← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 37973

دراسات أصولية في القرآن الكريم

محمد إبراهيم الحفناوى

Полный текст (462 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقيل: هذه القراءات مشهورة (١). ولا يعبأ بهذا القائل ولا يعتد به. ثم المحققون من المسلمين على أن الثلاث المنسوبة إلى الأئمة الثلاثة يعقوب وأبى جعفر وخلف أيضا متواترة وحكمها حكم السبعة (٢). صرح به محيى السنة البغوى ﵀ (٣). بل نقل عنه دعوى الاتفاق. وقيل: التواتر مختص بالسبع لا غير. قال ولد البغوى ﵀ (٤): « .... والسبع متواترة، ثم قلنا فى الشاذ: والصحيح أنه ماوراء العشرة ولم نقل: والعشر متواترة لأن السبع لم يختلف فى تواترها فذكرنا

стр. 37

أولا موضع الإجماع، ثم عطفنا عليه موضع الخلاف ... على أن القول بأن القراءات الثلاث غير متواترة فى غاية السقوط، ولا يصح القول به عمن يعتبر قوله فى الدين، وهى لا تخالف رسم المصحف، وقد سمعت أبى يشدد النكير على بعض القضاة، وقد بلغه أنه منع من القراءة بها واستأذنه بعض أصحابنا مرة فى إقراء السبع فقال: أذنت لك أن تقرئ العشر، وقال فى جواب سؤال سأله ابن الجزرى: القراءات السبع التى اقتصر عليها الشاطبى والثلاثة التى هى قراءة أبى جعفر ويعقوب وخلف متواترة معلومة من الدين بالضرورة، وكل حرف انفرد به واحد من العشرة معلوم من الدين بالضرورة أنه منزل على الرسول ﷺ لا يكابر فى شىء من ذلك إلا جاهل». يقول ابن الجزرى ﵀ (١): ضابط القراءة المتواترة وشرحه: نقول كل قراءة وافقت العربية مطلقا ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو تقديرا وتواتر نقلها. هذه هى القراءة المتواترة المقطوع بها، ومعنى العربية مطلقا: أى: ولو بوجه من الإعراب، نحو قراءة حمزة: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ (٢) بالجر، وقراءة أبى جعفر: لِيَجْزِيَ قَوْماً (٣) ومعنى أحد المصاحف العثمانية: واحدا من المصاحف التى وجهها عثمان رضى الله عنه إلى الأمصار (٤). كقراءة ابن كثير فى التوبة: جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ (٥)

стр. 38

بزيادة «من» فإنها لا توجد إلا فى مصحف مكة. ومعنى ولو تقديرا: ما يحتمله رسم المصحف كقراءة من قرأ: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف فإنها كتبت بغير ألف فى جميع المصاحف فاحتملت الكتابة أن تكون (مالك) وفعل بها كما فعل باسم الفاعل من قوله: (قادر-،- صالح-) ونحو ذلك مما حذف منه للاختصار فهو موافق للرسم تقديرا. ونعنى بالمتواتر: ما رواه جماعة عن جماعة كذا إلى منتهاه. ثم قال ﵀: والّذى جمع فى زماننا هذا الأركان الثلاثة هو قراءة الأئمة العشرة التى أجمع الناس على تلقيها بالقبول وهم: أبو جعفر، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائى، وخلف. أخذها الخلف عن السلف إلى أن وصلت إلى زماننا. فقراءة أحدهم كقراءة الباقين. أه. لكن هل لاختلاف القراءات وتنوعها فوائد؟ والجواب: نعم ومنها ما يلى: ١ - التسهيل والتخفيف على الأمة. ٢ - إظهار فضل الأمة وشرفها على سائر الأمم إذ لم ينزل كتاب غيرهم إلا على وجه واحد. ٣ - المبالغة فى إعجازه بإيجازه. فتنوع القراءات بمنزلة الآيات ولو جعلت دلالة كل لفظ آية على حده لم يخف ما كان فيه من التطويل، ولهذا كان قوله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ (١) منزلا لغسل الرجل والمسح على الخف واللفظ واحد ..

стр. 39

٤ - إظهار سر الله فى كتابه وصيانته له عن التبديل والاختلاف، مع كونه على هذه الأوجه الكثيرة. ٥ - أن بعض القراءات يبين ما لعله يجهل فى القراءة الأخرى فقراءة: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ (١) بالتشديد مبينة لمعنى قراءة التخفيف، وسيأتى بيان ذلك قريبا إن شاء الله. وقد ذكر الشاطبى ﵀ أن السبب فى الاقتصار على السبعة الذين ذكرهم أنهم كانوا أصحاب فضل وعلم وزهد فى الدنيا، فلم يكن قصدهم من تعلم وتعليم القراءات سببا لرزقهم وموردا لكسبهم. فقال ﵀ (٢): جزى الله بالخيرات عنا أئمة ... لنا نقلوا القرآن عذبا وسلسلا (٣) فمنهم بدور سبعة قد توسطت ... سماء العلا والعدل زهرا وكمّلا لها شهب عنها استنارت فنورت ... سواد الدجى حتى تفرق وانجلى (٤) وسوف تراهم واحدا بعد واحد ... مع اثنين من أصحابه متمثلا تخيرهم نقادهم كل بارع ... وليس على قرآنه متأكلا (٥) هذا وبعد ذكر موقف العلماء تجاه تواتر القراءات وبيان الحكمة من وراء تعددها أقول: هل يتغير الحكم تبعا لتغير القراءة؟

стр. 40

والجواب: نعم. فقد تختلف الأحكام نتيجة لاختلاف القراءات ومن أمثلة ذلك ما يلي: (١) قال تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ (١) فلفظ (يطهرن) قرأه بالتشديد حمزة والكسائى وشعبة، وقرأه بالتخفيف ابن عامر وحفص (٢)، ونتيجة لاختلاف القراءتين اختلف الحكم فى نظر الفقهاء، لأنه بالقراءتين يبدو أن هناك فى الظاهر تعارضا، حيث إن القراءة بالتخفيف تقتضى- كما قال الشيخ عبد العزيز البخارى الحنفى (٣) - أن يحل القربان بانقطاع الدم، سواء انقطع على أكثر مدة الحيض أو على ما دونه، لأن الطهر عبارة عن انقطاع دم الحيض، يقال: طهرت المرأة إذا خرجت من حيضها (٤). والقراءة بالتشديد تقتضى أن لا يحل القربان قبل الاغتسال، سواء كان الانقطاع على أكثر مدة الحيض أو على ما دونه، كما ذهب إليه الإمام الشافعى ﵀ (٥) - لأن التطهر هو الاغتسال والقول بهما غير ممكن لأن حتى للغاية (٦) وبين امتداد الشيء إلى غاية وبين اقتصاره دونها تناف، فيقع التعارض ظاهرا لكنه يرتفع باختلاف الحالين، أى بأن تحمل كل واحدة من القراءتين على حال، فتحمل القراءة بالتخفيف على الانقطاع على أكثر مدة الحيض، لأنه انقطاع بيقين وحرمة القربان تثبت باعتبار قيام الحيض، لأنه تعالى أمر باعتزالهن

