← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 37973

دراسات أصولية في القرآن الكريم

محمد إبراهيم الحفناوى

Полный текст (462 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تمهيد بسم الله الرّحمن الرّحيم وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [سورة الأنعام الآية ١٥٣]

стр. 2

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا ومولانا محمد النبى المصطفى الكريم، وعلى آله وصحبه وأشياعه وحزبه نجوم المهتدين، ورجوم المعتدين. وبعد: فقد شرح الله صدرى من فترة طويلة أن أعيش مع القرآن الكريم، أنهل من معينه، وأروى ظمئى من بحر جوده، حيث إنه لا يختلف اثنان فى أن القرآن الكريم هو كتاب هداية وإرشاد، وأن خير ما صرفت من أجله الجهود ووصل بسببه الليل والنهار هو القرآن الكريم وكيف لا؟ ويقول منزله جل شأنه: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٢) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣) وقد أخرج أبو نعيم وغيره عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم قال: قيل لموسى ﵇: يا موسى: إنما مثل كتاب أحمد فى الكتب بمنزلة وعاء فيه لبن كلما مخضته أخرجت زبدته.

стр. 3

كالبدر من حيث التفتّ رأيته ... يهدى إلى عينيك نورا ثاقبا كالشمس فى كبد السماء وضوءها ... يغشى البلاد مشارقا ومغاربا فسبحان من أنزله هاديا ونورا ساطعا، لا يستطيع إنسان مهما بلغ شأنه، وعلا كعبه أن يحيط بوصفه. أندى على الأكباد من قطر النّدى ... وألذّ فى الأجفان من سنة الكرى ويكفى أن الله سماه نورا وروحا، فهو ينير الطريق لمن أراد النجاة، ولا يستطيع مخلوق أن يعيش بدونه، لأنه يؤدى إلى حياة الأبد، فالمرء فى حاجة إلى القرآن أكثر من احتياج العين إلى نورها، والجسد إلى روحه. هذا وكم فيه من مزايا ... وفى زواياه من خبايا ويطمع الحبر فى التقاضى ... فيكشف الخبر عن قضايا ويقول الإمام الشافعى ﵀: جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة، وجميع السنة شرح للقرآن، وجميع القرآن شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العليا. زاد غيره: وجميع الأسماء الحسنى شرح لاسمه الأعظم. لما كان الأمر كذلك كانت الدراسة حول القرآن الكريم أفضل من دراسة أىّ علم غيره، خاصة وهو المصدر الأول للتشريع، وما عداه مأخوذ منه، ومتفرع عنه، فمكثت زهاء سنة كاملة أنقب فى كتب التراث وغيرها من الكتب المخصصة فى الدراسات القرآنية، حتى جاءت الدراسة فى هذا البحث المتواضع، مشتمله على مقدمة وستة أبواب.

стр. 4

المقدمة: فى تعريف القرآن الكريم. الباب الأول: فى ثبوت القرآن وما يتصل به وفيه فصول الفصل الأول: فى ثبوت القرآن وتواتره الفصل الثانى: فى ترتيب الآيات والسور الفصل الثالث: فى اشتمال القرآن على ألفاظ غير عربية الفصل الرابع: فى ترجمة القرآن الفصل الخامس: فى حجيته الفصل السادس: فى الغاية من البحث فى القرآن الفصل السابع: فى خواص القرآن. الباب الثانى: فى الأحكام التى تضمنها القرآن وما يتعلق بها وفيه فصول الفصل الأول: فى الأحكام الواردة فى القرآن الكريم الفصل الثانى: فى تعليل القرآن الأحكام الفصل الثالث: فى أسلوب القرآن فى بيان الأحكام الفصل الرابع: فى طرق استخراج الأحكام من القرآن. الباب الثالث: فى مباحث الألفاظ. وفيه فصول الفصل الأول: فى أقسام اللفظ باعتبار المعنى الذى وضع له وفيه مباحث

стр. 5

المبحث الأول: فى العام المبحث الثانى: فى الجمع المنكر المبحث الثالث: فى الخاص المبحث الرابع: فى الأمر والنهى المبحث الخامس: فى المطلق والمقيد المبحث السادس: فى المشترك الفصل الثانى: فى اللفظ باعتبار المعنى الذى استعمل فيه وفيه مبحثان المبحث الأول: فى الحقيقة والمجاز المبحث الثانى: فى الصريح والكناية الفصل الثالث: فى اللفظ باعتبار ظهور معناه وخفائه وفيه مبحثان المبحث الأول: واضح الدلالة وفيه مطالب المطلب الأول: فى المحكم المطلب الثانى: فى المفسر المطلب الثالث: فى النص المطلب الرابع: فى الظاهر المبحث الثانى: غير واضح الدلالة وفيه مطالب المطلب الأول: فى الخفى المطلب الثانى: فى المشكل المطلب الثالث: فى المجمل المطلب الرابع: فى المتشابه

стр. 6

الفصل الرابع: فى كيفية دلالة اللفظ على المعنى وفيه مبحثان المبحث الأول: فى طرق الدلالة عند الحنفية المبحث الثانى: فى طرق الدلالة عند الشافعية الباب الرابع: فى النسخ وفيه فصول الفصل الأول: فى مدلول النسخ وموقف العلماء منه وفيه مباحث المبحث الأول: فى تعريف النسخ المبحث الثانى: فى شروطه المبحث الثالث: فى موقف العلماء منه الفصل الثانى: فى أنواع النسخ وفيه مباحث المبحث الأول: فى نسخ القرآن بالقرآن وفيه مطالب المطلب الأول: فى نسخ التلاوة والحكم معا المطلب الثانى: فى نسخ التلاوة فقط دون الحكم المطلب الثالث: فى نسخ الحكم فقط دون التلاوة المبحث الثانى: فى نسخ القرآن بالسنة المبحث الثالث: فى نسخ السنة بالقرآن المبحث الرابع: فى نسخ السنة بالسنة. الفصل الثالث: فى طرق معرفة النسخ. الباب الخامس: فى الصلة بين القرآن والسنة وفيه فصلان

