وإنْ أخذوا عليه فيه أنه يتساهل في الحُكْم بالوضع أحياناً.
فلو أنه كان يرى في كعب ما رأى المؤلف وأمثاله من أنه كان وَضَّاعاً دَسَّاساً لما تَرَدَّدَ في تجريحه، ولما حمل كلمة معاوية على هذا المحمل الحسن ولا سيما وقد كان لسانه حاداً على الوَضَّاعِينَ كما يَتَبَيَّن ذلك جَلِيًّا لمن راجع مقدمة كتابه المذكور، فمن ثم يَتَبَيَّنُ لنا بعد ما سمعنا من مقالة العلماء في كعب أنه لم يكن وَضَّاعاً ولا مُتَعَمِّداً للكذب، وأنه إنْ كانت وقعت في بعض مروياته إسرائيليات مكذوبة أو خرافات، فذلك إنما يرجع إلى من نقل عنهم من أهل الكتاب السابقين الذين بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا، وإلى بعض الكتب القديمة التي ملئت بالخرافات والإسرائيليات، ولو أنه تَحَرَّى الحق والصدق وَمَيَّزَ بين الغث والسمين من هذه المنقولات لكان أولى به وأجمل.
طَعْنُهُ فِي وَهْبِ بْنَ مُنَبِّهٍ وَالرَدِّ عَلَيْهِ:
وأما وهب بن منبه فهو من خيار التابعين وثقاتهم، ولم نعلم أحداً طعن فيه بأنه وَضَّاعٌ وَدَسَّاسٌ إِلاَّ المؤلف.
والباحث المُتَثَبِّتُ والناقد البصير لا ينكر أنَّ الكثير من الإسرائيليات دخلت في الإسلام عن طريق أهل الكتاب الذين أسلموا، وأنهم نقلوها بحسن نِيَّةٍ، وكذلك لا ينكر أثرها السيئ في كتب العلوم وأفكار العوام من المسلمين، وما جرته على الإسلام من طعون أعدائه ظناً منهم أنها منه والإسلام منها براء، ولكن الذي لا يسلم به الباحث أنْ يكون كعب ووهب وأضرابهما مِمَّنْ أسلموا وَحَسُنَ إسلامهم كان غرضهم الدَسَّ والاختلاق والإفساد في الدين، ولقد كان من لطف الله بالأمَّة الإسلامية أنَّ هذه الإسرائيليات إنما كانت في قصص الأنبياء والأمم السابقة، وأحوال البدء والمعاد وأسرار الخليقة، إلى غير ذلك مِمَّا لا يتعلق بالحلال والحرام والعقائد إِلاَّ بعضاً منها مِمَّا ينافي عصمة الأنبياء فإنه يدرك كذبه وبطلانه بادئ الرأي.
وابن خلدون لما عرض في " مقدمته " لما دخل في التفسير بالمأثور من الإسرائيليات لم يرم مسلمة أهل الكتاب بِالدَسِّ والوضع - كما صنع المؤلف - وإنما جعلهم مصدراً لنقل هذه الإسرائيليات إلى العرب، وهذا شأن الباحث المُنْصِف لا
стр. 72
الطاعن المتحامل (١).
نَقْدُ المُحَدِّثِينَ لِلإِسْرَائِيلِيَّاتِ:
ولقد كان لجهابذة الحديث ونقاده جهاد مشكور في الكشف عن هذه الإسرائيليات وتمييز صحيحها من باطلها، وَغَثِّهَا من ثمينها، وما من رواية من روايات كعب وغيره إِلاَّ ونقدوها نقداً علمياً نزيهاً، ولولا هذا الجهاد الرائع من علماء المسلمين لكانت طامَّة على الإسلام والمسلمين، ولقد بلغ من تَحَوُّطِ أئمة الحديث البالغ الغاية أنهم قالوا: أنَّ قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه إنما يكون له حكم الرفع إذا لم يكن معروفا بالأخذ عن علماء أهل الكتاب الذين أسلموا، فأما إذا كان معروفا بالأخذ عنهم فلا، لجواز أنْ يكون من الإسرائيليات، وهو تحوط يدل على أصالة في النقد وَبُعْدِ نظر محمود من المُحَدِّثِينَ.
وَأُحِبُّ أنْ يعلم القارئ الكريم أني كتبت بحثاً مستفيضاً نشر على صفحات " مجلة الأزهر " تحت عنوان «الدخيل وكتب التفسير» أمطت فيها اللثام عن كثير من الإسرائيليات والخرافات التي ألصقت بالإسلام (٢).
مَنْهَجُ أَبِي رَيَّةَ فِي البَحْثِ غَيْرُ عِلْمِيٍّ:
إنَّ المؤلف جرى في بحثه في الإسرائيليات على أنَّ كل ما روي عن كعب الأحبار ووهب بن منبه وأمثالهما مختلق مكذوب، وأنَّ مروياتهم ليس فيها صدق ولا حق، حتى ولو كان في شريعتنا ما يؤيد هذا المروي ويصدقه.
وهو إسراف في الحُكْم وَتَجَنٍ على الحق والواقع، والعلماء المُحَقِّقُونَ المُتَثَبِّتُونَ على أنَّ ما روي عن أهل الكتاب الذين أسلموا منه ما هو حق وصدق، ومنه ما هو باطل وكذب، ومنه ما هو محتمل لهما، فهذا هو الإمام ابن تيمية - وهو زعيم مدرسة جمعت إلى حفظ الحديث والبراعة فيه والفقاهة في الدين وجودة الفهم وأصالة النقد - يقسم أخبار مسلمة أهل الكتاب إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته مِمَّا بأيدينا مِمَّا يشهد له بالصدق فذلك صحيح.
стр. 73
والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مِمَّا يخالفه.
والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مِمَّا لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني (١)، ومثل ذلك قال تلميذه ابن كثير في " تفسيره " (٢).
وإليك ما ذكره الحافظ الكبير ابن حجر في " الفتح " عند شرح الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة، قال: «كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَقْرَأُونَ التَّوْرَاةَ بِالعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ ﷺ : " لاَ تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ ". قال: " أي إذا كان ما يخبرونكم به محتملاً، لئلا يكون في نفس الأمر صدقًا فتكذبوه أو كذبًا فتصدِّقوه فتقعوا في الحرج، ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما وَرَدَ شَرْعُنَا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما وَرَدَ شَرْعُنَا بوفاقه، نَبَّهَ على ذلك الشافعي ﵀» وهكذا يَتَبَيَّن لنا أنَّ الحُكْمَ على كل ما رَوَوْهُ بالصحة فيه تساهل وَبُعْدٌ عن الحق والصواب، وأَنَّ الحُكْمَ على كل ما رَوَوْهُ بالكذب والبطلان فيه إسراف وَتَجَنٍّ.
وقد تمخضت هذه الطريقة التي أخذ بها المؤلف عن جملة من الأخطاء والأغلاط، فحكم على كثير من الأحاديث الصحيحة التي لا يتعلق بها الريب بأنها إسرائيليات وخرافات من خرافات أهل الكتاب، ولا حُجَّةَ له في هذا إِلاَّ الظن والحدس، وقد بلغ به الشطط أنه زَيَّفَ بعض الروايات التي نرى مصداقها في كتاب الله، وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بل وَزَيَّفَ بعض أحاديث ليس في روايتها أحد من مُسْلِمَةِ أهل الكتاب، ولا يحتمل أنْ تكون أخذت عنهم، وسأعرض لهذه الأحاديث لترى طرائق للبحث عجيبة.
طَعْنُ أَبِي رَيَّةَ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ:
في [ص ١١٣، ١١٤] بعد أَنْ ذكر ما روي عن كعب وابن سَلاَّم عن البشارة بِالنَّبِيِّ، وذكر أوصافه في " التوراة " قال: «وقد امتدت هذه الخرافة - يعني البشارة بِالنَّبِيِّ
стр. 74
وذكر أوصافه - إلى أحد تلاميذ كعب: عبد الله بن عمرو بن العاص، فقد روى " البخاري " عن [عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ] (*) قَالَ: «لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قُلْتُ: أخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ قَالَ: أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ! ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (١)، وَحِرْزًا للأُمِيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلاَ سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ وَلاَ يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا» وزاد ابن كثير قَالَ ابْنُ يَسَارٍ: " ثُمَّ لَقِيتُ كَعْبًا الْحَبْرَ فَسَأَلْتُهُ فَمَا اخْتَلَفَا فِي حَرْفٍ " وكيف؟ وكعب هو الذي علمه».
وإنها لحماقة حمقاء أنْ يطلق هذا المؤلف على البشارة بِالنَّبِيِّ الأُمِيِّ العربي في الكتب السابقة: أنها خرافة، ولا أدري أفقد المؤلف صوابه؟ أم غاب عنه قول الحق ﵎: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢)؟ وهل هذا الحديث إِلاَّ مصداق لهذا القرآن الذي لا يتطرق إليه الشك؟ وسواء أكان هذا الحديث قد حمله عبد الله بن عمرو عن كعب، أو هو مِمَّا عَلِمَهُ من كُتُبِهِمْ، لأنه كان قارئاً كاتبًا وعنده علم بِكُتُبِ أهل الكتاب فقد صدقه القرآن المهيمن والشاهد على الكتب فهو حق وصدق، والتصديق به واجب، وإني لأعجب للمؤلف كيف سَوَّلَتْ له نفسه وسمح له ضميره أَنْ يقول عن البشارة بِالنَّبِيِّ وذكر أوصافه في " التوراة " و " الإنجيل ": إنها خرافة. ألاَ فَلْتُهَلِّلُوا أيها المُبَشِّرُونَ فقد وجد مِمَّنْ يَتَسَمَّى بأسماء المسلمين من يخدمكم ويشيع مقالتكم باسم البحث والمعرفة!!
طَعْنُهُ فِي حَدِيثِ الاِسْتِسْقَاءِ بِالعَبَّاسِ ﵁ -:
في [ص ١١٨] لحديث الاستسقاء وذكر أَنَّ كعبا انتهز الفرصة ليفسد على
стр. 75
المسلمين عقائدهم، وأنه هو الذي أوقع عمر ﵁ في الاستسقاء بالعباس عم النَّبِيِّ ﷺ وبعد أَنْ ذكر أنَّ عمر استسقى بالعباس لم يلبث أنْ قال: إنَّ عمر تَنَبَّهَ إلى المكيدة وفطن لها فلم يستسق بأحد حتى النَّبِي ﷺ واقتصر على الاستغفار، ولكي يؤيد زعمه هذا ذكر عن كتاب " المُغَنِي " و " الشرح الكبير ": «أَنَّ عمر خرج يستسقي فلم يزد على الاستغفار ... »
وللرد على ذلك أقول:
١ - إِنَّ حديث الاستسقاء بالعباس ﵁ رواه البخاري في " صحيحه " عن أنس «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا ﷺ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا» قَالَ: فَيُسْقَوْنَ» ولأجل أنْ يُدَلِّلَ على ما ذهب إليه من أنَّ الاستسقاء بالعباس دَسِيسَةٌ من كعب طعن في حديث أنس واعتده مخالفاً للروايات القوية التي جاءت بخلافها، ثم أتدري أيها القارئ ما هي الروايات القوية التي رَجَّحَهَا على رواية " البخاري "؟.
هي رواية ذكرت في كتاب " المطر " لابن أبي الدنيا، وكتاب " المُغْنِي " و " الشرح الكبير "، وكتاب " البيان والتبيين " للجاحظ!! ثم ما هي المخالفة بين حديث أنس وما ذكره أَنَّ الاستسقاء له حالات: فَمَرَّةٌ يكون بالصلاة والخطبة وَمَرَّةً يكون في خطبة الجمعة أو عقب صلاة مفروضة، وَمَرَّةً أخرى يكون بدعاء من غير صلاة، وحيناً كان على المنبر في المسجد، وحينا آخر كان خارج المسجد، وكلها حالات ثابتة في السُنَّة الصحيحة (١)، وعمر ﵁ مَرَّةً استسقى بالعباس، وَمَرَّةً أخرى اقتصر على الدعاء بطلب السُقْيَا، وَمَرَّةً ثالثة اكتفى بالاستغفار، لأنه مجلبة للغيث وعلى هذا فلا تعارض قَطُّ بين الروايات ولا سيما والرواية التي رَجَّحَهَا لا حصر فيها، وكتاب " المُغني " و " الشرح الكبير " الذي نقل عنه الرواية الثانية، قال مؤلفه بعد ذلك بصفحات ما نصه (٢): «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَسْقَى بِمَنْ ظَهَرَ صَلاَحُهُ؛ لأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى إجَابَةِ الدُّعَاءِ، فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الرَّمَادَةِ» ثم ذكر استسقاء معاوية بيزيد بن الأسود، والضحاك بن قيس به اَيْضًا وهكذا
стр. 76
يَتَبَيَّن بنا أنَّ المؤلف «يدع ما يشاء ويأخذ ما يشاء» بحسب هواه وما يتراءى له كي يصل إلى ما يريد، من أَنَّ الاستسقاء بالعباس دَسِيسَةٌ من كعب (١) كي يفسد عقائد المسلمين.
٢ - ثم أي فساد في العقيدة بالاستسقاء بالعباس ﵁؟ إنَّ المسلمين قاطبة مجمعون على التَوَسُّلِ بالأحياء، ولم يقل أحد إنَّ التوسل بالأحياء يفسد العقيدة، وكيف خَفِيَ على المهاجرين والأنصار وفيهم عمر مخالفة الاستسقاء بالعباس للعقيدة حتى وقعوا فيما وقعوا فيه؟ وكيف خَفِيَ على فقهاء الأمَّة وَمُحَدِّثِيهَا أَنَّ حديث أنس مدسوس فحكموا عليه بالصحة واستدلوا به؟ إنَّ هذا مِمَّا لا يقضي منه العجب!!!.