стр. 41

لمعنى الأذى بقوله ﷻ : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ فبعد الانقطاع على أكثر مدة الحيض لا يجوز تراخى الحرمة إلى الاغتسال، لأنه يؤدى إلى جعل الطهر الذى هو ضد الحيض حيضا، وهو تناقض أو يؤدى إلى منع الزوج عن حقه وهو القربان بدون العلة المنصوص عليها، وهى الأذى وكلاهما فاسد. وتحمل القراءة بالتشديد على الانقطاع على ما دون أكثر مدة الحيض، لأن فى هذه الحالة لا يثبت الانقطاع بيقين، لتوهم أن يعاودها الدم ويكون ذلك حيضا، فلا بدّ من مؤكد لجانب الانقطاع وهو الاغتسال أو ما يقوم مقامه. هذا هو ما ذهب إليه السادة الحنفية لدفع التعارض بين القراءتين. والحق أن الحائض لا تحل لزوجها إلا بعد انقطاع الدم والاغتسال، وقراءة التشديد فى هذا صريحة، وأما القراءة بالتخفيف فإن كان المراد به أيضا الاغتسال كما قال ابن عباس رضى الله عنهما وجماعة لقرينة قوله تعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ فواضح، وإن كان المراد به انقطاع الحيض فقد ذكر بعده شرط آخر وهو قوله تعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ وعليه فلا بد منهما معا (١). قال الشيخ القرطبى ﵀ بعد أن رجح ما رجحه الجمهور من اشتراط الغسل (٢): وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد (٣): إن انقطع دمها بعد مضى

стр. 42

عشرة أيام جاز له أن يطأ قبل الغسل، وإن كان انقطاعه قبل العشرة لم يجز حتى تغتسل أو يدخل عليها وقت صلاة، وهذا تحكم لا وجه له. وقال الإمام النووى ﵀ وهو يذكر ما يحرم على الحائض (١): « .... وأما الاستمتاع بالحائض فضربان: أحدهما: الجماع فى الفرج فيحرم، ويبقى تحريمه إلى أن ينقطع الحيض وتغتسل .... » (٢) قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (٢) فقد قرأ نافع وابن عامر والكسائى وحفص (وأرجلكم) بنصب اللام، وقرأ الباقون بخفضها (٣)، وقد قال العلماء إن القراءة بالنصب دليل على وجوب غسل الرجلين فى الوضوء، وحمل بعضهم قراءة الجو على أنها دليل على المسح على الخفين. قال الشيخ محمد الصنعانى ﵀ (٤): « ... على أنه قد يقال: قد ثبت فى آية المائدة القراءة بالجر، لأرجلكم عطفا على الممسوح وهو الرأس فيحمل على مسح الخفين كما بينته السنة (٥)، ويتم ثبوت المسح بالكتاب والسنة وهو أحسن

стр. 43

الوجوه (١) التى توجه بها قراءة الجر». هذا وقبل أن أنهى الكلام عن ثبوت القرآن وتواتره أقول: إن علماء الأصول تحدثوا بإطناب (٢) عن حجية ما نقل إلينا من القرآن آحادا، وذلك بعد اتفاقهم على حجية المنقول إلينا نقلا متواترا. فبينما ذهب الإمام الشافعى ﵀ إلى القول بنفى حجيته، ذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ إلى إثباتها، وبنى عليه وجوب التتابع فى صوم كفارة اليمين، مستدلا بما نقله ابن مسعود رضى الله عنه فى مصحفه من قوله: (فصيام ثلاث أيام متتابعات). ولو أمعنا النظر فى وجهة نظر الإمامين الجليلين لاخترنا مذهب الإمام الشافعى ﵀، لأن رسول الله ﷺ كان مكلفا بإلقاء ما نزل به جبريل ﵇ عليه من القرآن على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم، ولا شك أن الذين تقوم بهم الحجة القاطعة لا يتصور عليهم التوافق على عدم نقل ما سمعوه من الرسول ﷺ . وعلى هذا فالراوى له إن كان واحدا إن ذكره على أنه قرآن فهو خطأ، لأنه وجب على الرسول ﷺ أن يبلغه طائفة من الأمة تقوم الحجة بقولهم، ولا يجوز مناجاة الواحد به، وإن لم يذكره على أنه قرآن فقد تردد بين أن يكون خبرا عن النبى ﷺ ، وبين أن يكون ذلك مذهبا له وعليه فلا يكون حجة، وهذا بخلاف خبر الواحد الوارد عن النبى ﷺ . فالسادة الشافعية يرون عدم وجوب التتابع فى صوم كفارة اليمين فى قول عندهم، لأن الزيادة الواردة فى مصحف ابن مسعود رضى الله عنه

стр. 44

لم تتواتر، وبالتالى فليست من القرآن، فتحمل على أنه ذكرها فى معرض البيان لما اعتقده مذهبا له. فلعله اعتقد التتابع حملا لهذا المطلق على المقيد بالتتابع فى آية الظهار قال تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ (١) والسادة الحنفية (٢) لا يتفقون مع السادة الشافعية فى وجوب إلقاء النبى ﷺ القرآن على عدد تقوم الحجة القاطعة بقولهم، وذلك لسبب بسيط وهو أن حفاظ القرآن فى زمانه ﷺ لم يبلغوا حدّ التواتر لقلتهم، وإنّ جمع القرآن إنما كان بطريق تلقى آحاد آياته من الآحاد، ومن هنا اختلفت مصاحف الصحابة، وبدهى أن النبى ﷺ لو كان ألقاه على طائفة تقوم الحجة. القاطعة بقولهم لما اختلفت مصاحف الصحابة، ولهذا اختلفوا فى البسملة أنها من القرآن، وأنكر ابن مسعود كون الفاتحة والمعوذتين من القرآن، وقالوا لو سلمنا وجوب ذلك على النبى ﷺ ، وأنه سمعه منه جمع تقوم الحجة بقولهم، لكن إنما يمتنع السكوت عن نقله على الكل لعصمتهم عن الخطأ، ولا يمتنع ذلك بالنسبة إلى بعضهم، وإذا كان ابن مسعود من جملتهم وقد روى ما رواه فلم يقع الاتفاق من الكل على الخطأ بالسكوت، وعند ذلك فيتعين حمل روايته لذلك فى مصحفه على أنه من القرآن، لأن الظاهر من حاله الصدق، ولم يوجد ما يعارضه. كل ما فى الأمر أنه غير مجمع على العمل به، وذلك لعدم تواتره، وإن لم يصرح بكونه قرآنا أمكن أن يكون من القرآن، وأمكن أن يكون خبرا عن النبى ﷺ ، وأمكن أن يكون مذهبا له، وهو حجة بتقدير كونه قرآنا، وبتقدير كونه خبرا عن النبى ﷺ ،

стр. 45

وهما احتمالان، وإنما لا يكون حجة بتقدير كونه مذهبا له، وهو احتمال واحد، ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه. سلمنا أنه ليس بقرآن، وأنه متردد بين الخبر وبين كونه مذهبا له، إلا أن احتمال كونه خبرا راجح لأن روايته له موهم بالاحتجاج به، ولو كان مذهبا له لصرح به نفيا للتلبيس (١) عن السامع المعتقد كونه حجة مع الاختلاف فى مذهب الصحابى (٢) هل هو حجة أولا؟ هذه هى وجهة السادة الحنفية رضوان الله عليهم، والحق أن ما قالوه فيه نظر، وذلك لأن القرآن هو المعجزة الدالة على صدقه ﷺ ، ومن ثم فيجب تبليغه وتمليته على عدد تقوم الحجة بقولهم.