стр. 7

الفصل الأول: فى المقدار الذى بينه النبى ﷺ من القرآن الفصل الثانى: فى أنواع بيان القرآن بالسنة الباب السادس: فى القرآن المكى والمدنى وفيه فصول الفصل الأول: فى تعريف القرآن المكى والمدنى وفائدة العلم بذلك. الفصل الثانى: فى الطرق الموصلة إلى معرفة المكى والمدنى الفصل الثالث: فى خصائص كل من المكى والمدنى الفصل الرابع: فى السور المكية والمدنية الفصل الخامس: فى تنزيلات القرآن الفصل السادس: فى تنجيم القرآن والحكمة منه الفصل السابع: فى أول ما نزل وآخر ما نزل. هذا وقد نهجت فى كتابة هذه الدراسة نهجا يقوم على النحو التالى: ١ - الاتسام بالموضوعية المطلقة من أجل الوصول إلى الحق. ٢ - الرجوع فى كل نص إلى مصادره- وذلك من باب الأمانة العلمية- مع التنبيه على ذلك فى ذيل كل صحيفة من صحائف هذا الكتاب. هذا كل ما أستطيع أن أذكره وأنا أقدّم لهذا العمل، وأسأل الله أن يشيبنى عليه ويجعله فى كفة حسناتى وكل من له علىّ فضل يوم القيامة.

стр. 8

يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١). وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الدكتور محمد إبراهيم الحفناوى استاد ورئيس قسم أصول الفقه بكلية الشريعة والقانون بطنطا

стр. 9

مقدمة فى تعريف القرآن الكريم تعريف القرآن: القرآن فى اللغة مصدر مرادف للقراءة ومنه قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ* فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١). ثم نقل من هذا المعنى المصدرى وجعل اسما للكلام المعجز الذى أنزله الله تعالى على نبيه محمد ﷺ ، وذلك من باب إطلاق المصدر على مفعوله. قال الرازى: (٢) قرأ الكتاب قراءة وقرآنا- بالضم- وقرأ الشيء قرآنا- بالضم أيضا- جمعه وضمه ومنه سمى القرآن لأنه يجمع السور ويضمها. وقال ابن منظور: (٣) وسمى قرآنا لأنه يجمع السور فيضمها. على العموم هناك خمسة أقوال فى لفظ القرآن هى: القول الأول: لفظ القرآن المعرّف بأل ليس مهموزا ولا مشتقّا بل وضع علما على الكلام المنزل على النبى ﷺ ، وهذا القول مروىّ عن الإمام الشافعى رضى الله عنه.

стр. 10

وقد جاء فى تاريخ بغداد (١) فى ترجمة الإمام الشافعى رضى الله عنه ما يلى: « .... وقرأت القرآن على إسماعيل بن قسطنطين، وكان يقول: القرآن اسم وليس مهموزا، ولم يؤخذ من «قرأت» ولو أخذ من «قرأت» لكان كل ما قرئ قرآنا- ولكنه اسم للقرآن مثل التوراة والإنجيل يهمز قرأت ولا يهمز القران». القول الثانى: لفظ القرآن مشتق من قرنت الشيء بالشىء إذا ضممته إليه، ثم جعل علما على اللفظ المنزل على رسول الله ﷺ ، وسمى بذلك لقران السورة والآيات والحروف فيه بعضها ببعض، وهذا. القول منقول عن الإمام الأشعرى رحمه الله تعالى. قال الشيخ بدر الدين الزركشى ﵀ (٢): « ... وذهب آخرون إلى أنه مشتق من قرنت الشيء بالشىء إذا ضممته إليه فسمى بذلك لقران السور والآيات والحروف فيه، ومنه قيل للجميع بين الحج والعمرة قران ... » القول الثالث: لفظ القرآن مشتق من القرائن، لأن الآيات فيه يصدق بعضها بعضا، وجعل علما على اللفظ المنزل على النبى ﷺ . وهذا هو رأى الفراء. قال بعض المفسرين (٣): القران بغير همز مأخوذ من القرائن، لأن

стр. 11

الآيات منه يصدق بعضها بعضا، ويشابه بعضها بعضا، فهى حينئذ قرائن. وعلى هذا فلفظ القرآن على هذين القولين غير مهموز كالذى قبلهما، ونونه أصلية. القول الرابع: لفظ القرآن وصف على وزن فعلان مهموز مشتق من القرء بمعنى الجمع، ومنه قرأت الماء فى الحوض إذا جمعته، وسمى الكلام المنزل على النبى ﷺ قرآنا، لأنه جمع السور أو جمع ثمرات الكتب السابقة. وهذا القول للزجاج (١) وقد قال تعليقا على القول السابق: «وهذا القول سهو، والصحيح أن ترك الهمز فيه من باب التخفيف، ونقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها». القول الخامس: وهو للحيانى وجماعة حيث ذهبوا إلى القول بأنه مصدر مهموز بوزن الغفران، سمى به المقروء من تسمية المفعول بالمصدر. القرآن فى الاصطلاح: يلاحظ أن هناك اختلافا فى تعريف القرآن بين المتكلمين وعلماء الأصول والفقه والعربية، وذلك بعد اتفاق الجميع على أن القرآن كلام الله تعالى، وأن البشر عاجزون عجزا كليّا عن الإتيان بمثله قال تعالى:

стр. 12

قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (١) وسبب هذا الاختلاف أن القرآن، وهو كلام الله تعالى، قد يطلق ويراد به الكلام النفسى، وقد يطلق ويراد به الكلام اللفظى، ولما كان المتكلمون يتحدثون عن صفات الله تعالى النفسية من ناحية، ويقررون حقيقة أن القرآن كلام الله غير مخلوق من ناحية أخرى، وجدناهم يطلقونه إطلاق الكلام النفسى. أما علماء الأصول والفقه والعربية، فيطلقونه إطلاق الكلام اللفظى، وإنما عنى الأصوليون والفقهاء بإطلاق القرآن على الكلام اللفظى، لأنّ غرضهم الاستدلال على الأحكام، وهو لا يكون إلا بالألفاظ. وكذلك بالنسبة لعلماء العربية، لما كان يعنيهم أمره الإعجاز كانت وجهتهم الألفاظ، والمتكلمون حين يطلقون القرآن على الكلام النفسى يلاحظون أمرين هما: الأمر الأول: أن القرآن علم أى كلام ممتاز عن كل ما عداه من الكلام الإلهى. الأمر الثانى: أنه كلام الله، وكلام الله قديم، فيجب تنزهه عن الحوادث. ولما كان كلام البشر النفسى يطلق بإطلاقين: أحدهما: على المعنى المصدرى. وثانيهما: على المعنى الحاصل بالمصدر (٢).

стр. 13

فكذلك- ولله المثل الأعلى- كلام الله النفسى يطلق بإطلاقين (١): أحدهما: على نظير المعنى المصدرى للبشر.

стр. 14

وثانيهما: على نظير المعنى الحاصل بالمصدر للبشر. لما كان الأمر كذلك عرف المتكلمون القرآن بالمعنى الأول فقالوا: «هو الصفة القديمة المتعلقة بالكلمات الحكمية من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس». وهذه الكلمات أزلية مجردة عن الحروف اللفظية والذهنية والروحية، وهى مترتبة غير متعاقبة كالصورة تنطبع فى المرآة مترتبة غير متعاقبة. وإنما نص المتكلمون فى التعريف على أنها حكمية، لأنها ليست ألفاظا حقيقية مصورة بصورة الحروف والأصوات. وقالوا: إنها أزلية ليثبتوا لها معنى القديم. وقالوا: إنها مجردة عن الحروف اللفظية والذهنية والروحية، لينفوا. عنها أنها مخلوقة، وأثبتوا لها الترتيب حيث إن القرآن حقيقة مترتبة بل ممتاز بكمال ترتبها وانسجامها، وكذلك قالوا: إنها غير متعاقبة لأن التعاقب يستلزم الزمان، والزمان حادث. كما عرفوا القرآن بالمعنى الثانى فقالوا: إنه الكلمات الحكمية الأزلية المترتبة فى غير تعاقب، المجردة عن الحروف اللفظية والذهنية والروحية (١). وجدير بالذكر التنبيه على أن المتكلمين إطلاقا ثالثا للقرآن يشاركون به الأصوليين ونحوهم، فهم يعنون كذلك بتقرير وجوب الإيمان بكتب الله المنزلة، ومنها القرآن، وبإثبات نبوة رسول الله ﷺ بمعجزة القرآن، وبديهى أن ذلك كله مناطه الألفاظ.

стр. 15

القرآن عن الأصوليين والفقهاء وعلماء العربية: عرف العلماء القرآن بأنه: الكلام المنزل على الرسول ﷺ للإعجاز بسورة منه، المكتوب فى المصاحف، المنقول إلينا نقلا متواترا (١) .... وقبل ان أتناول التعريف بالشرح والتحليل يقتضى المقام منى أن أسجل هنا أن كلّا من الكتاب (٢) والقرآن يطلق عند الأصوليين على المجموع، وعلى كل جزء منه، لأنهم إنما يبحثون عنه من حيث إنه دليل على الحكم وذلك آية آية لا مجموع القرآن، فاحتاجوا إلى تحصيل صفات مشتركة بين الكل والجزء مختصة بهما ككونه معجزا، منزّلا على الرسول ﷺ مكتوبا فى المصاحف، منقولا بالتواتر كالتعريف المتقدم. فاعتبر بعض العلماء فى تعريفه جميع الصفات من باب زيادة الإيضاح والبيان، وبعضهم اعتبر الإنزال والإعجاز فقط، لأن الكتابة والنقل، ليسا من اللوازم لتحقق القرآن بدونهما فى زمنه ﷺ . يقول الشيخ تقى الدين السبكى ﵀ فى تعريف القرآن (٣): هو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه.

стр. 16

ويقول الشيخ ابن الحاجب ﵀ فى تعريفه (١): هو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه. ويقول الشيخ ابن عبد الشكور ﵀ فى تعريفه أيضا (٢): هو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه. كما اعتبر بعضهم الكتابة والإنزال والنقل، لأن المقصود تعريف القرآن لمن لم يشاهد الوحى، ولم يدرك زمن النبوة وهم إنما يعرفونه بالنقل والكتابة فى المصاحف، ولا ينفك عنهما فى زمانهم. فهما بالنسبة إليهم من أبين اللوازم البينة وأوضحها دلالة على المقصود، بخلاف الإعجاز فإنه ليس من اللوازم البينة ولا الشاملة لكل جزء، إذ المعجز هو السورة أو مقدارها (٣) أخذا من قوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (٤). يقول السرخسى ﵀ فى تعريفه (٥): هو المنزل على رسول الله ﷺ ، المكتوب فى دفات المصاحف، المنقول إلينا على الأحرف السبعة المشهورة نقلا متواترا. ويقول الشوكانى ﵀ فى تعريفه أيضا (٦): هو الكلام المنزل على الرسول ﷺ ، المكتوب فى المصاحف، المنقول إلينا نقلا متواترا.