طَعْنُهُ فِي حَدِيثِ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ:
في [ص ١٢٣] جعل مراجعة موسى لِنَبِيِّنَا محمد - عَلَيْهِمَا الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - في حديث الإسراء والمعراج من الإسرائيليات، وجهل الذين يعتقدون صحة ذلك، واعتبرهم من حشوية آخر الزمان إلى آخر ما نضح به قلمه من نبز وسباب.
وللرد على هذا أقول لهذا المؤلف:
إنَّ الرمي بالقول على عواهنه من غير حُجَّة وبرهان لا يليق بالباحث المُنْصِف المُتَثَبِّت، وهل يقتضي ذكر موسى ﵇ ومراجعته لِلْنَّبِيِّ ﵇ ليلة المعراج كي يخفف الله سبحانه على أُمَّتِهِ الصلوات أَنْ يكون من الإسرائيليات؟ وعلى منطق المؤلف تكون كل الأحاديث التي ذكرت فضيلة لموسى أو لِنََبِِيٍّ من أنبياء بني إسرائيل من الإسرائيليات وأعتقد أنَّ هذا لا يقوله عاقل فضلاً عن باحث، وبحسب القارئ ما ذكرته في المقال السابق من موقف علماء الإسلام من أخبار بني إٍسرائيل، ولو أنَّ حديث الإسراء والمعراج كان مرويًا عن كعب الأحبار أو غيره من علماء بني إسرائيل لجاز في العقل أنْ يكون ذكر موسى ﵇ من دَسِّهِمْ، أما والحديث مروي عن بضع وعشرين صحابياً ليس فيهم ولا فيمن أخذ عنهم أحد من مُسْلِمَةِ أهل الكتاب فقد أصبح الاحتمال بعيداً كل البعد إنْ لم يكن غير ممكن
стр. 77
في منطق البحث الصحيح، وقد ذكر الحافظ أبو الخطاب بن دحية في كتابه " التنوير في مولد السراج المنير " الصحابة الذين رُوِيَ عنهم حديث الإسراء والمعراج فوصل بهم إلى خمسة وعشرين صحابياً، واعتبر الروايات الواردة فيه متواترة ونقل كلامه الحافظ الناقد ابن كثير في " تفسيره " ووصفه بالإفادة والجودة (١) فهل يجوز عند العقلاء أَنْ يكون لِلْدَسِّ مجال في هذا؟ وقد خرج حديث المعراج البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الكتب المعتمدة من طرق متعددة، وقد استعرض هذه الروايات الإمام ابن كثير في " تفسيره " فليرجع إليه من يريد زيادة اليقين، وَلَمْ أَرَ - فيما أعلم - عن أحد من أهل العلم الموثوق بهم أنه ذكر أنَّ مراجعة موسى لنبينا ﵉ دَسِيسَةٌ إسرائيلية، فهل خَفِيَ على علماء الأُمَّةِ جميعهم ما تَخَيَّلَهُ هذا المؤلف؟! وكان الأولى به أنْ يبحث عن السِرِّ في المراجعة وحكمتها بدل التشكيك فيها، ومحاولة بيان استلزامها لنفي علم الله - جَلَّ شَأْنُهُ -، وعلم رسوله مبلغ احتمال الأُمَّةِ وقدرتها على أدائها قبل التخفيف. وأي ضير في أنْ يعلم موسى ﵇ بما سبق إليه من تجربة الناس، ومعالجة بني إسرائيل أشد المعالجة ما خفي على نبينا ﵊ حتى أشار عليه بالرجوع إلى ربه وطلب التخفيف، حتى يرتب عليه المؤلف ما زعم ثم من قال أنَّ فرض الصلوات خمسين وتخفيفها إلى خمس بسبب المراجعة تستلزم أنْ يكون الله سبحانه لا يعلم مبلغ قوة احتمال عباده على أدائها حتى رَتَّبَ عليه ما رَتَّبَ؟ إنَّ الله سبحانه يعلم كل ما كان وما يكون ويعلم أنَّ نَبِيَّهُ محمدا - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - سيسأله التخفيف على العباد وبسبب هذا السؤال سيخفف الصلوات من خمسين إلى خمس، ولذلك سِرٌّ وَحِكْمَةٌ، وهي إظهار رحمة الله بهذه الأُمَّة وَمِنَّتِهِ عليها بالتخفيف عليها، بدليل قول الرب تعالى: «أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي» كما أَنَّ فيها إظهار منزلة النَبِيِّ عند ربه بقبول شفاعته في التخفيف عن أُمَّتِهِ، وبيان رأفته ورحمته بأُمَّتِهِ باستماعه إلى مشورة أخيه موسى، ولا تسل عما في المراجعة من تكرار المناجاة بين العبد والمعبود والمُحِبِّ والمحبوب.
زَعْمُهُ أَنَّ حَدِيثَ «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ ... » مِنَ الإِسْرَائِيلِيَّاتِ:
في [ص ١٢٨] قال: «الإسرائيليات في فضل بيت المقدس» وذكر بعضًا منها.
стр. 78
وفي [ص ١٢٩] ذكر أَنَّ الأحاديث الصحيحة كانت في أول الأمر في فضل المسجد الحرام ومسجد الرسول، ولكن بعد بناء قبة الصخرة ظهرت أحاديث في فضلها وفضل المسجد الأقصى، واعتبر ذكر المسجد الأقصى في حديث: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى» من الإسرائيليات الموضوعة، واستند في دعواه إلى ما روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، [أَنَّهُ قَالَ]: إِنَّ امْرَأَةً اشْتَكَتْ شَكْوَى، فَقَالَتْ: إِنْ شَفَانِي اللهُ لأَخْرُجَنَّ فَلأُصَلِّيَنَّ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَبَرَأَتْ، ثُمَّ تَجَهَّزَتْ تُرِيدُ الْخُرُوجَ، فَجَاءَتْ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَأَخْبَرَتْهَا ذَلِكَ، فَقَالَتْ: اجْلِسِي فَكُلِي مَا صَنَعْتِ، وَصَلِّي فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ . فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: " صَلاَةٌ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلاَّ مَسْجِدَ الكَعْبَةِ "» قال: «ولو أَنَّ المسجد الأقصى كان قد ورد فيه تلك الأحاديث لما منعت ميمونة هذه المرأة من أَنْ تُوفِي بنذرها!!».
وللجواب على هذه المزاعم نقول:
١ - إننا لا ننكر أنه وُضِعَ في فضل بيت المقدس والصخرة أحاديث وآثار كثيرة، ولكن الذي ننكره حقًا أَنْ يكون ذكر بيت المقدس في حديث «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ» من قبيل الوضع والدَسِّ، وأعتقد أنه من الإسراف في الحُكْم والشطط في البحث أَنْ يُجَرِّدَ باحث بيت المقدس من الفضيلة، ويعتبر كل ما ورد فيه من صنع بني إسرائيل، وكيف وفضل بيت المقدس لم يثبت بالأحاديث الصحيحة فحسب؟ ولكنه ثبت ثبوتاً قطعياً بالقرآن المتواتر الذي لا يتطرق إليه الشك قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) فلم يَعُدْ ثَمَّةَ مجال للحدس والظن الذي لم يقم على أساس ولا يستند إلى دليل وبيت المقدس قِبْلَةُ الأنبياء السابقين ومهاجرهم، وثاني المساجد التي وضعت في الأرض وشرفت بناه حفيد الخليل يعقوب - عَلَيْهِمَا الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - وَجَدَّدَهُ نبي الله سليمان ﵇ وإليه توجه المسلمون في صلاتهم بعد الهجرة بضعة عشر شهراً، فكيف يستبعد المؤلف أَنْ يذكر هو ومسجد مكة والمدينة في حديث وَإِنْ كان دونهما في الفضل؟ والمساجد الثلاثة يجمعها أنها آثار، وتحمل ذكريات مجيدة لبعض أنبياء الله ورسله الكرام، ولو أَنَّ المؤلف كان باحثاً حقاً لنقده من وجهة سنده ومتنه نقداً علمياً صحيحاً بدل أَنْ يلقي بالقول جزافاً.
стр. 79
٢ - هذا الحديث رواه الإمامان الجليلان: البخاري ومسلم في " صحيحيهما " وَهُمَا مَنْ هُمَا في عُلُوِّ كَعْبِهِمَا في التصحيح، ومعرفتهما التامة بالرجال والعلل، ونظرهما الثاقب في الكشف عن خفايا الأحاديث وَعِلَلِهَا، ورواه غيرهما كابن حبان في " صحيحه "، وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في " سُنَنِهِمْ "، ورواه أحمد والبزار في " مُسْنَدَيْهِمَا "، والطبراني في " المعجم الكبير " و " الأوسط "، وَرُوِىَ عن جمع من الصحابة كَعُمَرٍ وأبي سعيد الخُدري وأبي هريرة وأبي بصرة الغِفاري وأبيه وأبي الجعد (١) وقد تلقت الأُمَّة هذا الحديث بالقبول، واحتج به أئمة فطاحل لا يحصيهم العد ولا يشق لهم غُبَارٌ في النقد والبصر بالأحاديث من عصر السلف إلى وقتنا هذا، فهل كل هؤلاء خفي عليهم ما لاَحَ وظهر لهذا المؤلف؟!!!.
٣ - أما ما ذكره من قصة المرأة التي نذرت أَنْ تصلي في بيت المقدس إنْ شفاها الله ... إلخ. فَمِمَّا يضحك الثكلى! ومن قال - يا من زعمت أنك طوفت في عشرات الكتب والمراجع - أَنَّ الفتوى على خلاف ما يدل عليه حديث أو العمل على خلافه يكون دليلاً على كذبه؟ لو كان الأمر كذلك لحكمنا على كثير من الأحاديث بالوضع والاختلاق.
قال العلاَّمة ابن الصلاح «وَهَكَذَا نَقُولُ: إِنَّ عَمَلَ الْعَالِمِ أَوْ فُتْيَاهُ عَلَى وَفْقِ حَدِيثٍ لَيْسَ حُكْمًا مِنْهُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَكَذَلِكَ مُخَالَفَتُهُ لِلْحَدِيثِ لَيْسَتْ قَدْحًا مِنْهُ فِي صِحَّتِهِ وَلاَ فِي رَاوِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» (٢) والسيدة ميمونة استندت في فتواها إلى هذا الحديث الذي يثبت أَنَّ الصلاة في المسجدين أفضل من الصلاة في المسجد الأقصى، فيكون أداء النذر في الأفضل أولى، ولا سيما أَنَّ فيه راحة من مَشَقَّةِ السفر وهي امرأة.
قال الإمام العيني: «وَاسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِهَذَا الحَدِيثِ - حَدِيثُ (لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ) - عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ إِتْيَانَ أَحَدِ هَذِهِ المَسَاجِدِ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ (*)، وقال أبو حنيفة لا يجب مطلقاً، وقال الشافعي في " الأم ": يجب في المسجد الحرام لتعلق النسك به بخلاف المسجدين الآخرين وقال ابن المنذر: يجب
стр. 80
إلى الحرمين وأما الأقصى فلا، واستأنس بحديث جابر أن رجلا قال لِلْنَّبِيِّ ﷺ : «إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس قال صل ههنا» (١) فمدار الفتوى في حديث جابر والسيدة ميمونة على أن من نذر الصلاة في مفضول أجزأه الصلاة في الأفضل ولا عكس» (٢). وها نحن أولاء نرى أن الشافعي ﵀ في " الأم " أوجب أداء النذر في المسجد الحرام دون المسجدين الآخرين المشرفين، مع أَنَّ الشافعي مِمَّنْ يرى صحة حديث «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ»، وعلى منطق المؤلف في البحث كان يلزم أَنْ نقول استناداً إلى رأي الشافعي في " الأم ": إنَّ فضيلة المسجدين: مسجد المدينة والأقصى غير ثابتة، وإِنَّ ذكرها في الحديث اختلاق، وهو منهج في البحث سقيم، لَمْ نَرَ له مثيلاً في القديم ولا في الحديث.
طَعْنُ أَبِي رَيَّةَ فِي حَدِيثٍ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَالرَدُّ عَلَيْهِ:
في [ص ١٣١] ذكر تحت عنوان «اليد اليهودية في تفضيل الشام» حديث " الصحيحين " المرفوع ولفظه: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلاَ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ». قال: روى البخاري: «هُمْ بِالشَّامِ».
ونحن لا ننكر في أن بلاد الشام وغيرها من بلاد الإسلام قد وضعت فيها أحاديث كثيرة بداعي العصبية الوطنية، وقد سبق أئمة الحديث وصيارفته إلى بيان ذلك منذ مئات السنين، ولكن الذي ننكره على المؤلف الطعن في الأحاديث الصحيحة بالظن من غير تثبت، أو اعتمادا على تأويل مؤول للحديث.
وليس أدل على هذا من ذكره هذا الحديث واعتباره من صنع اليد اليهودية وأي فائدة تعود على اليهود من هذا وبلاد الشام ليست بلادهم وإنما هي بلاد العرب قبل أن تكون بلادا لهم؟ وهل يعقل من اليهود في سبيل التزلف إلى بني أمية أن يضعوا هذا الحديث الذي يدل على بقاء الإسلام وبقاء سلطانه، وبقاء هذه الطائفة الثابتة على الحق من الأُمَّة المحمدية إلى يوم القيامة؟ وكيف وهم يدعون أنهم شعب الله المختار - كذبا وزورا - وأنهم أحق الشعوب بالبقاء، لقد وصفهم المؤلف
стр. 81
بالدهاء والمكر، فكيف يضعون أحاديث تعلي بنيان أعدائهم وتقوض بيتهم من أساسه؟ الحق أن المؤلف يريد منا أن نلغي عقولنا.
وهذا الحديث رواه الشيخان في " صحيحيهما "، رواه البخاري في (كتاب الاعتصام) عن المغيرة بن شعبة عن النَّبِي ﷺ بلفظ: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ». والرواية التي أشار إليها المؤلف رواها " البخاري " في باب بعد علامات النبوة ببابين، عن عمير بن هانئ أنه سمع معاوية يقول: سمعت النَّبِي ﷺ يقول: «لاَ يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلاَ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ»
(قَالَ عُمَيْرٌ: فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ: قَالَ مُعَاذٌ: وَهُمْ بِالشَّامِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هَذَا مَالِكٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذًا يَقُولُ: وَهُمْ بِالشَّامِ).