стр. 46

حيث إن عدم بلوغه بخبر التواتر للذين لم يشاهدوه لا يكون حجة قاطعة بالنسبة لهم، وبالتالى لا يكون حجة عليهم فى صدقه ﷺ ، ولا يلزم من عدم بلوغ حفاظ القرآن فى العصر النبوى حد التواتر أن يكون الحفاظ لآحاد آياته كذلك. وأما التوقف فى جمع آيات القرآن على أخبار الآحاد فلم يكن فى كونها قرآنا، بل فى تقديمها وتأخيرها بالنسبة إلى غيرها وفى طولها وقصرها (١). وأما ما اختلفت به المصاحف فما كان من الآحاد فليس من القرآن، وما كان متواترا فهو منه. وأما الاختلاف فى التسمية إنما كان فى وضعها فى أول كل سورة لا فى كونها من القرآن كما سيأتى، وما روى عن ابن مسعود رضى الله عنه من إنكار كون الفاتحة والمعوذتين من القرآن غير صحيح. قال صاحب فواتح الرحموت (٢): «قالوا ما نقل آحادا فليس بقرآن قطعا، واستدل بأن القرآن مما تتوافر الدواعى على نقله لتضمنه التحدى، ولأنه أصل الأحكام، فوجوده ملزوم للتواتر عند الكل عادة، فإذا انتفى اللازم- التواتر- انتفى الملزوم قطعا، وما نقل عن ابن مسعود رضى الله عنه من إنكار الفاتحة والمعوذتين لم يصح». وقال الشيخ النووى ﵀ (٣): أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن، وأن من جحد منه شيئا كفر، وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح. وقال ابن حزم ﵀ (٤): « .... وكل ما روى عن ابن مسعود من أن المعوذتين وأم القرآن لم تكن فى مصحفه فكذب موضوع لا أصل له»

стр. 47

موقف العلماء من التسمية: اعتبار التسمية آية من سورة النمل محل اتفاق بين جميع الأمة، والاختلاف فقط منحصر فى اعتبارها آية من القرآن فى أول كل سورة أو عدم اعتبارها على قولين هما: القول الأول: ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها وهو قول الإمام مالك ﵀. القول الثانى: أنها آية من كل سورة وهو قول عبد الله بن المبارك والإمام الشافعى رحمهما الله. لكن هل هى آية فى أول كل سورة برأسها أو هى مع أول آية من سائر السور آية؟ فى هذا تردد عن الإمام الشافعى ﵀. قال حجة الإسلام (١) الغزالى بعد أن ذكر موقف الشافعى ﵀ من البسملة: « .... وهذا أصح من قول من حمل تردد قول الشافعى على أنها هل هى آية من القرآن فى أول كل سورة. بل الذى يصح أنها حيث كتبت مع القرآن بخط القرآن فهى من القرآن» الأدلة: استدل الإمام مالك ﵀ على عدم اعتبار البسملة آية بما يلى: عمل أهل المدينة. فالإمام ﵀ رأى أهل المدينة لا يقرءون بالبسملة فى صلاتهم فى مسجد المدينة، وجرى العمل على ذلك فى الصلاة من أيامه ﷺ إلى أيام الإمام مالك ﵀ مع قيام الدليل على وجوب قراءة الفاتحة فى الصلاة. فلو كانت آية من الفاتحة لوجبت قراءتها معها فى الصلاة. وقد قوى ذلك عنده عدة

стр. 48

أحاديث يفهم منها أنها ليست آية من الفاتحة ولا من أوائل السور ومن هذه الأحاديث: ما روى عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين (١). وعن أنس رضى الله عنه قال: صليت خلف النبى ﷺ وأبى بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين (٢). ورواه مسلم بلفظ: «لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم فى أول قراءة ولا فى آخرها» (٣). هذا هو ما استدل به الإمام ﵀ على عدم اعتبار البسملة آية من أوائل السور، واحتمل عنده أن تكون كتابتها فى أوائل السور امتثالا للأمر بطلبها والبدء بها فى أوائل الأمور، وهى وإن تواتر كتبها فى أوائل السور فلم يتواتر كونها قرآنا فيها (٤). واستدل الإمامان ابن المبارك والشافعى على قرآنية البسملة بما يلى: أولا: عن أنس رضى الله عنه قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة (٥) ثم رفع رأسه متبسما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت علىّ آنفا (٦) سورة فقرأ: بسم الله الرّحمن الرّحيم إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ* إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٧)

стр. 49

ثانيا: عن أنس رضى الله عنه أنه سئل عن قراءة رسول الله ﷺ فقال: كانت قراءته مدّا ثم قرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ* الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (١) ومعنى: «كانت قراءته مدّا» أنه ﷺ كان يمدّ (الله، والرحمن، والرحيم) ثالثا: أنها أنزلت على رسول الله ﷺ مع أول كل سورة، ولذلك نقل عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال (٢): كان رسول الله ﷺ لا يعرف ختم سورة وابتداء أخرى حتى ينزل عليه جبريل ببسم الله الرحمن الرحيم (٣). وذلك يدل على أنها من القرآن حيث أنزلت (٤). رابعا: أنها كانت تكتب بخطّ القرآن بأمر رسول الله ﷺ فى أول كل سورة. قال الشيخ الشوكانى رحمه الله تعالى (٥): والحق أنها آية من كل سورة لوجودها فى رسم المصحف، وذلك هو الركن الأعظم فى إثبات القرآنية للقرآن. خامسا: روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: سرق الشيطان من الناس آية من القرآن لما أن ترك بعضهم قراءة التسمية فى أول السورة.

стр. 50

ولم ينكر عليه منكر فدل على كونها من القرآن فى أول كل سورة. والحجة فيما ذهب إليه الإمام الشافعى ﵀، ومن نهج نهجه للأدلة السابقة، ولأن عمل أهل المدينة ليس حجة فالحجة فى إجماع الأمة (١) وهم بعضها، وما روى عن أنس وعائشة رضى الله عنهما فمعناه أنهم كانوا لا يقرءون قبل الفاتحة شيئا (٢). قال الشيخ محمود خطاب السبكى بعد أن ذكر حديث أنس رضى الله عنه (٣): حديث الباب لا يحتج به لاضطرابه، واختلاف ألفاظه مع تغاير معانيها، لأن أنسا قال فيه مرة: كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين. ومرة قال: ولم أسمعهم يقرءونها. ومرة سئل عن ذلك فقال: نسيت. وعلى تقدير ترجيح بعض ألفاظ هذه الروايات المختلفة على باقيها، وردّ ما خالفها إليها فلا يرجح إلا لفظ حديث الباب- أنهم كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين- لأن أكثر الرواة على هذا اللفظ .... وما تقدم فى بعض روايات الحديث من قول أنس: لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم فى أول قراءة، ولا فى آخرها. فالمراد أنهم لا يذكرونها جهرا فى أول الفاتحة، ولا فى أول السورة بعدها، وليس المراد نفى ذكرها البتة لما فى بعض روايات الحديث من أنهم كانوا يسرّون بها. اه. هذا وقد ذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ مذهبا وسطا، حيث رأى أن كتابتها فى المصحف تدل على قرآنيتها، ولكن لا تدل على أنها بعض