стр. 17

شرح التعريف: قولهم: (الكلام) هو القول، وقيل: الكلام ما كان مكتفيا بنفسه وهو الجملة، والقول ما لم يكن مكتفيا بنفسه وهو الجزء من الجملة. قال سيبويه (١): ومن أدل الدليل على الفرق بين الكلام والقول إجماع الناس على أن يقولوا: القرآن كلام الله، وألا يقولوا القرآن قول الله. وهو جنس (٢) فى التعريف، يشمل الكلام النفسى واللفظى، كما يشمل كلام الله تعالى وكلام البشر. وقولهم (المنزل) قيد (٣) أول فى التعريف يخرج به الكلام النفسى وكلام البشر حيث إن كلّا منهما لا يوصف بأنه منزل. والمنزل على الرسول ﷺ صفة كاشفة للقرآن أى المنزل على رسولنا، فاللام هنا بدل عن الإضافة، أو هى للعهد لكونه ﵊ معروفا بينهم كما يقال: جاء الأمير وإن لم يكن

стр. 18

معهودا فى الخارج (١)، وبه خرج سائر الكتب السماوية فإنها لم تنزل على رسولنا ﷺ . وقولهم (للإعجاز بسورة منه)، إعجاز القرآن معناه: ارتقاؤه إلى حد خارج عن طوق البشر حيث أعجزهم عن معارضته (٢)، وحد السورة قرآن يشتمل على آى ذوات فاتحة وخاتمة، وأقلها ثلاث آيات (٣)، وعلى هذا فمعنى كون القرآن معجزا بسورة منه أن أى سورة من سوره التى تبلغ مائة وأربع عشرة سورة حتى ولو كانت قصيرة كالكوثر يحصل بها الإعجاز، فلا يستطيع الإنس والجن أن يأتوا بمثلها، وتمكن الفائدة وراء تقييد الإعجاز بسورة منه حتى لا يتوهم متوهم بأن الإعجاز، إنما يكون بكل القرآن فقط لا بسورة من سوره. قال عضد الملة رحمه الله تعالى (٤): « .... وقوله: بسورة منه إن أجرى على ظاهره فلإخراج بعض القرآن فإن التحدى وقع بسورة من كل القرآن أىّ سورة كانت غير

стр. 19

مختصة ببعض، وإن أريد بسورة من جنسه فى البلاغة والعلو فيتناول كل القرآن وكل بعض منه، وهذا أقرب إلى عرض الأصولى وهو تعريف القرآن الذى هو دليل فى الفقه». والإعجاز قيد ثان فى التعريف يخرج به الحديث القدسى والنبوى فإن كلّا منهما لم ينزل للإعجاز (١). وقولهم: (المكتوب فى المصاحف) المصاحف جمع مصحف وهو ما جمع فيه صحائف القرآن، والمكتوب قيد ثالث فى التعريف خرج به ما نسخت تلاوته وبقيت أحكامه مثل: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالا من الله) (٢). قال الشيخ عز الدين بن الملك (٣): فإن قلت: إن أردت من المصحف ما قلت يلزم الدور (٤)، لأن

стр. 20

تصور المصحف موقوف على تصور القرآن والقرآن موقوف على المصحف وإلا لم يخرج ما نسخت تلاوته فلا يطرد التعريف (١). قلنا: تصور المصحف موقوف على تصور القرآن بمفهوم شخصى معروف عند كل أحد حتى عند الصبيان يحفظونه ويتدارسونه، والقرآن بمفهومه العامى موقوف على تصور المصحف فلا يلزم الدور (٢). وربما يقول قائل: المكتوب فى المصاحف حادث عند أهل السنة خلافا للحنابلة والقرآن كلام الله تعالى قديم وليس بحادث (٣)؟

стр. 21

فالجواب: أن كلام الله تعالى اسم مشترك بين الكلام النفسى ومعنى الإضافة كونه صفة لله تعالى، وبين الكلام اللفظى الحادث المؤلف من السور والآيات، ومعنى الإضافة أنه مخلوق لله تعالى ليس من تأليف المخلوقين إلا أن الأحكام لما كانت منوطة (١) بالكلام اللفظى دون النفسى جعل القرآن اسما له، واعتبر فى حده ما يميزه عن المعنى القديم فلهذا عرفه علماء الأصول بالمكتوب فى المصاحف ... إلخ. وقولهم: (المنقول إلينا نقلا متواترا). قيد رابع فى التعريف يخرج به القراءة الشاذة (٢) كقراءة الصحابى الجليل أبىّ بن كعب رضى الله عنه- فعدة من أيام أخر متتابعات- لأنها ثابتة بطريق الآحاد. وجاء فى شرح المنار (٣): فإن قلت: قراءة ابن كعب قد خرجت بقولهم: المكتوب فى المصاحف، لأنها مكتوبة فى مصحفه فقط وليس فى كل المصاحف، ومن ثم فيكون هذا الوصف زائدا لا حاجة إليه؟