ورواه مسلم في " صحيحه " عن ثوبان وعن المغيرة بن شعبة وعن معاوية وعن جابر بن عبد الله، وليس في رواية مسلم عن معاوية» قال معاذ: «وَهُمْ بِالشَّامِ» ورواه غير البخاري ومسلم.
ومِمَّا ينبغي أن يتنبه إليه أن قول معاذ ليس من الحديث المرفوع كما يوهم صنيع المؤلف، وإنما هو تأويل لمعاذ في الحديث، أما المرفوع فليس فيه هذه الزيادة، قال البدر العيني في " شرحه على البخاري ": وحديث مالك هذا - يعني - هذا - يعني مازل بن يخامر عن معاذ - غير مرفوع» وقد فسر البخاري هذه الطائفة فقال بعد إيراد الترجمة للحديث: «وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ» وعن علي بن المديني أنه قال: هم أصحاب الحديث، وهكذا روي عن الإمام أحمد وقيل غير ذلك نرى أن الأئمة من لدن الصحابة اختلفوا في تعيين المراد من هذه الطائفة فتخريج الإمام البخاري لهذه الرواية عن معاذ في فهم الحديث لا ينهض دليلا للطعن في الحديث الصحيح واعتباره من دسائس اليهود.
وكذلك قول بعض العلماء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في " صحيحه " عن سعد بن أبي وقاص مرفوعا: «لاَ يَزَالُ أَهْلُ الْمَغْرِبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»: أن المراد بهم أهل الشام، لا ينهض للطعن في الحديث وذكر مع أحاديث نبه العلماء على وضعها في قرن واحد.
стр. 82
ومن عجيب أمر هذا المؤلف أنه يعتمد في نقل بعض الأحاديث التي توافق هواه على كتب الأدب كـ " نهاية الأرب "، وكتب التاريخ كـ " المعجب في تلخيص أخبار المغرب " على حين يطعن في أحاديث في " الصحيحين " بالوضع ما دامت على غير هواه. ولا أدري كيف غاب عنه أَنَّ كتب الأدب والتواريخ ونحوها تجمع الغث والسمين والمقبول والمردود، فكيف يعتمد عليها فيما ينقل؟ أَلاَ إِنَّ المعول عليه في السُنَّة هي كتب الحديث المعتمدة التي تبرز الأسانيد أو تعزو الأحاديث وتميز بين الصحيح والضعيف والمقبول والمردود.
زَعْمُ أَبِي رَيَّةَ أنَّ فِي الإِسْلاَمِ مَسِيحِيَّاتٌ وَطَعْنُهُ فِي تَمِيمِ الدَّارِي:
في ص [١٤٠] ذكر عنوان المسيحيات في الإسلام وقال: إذا كانت الإسرائيليات قد لوثت الدين الإسلامي بمفترياتها، فإنَّ المسيحيات كان لها كذلك نصيب مِمَّا أصاب هذا الدين، وأول من تولى كِبْرَ هذه المسيحيات هو تميم بن أوس الداري، ثم عرض لأحاديث زعم أنها من المسيحيات.
فمن ذلك ما ذكره في [١٤١] حيث قال: «مِمَّا بثه تميم الداري من مسيحياته ما ذكره النَّبِي ﷺ من قصة الجساسة والدجال ونزول عيسى وغير ذلك» ... إلخ ما قال.
حَدِيثُ الجَسَّاسَةِ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ:
أما حديث الجساسة فقد رواه الإمام مسلم في " صحيحه " (١) عن فاطمة بنت قيس وذلك «أَنَ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي: الصَّلاَةَ جَامِعَةً، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلاَّهُ "»، ثُمَّ قَالَ: «أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «إِنِّي وَاللَّهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلاَ لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ، لأََنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كَانَ رَجُلاً نَصْرَانِيًّا، فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ المَسِيحِ الدَّجَّالِ»، ثم ذكر لهم قصة تميم وخروجه مع جماعة من قومه راكبين سفينة فَضَلُّوا شهرًا في البحر حتى وصلوا إلى جزيرة في البحر فنزلوها فوجدوا دابة عظيمة فكلمتهم ثم دلتهم على شخص بمكان الجزيرة فذهبوا إليه فَحَدَّثَهُمْ
стр. 83
بحديث طويل وأنه المسيح الدجال.
وليس للمؤلف سلف في التشكيك في هذا الحديث إِلاَّ ما كان من المرحوم السيد محمد رشيد رضا الذي نقل المؤلف كلامه في كتابه، وكلام السيد رشيد ليس فيه التصريح بكذب القصة، ولا بتكذيب تميم، وكل ما فيه محاولة إثبات أَنَّ سكوت النَّبِي ﷺ لا يدل على صدق القصة وَأَنَّ مثل هذا لا يدخل تحت التقرير، وَأَنَّ تصديق الكاذب فيما لا يخل بأمر الدين ولا يترتب عليه حُكْمٌ شَرْعِيٌّ أمر جائز على الأنبياء.
وللرد على ذلك نقول:
[أ] إن حديث الجساسة رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ورجاله ثقات عُدُولٌ لا مطعن في واحد منهم، وقد رواه غير مسلم: الإمام أحمد وأبو يعلى وأبو داود وابن ماجه، ورواه غير فاطمة بنت قيس من الصحابة أبو هريرة وعائشة وجابر - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - فالحديث لم ينفرد به مسلم، ولا انفردت بروايته فاطمة بنت قيس.
وقد حَدَّثَ به النَّبِي ﷺ على المنبر في جمع من الصحابة واعتبره موافقًا لما كان يُحَدِّثُهُمْ به عن المسيح الدجال وغيره من أشراط الساعة الكبرى، فالقول بأنه لا يدخل تحت التقرير غير مسلم، وقد اعتبر الأئمة رواية النَّبِي ﷺ ذلك عنه من مناقبه، قال الحافظ الكبير ابن حجر في " الإصابة " (١) في ترجمة تميم ﵁: «مشهور في الصحابة كان نصرانيًا وقدم المدينة فأسلم وذكر لِلْنَّبِيِّ ﷺ قصة الجساسة والدجال فحدث النَّبِي ﷺ عنه بذلك وعد ذلك من مناقبه» ثم نقل عن أبي نعيم أنه قال: كان راهب أهل عصره وعابد فلسطين وكان كثير التهجد بالليل، قام ليلة بآية حتى أصبح وهي قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ (٢) ومن مناقبه ما ذكره في " الإصابة " اَيْضًا (٣) قال: أخرج البغوي من
стр. 84
طريق الجريري عن أبي العلاء معاوية بن حرمل قال: قدمت على عمر فقلت: يا أمير المؤمنين، تائب من قبل أن تقدر عليه، فقال: من أنت؟ فقلتُ معاوية بن حرمل ختن مسيلمة - أي صهره - قال: اذهب فانزل على خير أهل المدينة، قال: فنزلت على تميم الداري فبينا نحن نتحدث إذ خرجت نار بالحرة، فجاء عمر إلى تميم فقال: يا تميم اخرج، فقال: وما أنا؟ وما تخشى أَنْ يبلغ من أمري؟ فصغر نفسه، ثم قام فحاشها (١) حتى أدخلها الباب الذي خرجت منه ثم اقتحم في أثرها، ثم خرج فلم تضره».
وعمر - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - وهو العبقري الملهم المُحَدِّثُ ما كان ليخفى عليه حال تميم ومنزلته من الصلاح والاستقامه والإخلاص وهو القائل: «لَسْتُ بِخِبٍّ وَالخِبُّ لاَ يَخْدَعُنِي» فكيف يجوز في العقول أَنْ يرمي مثل هذا بالكذب وَالدَسِّ والإفساد في الدين؟!.
[ب] ما زعمه السيد رشيد من أَنَّ هذا لا يدخل تحت التقرير ممنوع قال الحافظ في " الفتح " (٢): «وَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ تَقْرِير النَّبِيّ ﷺ لِمَا يُفْعَل بِحَضْرَتِهِ أَوْ يُقَال وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِنْكَار دَالٌّ عَلَى الْجَوَازِ، لأَنَّ الْعِصْمَة تَنْفِي عَنْهُ مَا يَحْتَمِل فِي حَقّ غَيْره مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى الإِنْكَار فَلاَ يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ» وما زعمه اَيْضًا من أَنَّ هذا ليس من أمور الدين التي يعصم الأنبياء عن تصديق الكاذب فيها أشد منه منعًا، ولا أدري أنا ولا غيري كيف لا يُعتبر الإخبار بأشراط الساعة من أمور الدين؟ ولو كان ما حدث به تميم كذبًا لما سكت الوحي عن بيان الحق فيما أخبر به كما حدث في كثير من الأحيان حينما كان المنافقون وأضرابهم يقولون خلاف ما يبطنون فينزل الوحي فاضحًا لهم وَمُبَيِّنًا كذبهم.
أَحَادِيثُ الدَجَّالِ وَنُزُولُ المَسِيحِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ صَحِيحَةٌ:
على أن النَّبِيَّ - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - قد أخبر في غير ما حديث بالدجال ونزول المسيح عيسى ابن مريم ﵇ في آخر الزمان حُكْمًا عدلا بشريعة نبينا محمد ﷺ فيكسر الصليب ويقتل الخنزير وعلى يديه يكون قتل الدجال،
стр. 85
وكل هذا مروي من طرق متكاثرة في " الصحيحين " (١) وغيرهما من كتب السنن المعتمدة، فإخبار النَّبِي بهذه الأشراط لم يكن متوقفا على إخبار تميم ﵁ وإنما انتهز النَّبِي فرصة تحديث تميم لما حدث به ليبين لهم أَنَّ ما حدثهم به حق وواقع لا شك فيه، ثم رأى المؤلف وأضرابه في قول الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ﴾ (٢) وهذه الدابة عند كثير من المفسرين هي الجساسة التي ورد ذكرها في حديث " مسلم "، أليست الآية فيها تصديق لهذا الحديث؟ ولا سيما والآية لا تنفي وجودها قبل يوم القيامة، إذ المعلق على وقوع القول الخروج لا الوجود بل التعبير القرآني يشعر بوجودها قبل هذا.
[ج] مَا تَهَكَّمَ به المؤلف من تعليقه في الهامش على قصة تميم حيث قال: «لعل علماء الجغرافيا يبحثون عن هذه الجزيرة ويعرفون أين مكانها من الأرض ثم يخبروننا حتى نرى ما فيها من الغرائب التي حدثنا بها (سيدنا تميم) ﵁.
إنما يدل على ضيق العطن وقصور التفكير، وهل علماء الجغرافيا يا (سيدنا المؤلف) اكتشفوا كل بقعة في الأرض؟ إِنَّ كثيرًا من أقطار البر والبحر لا تزال بِكْرًا إلى الآن لم تطرقها قدم مستكشف، بل في القارات المعروفة أماكن ما زالت مجهولة إلى اليوم، وأظن أنه لا يعزب عنك مجاهيل أفريقيا وغير أفريقيا، بل في بعض الجهات المرتادة مغارات وكهوف لا تزال غير معروفة، فإذا كان هذا في البر فما بالك بالبحر؟ وثلاثة أرباع هذه الأرض التي يسكنها النوع الإنساني بحار وعلى تسليم أنها كانت في جزيرة من الجزر المعروفة للناس اليوم، فهل يلزم من اطلاع الله سبحانه تميما وصحبه على الدابة والدجال اطلاع غيرهم عليها؟ ألا يجوز بعد ما رآها تميم وصحبه أَنْ تكون اختفت عن الأنظار وذهبت إلى حيث علم الله سبحانه؟
ثم ما موضع العجب ألأن دابة تتكلم؟ وأي غرابة وهذه الببغاء تحكي ما يقوله الإنسان؟ وإذا كان العقل البشري توصل إلى استنطاق الجماد فكيف نستبعد على قدرة الله - عَزَّ شَأْنُهُ - إنطاق الحيوان؟
стр. 86
طَعْنُهُ فِي حَدِيثِ " الصَّحِيحَيْنِ " وَالرَدُّ عَلَيْهِ:
في [ص ١٤٤] قال: ومن المسيحيات في الحديث ما رواه " البخاري " عن أبي هريرة: أن النَّبِي ﷺ قال: «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبِهِ حِينَ يُولَدُ غَيْرَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ فِي الحِجَابِ». وفي رواية سمعت رسول الله يقول: «مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلاَّ يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ، غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا ... ». ثم قال في الحاشية: وحديث طعن الشيطان الذي رواه البخاري قال ابن حجر في " شرحه ": «وقد طعن صاحب " الكشاف " في معنى هذا الحديث وتوقف في صحته، وكذلك طعن فيه الرازي وقال: إِنَّ الحديث خبر واحد ورد على خلاف الدليل ... ».
وللرد على ذلك نقول:
[أ] إِنَّ هذا الحديث صحيح رواه " البخاري " و" مسلم " وغيرهما من أئمة الحديث، وما دَلَّ عليه هو استجابة لدعاء أم السيدة مريم حيث قالت كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١). ولا أدري أي ضير في أَنْ يصدع النَّبِي الذي لا ينطق عن الهوى بخصيصة من الخصائص، أو إظهار فضيلة من الفضائل لأحد من إخوانه الأنبياء أو غيرهم، إِنَّ إظهار فضيلة من الفضائل لأحد من إخوانه الأنبياء أو غيرهم، إِنَّ هذا إِنْ دَلَّ على شيء فإنما يدل على غاية السمو المحمدي وعلى الأمانة الفائقة في التبليغ وعلى أَنَّ الإسلام دين إلهي وليس من عند بشر، إذ لو كان من عند بشر لما حرص على أَنْ يظهر الأنبياء بهذا المظهر الكريم وبهذه المنازل العالية، وليس في إسناد خصوصية لعيسى أو لغيره ما يعود بالنقص على إخوانه الأنبياء ولا ما يثبت تفضيله عليهم، إذ من المسلم أنه قد يكون في المفضول من الخصائص ما ليس للأفضل ولا يؤثر هذا في أفضليته، لأن له من الخصائص ما يؤهله لاستحقاق الأفضلية، هذا إلى أَنَّ المتكلم غير داخل في عموم كلامه كما قال جمع من العلماء، فيكون نبينا محمد - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - مِمَّنْ لم يمسه الشيطان اَيْضًا كما رُوِيَ ذلك في حديث، وَأَيًّا ما كان الأمر فليس في الحديث ما يدل على أفضلية عيسى ﵇ على نبينا ﵊ أما كون بعض القسس المسيحيين «اتكأوا على هذا الحديث في إثبات عقيدة من عقائدهم الزائفة» كما قال المؤلف، فلا يعود على الحديث بالبطلان أو الرَدِّ
стр. 87
كما زعم، والتبعة إنما هي على من حرف الحديث عن مواضعه وحمله على غير محامله الصحيحة.