стр. 51

السورة، ومن ثم حكم هو ومن نهج نهجه بأنها آية من القرآن تامة فى غير سورة النمل أنزلت للفصل بين السور. قال الشيخ علاء الدين البخارى ﵀ (١): الصحيح من المذهب أنها من القرآن، ولكنها ليست من كل سورة عندنا، بل هى آية منزلة للفصل بين السور. وقد أجيب عن قولهم إنها آية منزلة للفصل بين السور بما يلى (٢): أولا: إن هذا تغرير، ولا يجوز ارتكابه لمجرد الفصل. ثانيا: لو كانت للفصل بين السور كما تقولون لكتبت فى أول «براءة»، ولما كتبت فى أول الفاتحة. على العموم أجمعت الأمة على أنه لا يكفر من أثبتها، ولا من نفاها لاختلاف العلماء فيها بخلاف ما لو نفى حرفا مجمعا عليه، أو أثبت ما لم يقل به أحد، فإنه يكفر بإجماع. فائدة: كان رسول الله ﷺ يكتب فى أوائل الكتب: «باسمك اللهم» حتى نزل قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها (٣) فكتب «بسم الله» ثم نزل قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ (٤) فكتب فوقه «الرحمن» فنزلت قصة سليمان ﵇ فى سورة النمل فكتب ﷺ حينئذ: «بسم الله الرحمن الرحيم» (٥).

стр. 52

الفصل الثانى فى ترتيب الآيات والسور أجمع أهل السنة والجماعة على أن ترتيب الآيات فى المصحف توقيفى لا شبهة فى ذلك، حكى الإجماع الشيخ بدر الدين الزركشى ﵀ وغيره فقال (١): « .... فأما الآيات فى كل سورة ووضع البسملة أوائلها فترتيبها توقيفى بلا شك، ولا خلاف فيه ولهذا لا يجوز تعكيسها». ومن الأدلة على أن ترتيب الآيات توقيفى ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهى من المثانى، وإلى براءة وهى من المئين (٢) فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينها سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها فى السبع الطوال (٣)؟ فقال عثمان: كان رسول الله ﷺ تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات فى السورة التى يذكر فيها كذا وكذا،

стр. 53

وكانت الأنفال من أوائل ما نزل فى المدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتها فى السبع الطوال (١). فترتيب الآيات فى السور بأمر رسول الله ﷺ ولما لم يأمر بذلك فى أول براءة تركت بلا بسملة (٢). وما أخرجه الإمام أحمد ﵀ بإسناد حسن عن عثمان بن أبى العاص قال (٣): كنت عند رسول الله ﷺ جالسا إذ شخص (٤) ببصره ثم صوّبه (٥) حتى كاد أن يلزقه بالأرض قال ثم شخص ببصره فقال: أتانى جبريل فأمرنى أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي ... الآية (٦)

стр. 54

وقال ابن الحصار (١): ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنما كان بالوحى، كان رسول الله ﷺ يقول: ضعوا آية كذا فى موضع كذا، وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول الله ﷺ ، ومما أجمع الصحابة على وضعه هكذا فى المصحف. وأما ترتيب السور على ما هو عليه الآن فى المصحف فقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب هى: المذهب الأول: أن ترتيب السور على ما هو عليه الآن كان باجتهاد من الصحابة. نسب هذا القول إلى الجمهور الشيخ جلال الدين السيوطى ومن نهج نهجه (٢). وتتلخص وجهة نظر هذا المذهب فى أن مصاحف الصحابة كانت مختلفة فى ترتيب السور قبل أن يجمع القرآن فى عهد الخليفة عثمان رضى الله عنه، ومن ثم لو كان الترتيب توقيفيّا منقولا عن النبى ﷺ ما ساغ لهم أن يهملوه ويتجاوزوه، ويختلفوا فيه ذلك الاختلاف الذى تصوّره لنا الروايات: فمصحف أبىّ بن كعب رضى الله عنه كان مبدوءا بالفاتحة، ثم البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، ثم الأنعام. ومصحف ابن مسعود رضى الله عنه كان مبدوءا بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران. ومصحف الإمام على كرم الله وجهه كان مرتبا على النزول فأوله: اقرأ، ثم المدثر، ثم ق، ثم المزمل، ثم تبت، ثم التكوير، وهكذا إلى آخر المكى والمدنى (٣).

стр. 55

المذهب الثانى: أن ترتيب السور كلها توقيفى كترتيب الآيات. قال صاحب فواتح الرحموت (١): .... بقى أمر ترتيب السور فالمحققون على أنه من أمر الرسول ﷺ اه. ووجهة نظر أصحاب هذا المذهب: أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على المصحف الذى كتب فى عهد عثمان بن عفان رضى الله عنه، ولم يخالف منهم أحد، وهذا الإجماع لا يتم إلا إذا كان الترتيب الذى أجمعوا عليه عن توقيف لأنه لو كان عن اجتهاد لتمسك أصحاب المذاهب المخالفة بمخالفتهم. قال الشيخ أبو بكر الأنبارى ﵀ (٢): أنزل الله القرآن كله إلى سماء الدنيا، ثم فرقه فى بضع وعشرين سنة، فكانت السورة تنزل لأمر ينزل والآية جوابا لمستخبر، ويوقف جبريل ﵇ النبى ﷺ على موضع الآية والسورة، فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف، كان عن النبى ﷺ ، فمن قدّم سورة أو أخّرها فقد أفسد نظم القرآن. اه. وقال الشيخ بدر الدين الزركشى ﵀ بعد أن ذكر المذهبين (٣): « .... والخلاف يرجع إلى اللفظ» ثم علّل هذا بأن القائلين بأن الترتيب كان بفعل الصحابة غرضهم أنه ﷺ رمز إليهم بذلك لعلمهم بأسباب نزوله، ومواقع كلماته فمآل الخلاف إذا: هل هذا الترتيب كان بتوقيف قوليّ أو بمجرد استناد فعلىّ؟

стр. 56

المذهب الثالث: أن كثيرا من السور كان قد علم ترتيبها فى حياته ﷺ كالسبع الطوال والحواميم والمفصل، وما سوى ذلك يمكن أن يكون فوّض الأمر فيه إلى الأمة بعده. على أنه يجب احترام ترتيب سور المصحف، لأنه عن إجماع الصحابة، ولأن القول بخلافه يجرّ إلى الفتنة، ودرء الفتنة واجب. تذييل: الناظر فى ترتيب المصحف يدرك أنه توقيفى لأن هناك أسبابا تدل عليه: الأول: بحسب الحروف كما فى الحواميم، وذوات [الر]. الثّانى: لموافقة آخر السورة لأول ما بعدها كآخر الحمد فى المعنى، وأول البقرة. الثالث: الوزن فى اللفظ كآخر: تبت، وأول: الإخلاص. الرابع: لمشابهة جملة السورة لجملة الأخرى: كالضحى، وأ لم نشرح. قال بعض العلماء: سورة الفاتحة تضمنت الإقرار بالربوبية والالتجاء إليه فى دين الإسلام، والصيانة عن دين اليهودية والنصرانية، وسورة البقرة تضمنت قواعد الدين، وآل عمران مكملة لمقصودها. فالبقرة بمنزلة إقامة الدليل على الحكم، وآل عمران بمنزلة الجواب عن شبهات الخصوم، وخطاب الله اليهود فى البقرة أكثر، كما أن خطاب النصارى فى آل عمران أكثر، لأن التوراة أصل، والإنجيل فرع لها والنبى ﷺ لما هاجر إلى المدينة دعا اليهود وجاهدهم، وكان جهاده للنصارى فى آخر الأمر، وأما سورة النساء فتتضمن جميع أحكام الأسباب التى بين الناس، وهى نوعان: مخلوقة لله تعالى، ومقدورة لهم كالنسب والصهر، ولهذا فتحها الله بقوله:

стр. 57

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ (١) وبين الذين يتعاهدون ويتعاقدون فيما بينهم، وما تعلق بذلك من أحكام الأموال والفروج والمواريث، وأما سورة المائدة فسورة العقود وبهن تمام الشرائع. قالوا: وبها تم الدين فهى سورة التكميل. قال الشيخ الزركشى ﵀ (٢): وهذا الترتيب بين هذه السور الأربع المدنيات: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة من أحسن الترتيب، وهو ترتيب المصحف العثمانى .... وإنما لم يكتب فى عهد النبى ﷺ مصحف لئلا يفضى إلى تغييره كل وقت. فلهذا تأخرت كتابته إلى أن كمل نزول القرآن بموته ﷺ فكتب أبو بكر والصحابة بعده، ثم نسخ عثمان المصاحف التى بعث بها إلى الأمصار.

стр. 58

الفصل الثالث فى اشتمال القرآن على ألفاظ غير عربية نزل القرآن بلفظه ومعناه عربيا قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا (١) وقد اتفق العلماء على أن الأعلام الأعجمية واقعة فيه. قال الإمام القرطبى ﵀ (٢): لا خلاف بين الأئمة أنه ليس فى القرآن الكريم كلام مركب على أساليب غير العرب، وأن فيه أسماء أعلاما لمن لسانه غير لسان العرب: كإسرائيل وجبريل وعمران ونوح ولوط. اه وقال الشيخ جلال الدين المحلى ﵀ (٣): ولا خلاف فى وقوع العلم الأعجمى فى القرآن كإبراهيم وإسماعيل اه. وقال الشيخ الشوكانى ﵀ (٤): وقد أجمع أهل العربية على أن العجمة علة من العلل المانعة للصرف فى كثير من الأسماء الموجودة فى القرآن. اه. والخلاف بين العلماء إنما هو فى غير الأعلام:

стр. 59

فذهب جمهور العلماء منهم الإمام الشافعى، وأبو عبيدة معمر بن المثنى، ومحمد بن جرير الطبرى، والقاضى أبو بكر الطيب وأبو الحسين بن فارس اللغوى إلى القول بأنه ليس فى القرآن شىء غير العربية (١). قال الإمام الشافعى ﵀ (٢): ومن جماع علم كتاب الله: العلم بأن جميع كتاب الله تعالى إنما نزل بلسان العرب. ثم قال ﵀: وقد تكلم فى العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به وأقرب من السلامة له إن شاء الله. فقال منهم قائل: إن فى القرآن عربيّا وأعجميّا، والقرآن يدل على أنه ليس من كتاب الله شىء إلا بلسان العرب. ووجد قائل هذا القول من قبل ذلك منه تقليدا له، وتركا للمسألة له عن حجته ومسألة غيره ممن خالفه. وبالتقليد أغفل من أغفل منهم، والله يغفر لنا ولهم. ولعل من قال: إن فى القرآن غير لسان العرب وقبل ذلك منه ذهب إلى أن من القرآن خاصا يجهل بعضه العرب. ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبا وأكثرها ألفاظا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبى، ولكنه لا يذهب منه شىء على عامتها حتى لا يكون موجودا فيها من يعرفه. والعلم به عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل الفقه، لا نعلم رجلا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شىء. فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن، وإذا فرّق علم كل واحد منهم ذهب عليه الشيء منها، ثم كان ما ذهب عليه منها

стр. 60

موجودا عند غيره. وهم فى العلم طبقات: منهم الجامع لأكثره وإن ذهب عليه بعضه، ومنهم الجامع لأقل مما جمع غيره. وليس قليل ما ذهب من السنن من جمع أكثرها دليلا على أن يطلب علمه عند غير طبقته من أهل العلم، بل يطلب عند نظرائه ما ذهب عليه حتى يؤتى على جميع سنن رسول الله ﷺ ، بأبى هو وأمى فيتفرّد جملة العلماء بجمعها وهم درجات فيما وعوا منها. وهكذا لسان العرب عند خاصتها وعامتها: لا يذهب منه شىء عليها ولا يطلب عند غيرها. اه. وهذا الذى قاله الإمام رضى الله عنه يدل على نظر ثاقب، واطلاع واسع، وبصيرة نيّرة وقوة إدراك. وقال أبو عبيدة ﵀ (١): إنما أنزل القرآن بلسان عربى مبين، فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول، ومن زعم أن كذا بالنبطية فقد أكبر القول. اه. وقد استدل أصحاب هذا المذهب بما يلى: أولا: قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا (٢) وقال جل شأنه: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ (٣) وقال سبحانه: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (٤)

стр. 61

فهذه الآيات الكريمة تدل على أنه ليس فيه غير العربى (١). ثانيا: أن الله جعل القرآن معجزة نبيه محمد ﷺ ، ودلالة صدقه ليتحداهم به، فلو كان فيه غير العربى لما صح، التحدى به، لأن الكفار يجدون إلى ردّه طريقا بأن يقولوا إن فيما أتيت به غير العربى، ونحن لا نقدر على كلام بعضه عربى وبعضه عجمى، وإنما نقدر على معارضة العربى المحض (٢). وذهب بعض المتكلمين إلى القول بأن فى القرآن الكريم كلمات بغير العربية. ونسب الآمدى (٣) هذا القول إلى ابن عباس وعكرمة رضى الله عنهم. وقد استدلوا عليه بما يلى: أولا: إن القرآن الكريم مشتمل على ألفاظ بغير العربية كالمشكاة [كوة بالهندية] والسجيل والإستبرق بالفارسية، وفيه ما لا يعرفه العرب وهو الأبّ فى قوله تعالى: وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٤) فدل على أن فيه غير العربى. والجواب: لا نسلم أن فى القرآن كلمات غير عربية، بل كل الموجود بلغة العرب وإنما وافقتها الفرس والهند فى النطق بها كما وافقوا فى كثير من كلامهم فيقولون: حراج مكان سراج، والشراويل مكان السراويل، والفرس يقولون فى السماء اسمان وفى الجبال أوجبا وغير ذلك من الأسماء. والذى يدل عليه هو أن الله تعالى أضاف ذلك إليهم فدل على أنهم سبقوا إلى ذلك وتبعهم الفرس والهند. قال ابن جرير الطبرى ﵀ (٥): ما ورد عن ابن عباس رضى الله عنهما وغيره من تفسير ألفاظ من