стр. 22

فالجواب: أن الألف واللام فى الجمع للجنس إذا لم تكن للعهد الخارجى على ما اختاره بعض (١) الأصوليين، ومن هنا فلا تخرج قراءته بقولهم «فى المصاحف» لأن الجنس ينصرف عند الإطلاق إلى الأدنى لتيقنه ويحتمل الأعلى بدليله، ولم يوجد هنا دليل الكل. ولئن سلمنا أنها خرجت بقولهم: فى المصاحف، فلا نسلم كون المنقول عنه زائدا لأن غرضه التمييز وهو من الصفات المشتركة وكونه للإخراج غير لازم. هذا: وبعد الانتهاء من شرح التعريف أقول ربما يسأل سائل ويقول: ما هى الحكمة وراء تعريف القرآن بالأجناس والفصول؟ والجواب: أن العلماء إنما فعلوا هذا من أجل تقريب معناه وتمييزه عن بعض ما عداه مما قد يشاركه فى الاسم ولو توهما. ذلك أن سائر كتب الله تعالى والأحاديث القدسية وبعض الأحاديث النبوية تشارك القرآن فى كونها وحيا إلهيّا، فربما ظن ظان أنها تشاركه فى اسم القرآن أيضا فأرادوا اختصاص الاسم به ببيان صفاته التى امتاز بها عن تلك الأنواع. قال الشيخ جلال الدين المحلى ﵀ (٢): «وإنما حدّوا القرآن من تشخصه (٣) بما ذكر من أوصافه ليتميز مع ضبط كثرته عما لا يسمى باسمه من الكلام» والقارئ لكلام عضد الملة ﵀ بعد شرحه التعريف ربما يظن أن بينه وبين كلام الجلال المحلى ﵀ تعارضا.

стр. 23

فقد قال العضد ﵀ (١): « .... واعلم أنه إن أريد تصوير مفهوم لفظ القرآن فهو صحيح، وإن أراد التمييز فمشكل، لأن كونه للإعجاز ليس لازما بينا ولا معرفة السورة تتوقف على معرفته فيدور». ومعنى هذا الكلام: أن كون القرآن للإعجاز مما لا يعرف مفهومه ولزومه إلا الأفراد من العلماء، ولا يكون لازما بينا، فضلا عن أن يكون ذاتيّا فلا يصلح لتعريف الحقيقة وتمييزها، بل لمجرد تصوير مفهوم لفظ الكتاب بالنسبة إلى من يعرف الإعجاز والسورة ونحو ذلك. والحق أنه ليس بين كلام الشيخين أى تعارض، لأن قول الجلال ﵀: ليتميز مع ضبط كثرته عما لا يسمى باسمه، إشارة إلى التمييز فى التسمية لا التمييز فى الحقيقة تحرزا عما قاله العضد رحمه الله تعالى. قال الشيخ البنانى ﵀ تعليقا على كلام جلال الدين المحلى ﵀ (٢): اعلم أن أسماء العلوم كالكتب أعلام أجناس وضعت لأنواع أعراض تتعدد بتعدد المحال كالقائم بزيد وبعمرو، وقد تجعل أعلام شخص باعتبار أن المتعدد باعتبار المحلّ يعد عرفا واحدا، وجعل القرآن علما شخصيا بهذا الاعتبار الثانى، وليس هو علما شخصيا حقيقيّا بأن يكون اسما للشخص القائم بلسان جبريل فقط للقطع. بأن ما يقرؤه كل واحد منا هو القرآن المنزل على النبى ﷺ ، وقد ذكروا أن الشخص الحقيقى لا يقبل الحد، لأنه لا تمكن معرفته إلا بالإشارة إليه، وعلى هذا فوصف القرآن بالشخص الذى لا يحدّ وهو الحقيقى لمشاركته له فى أنه لا تمكن معرفته إلا بالإشارة إليه، والقراءة من أوله إلى آخره فمعنى تشخصه حينئذ أن له حكم الشخص الحقيقى. اه

стр. 24

تذييل (١): المتأمل فى القرآن الكريم يجد أن الله ذكر له خمسة وخمسين اسما هى (٢): ١، ٢ - سماه كتابا مبينا فقال جل شأنه: حم* وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٣) فأما تسميته كتابا فلجمعه أنواع العلوم والقصص والأخبار على أبلغ وجه والكتاب فى اللغة: الجمع (٤)، والمبين: لأنه أبان أى أظهر الحق من الباطل. ٣، ٤ - وسماه قرآنا وكريما فقال جل شأنه: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٥) ٥ - وسماه كلاما فقال جل شأنه: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ (٦)، ويلاحظ أن الكلام مشتق من الكلم (٧)، بمعنى التأثير، لأنه يؤثر فى ذهن السامع فائدة لم تكن عنده. ٦ - وسماه تعالى نورا فقال جل شأنه: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (٨) وقد سمى بهذا الاسم لأنه يدرك به غوامض الحلال والحرام (٩).

стр. 25

٧، ٨ - وسماه هدى ورحمة فقال تعالى: وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (١) وأطلق على القرآن هدى لأن فيه الدلالة على الحق، وهو من باب إطلاق المصدر على الفاعل مبالغة. ٩ - وسماه فرقانا فقال جل شأنه: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (٢). ١٠ - وسماه شفاء فقال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وسمى القرآن شفاء لأنه يشفى من الأمراض القلبية، كالكفر والحقد والحسد، والبدنية كذلك. ١١ - وسماه موعظة فقال جل شأنه: قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ (٤). ١٢، ١٣ - وسماه ذكرا ومباركا فقال تعالى: وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ (٥) ١٤ - وسماه عليّا فقال تعالى: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٦) ١٥ - وسماه حكمة فقال تعالى: حِكْمَةٌ بالِغَةٌ (٧). ١٦ - وسماه حكيما فقال تعالى: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٨). ١٧، ١٨ - وسماه مصدقا ومهيمنا فقال تعالى: مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ (٩). ١٩ - وسماه حبلا فقال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا (١٠). والسبب فى تسمية القرآن حبلا أن من تمسك به

стр. 26

وصل إلى الجنة أو الهدى، والحبل: هو السبب (١). ٢٠ - وسماه صراطا مستقيما فقال تعالى: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ (٢). ٢١ - وسماه قيما فقال تعالى: قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ (٣). ٢٢، ٢٣ - وسماه قولا وفصلا فقال تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (٤). ٢٤ - وسماه نبأ عظيما فقال تعالى: عَمَّ يَتَساءَلُونَ* عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٥). ٢٥، ٢٦، ٢٧ - وسماه أحسن الحديث ومتشابها ومثانى فقال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ (٦). وإنما أطلق على القرآن متشابها، فلأنه يشبه بعضه بعضا فى الحسن والصدق كما أطلق عليه مثانى، لأنه مشتمل على بيان قصص الأمم السابقة، فهو ثان لما تقدمه، وقيل: لتكرر القصص والمواعظ فيه. ٢٨ - وسماه تنزيلا فقال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧). ٢٩ - وسماه روحا فقال تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا (٨). ٣٠ - وسماه وحيا فقال تعالى: إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ (٩).