ب) هذا الحديث صحيح رواية ودراية وليس في معناه ما يدعو إلى رده عند المحققين لأنه لا يخالف عقلاً ولا نقلاً، وكل ما هنالك أَنَّ بعض الناس تخيل ذلك فَرَدَّ الحديث أو توقف فيه، فمن هؤلاء القاضي عبد الجبار المعتزلي والزمخشري، وَإِنْ كان الثاني تردد في صحة الحديث وقال: إِنْ صح فالمراد، أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إِلاَّ مريم وابنها فإنهما كانا معصومين وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١). واستهلاله صَارِخًا من مَسِّهِ تخيل وتصوير لطمعه فيه كأنه يَمَسُّهُ ويضرب بيده عليه، وأما حقيقة النخس والمس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سَلَّطَ إبليس على الناس بنخسهم لامتلأت الدنيا صُرَاخًا وعياطا» فها أنت ذا ترى أَنَّ الزمخشري لم يقطع بعدم صحة الحديث، والأكثرون من العلماء على أَنَّ الحديث على ظاهره وَأَنَّ المس حقيقة وَأَنَّ الشيطان حاول ذلك مع مريم وابنها فلم يمكن منه استجابة لدعاء أمها لها، إذ لا يلزم من وقوع المس وقوع الإغواء، وذلك بالنسبة إلى الأنبياء ومن على شاكلتهم من المخلصين الأصفياء وعلى هذا فلا يكون الحديث كما تَوَهَّمَ مُخَالِفًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٢). وقوله: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٣).
ولا يلزم أَنْ تمتلئ الدنيا صُرَاخًا وعياطا كما تَوَهَّمَ الزمخشري، لأن الحديث إنما جعل ذلك عند الولادة فحسب، وأما بعدها فلا، ولو حكمنا المشاهدة فما من مولود إِلاَّ ويستهل صَارِخَا أَوْ بَاكِيًا، وإنكار ذلك مكابرة.
الزّمَخْشَرِيُّ لاَ يُعَوَّلُ عَلَى كَلاَمِهِ فِي الطَّعْنِ فِي الأَحَادِيثِ:
ومِمَّا ينبغي أَنْ يعلم أَنَّ الزمخشري - مع كونه إمامًا في التفسير - لا يرجع إليه في معرفة الصحيح من غيره، إذ هو ليس من رجال الحديث العارفين لِعِلَلِهِ، المُبْصِرِينَ برجاله، وكم ذكر في " كَشَّافِهِ " من موضوعات في قصص الأنبياء وغير القصص.
ولو أَنَّ المؤلف كان أمينًا في البحث لما عرض الأمر من جهة واحدة، وكان عليه أَنْ يعرض لرأي المُصَحِّحِينَ للحديث ووجهة نظرهم ويناقشهم وهو بعد ذلك
стр. 88
حُرٌّ في أَنْ يختار ما يشاء، ولكن مسلك المؤلف مسلك المتحيز غير المُنْصِف الذي ينظر إلى الشيء بعين واحدة فمن ثم كثرت هفواته وسقطاته.
وإليك ما قاله العلماء المُحَقِّقُونَ:
قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " (١) بعد أَنْ ذكر اعتراض الزمخشري وَبَيَّنَ أنه غير مُسَلَّمٍ: «وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الحَدِيثِ لاَ إِشْكَالَ فِي مَعْنَاهُ، وَلاَ مُخَالَفَةَ لِمَا ثَبَتَ مِنْ عِصْمَةِ الأَنْبِيَاءِ بَلْ ظَاهِرُ الخَبَر أَنَّ إِبْلِيسَ مُمَكَّنٌ مِنْ مَسِّ كُلِّ مَوْلُودٍ عِنْدَ وِلاَدَتِهِ، لَكِنْ مِنْ عِبَاد اللَّه المُخْلَصِينَ لَمْ يَضُرّهُ ذَلِكَ المَسِّ أَصْلاً، وَاسْتَثْنَى مِنْ المُخْلَصِينَ مَرْيَمَ وَابْنهَا فَإِنَّهُ ذَهَبَ يَمَسُّ عَلَى عَادَتِهِ فَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، فَهَذَا وَجْهُ الاخْتِصَاصِ، وَلاَ يَلْزَم مِنْهُ تَسَلُّطُهُ عَلَى غَيْرِهِمَا مِنْ المُخْلَصِينَ» ... الخ ما قال (٢).
وقال القرطبي في " تفسيره " (٣): «قال قتادة: " كل مولود يطعن الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى وأمه جعل بينهما حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ منها شيء "، قال علماؤنا: وإن لم يكن كذلك بطلت الخصوصية بهما ولا يلزم من هذا أَنَّ نخس الشيطان يلزم منه إضلال الممسوس وإغواؤه فإن ذلك ظن فاسد، فكم تعرض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والإغواء، ومع ذلك عصمهم الله مِمَّا يرومه الشيطان كما قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٤).
وقال الفخر الرازي (٥) بعد ذكر كلام القاضي عبد الجبار وَرَدِّهِ للحديث: «واعلم أَنَّ هذه الوجوه محتملة وبأمثالها لا يجوز دفع الخبر والله أعلم»، ثم قال: «والعجب من بعض أهل السُنَّة كيف يتبع المعتزلة في تأويل مثل هذه الأحاديث الصحيحة لمجرد الميل إلى ترهات الفلاسفة، مع أَنَّ إبقاءها على ظاهرها لا يروق لهم شربا ولا يضيق عليهم سربا» فهل من الأمانة في النقل أَنْ يفتري على الإمام الرازي وَيُقَوِّلُهُ ما لم يقل وينسب إليه ما ليس من كلامه؟ وهل يتفق ما نقلته عن
стр. 89
الرازي بنصه هو وما زعمه من أن الرازي طعن في الحديث والحق أَنَّ الرازي نقل كلام القاضي عبد الجبار في الطعن في الحديث ورده كما سمعت، ولكن المؤلف كثيرا ما يخطف الأمور بسرعة فمن ثم يقع في الغلط وكثيرًا ما يتعمد بتر النصوص لحاجة في نفسه، وقال الإمام الألوسي في " تفسيره " بعد أَنْ عرض لرأي الرازي بنصه هو وما زعمه من أن الرازي طعن في الحديث والحق أَنَّ الرازي نقل كلام القاضي عبد الجبار في الطعن في الحديث ورده كما سمعت، ولكن المؤلف كثيرا ما يخطف الأمور بسرعة فمن ثم يقع في الغلط وكثيرًا ما يتعمد بتر النصوص لحاجة في نفسه، وقال الإمام الألوسي في " تفسيره " بعد أَنْ عرض لرأي الزمخشري: «ولا يخفى أَنَّ الأخبار في هذا الباب كثيرة وأكثرها مُدَوَّنٌ في الصحاح والأمر لا امتناع فيه، وقد أخبر به الصادق ﵇، فليتلق بالقبول، ثم شرع يُفَنِّدُ ما ذهب إليه الزمخشري ومن قبله القاضي عبد الجبار.
تَكْذِيبُهُ لأَحَادِيثِ شَقِّ صَدْرِ النَّبِي ﷺ -:
في [ص ١٤٦] شَكَّكَ في أحاديث شق الصدر، واستعمل في ذلك أسلوبًا ساخرًا تَهَكُّمِيًا، وقارن بين عملية شق الصدر لِلْنَّبِيِّ ﷺ وعملية الصلب للمسيح عند المسيحيين - وشتان ما بينهما - بل نَصَّبَ من نفسه مدافعا عن عقيدة الصلب ... الخ ما شاء له هواه أَنْ يقول، وهو في هذا لا يخلو من أحد أمرين:
[١] إما أَنْ يكون منافقًا كشف لنا عن حقيقة إيمانه ودخيلة نفسه وخبث طويته.
[٢] وإما أَنْ يكون مُدَاهنًا مُتَمَلِّقًا يتملق جمهور المسيحيِّين ولا سيما سادته المُبَشِّرُونَ وَالمُسْتَشْرِقُونَ وكلا الأمرين ضلال وشر.
أَحَادِيثُ شَقِّ الصَّدْرِ صَحِيحَةٌ ثَابِتَةٌ:
وقصة شق الصدر ثابتة بالأحاديث الصحيحة، وقد وقع ذلك مرة في صغره وهو عند مرضعته السيدة حليمة السعدية، وَمَرَّةً أخرى عند الإسراء والمعراج وهي ثابتة في " الصحيحين "، بل قيل بحصول الشق في غير هاتين المرتين وتكرره إنما كان لتجديد استعداده ﷺ لما يلقى إليه من الوحي الفينة بعد الفينة، قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " (١): «وَقَدْ اِسْتَنْكَرَ بَعْضهمْ وُقُوع شَقّ الصَّدْر لَيْلَة الإِسْرَاء وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ وَهُوَ صَغِير فِي بَنِي سَعْد، وَلاَ إِنْكَار فِي ذَلِكَ، فَقَدْ تَوَارَدَتْ الرِّوَايَات بِهِ. وَثَبَتَ شَقّ الصَّدْر اَيْضًا عِنْد الْبَعْثَة كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي " الدَّلائِل " وَلِكُلٍّ
стр. 90
مِنْهَا حِكْمَةٌ، فَالأَوَّل وَقَعَ فِيهِ مِنْ الزِّيَادَة كَمَا عِنْد " مُسْلِمٍ " مِنْ حَدِيث أَنَس " فَأَخْرَجَ عَلْقَمَة فَقَالَ: هَذَا حَظّ الشَّيْطَان مِنْك " وَكَانَ هَذَا فِي زَمَن الطُّفُولِيَّة فَنَشَأَ عَلَى أَكْمَل الأَحْوَال مِنْ الْعِصْمَة مِنْ الشَّيْطَان، ثُمَّ وَقَعَ شَقّ الصَّدْر عِنْد الْبَعْث زِيَادَة فِي إِكْرَامه لِيَتَلَقَّى مَا يُوحَى إِلَيْهِ بِقَلْبٍ قَوِيّ فِي أَكْمَل الأَحْوَال مِنْ التَّطْهِير، ثُمَّ وَقَعَ شَقّ الصَّدْر عِنْد إِرَادَة الْعُرُوج إِلَى السَّمَاء لِيَتَأَهَّب لِلْمُنَاجَاةِ».
ولا أدري ما وجه المقارنة بين الشق والصلب؟ فالشق أمر حق وممكن وثابت بالأسانيد الصحيحة، والصلب أمر باطل وفيه مخالفة للعقل والنقل، وقد نفاه " القرآن " الصادق نفيًا بَاتًّا، قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١). ولئن جاز استبعاد شق الصدر في العصور السابقة لا يجوز أَنْ يستبعد في عصورنا هذه التي تقدم فيها الطب تقدما عجيبا، حتى أصبحت العمليات تجري في القلب وفي المخ وغيرهما من الأعضاء التي هي بسبب وثيق من حياة الإنسان.
وهذا مِمَّا يقرب إلى النفوس التي دأبت على الجحود هذه المعجزة النبوية التي جرت بغير جراحة وبغير مبضع.
وبعد كل هذا التهجم والطعن بغير حق أحالنا في الاستزادة من معرفة الإسرائيليات والمسيحيات إلى كتب التفسير والحديث والتاريخ، وإلى كتب المُسْتَشْرِقِينَ أمثال جولدتسيهر وفُونْ كْرِيمِرْ وغيرهما، وبهذا استعان - المؤلف وكشف لنا عن حقيقة نفسه، وفي الحق أنه ما أوقعه في كل هذا الزلل وتلك العثرات المتلاحقة إِلاَّ متابعته لأساتذته من المُسْتَشْرِقِينَ والمُبَشِّرِينَ الذين اتخذهم له أئمة.
وغاب عليه ما يضمره هؤلاء اليهود المعاصرين السَبَئِيُّونَ من حقد وضغينة على الإسلام والمسلمين، ولم يجدوا ثغرة ينفذون منها إلى أغراضهم السيئة إِلاَّ النيل من السُنَّة ومحاولة التشكيك فيها وإطفاء هذا القبس الإلهي، ويأبى الله إِلاَّ أن يتم نوره، ولو كره الكافرون.
أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -:
وقد عرض «أَبُو رَيَّةَ» في كتابه لترجمة الصحابي الجليل أبي هريرة - رَضِيَ
стр. 91
اللهُ عَنْهُ - فيما يربو على خمسين صفحة، ولم يدع منقصة ولا مذمة إِلاَّ ألصقها به، وعلى أَنَّ الفصل معقود لأبي هريرة، فقد نال من غيره من الصحابة كما نال منه، وَجَرَّحَهُمْ كما جَرَّحَهُ، وَتَهَكَّمَ بجمهور أهل العلم الذين قالوا إِنَّ الصحابة كلهم عدول، وقولهم ما لا يقولون
لذلك كان لِزَامًا عَلَيَّ أَنْ أكتب بين يدي الرُدُودَ كلمة عن الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ - لأضع الحق في نصابه في هذا الموضوع.
