وفي الحق أنه ما مِنْ بحث عرض له إِلاَّ قد أشبع العلماء فيه القول، وَلِنَدَعْ التدليل إلى مقام التفصيل.
٢ - أنَّ المؤلف اعتمد في التدليل على بعض ما ذهب إليه على كلام المُسْتَشْرِقِينَ!! وأي والله المُسْتَشْرِقِينَ، وذلك كما فعل في ص ٨١، ١٧١، ١٧٢ وكيف خَفِيَ على المؤلف الحصيف أنَّ المُسْتَشْرِقِينَ - إِلاَّ القليل منهم - يحملون الضغن للإسلام والمسلمين، وأنهم نَفَثُوا سمومهم في بحوث ادَّعُوا أنها حُرَّةٌ نزيهة - وما هي من النزاهة في شيء - وأنَّ من مقاصدهم تقويض صرح الإسلام الشامخ، وذلك بتقويض دَعَامَتَيْهِ القرآن والسُنَّة؟ وأنهم لما عَزَّ عليهم التشكيك في القرآن - على كثرة ما حاولوا - رَكَّزُوا معظم جهودهم في السُنَّة بحُجَّةِ عدم تواترها في تفصيلها، فلبسوا الأمر على بعض الناس حتى كان من أثر ذلك ما يطلع علينا بعض الباحثين في الأحاديث النبوية بين الحين والحين - ومنهم الأستاذ المؤلف - من آراء مبسترة جائرة، ويشهد الله أنها مصنوعة في معامل المُسْتَشْرِقِينَ، ثم اسْتَوْرَدَهَا هؤلاء فيما اسْتَوْرَدُوا من أفكار وادَّعَوءهَا لأنفسهم زُوراً وبُهْتَاناً.
٣ - إنَّ المؤلف أفاض في بعض المباحث وأكثر من النقول وذلك لكي يُرَتِّبَ عليها ما يريد من نتائج هي أبعد ما تكون مترتبة عليها، وذلك كما صنع في مَبْحَثَيْ الرواية بالمعنى وضررها الديني واللغوي والأدبي، بينما أوجز إيجازا مخلا في بعضها كما فعل في مَبْحَثَيْ العدالة والضبط وهل تعلم أنَّ هذين المَبْحَثَيْنِ اللَّذَيْنِ يقوم عليهما علم الرواية ونقد المرويات في الإسلام لم يحظيا من الكتاب إِلاَّ ببضعة أسطر؟
والذي يظهر لي أنه أمر مقصود من المؤلف، ذلك أنه لو ذكر شروط العدالة والضبط على ما أصلها وقعدها أئمة الحديث وصيارفته، لعاد ذلك بالنقض على كثير مِمَّا ذكره المؤلف في كتابه من استنتاجات لا تسلم له.
ولا أكون مغالياً أو متعصِّباً إذا قلت: إنَّ الأصول التي وضعها علماء أصول الحديث لنقد المرويات، هي أرقى وأدقَّ ما وصل إليه العقل البشري في القديم والحديث وسأفيض في بيان ذلك عند النقد الموضوعي إنْ شاء الله.
٤ - من عجيب أمر هذا المؤلف أنه يستشهد بأحاديث موضوعة، ما دامت تساعده على ما يريد ويهوى من آراء.
стр. 37
وذلك مثل ما فعل في [ص ٢٩] من استشهاده بما روي أنَّ عمر حبس ابنَ مسعود وأبا موسى وأبا الدَرْدَاءَ في المدينة على الإكثار من الحديث فإنه خبر ظاهر الكذب والتوليد - كما قال ابن حزم - ونِسْبَتُهُ رِوَايَتَهُ إلى ابن حزم ليس من الأمانة العلمية في النقل.
ومثل حديث عرض السُنَّة على القرآن فهو موضوع باتِّفاق الأئمة.
على حين حاول أنْ يُشَكِّكَ في أحاديث صحيحة ثابتة مثل حديث «أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» فقد نقده من ناحية متنه مُوهِمًا اختلافه [ص ٢٥٢].
وطعن في حديث «الإسراء والمعراج» وحَمْلِ موسى محمدا- عَلَيْهِمَا الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - على مراجعة ربه، واعتبر ذلك من الإسرائيليات [ص ١٢٦].
كما اعتبر ذكر المسجد الأقصى في حديث «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ» من الإسرائيليات [ص ١٢٩]، والإمام ابن تيمية وهو من أئمة المنقول والمعقول وينقل عنه المؤلف كثيراً في كتابه، احتجَّ بهذا الحديث ولم يُبْدِ عليه أي مأخذ من المآخذ، وهو من الأحاديث التي اتفق عليها الشيخان البخاري ومسلم، إلى غير ذلك مِمَّا ستعلم الكثير منه عندما نتعرَّض للنقد التفصيلي.
ولا أكاد أعلم للمؤلف سلفاً في الطعن في هذه الأحاديث من الأئمة، اللَّهم إِلاَّ أنْ يكون السادة المُسْتَشْرِقُونَ وَهِيَ شَنْشَنَةٌ نَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمَ.
وإنَّ مِمَّا يؤسف ويدهش أنه اعتبر حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي رواه البخاري وغيره «إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن» خرافة من خرافات كعب الأحبار امتدَّت إلى تلميذه عبد الله بن عمرو [ص ١١٤]. ولا أدري كيف يتَّفق هذا وقول الحق ﵎: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ (١).
٥ - جارى المؤلف المُسْتَشْرِقِينَ حينما تكلَّم عن العصبية المذهبية والسياسية في فصل «الوضع» فحكم على كل ما يَدُلُّ على فضيلة لصحابي أو يشهد لفكرة أو رأي أنه موضوع، وهو تصرف لا يرتضيه المُنْصِفُونَ المُتَثَبِّتُونَ ولا ترتضيه قواعد البحث النزيه المستقيم، فمن ثَمَّ طعن في كثير من الأحاديث الصحيحة في الفضائل، وغير
стр. 38
معقول ألاَّ يكون لصحابة النَّبِي الذين مَثَّلَهُمْ في التوراة والإنجيل - فضائل في جملتهم، وألاَّ يكون لبعضهم من الفضيلة والمِيزَةِ ما ليس للآخر، فَادِّعَاءُ أنَّ كُلَّ ما ورد في الفضائل، أو كُلَّ ما يشهد لفكرة أو رأي موضوع إفراط وإسراف في الحُكْم بغير دليل، وكذلك ادعاء أنَّ كُلَّ ما ورد في الفضائل ونحوها صحيح تفريط وتقصير في البحث، فلم يبق إِلاَّ الطريق الوسط العدل، وهو الطريق الذي يهتدي فيه الباحث بصحيح النقد وصريح العقل إلى التمييز بين الصحيح وغير الصحيح، وبيان المقبول من المردود، وهذا هو ما صنعه جهابذة الحديث وأئمة النقد في موقفهم من أحاديث الفضائل ونحوها.
٦ - لقد تحامل المؤلف تحاملاً لا يرتضيه المُنْصِفُونَ لذي دِينٍ وَخُلُقٍ على صحابي من صحابة رسول الله وهو أبو هريرة ﵁، ونحن لا نَدَّعِي العصمة لأحد من البشر، حاشا الأنبياء، ولكنا نريد أنْ نُنَزِّلَ للناسَ منازلهم في الفضل والعلم، ولا نَحْجَرُ على العقول، فلكل باحث أنْ ينتقد ويبدي ما يشاء من آراء في حدود قواعد النقد الصحيحة، ولكنا نُحِبُّ للناقد أنْ يأخذ نفسه بأدب النقد، وأنْ يراعي النُّصْفَةَ، وأنْ يكون عفيف القول، كريم التعبير، مُتَرَفِّعاً عن الإسفاف، كما هو الشأن في العلماء، وقد كان سلفنا الصالح يختلفون ويتجادلون، ولكنَّهم كانوا يُحَلِّقُونَ في سماوات من العِفَّةِ وَالتَرَفُّعِ عن الهجر من القول، والإنصاف وعدم التَجَنِّي.
ولا أدري كيف استباح المؤلف لقلمه، فضلاً عن أدبه، أنْ يرمي أبا هريرة بكل جارحة من القول تعليقا على كلمة لسيدنا أبي هريرة قالها تَحَدُّثاً بنعمة الله (١)، قال المؤلف ما نصه ص ١٨٧: «ولقد اسْتَخَفَّهُ أَشَرُهُ وَزَهْوُهُ - يعني أبا هريرة - وَنَمَّ عليه أصله، ونحيزته، فخرج عن حدود الأدب والوقار! مع هذه السيدة الكريمة فكان يقول بعد هذا الزواج الذي ما كان يحلم به: إني كنت أجيراً لبُسْرَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ بطعام بطني، فكنت إذا ركبوا سقتُ بهم، وإذا نزلوا خدمتهم والآن تزوَّجتها، فأنا الآن أركب فإذا نزلت خدمتني ... إلخ».
стр. 39
ومِمَّا أخرجه ابن سعد أنه قال: أكريت نفسي من ابنة غزوان على طعام بطني وعقبة رجلي، فكانت تكلفني أنْ أركب قائماً وأورد حافياً، فلما كان بعد ذلك زَوَّجَنِيهَا اللهُ، فكلفتها أنْ تركب قائمة وأنْ تورد حافية.
ويعلِّق الباحث الأديب على هذه العبارة، فيقول بالهامش ما نصه: انظر إلى هذا الكلام الذي تعرَّى عن كل مروءة وكرم، واتَّسم بكل دناءة ولؤم، فتجده يُبَاهِي بِامْتِهَانِ زوجه والتَشَفِّي منها، وهل يفعل مثل ذلك رجل كريم خرج من أصل عريق (١).
وبحسبي أنْ أضع هذه العبارات، التي نضحت بها نفس المؤلف الأديب بين يدي القُرَّاءِ، وسأدع الحُكْم عليه، لمحكمة الأدب السامي، والضمير الإنساني، وسيكون الحُكْم - لا ريب - قاسياً.
هذا إلى ما جاء في تضاعيف كتابه من رمي المنتصرين لِلْسُنَّةِ، المخالفين له في آرائه بالحَشْوِيَّةِ حيناً، وبالمُقَلِّدَةِ والجَامِدِينَ حيناً آخر، إلى غير ذلك مِمَّا ينبغي أنْ يُنَزَّهَ التأليف والنقد عنه.
هذا وليطمئن المؤلف أَبُو رَيَّةَ، أني لن أتعرَّض لعقيدته ومذهبه ونشأته، ولا لكرم أصله أو عدم كرمه، ولا لمروءته أو عدم مروءته، إلى غير ذلك مِمَّا تناول به السَيِّدَ الجليل أبا هريرة، فقد أخذت نفسي منذ أمسكت بالقلم أنْ أَتَرَفَّعَ عن مثل هذه السفاسف .... ! والسباب والشتم إنما هي بضاعة العاجز الذي لا يسعفه المنطق السليم والحُجَّة الدامغة ولن يرى مني إِلاَّ النقد الموضوعي للكتاب.
ومن الله أستمد العون والتوفيق، فاللَّهُمَّ أَعِنْ وَسَدِّدْ.
стр. 40
النَّقْدُ التَّفْصِيلِيُّ:
زَعْمُهُ أَنَّ العُلَمَاءَ لَمْ يَعْنُوا بِالأَحَادِيثِ وَالرَدِّ عَلَيْهِ:
قال في [ص ٤، ٥]: «وعلى أنه - أي الحديث - بهذه المكانة الجليلة ... فإنَّ العلماء والأدباء لم يُولُوهُ ما يستحقُّ من العناية والدرس، وتركوا أمره لمن يُسَمَّوْنَ رجال الحديث، يتداولونه فيما بينهم ويدرسونه على طريقتهم، وطريقة هذه الفئة التي اتَّخذتها لنفسها قامت على قواعد جامدة لا تتغيَّر ولا تتبدَّل فترى المُتَقَدِّمِينَ منهم وهم الذين وضعوا هذه القواعد قد حصروا عنايتهم في معرفة رُواة الحديث والبحث على قدر الوسع في تاريخهم، ولا عليهم أنْ كان ما يصدر من هؤلاء صحيحاً في نفسه أو غير صحيح، معقولاً أو غير معقول، ثم جاء المتأخِّرون منهم فقعدوا وراء الحدود التي أقامها من سبقهم، ووقف هؤلاء عند ظواهر الحديث كما أَدَّتْ إليه الرواية .... من غير بحث ولا تمحيص لها» إلخ ما قال.
وقد تأثَّر المؤلف بِالمُسْتَشْرِقِينَ والمُبَشِّرِينَ الذين لم يمكنهم أنْ يَتَحَرَّرُوا من سلطان الهوى والتعصُّب في هذا البحث، بل - والحق يقال - أسرف في الحُكْم على الأحاديث أكثر مِمَّا أسرفوا، حتى جاء بحثه ضَغْثاً على إبالة.
وإليك الجواب كي يتَّضح الحق والصواب:
١ - لا أدري ماذا يريد المؤلف بقوله، فإنْ أراد علماء الفقه والتشريع فها هُمْ قد بذلوا في ذلك غاية الوسع، وَأَوْلَوْهُ ما يستحق من العناية والدرس، وبحسبك أنْ تستعرض الكتب التي أُلِّفَتْ في أحاديث الأحكام وشروحها لترى في ذلك عشرات المجلَّدات والموسوعات، وإنْ أراد علماء الدراية بالأحاديث فقد أوفوا في بحث متون الأحاديث وشرحها وتحليلها على الغاية، ولم يَدَعُوا ناحية من نواحيه الخصبة حتى قتلوها بحثاً، وما من كتاب من كتب الحديث المعتمدة إِلاَّ ووضعت له الشروح المتكاثرة، وبحسبك أنْ تتناول فهرساً من فهارس المكتبات العامة لترى إلى أَيِّ حَدٍّ عني العلماء المسلمون بالأحاديث النبوية عناية فائقة قد لا يربو عليها إِلاَّ عنايتهم بالقرآن الكريم، وخَلَّفُوا لنا في ذلك ثروة ضخمة، حتى أنها لقيمتها العلميَّة ونفاستها جذبت
стр. 41
فئة من العلماء غير المسلمين إلى البحث فيها وقضاء الأعمار في العناية بها.
وإنْ أراد علماء الأخلاق والمواعظ، فقد جعلوا الأحاديث النبوية نَبْعاً فَيَّاضًا لما أَلَّفُوهُ من الكتب فيهما، وكذلك علماء البلاغة والأدب فقد أكثروا من الاستشهاد بالأحاديث في كتبهم، وعنوا بها من حيث اختصاصهم، وأَلَّفَ بعضهم في ذلك كُتُباً تكشف عَمَّا في الأحاديث من جمال فني وأدبي، كما فعل الإمام الشريف في كتابه " المجازات النبوية "، والمرحوم الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في كتابه " البلاغة النبوية " الذي جعله مُتَمِمَّا لكتابه " إعجاز القرآن ".
ثم ماذا كان يريد المؤلف من العلماء غير المُحَدِّثِينَ والأدباء؟ أكان يريد منهم أنْ يُجَاوِزُوا طورهم - كما جاوز طوره - فَيَدُسُّوا أنوفهم فيما ليس من صناعتهم ويُمَيِّزُوا بين الصحيح والضعيف والمقبول والمردود والغث والسمين؟.
إنَّ علماء الأدب وأضرابهم مِمَّنْ ليسوا من رجال الحديث وصيارفته أكرم على أنفسهم مِنْ أَنْ يقفوا ما ليس لهم به علم، وأنْ يَزُجُّوا بأنفسهم في علوم ومعارف ليسوا أهلاً لها.
٢ - محاولة المؤلف هنا وفي غير موضع من كتابه الإزراء بالمُحَدِّثِينَ وغمزهم ولمزهم ورميهم بالجمود لن يُقَلِّلَ من أقدارهم ولن ترفع من شأنه، بل هي عند الباحثين والعَالِمِينَ مِمَّا يزري بالنقد ويلحقه بالشتيمة والسباب، وإنَّ ما وضعه المُحَدِّثُونَ من قواعد لنقد الراوي والمروي هي أدق وأرقى ما وصل إليه علم النقد في القديم والحديث، والمُتَأَخِّرُونَ لم يأتوا في ذلك بأمر جديد ذي خطر، اللَّهُمَّ إِلاَّ في الاستفادة بما جَدَّ من المعارف النفسية والتوسُّع في التطبيق، ولو أنصف المؤلف لعقد مقارنة بين قواعد المُحَدِّثِينَ وقواعد غيرهم مِمَّنْ يرتضيهم، ثم خلص من ذلك إلى نتيجة صادقة، أمَّا وقد رمى بها قولة مُجْمَلَة من غير بُرهان فبحسبنا في الرَدِّ عليه هذا الإجمال، وعندما أتعرَّض لمَبْحَثَيْ العدالة والضبط سأفصل فيهما القول، كي يتَّضح أنَّ قواعد المُحَدِّثِينَ ليست جامدة ولا قاصرة.
عِنَايَةُ المُحَدِّثِينَ بِنَقْدِ السَّنَدِ وَالمَتْنِ:
لا أدري كيف سَوَّلَتْ للمؤلف نفسه أنْ يزعم أنَّ المُحَدِّثِينَ حصروا عنايتهم في السند دون المتن الخ؟! وكيف يتَّفق هذا وما ذهبوا إليه من الحُكْمِ على متن الحديث بالشذوذ والنكارة والاضطراب والتعليل والوضع والاختلاق، وما وضعوه من
стр. 42
أمارات يُسْتَدَلُّ بها على الحديث بالوضع؟ لقد جعلوا من إمارات الموضوع ركاكة اللفظ بحيث يشهد الخبير بالعربية أنَّ هذا لن يصدر من فصيح فضلاً عن أفصح الفصحاء، وركاكة المعنى كَأَنْ يكون مشتملاً على مُحَالٍ، واشتمال الحديث على مجازفات ومبالغات لا تصدر من عاقل حكيم، والمخالفة لِلْحِسِّ والمشاهدة، والمخالفة لصريح القرآن أو السُنَّة المتواترة أو المُسَلَّمَةِ أو الإجماع مع تَعَذُّرِ التأويل المقبول في كل ذلك، أو يتضمن الحديث أمراً مُسْتَحْدَثاً لم يوجد في العهد النبوي أو إلى غير ذلك مِمَّا أفاضت فيه كتب تاريخ الوضع في الحديث (١) قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: «إِنَّ [مِنَ الْحَدِيثِ حَدِيثًا] لَهُ ضَوْءٌ كَضَوْءِ النَّهَارِ [نَعْرِفُهُ] , وَإِنَّ [مِنَ الْحَدِيثِ حَدِيثًا] لَهُ ظُلْمَةٌ كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ نُنْكِرُهُ» وقال الإمام ابن الجوزي: «مَا أَحْسَنَ قَوْلَ القَائِلِ: كُلُّ حَدِيثٍ رَأَيْتَهُ تُخَالِفُهُ العُقُولُ وَتُنَاقِضُهُ الأُُصُولُ وَتُبَايِنُهُ النُقُولُ فَاعْلَمْ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ» وللمُحَقِّقِ ابن القيم في ذلك كلام قَيِّمٌ نقله علي القاري في " موضوعاته "، ومن عجيب أمر المؤلف أنه ذكر نحواً من ذلك [ص ١٠٤، ١٠٥] من كتابه، ولا ندري كيف يَتَّفِقُ قوله أو لا هو وما ذكره عن المحققين آخراً؟!
ولكي تزداد يقينًا في هذا أسوق لك بعض نُقُودِ المُحَدِّثِينَ للمتون، وستتأكد أنَّ دعوى حصر العناية بالنقد في السند دون المتن دعوى مردودة.
قال ابن الجوزي في الحديث الموضوع: «شَكَوْتُ إِلَى جِبْرِيلَ رَمَدَ عَيْنِي فَقَالَ لِي: [أَدِمْ] النَّظَرَ إِلَى المُصْحَفِ». قال ابن الجوزي: وأين كان في العهد النبوي مصحف حتى ينظر فيه؟.
وقال الحافظ بن حجر في تزييف الحديث الموضوع «أَتَانِي جِبْرِيلُ بِسَفَرْجَلَةٍ، فَأَكَلْتُهَا لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، فَعَلِقَتْ خَدِيجَةُ بِفَاطِمَةَ ... ». قال الحافظ: الوضع عليه ظاهر، فإنَّ فاطمة ولدت قبل الإسراء بالإجماع.
وقال ابن القيم في نقد الحديث الموضوع: «إِذَا عَطَسَ الرَّجُلُ عِنْدَ الحَدِيثِ فَهُوَ صِدْقٌ» قال: هذا، وإنْ صَحَّحَ بعض الناس سنده فالحِسُّ يشهد بوضعه، لأنَّا نشاهد العطاس والكذب يعمل عمله، ولو عطس ألف رجل عند ذكر حديث يُرْوَى
стр. 43
عن النَّبِي لم يحكم بِصَحَّتِهِ بالعطاس.
فانظر إلى أَيِّ مبلغ اعتماد أئمة الحديث على نقد المتن حتى وإنْ كان السند غير وَاهٍ ساقط أو ضعيف.
ومثل حديث وضع الجزية على أهل خيبر الذي قرنه واضعه بشهادة سعد بن معاذ، فقد قالوا في نقده: إنَّ سعد بن معاذ توفي قبل ذلك في غزوة الخندق، وأيضاً الجزية لم تكن نزلت ولا يعرفها الصحابة ولا العرب، وإنما نزلت بعد عام تبوك وفيه أنه وضع عنهم الكلفة (السخرة) مع أنه لم يكن في زمنهم شيء من ذلك. إلى غير ذلك من النقود التي أوصلها العلماء في هذا الخبر إلى عشرة أوجه (١).
وغير هذا كثير جداً يوجد في تضاعيف الكتب المُؤَلَّفَةِ في الموضوعات والكشف عن أدوائها ومعايبها، فهل بعدما ذكرنا يقال إنهم حصروا عنايتهم في نقد السند دون المتن؟!!
السِرُّ في اتِّئَادِ المُحَدِّثِينَ فِي نَقْدِ المُتُونِ:
نعم نحن لا ننكر أنَّ المُحَدِّثِينَ توسَّعوا في نقد السند أكثر من توسُّعهم في نقد المتن، وذلك سِرٌّ نحب أنْ نُجْلِيَهُ للقُرَّاء والبَاحِثِينَ.
وفي الحق أنَّ علماء الحديث كانوا أبعد غوراً، وَأَدَقَّ نظراً، وأهدأ بالاً حينما لم يَجْرُوا في نقد المتن الأشواط البعيدة التي جَرَوْهَا في نقد السند، وذلك لاعتبار ديني لاَحَظُوهُ في السُنَّةِ عند الاكتفاء بصلاح الراوي وتقواه وعدالته ظاهراً وباطناً وضبطه وحفظه وتوقِِّّيه الكذب على رسول الله - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - في نَصٍّ هو أصل ومرجع في الدين، فمتى توفََّّرت العدالة بشروطها مع الضبط والحفظ والأمانة والتحرُّج من التزيُّد والتغيير كان احتمال الكذب والاختلاف بعيداً جداً إنْ لم يكن مُمْتَنِعاً، وإذاً فلم يبق بَعْدُ من حاجة للمُبالغة في نقد المتن وذلك لأنَّ متن الحديث:
[أ] قد يكون متشابهاً غير مفهوم العبارة فلا مَحَلَّ - مع هذا الاحتمال - لتحكيم النقد العقلي المُجَرَّدِ في المتن، إذ مثل هذا المتشابه مِمَّا لا تستقلُّ العقول بإدراكه، ولا يدرك المُرَادُ منه إِلاَّ من الله أو عن رسوله المُبَلِّغُ عنه، والواجب إمَّا
стр. 44
الإيمان به كما ورد مع تفويض علم حقيقته إلى الله والتنزيه عن الظاهر المستحيل، وإمَّا التأويل بما يوافق العقل وما أحكم من النقل، وذلك مثل أحاديث الصفات ونحوها.
[ب] وقد يكون متن الحديث ليس من قبيل الحقيقة بل من قبيل المجاز فرفضه - باعتبار حمله على الحقيقة استناداً إلى أنَّ العقل أو الحِسَّ والمشاهدة لا تُقِرُّهُ مع إمكان حمله على المجاز المقبول لغةً وشرعاً - تَهَجُّمٌ وَتَنَكُّرٌ لقواعد البحث العلميِّ الصحيح، وذلك مثل حديث ذهاب الشمس بعد غروبها وسجودها تحت العرش المَرْوِيِّ في الصحيح (١) فلو حملناه على حقيقته لأَدَّى ذلك إلى البُطلان، على حين لو حمل على المجاز المُسْتَسَاغِ لظهر ما فيه من سر وبلاغة، فسجود الشمس المراد به خضوعها وسيرها طِبْقَ إرادته - سُبْحَانَهُ - وعدم تَأَبِّيهَا عن النظام الدقيق المُحْكَمِ الذي فطرها الله عليه واستمرارها عليه من غير انقطاع ولا فُتُورٍ ومثل هذا الحديث يقصد به حَثَّ الخلق على الخضوع والإذعان لله رب العالمين، فإذا كانت الشمس على عظمها في غاية الخضوع لله فما أجدر الإنسان المخلوق الضعيف - وبخاصة عابدوها - بالخضوع لله والإيمان به، ومثل هذا الأسلوب سائغ شائع، فها نحن أولاء نرى العرب يقولون:
شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى * ... * ... * صَبْرًا جَمِيلاً فَكِلاَنَا مُبْتَلَى
ولا شكوى ولا كلام، وإنما مجاز وتمثيل، فانظر إلى الروعة في التمثيل، ولو جاء على غير هذه الطريقة لخلا من هذه الروعة، ومثل هذا التمثيل البديع قد جاء في القرآن المتواتر الذي لا يتطرَّق إليه الشك مثل قوله سبحانه: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ (٢) فليس بِبِدَعٍ أنْ تجيء به الأحاديث.
[ج] وقد يكون متن الحديث من قبيل المُغَيَّبَات كأحوال القيامة واليوم الآخر فردها - تحكيما للعقل فيها وبناء على قياس الغائب على الشاهد - ليس من
стр. 45
الإنصاف، وذلك كالأحاديث الواردة في صفة الجنة ونعيمها والنار وعذابها ونحو ذلك.
[د] وقد يكون متن الحديث من الأخبار التي كشف العلم عن مساتيرها واعتبرت من المعجزات النبويَّة إلى أنْ جاءت الأيام بتصديقها وذلك مثل الحديث الصحيح: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ». فقد أثبت بعض الأطباء (١) أثر التراب الفَعَّالِ في قتل وإزالة الميكروب المتخلف عن سُؤْرِ الكلب، على حين كان بعض المارقين يعتبرون مثل هذا مجازفة وتعنُّتاً في التشريع، وأما المؤمنون فكانوا يعتبرونه من قبيل التَعَبُّدِ حين خفيت عنهم الحكمة.
أرأيت أيها المُنْصِفُ لو أنَّ العلماء المُحَدِّثِينَ تَمَسَّكُوا بالنظر السطحي وتسرَّعوا في الحُكْم ببطلان هذا الحديث وأمثاله مِمَّا خفي وجه الحكمة فيه ثم ظهرت بعد ذلك الحكمة واضحةً، ألاَ يكون ذلك جهالة في البحث وقصوراً في النظر، وَإِجْحَافاً بحق صاحب الرسالة ﷺ ؟ ثم ألاّ ترى معي أنَّ المُحَدِّثِينَ كانوا على حَقٍّ في المسلك الذي انتهجوه؟ ما زعمه في [ص ٦]: «من أنَّ المُحَدِّثِينَ جميعا أهملوا أمراً خطيراً كان يجب أنْ يعرف قبل النظر في هذا العلم ودرس كتبه، ذلك هو البحث عن حقيقة النص الصحيح لما تحدَّث به الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - وهل أمر بكتابة هذا النص أو تركه ونهى عن كتابته وهل دَوَّنَ الصحابة ومن بعدهم أو انصرفوا عن تدوينه؟ وهل ما روي قد جاء مطابقاً لحقيقة ما نطق به النَّبِي لفظاً ومعنى أو كان مخالفاً له؟ ... ثم في أَيِّ زمن دَوَّنَ ما حملته الرواية منه؟ ... وماذا كان موقف علماء الأمَّة منه ... إلخ ما قال».
زعم ليس له ما يؤيِّده ولا يخرج عن كونه إجحافاً صارخاً بحق أئمة الحديث فيما أفنوا أعمارهم فيه، فهذه المباحث التي عرض لها وغيرها قد أكثر العلماء فيها البحث والتمحيص، ووجدتُ في عشرات من كتب أصول الحديث، وبحسبك أنْ ترجع إلى " علوم الحديث " للحاكم أبي عبد الله والإمام ابن الصلاح، و" ألفية الحديث " للحافظ العراقي، و" التدريب " للإمام النووي، و " الباعث الحثيث "
стр. 46
للحافظ ابن كثير، و" نخبة الفكر" وشرحها للحافظ ابن حجر، و" التدريب " للحافظ السيوطي، وعشرات الشروح التي وضعت لها، و" ظفر الأماني " للعلامة اللَّكَنَوِي و" توجيه النظر " للشيخ طاهر الجزائري، وغير هذه الكتب كثير مِمَّا أُلِّفَ في القديم والحديث، بحسبك - أيها الطالب للحقيقة - أنْ ترجع إلى أَيِّ كتاب منها، وستعلم علم اليقين أنَّ ما زعم صاحب " الأضواء " أنهم أهملوه، قد عقدوا له الأبواب والبحوث المستفيضة، وأنه تجنَّى على أئمة الحديث ما شاء له هواه أنْ يتجنَّى.
زَعْمُهُ أَنَّ الأَحَادِيثَ كُلُّهَا رُوِيَتْ بِالمَعْنَى:
ذكر المؤلف [ص ٨] أنه بعد أنْ لبث زمناً طويلاً يبحث وينقِّب بعد أنْ أخذ نفسه بالصبر والأناة، انتهى إلى حقائق عجيبة ونتائج خطيرة «ذلك أني وجدت أنه لا يكاد يوجد في كتب الحديث (كلها) - مِمَّا سَمَّوْهُ صحيحاً أو ما جعلوه حسناً - حديث قد جاء على حقيقة لفظه ومحكم تركيبه كما نطق به الرسول ... وقد يوجد بعض ألفاظ مفردة بقيت على حقيقتها في بعض الأحاديث القصيرة، وذلك في القلة والندرة، وتبيَّن لي أنَّ ما يسمُّونه في اصطلاحهم حديثاً صحيحاً إنما كانت صحَّته في نظر رُواته لا أنه صحيح في ذاته».
وقد بلغ المؤلف الغاية في المجازفة في الحُكْم، ونحن لا نقول: إِنَّ الأحاديث كلها رُوِيَتْ بألفاظها، وكيف وقد ثبت أنَّ القصة الواحدة أو الواقعة رُوِيَتْ بألفاظ مختلفة وإنْ كان المعنى واحداً؟ ولا نقول: إنَّ الأحاديث كلها رُوِيَتْ بالمعنى - كما زعم - وكيف ومن الأحاديث ما اتفقت الروايات على لفظها؟ أفلا يدل اتفاق الروايات على اللفظ أنَّ هذا حقيقة اللفظ المسموع من الرسول؟ ومن الأحاديث ما لا يشك متذوق للبلاغة أنها من كلام أفصح العرب، وأنها لن تخرج إِلاَّ من مشكاة النبوَّة، ومن قبل أدرك أئمة في اللغة والبيان هذه الحقيقة فألَّفُوا الكتب في البلاغة النبوية.
ومِمَّا ينبغي التنبه إليه أنَّ أكثر ما ترد الرواية باللفظ في الأحاديث القصيرة، على أنَّ وُرُودَ الرواية بالمعنى في الأحاديث الطويلة إنما تكون في الكلمة والكلمتين والثلاث، وقلَّما تكون الرواية بالمعنى في جميع ألفاظ الحديث، وهذا شيء نقوله عن دراسة واستقراء، وليس أدل على ذلك من أنَّ حديث «بدء الوحي» المروي
стр. 47
عن السيدة عائشة في " الصحيحين " وغيرهما - وهو من الأحاديث الطويلة - لا تكاد تجد الرُواة اختلفوا فيه إِلاَّ في بعض ألفاظ قليلة نادرة، وبحسبنا هذا الآن، وعند مناقشته في بحث الرواية بالمعنى الذي عقده في كتابه سأفيض في الرَدِّ عليه، وسأبيِّن أنَّ بعض ما استدل به هو دليل عليه لا له، وإليك ما قال في هذا الشأن إمام من أئمة الحديث - غير مدافع - وهو الحافظ ابن حجر قال: «ومن أمثلة جوامع الكلم من الأحاديث النبوية حديث عائشة «كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهُوَ رَدٌّ»، وحديث: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» متفق عليهما، وحديث أبي هريرة: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وحديث المقداد: «مَا مَلأََ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ» الحديث أخرجه الأربعة وَصَحَّحَهُ ابن حِبَّان والحاكم، إلى غير ذلك مِمَّا (يكثر) بالتتبع، وإنما يسلم ذلك فيما لم تتصرف الرُواة في ألفاظه، والطريق إلى معرفة ذلك أنْ تقل مخارج الحديث وتتفق ألفاظه (١).
وأزيد على ما ذكره الحافظ حديث: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيْدِهِ».
وحديث: «النَّاسُ كَإِبِلٍ لاَ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً».
وحديث: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا».
وحديث: «تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ» ... إلخ.
وحديث: «وَهَلْ يُكِبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ».
وحديث: «إِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ».
وحديث «الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ».
إلى غير ذلك من الأحاديث المتكاثرة التي جاءت على حقيقة لفظها ومحكم تركيبها.
أما ما ادَّعاه من أنه تبيَّن له أنَّ ما سَمَّوْهُ صحيحاً إنما هو في نظر رُواته لا أنه صحيح في ذاته، فشيءٌ سبق به من ألف سَنَةٍ أو تزيد، فقد قال أئمة الحديث: إنَّ الحُكْم على الحديث بالصحة أو الحُسن أو الضعف إنما هو بحسب ما ظهر للمُحَدِّثِ من تحقق شروط الصحة أو الحسن أو عدم تحققها، وليس المراد أنه صحيح أو حسن أو ضعيف في الواقع ونفس الأمر، إذ لا يعلم ذلك يقيناً إِلاَّ علامُ الغيوب، وأنه يجوز - عقلاً - أنْ يكذب الصادق ويصدق الكذوب، وهذا التجويز العقلي دعاهم إليه التعمُق في البحث والتأنِّي في النظر والثبت في الحُكْم وبلوغ الغاية في النَّصَفَةِ.
стр. 48
زَعْمُهُ أَنَّ السَّبَبَ فِي تَوَاتُرِ القُرْآنِ كِتَابَتُهُ:
قال في [ص ١٠]: «ولو أنَّ الحديث دُوِّنَ في عصر النَّبِي ﷺ كما دُوِّنَ القرآن واتَّخذ له من وسائل التَحَرِّي والدقَّة ما اتَّخذ للقرآن لجاء كله متواترا كذلك، ولما اختلف المسلمون فيه هذا الاختلاف الشديد»، إلى آخر ما قال.
وكأنَّ المؤلف فهم أنَّ السبب في تواتر القرآن كونه كتب في العصر النبوي، والحق خلاف ذلك فالتواتر، إنما جاء في القرآن الكريم من جهة لفظه ونقله، فقد تلقاه عن النَّبِي ﷺ وحَفِظَهُ الألوف من الصحابة، وعن هؤلاء أخذ الألوف المؤلَّفة من التابعين، وهكذا تلقاه العدد الكثير الذين يثبت بهم التواتر عن العدد الكثير حتى وصل إلينا متواتراً، وسيستمر كذلك حتى يرث اللهُ الأرضَ ومن عليها، فالمُعَوَّلُ عليه في تواتر القرآن هو الحفظ والتلقي الشفاهي لا الأخذ من الصحف، أما الكتابة فقد كانت من دواعي الثبوت والحفظ ليجتمع للقرآن الوجودان: الوجود في الصدور، والوجود في الصحائف والسطور، كما كانت معتمد الجامعين للقرآن في الصحف والمصاحف في عهدي أبي بكر وعثمان ﵄ فقد كانوا حريصين أنْ يكتبوه من عين ما كُتِبَ بين يدي النَّبِي ﷺ ، ولو أنَّ السُنَّة دُوِّنَتْ في العهد النبوي، ولكن لم يحفظها من يقوم بهم التواتر لما جاءت كلها متواترة - كما زعم - (١)، فالعبرة في التواتر وعدمه إنما هو رواية الكثيرين أو عدم روايتهم، ومع أنَّ السُنَّة لم تُدَوَّنْ في العصر النبوي فقد جاء بعضها متواتراً، وإنْ كان قليلاً، ولو أنَّ المُعَوَّلُ عليه في التواتر الكتابة لكانت الكتب التي دُوِّنَتْ وأحيطت بالعناية والدقة كلها متواترة وأنى هي؟.
اِضْطِرَابُهُ فِي بَيَانِ السُنَّةِ مِنَ الدِّينِ:
ذكر في [ص ١٧]: «أنهم جعلوا السُنَّة القولية في الدرجة الثانية أو الدرجة الثالثة من الدين، وأنها تلي القرآن في المرتبة»، وبعد أسطر قال: «وأما الذي هو في الدرجة الثانية من الدين فهو السُنَّة العمليَّة»، ومفهومه أن السُنَّة القولية ليست في الدرجة الثانية.
стр. 49
ولا ندري ما منشأة هذا الاضطراب وعدم الثبوت على رأي حتى خالف عجز كلامه صدره؟!
ثم ساق كلام الإمام «الشاطبي» في " الاعتصام " وليس في كلام الشاطبي ما يشهد للتفرقة بين السُنَّة القولية والعمليَّة بل دَلَّ كلام الشاطبي على أنَّ المراد بالسُنَّة القول والفعل والتقرير.
ثم نقل عن السيد «رشيد رضا» قوله: «والعُمدة في الدين كتاب الله تعالى في المرتبة الأولى والسُنَّة العمليَّة المتفق عليها في المرتبة الثانية وما ثبت عن النَّبِي وأحاديث الآحاد فيها رواية ودلالة في الدرجة الثالثة، ومن عمل بالمتفق عليه كان مسلماً ناجياً في الآخرة مُقَرَّباً عند الله تعالى، وقد قرر ذلك الغزالي».
فها أنت ترى أنَّ ما نقله ليس فيه ما يشهد لما اضطرب فيه من كلامه، والذي عليه المُحَقِّقُونَ أنَّ السُنَّة قولاً وعملاً وتقريراً هي الأصل الثاني والأصل الأول هو الكتاب.
على أنَّ ما ذكره السيد رشيد وجعله في المرتبة الثانية هو السُنَّة العمليَّة المتفق عليها لا مطلق سُنَّةٍ عَمَلِيَّةٍ، ومثل هذا كان في حاجة إلى تحرير، لا أنْ يدع القارئ في مهمة من الشك والاضطراب.
تَجَنِّي المُؤَلِّفِ عَلَى سَيِّدِنَا عُمَرَ وَأَنَّهُ حَبَسَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ بِسَبَبِ رِوَايَةِ الحَدِيثِ:
في [ص ٢٩] تحت عنوان «الصحابة ورواية الحديث» قال: «وفي رواية ابن حزم في " الأحكام " أنه حبس ابن مسعود وأبا موسى وأبا الدَرْدَاءَ في المدينة على الأكثار من الحديث».
وقد تَجَنَّى المؤلف على الحقيقة وابن حزم ما تَجَنَّى! فقد أوهم القارئَ أنَّ ابن حزم رَوَاهُ، وليس من روايته قطعاً، وإنما ذكره في كتابه وَفَرْقٌ بين الذكر والرواية كما يعلم ذلك المبتدئون في علم الحديث، وَأَوْهَمَ القَارِئَ اَيْضًا أنه ارتضاه، وابن حزم بريء منه، وإنما زيفه وبَيَّنَ بُطلانه.
وإليك ما ذكره ابن حزم في " الأحكام ": «وَرُوِيَ عن عمر أنه حبس ابن مسعود
стр. 50
من أجل الحديث عن النَّبِي ﷺ وأبا الدَرْدَاءَ وأبا ذَرٍّ» فقد ذكره بصيغة «رُوِيَ» الدالة على التضعيف، ولو كان من روايته لقال: وروينا، وقد طعن ابن حزم في الرواية بالانقطاع لأنَّ إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف راويه عن عمر لم يسمع منه، والمنقطع من قَبِيلِ الضعيف لا يُحْتَجُّ به لجواز أنْ يكون البلاء في الرواية من المحذوف وأنه هو الذي اختلقها، ثم قال ابن حزم (١): «إنه - أي الخبر - في نفسه ظاهر الكذب والتوليد، لأنه لا يخلو عمر من أنْ يكون اتَّهَمَ الصحابة وفي هذا ما فيه، أو يكون نهى عن نفس الحديث وعن تبليغ السُنن وألزمهم كتمانها وجحدها، وهذا خروج عن الإسلام، وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك، وهذا قول لا يقوله مسلم أصلاً، ولئن كان حَبَسَهُمْ وهم غير مُتَّهَمِينَ لقد ظلمهم، فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات المطعونة أي الطريقتين الخبيثتين».
هذا ما قاله ابن حزم، فهل بعد هذا يزعم المؤلف لنفسه الأمانة في النقل؟! ولو أنَّ القارئ المتثبت تشكك فيما ينقله هذا الرجل عن العلماء ألاَ يكون معذورًا؟؟.
ومن دواعي تزييف الرواية: أنَّ ابن مسعود كان يَتَّبِعُ مذهبَ عمر وطريقته، وكان يقول: لو سلك الناس وادياً وشعباً وسلك عمر وادياً وشعباً لسلكتُ وادي عمر وشعبه، وقد أرسله عمر إلى الكوفة لِيُعَلِّمَ أهلها، وقال لهم: «لَقَدْ آثَرْتُكُمْ بِعَبْدِ الله عَلَى نَفْسِي»، فكيف يعقل أنْ يخالف عُمَرَ في التقليل من الرواية؟ وكيف يعقل من عمر أنْ يحبسه؟؟.
ثم كيف غفل المؤلف عن هذا النقد للمتن، وهو الذي أنحى على المُحَدِّثِينَ باللائمة لأنهم أغفلوا جميعاً نقد المتن، وأنه هو الذي جاء - في نقد المتون - بما لم يبلغه الأوائل، مِمَّا زعمه نقداً والله يعلم أنه تَهَجَّمَ وتطاول؟؟!!
بل وكيف غفل المؤلف عمَّا يناقص هذا وهو ما ذكره بعد صحيفة واحدة في [ص ٣١] عن عمرو (*) بن ميمون قال: «اخْتَلَفْتُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ سَنَةً فَمَا سَمِعْتُهُ فِيهَا يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلاَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، وَأِنَّهُ حَدَّثَ ذَاتَ يَوْمٍ بِحَدِيثٍ فَعَلاَهُ الكَرْبُ حَتَّى
стр. 51
رَأَيْتُ العَرَقَ يَتَحَدَّرُ عَنْ جَبِينِهِ»!
وهل يليق به - وقد زعم أنه شيخ النُقَّادِ - أنْ يأتي بروايات يناقض أولها آخرها وآخرها أولها من غير أنْ يعرض لبيان مفصل الحق فيها؟
السِرُّ في هذا يا أخي القارئ أنَّ المؤلف يأخذ ما يشاء بهواه، وَيَدَعُ ما يشاء بهواه وأنه خطف هذا الكلام خطفاً من كلام بعض المُسْتَشْرِقِينَ (١) الذين يتتبَّعون شَوَاذَّ الروايات ومَنْحُولِهَا، ونسبه إلى ابن حزم كي يُضْفِي عليه شيئاً من القبول.
طَعْنُهُ فِي حَدِيثِ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا»:
وفي [ص ٣٧] عرض لحديث «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» وذكر ما قاله الحافظ ابن حجر من وُرُودِ الحديث في بعض رواياته بدون «مُتَعَمِّدًا»، وفي بعضها بذكرها في " الصحيحين " وغيرهما ثم قال: «ولكن من حَقَّقَ النظر وأبعد النجعة في مطارح البحث يجد أنَّ الروايات الصحيحة التي جاءت عن كبار الصحابة ومنهم ثلاثة من الخلفاء الراشدين فيه تلك والكلمة «مُتَعَمِّدًا» وكل ذي لُبٍّ يستبعد أنْ يكون النَّبِي قد نطق بها ... ولعل هذه اللفظة قد تسللت إلى هذا الحديث من طريق الإدراج المعروف عند العلماء، لِيُسَوِّغَ بها الذين يضعون الحديث على رسول الله حسبة - من غير عمد - أو يتكئ عليها الرُواة فيما يَرْوُونَهُ عن غيرهم على سبيل الخطأ أو الوهم أو بسوء الفهم لكي لا يكون عليهم حرج في ذلك، لأنَّ المُخْطِئَ غير مأثوم.
وهكذا نجده لا يقتنع بما قاله الحافظ الكبير ابن حجر ليطلع علينا بهذه الفروض والتمحلات!!
стр. 52
وإليك بيان مفصل الحق في هذا:
١ - رُوِي هذا الحديث من طرق متكاثرة عن كثير من الصحابة في " الصحيحين " وغيرهما، حتى قد أوصلها بعض المُحَدِّثِينَ إلى المائة ما بين صحيح وحسن وضعيف، والحق أنَّ الحديث رُوِي بهذا اللفظ من طرق تصل به إلى درجة المتواتر، كما حَقَّقَ ذلك الحافظ في " الفتح " (١)، وأما وصول طرقه إلى هذا العدد الضخم فذلك فيما ورد في مطلق ذَمِّ الكذب على النَّبِي ﷺ لا في هذا اللفظ بعينه ولا في خصوص هذا الوعيد، ثم إنه لم يصح عن أحد من الخلفاء إِلاَّ عن «عَلِيٍّ» في " الصحيحين " وعن «عثمان» في غير " الصحيحين "، لاَ عن ثلاثة من الخلفاء كما زعم المؤلف (٢) وقد جاءت كلمة (مُتَعَمِّدًا) في أغلب روايات " الصحيحين " (٣) وغيرهما من الكتب المعتمدة، وطرق ذكرها أكثر من طرق تركها وأقوى، فقد وردت في " الصحيحين " عن أنس وأبي هريرة والمُغيرة بن شُعبة وعبد الله بن عمرو بن العاص، ولم ترد في رواية عَلِيٍّ ولا الزبير بن العوام والقاعدة عند نُقَّادِ الحديث وغيرهم أنه إذا تعارضت الروايات رَجَّحَ الأكثر والأقوى وهنا تُرَجَّحُ روايات ذكر اللفظ ويحمل المطلق على المقيد، ومن دواعي ترجيح الزيادة أنها جاءت عن الزبير بن العوام في " مستخرج الإسماعيلي " وفي " سنن ابن ماجه " (٤)، ومن حفظ حُجَّة على مَنْ لم يحفظ، كما أنَّ الزيادة جاءت في رواية عبد الله بن عمرو بن العاص وكان قارئاً كاتباً - كما في الصحيح - فروايته أوثق من غيره.
٢ - ما زعمه مِنْ أنَّ هذه الكلمة وضعت لِيُسَوِّغَ بِهَا ... ألخ غير معقول، ولا أدري - ولا أحد يدري - كيف يجتمع الوضع حسبة مع عدم التعمد؟ إنَّ معنى الحسبة أنْ يقصد الواضع وجه الله وثوابه وخدمة الشريعة - على حسب زعمه - بالترغيب في فعل الخير والفضائل، وهم قوم من جهلة الصُّوفِيَّةِ وَالكَرَّامِيَّةِ جَوَّزُوا الوضع في الترغيب والترهيب، فكيف يجامع قصد الوضع عدم التعمد؟!! وتفسير
стр. 53
الحسبة بأنها عن غير عَمْدٍ غير مقبول ولا مُسَلَّمٍ.
وأما تجويزة أنها أدرجت ليتكئ عليها الرُواة ... إلخ فمردود، ذلك أنَّ رفع إثم الخطأ أو السهو ليس بهذه الكلمة، وإنما ثبت بأدلة أخرى، وقد تقرَّر في الشريعة أنه لا إثم على المخطئ والناسي ما لم يكن بتقصير منه فذكر الكلمة لا يفيد هؤلاء الرُواة شيئاً ما دام هذا أمراً مُقَرَّراً، والسر في ذكرها أنَّ الحديث لما رَتَّبَ وعيداً شديداً على الكذب، والمخطئ والساهي والناسي لا إثم عليهم، كان من الدقة والحيطة في التعبير التقييد بالعمد وذلك لرفع تَوَهُّمٍ الإثم على المخطئ والغالط والناسي، قال الإمام النووي في " شرحه على مسلم " (١): «وَأَمَّا الكَذِبُ فَهُوَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا الإِخْبَارُ عَنِ الشَّيْءِ عَلَى خِلاَفِ مَا هُوَ عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: شَرْطُهُ الْعَمْدِيَّةُ وَدَلِيلُ خِطَابِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ لَنَا فَإِنَّهُ قَيَّدَهُ ﵇ بِالْعَمْدِ لِكَوْنِهِ قَدْ يَكُونُ عَمْدًا وَقَدْ يَكُونُ سَهْوًا مَعَ أَنَّ الإِجْمَاعَ وَالنُّصُوصَ الْمَشْهُورَةَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُتَوَافِقَةٌ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّهُ لاَ إِثْمَ عَلَى الناسي والغالط، فَلَوْ أَطْلَقَ ﵇ الكَذِبَ لَتُوُهِّمَ أَنَّهُ يَأْثَمُ النَّاسِي اَيْضًا فَقَيَّدَهُ، وَأَمَّا الرِّوَايَاتُ الْمُطْلَقَةُ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى الْمُقَيَّدَةِ بِالْعَمْدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ».
على أنَّ أئمة الحديث وإنْ قالوا برفع الإثم عن الخاطئ والناسي والغالط فقد جعلوا ما ألحق بالحديث غلطاً أو سهواً أو خطأً من قبيل الشبيه بالموضوع في كونه كذباً في نسبته إلى الرسول، ولا تَحِلُّ روايته إِلاَّ مقترنا ببيان أمره، وإلى هذا ذهب الخليلي وابن الصلاح والعراقي وغيرهم (٢)، وقد اعتبره بعض أئمة الجرح - كابن معين وابن أبي حاتم - من قَبِيلِ الموضوع المختلق، وذهب بعض الأئمة إلى أنه من قَبِيلِ المُدْرَجِ، ومهما يكن من شيءٍ فقد جعلوا هذا النوع من الغلط أو الوهم مِمَّا يطعن في عدالة الراوي وضبطه.
٣ - من عجيب أمر هذا المؤلف أنه يتبع طريقة ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ﴾ (٣) ويترك ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٣) وقد رأيت آنفا ما صنعه فيما نقله عن ابن حزم من حبس عمر ﵁ لثلاثة من كبار الصحابة عن التحدث، وقد صنع هنا في حديث
стр. 54
(«مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا» ... إلخ) مثل ما صنع سابقاً، فقد نقل عن الحافظ ابن حجر أنه لا يرى تواتر حديث «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ» إلخ ... حيث قال - في [ص ٤٢]-: «ولأجل كثرة طرقه أطلق عليه (جماعة) أنه (متواتر) ونازع بعض مشايخنا في ذلك، لأنَّ شرط المتواتر استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة وليست موجودة في كل طريق منها». واقتصر على هذا القدر وقد ترك ما ذكره الحافظ عقب هذا وهو ما نصه (١) بالحرف الواحد: «وأجيب بأنَّ المراد بإطلاق كونه متواتراً رواية المجموع عن المجموع من ابتدائه إلى انتهائه في كل عصر، وهذا كاف في إفادة العلم، وأيضاً فطريق «أنس» وحدها قد رواها عنه العدد الكثير وتواترت عنهم، نعم وحديث عَلِيٍّ رواه عنه ستة من مشاهير التابعين وثقاتهم، وكذا حديث ابن مسعود وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو، فلو قيل في كل منها: إنه متواتر عن صحابيه لكان صحيحاً، فإنَّ العدد المُعَيَّنَ لا يشترط في المتواتر، بل ما أفاد العلم كفى، والصفات العلية في الرُواة تقوم مقام العدد أو تزيد عليه كما قررته في نكت " علوم الحديث " وفي شرح " نخبة الفكر " وَبَيَّنْتُ هناك الرَدَّ على من ادَّعَى أنَّ مثال المتواتر لا يوجد إِلاَّ في هذا الحديث، وَبَيَّنْتُ أنَّ أمثلته كثيرة منها حديث: «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا»، والمسح على الخفين، ورفع اليدين، والشفاعة، والحوض، ورؤية الله في الآخرة، و «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» وغير ذلك، والله المستعان».
والظاهر أنَّ قوله: «وأيضاً ... الخ، من كلام الحافظ لا من نقله، فهل بعد هذا الكلام الصريح الذي تَعَمَّدَ المؤلف تركه يزعم أنَّ الحافظ ابن حجر لا يقول بتواتره كما هو فحوى كلامه؟!!
أما ما ذكره في حاشية [ص ٣٩] من «أنَّ أدعياء السُنَّة وعبيد الأسانيد في عصرنا لا يزالون يكابرون في إثبات الزيادة، وكأنهم أعلم بالحديث من ابن قتيبة والبخاري والنسائي والمنذري والخطابي وابن حجر وابن القيم والسيوطي وغيرهم»: فَهُرَاءٌ لا أَرُدُّ عليه، ولكني أقول له: ألاَ تستحي من ذكر البخاري وهو الذي خَرَّجَ الزيادة في أكثر رواياته؟ بل ومن ذكر الحافظ ابن حجر الذي أفاض في بيان ثبوتها؟ وصدق النَّبِي الحكيم حيث يقول: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ
стр. 55
تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا تَشَاءُ».
الرِّوَايَةُ بِالمَعْنَى لَمْ تُدْخِلْ ضَرَرًا عَلَى الدِّينِ:
١ - من دَأْبِ هذا المؤلف في كتابه أنه إذا استولت عليه فكرة أو غلب عليه هوى، جعل البحث تابعاً لما يرى أو يَهْوَى، وفي سبيل هذا يركب الصعب والذلول، ولا عليه في هذا السبيل أنْ يُحَرِّفَ الكَلِمَ عن مواضعه، وَيُحَمِّلَ الألفاظ ما لم تتحمل، وأنْ ينقل نقولاً بتراء، وأنْ يقع في أعراض بعض العلماء والأئمة المُتَثَبِّتِينَ.
ومن دأبه اَيْضًا التهويل والمبالغة عند عرض فكرة أو رأي له، وأنه يجعل الفرع أصلاً والأصل فرعاً، وهذا هو ما صنعه عندما عرض لبحث «رواية الحديث» في [ص ٥٤] وما بعدها فقد جعل رواية الأحاديث بالمعنى هو الأصل والقاعدة ومجيئها على اللفظ أمراً شاذاً نادراً، بل وأنحى باللائمة والتجهيل للذين يحسبون: «أنَّ أحاديث الرسول التي يقرأونها في الكتب أو يسمعونها مِمَّنْ يتحدَّثون بها جاءت صحيحة المبنى مُحْكَمَةَ التأليف، وأنَّ ألفاظها قد وصلت إلى الرُواة مصونة كما نطق بها النَّبِي بلا تحريف ولا تبديل، وأنَّ الصحابة ومن جاء بعدهم مِمَّنْ حملوا عنهم إلى زمن التدوين قد نقلوا هذه الأحاديث بنصها كما سمعوها، وأدُّوها على وجهها كما لَقَّنُوهَا، فلم ينلها تَغَيُّرٌ ولا اعتراها تبديل، وأنَّ الرُواة للأحاديث كانوا صنفاً خاصاً في جودة الحفظ وكمال الضبط وسلامة الذاكرة»، إلى أنْ قال: «ولقد كان - ولا جرم - لهذا الفهم أثر بالغ في أفكار شيوخ الدين - إِلاَّ من عصم ربك - فاعتقدوا أنَّ هذه الأحاديث في منزلة آيات الكتاب العزيز من وجوب التسليم بها، وفرض الإذعان لأحكامها، بحيث يأثم أو يَرْتَدُّ أو يفسق من خالفها، ويستتاب من أنكرها أو شك فيها».
والقارئ لهذا الكلام - إذا لم يكن من أهل العلم والمعرفة بالحديث النبوي - يُخَيَّلُ إليه أنَّ السُنَّة لم يأت فيها حديث على مُحْكَمِ لفظه، وأنها قد دخلها الكثير من التغيير والتحريف، مع أنَّ الأصل في الرواية أنْ تكون باللفظ المسموع من الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -، وأما الرواية بالمعنى فهي رُخْْصَةٌ يَتَرَخَّصُ فيها بقدر الحاجة إليها إذا غاب اللفظ عن الذهن أو لم يتأكد منه.
ومِمَّا لا ينبغي أنْ يخفى على باحث في الحديث النبوي أنْ يعلم أنَّ بعض العلماء
стр. 56
والرُواة قد منعوا الرواية بالمعنى مطلقاً، وألزموا أنفسهم وغيرهم بأداء اللفظ كما سمع، وأنَّ من أجاز من العلماء والرُواة الرواية بالمعنى إنما أجازها بشروط فيها غاية التحوط والأمن من التزيد والتغيير والتبديل، فقالوا: لا تجوز الرواية بالمعنى إِلاَّ لعالم عارف بالألفاظ ومقاصدها، خبير بما يحيل معانيها، بصير بمقدار التفاوت بينها، كما قالوا: إنَّ هذا فيما يروى قبل أنْ يُدَوَّنَ، أما ما دُوِّنَ في الكتب فلا يجوز تغييره بمرادفه ولا التصرف في لفظه بحال من الأحوال (١).
والعجيب أنَّ المؤلف نقل نحواً من هذا عن كتاب " توجيه النظر " للعلامة الشيخ طاهر الجزائري، ولا أدري كيف ينقل شيئاً ولا يقتنع به؟! وكيف غاب عن ذهن المؤلف أنَّ التدوين بدأ بصفة عامة ورسمية في نهاية القرن الأول، ولم يكد ينتهي القرن الثالث حتى كانت السُنَّة كلها مُدَوَّنَةً في الكتب من صحاح وسُنن ومسانيد؟ وأنَّ بعض الصحابة والتابعين كانوا يُدَوِّنُونَ الأحاديث في القرن الأول ولا سيما بعد وفاة النَّبِي ﷺ (٢) فكيف تتفق هذه الحقائق وما رمى به من أحكام جائرة ظالمة؟ وهل على أحد من حرج بعد هذا لو وصم هذا المؤلف بِخُبْثِ الطَوِيَّةِ وَسُوءِ القصد ومحاولة هدم الأصل الثاني من أصول التشريع؟؟.
وماذا يبتغي أعداء الإسلام أكثر مِمَّا يقوم به «أَبُو رَيَّةَ» وأمثاله من تقويض إحدى دعامتي الدين بهذه المحاولات الفاشلة الهازلة؟ وليعلم أَبُو رَيَّةَ أنَّ شيوخ الدين - أَعَزَّهُمْ اللهُ - حينما يعرفون للسُنَّةِ مكانتها من الدين، ويحلونها من أنفسهم المحل اللاَّئق بها، ويرون التزامها علماً وعملاً وسلوكاً، وَيَذُبُّونَ عن ساحتها كل دَعِيٍّ زنيم، ويفسقون أو يؤثمون من يرد ما ثبت من السُنَّة ويحاول جاهداً إبطالها والكيد لها أو الاستهزاء والاستخفاف بها، لا يستحقون منه كل هذا الغمز واللمز، لأنهم يصدرون في هذا عن دين قويم ورأي مستنير وعلم أصيل.
٢ - إنَّ هذه الأحكام الجائرة إنما تصدر عَمَّنْ غفل عن العوامل الدينية والنفسية والخلقية التي اتَّصَفَ بها الرُواة من الصحابة ومن بعدهم من التابعين وتابعيهم ... من أهل القرون الفاضلة بشهادة المعصوم ﷺ وشهادة الواقع التاريخي، فهم ذَوُو الدين الكامل والخُلُقِ العالي والتقوى والمروءة، وهم يعلمون حَقَّ العلم [أنهم] يَرْوُونَ
стр. 57
نَصاً يعتبر مرجعاً في الدين وأصلاً من أصوله وأنَّ أَيَّ تزيد فيه أو تحريف وتبديل يُؤَدِّي بهم إلى أنْ يَتَبَوَّأُوا مقاعدهم في النار، وهم إلى ذلك ذَوُو حوافظ قوية، وأذهان سَيَّالَةٍ، ووِجْدَانٍ حَيٍّ، وقلوب عاقلة واعية، وإنكار هذه الخصائص أو بعضها إنكار للحق الثابت والواقع الملموس.
٣ - حينما نقل من أدلة المُجَوِّزِينَ للرواية بالمعنى حديث عبد الله بن سليمان اللَّيْثِيِّ قال:
«قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ الْحَدِيثَ لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أُؤَدِّيَهُ كَمَا أَسْمَعُ مِنْكَ يَزِيدُ حَرْفًا أَوْ يَنْقُصُ حَرْفًا، فَقَالَ: «إِذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا، وَلَمْ تُحَرِّمُوا حَلاَلاً، وَأَصَبْتُمُ الْمَعْنَى فَلاَ بَأْسَ» فَذُكِرَ هَذَا لِلْحَسَنِ فَقَالَ: «لَوْلاَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا»، قال في الهامش [ص ٥٧]: هذا الحديث يناقض ولا ريب حديث: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا» ولكن لا بُدَّ لكل فئة من أنْ تُؤَيِّدَ رأيها بحديث، يريد الطعن فيه بالوضع والاختلاق.
وإني أقول له إنَّ هذا الحديث رواه ابن منده في " معرفة الصحابة "، والطبراني في " المعجم الكبير "، والخطيب في كتبه، وغيرهم، ونقله أئمة الحديث وأطباؤه في كتبهم، ولم يحكم عليه أحد منهم بالوضع (١)، وكنت أحب من المؤلف لو أراد البحث النزيه المستقيم أنْ ينقده نقداً صَحِيحاً من جهة سنده أو متنه، وَيُبَيِّنُ موضع الدخل فيه، ولكنه لم يفعل، أما ما تَخَيَّلَهُ من مناقضة بين الحديثين فغير صحيح، فحديث «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا ... » للترغيب في المحافظة على المسموع وَالحَثِّ عليه، وليس من شك في أنَّ المُجَوِّزِينَ للرواية بالمعنى يرون أنَّ الأفضل والأحسن رواية الحديث بلفظه، وأما الحديث الثاني فهو لبيان جواز الرواية بالمعنى بشروطها، ثم ألا يقال لمن روى كلاماً بمعناه مع التحوط البالغ إنه أَدَّاهُ كما سمعه؟ بلى.
٤ - ولكي يُدَلِّلَ المؤلف على ما جازف به من آراء فإنه ذكر أمثلة للرواية بالمعنى، فعرض لما ورد في صيغ التشهد من أحاديث، ولما ورد في «حديث الإسلام والإيمان»، وحديث «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ» وحديث «مِنَ الصَّلاَةِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، وقد استغرق ذلك من كتابه عِدَّةَ صفحات، والغرض الذي قصده من وراء هذا أنْ
стр. 58
يخلص إلى ضرر الرواية بالمعني من الناحية الدينية، وقد شاء الحق سبحانه أنْ يسقطه بسبب ما عرض له سقطات لا لما له منها، وقد أسفرت عن ضحالة المؤلف في البحث، ومبلغ علمه بالحديث، وَسَأُبَيِّنُ وجه الحق فيما عرض له مع الإيجاز.
حَدِيثُ التَّشَهُّدِ لاَ اِضْطِرَابَ فِيهِ:
عرض المؤلف لما روي في التشهد في الصلاة من صيغ، فذكر تشهد ابن مسعود وابن عباس وعمر وغيرهم، ثم قال: «هذه تشهدات ثمانية وردت عن الصحابة، وقد اختلفت ألفاظها، ولو أنها كانت من الأحاديث القولية التي رُوِيَتْ بالمعنى لقلنا عسى، ولكنها من الأعمال المتواترة التي كان يُؤَدِّيهَا كل صحابي مرات كثيرة كل يوم ... ».
وَرَدِّي عليه:
من أين لك أنَّ هذه التشهدات قيلت في قصة واحدة حتى تُدَلِّلَ بها على ضرر الرواية بالمعنى؟ إِنَّ الطالب المبتدئ في الحديث ليدرك بادئ الرأي أنها وقائع متفرقة، وأنَّ النَّبِي قال كل ذلك في أوقات متفاوته بهذه الألفاظ المتغايرة، لِيُبَيِّنَ للأمَّة أنَّ التشهد بأي منها جائز، فابن مسعود وهو من السابقين إلى الإسلام سمع أولاً وابن عباس وهو من مهاجرة الفتح سمع بعد ذلك وهكذا، قال ابن قدامة الحنبلي: (فَصْلٌ: «وَبِأَيِّ تَشَهُّدٍ تَشَهَّدَ مِمَّا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ جَائِزٌ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ: " تَشَهُّدُ عَبْدِ اللَّهِ أَعْجَبُ إلَيَّ، وَإِنْ تَشَهَّدَ بِغَيْرِهِ فَهُوَ جَائِزٌ "؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا عَلَّمَهُ الصَّحَابَةَ مُخْتَلِفًا دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْجَمِيعِ، كَالْقِرَاءَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْمُصْحَفُ» (١) وقد اختلفت أنظار الأئمة في ترجيح بعضها على بعض من غير طعن في المرجوح ولا رَدَّ له، فالجمهور ومنهم الحنفية والحنابلة أخذوا بتشهد ابن مسعود، وأخذ الشافعية بتشهد ابن عباس، والمالكية بتشهد عمر، ولهم في اختياراتهم مُرَجِّحَاتٌ وأدلة تدل على رحابة الصدر في البحث وعمق الغور وشفوف النظر (٢)، قال
стр. 59
الترمذي: «حديث ابن مسعود رُوِيَ من غير وجه وهو أصح حديث في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم ... ».
ولكي ترى الفرق بين العلماء والأدعياء أذكر لك ما روي عن الإمام الشافعي، وقد سئل عن اختيار تشهد ابن عباس قال: «لما رأيته واسعاً وسمعته عن ابن عباس صحيحاً كان عندي أجمع وأكثر لفظاً من غيره وأخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مِمَّا صح» ولو سلمنا - جدلاً - أن هذه الروايات في قصة واحدة فالخلاف بينها هَيِّنٌ يسير لا يستأهل كل هذا التهويل، فَتَشَهُّدُ ابن مسعود بلفظ: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ إلخ» وتشهد ابن عباس بلفظ: «التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ، الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ» وباقيه كَتَشَهُّدِ ابن مسعود وتَشَهُّدِ عمر بلفظ: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ» وسائره كَتَشَهُّدِ ابن مسعود وبقية صيغ التشهد الوارده لا تخرج عن هذه الصيغ بزيادة كلمة من صدر التَشَهُّدِ أو نقصان أخرى، وذكر لفظ «لِلَّهِ» عقب كل كلمة منها، أو في أولاها أو أخراها، وكل ذلك أمر جائز وله وجه في العربية، وأما زيادة البسملة قبل التَشَهُّدِ، فلم تصح كما قال الحافظ في " الفتح "، فعلام كل هذه الضَجَّةِ المفتعلة التي لا يقصد من ورائها إِلاَّ التشويش على السُنَّةِ والأحاديث ثم من قال أيها المؤلف البحاثة: إنَّ التَشَهُّدَ من قبيل الأفعال المتواترة، وليس من قبيل الأقوال؟ إنَّ الطالب المبتدئ يعلم أنَّ الصلاة أقوال وأفعال، وَالتَشَهُّدَ من الأقوال لا محالة.
أَحَادِيثُ الإِيمَانِ وَالإِسْلاَمِ لاَ اِضْطِرَابَ فِيهَا:
أما ما عرض له من «حديث (كذا) (١) الإسلام الإيمان»، وزعمه أنَّ الروايات التي ذكرها في قصة واحدة فمِمَّا لا يقضي منه العجب، ومن ذا الذي يجهل أنَّ حديث جبريل المشهور هو غير حديث طلحة بن عُبيد الله في قصة الرجل الذي جاء من أهل نجد ثائر الرأس يسأل عن شرائع الإسلام؟ بل من الذي يشك في أنَّ حديث جبريل غير حديث أبي أيوب الأنصاري في قصة الرجل الذي جاء إلى النَّبِي، فقال: «دُلَّنِي عَلَى عَمِلٍ يُدْنِينِي مِنَ الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ؟»
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الذي فيه: «أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا
стр. 60
عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الجَنَّةَ؟» نعم قد قيل إنَّ حديث أبي أيوب وحديث أبي هريرة في قصة واحدة، وقيل إنهما قصتان، وهو الذي مال إليه الحافظ في " الفتح " (١).
ولعل منشأ الشُبْهَةِ عنده أنه وجد الإمام «مُسْلِماً» ذكرها في " صحيحه "
في مكان واحد فظن أنها في قصة واحدة، أو لعل منشأ الشُبْهَةِ عنده سوء فهمه لعبارة الإمام النووي التي ساقها في [ص ٦٨] من كتابه، والإمام النووي أجل من أنْ يظن أنَّ «حديث جبريل» و «حديث الرجل الثائر الرأس» و «حديث أبي أيوب» و «حديث أبي هريرة» كلها في قصة واحدة، ولو أنَّ المؤلف رجع إلى كتاب " فتح الباري " لِعُمْدَةِ المُحَقِّقِينَ في هذا الفن وأمير المُحَدِّثِينَ الحافظ ابن حجر لوقف على مُفَصَّلٍ، ولما وقع في هذا الخلط الشنيع.
حَدِيثُ «أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ» لاَ تَحْرِيفَ فِيهِ:
في [ص ٦٨] استشهد على ضرر الرواية بالمعنى في الدِّينِ بحديث المرأة التي جاءت إلى النَّبِي ﷺ وأرادت أنْ تَهِبَ نفسها له فأعرض عنها النَّبِي، فتقدم رجل فقال: يا رسول الله أنكحنيها - ولم يكن معه من المهر غير بعض القرآن - فقال النَّبِي: «أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» وفي رواية: «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ ... » وفي رواية ثالثة: «زَوَّجْتُكَهَا عَلَى مَا مَعَكَ ... » وفي رواية رابعة: «قَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ .... » وفي رواية خامسة: «قَدْ أَمْلَكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ ... ».الخ ... إلى أنْ قال: «فهذه اختلافات ثمانية في لفظة واحدة»، ولكي يُؤَيِّدَ ما يريد نقل عن ابن دقيق العيد والعلائي نقلين وبَتَرَهُمَا لحاجة في نفسه كما ستعلم عن كثب ومع إمكان احتمال أنْ تكون القصص والوقائع متعددة إِلاَّ أنَّ الأظهر أنها في قصة واحدة، وعليه فنحن لا ننكر أنَّ هذا الحديث وغيره ورد بألفاظ متغايره إِلاَّ أنها لا تحيل المعنى، فهي متقاربة وَيُفَسِّرُ بعضها بعضاً، فمثلاً في الحديث الذي ذكره نَرَى أنَّ «زَوَّجْتُكَهَا» و «أَنْكَحْتُكَهَا» بمعنى، وكذلك لا فرق بين «بِمَا مَعَكَ» و «عَلَى مَا مَعَكَ» فَمُؤَدَّى العبارتين واحدة، ورواية «أَمْلَكْتُكَهَا» و «مَلَّكْتُكَهَا» بمعنى اَيْضًا، وتمليك رَقَبَةٍ حُرَّةٍ غير معقول عقلاً ولا شرعاً، فلم يبق
стр. 61
إِلاَّ أنْ يكون المراد تملك حق الاستمتاع بها وهو معنى الزواج، فهذه خمس روايات ليس بينها تَضاَدٌّ أو تناقض، وباقي الروايات الثمانية بعضها بلفظ: «أَنْكَحْتُكَهَا عَلَى أَنْ تُقْرِئَهَا وَتُعَلِّمَهَا» وبعضها بلفظ: «أَمْكَنَّاكَهَا بِمَا مَعَكَ» إلخ ... وبعضها بلفظ: «خُذْهَا بِمَا مَعَكَ» وهكذا يَتَبَيَّنُ لك جَلِيًّا أنَّ الروايات الثمانية ليس بينهما كبير فرق يسوغ للمؤلف أنْ يرمي السُنَّةَ بمنكر من القول، فيزعم أنها وصلتنا مغيرة مبدلة! على أنَّ طريقة العلماء المُحَقِّقِينَ في هذا الحديث وأمثاله هو الترجيح وبذل الجهد في التَحَرِّي والبحث عن حقيقة اللفظ الذي صدر من الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -، ولعلماء الحديث وجهابذته - وراء قواعد النقد الظاهرة - مَلَكَةٌ خاصة وَحَاسَّةٌ دقيقة بهما ينفذون إلى معرفة اللفظ الذي هو أليق بالصدور عن الرسول، وهذا هو ما فعله الأئمة تُجَاهَ الروايات في هذا، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: «هَذِهِ لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَاخْتُلِفَ فِيهَا مَعَ اتِّحَادِ مَخْرَجِ الْحَدِيثِ، ... فَالصَّوَابُ فِي مِثْلِ هَذَا النَّظَرُ إِلَى التَّرْجِيحِ وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ الصَّوَابَ [رِوَايَةُ] مَنْ رَوَى " زَوَّجْتُكَهَا " وَأَنَّهُمْ أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ ... ». ولما نقل المؤلف كلام ابن دقيق العيد وقف عند «مخرج الحديث» وترك الباقي، وغير خَفِيٍّ على القارئ الفطن السِرَّ في تركه لعجز الكلام، لأنه يهدم ما يريد أنْ يصل إليه، وكذلك لما نقل كلام العلائي ترك من آخره قوله: «ولكن القلب إلى ترجيح رواية الترويج أميل لكونها رواية الأكثرين، ولقرينة قول الرجل الخاطب زوجنيها يا رسول الله» فلماذا تركت هذا أيها الأمين؟! وقال الحافظ ابن حجر: «نعم، الذي تحرر مِمَّا قدمته أن الذين رووا بلفظ التزويج أكثر عددا مِمَّنْ رواه بغير لفظ التزويج ولا سيما وفيهم من الحفاظ مثل مالك، ورواية سفيان بن عيينة «أنكحتكها» مساوية لروايتهم ومثلها رواية زائدة (١).
وهكذا يَتَبَيَّن لنا أن لا ضرر دينيا بسبب الرواية بالمعنى كما يريد أن يصوره المؤلف ما دامت الألفاظ متوافقة أو متقاربة، وما دام طريق الترجيح بين الروايات يؤدي بالمجتهد إلى الوصول إلى الحق والصواب.
حَدِيثُ الصَّلاَةِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ:
ذكر حديث البخاري في " صحيحه " عن ابن عمر أن النَّبِي ﷺ قال يوم
стр. 62
الأحزاب: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ». الحديث، ومقالة الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: «كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع النُّسَخ عِنْد الْبُخَارِيّ، وَوَقَعَ فِي جَمِيع النُّسَخ عِنْد مُسْلِم «الظُّهْر» مَعَ اِتِّفَاق الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَلَى رِوَايَته عَنْ شَيْخ وَاحِد بِإِسْنَادٍ وَاحِد، وَقَدْ وَافَقَ مُسْلِمًا أَبُو يَعْلَى وَآخَرُونَ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد ... وَأَمَّا أَصْحَاب الْمَغَازِي فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا الْعَصْر» وإلى هنا اقتصر المؤلف على كلام الحافظ، وتتمة كلام ابن حجر «وكذلك وافق البخاري الطبراني والبيهقي في " الدلائل " وهذا كله يؤيد البخاري، وقد جمع بعض العلماء بين الرواتين باحتمال أنْ يكون بعضهم قبل الأمر كان صَلَّى الظهر وبعضهم لم يصلها، فقيل لمن لم يصلها: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ» ولمن صَلاَّهَا «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ»، وجمع بعضهم: باحتمال أنْ تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطائفة الأولى: الظهر، وللطائفة الثانية: العصر وكلاهما لا بأس به .. إلى أنْ قال: ثم تأكد عندي أنَّ الاختلاف في اللفظ من حفظ بعض رُوَاتِهِ .. أو أنَّ البخاري كتبه من حفظه ولم يراع اللفظ كما عرف مذهبه في تجويز ذلك، بخلاف مسلم فإنه يحافظ على اللفظ كثيراً .. لكن موافقة أبي حفص السلمي له - أي البخاري - تؤيد الاحتمال الأول وهذا كله من حديث ابن عمر، أما بالنظر إلى حديث غيره فالاحتمالان المتقدمان في كونه قال الظهر لطائفة والعصر لطائفة متجه ... ».
فها نحن أولاء نرى أنَّ الحافظ ابن حجر رَدَّ الوهم في رواية " البخاري " بين أنْ يكون من أحد الرُوَاةِ، أو من البخاري نفسه مع ترجيح الاحتمال الأول، فجاء المؤلف فنقل من كلام الحافظ الاحتمال الثاني مقتضباً عما قبله وعما بعده، وترك من كلام الحافظ ما قاله العلماء في التوفيق بين الروايتين، ولا يخفى على القارئ الفطن ما يريده المؤلف من هذا الاقتضاب المُخِل والذي يبغى من ورائه إظهار أئمة الحديث - ولا سيما أميرهم البخاري - بمظهر غير الضابطين المثبتين.
ولو سلمنا أنَّ إحدى الروايتين من قبيل الوهم فهل يؤدي هذا إلى تغيير الحُكْم المستفاد من الحديث؟ اللَّهُمَّ لا.
وبعد أنْ سرد ما زعم أنه يؤيده خلص إلى هذه النتيجة الخاطئة: فقال في [ص ٧٠]: «لما كانت أحاديثه ﷺ قد جاء نقلها بالمعنى - كما بَيَنَّا من قبل - وأنهم قد أباحوا لِرُوَاتِهَا أنْ يزيدوا فيها ويختصروا منها وأنْ يُقَدِّمُوا وَيُؤَخِّرُوا في ألفاظها -
стр. 63
بله ما سَوَّغَهُ من قبول المَلْحُونِ منها - لما كان الأمر قد جرى على ذلك، فقد نشأ من أثر ذلك كله - ولا جرم وبخاصة بسبب نقل الحديث بالمعنى - ضرر عظيم» وبحسبنا ما قدمت في رَدِّ هذا التَجَنِّي على المُحَدِّثِينَ.
تَهَكُّمُ أَبِي رَيَّةَ بالمُحَدِّثِينَ وَتَجْهِيلِهِ لَهُمْ:
من [ص ٧٥ - ٧٩] عرض للحن والخطأ في الحديث، والتقديم والتأخير فيه والزيادة والنقص منه، ورواية بعض الحديث واختصار بأسلوب تهكُّمي، وطريقته في سرد الأقوال تظهر المُحَدِّثِينَ بمظهر المتساهلين، ثم ذكر عنواناً بالخط العريض فقال: «تساهلهم - أي المُحَدِّثِينَ - فيما يروى في الفضائل وضرر ذلك».
وهو يوهم من لا يعلم أنَّ المُحَدِّثِينَ جميعاً على هذا، مع أنَّ كثيراً من الأئمة كالبخاري ومسلم وابن خزيمة قد جَرَّدُوا كتبهم للصحاح، وَتَحرَّوْا غاية التَحَرِّي في ذكر أحاديث الفضائل، وأيضاً فالمُحَدِّثُونَ لم يأخذوا بالأحاديث الضعيفة في باب الفضائل إِلاَّ بشروط فصلها أهل الفن والتحقيق فإرسال القول على عواهنه - كما صنع المؤلف - ليس من الأمانة العلميَّة في عرض الآراء، وهو إلى التدليس والتلبيس أقرب منه إلى التوضيح والتبيين، وبحسبك أيها القارئ الطالب للحقيقة أنْ تراجع هذه المباحث التي استعرضها بغير أمانة في كتب أصول الحديث لترى إلى أي حَدٍّ حاول المؤلف التشنيع والتشهير بالمُحَدِّثِينَ، وأقرب هذه الكتب وأحدثها كتاب " توجيه النظر " للعلامة الشيخ طاهر الجزائري.
تَحَوُّطُ المُحَدِّثِينَ البَالِغِ فِي الرِّوَايَةِ بِالمَعْنَى:
«وبعد»: فلكي تزداد أيها الطالب للحقيقة علماً بوصول السُنَنِ والأحاديث الثابتة من غير تحريف ولا تبديل ولا زيادة ولا نقصان، أضع بين يديك هذه المقدمات والحقائق المستخلصة مِمَّا قدمنا:
١ - أنَّ الرواية بالمعنى قد منعها الكثيرون من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من رُوَاةِ الحديث والتزموا أداء الأحاديث بألفاظها.
٢ - أنَّ الرواية بالمعنى قد أجازها العلماء لمن كان عالماً عارفاً بالألفاظ والأساليب خبيراً بمدلولاتها والفروق الدقيقة بينها.
٣ - أنَّ الذين أجازوها على أنها رُخْْصَة تقدر بقدر الحاجة إليها لا على أنها أصل يتبع ويلتزم في الرواية.
стр. 64
٤ - أنَّ التدوين للأحاديث بدأ بصفة عامة ورسمية على رأس المائة الأولى، وبلغ منتهاه في نهاية القرن الثالث، وأنَّ بعض الصحابة والتابعين كانوا يُدَوِّنُونَ الأحاديث في القرن الأول الهجري ولا سيما بعد وفاة النَّبِي ﷺ .
٥ - أنَّ الرواية بالمعنى إنما ترخص فيها من ترخص في غير الكتب المدونة، أما فيها فلا كما قدمنا.
٦ - أنَّ الرواية بالمعنى ممنوعة باتفاق في الأحاديث المتعبد بلفظها كالأذكار والأدعية وجوامع كلمه ﷺ .
٧ - أنَّ الذين نقلوا الأحاديث من الصحابة ومن بعدهم من ثقات الرُوَاةِ كان لهم من الخصائص الدينية والنفسية والخلقية ما يعصمهم من التغيير والتبديل والتساهل في الرواية وإنكار ذلك مكابرة.
٨ - أنَّ القواعد التي أخذ جامعو الأحاديث بها أنفسهم عند تدوينها هي أدق وأرقى ما وصل إليه علم النقد، في تمييز المقبول من المردود من المرويات، والحق من الباطل، والخطأ من الصواب.
هذه المقدمات والحقائق تسلمنا إلى نتيجة صادقة وهي: أنَّ الكثير من الأحاديث النبوية وصلت إلينا بمحكم لفظها، وأنَّ بعض الأحاديث قد رويت بالمعنى مع التحرز البالغ من التغيير المخل بالمعنى الأصلي، وأنَّ ما عسى أنْ يكون قد دخل الأحاديث بسبب الرواية بالمعنى شيء يسير قد تنبه له العلماء وَبَيَّنُوهُ وصدق المُبَلِّغُ عن رب العالمين حيث يقول: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلْفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ».
اِعْتِمَادُ «أَبِي رَيَّةَ» عَلَى كَلاَمِ المُسْتَشْرِقِينَ:
في [ص ٨١، ٨٢] نقل المؤلف بالهامش كلاماً عن " دائرة المعارف الإسلامية " في وضع الأحاديث جاء في آخره «وعلى هذا لا يمكن أنْ نَعُدَّ للكثرة من الأحاديث وصفاً تاريخياً لِسُنَّةِ النَّبِي، بل هي على عكس ذلك تمثل آراء اعتنقها بعض أصحاب النفوذ في القرون الأولى بعد وفاة محمد ﷺ ونسبت إليه عند ذلك فقط، ومعنى ذلك أنَّ أكثر الأحاديث من آثار الوضع» وقد مر على هذا الكلام دون أنْ يُعَلِّقَ عليه بكلمة، ومعنى هذا أنه يرتضيه، بل ما ذكره في كتابه هو ترديد لهذا المعنى.
стр. 65
وإني لأقول:
إنَّ هذا القول فيه إسراف وشطط في الحُكْم فليست الكثرة من الأحاديث من آثار التطور في الإسلام، وأنها لا تمثل الواقع في نسبتها إلى النَّبِي
- صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - كما زعم كاتب هذه المادة في " دائرة المعارف الإسلامية " بل الكثرة من الأحاديث المدونة ثابته بطرق الإثبات الموثوق بها، وَمُتَلَقَّاةٌ عن النَّبِي وقد احتاط أئمة الحديث عند جمعه غاية الاحتياط وعنوا بنقد السند والمتن عناية فائقة، كما وضحت ذلك فيما سبق بما لا يدع مجالا للشك في هذا، وَمَيَّزُوا المقبول من المردود، وكان لهم إلى جانب ما وضعوا من أصول وقواعد لنقد المرويات مَلَكَةً خاصة يُمَيِّزُونَ بها بين الغث والسمين، ونحن لا ننكر ما كان للخلافات السياسية والمذهبية والكلامية من أثر في وضع الأحاديث، ولكن الذي ننكره غاية الإنكار أنْ تكون الكثرة من الأحاديث المُدَوَّنَة من آثار الوضع والاختلاق.
طَعْنُهُ فِي مُعَاوِيَةَ ﵁ -:
وفي ص [٩١] ذكر فصلا عنوانه «معاوية والشام» ذكر فيه ما وضع في فضائل معاوية - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - وبلاد الشام، وذكر في حق هذا الصحابي الجليل أنه من الطلقاء ومن المُؤَلَّفَةِ قلوبهم.
وقد غاب عنه أنَّ الكاتبين في تاريخ الصحابة ذكروا عن الواقدي وابن سعد أنه أسلم بعد الحُديبية قبل الفتح وأنه أخفى إسلامه مخافة أهله (١) وأنه كان في عُمْرَةِ القضاء مسلماً، وإذا كان هو وأبوه من المُؤَلَّفَةِ قلوبهم في رأي البعض، ففي رأي الكثيرين أنه ليس من المُؤَلَّفَةِ قلوبهم، قال أبو عمر بن عبد البر: معاوية وأبوه من المُؤَلَّفَةِ قلوبهم ذكره في ذلك بعضهم وهو يشعر بأنَّ الكثيرين لا يريدون هذا الرأي، ولذا نجد الحافظ المُحَقِّقَ ابن حجر لم يذكر في ترجمته شيئاً من هذا، وإنما ذكر في ترجمة أبيه أنه من المُؤَلَّفَةِ قلوبهم، ومهما يكن من شيء فقد أسلم وحسن إسلامه، وكان أحد كتبة الوحي بين يدي النَّبِي ﷺ وكان له جهاد مشكور في نشر دعوة الإسلام وتوسيع فتوحاته، ولم تعرف عنه دخلة في إيمانه ولا ريبة في إخلاصه لإسلامه.