стр. 27

٣١ - وسماه عربيّا فقال تعالى: قُرْآناً عَرَبِيًّا (١). ٣٢ - وسماه بصائر فقال تعالى: هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ (٢). ٣٣ - وسماه بيانا فقال تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ (٣). ٣٤ - وسماه علما فقال تعالى: مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ* (٤). ٣٥ - وسماه حقّا فقال تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ (٥). ٣٦ - وسماه هاديا فقال تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (٦). ٣٧ - وسماه عجبا فقال تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (٧) ٣٨ - وسماه تذكرة فقال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٨). ٣٩ - وسماه العروة الوثقى فقال تعالى: اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى (٩). ٤٠ - وسماه صدقا فقال تعالى: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ (١٠) ٤١ - وسماه عدلا فقال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا (١١).

стр. 28

٤٢ - وسماه أمرا فقال تعالى: ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ (١). ٤٣ - وسماه مناديا فقال تعالى: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ (٢). ٤٤ - وسماه بشرى فقال تعالى: هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٣). ٤٥ - وسماه مجيدا فقال تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٤). ٤٦ - وسماه زبورا فقال تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ (٥). ٤٧، ٤٨ - وسماه بشيرا ونذيرا فقال تعالى: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ* بَشِيراً وَنَذِيراً (٦). ٤٩ - وسماه عزيزا فقال تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٧). ٥٠ - وسماه بلاغا فقال تعالى: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ (٨). ٥١ - وسماه قصصا فقال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ (٩). ٥٢، ٥٣، ٥٤، ٥٥ - وسماه أربعة فى آيتين فقال جل شأنه: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ* مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٠).

стр. 29

هذا وقد حكى المظفرى فى تاريخه قال: لما جمع أبو بكر رضى الله عنه القرآن قال: سموه. فقال بعضهم: سموه إنجيلا فكرهوه. وقال بعضهم: سموه سفرا فكرهوه. فقال ابن مسعود رضى الله عنه: رأيت بالحبشة كتابا يدعونه المصحف فسموه به. فالصديق رضى الله عنه هو أول من جمع القرآن وسماه المصحف (١).

стр. 30

الباب الأول فى ثبوت القرآن وما يتصل به وفيه فصول الفصل الأول: فى ثبوت القرآن وتواتره الفصل الثانى: فى ترتيب الآيات والسور الفصل الثالث: فى اشتمال القرآن على ألفاظ غير عربية الفصل الرابع: فى ترجمة القرآن الفصل الخامس: فى حجيته الفصل السادس: فى الغاية من البحث فى القرآن الفصل السابع: فى خواص القرآن

стр. 31

الفصل الأول فى ثبوت القرآن وتواتره من قرون (١) سحيقة والشمس- فى مرأى العين- هى الشمس لم تتغير على تعاقب الأجيال، ولم تزد ولم تنقص على اختلاف الليل والنهار، ومن قرون سحيقة والقمر- فى مرأى العين- هو القمر لا يزال بين الخلف والسلف، مستدير القرص، هادئ النور، لم يطرأ عليه- مع اطراد الزمان- تبديل ولا نالت منه «عوامل التعرية» التى يقول العلماء إنها تنقص الجبال الرواسى وتبريها (٢) طولا وعرضا، ونحن المسلمين نرى القرآن الكريم حقيقة علمية ثابتة كهذه الحقائق الكونية الدائمة، فهو هو منذ بدأ لم يزد حرفا ولم ينقص. نقله جبريل ﵇ عن الله ، ونقله كذلك سيدنا محمد ﷺ عن جبريل ﵇، ونقله الصحابة عن نبيهم ﷺ ، ثم تتابعت الجماهير الغفيرة تنقله عبر القرون حتى بلغت به إلينا مثلما نزل قبل أربعة عشر قرنا، وسنورّثه نحن غيرنا بهذه الهيئة المكتملة المصونة، وسيظل الحفظة يروونه للأعصار المقبلة إلى أن ينفضّ سرادق الحياة والأحياء، وينقلب الناس جميعا إلى الله (٣). لا:

стр. 32

بل سيظل القرآن الكريم فى العالم الآخر باقيا، يتلوه أهله على النحو الذى نزل به أمين الوحى الأول مرة وفى الحديث: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل فى الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» (١). فالقرآن من حيث ثبوته لا شك أنه مقطوع بقرآنيته. فكل آية من آياته كان الرسول ﷺ يحفظها ويقوم بقراءتها وتمليتها على كتاب الوحى ليكتبوها (٢)، وكان على ذلك الصحابة من بعده فقد نقله بالكتابة والمشافهة فى كل عصر جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم، فلم يختلفوا منه فى شىء يقدح فى بلاغته، أو ينقص من أحكامه ومبادئه على اختلاف أجناسهم، وتباعد ديارهم، ومعلوم أن التواتر من طرق اليقين وبه نؤمن بكثير لم نره من وقائع وبلاد وملوك وقواد وغير ذلك. وقد قال العلماء: إن شروط الاعتداد بالقراءة ثلاثة هى: ١ - استقامة الإعراب والمعنى. ٢ - صحة السند. ٣ - موافقة رسم المصحف. وقد جمعها الشيخ ابن الجزرى ﵀ فى قوله (٣):