مَنْزِلَةُ الصَّحَابَةِ فِي الإِسْلاَمِ:
الصحابي في عُرْفِ العلماء وأئمة الحديث هو من لقي النَّبِي ﷺ مؤمنا به ومات على ذلك، فمن ارتد ومات على ردته بطلت صحبته، ومن تاب وعاد إلى الإسلام عادت إليه الصحبة على الأصح، وكذلك من أظهر الإسلام وأبطن الكفر من أهل النفاق بمعزل عن شرف الصُحْبَةِ، وقد تَكَفَّلَ الله ورسوله بالكشف عن نفاق هؤلاء، والجمهور من العلماء على أَنَّ الصُحْبَةَ لا يشترط فيها طول الوقت، ولا الجهاد والإنفاق في سبيل الإسلام، وبعض العلماء اشترط في الصحبة طول الملازمة والمعاشرة، وَأَنْ يكون غزا مع النَّبِي غزوة أو غزوتين، ومع أَنَّ الجمهور من العلماء على عدم اشتراط طول الصحبة أو الغزو أو الإنفاق إِلاَّ أنهم يرون أَنَّ من طالت صحبته بِالنَّبِيِّ أو سمع منه أو غزا معه أو بذل نفسه وماله في سبيل نصرته أحق بالفضل وأولى بالتقديم مِمَّنْ ليس كذلك، قال الحافظ ابن حجر في " شرح نخبة الفكر ": «لاَ خَفاءَ برُجْحانِ رُتبةِ مَن لازَمَه ﷺ ، وقاتَلَ معَهُ، أََوْ قُتِلَ تَحْتَ رَايتِهِ، عَلَى مَنْ لَمْ يُلازمْهُ، أََوْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُ مَشْهَدًا، وَعَلَى مَنْ كلَّمَهُ يَسيرًا، أََوْ مَاشَاهُ قَليلاً، أَو رآهُ على بُعْدٍ، أََوْ فِي حَالِِ الطُّفولةِ، وَإِِنْ كَانَ شرفُ الصُّحْبةِ حَاصِلاً للجَميعِ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ مِنْهُمْ سَمَاعٌ منهُ؛ فَحَدِيثُهُ مُرْسَلٌ مِنْ حَيْثُُ الرِّوايةُ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مَعْدُودُونَ فِي الصَّحَابَةِ، لِمَا نَالُوهُ مِن شرفِ [الرُّؤيةِ]» (١).
ويشير إلى هذا المعنى قول الله تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ
стр. 92
اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١).
عَدَالَةُ الصَّحَابَةِ:
والصحابة كلهم عدول عند جمهور العلماء من المُحَدِّثِينَ والفقهاء والأصوليين، ومعنى عدالتهم: أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله ﷺ لما اتصفوا به من قوة الإيمان والتزام التقوى والمروءة وَسُمُوِّ الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصي أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم، ولم يخالف في عدالتهم إِلاَّ شذاذ من المبتدعة وأهل الأهواء، لا يعتد بأقوالهم وآرائهم لعدم استنادها إلى برهان ولا يتسع المقام الآن لذكر آرائهم ومناقشتها، وبحسبنا هذا الإجمال والإيجاز في هذا المقام.
وعدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله سبحانه لهم وإخباره عن طهارتهم وأنهم خير الأمم وأوسطها وأزكاها وأتقاها، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٢) الآية، والوسط هم الخيار العدول، إذ الوسط من كل شيء خياره وأعدله، وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٣) وليس من شك في أَنَّ الخطاب في الآيتين يدخل فيه الصحابة دخولاً أوليًا، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٤) وقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٥) الآية، وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٦)، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تزكيهم وتشيد بفضلهم ومآثرهم وصدق إيمانهم وإخلاصهم وسمو أخلاقهم، وأي تزكية بعد تزكية الله الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض
стр. 93
ولا في السماء؟ ومن أصدق من الله قِيلاً؟ وأيضا فقد نَوَّهَ بعدالتهم نبينا محمد - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - ودعا إلى معرفة حقوقهم وإكرامهم، وعدم إيذائهم والتهجم عليهم لما لهم من الأفضال، ففي " الصحيحين " مرفوعًا: «لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ». وقد تواتر عن النَّبِي ﷺ في " الصحيحين " وغيرهما من كتب السُنَّة المعتمدة أنه قال: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»، الحديث. وروى الترمذي وابن حبان في " صحيحه " أن النَّبِي ﷺ قال: «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لاَ تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ».
وروى البزار في " مسنده " بسند رجاله موثقون أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ أَصْحَابِي عَلَى الثَّقَلَيْنِ سِوَى النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ». والواقع التاريخي يؤيد هذا الحديث كل التأييد، وإنما يعلم ذلك حق العلم من اطلع على تاريخ الصحابة وسيرهم، وما كانوا عليه من العلم والعمل والتقوى وطهارة الأخلاق والترفع عن الأهواء والشهوات، وقد كان كبار الصحابة ولا سيما الخلفاء الراشدون يعرفون هذا الفضل لكل صحابي، وَإِنْ لم يكن له من الصحبة إِلاَّ الرؤية ... وقد روي أنه جيء للفاروق عمر ﵁ برجل بدوي هجا الأنصار فقال لهم: «لولا أن له صحبة من رسول الله ﷺ ما أدري ما نال فيها لكفيتكموه ولكن له صحبة منه» فها هو ذا عمر على صرامته في الحق قد توقف عن معاتبته، فضلاً عن معاقبته لكونه علم أنه حظى بشرف الصُحْبَةِ.
على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مِمَّا ذكرنا لأوجبت الحال التي كانوا عليها - من الهجرة وترك الأهل والمال والولد والجهاد ونصرة الإسلام وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأبناء في سبيل الله - القطع بتعديلهم واعتقاد نزاهتهم وأمانتهم، وأنهم كانوا أفضل من كل من جاء بعدهم. وقد عرف أئمة الإسلام كل هذا للصحابة، روى الحافظ أحمد البيهقي أَنَّ الإمام الشافعي - وهو من هو دينًا وعقلاً وعلمًا وألمعية - ذكر الصحابة في رسالته القديمة وأثنى عليهم بما هم أهله ثم قال: «وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر (استدرك) به علم
стр. 94
واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا» (١) وقال الإمام أبو زرعة الرازي: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ , وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ حَقٌّ , وَالْقُرْآنَ حَقٌّ , وَمَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ، وَإِنَّمَا أَدَّى ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَيْنَا الصَحَابَةُ، وَهَؤُلاَءِ - يُرِيدُ الزَّنَادِقَةَ وَأَشْبَاهَهُمْ - يُرِيدُونَ أَنْ يُجَرِّحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ , وَالْجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى، وَهُمْ زَنَادِقَةٌ» وما أحكمها من كلمة ألقى بها الله سبحانه على لسان أبي زرعة ﵀، ولا يدخلن الشك إلى نفسك ما رُوِيَ من مراجعة الخليفتين أبي بكر وعمر لبعض الصحابة في بعض مروياتهم وطلبهم شاهدًا ثانيًا، ومراجعة بعض الصحابة لبعض في القليل النادر، فذلك ليس لتهمة ولا تجريح، وإنما هو أمر لزيادة اليقين والتثبت، وقد وضع الخليفتان الراشدان بهذا التحوط البالغ والتثبت المحمود المنهج السليم في التثبت في الرواية، وليس أَدَلَّ على هذا من قول عمر ﵁ لأبي موسى الأشعري وقد طلب منه أَنْ يأتي بمن يشهد معه أنه سمع ما رواه له عن رسول الله. قال الفاروق: «أَمَا إِنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ وَلَكِنَّهُ الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ». فهل بعد هذا القول الصريح يتهم الصحابة متهجم ويتظنن ظان؟!.
الصَّحَابِيُّ المَظْلُومُ:
لم أجد أَحَدًا من الصحابة فيما أعلم تعرض لسهام النقد الظالم بمثل ما تعرض له الصحابي الجليل أبو هريرة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - وهذه الحملة الجائرة تضرب في القدم إلى آماد بعيدة، فقد نقل لنا العلامة ابن قُتيبة في كتابه " تأويل مختلف الحديث " (٢) الكثير مِمَّا رمى به أبو هريرة في القديم من النظام وأمثاله من أهل البدع والأهواء، ولم نر أحدًا يعتد به من أئمة العلم في الإسلام تعرض لأبي هريرة بما يغض من شأنه أو يحط من قدره، ثم جاء بَعْضُ المُسْتَشْرِقِينَ فوقعوا على أقوال هؤلاء المتحاملين فأخذوا وزادوا وأعادوا فيها، ثم طلعوا علينا بآراء مبتسرة وأحكام جائرة، ولعل من نافلة القول أَنْ أنبه إلى الأغراض السيئة التي يقصدها المُسْتَشْرِقُونَ من وراء حملاتهم، التي هي امتداد للحملات الصليبية، والتي يقصدون منها تقويض
стр. 95
دعائم الإسلام والعروبة، وإضعاف الروح الدينية في المسلمين، كي يتم لدولهم ما تريد من الاستعمار والاستئثار بخيرات البلاد واستذلال رقاب العباد، وَهُمْ - يشهد الله - يريدون من الطعن في الصحابة حِينًا وفى السُنَّة حِينًا آخر تشكيك المسلمين في الأصل الثاني من أصول التشريع في الإسلام وهي السُنَّة وتقليل الثقة بها، وإذا تشكَّك المسلمون في السُنَّة وقلَّلوا الثقة بها استعجم عليهم فهم القرآن ومعرفة حقيقة المراد منه، إذ السُنَّة شارحة للقرآن وَمُبَيِّنَةٌ لَهُ، وإذا استعجم على المسلمين القرآن فَقُلْ على الإسلام والعروبة العفاء، وقد نجح المُسْتَشْرِقُونَ إلى حد ما في التأثير في بعض الكُتَّابِ المسلمين في عصرنا الأخير فاقتفوا آثارهم فيما زعموا وَرَدَّدُوا من دعاوى لم تقم عليها بيِّنات، بل وزادوا عليها من عند أنفسهم، وكل هؤلاء وأولئك نفثوا سمومهم باسم البحث والمعرفة وَحُرِِيَّةَ النقد، والله يعلم والراسخون في العلم يعلمون أَنَّ ما زعموا أبعد ما يكون عن العلم الصحيح، والبحث القويم والنقد النزيه، وقد جاء مؤلف كتاب " أضواء على السُنَّة " فردَّد ما قالوه، بل زاد الطين بلَّة فعقد في كتابه فصلاً طويلاً تحت عنوان «أبو هريرة» حشاه بكل جارحة من القول، وتهجم فيه على أبي هريرة وغيره من الصحابة ورماهم بالكذب والاختلاق، وقد رَدَّدَ في هذا مقالة «النظام» التي نقلها عنه ابن قتيبة في كتابه وتبعه حذو القذة بالقذة، ولا تكاد تطلع على صفحة من هذا الفصل إِلاَّ وتجد فيها من الأخطاء العلمية ما نربأ بأي باحث عنها، ولذا يظهر لي أَنَّ المؤلف دخل إلى هذا البحث وهو متشبع بفكرة خاصة مِمَّا نأى به عن البحث الصحيح، وقواعد البحث العلمي النزيه تقتضي من الباحث إذا ما شرع في بحث أَنْ يجمع مادته ونصوصه، ثم يُجَرِّدُ نفسه من كل هوى أو رأي، ثم يبحث ويمحص ويدقق ويوازن بين النصوص كي يأتي حكمه أقرب إلى الحق والصواب، أما أَنْ يدع ما يشاء على حسب هواه، فهذا ما لا تقره قواعد البحث الصحيح والنقد النزيه.
عَدَمُ رِعَايَةِ أََبِي رَيَّةَ لِلأَمَانَةِ العِلْمِيَّةِ:
والمؤلف في سبيل الوصول إلى ما يريد يقتضب بعض النقول ويقتصر على بعضها، على طريقة ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ﴾ (١) ويدع ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٢) ويترك بعض الروايات القوية التي لا تطاوعه إلى ما قصد، ويستشهد بالروايات الضعيفة ما دامت تُسْعِفُهُ.
стр. 96
وإليك بعض المثل أجتزئ بها عن كثير مِمَّا وقع فيه كي لا يظن ظان أني أتجنى أو أتنكب طريق الإنصاف:
ففي ص [١٦٨] قال في معرض الاستدلال على اتِّهامه أبا هريرة بالكذب ما نصه: «ولما سمع الزبير أحاديثه قال: «صدق، كذب» وإيراد النص بهذا الوضع يوهم اتِّهام الزبير لأبي هريرة بالكذب، وإليك النص بتمامه كي تؤمن معي بما أقول، قال صاحب " البداية والنهاية " (١): «وَرَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قال: قَالَ لِي أَبِي [الزُّبَيْرُ]: " أدنني من هذا اليماني - يعني أبا هريرة - فإنه يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ " قَالَ: فَأَدْنَيْتُهُ مِنْهُ، فَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، وَجَعَلَ الزُّبَيْرُ يَقُولُ: صَدَقَ، كَذَبَ " ... قُلْتُ: " يَا أَبَتِ مَا قَوْلُكَ صَدَقَ، كَذَبَ؟ " قَالَ: أَمَّا أَنْ يَكُونَ سَمِعَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلاَ أَشُكُّ، وَلَكِنْ مِنْهَا مَا وَضَعَهُ عَلَى مَوَاضِعِهِ، وَمِنْهَا مَا وَضَعَهُ عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهِ "». فهل ترى في هذا النص بتمامه ما يشهد لما ذهب إليه؟
ومن أمثلة أخذه ببعض الروايات لأنه يشهد له، وترك البعض الآخر وَإِنْ كان أقوى لأنه لا يشهد له، ما ذكره في [ص ١٩٢] من أَنَّ عمر ﵁ استعمل أبا هريرة عاملاً على البحرين، ثم بلغه أشياء تخل بأمانته فعزله وَوَلَّى مكانه غيره، وَأَنَّ عمر أهانه وكلمه بكلام شديد.