стр. 62

القرآن، إنها بالفارسية أو الحبشية أو النبطية أو نحو ذلك، إنما اتفق فيها توارد اللغات فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد. اه. وقولهم: إن فى القرآن ما لا تعرفه العرب، وهو الأبّ غلط، فإن الأبّ الحشيش. فليس إذا لم يعرفه بعضهم خرج أن يكون ذلك لغة العرب، لأن لغة العرب أوسع اللغات فيجوز أن يخفى بعضها على بعض لكثرتها (١). وقد روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال (٢): ما كنت أدرى معنى: فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (٣) حتى سمعت امرأة من العرب تقول: أنا فطرته أى ابتدأته. ثانيا: أن النبى ﷺ مبعوث إلى الناس كافة قال تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً (٤) وقال ﷺ : «بعثت إلى الناس كافة» (٥) فيجب أن يكون كتابه جامعا للغة الكل ليتحقق خطابه للكل إعجازا وبيانا، أضف إلى ذلك: أن النبى ﷺ لم يدّع أنه كلامه، بل كلام الله تعالى رب العالمين، المحيط بجميع اللغات، فلا يكون تكلمه باللغات المختلفة منكرا. غايته أنه لا يكون مفهوما للعرب، وليس ذلك بدعا بدليل تضمنه للآيات المتشابهات والحروف المعجمة فى أوائل السور. وقد أجيب عن هذا: بأنه يقتضى أن يكون فيه من جميع اللغات

стр. 63

من الزنجية والتركية والرومية، وفى إجماعنا على خلاف هذا دليل على بطلان ما قالوه. ولأنه لو كان كذلك لكان يجب أن يكون فيه من هذه اللغات قدرا يعلم به المراد، ويقع به التبليغ، فأما هذه الكلمات الشاذة فلم يعلم بها شىء ولا يقع بها بيان، ولأنه وإن كان مبعوثا إلى الكافة إلا أن القصد إعجاز العرب، فإنهم أهل اللسان والفصاحة والبيان، فإذا ظهر عجزهم عن الإتيان بمثله دل على أن غيرهم عن ذلك أعجز وثبت صدقه فى حق الجميع. وعلى هذا الترتيب أجرى الله تعالى أمر معجزات الأنبياء، فبعث موسى ﵇ إلى أحذق (١) الناس بالسحر فى زمان كانوا يدعون السحر، فجعل معجزته من جنس ما يدعونه حتى إذا عجزوا عن مثله دل على أن غيرهم أعجز. وبعث عيسى ﵇ فى زمن الأطباء، وجعل معجزته من جنس ما يتعاطونه، حتى إذا اعترفوا بالعجز عن مثله دل على أن غيرهم عن ذلك أعجز. فكذلك هاهنا لما كانت العرب فى ذلك الزمان أفصح الناس لسانا، وأحسنهم بيانا جعل المعجزة من جنس ما كانوا يدعونه ليكون ذلك أظهر فى الإعجاز وأبين فى الدليل. هذا وبعد ذكر آراء العلماء فى هذه المسألة يتضح لنا جليّا قوة ما ذهب إليه الجمهور للأدلة التى استدل بها وسلامتها مما يعارضها. والعرب لا شك من أقدم الأمم ولغتهم من أقدم اللغات وقد اختلطوا بغيرهم كثيرا. وكان الرومان يستأجرون منهم الجنود والعساكر لما عرفوا

стр. 64

به من قوة وشجاعة، وقد استولوا على مصر قديما فى الحملة المعروفة بحملة الهكسوس سنة ٢٠٠٠ ق م، واستطاعت العربية أن تؤثر فى القبط الآرميين (١). والكلمات التى جاءت فى القرآن وتستعمل فى بعض اللغات الأخرى عربية الأصل وليست معربة (٢) - كما يقول البعض- وما قاله الإمام الشافعى فى هذه النقطة ليس بعده قول. يقول ﵀ (٣): وكان مما عرّف الله نبيه ﷺ من إنعامه أن قال: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ (٤) فخص قومه بالذكر معه بكتابه. وقال: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٥) وقال: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها (٦) وأم القرى مكة، وهى بلدة وبلد قومه، فجعلهم فى كتابه خاصة وأدخلهم مع المنذرين عامة، وقضى أن ينذروا بلسانهم العربى: لسان قومه منهم خاصة، فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده حتى يشهد به أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير، وأمر به من التسبيح والتشهد وغير ذلك. اه.

стр. 65

فما دام القرآن كله عربيّا، فالواجب على كل مسلم أن يتعلم من لغة القرآن ما يؤدى به شعائر الإسلام. وعلى هذا فالثمرة المترتبة على الحكم بأنه عربى كله، أن القرآن الكريم وقد نزل بلسان العرب- كما تقدم- فطلب فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة، لأن الله تعالى يقول: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا (١) وقال: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (٢) إلى غير ذلك مما يدل على أنه عربى، وبلسان العرب، لا أنه أعجمى ولا بلسان العجم. فمن أراد تفهمه فمن جهة لسان العرب يفهم ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة والله أعلم (٣).

стр. 66

الفصل الرابع فى ترجمة القرآن أهمية الكلام عن حكم ترجمة القرآن: لا يشك عاقل فى أن الكلام عن ترجمة القرآن جدّ خطير لأمور هى: ١ - دقته وغموضه، الأمر الذى جعل العلماء يختلفون فيه قديما وحديثا. ٢ - قام الكثير من الناس بنقل القرآن إلى لغات كثيرة، وترجمات متعددة، بلغت مائة وعشرين ترجمة فى خمس وثلاثين لغة، وتكرر طبع هذه الترجمات حتى ارن ترجمة واحدة هى ترجمة جورج سيل الإنجليزى طبعت أربعا وثلاثين مرة (١). وأوفر هذه الترجمات وأكثرها طبعا هى الترجمات الإنجليزية فالفرنسية فالألمانية فالإيطالية. وهناك خمس ترجمات فى كل من اللغتين: الفارسية والتركية، وأربع ترجمات باللغة الصينية، وثلاث باللاتينية، واثنتان بالأفغانية، وواحدة بالجاوية، وأخرى بالأوردية وإذا كان هناك من يحمل للإسلام عداوة ظاهرة من الذين ترجموه فإن منهم من يكن له كل حب وتقدير ولكنه جاهل به. ٣ - لم تسلم هذه الترجمات من وقوع أخطاء جسيمة بها كانت معولا (٢) فى يد أعداء الإسلام للنيل منه.

стр. 67

وبعد: فهذه الأمور الثلاثة المذكورة تجعل كل غيور على الإسلام أن يكون يقظا ذكيّا فطنا لكل ما يدور حوله، وأن يبذل قصارى جهده للدفاع عن القرآن، وأن يرفع سيفه ويظهر غضبه فى وجه كل من يحاول أن يغير أو يبدل حرفا فى القرآن. مدلول الترجمة: وضعت كلمة ترجمة فى اللغة لتدل على معنى من معانى أربعة هى: ١ - تبليغ الكلام لمن لم يبلغه. ٢ - تفسير الكلام بلغته التى جاء بها، ومنه قيل لابن عباس رضى الله عنهما: إنه ترجمان القرآن. ٣ - تفسير الكلام بلغة غير لغته. قال ابن منظور ﵀ (١): الترجمان بالضم والفتح: المفسر للسان. ٤ - نقل الكلام من لغة إلى أخرى. قال ابن منظور ﵀ (٢): الترجمان بالضم والفتح هو الذى يترجم الكلام، أى ينقله من لغة إلى لغة أخرى والجمع التراجم والتاء والنون زائدتان وقد ترجمه وترجم عنه. اه. الترجمة فى عرف التخاطب العام: خص العرف الترجمة بالمعنى اللغوى الأخير، وهو نقل الكلام من لغة إلى أخرى وعرفها فقال: هى التعبير عن معنى كلام فى لغة بكلام آخر من لغة أخرى مع الوفاء بجميع معانيه ومقاصده (٣).

стр. 68

شرح التعريف: كلمة: (التعبير) جنس فى التعريف يندرج تحته كل تعبير، سواء كان تعبيرا عن المعنى القائم بالنفس، أو تعبيرا عن المعنى بالكلام الأول نفسه أو تعبيرا بمرادف مكان مرادفه ونحو ذلك. وقولهم: (عن معنى كلام) قيد أول فى التعريف يخرج به التعبير عن المعنى القائم بالنفس حين يخرج فى صورة اللفظ أول مرة. وقولهم: (بكلام آخر) قيد ثان يخرج به التعبير عن المعنى بالكلام الأول نفسه ولو تكرر ألف مرة. وقولهم: (من لغة أخرى) يخرج به التفسير بلغة الأصل، والتعبير بمرادف مكان مرادفه أو بكلام بدل آخر مساو له على وجه لا تفسير فيه واللغة واحدة فى الجميع. وقولهم: (مع الوفاء بجميع معانى الأصل ومقاصده) يخرج به تفسير الكلام بلغة غير لغته. فإن التفسير لا يشترط فيه الوفاء بكل معانى الأصل المفسر ومقاصده. بل يكفى فيه البيان ولو من وجه. تقسيم الترجمة: الترجمة قسمان: (أ) ترجمة حرفية. (ب) ترجمة تفسيرية أو معنوية. فالترجمة الحرفية: هى نقل الكلام من لغة إلى لغة أخرى مع مراعاة الموافقة فى النظم والترتيب والمحافظة على جميع معانى الأصل المترجم. ومن هنا قال العلماء إن الترجمة تتوقف على ما يلى:

стр. 69

أولا: معرفة المترجم لأوضاع اللغتين لغة الأصل ولغة الترجمة. ثانيا: معرفته لأساليبهما وخصائصهما. ثالثا: وفاء الترجمة بجميع معانى الأصل ومقاصده على وجه مطمئن. رابعا: أن تكون صيغة الترجمة مستقلة عن الأصل بحيث يمكن أن يستغنى بها عنه وأن تحلّ محلّه كأنه لا أصل هناك ولا فرع. خامسا: وجود مفردات فى لغة الترجمة مساوية للمفردات التى تألّف منها الأصل حتى يمكن أن يحلّ كل فرد من الترجمة محلّ نظيره من الأصل. سادسا: تشابه اللغتين فى الضمائر المستترة، والروابط التى تربط المفردات لتأليف التراكيب. والترجمة الحرفية للقرآن نوعان: (أ) ترجمة بالمثل. (ب) ترجمة بغير المثل. فالترجمة الحرفية بالمثل معناها: أن يترجم نظم القرآن بلغة أخرى تحاكيه حذوا بحذو، بحيث تحلّ مفردات الترجمة محلّ مفرداته، وأسلوبها محلّ أسلوبه حتى تتحمل الترجمة ما تحمله نظم الأصل من المعانى المقيدة بكيفياتها البلاغية وأحكامها التشريعية: قال الشيخ محمد حسين الذهبى ﵀ (١): وهذا غير ممكن بالنسبة لكتاب الله العزيز، وذلك لأن القرآن نزل لغرضين أساسين: أولهما: كونه آية دالة على صدق النبى ﷺ فيما

стр. 70

يبلغه عن ربه، وذلك بكونه معجزا للبشر لا يقدرون على الإتيان بسورة مثله، ولو اجتمع الإنس والجن على ذلك. وثانيهما: هداية الناس لما فيه صلاحهم فى دنياهم وأخراهم. أما الغرض الأول: وهو كونه آية على صدق النبى ﷺ فلا يمكن تأديته بالترجمة اتفاقا، فإن القرآن- وإن كان الإعجاز فى جملته لعدة معان كالإخبار بالغيب واستيفاء تشريع لا يعتريه خلل وغير ذلك مما عدّ من وجوه إعجازه- إنما يدور الإعجاز السارى فى كل آية منه على ما فيه من خواص بلاغية جاءت لمقتضيات معينة، وهذه لا يمكن نقلها إلى اللغات الأخرى اتفاقا. فإن اللغات الراقية وإن كان لها بلاغة، ولكن لكل لغة خواصها لا يشاركها فيها غيرها من اللغات، وإذا فلو ترجم القرآن ترجمة حرفية- وهذا محال- لضاعت خواص القرآن البلاغية، ولنزل من مرتبته المعجزة إلى مرتبة تدخل تحت طوق البشر، ولفات هذا المقصد العظيم الذى نزل القرآن من أجله على سيدنا محمد ﷺ . وأما الغرض الثانى: وهو كونه هداية للناس إلى ما فيه سعادتهم فى الدارين فذلك باستنباط الأحكام والإرشادات منه. وهذا يرجع بعضه إلى المعانى الأصلية التى يشترك فى تفاهمها وأدائها كل الناس وتقوى عليها جميع اللغات. وهذا النوع من المعانى يمكن ترجمته واستفادة الأحكام منه، وبعض آخر من الأحكام والإرشادات يستفاد من المعانى الثانوية، ونجد هذا كثيرا فى استنباطات الأئمة المجتهدين .... ومما تقدم يعلم: أن الترجمة الحرفية للقرآن لا يمكن أن تقوم مقام الأصل فى تحصيل كل ما يقصد منه لما يترتب عليها من ضياع الغرض الأول برمته وفوات شطر من الغرض الثانى.

стр. 71

وأما الترجمة الحرفية بغير المثل: فمعناها أن يترجم نظم القرآن حذوا بحذو بقدر طاقة المترجم وما تسعه لغته. وهذا أمر ممكن وهو وإن جاز فى كلام البشر لا يجوز بالنسبة لكتاب الله العزيز، لأن فيه من فاعله إهدارا لنظم القرآن وإخلالا بمعناه وانتهاكا لحرمته فضلا عن كونه فعلا لا تدعو إليه ضرورة. اه. ومن أمثلة الترجمة الحرفية على فرض إمكانها: قال تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ (١) فلو أراد إنسان أن يترجم هذه الآية ترجمة حرفية فإنه يأتى بكلام من لغة الترجمة يدل على النهى عن ربط اليد فى العنق، وعن مدها غاية المد، مع رعاية ترتيب الأصل ونظامه، بأن تأتى بأداة النهى أولا، يليها الفعل المنهى عنه متصلا بمفعوله ومضمرا فيه فاعله. لكن هذا التعبير الجديد قد يخرج فى أسلوب غير معروف ولا مألوف فى تفهيم المترجم، أهم ما يرمى إليه الأصل من النهى عن التقتير والتبذير، بل قد يستنكر المترجم لهم هذا الوضع الذى صيغ به هذا النهى ويقولون: ما باله ينهى عن ربط اليد بالعنق وعن مدها غاية المد؟ وقد يلصقون هذا العيب بالأصل ظلما وما العيب إلا فيما يزعمونه ترجمة للقرآن من هذا النوع. قال الشيخ الزرقانى ﵀ (٢): قال بعضهم: إن الترجمة الحرفية مستحيلة. وقال آخرون: إنها ممكنة فى بعض الكلام دون بعض. ولقد علمت بأنها بعد هذه الصعوبات يكتنفها الغموض وخفاء المعنى المقصود كما مرّ فى المثال السابق اه. وأما الترجمة التفسيرية فمعناها: شرح الكلام وبيان معناه بلغة أخرى بدون مراعاة لنظم الأصل وترتيبه، وبدون المحافظة على جميع

стр. 72

معانيه المرادة منه. وذلك بأن نفهم المعنى الذى يراد من الأصل ثم نأتى له بتركيب من اللغة المترجم إليها يؤديه على وفق الغرض الذى سبق له. ومن أمثلة الترجمة التفسيرية على فرض إمكانها: فى الآية السابقة- آية النهى عن التقتير والإسراف- لو أراد الإنسان أن يترجمها ترجمة تفسيرية فإنه يأتى بالنهى عن التبذير والتقتير مصورين بصورة شنيعة ينفر منها الإنسان حسبما يناسب أسلوب اللغة المترجم إليها، ويناسب إلف من يتكلم بها. ومن هنا يتضح أن الغرض الذى أراده الله تعالى من هذه الآية يكون مفهوما بكل سهولة ووضوح فى الترجمة التفسيرية دون الترجمة الحرفية. حكم ترجمة القرآن: يلاحظ أنى ذكرت للترجمة أربعة معان لغوية هى: ١ - تبليغ الكلام لمن لم يبلغه. ٢ - تفسير الكلام بلغته التى جاء بها. ٣ - تفسير الكلام بلغة غير لغته. ٤ - نقل الكلام من لغة إلى أخرى. والظاهر- والله أعلم- أن ترجمة القرآن بالمعانى الثلاثة الأولى لا شىء فيها، فمن حيث المعنى الأولى تجد أن رسول الله ﷺ كان يقرأ القرآن ويسمعه الجميع الأولياء والأعداء عملا بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (١)

стр. 73

ومن حيث المعنى الثانى نجد رسول الله ﷺ قد بين القرآن وفسره بسنته المطهرة وكيف لا؟ وقد أنزل الله عليه قوله: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (١) وها هى المكتبات الإسلامية فى كل البلاد مملوءة بالتفاسير العربية للقرآن الكريم. وأما من حيث المعنى الثالث وهو تفسير القرآن بلغة غير لغته، نجد أنه يجرى فى حكمه مجرى تفسيره بلسان عربى لمن يحسن العربية، فكلاهما عرض لما يفهمه المفسر من كتاب الله بلغة يفهمها مخاطبه. أما ترجمة القرآن بالمعنى الرابع يعنى ترجمته أى نقله من لغة إلى لغة أخرى، والتى يلاحظ فيها التعبير عن معانى ألفاظه العربية، ومقاصدها بألفاظ غير عربية مع الوفاء بجميع هذه المعانى والمقاصد، فهى مستحيلة عادة وشرعا، فالعادة تحيل إمكان وقوعها، والشرع يمنع محاولتها. والدليل على استحالتها عادة ما يلى: أولا: أن ترجمة القرآن بهذا المعنى تستلزم المحال، وكل ما يستلزم المحال محال. والدليل على أنها تستلزم المحال: أنه لا بدّ فى تحققها من الوفاء بجميع معانى القرآن، وبجميع مقاصده وكلا هذين مستحيل. أما الأول: فلأن المعانى الثانوية للقرآن مدلولة لخصائصه العليا التى هى مناط بلاغته وإعجازه، وما كان لبشر أن يحيط بها فضلا عن أن يحاكيها فى كلام له وإلا لما تحقق هذا الإعجاز. وأما الثانى: فلأن القصد الأول للقرآن- وهو كونه هداية- إن

стр. 74

أمكن تحقيقه فى الترجمة بالنسبة إلى كل ما يفهم من معانى القرآن الأصلية، فهو لا يمكن تحقيقه بالنسبة إلى كل ما يفهم من معانى القرآن التابعة، لأنها مدلولة لخصائصه العليا التى هى مناط إعجازه البلاغى. وكذلك مقصد القرآن الثانى وهو كونه آية لا يمكن تحقيقه فيما سواه من كلام البشر عربيّا كان أو عجميّا وإلا لما صح أن يكون آية خارقة حين تناول هذا المقصد قدرة البشر. ويجرى هذا المجرى مقصد القرآن الثالث وهو كونه متعبدا بتلاوته، فإنه لا يمكن أن يتحقق فى الترجمة لأن ترجمة القرآن غير القرآن قطعا، والتعبد بالتلاوة إنما ورد فى خصوص القرآن وألفاظه عينها بأساليبها وترتيباته نفسها دون أى ألفاظ أو أساليب أخرى، ولو كانت عربية مرادفة لألفاظ الأصل وأساليبه. ثانيا: أن ترجمة القرآن بهذا المعنى مثل للقرآن، وكل مثل للقرآن مستحيل. أما أنها مثل للقرآن فلأنها جمعت معانيه كلها ومقاصده، والجامع لمعانى القرآن ومقاصده مثل له. وأما أن كل مثل للقرآن مستحيل فلأن القرآن تحدى العرب أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه فعجزوا عن المعارضة والمحاكاة، وهم يومئذ أهل البلاغة والبيان وأحرص ما يكونون على الفوز فى هذا الميدان. وإذا كان هؤلاء قد عجزوا فغيرهم ممن هم دونهم بلاغة وفصاحة أشد عجزا، وكيف لا يقال: إن الترجمة بهذا المعنى مستحيلة، ولا بد فيها من الأمور الستة التى ذكرتها عند الكلام على تقسيم الترجمة؟ وقد قلت إن الترجمة الحرفية لا بدّ فيها من أمرين هما: ١ - وجود مفردات فى لغة الترجمة مساوية لمفردات القرآن. ٢ - تشابه اللغتين فى الضمائر المستترة والروابط التى تربط المفردات لتأليف التراكيب. وهذان الأمران يجعلان الترجمة أكثر استحالة.

стр. 75

ومن الأدلة على استحالة الترجمة شرعا ما يلى: ١ - أن طلب المستحيل العادى حرمه الإسلام أيّا كان هذا المستحيل ترجمة أو غير ترجمة، وذلك لأنه ضرب من العبث، وتضييع للوقت من غير فائدة ولا ثمرة. قال تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (١) وقال ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار». (٢). ٢ - إن محاولة هذه الترجمة تشجع الناس على انصرافهم عن كتاب الله مكتفين ببدل أو أبدال يزعمون أنها ترجمات له. ولا يشك عاقل فى أنه بمرور الزمن سيذهب عنها اسم الترجمة ويبقى اسم القرآن علما عليها ويقال: هذا قرآن بالإنجليزية، وذاك بالفرنسية ونحو ذلك، فلو ذهبنا إلى القول بجواز هذه الترجمة لدعا ذلك كل قطر من الأقطار أن يكون له قرآن من هذا الطراز، ولا شك فى حرمة هذا لأنه يؤدى إلى صرف الناس عن كتاب الله، وإلى تفرقهم عنه وضلالهم فى مسماه. ٣ - لو جوزنا هذه الترجمة ووصل الأمر إلى حدّ يستغنى الناس عن القرآن بترجماته لتعرض الأصل العربى للضياع، كما ضاع الأصل العبرى للتوراة والإنجيل، ولا ريب فى أن ضياع الأصل العربى نكبة كبرى تغرى النفوس على التلاعب بدين الله تبديلا وتحريفا (٣). ومن هنا يجب القول بتحريم كل عمل يعرّض الدين للتغيير والتبديل. هذا وقد يعترض معترض ويقول: كيف تقولون باستحالة الترجمة شرعا، وقد روى أن أهل فارس
следующие страницы →