стр. 33

فكل ما وافق وجه نحو ... وكان للرسم احتمالا يحوى وصح إسنادا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان وحيثما يختل ركن أثبت ... شذوذه لو أنه فى السبعة فإذا فقد أحد الركنين الأولين لم تعد قراءة، وإذا فقد الركن الثالث كانت قراءة شاذة، وقيل إذا فقد الركن الثالث لم تعد قراءة أيضا. جاء فى الإتقان لجلال الدين السيوطى ﵀ ما يلى (١): ما روى من القرآن على ثلاثة أقسام: ١ - قسم يقرأ به ويكفر جاحده، وهو ما نقله الثقات ووافق العربية والخط. ٢ - وقسم صح نقله عن الآحاد، وصح فى العربية وخالف لفظة الخط، فيقبل ولا يقرأ به لأمرين: (أ) مخالفته لما أجمع عليه. (ب) وأنه لم يؤخذ بإجماع، بل بخبر الآحاد، ولم يثبت به قرآن ولا يكفر جاحده ولبئس ما صنع إذ جحده. ٣ - وقسم نقله ثقة ولا وجه له فى العربية، أو نقله غير ثقة فلا يقبل وإن وافق الخط. قال ابن الجزرى: مثال الأول كثير: ك (مالك وملك) و (يخدعون ويخادعون) ومثال الثانى قراءة ابن عباس رضى الله عنه: (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا) قال: واختلف العلماء فى القراءة بذلك،

стр. 34

والأكثر على المنع لأنها لم تتواتر، وإن ثبتت بالنقل فهى منسوخة بالعرضة (١) الأخيرة أو بإجماع الصحابة على المصحف العثمانى. ومثال ما نقله غير ثقة كثير مما فى كتب الشواذ، مما غالب إسناده ضعيف، وكالقراءة المنسوبة إلى الإمام أبى حنيفة ﵀، التى جمعها أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعى ﵀ ومنها (إنما يخشى الله من عباده العلماء) برفع لفظ الجلالة ونصب العلماء. فهى قراءة شاذة لا شك. وقد كتب الدارقطنى وجماعة بأن هذا الكتاب موضوع لا أصل له. ومثال ما نقله ثقة ولا وجه له فى العربية قليل لا يكاد يوجد، وجعل بعضهم منه رواية خارجة عن نافع: مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٢) بالهمز بدلا من الياء. هذا: وقد يقول قائل لا خلاف فى أن كل ما هو من القرآن يجب أن يكون متواترا فى أصله وأجزائه، لكن هل يشترط التواتر أيضا فى محله ووضعه وترتيبه؟ نعم عند محققى أهل السنة للقطع بأن العادة تقضى بالتواتر فى تفاصيل مثله، لأن هذا المعجز العظيم الذى هو أصل الدين مما تتوافر الدواعى على نقل جمله، وتفاصيله فما نقل آحادا ولم يتواتر يقطع بأنه ليس من القرآن قطعا. وذهب كثير من الأصوليين إلى أن التواتر شرط فى ثبوت ما هو من القرآن بحسب أصله، وليس بشرط فى محله ووضعه وترتيبه، بل بكثير فيها نقل الآحاد. قيل: وهو الذى يقتضيه صنع الشافعى ﵀ فى إثبات البسملة

стр. 35

من كل سورة (١). وردّ هذا المذهب بأن العادة كما ذكرنا تقتضى التواتر فى كل شىء متصل بالقرآن، ولأنه لو لم يشترط التواتر لجاز سقوط كثير. من القرآن المكرر، وثبوت كثير مما ليس بقرآن. أما الأول: فلأنا لو لم نشترط التواتر فى المحل جاز ألا يتواتر كثير من المتكررات الواقعة فى القرآن، مثل قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢) وأما الثانى: فلأنه إذا لم يتواتر بعض القرآن بحسب المحل، جاز إثبات ذلك البعض فى الموضع بنقل الآحاد. على العموم القراءات السبع المنسوبة إلى الأئمة السبعة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى متواترة وعليه الجمهور من المسلمين (٣).

стр. 36

وقيل: هذه القراءات مشهورة (١). ولا يعبأ بهذا القائل ولا يعتد به. ثم المحققون من المسلمين على أن الثلاث المنسوبة إلى الأئمة الثلاثة يعقوب وأبى جعفر وخلف أيضا متواترة وحكمها حكم السبعة (٢). صرح به محيى السنة البغوى ﵀ (٣). بل نقل عنه دعوى الاتفاق. وقيل: التواتر مختص بالسبع لا غير. قال ولد البغوى ﵀ (٤): « .... والسبع متواترة، ثم قلنا فى الشاذ: والصحيح أنه ماوراء العشرة ولم نقل: والعشر متواترة لأن السبع لم يختلف فى تواترها فذكرنا

стр. 37

أولا موضع الإجماع، ثم عطفنا عليه موضع الخلاف ... على أن القول بأن القراءات الثلاث غير متواترة فى غاية السقوط، ولا يصح القول به عمن يعتبر قوله فى الدين، وهى لا تخالف رسم المصحف، وقد سمعت أبى يشدد النكير على بعض القضاة، وقد بلغه أنه منع من القراءة بها واستأذنه بعض أصحابنا مرة فى إقراء السبع فقال: أذنت لك أن تقرئ العشر، وقال فى جواب سؤال سأله ابن الجزرى: القراءات السبع التى اقتصر عليها الشاطبى والثلاثة التى هى قراءة أبى جعفر ويعقوب وخلف متواترة معلومة من الدين بالضرورة، وكل حرف انفرد به واحد من العشرة معلوم من الدين بالضرورة أنه منزل على الرسول ﷺ لا يكابر فى شىء من ذلك إلا جاهل». يقول ابن الجزرى ﵀ (١): ضابط القراءة المتواترة وشرحه: نقول كل قراءة وافقت العربية مطلقا ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو تقديرا وتواتر نقلها. هذه هى القراءة المتواترة المقطوع بها، ومعنى العربية مطلقا: أى: ولو بوجه من الإعراب، نحو قراءة حمزة: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ (٢) بالجر، وقراءة أبى جعفر: لِيَجْزِيَ قَوْماً (٣) ومعنى أحد المصاحف العثمانية: واحدا من المصاحف التى وجهها عثمان رضى الله عنه إلى الأمصار (٤). كقراءة ابن كثير فى التوبة: جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ (٥)

стр. 38

بزيادة «من» فإنها لا توجد إلا فى مصحف مكة. ومعنى ولو تقديرا: ما يحتمله رسم المصحف كقراءة من قرأ: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف فإنها كتبت بغير ألف فى جميع المصاحف فاحتملت الكتابة أن تكون (مالك) وفعل بها كما فعل باسم الفاعل من قوله: (قادر-،- صالح-) ونحو ذلك مما حذف منه للاختصار فهو موافق للرسم تقديرا. ونعنى بالمتواتر: ما رواه جماعة عن جماعة كذا إلى منتهاه. ثم قال ﵀: والّذى جمع فى زماننا هذا الأركان الثلاثة هو قراءة الأئمة العشرة التى أجمع الناس على تلقيها بالقبول وهم: أبو جعفر، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائى، وخلف. أخذها الخلف عن السلف إلى أن وصلت إلى زماننا. فقراءة أحدهم كقراءة الباقين. أه. لكن هل لاختلاف القراءات وتنوعها فوائد؟ والجواب: نعم ومنها ما يلى: ١ - التسهيل والتخفيف على الأمة. ٢ - إظهار فضل الأمة وشرفها على سائر الأمم إذ لم ينزل كتاب غيرهم إلا على وجه واحد. ٣ - المبالغة فى إعجازه بإيجازه. فتنوع القراءات بمنزلة الآيات ولو جعلت دلالة كل لفظ آية على حده لم يخف ما كان فيه من التطويل، ولهذا كان قوله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ (١) منزلا لغسل الرجل والمسح على الخف واللفظ واحد ..

стр. 39

٤ - إظهار سر الله فى كتابه وصيانته له عن التبديل والاختلاف، مع كونه على هذه الأوجه الكثيرة. ٥ - أن بعض القراءات يبين ما لعله يجهل فى القراءة الأخرى فقراءة: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ (١) بالتشديد مبينة لمعنى قراءة التخفيف، وسيأتى بيان ذلك قريبا إن شاء الله. وقد ذكر الشاطبى ﵀ أن السبب فى الاقتصار على السبعة الذين ذكرهم أنهم كانوا أصحاب فضل وعلم وزهد فى الدنيا، فلم يكن قصدهم من تعلم وتعليم القراءات سببا لرزقهم وموردا لكسبهم. فقال ﵀ (٢): جزى الله بالخيرات عنا أئمة ... لنا نقلوا القرآن عذبا وسلسلا (٣) فمنهم بدور سبعة قد توسطت ... سماء العلا والعدل زهرا وكمّلا لها شهب عنها استنارت فنورت ... سواد الدجى حتى تفرق وانجلى (٤) وسوف تراهم واحدا بعد واحد ... مع اثنين من أصحابه متمثلا تخيرهم نقادهم كل بارع ... وليس على قرآنه متأكلا (٥) هذا وبعد ذكر موقف العلماء تجاه تواتر القراءات وبيان الحكمة من وراء تعددها أقول: هل يتغير الحكم تبعا لتغير القراءة؟

стр. 40

والجواب: نعم. فقد تختلف الأحكام نتيجة لاختلاف القراءات ومن أمثلة ذلك ما يلي: (١) قال تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ (١) فلفظ (يطهرن) قرأه بالتشديد حمزة والكسائى وشعبة، وقرأه بالتخفيف ابن عامر وحفص (٢)، ونتيجة لاختلاف القراءتين اختلف الحكم فى نظر الفقهاء، لأنه بالقراءتين يبدو أن هناك فى الظاهر تعارضا، حيث إن القراءة بالتخفيف تقتضى- كما قال الشيخ عبد العزيز البخارى الحنفى (٣) - أن يحل القربان بانقطاع الدم، سواء انقطع على أكثر مدة الحيض أو على ما دونه، لأن الطهر عبارة عن انقطاع دم الحيض، يقال: طهرت المرأة إذا خرجت من حيضها (٤). والقراءة بالتشديد تقتضى أن لا يحل القربان قبل الاغتسال، سواء كان الانقطاع على أكثر مدة الحيض أو على ما دونه، كما ذهب إليه الإمام الشافعى ﵀ (٥) - لأن التطهر هو الاغتسال والقول بهما غير ممكن لأن حتى للغاية (٦) وبين امتداد الشيء إلى غاية وبين اقتصاره دونها تناف، فيقع التعارض ظاهرا لكنه يرتفع باختلاف الحالين، أى بأن تحمل كل واحدة من القراءتين على حال، فتحمل القراءة بالتخفيف على الانقطاع على أكثر مدة الحيض، لأنه انقطاع بيقين وحرمة القربان تثبت باعتبار قيام الحيض، لأنه تعالى أمر باعتزالهن
следующие страницы →