وكنا نحب من المؤلف أَنْ يُبَيِّنَ لنا مرجعه لنرى إذا كان من المراجع الموثوق بها أم لا، وإليك القصة كما جاءت في " الإصابة " (٢) وهي أوثق كتاب في تاريخ الصحابة، قال الحافظ في " الإصابة ": «وقال عبد الرازق أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين: أَنَّ عمر استعمل أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف فقال له عمر: " اسْتَأْثَرْتَ بِهَذِهِ الأَمْوَالِ فَمِنْ أَيْنَ لَكَ؟ " قال: " خَيْلٌ نُتِجَتْ، وَأَعْطِيَةٌ تَتَابَعَتْ، وَخَرَاجُ رَقِيقٍ لِي "، فَنَظَرَ فَوَجَدَهَا كَمَا قَالَ، ثُمَّ دَعَاهُ لِيَسْتَعْمِلَهُ فَأَبَى، فقال: " لَقَدْ طََلَبَ العَمَلَ مَنْ كَانَ خَيْراً مِنْكَ "، قال: " إِنَّهُ يُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابْنُ نَبِيِّ اللهِ، وَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ بْنُ أُمَيْمَةَ، وَأَخْشَى ثَلاَثاً: أَنْ أَقُوْلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوْ أَقْضِيَ بِغَيْرِ حُكْمٍ، أَوْ يُضْرَبَ ظَهْرِي، وَيُشْتَمَ عِرْضِي، وَيُنْزَعَ مَالِي "»
стр. 97
وقد روى هذه القصة اَيْضًا الحافظ ابن كثير في " بدايته " (١) ثم قال عقبها: وذكر غيره أَنَّ عمر غَرَّمَهُ في العمالة الأولى اثنى عشر ألفًا، فلهذا امتنع في الثانية.
فها أنت ذا ترى أَنَّ رواية عبد الرازق ليس فيها اتهام لأبي هريرة بل فيها تبرئة لساحته، ثم هي قد اتفق عليها إمامان لهما في النقد باع طويل، ولعل في أسلوب ابن كثير وإشاراته إلى الرواية الأخرى ما يشعر بعدم ارتضائه، لها وأيضا فعبد الرازق إمام جليل وأحرى بروايته أَنْ ترجح، ثم هل ترى لو أَنَّ عمر ﵁ وجده مُتَّهَمًا - كما زعم المؤلف - أكان يعرض عليه الإمارة مَرَّةً ثانية وسيرة الفاروق وتشدده مع الولاة معروفة؟ وهكذا يَتَبَيَّن لنا أَنَّ رواية عبد الرازق هي التي يجب أَنْ يُعَوَّلَ عليها، ولعلك بعد ما سمعت آمنت معي أَنَّ المؤلف يدع ما يشاء ويأخذ ما يشاء بالهوى والتشهي لا بالحُجَّة والبرهان، وأنه ما عدل عن رواية عبد الرازق إلى الأخرى إِلاَّ لحاجة في نفسه!
ومن ذلك اَيْضًا ما ذكره في ص [١٦٣] «من أَنَّ عمر ﵁ قال لأبي هريرة: " أكثرت يا أبا هريرة من الرواية وأحرى بك أن تكون كاذبا على رسول الله "، وأوعده إِنْ لم يترك الحديث عن رسول الله فإنه ينفيه إلى بلاده، وأنه قال له: " لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ دَوْسٍ " ... » ولم أجد رمي عمر له بالكذب في أي كتاب من الكتب الموثوق بها، اللَّهُمَّ إِلاَّ إذا كان المؤلف وقع عليه في كتاب من كتب الأدب أو نحوها أو أتى به من بنات خياله، وليس في توعده له بإلحاقه بأرض دوس ما يشم منه رائحة الاتهام بالكذب وإنما هو التحوط وزيادة التثبت، والإكثار مظنة الغلط أو السهو، ومذهب الفاروق في التثبت في الرواية معروف.
اِعْتِمَادُهُ فِي الأَحَادِيثِ عَلَى كُتُبِ الأَدَبِ وَالتَّوَارِيخِ وَنَحْوِهَا:
ومن عجيب شأن مؤلف كتاب " أضواء على السنة " أنه على ما زعم من أنه طوف في عشرات من كتب الحديث كيف خفى عليه ما قرره الأئمة المُحَدِّثُونَ من أَنَّ المرويات لا يعتمد في الوثوق بها وقبولها على كتب الأدب والتواريخ؟ إذ فيها زيف كثير وغث غير قليل، وَأَنَّ الحديث لاَ يُؤْخَذُ إِلاَّ من كتب الأئمة الثقات،
стр. 98
الذين يرجع إليهم في معرفة الصحيح من الضعيف والمقبول من المردود، ومن قواعدهم التي وضعوها: من روى حديثًا فعليه أَنْ يبرز سنده أو ينسبه إلى من خَرَّجَهُ، وإلا فليس له أَنْ ينسبه إلى رسول الله ﷺ إِلاَّ بصيغة التضعيف كَقِيلَ وَرُوِىَ وَيُذْكَرُ ونحوها، وليس له أَنْ ينسبه إلى رسول الله بصيغة الجزم إِلاَّ إذا تحقق من صحته أو حسنه، وقد اعتمد المؤلف في كثير مِمَّا نقل على كتاب " الشعر والشعراء " وكتاب " ثمار القلوب في المضاف والمنسوب " و " مقامات بديع الزمان الهمذاني " و " المثل السائر " و " شرح نهج البلاغة " و " حياة الحيوان " للدميري و " نهاية الأرب " ونحوها، ولست بهذا أقصد [الإزدراء] بهذه الكتب ولا بأصحابها، ولكني أحب أَنْ أقول: إِنَّ كثيرين من العلماء يكونون ثقات في فنونهم، ولكنهم لا يُعْتَمَدُ عليهم في رواية الحديث، ومعرفة صحيحه من سقيمه، لأنهم ليسوا من رجاله وصيارفته، وإذا كان ابن اسحق - وهو إمام أهل المغازي - قد ضعفوه في رواية الحديث، على ما بين التأليف في الحديث والسير في القديم من سبب وثيق، فما بالك بغيره من أهل الأدب واللغة والمباحث العامة!
وإني لأهتبل هذه الفرصة لأُبَيِّنَ للباحثين وَأُنَبِّهَ المسلمين إلى أنَّ كتب الأدب والتواريخ والأخلاق والمواعظ ونحوها مشتملة على الكثير من الإسرائيليات والأحاديث المكذوبة التي هي دخيلة على الإسلام، وقد بَيَّنْتُ هذا في كتابي " الوضع في الحديث ورد شُبَهِ المُسْتَشْرِقِينَ والكتاب المعاصرين ".
مُخَالَفَةُ أَبِي رَيَّةَ لِبَدَائِهِ العُقُولِ:
ومن أجل أَنَّ المؤلف اعتمد على كتب الأدب ونحوها في النقل، ولا سيما في موضوع دقيق يتعلق بتاريخ صحابي جليل، وهو أبو هريرة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وأنه أخذ في البحث وهو متشبع بهوى خاص، فقد وقع في أخطاء نربأ بطالب مبتدئ أَنْ يقع فيها.
فمن ذلك ما ذكره في [ص ١٥٦] من التهكم بأبي هريرة وتسميته بشيخ المضيرة، قال نقلا عن كتاب " ثمار القلوب " للثعالبي: «وكان يعجبه المضيرة جِدًّا فيأكل مع معاوية، فإذا حضرت الصلاة صَلَّى خلف عَلِيٍّ ﵁، فإذا قيل له في ذلك قال: " مُضَيْرَةُ مُعَاوِيَةَ أَدْسَمُ وَأَطْيَبُ، وَالصَّلاَةُ خَلْفَ عَلِيٍّ أَفْضَلُ "
стр. 99
، وكان يقال له شيخ المضيرة» (١).
وكيف يصح هذا في العقول وعَلِيٌّ كان بالعراق ومعاوية كان بالشام وأبو هريرة كان بالحجاز، إذ الثابت أنه بعد أَنْ تولى إمارة البحرين في عهد عمر ﵁ لم يفارق الحجاز، قال الإمام ابن عبد البر: «اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ عَلَى البَحْرَيْنِ، ثُمَّ عَزَلَهُ، ثُمَّ أَرَادَهُ عَلَى العَمَلِ فَأَبَى عَلَيْهِ، وَلَمْ يَزَلْ يَسْكُنُ المَدِينَةَ وَبِهَا كَانَتْ وَفَاتُهُ» (٢).
اللَّهُمَّ إِلاَّ إذا كان المؤلف يرى أَنَّ أبا هريرة أُعْطِيَ بساط سليمان أو كانت تُطْوَى له الأرض طَيًّا!!!.
وفي [ص ١٥٧] ينقل عن أحد المؤلفين في سيرة سيدنا أبي هريرة - بعد أَنْ أضفى عليه من الألقاب الفضفاضة ما أضفى - قوله: يظهر من هذه الحكاية وغيرها أنه مِمَّنْ حضر وقعة صفين وأنه كان يصانع الفئتين ثم قال: وَحَدَّثَ غير واحد أَنَّ أبا هريرة كان في بعض الأيام يصلي في جماعة عَلِيٍّ، ويأكل في جماعة معاوية، فإذا حمي الوطيس لحق بالجبل، فإذا سئل قال: «عَلِيٌّ أَعْلَمُ، وَمُعَاوِيَةُ أَدْسَمُ، وَالجَبَلُ أَسْلَمُ».
وهل يؤخذ العلم من الحكايات ولا سيما في موضوع فيه اتهام وتجريح كهذا؟!! ولمن؟ لصحابي جليل من صحابة رسول الله - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - ثم من قال: إِنَّ أبا هريرة حضر موقعة صفين؟ الأجل أن تصحح أيها المؤلف المتجني وصاحبك الذي زعمت أنه محقق و ..... و ..... حكاية باطلة تركبان هذا المركب الصعب وتتمحلان هذا التمحل الشديد؟ ثم من «غير واحد» الذي حدث؟ ثم هل يصح في العقول أَنَّ أبا هريرة كان ينتقل بين الجماعتين ويصانع الفئتين ولا ينكشف أمره؟؟.
أدركونا يا أصحاب العقول، وصدق القائل:
стр. 100
هَذَا كَلامٌ لَهُ خبيءٌ * ... * ... * مَعْنَاهُ لَيْسَ لَنَا عُقُولُ
إِنَّ هذه الحكايات وأمثالها - وما أكثرها في كتب الأدب - مِمَّا لا تصح نقلاً ولا توافق عقلاً إنما ذكرت في كتب يقصد من ورائها قتل الوقت وشغل الفراغ والتفكه والتندر، وكان الأليق بها الإهمال في معرض البحث العلمي، أما أنها توضع في كتاب في تاريخ السُنَّة، ويعتمد عليها في تجريح رجل من كبار أهل العلم، فضلاً عن كونه صحابيًا جليلاً زَكَّاهُ الرسول والرعيل الأول من خيار المسلمين، فهذا ما لم نعهده في أسلوب البحث في القديم ولا في الحديث.
وَمِمَّا لا يقضي منه العجب أَنَّ صاحب هذه السقطة الشنيعة يكتب على غلاف كتابه ما نصه: " دراسة مُحَرَّرَةٌ تناولت حياة الحديث المحمدي وتاريخه وكل ما يتصل به من أمور الدين والدنيا "، وهذه الدراسة الجامعة التي قامت على قواعد التحقيق العلمي، هي الأولى في موضوعها، لم ينسج أحد من قبل على منوالها .. » ولقد صدق، فهي مُحَرَّرَةٌ من قواعد البحث العلمي الصحيح ومن صحيح النقل وسليم العقل، وهي الأولى في موضوعها خَلْطًا وسباباً وتجنياً، وكيف ينسج أحد من قبل على منوالها، وقد تَعَرَّتْ من التحقيق والصدق والعدل؟!.
وهكذا يَتَبَيَّن لنا جَلِيًّا أَنَّ المؤلف - وقد سمعت طَرَفًا من بحثه ودراسته - قد التوى بالبحث وتنكب به طريق التحقيق والعدل والإنصاف.
إِسْفَافُ أَبِي رَيَّةَ فِي نَقْدِ الصَّحَابِيِّ أَبِي هُرَيْرَةَ:
وما لا ترتاح إليه النفوس الكريمة وتأبى أَنْ تنغمس فيه الأقلام العفيفة ما نضحت به نفس المؤلف وجرى به قلمه، مِنْ تَهَكُّمٍ بأبي هريرة وسباب وهجر من القول، مِمَّا لا نرضاه ولا يرضاه رجل ذو دين وَخُلُقٍ لرجل من رعاع الناس وسفلتهم، فضلاً عن صحابي كريم من أصل عربي كريم، وكنا نحب من رجل يكتب في السُنَّة أَنْ يَتَأَدَّبَ بأدب صاحبها وأدب أئمتها ورجالها، كالبخاري وغيره.
وإليك بَعْضًا من هذا، ومعذرة إذا كان القلم جرى بحكاية هذا السباب والسفاه.
أَمْثِلَةٌ مِنْ هَذَا الإِسْفَافِ فِي النَّقْدِ:
فمن ذلك ما ذكره في [ص ١٥٢]: «وكان بينهم - أي الصحابة - لا في
стр. 101
العير ولا في النفير».
وفي [ص ١٦٦] قال: «ولما قالت له عائشة: " إنك لتحدث حديثًا ما سمعته من رسول الله ﷺ " أجابها بجواب لا أدب فيه ولا وقار، إذ قال لها - كما رواه ابن سعد والبخاري (كذا) وابن كثير وغيرهم - شَغَلَكِ عَنْهُ ﷺ المِرْآةُ وَالمُكْحُلَةُ».
وليس في العبارة ما يستأهل أَنْ يصب المؤلف أَبُو رَيَّةَ على الصحابي أبي هريرة ذنوبًا من سفاهة، في أي منطق يا معشر العقلاء إِنَّ من يدافع عن نفسه يكون لا أدب عنده ولا وقار؟!!.
