشرَّف وكرَّم. قال الأذرعي فِي "توسطه": واعلم [ز١/ ١٢/ب] أنَّ طوائف من المغرمين بالرقص من المتفقِّرة - أي: المتصوفة - ومَن حذا حذوهم من المتفقِّهة توهَّموا أنَّ حديث زفن الحبشة بالمسجد - وهو بالزاي والفاء والنون - والرقص دليلٌ واضح على جواز الرقص فِي المساجد مع ضميمة الغناء والطارات إليه، وذلك خطأ صريح وجهل قبيح يُعرَف ببيان الحديث، والجواب عنه كما هو مذكورٌ فِي كلام القرطبي، أمَّا الحديث فالذي رواه البخاري ومسلم فيه: أنَّ ذلك كان يوم عيدٍ يلعَبُ فيه السودان بالدَّرَقِ والحِرابِ فِي المسجد، فقال رسولُ الله ﷺ لعائشة: ((تشتَهِين تنظُرِينَ؟)) فقالت: نعم، فأَقامني رسولُ الله ﷺ وراءَهُ خدِّي علَى خَدِّهِ وهو يقولُ: ((دُونَكم يا بَنِي أرفدة)) (١)، ووجه تمسُّكهم أنهم رقَصُوا فِي المسجد وأمرَهُم النبي ﷺ بل أغْراهم بقوله: ((يا بَنِي أرفدَةَ)) ثم أباح لعائشة ﵂ النظر إليهم؛ فكان دليلاً على إباحة الرقص وجوازه.

стр. 56

والجواب: أنَّ هذا الحديث لا يتناوَل محلَّ النزاع؛ فإنَّ ذلك لم يكن من الحبشة رقصًا على غِناء، ولا ضربًا بالأقدام، ولا إشارة بأكمام، بل كان لعبًا بالسلاح، وتأهُّبًا للكفاح؛ تدريبًا على استعمال السلاح فِي الحرب، وتمرينًا على الكرِّ والفرِّ والطَّعن والضَّرب، وإذا كان هذا هو الشَّأن فأين أفعال المخانيث والمخنَّثين من أفعال الأبطال والشُّجعان؟! وأمَّا إباحة النظَر إليهم فلأنَّه لم يكنْ بحضرتهم منكرٌ يُغيَّر، ولا عورة تظهَر، وتمسَّكوا أيضًا بأنَّه ﷺ قال لعلي: ((أنت منِّي وأنا منك)) فحجل، وقال لزيدٍ: ((أنت أخونا ومولانا)) فحجل، وكذلك حجل جعفر لَمَّا وصَّى له في بنت حمزة حين خاصَمَه فيها عليٌّ وزيدٌ)) (١)، والحجل: مشي المقيَّد، وهو وثْب واهتزاز وهو الرقص؛ والجواب: أنَّ هذه كلها أحاديث مُنكَرة وألفاظ موضوعة مزوَّرة، ولو سلمت صحَّتها لم يتحقَّق حجَّتها؛ أي: لأنَّ المحرَّم هو الرقص الذي فيه تثنٍّ وتكسُّر، وهذا ليس كذلك. وبما تقرَّر فِي هذا والذي قبلَه يُعلَم خطأ صاحب ذلك الكتاب فِي نقْله الاحتجاجَ على إباحة الرقص بحديث رقص الحبشة فِي [ز١/ ١٣/أ] المسجد، وبأنَّ عليًّا وجعفرًا وزيدًا حجلوا لَمَّا بشَّرهم النبي ﷺ ووجْه خطَئِه ما تقرَّر أنَّ رقْص الحبشة لم يكنْ من الرقص المُختَلف فيه، وأنَّ ما ذُكِرَ عن هؤلاء الثلاثة - رضوان الله عليهم أجمعين - كذبٌ مختلق لا تحلُّ روايته ولا الاحتجاج به، إذا تقرَّر أنَّ فعل الحبشة ليس من

стр. 57

المختلف فيه، وأنَّ ما رُوِي عن أولئك الأئمَّة كذبٌ، بطل قول صاحب الكتاب: إنَّ القياس على ذلك حجَّة على إباحة الرقص. (تتمَّة) نقَل القرطبي عن الإمام الطرسوسي (١) أنَّه سُئِلَ عن قومٍ فِي مكانٍ يقرؤون شيئًا من القرآن ثم ينشدهم لهم منشدٌ شيئًا من الشعر فيرقصون ويطربون ويضربون بالدُّفِّ والشَّبَّابَة، هل الحضور معهم حلال أو لا؟ فأجاب: مذهب السادة الصوفية أنَّ هذا بطالة وضلالة، وما الإسلام إلاَّ كتاب الله وسنَّة رسول الله ﷺ وأمَّا الرقص والتواجُد فأوَّل مَن أحدَثَه أصحاب السامري لما اتَّخذ لهم عجلاً جسدًا له خوار، فأتوا يرقصون حوله ويتواجَدون، وهو - أي: الرقص - دين الكفار وعبَّاد العجل، وإنما كان مجلس النبي ﷺ مع أَصْحابه "كأنَّما على رؤُوسهمُ الطَّيْرُ من الوقار" (٢)، فينبغي للسُّلطان ونوَّابه أنْ يمنعوهم من الحضور فِي المساجد وغيرها، ولا يحلُّ لأحدٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أنْ يحضر معهم، ولا يُعِينهم على باطلهم، هذا مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وغيرهم من أئمَّة المسلمين، ا. هـ كلام هذا الإمام، فتأمَّله واحفَظْه فإنَّه الحقُّ وغيره الباطل الذي غايته القطيعة والآثام.

стр. 58

وتمسَّكوا أيضًا بحكاياتٍ كثيرة عن المشايخ ذكرها القشيري وغيره، زاعِمين أنَّ هؤلاء المشايخ عُرِفت فضائلهم وصحَّت كراماتهم، فإطباقهم على حُضور مجالس السَّماع والغِناء وتواجُدهم وركضُهم وزفنهم دليلٌ على إباحة ذلك؛ وجوابُه: أنَّنا لا ننفي جوازه إلاَّ عند وجود نحو تثنٍّ وتكسر، فمن أين أنَّ أولئك المشايخ تثنَّوْا وتكسَّروا، سلَّمنا أنهم فعلوا ذلك فمن أين أنهم لم يحصل [ز١/ ١٣/ب] لهم وجدٌ أخرجَهُم عن حالة الاختِيار إلى حالة الاضطرار، على أنَّا لا نسلِّم صحة تلك الحكايات عن أولئك، فلعلها ممَّا أدخَلَه أهل الزندقة على أهل الإسلام، كما كذبوا على رسول الله ﷺ بما لا يُحصَى، سلَّمنا صحَّتها وأنهم فعلوها اختيارًا، فالحجَّة فيما جاء عنه ﷺ وعَن الأئمَّة بعده، وقد بينَّا أنَّ ذلك لم يكن طريقهم ولا سبيلهم، وأنَّ ذلك ممَّا حدث بعدهم فقد تناوله قوله ﷺ : ((كلُّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلُّ بدعةٍ ضَلالَةٌ)) (١). وظُهور الكرامات لا تدلُّ على العصمة، بل على قُرب مَن ظهرت عليه فِي حال ظُهورها عليه مع جواز تلبُّسه بعد ذلك بكبيرةٍ يتوبُ الله عليه منها؛

стр. 59

ومن ثَمَّ قيل للجنيد سيِّد الطائفة: أيَعصِي [الولي] (١)؟ فقال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ (٢). وقد قال ابن عبدالسلام: أخطأ مَن زعَم أنَّ الولاية تُنافِي ارتكابَ الصغائر، ففعلهم لذلك لو فرض أنَّه باختيارٍ وفيه تثنٍّ وتكسُّر يكون صغيرةً، وهي لا تنافي الولاية. وما أحسن ما قاله الأستاذ الكبير، والعلَم الشهير، إمام العارفين، وقدوة العلماء العاملين، أبو علي الروذباري لَمَّا سُئِلَ عمَّن يسمَع الملاهي ويقول: هي حَلال؛ لأنِّي قد وصلت إلى درجةٍ لا يُؤثِّر فِيَّ اختلاف الأحوال، فقال ﵁: نعم قد وصل، ولكن إلى سقر، كذا نقَلَه عنه إمام المتأخِّرين ظاهرًا وباطنًا الإمام اليافعي الذي قال الأسنوي فِي حقِّه: فضيل الأباطح وفاضلها، فتأمَّل مثل قول أبي عليٍّ المذكور واعتمده، وأمثاله، ولا تغترَّ بِمَنْ لم يشمَّ أدنى مَراتِبهم، فيقول عليهم بما هم منه بَرِيئون وعنه مُنفَرِدون ومحوطون، حقَّق الله لنا حسن اتِّباعهم، والاندراج فِي سلك إجماعهم بمنِّه وكرمه، آمين. وتمسَّكوا أيضًا بأنَّ الحركات الموزونة من أهل الصفاء حالةَ السماع نتائج القلب المعتدِل الموزون بميزان الرياضة والمجاهدة، ومَن هو كذلك لا يصدر عنه قولٌ ولا فعلٌ إلاَّ على نظامٍ ووزنٍ، وخُصوصًا حالة السماع التي هي حالةُ ظهور مَكامِن القلوب وإبداء العُيوب، وأطالُوا من هذه الكلمات التي هي حقٌّ فِي نفسها أُرِيدَ بها [ز١/ ١٤/أ] باطلٌ أي باطل؛ إذِ الصادر عن القلب المذكور وزنُ الأعمال بميزان الشرع لا وزنُ الحركات بميزان

стр. 60

المخنَّثين؛ ومن ثَمَّ قال القرطبي فِي جواب ذلك: إنَّ هذا من التمويهات والترَّهات التي لا تتمشَّى على العوام، فضلاً عن ذوي الأفهام؛ ووجه تمويهه أنهم إنْ أرادوا بالوزن مطابقة الحركات الحسيَّة لحركات الغناء فهو باطلٌ، أو مطابقتها للميزان الشرعي فمُسلَّم، لكنْ تلك الميزان تمنَع من حُضور الغناء المطرب وسماعه؛ لأنَّه يمنع من المكروه والمحرَّم؛ وقد بينَّا أنَّ الغناء المطرِب وسماعه حَرام ولهو وباطلٌ، ثم يلزَمهم أنَّ أصفى الناس قُلوبًا أحسنهم رَقصًا، وأنَّ مَن لا يحسنه كالصحابة والأئمَّة بعدهم يكونوا بخلاف ذلك، وهذه زلاَّت لا يتدارك قُبحها ولا يَتناهى إثمها، وأطال فِي بَيانها وفي التَّشنيع على أولئك الأغبياء المتمسِّكين بما آلَ بهم إلى أعظم الزَّلَل وأقبح الخطأ والخطَل. وتمسَّكوا أيضًا بأنَّ مَن فعلوا الرقص حالةَ السماع ظهَرتْ عليهم الكرامات حينئذٍ، فهو دليلٌ على حقيقة ما هم عليه؟ وجوابه: أنَّ أكثر حِكاياتهم خُرافات لا حقيقةَ لها، ولو سلمت فالحجَّة فِي كتاب الله - تعالى - وسنة رسولٍه واتِّباع سبيل المؤمنين من الصَّحابة ومن بعدهم من المجتهدين، وما ظهر على أولئك حالة الرقص إنْ صحَّ إمَّا حِيَلٌ أو فِتَنٌ كفِتَنِ الدجَّال فلا يغترَّ بها؛ لما هو مُقرَّر عند أئمَّة الشرع أنَّ مَن ظهر عليه خارقٌ إنْ وافقت أحواله الشريعة أصولها وفُروعها فهي الكرامة، وإلاَّ فهي استِدراجٌ، وصاحبها إمَّا مفتونٌ أو زنديقٌ؛ ومن ثَمَّ قال الجنيد: لو رأيتم الرجل يمشي على الماء أو فِي الهواء فلا تغترُّوا به حتى تَنظُروا حالَه عند الأمر والنهي، وقد سمع الشبلي برجلٍ اشتَهَر بالولاية، فمشى إليه فِي أصحابه،

стр. 61

فدخَل عليه فِي المسجد فرَآه قد تنخَّم فِي قِبلة المسجد (١)، فقال لأصحابه: ارجِعُوا فإنَّ الله لم يأمَنْ هذا على أدبٍ من آداب شريعته، فكيف يأتمنه على أسراره؟ وبهذا كلِّه الذي قالَه القرطبي وغيره يتبيَّن خطأ صاحب ذلك الكتاب فِي قوله: والشَّبَّابَة تُحرِّك الدمع وتُرقِّق القلب، ثم قال: ولم يزل أهل المَعارِف [ز١/ ١٤/ب] والصَّلاح والعلم يحضرون السماع بالشَّبَّابَة، وتجري على أيديهم الكَرامات الظاهرة وتحصل لهم الأحوال السنيَّة، ومرتكِب المحرَّم لا سيَّما إذا أصرَّ عليه يفسق به، وقد صرَّح إمام الحرمين والمتولي وغيرهما من الأئمَّة بامتِناع جَريان الكَرامة على يد الفاسق، ا. هـ. وبَيان خطئه فِي ذلك وزلَلِه أنَّ قوله: يُرقِّق القلب دعوى كاذبة باطلة، وإلاَّ لم يحرِّمها أكثرُ العلماء، بل الحقُّ أنها تُحرِّك عنده من حُظوظ نفسه وشَهواتها ما يحمله على ما لا ينبغي، وبفرْضٍ أنها لا تحمله فهي شعار الفسَقَة، فوجب اجتنابُها؛ لأنَّ التشبُّه بهم حرام؛ وقد قال ﷺ : ((مَن تشَبَّه بقومٍ فهوَ منهُم)) (٢)، وبفرض أن لا تشبُّه فيها [بالفسَقَة] فهي من الشُّبهات؛ لأنها حرامٌ عند أكثر العلماء كما سيأتي بَسْطُه؛ وأئمَّة التصوُّف

стр. 62

- رضوان الله عليهم - أبعَدُ الناس عن الشُّبهات، فعلم أنَّه لا يحضُرها ويسمَعها إلا مَن غلب عليه هَواه حتى أصمَّه وأعماه وأرداه، وقوله: ولم يزل أهل المَعارِف ... إلخ قلَّد فيه مثلَ الخبيث الكذاب ابن طاهر، وقد قرَّرنا فِي هذا الكتاب المرَّة بعد المرَّة أنَّه كذَّاب خبيث لا يُعتَمد عليه ولا يُنظَر إليه، وهذا نظيرُ كذبِه الآتي عن الشيخ الإمام أبي [إسحاق] الشيرازي - رحمه الله تعالى - أنَّه كان يسمَع العُود، وسيأتي مُبالَغة العلماء فِي تسفيهه فِي ذلك، وكذبه على هذا العبد الصالح القانت العالِم الرباني، وقوله: وتجرِي على أيديهم الكَرامات، جوابه ما تقرَّر أنَّ هذا جزاف كذب لا حقيقةَ له، وبفرض وقوعه فهو إمَّا حيل أو فتن واستدراج. قال العارف أبو الحسن الشاذلي - رحمه الله تعالى - فِي قوله - تعالى -: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (١) سنريهم الكَرامات حتى يعتَقِدوا أنهم أولياء الله فنأخذهم على بغتة، وقوله: وقد صرَّح إمامُ الحرمين ... إلخ، جوابُه: أنَّ كلامه ﵀ لم يفهَمْه؛ لأنَّ معناه: أنَّ الكرامة التي هي فِي الباطن كرامةٌ لا تظهَرُ على يد فاسقٍ لا أنَّ كلَّ مَن ظهر على يديه خارقٌ حُكِمَ بأنَّه صالحٌ؛ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (٢).

стр. 63

وتمسَّكوا [أيضًا] بما جاء ((إذَا لم تبكُوا فتباكَوْا)) (١)، وجوابه: أنَّ التباكي يُفضِي إلى [ز١/ ١٥/أ] البُكاء غالبًا الذي هو مطلوبٌ شرعًا، والتواجُد بالحركة لا يُفضِي إلى الوجد غالبًا، فافتَرَقا ولم يجزْ حمل أحدهما على الآخَر، ولو سلَّمنا أنَّه يُفضِي إليه غالبًا فلا نُسلِّم أنَّ الوجد مطلوبٌ شرعًا؛ لأنَّه لا يدخُل تحت اختيار العبد بخِلاف البكاء، ثم العجب أنَّ المحقِّقين من شُيوخ هذه الطائفة قالوا: إنَّ التواجُد غير مُسلَّم لصاحبه؛ لما يتضمَّنه من التكلُّف والتصنُّع والرِّياء؛ قال السهروردي التواجُد من الذنوب، فليتَّقِ الله ربَّه ولا يتحرَّك إلا إذا صارت حركته كحركة المرتعِش الذي لا يجدُ سبيلاً إلى الإمساك، قال السري: شرط الواجد في وجْده أنْ يبلُغ وجده إلى حدٍّ لو ضُرِبَ وجهُه بالسيف لم يشعُر به. وقال القشيري: المريد لا يسلمْ له حركةٌ فِي السماع بالاختيار؛ وقال عبدالله بن عروة بن الزبير: قلتُ لجدَّتي أسماء بِنت أبِي بكر [الصِّدِّيق]﵄: كيف كان أصحاب النبِيِّ ﷺ يفعَلون إذا قُرِئَ القُرآن؟ قالت: كانوا كما وصفَهُم الله - تعالى - فِي كتابه العزيز،

стр. 64

تدمع أعينهم وتقشعِرُّ جلودهم، قلت: إنَّ أناسًا اليومَ إذا قُرِئَ القُرآن عليهِم خرَّ أحدُهم مغشِيًّا عليه؟ قالت: أعوذ بالله من الشَّيْطان الرَّجِيم)) (١). إنَّ عبدالله بن عمر ﵄ مرَّ على رجلٍ من أهل العِراق يتساقَط فقال: أمَا نخشى؟ وما يسقط؟ إنَّ الشَّيطان يدخُل فِي جوف أحدِكم، ما هكذا [كان] يصنع أصحاب رسولِ الله ﷺ ) (٢). وذكِر عند [عبدالله] (٣) بن سيرين الذِين يُصرَعون إِذا قُرِئ عليهِم القُرآن، فقال: ((بيننا وبينهم أنْ يقف أحدُهم على ظهر بيته باسطًا رجلَيْه، ثُمَّ يُقرَأ عليه القُرآن من أوَّله إلى آخِره، فإِنْ رمى بنَفسِه فهو صادِق)). وهذا الإنكار من هؤلاء السَّلَف إنما هو على المتكلِّفين المتواجِدين، ثم بالَغ القرطبي ﵀ فِي الردِّ عليهم فِي تمزيقهم الثِّياب وإعطاء ما سقط منها للقوَّال، وقال: هذا ضَرْبٌ من الجنون والهذيان، وفي قول بعضهم: هذا الشيخ يحكم فيه بما يريد، وهذا كلُّه إخراج ملك عن مالكه بغير طريقٍ شرعي. (خاتمة) سُئِلَ الإمامُ المجتهد تقيُّ الدين السبكي ﵀ عن الرَّقص والدُّفِّ وعنْ حُضور السماعات؟ [ز١/ ١٥/ب] فأجاب عنه بقوله: وَاعْلَمْ بِأَنَّ الرَّقْصَ وَالدُّفَّ الَّذِي = سَاءَلتَ عَنْهُ وَقُلت فِي أَصْوَاتِ

стр. 65

فِيهِ خِلافٌ لِلأَئِمَّةِ قَبْلَنَا = شَرَحَ الهِدَايَةَ سَادَةُ السَّادَاتِ لَكِنَّهُ لَمْ يَأْتِ قَطُّ شَرِيعَةٌ = طَلَبَتْهُ أَوْ جَعَلَتْهُ فِي القُرُبَاتِ وَالقَائِلُونَ بِحِلِّهِ قَالُوا بِهِ = كَسِوَاهُ مِنْ أَحْوَالِنَا العَادَاتِ فَمَنِ اصْطَفَاهُ لِدِينِهِ مُتَعَبِّدًا = لِحُضُورِه فَاعْدُدْهُ فِي الحَسَرَاتِ وَالعَارِفُ المُشْتَاقُ إِنْ هُوَ هَزَّهُ = وَجْدٌ فَقَامَ يَهِيمُ فِي السَّكَرَاتِ لاَ لَوْمَ يَلحَقُهُ وَيُحْمَدُ حَالُهُ = يَا طِيبَ مَا يَلقَى مِنَ اللَّذَّاتِ قال بعض الأئمَّة من أهل اليمن: وأمَّا سَماع أهل الوقت فمُحرَّم بلا شكٍّ؛ ففيه من المنكرات واختلاط الرجال بالنساء، وافتِتان العامَّة باللهو ما لا يُحصى، فالواجب على الإمام قصرُهم عنه؛ وسُئِلَ القاضي عن الحال فِي السماع؟ فقال: مَن تعوَّده من الفقهاء وغيرهم فِي كلِّ أسبوعٍ مرارًا وفِي كلِّ شهرٍ مرارًا يفسق وتردُّ شهادته، فقِيل له: فإذا تعوَّده فِي كلِّ شهر مرَّة؟ قال: لا تردُّ شهادته، وهو فسقٌ وليس كلُّ فسق يُوجِب ردَّ الشهادة، قال الأذرعي: وهذا خلاف المفهوم من كَلام الفقهاء، ا. هـ، وهو كما قال. (تتمَّة) فيها ردعٌ لِمَن يزعُم تصوُّفًا، وسُلوكًا لطريق القوم المبرَّئين عن السفساف واللوم، ثم بعدَ ذلك يمدح الغناء، ويُثنِي على سماعه، ويحض العامَّة والخاصَّة على سَماعه، ليس ذلك إلاَّ لاستِحكام هَواه وغلبة شَهواته فِي دَقائق حُظوظه الذي أرداه وأصمَّه وأعماه، وأي لذَّة أو قُربة أو مدْح فيمَن قال فيه الصادق المصدوق: ((إنَّه يُنبِت النِّفاق في القلب، كما يُنبِت الماء البَقل))، ((حبُّ الغِناء يُنبِت النِّفاق، كما يُنبِت الماء العشب)) (١)،

стр. 66

((مَن قعَد إلى قَيْنةٍ يستَمِع منها صبَّ الله في أذنَيْه الآنُك - أي: الرَّصاص المذاب - يوم القيامة)) (١)، ((الغناء واللهو يُنبِتان النِّفاق في القلب كما يُنبِت الماء العشب، والذي نفسي بيده إنَّ [القرآن في القلب] (٢) والذكر لينبتان الإيمان في القلب كما ينبت الماء العشب)) (٣)؛ فكيف بعد هذه الأحاديث يقدم مَن له أدنى مسكةٍ من دِين أو عَقل أو ورَع على مَدح الغِناء واستِماعه، ويزعُم أنَّ فِي استِماعه استجلاء [ز١/ ١٦/أ] للمَعارِف والكَرامات؟ كلاَّ والله ليس إلاَّ كما أخبر الصادق أنَّه يُنبِت النِّفاق فِي القَلب سريعًا كثيرًا كما ينبت الماء العشب والبقل، وأنَّه يُوجِب صبَّ الرَّصاص المذاب فِي الأذن التي سمعته يوم القيامة.

стр. 67

وتأمَّل ما يحرمه [صاحب] (١) الغناء، فقد أخرَج الحكيم الترمذي أنَّه ﷺ قال: ((مَن استَمَع إلى صوت غناء لم يُؤذَن له أن يَستَمِع الروحانيِّين فِي الجنَّة))، قيل: ومَن الروحانيون؟ قال: ((قُرَّاء أهل الجنَّة)) (٢)، فانظُر هذا الحِرمان المشابِه لما فِي الحديث الصحيح: ((مَن شَرِبَ الخَمر في الدُّنيا لم يشرَبْه في الآخِرة)) (٣). وتأمَّل أيضًا مُقابَلته ﷺ لهذا! بقوله: ((والذي نفسِي بيده إنَّ القُرآن والذكر لينبتان الإيمانَ في القلب كما يُنبِت الماء العُشب)) (٤). فعلم أنَّ مَن آثَر سَماع الغناء على القُرآن والذكر كما هو دأب أكثَر متصوِّفة الوقت فقد استحكم عليه شيطانه حتى أنزَلَه بساحة الممقوتين، بل أخرَجَه إلى حيِّز العُصاة المبعودين؛ ألاَ ترى إلى ما مرَّ فِي المقدمة أيضًا فِي حديث المُغَنِّي الذي استَأذَن رسول الله ﷺ فِي الغناء فقال: ((لا آذَنُ لك، ولا كَرامة، ولا نعمَة عَيْنٍ، كذبت أيْ عدوَّ الله، لقد رزَقَك الله حلالاً طيِّبًا فاختَرْت ما حرَّم الله عليك من رِزقِه ثم توعَّدَه ﷺ بأنَّه إنْ فعَل الغناء بعد ذلك أوجَعَه ضربًا ومثَّل به بحلق رأسه وأحلَّ سلبه نهبةً لفتيان المدينة، ثم قال عن المغنيين ونحوهم:

стр. 68

((أولئك العُصاةُ، مَن مات منهم بغير توبةٍ حشَرَه الله يومَ القيامة كما كان في الدنيا مخنثًا عريانًا، لا يستَتِرُ من الناس بهدبةٍ، كلَّما قام صُرِعَ)) (١)؛ لكن الحامل لجهَلَة المتصوِّفة على ذلك جهلهُم بالسنَّة الغرَّاء الواضحة التي ليلُها كنَهارها، ونهارها كليلها لا يزيغ عنها إلاَّ هالك، فجهْل أولئك أوجَبَ لهم الهلاكَ والحِرمان عن فهْم مقالته ﷺ وأحكامه ومَعارِفه، وتأمَّل ما مرَّ فِي المقدمة أنهم غلَب عليهم جهلُهم حتى أخرَجوا تلك الأحاديث عن موضوعها، وزعَمُوا أنها فِي غنى المال لا غير، وهذا جهل بموضوعات الألفاظ ومعانيها، فحقُّهم الكفُّ عن الخوض فِي ذلك؛ سترًا لجهلهم عن العامَّة، وإنْ أوجب ذلك خَسارهم إذا جاءَت الطامَّة، وقد مرَّ ثَمَّ بَسْطُ ما في [ز١/ ١٦/ب] ذلك فراجِعْه؛ لعلك توفَّق لفَهمِه والعمل به. * * *

стр. 69

القسم الثالث: فِي قراءة القرآن بالألحان اختلف كلام الشَّافِعِي ﵁ فقال مرَّة: لا بأسَ بها، وقال مرَّة: إنها مكروهةٌ، قال جمهور أصحابه: ليست المسألة على قولَيْن: بل المكروه أنْ يُفرِط فِي المدِّ، وفي إشباع الحركات حتى يتولَّد من الفتحة ألفٌ، ومن الضمَّة واو، ومن الكسرة ياء، أو يدغم فِي غير مَوضِعِ الإدغام، فإنْ لم يصل إلى هذا الحدِّ فلا كَراهة، وفي وجهٍ أنَّه لا يكره وإنْ أفرط، هذا كلام الرَّافِعِي، زاد فِي الروضة قلت: الصحيح أنَّه إذا أفرَطَ على الوجه المذكور فهو حَرامٌ، صرَّح به صاحب "الحاوي" فقال: هو حَرامٌ يفسق القارئ ويأثم المستمع؛ لأنَّه عدَل به عن نهجه القويم، وهذا مُراد الشَّافِعِي - رحمه الله تعالى - بالكراهة، ا. هـ (١). وعبارة "الحاوي" التي أشارَ إليها: القِراءةُ بالألحان الموضوعة للأغاني اختُلِف فيها؛ فرخَّص فيها قومٌ وأباحوها؛ لما ذكرنا من الخبر، وشدَّد آخَرون وحظروها؛ لخروجها إلى اللهو والطرب، ولأنها خارجةٌ عن عُرف رسول الله ﷺ وصحابته إلى ما استُحدِث من بعده، وقد قال ﷺ : ((كلُّ محدثةٍ (٢) بدعةٌ، وكلُّ بدعة ضلالةٌ، وكلُّ ضلالة في النار)) (٣).

стр. 70

والشافعي ﵁ عدَل عن هذين الإطلاقين في الحظر والإباحة باعتبار الألحان، فإنْ أخرجت لفظ القرآن عن [صيغته] (١)، بإدخال حركات فيه أو إخراج حركات منه، يقصد بها وزن الكلام وانتظام اللحن، أو مد مقصور، أو قصر ممدود، أو مطَّط حتى خفي اللفظ، والتبس المعنى - فهذا محظور، يفسق به، وإنْ كان على خِلاف ذلك فلا بأسَ به (٢)؛ قال أصحابنا: وينبغي ألاَّ يشبع الحركات حتى لا تصير حروفًا، ا. هـ. ونسَب الشاشي فِي حليته تفصيل "الحاوي" هذا إلى الشَّافِعِي ﵀ فقال: واختار الشَّافِعِي التفصيل؛ وهو أنَّه إذا كانت الألحان لا تُغيِّر الحروف عن نَظمِها جازَ، فإنْ غيَّرتها إلى زيادةٍ لم يجزْ. وقال الدارمي: القراءة بالألحان مُستَحبَّة ما لم يزدْ حرفًا عن حركته أو [يسقطه] (٣). وقال البغويُّ: تجوزُ القِراءة بالألحان وتحسين الصوت بأيِّ وجهٍ كان، [إلاَّ أنْ يجاوز] (٤) الحدَّ فيه، ويستحبُّ أنْ يقرأ حدرًا [وتخويفًا، والمد] (٥) [ز١/ ١٧/أ] إذا جاوَز الحد فيه وأشبَه ألحان المغنيين لا يجوز، ومَن أدمَنَ عليه ردَّت شَهادته، ا. هـ؛ والحدر أنْ يخفض الصوت كما ابتَدَأ ثم يرفعه ثم يخفضه.

стр. 71

(تَنْبِيه) يقَع لكثيرين أنهم يتَواجَدون عند سماع الغناء دُون سماع القرآن، وكان القرآن أولى، وأجيب بأنَّ كلام الله قديم (١) ومستمعه حادث، ولا جامع بينهما حتى يَحدُث فِي سماعه طرَب، وإنما يحصل فِي سماعه الخشوع والهيبة والتعظيم، كذا قيل، ومرَّ فِي كلام ابن عبدالسلام خلافُ ذلك؛ وهو أنَّه كلَّما زادَت المعرفة زادَ حسن سَماع القُرآن ويزيد التأنِّي والفهم منه، وهذا هو الصواب، فإنَّ التواجُد إنْ كان عن اختيارٍ فهو مذمومٌ سواء القُرآن وغيره، وإنْ كان لا عن اختيار فليكن عند سماع القرآن أكثر، فما اعتِيد من التواجُد عند الغناء دون القُرآن أمرٌ نشَأ غالبًا عن شهوةٍ وتصنُّع فلا يُلتَفت لفاعِلِيه؛ إذ لا يسأل عن أقوال مثلِ هؤلاء وأفعالهم. (تنبيه) قضيَّة ما تقرر وجود الخلاف فِي الجواز وعدمه مع تحقُّق زيادة حرف أو نقصه، والصواب كما قاله الأذرعي: إنْ تعمَّد ذلك لأجْل التحسين والتزيين فسق، ولا يتحقَّق فِي هذا خِلافٌ وينزل قول مَن عبَّر فيه بالكراهة على كراهة التحريم، من ذلك قول سليم: إذ أخرَجَه عن الإفهام كره؛ لما فِي حديث أنه ﷺ – [عدَّ] (٢) من أشرَاطِ

стр. 72

السَّاعَة أنْ يَتَّخِذ القُرآنَ مزاميرَ يُقدِّمونَ أحدهم ليسَ بأقَرئِهم ولا أفضلهم إلا ليغنِّيَهُم به غناءً)) (١). وأفتى النووي ﵀ [تعالى]- فِي قومٍ يقرؤون القُرآن بالتمطيط الفاحش والتغيير الزائد، بأنَّ ذلك حرامٌ بإجماع العلماء كما قاله غيرُ واحدٍ، ويجبُ على وَلِيِّ الأمر زجرُهم وتعزيرُهم واستتابتُهم، ويجبُ إنكار ذلك على كُلِّ مُكلَّف تمكَّن من إنكاره، ا. هـ. وأمَّا اعتراض الأسنوي على ما مرَّ عن النووي فِي "الروضة" من التحريم عند تغيير القرآن عن موضوعه بأنَّه ضعيفٌ مخالفٌ لكلام الشَّافِعِي والأصحاب، قال: وبتَسلِيم التحريم، فالتفسيقُ به مُشكِلٌ لا دليل عليه، فالصواب أنَّه صغيرةٌ فهو مردود؛ ومن ثَمَّ قال الأذرعي عَقِبَه: وهذا كلامٌ يمجُّه السمع السليم، [ز١/ ١٧/ب] وأي دليل أعظم على التحريم والفسق من تغيير كلام الله - تعالى - بالنقص والزيادة فيه عمدًا؛ إذ غير العامد لا يُقال فيه: يعصي ويفسق، وإنما لم يُكفَّر لأنَّه لم يفعل الزيادة والنقص حقيقةً، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، وبه التوفيق، وكأنَّه توهَّم من النصِّ على أنَّه لا بأس [بالقراءة] (٢) بالألحان أنَّه على إطلاقه، وحاشا الشَّافِعِي من ذلك، ولا يقول عالم: إنَّ الحركات إذا أشبعت بالألحان حتى صارت حروفًا أنَّ ذلك

стр. 73

يجوزُ، ويجب تنزيل الوجه السابق أنَّه لا يكره وإنْ أفرط على ما إذا لم ينتَهِ بالإفراط إلى ذلك الحدِّ، وإلاَّ لم يكنْ لهذا الوجه الضعيف مدركٌ أصلاً. (تَنْبِيه ثانٍ) ممَّا يدلُّ على ندْب تحسين الصوت بقِراءة القُرآن بشرط السلامة عن أدنى تغييرٍ فيه، أنَّه ﷺ قال: ((زَيِّنوا القُرآنَ بأصواتِكُم))؛ رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وعلَّقَه البخاري بالجزم فهو حديثٌ صحيحٌ (١)، ولابن حبَّان عن أبي هريرة، والبزار عن عبدالرحمن بن عوف، وللحاكم من طريق أخرى عن البراء أنَّه ﷺ قال: ((زيِّنوا أصواتَكُم بالقرآنِ))، وهي فِي الطبراني من حديث ابن عباس (٢)، ورجَّح هذه الرواية الخطابيُّ، قال شيخ الإسلام فِي تخريج أحاديث الرَّافِعِي: وفيه نظَرٌ؛ لما رواه الدارمي والحاكم بلفظ: ((زَيِّنوا القُرآن بأصواتكم، فإنَّ الصوت الحسن يزيدُ القُرآن حُسنًا))، فهذه الزيادة تُؤيِّد معنى الرواية الأولى (٣).

стр. 74

روى الشيخان أنَّه ﷺ سمع أبا مُوسَى الأشعرى يقرَأ فقال: ((لقد أُوتِي هذا مِزمارًا من مَزامِير آل داودَ)) (١)؛ أي: داود نفسه؛ إذ لم تُعرَف الأصوات الحسنة إلاَّ له ﷺ وأخرج البخاري وأحمدُ من حديث أبي هريرة ﵁ وأحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم، وابن حبان من حديث سعد بن أبي وقاص أنَّه ﷺ قال: ((ليس مِنَّا مَن لم يتغنَّ بالقُرآن))، وفي الباب عن ابن عباسٍ وعائشة في الحاكم. وعن أبي لُبَابَةَ فِي سُنَنِ أبي داوُد، وممَّن رواه عبدالرزاق، وابن أبي شيبة، [والخطيب]، وأحمد، وعبد بن حميد، والدارمي، وأبو عوانة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي عن [ز١/ ١٨/أ] سَعْدِ بنِ أبي وقَّاص، وأبو داود، والبَغَوِي، وابن قانع، والطبراني، والبيهقي عن أبي لُبابَة، والخطيب، والبخاري، وأبو نصرٍ فِي "الإبانة"، والحاكم، والبيهقي عن أبي هريرة، والطبراني، وابن ماجه، وأبو نصر فِي "الإبانة" عن ابن عباس، وأبو نصر عن ابن الزبير، وأبو نصر، والحاكم عن عائشة، والخطيب عن أنس (٢).

стр. 75

قال الشافعي ﵁: معنى هذا الحديث: تحسين الصوت بالقرآن، وفي رواية أبي داود: قال ابن أبي مليكة: يحسنه ما استطاع، وقال ابن عيينة: يجهر به، وقال وكيع: يستغني به، وقيل غير ذلك في تأويله (١)، والرواية الأولى [تعين] (٢) ما قالَه الشافعي ﵁ فلا معدل عنه؛ خلافًا لِمَن أطال في ترجيح قولِ وكيع. ومن الأحاديث لذلك خبرُ عبدالرزاق: ((إنَّ الله ليأذن للرجل يكون حسن الصوت يتغنَّى بالقُرآن)) (٣)، وخبر الطبراني ((إنَّ أحسن [الناس] قراءةً مَن إذا قرأ القُرآن يتحزَّن فيه)) (٤). وخبر ابن مردويه: ((إنَّ هذا القرآن قول يحزن فاقرَؤُوه بحزن)) (٥). وخبر عبدالرزاق عن أبي سلمة مرسلاً، وأبو نصر السجزي في "الإبانة" عن أبي سلمة: ((ما أذِن الله لشيءٍ ما أذِن لرجل حسَن الترنُّم بالقرآن)). وخبر ابن أبي شيبة عن أبي سلمة [مرسلاً]: ((ما أذِن الله لشيء كأذْنه لعبدٍ يترنَّم بالقُرآن)) (٦)؛ أي: ما رضي بشيء كرضاه بذلك.
следующие страницы →