стр. 66
ونحن لا نشك أنه وضع في فضائله أحاديث كثيرة، وكيف وقد أحصى الأئمة كل ذلك، وكلنا نُجِلُّهُ عن أنْ يكون له دخل فيما وضع في فضائله وفضائل الشام، بل وعن الرضا به، ولئن قال الإمام اسحق بن راهوية: أنه لم يصح في فضائل معاوية شيء، فقد ذكر له الإمام الكبير البخاري بعض فضائله، ولا يضيره كون الإمام البخاري آثر التعبير في حقه بلفظ «باب ذكر معاوية ﵁» ولم يقل «باب فضل معاوية» كما صنع في غالب الأبواب، فقد صنع مثل هذا في فضل العباس وابنه عبد الله ﵄ (١) كما لا يضيره أن البخاري ﵀ لم يخرج حديثاً مرفوعاً على شرطه في فضله وأنه خرج في " صحيحه " حديثين موقوفين عن ابن عباس ﵁ أحدهما يثبت الصُحْبَةَ، والثاني الفقه في الدين، وبحسب معاوية فضلاً عند المنصفين أنْ يكون صحابياً وفقيهاً، ثم إنَّ عدم ثبوت حديث في فضائله مرفوعاً إلى النَّبِي ﷺ على شرط البخاري لا ينفي ثبوت أحاديث في فضائله خَرَّجَهَا غير البخاري من أصحاب الكتب المعتمدة، وقد ذكر المؤلف نفسه حديثين مرفوعين في فضائله رواهما الترمذي، وهما من أصح ما ورد في فضائله، وقد عرض لما ورد في فضائله الحافظ الناقد ابن كثير في " البداية والنهاية " (٢) وبين الموضوع من غيره ثم قال: «ثُمَّ سَاقَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً مَوْضُوعَةً بِلاَ شَكٍّ فِي فَضْلِ مُعَاوِيَةَ، أَضْرَبْنَا عَنْهَا صَفْحًا، وَاكْتَفَيْنَا بِمَا أَوْرَدْنَاهُ مِنَ الأَحَادِيثِ الصحاح والحِسَانِ والمستجادات عما سواها من الموضوعات وَالْمُنْكَرَاتِ» وإذا فليس من الإنصاف في البحث أنْ نجعل كل ما ورد في فضائله موضوعاً وأنْ نجرده من كل خصيصة وفضل.
وأيضا فإننا لا ننكر ما وضع في فضل الشام وغيرها من البلاد المشهورة وكذلك لا ننكر أنَّ أحاديث الأبدال التي عرض لها مدسوسة على النَّبِي ﷺ كما نَبَّهَ على ذلك نُقَّادُ الحديث وجهابذته، وإنْ كان البعض قد أثبت بعضها، ولكن الذي ننكره البتة أنْ يكون معاوية ﵁ هو الذي أوحى بهذا الاختلاق، وأنْ يكون له ضلع فيه، وإليك غمزه ولمزه في [ص ٩٤] قال: «وما كاد معاوية يذكر - يعني في خطبته التي خطبها لما عاد من العراق إلى الشام بعد بيعة الحسن سَنَةَ ٤١ هـ -
стр. 67
أنَّ الشام هي أرض الأبدال حتى ظهرت أحاديث مرفوعة عن هؤلاء الأبدال ثم ذكرها».
ومِمَّا يلقم المؤلف حجراً وينفي الظنة والتُّهمة عن معاوية ﵄ قاله شيخ الإسلام ابن تيمية من أنَّ لفظ الأبدال لم يَرِدْ إِلاَّ في حديث شامي منقطع الإسناد، عن علي بن أبي طالب ﵁ مرفوعاً إلى النَّبِي ﷺ وقال: إنَّ الأشبه أنه ليس من كلام النَّبِي، ومن العجيب حقاً أن المؤلف نقل كلام ابن تيمية ضمن نقله عن السيد رشيد رضا ﵀ في تزييف أحاديث الأبدال من [ص ٩٥ - ٩٩]، فلو أنَّ هذا الحديث كان مروياً عن معاوية لقلنا معه: لعل وعسى: ولكن الأمر كما ترى، وقد حاول السيد رشيد أنْ يُبَيِّنَ أنَّ الحديث المروي عن علي ﵁ على فرض ثبوته ليس المراد الأبدال بالمعنى المعروف عند الصُّوفِيَةِ، ولكن المُحَرِّفِينَ وَالمُتَزَلِّفِينَ هم الذين حملوه على هذا، ومن أعجب العجب اَيْضًا أنَّ المؤلف ينقل نقولاً يستجودها، وهي في الواقع ونفس الأمر تَرُدُّ ما يعتنقه ويهواه من آراء مبتسرة، وقد فعل ذلك في مواضع كثيرة من كتابه.
وقُصَارَى القول أنَّ أئمة الحديث وصيارفته قتلوا المرويات بحثاً، وأفنوا أعمارهم فيها، ولم يَدَعُوا رواية في الفضائل وغير الفضائل إِلاَّ وبَيَّنُوا مكانها من الصحة أو الحسن أو الضعف والاختلاق، وبحسبك أنْ تستعرض الكتب التي أُلِّفَتْ في الأحاديث الموضوعة، وستتبين صدق ما أقول، فهم لم يُقَصِّرُوا في خدمة السُنَّة وتزييف الزائف منها، ولكن المُتَأَخِّرِينَ هم الذين قصرت بهم الهِمَمَ عن العلم بما دونه، فمن ثم وقعوا في كثير من الأخطاء والأغلاط، قال في [ص ١٠١]: «إنَّ وُضَّاعَ الحديث وضعوا أحاديث تسوغ لهم ما يضعون» ثم قال: «وأورد ابن حزم في " الأحكام " عن أبي هريرة مرفوعا قال: «إِذَا حَدَّثْتُمْ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُوَافِقُ الْحَقَّ فَخُذُوا بِهِ حَدَّثْتُ بِهِ أَوْ لَمْ أُحَدِّثْ». وعنه اَيْضًا: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَا بَلَغكُمْ عَنِّي مِنْ َقْوٍل حَسَنٍ لَمْ أَقُلْهُ فَأَنَا قُلْتُهُ» ونحن لا نشك - ولا أي عاقل - في أنَّ هذين الحديثين وما على شاكلتهما - تناقضاً وتهافتاً - موضوعان، وأنَّ نظرة فاحصة إلى المتن لَتَدُلُّنَا على أنَّ هذا لا يصدر عن معصوم فضلا عن عاقل، فكيف يتأتى من أعقل العقلاء أنَّ ما لم يقله ما دام حسناً فقد قاله؟! بل كيف يأمر بالأخذ بحديث حَدَّثَ به أو لم يُحَدِّثُ؟ إنَّ هذا لعجب عُجاب!
стр. 68
طَعْنُهُ فِي حَدِيثٍ حَسَنٍ:
ولو أنَّ المؤلف اقتصر على ذكر الحديثين الموضوعين في الاستدلال لما قال، لما كان لنا عليه أية مؤاخذة ولا استقام كلامه، ولكن الذي أؤاخذه عليه أنْ يأتي في الهامش بعد ذكر الحديثين فيقول ما نصه: «يشبه هذين الحديثين حديث رواه أحمد أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْحَدِيثَ عَنِّي تُنْكِرُهُ قُلُوبُكُمْ وَتَنْفِرُ مِنْهُ أَشْعَارُكُمْ وَأَبْشَارُكُمْ وَتَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْكُمْ بَعِيدٌ فَأَنَا أَبْعَدُكُمْ مِنْهُ» قال السيد رشيد: إنَّ إسناده جَيِّدٌ.
فإذا كان السيد رشيد ﵀ الذي يُعَوِّلُ عليه في كثير من نقوله ويعتبره من العلماء المُحَدِّثِينَ قال: إنَّ إسناده جَيِّدٌ، فكيف سَوَّغَتْ له نفسه أنْ يلحقه بهذين الحديثين اللَّذَيْنِ لا شك في وضعهما ونكارتهما كما قال حفاظ الحديث ونُقاده، والعجيب أنَّ المؤلف يعتمد على كلام السيد محمد رشيد رضا في كثير مِمَّا ينقل، ويأخذه قضية مُسَلَّمَةً، أما هنا فقد خالفه ولم يأخذ بكلامه وصدف عن الحق إلى الباطل، والذي يظهر لي أنَّ المؤلف رجل هوى ومزاج، فما وافق هواه أخذ به أو أخذ منه، وما لم يوافق هواه طرحه دبر أذنيه، ولعل السيد رشيد ﵀ اعتمد في الحُكْم على الحديث بالجودة على ما قاله الحافظ ابن كثير في " تفسيره " (١) عقب ذكره: رواه أحمد بإسناد جَيِّدٍ، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب، والحق أنْ لا شَبَهَ بين الحديثين وهذا الحديث، لا في الثبوت ولا في المعنى، فهذان موضوعان وهذا حسن وهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد قريب في المعنى من حديث: «اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ».
فهو يشير إلى الاطمئنان القلبي أو عدم الاطمئنان عند سماع حديث من الأحاديث، وهذا الوجدان القلبي إنما يحصل للمسلم الذي عمر قلبه بالإيمان، واستضاء بهدي الشريعة، ومعرفة قواعدها، والذي يزاول السُنَّة، ويتعاهدها قراءة ودرساً حتى تصير عنده مَلَكَةٌ يُمَيِّزُ بها بين ما يكون من كلام النَّبِي وما ليس كلامه، وإلى هذه الملكة أشار الربيع بن خثيم حيث قال: «إِنَّ [مِنَ الْحَدِيثِ حَدِيثًا] لَهُ ضَوْءٌ كَضَوْءِ النَّهَارِ [نَعْرِفُهُ] , وَإِنَّ [مِنَ الْحَدِيثِ حَدِيثًا] لَهُ ظُلْمَةٌ كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ نُنْكِرُهُ». وقال ابن الجوزي: «الحَدِيثُ الْمُنْكَرُ يَقْشَعِرُّ لَهُ جَلْدُ الطَّالِبِ لِلْعِلْمِ، وَيَنْفِرُ مِنْهُ قَلْبُهُ فِي الْغَالِبِ» وهكذا يَتَبَيَّنُ لنا أنَّ الحديث ثابت رواية وصحيح رواية ومعنى.
стр. 69
وقد ذكر المؤلف من [ص ١٠٥ - ١٠٧] عن كتاب " قواعد التحديث " للعلاَّمة القاسمي نقولاً كثيرة عن بعض الأئمة كابن تيمية وابن القيم وابن دقيق العيد وابن عروة الحنبلي، وكلها تدور حول الحديث عن الوجدان القلبي والملكة التي تحصل عند المُحَدِّثِ، ويُمَيِّزَ بها الصحيح والسقيم، والمقبول والمردود.
خَلْطُ أَبِي رَيَّةَ بَيْنَ الوَضْعِ وَالإِدْرَاجِ:
في [ص ١٠٤] ذكر الوضع بالإدراج، وجعل المُدْرَجَ من قبيل الموضوع. وإطلاق الموضوع على المُدْرَجِ تساهل، نعم إنَّ بعض أئمة الحديث كابن الصلاح اعتبر الإدراج عن طريق الغلط - بظن ما ليس بحديث حديثاً - ملحقاً بالوضع وشبيهاً به، والأكثرون على عَدِّهِ إدراجاً فحسب، وكان على المؤلف أنْ يُمَيِّزَ بين الإدراج الذي لا لبس فيه ولا إشكال ولا إيهام، والإدراج الذي فيه إيهام أنَّ ما ليس من الحديث هو منه، فالإدراج الذي يكون لتفسير كلمة غامضة أو توضيح اسم مُبْهَمٍ في السند، والإدراج الذي يكون معه من القرائن اللفظية أو الحالية ما يدل على أنه مُدْرَجٌ من كلام الراوي أمره سهل هَيِّنٌ، ولا يخل بعدالة الراوي، وهو أبعد ما يكون عن الوضع، وأما الإدراج الذي يكون فيه إيهام ولبس وهو الذي لا تصحبه قرائن فهو حرام كله إذا كان متعمداً، وَيُخِلُّ بعدالة الراوي، ويلحقه بِالكَذَّابِينَ، قال السمعاني: «مَنْ تَعَمَّدَ الإِدْرَاجَ فَهُوَ سَاقِطُ الْعَدَالَةِ، وَمِمَّنْ يُحَرِّفُ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَهُوَ مُلْحَقٌ بِالْكَذَّابِينَ» وهكذا يَتَبَيَّن لنا جَلِيًّا تساهل المؤلف في عَدِّ الإدراج كله وضعاً، وعلى قاعدة المؤلف يكون كثير من أئمة الحديث الذين يدرجون للتفسير أو توضيح المُبْهَم موصوفين بالوضع، فالزُّهْرِي لما روى حديث «بدء الوحي» في " الصحيحين " وفسر كلمة «التحنث» بالتعبد يكون وَضَّاعاً، وراوي حديث النسائي «أَنَا زَعِيمٌ» - والزعيم الحَمِيلُ - يكون وَضَّاعاً، وأبو هريرة لما روى عن النَّبِي ﷺ «لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ أَجْرَانِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْحَجُّ، وَبِرُّ أُمِّي لأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ» وهو في الصحيح يكون قوله: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ .... » إلخ. من قبيل الوضع، وهذا المثال الأخير مِمَّا يَتَبَيَّنُ في الإدراج بداهة لاستحالة أنْ يقوله النَّبِي ﷺ لأنَّ أُمَّهُ ماتت وهو صغير، ولأنه يمتنع منه أنْ يتمنى الرِقَّ وهو أفضل الخلق على الإطلاق، فما ذهب إليه المؤلف لا يقره عليه أي باحث ولا خبير بالفن!!
стр. 70
طَعْنُ أَبِي رَيَّةَ فِي كَعْبِ الأَحْبَارِ وَالرَدِّ عَلَيْهِ:
في [ص ١٠٨] ذكر عنوان «الإسرائيليات في الحديث» وَبَيَّنَ منشأها ثم عرض لكعب الأحبار ووهب بن منبه وأضرابهما من علماء أهل الكتاب الذين أسلموا، وقد نال أكثر ما نال من كعب، واعتبره الصهيوني الأول.
وإليك رأيي فيما عرض له:
١ - كعب الأحبار من التابعين، وعلماء الجرح والتعديل - وهم الذين لا تخفى عليهم حقيقة أي راو مهما تستر - لم يتهموه بالوضع والاختلاق والجمهور على توثيقه، ولذا لا تجد له ذكرا في كتب الضعفاء والمتروكين وقد ترجم له الذهبي ترجمة قصيرة في " تذكرة الحفاظ " وتوسع ابن عساكر في ترجمته في " تاريخ دمشق " وأطال أبو نعيم في " الحِلْيَةِ " في أخباره وعظاته وتخويفه لعمر، وترجم له ابن حجر في " الإصابة " و " تهذيب التهذيب "، وقد اتفقت كلمة النُقَّادِ على توثيقه (١) ولكن يعكر على هذا ما ورد في حقه في " الصحيح ": روى البخاري بسنده عن معاوية وهو يُحَدِّثُ رهطاً من قريش بالمدينة - يعني لما حج في خلافته - وذكر كعب الأحبار فقال: «إِنْ كَانَ مِنْ أَصْدَقِ هَؤُلاَءِ المُحَدِّثِينَ عَنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَإِنْ كُنَّا مَعَ ذَلِكَ لَنَبْلُو عَلَيْهِ الكَذِبَ» وفي رواية أخرى: «لَمِنْ أَصْدَقِ» وظاهر كلام معاوية ﵁ يخدش كعباً في بعض مروياته، ولكنه لا يدل على ما ذهب إليه المؤلف وأمثاله من أنه كان وَضَّاعاً كذاباً.
وهذا الكلام من معاوية له وزنه فهو رجل داهية لا تخفى عليه الرجال ولا دسائسهم، ومعاوية لا يخشى كعباً ولا يعقل أنْ يَتَمَلَّقَهُ، ولو يعلم فيه أكثر من ذلك لقاله، وقد حسن العلماء الظن بكعب فحملوا هذه الكلمة على محل حسن، قال ابْنُ حِبَّانَ في " الثِّقَاتِ ": «أَرَادَ مُعَاوِيَةُ أَنَّهُ يُخْطِئُ أَحْيَانَا فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ كَانَ كَذَّابًا» وقال ابن الجوزي: «الْمَعْنَى أَنَّ بَعْضَ الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ كَعْبٌ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَكُونُ كَذِبًا لاَ أَنَّهُ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ، وَإِلاَّ فَقَدْ كَانَ كَعْبٌ مِنْ أَخْيَارِ الأَحْبَارِ» ومن قبل ذلك قال ابن عباس في كعب «بَدَلَ مَنْ قَبْلَهُ فَوَقَعَ فِي الْكَذِبِ» (٢)، ولا يعزب عن بالنا أن ابن الجوزي صاحب ملكة في النقد وكان حربا على الوَضَّاعِينَ وكتابه " الموضوعات " أشهر الكتب وأحفلها
стр. 71
وإنْ أخذوا عليه فيه أنه يتساهل في الحُكْم بالوضع أحياناً.
فلو أنه كان يرى في كعب ما رأى المؤلف وأمثاله من أنه كان وَضَّاعاً دَسَّاساً لما تَرَدَّدَ في تجريحه، ولما حمل كلمة معاوية على هذا المحمل الحسن ولا سيما وقد كان لسانه حاداً على الوَضَّاعِينَ كما يَتَبَيَّن ذلك جَلِيًّا لمن راجع مقدمة كتابه المذكور، فمن ثم يَتَبَيَّنُ لنا بعد ما سمعنا من مقالة العلماء في كعب أنه لم يكن وَضَّاعاً ولا مُتَعَمِّداً للكذب، وأنه إنْ كانت وقعت في بعض مروياته إسرائيليات مكذوبة أو خرافات، فذلك إنما يرجع إلى من نقل عنهم من أهل الكتاب السابقين الذين بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا، وإلى بعض الكتب القديمة التي ملئت بالخرافات والإسرائيليات، ولو أنه تَحَرَّى الحق والصدق وَمَيَّزَ بين الغث والسمين من هذه المنقولات لكان أولى به وأجمل.
طَعْنُهُ فِي وَهْبِ بْنَ مُنَبِّهٍ وَالرَدِّ عَلَيْهِ:
وأما وهب بن منبه فهو من خيار التابعين وثقاتهم، ولم نعلم أحداً طعن فيه بأنه وَضَّاعٌ وَدَسَّاسٌ إِلاَّ المؤلف.
والباحث المُتَثَبِّتُ والناقد البصير لا ينكر أنَّ الكثير من الإسرائيليات دخلت في الإسلام عن طريق أهل الكتاب الذين أسلموا، وأنهم نقلوها بحسن نِيَّةٍ، وكذلك لا ينكر أثرها السيئ في كتب العلوم وأفكار العوام من المسلمين، وما جرته على الإسلام من طعون أعدائه ظناً منهم أنها منه والإسلام منها براء، ولكن الذي لا يسلم به الباحث أنْ يكون كعب ووهب وأضرابهما مِمَّنْ أسلموا وَحَسُنَ إسلامهم كان غرضهم الدَسَّ والاختلاق والإفساد في الدين، ولقد كان من لطف الله بالأمَّة الإسلامية أنَّ هذه الإسرائيليات إنما كانت في قصص الأنبياء والأمم السابقة، وأحوال البدء والمعاد وأسرار الخليقة، إلى غير ذلك مِمَّا لا يتعلق بالحلال والحرام والعقائد إِلاَّ بعضاً منها مِمَّا ينافي عصمة الأنبياء فإنه يدرك كذبه وبطلانه بادئ الرأي.
وابن خلدون لما عرض في " مقدمته " لما دخل في التفسير بالمأثور من الإسرائيليات لم يرم مسلمة أهل الكتاب بِالدَسِّ والوضع - كما صنع المؤلف - وإنما جعلهم مصدراً لنقل هذه الإسرائيليات إلى العرب، وهذا شأن الباحث المُنْصِف لا
стр. 72
الطاعن المتحامل (١).
نَقْدُ المُحَدِّثِينَ لِلإِسْرَائِيلِيَّاتِ:
ولقد كان لجهابذة الحديث ونقاده جهاد مشكور في الكشف عن هذه الإسرائيليات وتمييز صحيحها من باطلها، وَغَثِّهَا من ثمينها، وما من رواية من روايات كعب وغيره إِلاَّ ونقدوها نقداً علمياً نزيهاً، ولولا هذا الجهاد الرائع من علماء المسلمين لكانت طامَّة على الإسلام والمسلمين، ولقد بلغ من تَحَوُّطِ أئمة الحديث البالغ الغاية أنهم قالوا: أنَّ قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه إنما يكون له حكم الرفع إذا لم يكن معروفا بالأخذ عن علماء أهل الكتاب الذين أسلموا، فأما إذا كان معروفا بالأخذ عنهم فلا، لجواز أنْ يكون من الإسرائيليات، وهو تحوط يدل على أصالة في النقد وَبُعْدِ نظر محمود من المُحَدِّثِينَ.
وَأُحِبُّ أنْ يعلم القارئ الكريم أني كتبت بحثاً مستفيضاً نشر على صفحات " مجلة الأزهر " تحت عنوان «الدخيل وكتب التفسير» أمطت فيها اللثام عن كثير من الإسرائيليات والخرافات التي ألصقت بالإسلام (٢).
مَنْهَجُ أَبِي رَيَّةَ فِي البَحْثِ غَيْرُ عِلْمِيٍّ:
إنَّ المؤلف جرى في بحثه في الإسرائيليات على أنَّ كل ما روي عن كعب الأحبار ووهب بن منبه وأمثالهما مختلق مكذوب، وأنَّ مروياتهم ليس فيها صدق ولا حق، حتى ولو كان في شريعتنا ما يؤيد هذا المروي ويصدقه.
وهو إسراف في الحُكْم وَتَجَنٍ على الحق والواقع، والعلماء المُحَقِّقُونَ المُتَثَبِّتُونَ على أنَّ ما روي عن أهل الكتاب الذين أسلموا منه ما هو حق وصدق، ومنه ما هو باطل وكذب، ومنه ما هو محتمل لهما، فهذا هو الإمام ابن تيمية - وهو زعيم مدرسة جمعت إلى حفظ الحديث والبراعة فيه والفقاهة في الدين وجودة الفهم وأصالة النقد - يقسم أخبار مسلمة أهل الكتاب إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته مِمَّا بأيدينا مِمَّا يشهد له بالصدق فذلك صحيح.
стр. 73
والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مِمَّا يخالفه.
والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مِمَّا لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني (١)، ومثل ذلك قال تلميذه ابن كثير في " تفسيره " (٢).
وإليك ما ذكره الحافظ الكبير ابن حجر في " الفتح " عند شرح الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة، قال: «كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَقْرَأُونَ التَّوْرَاةَ بِالعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ ﷺ : " لاَ تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ ". قال: " أي إذا كان ما يخبرونكم به محتملاً، لئلا يكون في نفس الأمر صدقًا فتكذبوه أو كذبًا فتصدِّقوه فتقعوا في الحرج، ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما وَرَدَ شَرْعُنَا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما وَرَدَ شَرْعُنَا بوفاقه، نَبَّهَ على ذلك الشافعي ﵀» وهكذا يَتَبَيَّن لنا أنَّ الحُكْمَ على كل ما رَوَوْهُ بالصحة فيه تساهل وَبُعْدٌ عن الحق والصواب، وأَنَّ الحُكْمَ على كل ما رَوَوْهُ بالكذب والبطلان فيه إسراف وَتَجَنٍّ.
وقد تمخضت هذه الطريقة التي أخذ بها المؤلف عن جملة من الأخطاء والأغلاط، فحكم على كثير من الأحاديث الصحيحة التي لا يتعلق بها الريب بأنها إسرائيليات وخرافات من خرافات أهل الكتاب، ولا حُجَّةَ له في هذا إِلاَّ الظن والحدس، وقد بلغ به الشطط أنه زَيَّفَ بعض الروايات التي نرى مصداقها في كتاب الله، وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بل وَزَيَّفَ بعض أحاديث ليس في روايتها أحد من مُسْلِمَةِ أهل الكتاب، ولا يحتمل أنْ تكون أخذت عنهم، وسأعرض لهذه الأحاديث لترى طرائق للبحث عجيبة.
طَعْنُ أَبِي رَيَّةَ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ:
في [ص ١١٣، ١١٤] بعد أَنْ ذكر ما روي عن كعب وابن سَلاَّم عن البشارة بِالنَّبِيِّ، وذكر أوصافه في " التوراة " قال: «وقد امتدت هذه الخرافة - يعني البشارة بِالنَّبِيِّ
стр. 74
وذكر أوصافه - إلى أحد تلاميذ كعب: عبد الله بن عمرو بن العاص، فقد روى " البخاري " عن [عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ] (*) قَالَ: «لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قُلْتُ: أخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ قَالَ: أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ! ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (١)، وَحِرْزًا للأُمِيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلاَ سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ وَلاَ يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا» وزاد ابن كثير قَالَ ابْنُ يَسَارٍ: " ثُمَّ لَقِيتُ كَعْبًا الْحَبْرَ فَسَأَلْتُهُ فَمَا اخْتَلَفَا فِي حَرْفٍ " وكيف؟ وكعب هو الذي علمه».
وإنها لحماقة حمقاء أنْ يطلق هذا المؤلف على البشارة بِالنَّبِيِّ الأُمِيِّ العربي في الكتب السابقة: أنها خرافة، ولا أدري أفقد المؤلف صوابه؟ أم غاب عنه قول الحق ﵎: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢)؟ وهل هذا الحديث إِلاَّ مصداق لهذا القرآن الذي لا يتطرق إليه الشك؟ وسواء أكان هذا الحديث قد حمله عبد الله بن عمرو عن كعب، أو هو مِمَّا عَلِمَهُ من كُتُبِهِمْ، لأنه كان قارئاً كاتبًا وعنده علم بِكُتُبِ أهل الكتاب فقد صدقه القرآن المهيمن والشاهد على الكتب فهو حق وصدق، والتصديق به واجب، وإني لأعجب للمؤلف كيف سَوَّلَتْ له نفسه وسمح له ضميره أَنْ يقول عن البشارة بِالنَّبِيِّ وذكر أوصافه في " التوراة " و " الإنجيل ": إنها خرافة. ألاَ فَلْتُهَلِّلُوا أيها المُبَشِّرُونَ فقد وجد مِمَّنْ يَتَسَمَّى بأسماء المسلمين من يخدمكم ويشيع مقالتكم باسم البحث والمعرفة!!
طَعْنُهُ فِي حَدِيثِ الاِسْتِسْقَاءِ بِالعَبَّاسِ ﵁ -:
في [ص ١١٨] لحديث الاستسقاء وذكر أَنَّ كعبا انتهز الفرصة ليفسد على
стр. 75
المسلمين عقائدهم، وأنه هو الذي أوقع عمر ﵁ في الاستسقاء بالعباس عم النَّبِيِّ ﷺ وبعد أَنْ ذكر أنَّ عمر استسقى بالعباس لم يلبث أنْ قال: إنَّ عمر تَنَبَّهَ إلى المكيدة وفطن لها فلم يستسق بأحد حتى النَّبِي ﷺ واقتصر على الاستغفار، ولكي يؤيد زعمه هذا ذكر عن كتاب " المُغَنِي " و " الشرح الكبير ": «أَنَّ عمر خرج يستسقي فلم يزد على الاستغفار ... »
وللرد على ذلك أقول:
١ - إِنَّ حديث الاستسقاء بالعباس ﵁ رواه البخاري في " صحيحه " عن أنس «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا ﷺ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا» قَالَ: فَيُسْقَوْنَ» ولأجل أنْ يُدَلِّلَ على ما ذهب إليه من أنَّ الاستسقاء بالعباس دَسِيسَةٌ من كعب طعن في حديث أنس واعتده مخالفاً للروايات القوية التي جاءت بخلافها، ثم أتدري أيها القارئ ما هي الروايات القوية التي رَجَّحَهَا على رواية " البخاري "؟.
هي رواية ذكرت في كتاب " المطر " لابن أبي الدنيا، وكتاب " المُغْنِي " و " الشرح الكبير "، وكتاب " البيان والتبيين " للجاحظ!! ثم ما هي المخالفة بين حديث أنس وما ذكره أَنَّ الاستسقاء له حالات: فَمَرَّةٌ يكون بالصلاة والخطبة وَمَرَّةً يكون في خطبة الجمعة أو عقب صلاة مفروضة، وَمَرَّةً أخرى يكون بدعاء من غير صلاة، وحيناً كان على المنبر في المسجد، وحينا آخر كان خارج المسجد، وكلها حالات ثابتة في السُنَّة الصحيحة (١)، وعمر ﵁ مَرَّةً استسقى بالعباس، وَمَرَّةً أخرى اقتصر على الدعاء بطلب السُقْيَا، وَمَرَّةً ثالثة اكتفى بالاستغفار، لأنه مجلبة للغيث وعلى هذا فلا تعارض قَطُّ بين الروايات ولا سيما والرواية التي رَجَّحَهَا لا حصر فيها، وكتاب " المُغني " و " الشرح الكبير " الذي نقل عنه الرواية الثانية، قال مؤلفه بعد ذلك بصفحات ما نصه (٢): «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَسْقَى بِمَنْ ظَهَرَ صَلاَحُهُ؛ لأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى إجَابَةِ الدُّعَاءِ، فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الرَّمَادَةِ» ثم ذكر استسقاء معاوية بيزيد بن الأسود، والضحاك بن قيس به اَيْضًا وهكذا