ومِمَّا ينبغي أَنْ يعلم أَنَّ الرواية التي ذكرها ابن كثير في " بدايته ": أنها قالت لأَبِي هُرَيْرَةَ: «أَكْثَرْتَ الحَدِيثَ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ». قَالَ: «إِنِّي وَاللهِ، مَا كَانَتْ تَشْغَلُنِي عَنْهُ المُكْحُلَةُ وَلاَ الخِضَابُ، وَلَكِنْ أَرَى ذَلِكَ شَغَلَكِ عَمَّا اسْتَكُثَرْتِ مِنْ حَدِيثِي». قَالَتْ: «لَعَلَّهُ». وهذه الرواية تزيل ما يتوهم من الأولى وتدل على أنها اقتنعت بما قال.
وفي [ص ١٨٥] قال: «ومن كان هذا شأنه لا يكون - وَلاَ جَرَمَ - إِلاَّ مهينا لا شأن له ولا خطر» ولكن أتدري أيها القارئ بم استحق سيدنا أبو هريرة أَنْ يكون مهينا ... في نظر المؤلف؟ لأنه لم يصاحب النَّبِي إِلاَّ على ملء بطنه، وأنه اتخذ الصُفَّةَ مَلاَذًا لفقره، أكل منها كما يأكل سائر أهلها أو يأكل عند النَّبِي أو عند أحد أصحابه ... وهل هذا عيب يُجَرَّحُ به أبو هريرة؟!!.
ولقد مدح الحق ﵎ في الكتاب الكريم أَهْلَ الصُفَّةَ، ومنهم - وَلاَ جَرَمَ - أبو هريرة، وَإِنْ شئت فاقرأ معي قول الله سبحانه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (١). ثم يجيء أَبُو رَيَّةَ فيجعل المفاخر مثالب، والفضائل رذائل، فهل يا ترى ندع كلام الله الحق ونأخذ بتجنيات أَبِي رَيَّةَ؟!!.
وفي [ص ١٨٧] قال: ولقد استخفه أشره وزهوه ونم عليه أصله ونحيزته،
стр. 102
فخرج عن حدود الأدب والوقار مع هذه السيدة الكريمة «بُسرة بنت غزوان» التي تزوَّجها، ثم أتدري لِمَ كل هذا السباب وتلك الشتائم؟ لأنه كان يقول بعد الزواج منها: «إني كنت أجيراً لبسرة بنت غزوان بطعام بطني فكنت إذا ركبوا سقت بهم، وإذا نزلوا خدمتهم، والآن تزوجتها فأنا الآن أركب فإذا نزلتُ خدمتني ... ».
ويذكر رواية أخرى عن ابن سعد في معنى هذه، ثم تأبى عليه نفسه إِلاَّ أَنْ يلغ في عرض أبي هريرة ﵁ فتضع نفسه بسباب آخر فيقول بالهامش ما نصه: «انظر إلى هذا الكلام الذي تعرى عن كل مروءة وكرم، واتسم بكل دناءة ولؤم، فتجده يباهي بامتهان زوجه والتشفي منها، وهل يفعل مثل ذلك رجل كريم خرج من أصل عريق».
فهل رأيت في باب النقد والبحث مثيلاً لهذا؟ وفي أي شرع أو عُرْفٍ أو قانون يكون السباب نقدًا والشتائم بحثًا، ولو أَنَّ المؤلف كان باحثًا حقًا وناقدًًا نزيها لما نظر إلى هذه المرويات بعين السخط والكراهية، ولعلم أنه لم يقل ذلك إِلاَّ تحدثًا بنعمة الله وشكرًا لآلائه عليه، ففي " البداية والنهاية " قال أبو هريرة: «نَشَأَتُ يَتِيمًا، وَهَاجَرَتُ مِسْكِينًا، وَكُنْتُ أَجِيرًا لابْنةِ غَزْوَانَ بِطَعَامِ بَطْنِي، وَعُقْبَةِ رِجْلِي، أَحْدُو بِهِمْ إِذَا رَكِبُوا، وَأَحْتَطِبُ إِذَا نَزَلُوا، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الدِّينَ قَوَامًا وَجَعَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ إِمَامًا» (١).
وفي " الحِلْيَةِ " لأبي نُعيم بسند صحيح عن مضارب بن جزء: «كُنْتُ أَسِيرُ مِنَ اللَّيْلِ فَإِذَا رَجُلٌ يُكَبِّرُ، فَلَحِقْتُهُ فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: أُكْثِرُ شُكْرَ اللهِ عَلَيَّ، كُنْتُ أَجِيرًا لِبُسْرَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ لِنَفَقَةِ رَحْلِي وَطَعَامِ بَطْنِي، فَإِذَا رَكِبُوا سُقْتُ بِهِمْ، وَإِذَا نَزَلُوا خَدَمْتُهُمْ، فَزَوَّجَنِيهَا اللهُ فَأَنَا أَرْكَبُ وَإِذَا نَزَلْتُ خَدَمْتُ» (٢). فأي تشف وامتهان في هذا، ثم أليس الأليق مثل أبي هريرة أن يحمل كلامه على محامل حسنة وأغراض شريفة، وأن لا نظن به الظنون السيئة؟ وإذا كان من أدب الإسلام تحسين الظن بأي أخ مسلم واحترامه، فما بالك بصحابي من صحابة رسول الله؟ بل كيف غاب عنه قول الحق ﵎: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (٣)
وقول الرسول الكريم: «إِيَّاكُمْ
стр. 103
وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ»، وقوله: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ»
وكلمة الفاروق عمر ﵁: «لاَ تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ فِي أَخِيكَ المُؤْمِنِ شَرًّا، وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الخَيْرِ مَحْمَلاً» وكلام أبي هريرة لا يخرج عن كونه نَوْعًا من الدعابة والمباسطة التي تكون بين الرجل وزوجه، ولو أن السيدة بسرة بنت غزوان استشعرت منه التَشَفِّي أو القصد إلى إذلالها وإهانتها لما قبلت منه ذلك ولدافعت عن كرامتها، ولا سيما ونحن نعلم ما كانت عليه النساء العربيات المسلمات من اعتزاز بالكرامة والمواجهة بما تراه حَقًّا، حتى ولو كان المواجه به أمير المؤمنين، فَضْلاً عَنء الزَّوْجِ.
طَعْنُهُ فِي كَثْرَةِ أَحَادِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ:
في [ص ١٦٢] و [١٦٣] أخذ المؤلف على الصحابي الجليل أبي هريرة أنه كان أكثر الصحابة حَدِيثًا عن رسول الله، على حين أنه لم يصاحب النَّبِيَّ إِلاَّ نحو ثلاث سنين، وقد ذكر أبو محمد بن حزم أن " مسند بقي بن مخلد " قد احتوى من حديث أبي هريرة على (٥٣٧٤) ... الخ ما قال.
خَصَائِصُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَسْبَابُ إِكْثَارِهِ:
-----------------------------------
وأحب أنْ أقول للمؤلف وأمثاله:
[أ] ما وجه الغرابة في كثرة رواية سيدنا أبي هريرة، مع حداثة صحبته بالنسبة لغيره، مع أن الثلاث السنين ليست بالزمن القصير في عمر الصحبة؟ وليس ذلك ببدع في العقل ولا العادة، فكم من شخص قد يجمع في الزمن القليل ما لا يجمعه غيره في أضعافه، والذكاء والإقبال على العلم والتفرغ من الشواغل الدنيوية، كل ذلك يساعد على الإكثار من الجمع والتحصيل، وإنا لنجد في عصورنا المتأخرة بعض التلاميذ والمريدين الذين لازموا أساتذتهم وشيوخهم مدة وجيزة، يقيدون عنهم الكتب والمجلدات ويحفظون عن ظهر قلب من كلامهم ما يربو على ما حفظه أبو هريرة عن رسول الله، وذلك على فرق ما بين عصرنا وعصرهم، وما بينهم وبين أبي هريرة من جهة التفرغ والاستعداد وتكاليف الحياة.
وأحب أن لا يعزب عن بالنا أن هذه الخمسة الآلاف والثلثمائة والأربعة والسبعون حديثًا الكثير منها لا يبلغ السطرين أو الثلاثة، ولو جمعت كلها لما زادت
стр. 104
عن جزء، فأي غرابة في هذا؟.
[ب] إن أبا هريرة ﵁ كان رجلا لا أرب له في الدنيا وكان رَاضِيًا بالشيء اليسير، ولم يكن من الأهل والولد - آنذاك - ولا من التجارة والزراعة ما يشغله - فكان هَمُّهُ ملازمة رسول الله على ما يقيم صلبه وسأدع أبا هريرة يُفْصِحُ لنا عن السِرِّ في كثرة ما حفظ وروى.
روى " البخاري " و " مسلم " وغيرهما - واللفظ للبخاري - عن أبي هريرة: «إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَوْلاَ آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ (١) إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ (٢). إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنْ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشِبَعِ بَطْنِهِ، وَيَحْضُرُ مَا لاَ يَحْضُرُونَ وَيَحْفَظُ مَا لاَ يَحْفَظُونَ».
ولقد كان من دواعي إكثاره اَيْضًا تفرغه للعلم والرواية والفتيا بعد الرسول، حتى لقد رغب عن الإمارة لما طلبه إليها عمر ﵁ بعد أن عزله كما قدمنا هذا إلى ما امتاز به من ذاكرة وَقَّادَةٍ وحافظة قوية بِسَبَبِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ، ذَلِكَ أَنَّهُ شَكَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ نِسْيَانَهُ فَقَالَ لَهُ: «ابْسُطْ رِدَاءَكَ» قَالَ: فَبَسَطْتُهُ، فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «ضُمَّهُ» فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدُ (٣)، وقد عد العلماء هذا من معجزاته ﷺ ، فقد كان أبو هريرة أحفظ الصحابة للحديث في عهده، روى النَّسَائِيُّ بسند جيد في العلم من كتاب " السنن "، والحاكم في " المستدرك ": أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: «كُنْتُ أَنَا وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَآخَرٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ادْعُوا فَدَعَوْتُ أَنَا وَصَاحِبِي، وَأَمَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ دَعَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مَا سَأَلَكَ صَاحِبَايَ، وَأَسْأَلُكَ عِلْمًا لاَ يُنْسَى، فَأَمَّنَ النَّبِي ﷺ فَقُلْنَا: وَنَحْنُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: سَبَقَكُمَا بِهَا الغُلاَمُ الدَّوْسِيُّ» وخرج البخاري في " التاريخ " من حديث محمد بن عمارة بن حزم: «أَنَّهُ قَعَدَ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ مَشْيَخَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالحَدِيثِ فَلاَ يَعْرِفُهُ
стр. 105
بَعْضُهُمْ فَيُرَاجِعُونَ فِيهِ حَتَّى يَعْرِفُوهُ ... فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا، فَعَرَفْتُ يَوْمَئِذٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَحْفَظَ الصَّحَابَةِ».
وَمِمَّا يدل على حفظه اَيْضًا ما ذكره الحافظ ابن حجر في " الإصابة "، قَالَ أَبُو الزُّعَيْزِعَةِ كَاتِبُ مَرْوَانَ: «أَرْسَلَ مَرْوَانُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ، وَكَانَ أَجْلَسَنِي خَلْفَ السَّرِيرِ أَكْتُبُ مَا يُحَدِّثُ بِهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي رَأْسِ الحَوْلِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ، فَمَا غَيَّرَ حَرْفًا عَنْ حَرْفٍ»، وقد عرف هذه الخصيصة لأبي هريرة الصحابة ومن جاء بعدهم من الأئمة، فهذا ابن عمر يقول: «إِنْ كُنْتَ لأَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللهِ وَأَعْرَفَنَا بِحَدِيثِهِ» وهذا هو إمام الأئمة الشافعي يقول: «أَبُو هُرَيْرَة أَحْفَظ مَنْ رَوَى الْحَدِيث فِي عَصْره» فكيف بعد هذا يجوز أن نتخذ من كثرة روايته وحفظه للحديث - حتى نشر منه ما لم ينشر غيره - بَابًا للطعن عليه في صدقه وأمانته؟ فالإكثار من الرواية مرجعه إلى طول الملازمة وعدم الشواغل الدنيوية، وقلة تكاليف الحياة والتفرغ للعلم والتعليم والفتيا، وعدم الاشتغال بشؤون الحُكْمِ والسياسة وتأخر الوفاة، وليس مرجعه إلى الفضل والمنزلة في الدين كما حاول المؤلف في صدر كلامه عن أبي هريرة أن يربط بينهما، ألا ترى إلى الخلفاء الثلاثة - على منزلتهم في الدين، ومكانتهم في الفضل ولصوقهم برسول الله لم يكن لهم من التفرغ للعلم، والتخلي عن شؤون الدولة المترامية الأطراف، مَا يُهَيِّئُ لهم الإكثار من الرواية، فمن ثَمَّ قَلَّتْ روايتهم، أما الخليفة الرابع فإنه لما تأخرت وفاته وتهيأ له من التفرغ للعلم والفتيا ما لم يتهيأ لهم فقد كثرت مروياته (١)، فمحاولة الربط بين المنزلة في الدين وكثرة الرواية ليس من التحقيق العلمي في شيء، وقد أدرك السابقون ذلك، روى الأعمش عن أبي صالح قال: «كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ أَحْفَظِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَمْ يَكُنْ بِأَفْضَلِهِمْ».
تَجَنَِّيهِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَنَّهُ كَانَ مَزَّاحًا مِهْذَارًا:
في [ص ١٦١] قال تحت عنوان «مزاحه وهذره»: أجمع مؤرخو أبي هريرة أنه كان رجلاً مزاحًا مِهْذَارًا يتودد إلى الناس ويسليهم بكثرة الحديث والإغراب في القول ليشتد ميلهم إليه ... الخ ما قال.
стр. 106
أما هذا الإجماع على أنه كان مزاحا مهذارا فهي دعوى كبقية دعاواه التي لم يقم عليها دليل، ولم نجد أَحَدًا من العلماء الأثبات قال شيئا من هذا، فهذا ابن عبد البر في " الاستيعاب " لم يذكر شيئا منه، وهذا الحافظ ابن حجر في " الإصابة " لم يذكر إِلاَّ ما أخرجه ابن أبي الدنيا في " كتاب المزاح "، والزبير بن بكار فيه، من طريق ابن عجلان عن سعيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لَهُ: «إِنِّي أَصْبَحْتُ صَائِمًا فَجِئْتُ أَبِي فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ خُبْزًا وَلَحْمًا، فَأَكَلْتُ حَتَّى شَبِعْتُ وَنَسَيْتُ أَنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " اللهُ أَطْعَمَكَ "، قَالَ: " فَخَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ فُلاَنًا فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ لِقْحَةً تُحْلَبُ فَشَرِبْتُ مِنْ لَبَنِهَا حَتَّى رَوَيْتُ "، قَالَ اللهُ سَقَاكَ "، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَلَمَّا اسْتَيْقَظْتُ دَعَوْتُ بِمَاءٍ فَشَرِبْتُ، فَقَالَ: " يَا ابْنَ أَخِي أَنْتَ لَمْ تَعَوَّدْ الصِّيَامَ "» ولم يصفه بأنه مزاح مهذار، وأما ابن كثير في " البداية والنهاية " فقد ذكر ما نقله المؤلف من قصص عنه، ولم يذكر قط أنه كان مزاحًا مهذارًا.
وَأَنَّى لهؤلاء العلماء الأجلاء أن ينطقوا بهذا الهجر من القول في حق صحابي جليل؟ وأشهد الله أنه ليس للمؤلف سلف في هذا التعبير إِلاَّ ما حكى عن النَظَّامِ وأمثاله، و «جولدتسيهر» المستشرق اليهودي - على ما عرف عنه مِنَ التَجَنِّي على الحديث والمُحَدِّثِينَ - كان أعف من المؤلف في التعبير، وإليك عبارته (١): «وتظهرنا طريقة روايته للأحاديث التي ضمنها أتفه الأسباب بأسلوب مؤثر على ما امتاز به من روح المزاح ... الخ ما قال» فانظر فرق ما بين العبارتين.
ثم ماذا ينقمون من أبي هريرة؟ أينقمون عليه أنه كان رجلاً فيه دعابة وفكاهة ومزاح لا يخل بدين ولا مروءة؟ فهذا مِمَّا ينبغي أن يعاب به شخص، ولم يخل عصر من العصور من علماء أجلاء كانت فيهم دعابة وخفة روح.
مُزَاحُ أَبِي هُرَيْرَةَ مُزَاحٌ عَالٍ مُفِيدٍ وَذِكْرُ أَمْثِلَةٍ مِنْهُ:
ومِمَّا ينبغي أن يعلم أن المزاح نوعان:
١ - نوع ساقط مبني على المجازفة وعدم التقدير لما يقول، وهو الذي يخل بالصدق والأمانة، ولم يكن عند أبي هريرة منه شيء والحمد لله.
стр. 107
٢ - ونوع عال طريف لا إسفاف فيه ولا إيذاء لأحد، وأكثره من المعاريض التي تدعو إلى إعمال الفكر والروية، وتبين مقدار الذكاء والفطنة وهذا مقبول، وهو ما أثر عن النَّبِيِّ ﷺ وبعض صحابته الكرام، وفي الحديث الشريف: «إِنِّي أَمْزَحُ وَلاَ أَقُولُ إِِلاَّ حَقًّا»، وإذا تأملت في القصة التي ذكرها الحافظ في " الإصابة " تجد أنها لا تخرج عن هذا النوع، وما أفتى به أبو هريرة الرجل هو ما جاء في الحديث الصحيح عن النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ»، رواه البخاري.
وهاك مثالا آخر من تظرف أبي هريرة، لنرى أن مزاحه ما كان يخلو عن علم وحكمة، روي أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ فِي سَفَرٍ (١)، فَلَمَّا نَزَلُوا وَضَعُوا السُّفْرَةُ وَبَعَثُوا إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ فَمَا كَادُوا يَفْرُغُونَ حَتّى جَاءَ فَجَعَلَ يَأْكُلُ الطَّعَامَ فَنَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى رَسُولِهِمْ فَقَالَ: مَا تَنْظُرُونَ؟ قَدْ - وَاللَّهِ - أَخْبَرَنِي أَنَّهُ صَائِمٌ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَدَقَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «صَوْمُ رَمَضَانَ، وَصَوْمُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ»، وَقَدْ صُمْتُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ فَأَنَا مُفْطِرٌ فِي تَخْفِيفِ اللَّهِ َصَائِمٌ فِي تَضْعِيفِ اللَّهِ.
فانظر إلى هذا المزاح العالي وقد وصل به إلى غرضين شريفين: أحدهما أن يتركوه يتم ما يريد، الثاني إفادتهم هذا الحُكْم الشرعي وتعليمهم هداية من هدايات رسول رب العالمين، بهذا الإسلوب المشوق البارع، فأي تفاهة في هذا؟ بل أي هذر وباطل في هذا؟
ومثل ثالث: وهو ما نقله المؤلف قال: أخرج أبو نعيم في الحِلْيَةِ عن ثعلبة بن [أبي] مالك القرظي قال: أقبل أبو هريرة في السوق يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة لمروان على المدينة فقال: «أَوْسِعِ الطَّرِيقَ لِلأَمِيرِ يَا ابْنَ [أَبِي] مَالِكٍ، فَقُلْتُ: يَكْفِي هَذَا، فَقَالَ: أَوْسِعِ الطَّرِيقَ لِلأَمِيرِ وَالْحِزْمَةُ عَلَيْهِ!!» فهل يقتضي هذا أن يكون «مَزَّاحًا مِهْذَارًا»؟ وهل قال الرجل إِلاَّ الصدق؟ أليس نائب الأمير أميرًا؟ وألم يكن يحمل حزمة الحطب؟ ثم أليس حمله حزمة الحطب من التواضع الجم؟ وسائر ما ذكره أَبُو رَيَّةَ للتدليل على دعواه الفاجرة مزاعم واتهامات لا أساس لها من الصحة، ولا
стр. 108
سلف له فيما افتجره وافتراه إِلاَّ النَظَّامُ ومن على شاكلته من المُبَشِّرِينَ والمُسْتَشْرِقِينَ، فهو لم يزد عن كونه بُوقًا يُرَدِّدُ كلام الطاعنين من غير أن يحتكم إلى قواعد البحث المستقيم والنقد النزيه.
تَجَنِّيهِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِاخْتِلاَقِ الأَحَادِيثِ:
في [ص ١٦٤] قال: إنه يعني أبا هريرة كان يسوغ كثرة الرواية عن النَّبِي ﷺ ما دام لا يُحِلُّ حَرَامًا وَلاَ يُحَرِّمُ حَلاَلاً، وأنه أيد صنيعه هذا بأحاديث رفعها إلى النَّبِيِّ ﷺ وذكر جملة من الأحاديث، منها ما هو غير موضوع وذلك مثل حديث: «إِذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا، وَلَمْ تُحَرِّمُوا حَلاَلاً، وَأَصَبْتُمُ الْمَعْنَى فَلاَ بَأْسَ» ومنها ما هو موضوع وذلك مثل حديث «إِذَا حَدَّثْتُمْ بِحَدِيثٍ يُوَافِقُ الْحَقَّ فَخُذُوا بِهِ حَدَّثْتُ بِهِ أَوْ لَمْ أُحَدِّثْ».
وللجواب عن ذلك نقول:
[أ] إنَّ حديث «إِذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا» ليس بموضوع كما بَيَّنْتُ ذلك سابقًا وأيضًا فالحديث ليس مَرْوِيًّا عن أبي هريرة، وإنما هو عن عبد الله بن أكيمة الليثي، والمؤلف نفسه نقل عن كتاب " توجيه النظر " أنه من رواية عبد الله هذا وذكر هذا في كتابه [ص ٥٦] ولا أدري لِمَ عَدَلَ المؤلف عما نقله أولاً وهو الصحيح إلى غير الصحيح وهو أنه من رواية أبي هريرة؟ ولا أعلم سَبَبًا لذلك إِلاَّ أنه يكتب ما يكتب وهو غير متثبت، وأن تحامله على أبي هريرة أعماه عن الحق وأوقعه في الباطل، والحق أبلج والباطل لجلج.
أما الأحاديث التي ذكرها بعد هذا الحديث فهي موضوعة ولا ريب كما قلت آنِفًا.
[ب] إن المؤلف يتوهم أن الحديث ما دام روي عن أبي هريرة وهو موضوع أن يكون واضعه أبو هريرة، وَهُوَ وَاهِمٌ فِي وَهْمِهِ فما من حديث موضوع إِلاَّ وواضعه أسنده إلى الصحابي عن رسول الله، فلو أن ما تَوَهَّمَهُ المؤلف كان صحيحًا لكان
стр. 109
كل حديث موضوع روي عن صحابي أو تابعي يكون من وضع هذا الصحابي أو التابعي، وهذا إِنْ دَلَّ على شيء فإنما يدل على ضحولة في البحث وسطحية في العلم وقصر في النظر، وقد استولى هذا الوهم على المؤلف فمن ثم ألصق الكثير من الأحاديث الموضوعة بأبي هريرة وغيره من الصحابة وزعم أنها من اختلاقهم، وفي الحق أن الصحابة بُرَءَاءُ من هذه الأحاديث الموضوعة، وأن الاختلاق والوضع إنما جاء من بعدهم. وقد قَيَّضَ اللهُ لهذه الموضوعات من هذه جهابذة الحديث وصيارفته مَنْ نَبَّهَ إلى زيف هذه الأحاديث وأبان عن عِلَّتِهَا، ولما قيل لسفيان هذه الأحاديث الموضوعة فقال: «تَعِيشُ لَهَا الجَهَابِذَةُ».
ومثل هذا الوهم ما توهمه حينما عرض لكعب الأحبار، فقد جعل كل ما رُوِيَ عنه من وضعه واختلاقه مع أن هذا ليس بلازم، فقد يكون الوضع مِمَّنْ جاء بعده من الوَضَّاعِينَ، ومن ثم وقع المؤلف في أخطاء كثيرة وجانبه الحق والصواب في جل ما كتب.
زَعْمُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ مُدَلِّسٌ:
في [ص ١٦٤] ذكر اَيْضًا أن أبا هريرة كان يدلس ثم شرح معنى التدليس وحكمه ... الخ ما قال.
والجواب:
إن الكثرة الكاثرة من العلماء على خلاف هذا، وأن أبا هريرة بريء من وصمة التدليس بجميع أنواعه، وإنما قال هذا فئة قليلة جِدًّا منهم شُعْبَةُ والذين ذهبوا إلى هذا لم يريدوا التدليس بالمعنى المعروف عند المُحَدِّثِينَ (١)، وهو المذموم، وإنما
стр. 110
أرادوا معنى آخر، وإليك مقالة شُعْبَة، قال يزيد بن هارون سمعت شعبة يقول: «أَبُو هُرَيْرَةَ كَانَ يُدَلِّسُ، أَيْ يَرْوِي مَا سَمِعَهُ مِنْ كَعْبٍ وَمَا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلاَ يُمَيِّزُ هَذَا مِنْ هَذَا».
وروى الأعمش عن إبراهيم يعني النخعي قال: «مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ بِكُلِّ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ».
وكلام شعبة ظاهر في أنه لم يرد التدليس بمعناه المعروف عند المُحَدِّثِينَ، وإنما أراد شيئًا آخر اعتبره هو تدليسًا وليس به، قال ابن كثير في " بدايته ": «وَقَدِ انْتَصَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ لأَبِي هُرَيْرَةَ وَرَدَّ [هَذَا الَّذِي] قَالَهُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ».
وَقَالَ: «[وَقَدْ قَالَ مَا قَالَهُ] إِبْرَاهِيمُ طَائِفَةٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ، وَالجُمْهُورُ عَلَى خِلاَفِهِمْ».
ثم نقل المؤلف قول ابن كثير: وكأن شعبة يشير بهذا إلى حديث «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا، فَلاَ صِيَامَ لَهُ» فإنه لما حُوقِقَ عليه قال: «أَخْبَرَنِيهِ مُخْبِرٌ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ» وإني لأقول: وغاية هذا أنه كان يروي عن بعض الصحابة عن رسول الله ولم يذكرهم وهذا هو ما يسمى في اصطلاح المُحَدِّثِينَ مُرْسَلُ الصَّحَابِي وهو حُجَّةٌ باتفاق الأئمة، لأن الغالب أن الصحابي لا يروي إِلاَّ عن صحابي، والصحابة كلهم عدول.
وقد ساق المؤلف للتدليل على دعواه ما رواه " مسلم " عن بُسْرٍ (*) «اتَّقُوا اللهَ، وَتَحَفَّظُوا [مِنَ] الحَدِيثِ، فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نُجَالِسُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَيُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَيُحَدِّثُنَا عَنْ كَعْبٍ (الأحبار)، ثُمَّ يَقُومُ، فَأَسْمَعُ بَعْضَ مَنْ كَانَ مَعَنَا يَجْعَلُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ عَنْ كَعْبٍ، وَيَجْعَلُ حَدِيْثَ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ »، فَاتَّقُوا اللهَ، وَتَحَفَّظُوا [مِنَ] الحَدِيثِ. وهذه الرواية ترد دعواه، لأنها صريحة في تبرئة ساحة أبي هريرة، وأن ما حدث من الخلط بين الكلامين إنما هو مِمَّنْ سمع منه، وماذا يصنع أبو هريرة في خطأ من يسمع عنه، والله لم يعط لأي بشر ولو كان نبيا أن يتحكم في أسماع الناس وأفهامهم، وما ذنب أبي هريرة في هذا، وقد ذكرني صنيع أَبِي رَيَّةَ وتجنيه على أبي هريرة قول القائل: