← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 37973

دراسات أصولية في القرآن الكريم

محمد إبراهيم الحفناوى

Полный текст (462 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وأما الترجمة الحرفية بغير المثل: فمعناها أن يترجم نظم القرآن حذوا بحذو بقدر طاقة المترجم وما تسعه لغته. وهذا أمر ممكن وهو وإن جاز فى كلام البشر لا يجوز بالنسبة لكتاب الله العزيز، لأن فيه من فاعله إهدارا لنظم القرآن وإخلالا بمعناه وانتهاكا لحرمته فضلا عن كونه فعلا لا تدعو إليه ضرورة. اه. ومن أمثلة الترجمة الحرفية على فرض إمكانها: قال تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ (١) فلو أراد إنسان أن يترجم هذه الآية ترجمة حرفية فإنه يأتى بكلام من لغة الترجمة يدل على النهى عن ربط اليد فى العنق، وعن مدها غاية المد، مع رعاية ترتيب الأصل ونظامه، بأن تأتى بأداة النهى أولا، يليها الفعل المنهى عنه متصلا بمفعوله ومضمرا فيه فاعله. لكن هذا التعبير الجديد قد يخرج فى أسلوب غير معروف ولا مألوف فى تفهيم المترجم، أهم ما يرمى إليه الأصل من النهى عن التقتير والتبذير، بل قد يستنكر المترجم لهم هذا الوضع الذى صيغ به هذا النهى ويقولون: ما باله ينهى عن ربط اليد بالعنق وعن مدها غاية المد؟ وقد يلصقون هذا العيب بالأصل ظلما وما العيب إلا فيما يزعمونه ترجمة للقرآن من هذا النوع. قال الشيخ الزرقانى ﵀ (٢): قال بعضهم: إن الترجمة الحرفية مستحيلة. وقال آخرون: إنها ممكنة فى بعض الكلام دون بعض. ولقد علمت بأنها بعد هذه الصعوبات يكتنفها الغموض وخفاء المعنى المقصود كما مرّ فى المثال السابق اه. وأما الترجمة التفسيرية فمعناها: شرح الكلام وبيان معناه بلغة أخرى بدون مراعاة لنظم الأصل وترتيبه، وبدون المحافظة على جميع

стр. 72

معانيه المرادة منه. وذلك بأن نفهم المعنى الذى يراد من الأصل ثم نأتى له بتركيب من اللغة المترجم إليها يؤديه على وفق الغرض الذى سبق له. ومن أمثلة الترجمة التفسيرية على فرض إمكانها: فى الآية السابقة- آية النهى عن التقتير والإسراف- لو أراد الإنسان أن يترجمها ترجمة تفسيرية فإنه يأتى بالنهى عن التبذير والتقتير مصورين بصورة شنيعة ينفر منها الإنسان حسبما يناسب أسلوب اللغة المترجم إليها، ويناسب إلف من يتكلم بها. ومن هنا يتضح أن الغرض الذى أراده الله تعالى من هذه الآية يكون مفهوما بكل سهولة ووضوح فى الترجمة التفسيرية دون الترجمة الحرفية. حكم ترجمة القرآن: يلاحظ أنى ذكرت للترجمة أربعة معان لغوية هى: ١ - تبليغ الكلام لمن لم يبلغه. ٢ - تفسير الكلام بلغته التى جاء بها. ٣ - تفسير الكلام بلغة غير لغته. ٤ - نقل الكلام من لغة إلى أخرى. والظاهر- والله أعلم- أن ترجمة القرآن بالمعانى الثلاثة الأولى لا شىء فيها، فمن حيث المعنى الأولى تجد أن رسول الله ﷺ كان يقرأ القرآن ويسمعه الجميع الأولياء والأعداء عملا بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (١)

стр. 73

ومن حيث المعنى الثانى نجد رسول الله ﷺ قد بين القرآن وفسره بسنته المطهرة وكيف لا؟ وقد أنزل الله عليه قوله: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (١) وها هى المكتبات الإسلامية فى كل البلاد مملوءة بالتفاسير العربية للقرآن الكريم. وأما من حيث المعنى الثالث وهو تفسير القرآن بلغة غير لغته، نجد أنه يجرى فى حكمه مجرى تفسيره بلسان عربى لمن يحسن العربية، فكلاهما عرض لما يفهمه المفسر من كتاب الله بلغة يفهمها مخاطبه. أما ترجمة القرآن بالمعنى الرابع يعنى ترجمته أى نقله من لغة إلى لغة أخرى، والتى يلاحظ فيها التعبير عن معانى ألفاظه العربية، ومقاصدها بألفاظ غير عربية مع الوفاء بجميع هذه المعانى والمقاصد، فهى مستحيلة عادة وشرعا، فالعادة تحيل إمكان وقوعها، والشرع يمنع محاولتها. والدليل على استحالتها عادة ما يلى: أولا: أن ترجمة القرآن بهذا المعنى تستلزم المحال، وكل ما يستلزم المحال محال. والدليل على أنها تستلزم المحال: أنه لا بدّ فى تحققها من الوفاء بجميع معانى القرآن، وبجميع مقاصده وكلا هذين مستحيل. أما الأول: فلأن المعانى الثانوية للقرآن مدلولة لخصائصه العليا التى هى مناط بلاغته وإعجازه، وما كان لبشر أن يحيط بها فضلا عن أن يحاكيها فى كلام له وإلا لما تحقق هذا الإعجاز. وأما الثانى: فلأن القصد الأول للقرآن- وهو كونه هداية- إن

стр. 74

أمكن تحقيقه فى الترجمة بالنسبة إلى كل ما يفهم من معانى القرآن الأصلية، فهو لا يمكن تحقيقه بالنسبة إلى كل ما يفهم من معانى القرآن التابعة، لأنها مدلولة لخصائصه العليا التى هى مناط إعجازه البلاغى. وكذلك مقصد القرآن الثانى وهو كونه آية لا يمكن تحقيقه فيما سواه من كلام البشر عربيّا كان أو عجميّا وإلا لما صح أن يكون آية خارقة حين تناول هذا المقصد قدرة البشر. ويجرى هذا المجرى مقصد القرآن الثالث وهو كونه متعبدا بتلاوته، فإنه لا يمكن أن يتحقق فى الترجمة لأن ترجمة القرآن غير القرآن قطعا، والتعبد بالتلاوة إنما ورد فى خصوص القرآن وألفاظه عينها بأساليبها وترتيباته نفسها دون أى ألفاظ أو أساليب أخرى، ولو كانت عربية مرادفة لألفاظ الأصل وأساليبه. ثانيا: أن ترجمة القرآن بهذا المعنى مثل للقرآن، وكل مثل للقرآن مستحيل. أما أنها مثل للقرآن فلأنها جمعت معانيه كلها ومقاصده، والجامع لمعانى القرآن ومقاصده مثل له. وأما أن كل مثل للقرآن مستحيل فلأن القرآن تحدى العرب أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه فعجزوا عن المعارضة والمحاكاة، وهم يومئذ أهل البلاغة والبيان وأحرص ما يكونون على الفوز فى هذا الميدان. وإذا كان هؤلاء قد عجزوا فغيرهم ممن هم دونهم بلاغة وفصاحة أشد عجزا، وكيف لا يقال: إن الترجمة بهذا المعنى مستحيلة، ولا بد فيها من الأمور الستة التى ذكرتها عند الكلام على تقسيم الترجمة؟ وقد قلت إن الترجمة الحرفية لا بدّ فيها من أمرين هما: ١ - وجود مفردات فى لغة الترجمة مساوية لمفردات القرآن. ٢ - تشابه اللغتين فى الضمائر المستترة والروابط التى تربط المفردات لتأليف التراكيب. وهذان الأمران يجعلان الترجمة أكثر استحالة.

стр. 75

ومن الأدلة على استحالة الترجمة شرعا ما يلى: ١ - أن طلب المستحيل العادى حرمه الإسلام أيّا كان هذا المستحيل ترجمة أو غير ترجمة، وذلك لأنه ضرب من العبث، وتضييع للوقت من غير فائدة ولا ثمرة. قال تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (١) وقال ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار». (٢). ٢ - إن محاولة هذه الترجمة تشجع الناس على انصرافهم عن كتاب الله مكتفين ببدل أو أبدال يزعمون أنها ترجمات له. ولا يشك عاقل فى أنه بمرور الزمن سيذهب عنها اسم الترجمة ويبقى اسم القرآن علما عليها ويقال: هذا قرآن بالإنجليزية، وذاك بالفرنسية ونحو ذلك، فلو ذهبنا إلى القول بجواز هذه الترجمة لدعا ذلك كل قطر من الأقطار أن يكون له قرآن من هذا الطراز، ولا شك فى حرمة هذا لأنه يؤدى إلى صرف الناس عن كتاب الله، وإلى تفرقهم عنه وضلالهم فى مسماه. ٣ - لو جوزنا هذه الترجمة ووصل الأمر إلى حدّ يستغنى الناس عن القرآن بترجماته لتعرض الأصل العربى للضياع، كما ضاع الأصل العبرى للتوراة والإنجيل، ولا ريب فى أن ضياع الأصل العربى نكبة كبرى تغرى النفوس على التلاعب بدين الله تبديلا وتحريفا (٣). ومن هنا يجب القول بتحريم كل عمل يعرّض الدين للتغيير والتبديل. هذا وقد يعترض معترض ويقول: كيف تقولون باستحالة الترجمة شرعا، وقد روى أن أهل فارس

стр. 76

كتبوا إلى سلمان الفارسى رضى الله عنه أن يكتب لهم الفاتحة بالفارسية فكتب لهم «بسم الله الرحمن الرحيم- بنام يزدان بخشايند» فكانوا يقرءون ذلك الصلاة حتى لانت ألسنتهم وبعد ما كتب عرضه على النبى ﷺ (١)؟. والجواب عن هذا من وجوه: أولها: أن هذا خبر مجهول الأصل لا يعرف له سند فلا يجوز العمل به. ثانيها: لو كان هذا الخبر ثابتا لنقل وتواتر لأنه مما تتوافر الدواعى على نقله وتواتره. ثالثها: أن هذا الخبر قد وقع فيه اختلاف بالزيادة والنقص، وذلك موجب لاضطرابه وردّه والدليل على هذا الاضطراب أن الإمام النووى (٢) ﵀ قد نقله بلفظ آخر نصه: عن سلمان الفارسى رضى الله عنه أن قوما من الفرس سألوه أن يكتب لهم شيئا من القرآن فكتب لهم فاتحة الكتاب بالفارسية اه. والمتأمل يجد مخالفة واضحة بين الروايتين فالرواية الثانية نصت على أنه رضى الله عنه ترجم لهم الفاتحة ولم تذكر العرض على رسول الله ﷺ ، والرواية الأولى ذكرت بعض البسملة، ونصت على العرض على رسول الله ﷺ . رابعها: أن هذه الرواية على فرض صحتها معارضة للأدلة القاطعة السابقة التى تدل على استحالة الترجمة وحرمتها، ولا شك أن معارض القطعى ساقط. خامسها: أن هذه الرواية تحمل فى نفسها دليل الضعف، حيث

стр. 77

إنهم سألوه أن يكتب لهم ترجمة فاتحة الكتاب، فلم يكتبها لهم، وكتب ترجمة البسملة. فلو كانت الترجمة ممكنة شرعا لأجابهم إلى ما طلبوا وإلا كان آثما. سادسها: المتأمل فى هذا الخبر يدرك أن البسملة ذاتها لم تترجم لهم كاملة لأن هذه الألفاظ التى ساقتها الرواية على أنها ترجمة للبسملة لم يؤت فيها بلفظ مقابل للفظ (الرحمن) وكأن ذلك لعجز اللغة الفارسية عن وجود نظير فيها لهذا الاسم الكريم. وهذا دليل على أن المراد بالترجمة هنا الترجمة اللغوية لا العرفية وذلك على فرض ثبوت الرواية (١). فإن قيل: إذا كانت الترجمة حراما فكيف نبلغ هداية القرآن إلى الأمم الأخرى وهو واجب لأن الرسول ﷺ مرسل إلى العالم كله؟ والجواب من وجوه: أولا: إن تبليغ الأمم الأجنبية هداية القرآن لا يتوقف على ترجمته لهم ترجمة حرفية، بل يمكن أن يحصل بترجمته على المعنى اللغوى السابق، وهو تفسير القرآن لهم باللغة التى يفهمونها. ثانيا: مما تقدم يعلم أن ترجمة القرآن ترجمة حرفية مستحيلة، والله لا يكلفنا بالمستحيل. قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها (٢) ثالثا: أن الرسول ﷺ لم يتخذ هذه الترجمة وسيلة إلى تبليغ الأجانب، مع أنه قد دعا العرب والعجم، وكاتب كسرى وقيصر، وراسل المقوقس والنجاشى، وكانت جميع كتبه لهم عربية العبارة ليس فيها آية واحدة مترجمة فضلا عن ترجمة القرآن كله. وهؤلاء الملوك

стр. 78

قد يدعون تراجم يفسرونها لهم، وقد يسألون من يتصل بهم عن تعاليم الإسلام وصفات النبى الخاتم ﷺ . يقول المرحوم الشيخ محمد أبو زهرة (١): .. وأما بالنسبة لغير المسلمين الذين يريدون أن يعرفوا ما فى القرآن، ونحن نقرر أن من الصدّ عن سبيل الله تعالى إلا نطلعهم على ما فى القرآن من تكليف وعظات وإرشاد، ولكن السبيل إلى ذلك ليس ترجمة القرآن ذاته، فإن ذلك متعذر لأن القرآن له معان رائعة تختلف فى إدراكها على الوجه الأكمل للعقول، وكل عقل يدرك منها بمقدار ثقافته، وما يدلى به من حبال المعرفة وطاقة الفهم. وإنما السبيل هو الاتجاه إلى أحد أمرين: إما بيان المعانى الأصلية التى اشتمل عليها القرآن: مبينة بأقوال النبى ﷺ ، وبذلك يعرفون حقائق الإسلام ويستضيئون بنور القرآن. والاتجاه الثانى: أن يفسر القرآن تفسيرا موجزا مختصرا موضحا لمعانى الآيات، وأن يتولى كتابة هذا التفسير جماعة علمية معروفة بأنها من أهل الذكر، ويذكر التفسير منسوبا إليهم، ومسمى بأسمائهم، مضافا إليها، ويترجم ذلك التفسير على أنه ترجمة تفسير فلان وفلان، وأن نحتاط عند النشر ذلك الاحتياط لكيلا يفهم أحد أن هذه الترجمة هى القرآن، أو هى معانى القرآن، بل يشار إلى أنها ترجمة لمعانى القرآن على ما ذكره وفهمه أولئك المفسرون. فإن معانى القرآن على الحقيقة لا يعلمها كاملة إلا منزل القرآن ومن نزل عليه الفرقان، ومن بعد يدرك كل عالم بمقدار طاقته اه.

стр. 79

حكم قراءة الترجمة والصلاة بها: الحق أنه لولا وجود خلاف فى بعض نقول المذهب الحنفى لقلت: إن هناك إجماعا على منع قراءة ترجمة القرآن بأى لغة سواء كانت قراءة هذه الترجمة فى الصلاة أو خارجها. وإليك بعض أقوال فقهاء المذاهب فى هذا الأمر: أولا: مذهب الحنفية: ذكر فى كتب السادة الحنفية أن الإمام الأعظم ﵀ كان يرى جواز القراءة بالفارسية فى الصلاة بغير عذر، وقد خالف فى ذلك رأى الصاحبين محمد وأبى يوسف رحمهما الله، حيث قالا بعدم جواز القراءة بغير العربية إلا عند العجز عنها. واحتج أبو حنيفة ﵀ بقوله تعالى: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ (١) والعجم لا يعقلون الإنذار إلا بترجمته. وبقوله ﷺ : «أنزل القرآن على سبعة أحرف» (٢). والحق أن ما استدل به الإمام لا يسعفه فيما ساقه إليه، فالإنذار المذكور فى الآية الكريمة يحصل وإن نقل إليهم معناه. كما أن السبعة أحرف المذكورة فى الحديث قيل: المراد بها سبع لغات للعرب، والحديث يدل على أنه لا يتجاوز هذه السبعة، وهو يقولون: يجوز بكل لسان ومعلوم أنها تزيد على سبعة. وتذكر كتب الحنفية أن الإمام الأعظم رجع عن قوله إلى قول صاحبيه. جاء فى شرح الدر المختار (٣): وعلى هذا الخلاف الخطبة وجميع أذكار الصلاة. وأما ما ذكره بقوله:

стр. 80

أو آمن أو لبى أو سلم أو سمّى عند ذبح أو شهد عند حاكم، أورد سلاما ولم أر لو شمت عاطسا أو قرأ بها عاجزا فجائز إجماعا- قيد القراءة بالعجز لأن الأصح رجوعه إلى قولهما وعليه الفتوى اه. وجاء فى كشف الأسرار (١): وقد صح رجوعه إلى قول العامة رواه نوح بن أبى مريم اه. وذكر صاحب البدائع (٢): وإذا لم يحسن العربية يسبح ويهلل عنده ولا يقرأ بالفارسية. ثانيا: مذهب المالكية: جاء فى المدونة (٣): سألت ابن القاسم عمن افتتح الصلاة بالأعجمية وهو لا يعرف العربية: ما قول مالك فيه؟ فقال: سئل مالك عن الرجل يحلف بالعجمية فكره ذلك وقال: أما يقرأ؟ أما يصلى؟ إنكارا لذلك. وجاء فى حاشية الدسوقى (٤): لا تجوز قراءة القرآن بغير العربية، بل لا يجوز التكبير فى الصلاة بغيرها ولا بمرادفه من العربية، فإن عجز عن النطق بالفاتحة بالعربية وجب عليه أن يأتم بمن يحسنها، فإن أمكنه الائتمام ولم يأتم بطلت صلاته، وإن لم يجد إماما سقطت عنه الفاتحة وذكر الله تعالى وسبحه بالعربية اه.

стр. 81

ثالثا: مذهب الشافعية: قال الإمام النووى ﵀ (١): مذهبنا أنه لا يجوز قراءة القرآن بغير لسان العرب سواء أمكنه العربية أو عجز عنها، وسواء كان فى الصلاة أو غيرها، فإن أتى بترجمته فى صلاة بدلا من القراءة لم تصح صلاته سواء أحسن القراءة أم لا. وجاء فى الروضة (٢): من لا يقدر على قراءة الفاتحة يلزمه كسب القدرة بتعلم أو توسل إلى مصحف يقرؤها منه بشراء أو إجارة أو استعارة. فإن كان فى ليل أو ظلمة لزمه تحصيل السراج عند الإمكان، فلو امتنع من ذلك عند الإمكان لزمه إعادة كل صلاة صلاها قبل أن يقرأها. فإن تعذرت الفاتحة لتعذر التعلم لضيق الوقت أو بلادته أو عدم المعلم والمصحف أو غير ذلك لم يجز ترجمة الفاتحة، بل ينظر إن كان أحسن قرآنا غير الفاتحة لزمه قراءة سبع آيات ... ثم قال: أما الذى لا يحسن شيئا من القرآن فيجب عليه أن يأتى بالذكر كالتسبيح والتهليل. وقال حجة الإسلام الغزالى ﵀ (٣): ودعاء الاستفتاح بعد التكبير مستحب، ثم التعوذ بعده من غير جهر، وفى استحباب التعوذ فى كل ركعة وجهان، ثم الفاتحة بعده متعينة لا يقوم ترجمتها مقامها اه. وقال الشيخ جلال الدين السيوطى ﵀ (٤): ولا يجوز قراءة القرآن بالعجمية مطلقا سواء أحسن العربية أم لا فى الصلاة أم خارجها.

стр. 82

ثم قال: وعن القفال من أصحابنا (١): إن القراءة بالفارسية لا تتصور. قيل له: فإذن لا يقدر أحد أن يفسر القرآن. قال: ليس كذلك لأن هناك يجوز أن يأتى ببعض مراد الله ويعجز عن البعض أما إذا أراد أن يقرأه بالفارسية فلا يمكن أن يأتى بجميع مراد الله تعالى لأن الترجمة إبدال لفظة بلفظة تقوم مقامها، وذلك غير ممكن بخلاف التفسير اه. رابعا: مذهب الحنابلة: قال ابن قدامة ﵀ (٢): ولا تجوز القراءة بغير العربية ولا إبدال لفظها بلفظ عربى سواء أحسن قراءتها بالعربية أو لم يحسن. وجاء فى مطالب أولى النهى (٣): .. فإن لم يحسن قرآنا أى آية فيه حرم ترجمته أى: تعبير عنه بلغة أخرى إذ الترجمة لا تسمى قرآنا. بل هى تفسير للقرآن لأن القرآن هو اللفظ العربى المنزل على سيدنا محمد ﷺ قال تعالى: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (٤) فلا تحرم الترجمة على جنب، ولا يحنث بها من حلف لا يقرأ، وأما قوله تعالى:

стр. 83

وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ (١) والإنذار بالترجمة يحصل بالمفسر الذى هو القرآن لا بالتفسير اه. وقد تقدم عند الكلام على المذهب الحنفى الكلام حول الإنذار المذكور فى الآية السالفة. خامسا: مذهب الظاهرية: قال ابن حزم ﵀ (٢): مسألة: ومن قرأ أم القرآن أو شيئا منها أو شيئا من القرآن فى صلاته مترجما بغير العربية، أو بألفاظ عربية غير الألفاظ التى أنزل الله تعالى عامدا لذلك، أو قدم كلمة أو أخرها عامدا لذلك بطلت صلاته وهو فاسق لأن الله تعالى قال: قُرْآناً عَرَبِيًّا (٣) وغير العربى ليس عربيّا فليس قرآنا وإحالة رتبة القرآن تحريف كلام الله تعالى، وقد ذم الله تعالى قوما فعلوا ذلك فقال: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ (٤) هذا: وبعد ذكر آراء المذاهب الفقهية نجد أن كلمتهم تكاد تتفق على منع القرآن ترجمة حرفية بأى لغة، وعلى أنه لا تصح الصلاة بهذه الترجمة إلا ما يروى من نقول عن المذهب الحنفى والله أعلم.

стр. 84

الفصل الخامس فى حجية القرآن علم مما تقدم أن القرآن نقل إلينا عن طريق التواتر المفيد للقطع بصحته جملة وتفصيلا، وعلى هذا فحجيته أيضا مقطوع بها. والقرآن الكريم هو باتفاق جميع الأمة، المصدر الأول للتشريع، فيجب الأخذ به والامتثال بما فيه. وإذا كان القرآن الكريم المصدر الأول للإسلام، فهو كذلك المصدر الأول للثقافة الإسلامية، فكل تعاليم الإسلام يجب أن ترجع فى أصولها إلى القرآن: العقائد والمفاهيم والقيم والعبادات والشعائر والأخلاق والآداب والقوانين والشرائع. كل هذه قد وضع القرآن أسسها وأرسى دعائمها. وقد حوى القرآن من حقائق الغيب، وحقائق النفس، وحقائق الحياة، وحقائق الاجتماع الإنسانى وبيّن من سنن الله تعالى ومن آياته فى الأنفس والآفاق ما لا يستغنى بشر عن معرفته والاهتداء به. وقد صاغ ذلك كله فى أسلوب معجز هو «نور من الكلام أو كلام من النور» لا يوصف إلا بأنه: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) وصفه منزله بأنه «نور» والنور من طبيعته أن يضيء ويهدى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (٢)

стр. 85

كما وصفه بأنه روح، والروح من طبيعته أن يحرّك ويحيى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا (١) ولهذا (٢) كان شأن المؤمنين المهتدين بالقرآن، أن يوصفوا بالحياة وبالنورانية معا انتصروا على الموت وعلى الظلام جميعا قال تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها (٣) قال ابن حزم الظاهرى ﵀ (٤): .... ولما تبين بالبراهين والمعجزات أن القرآن هو عهد الله إلينا، والذى ألزمنا الإقرار به، والعمل بما فيه، وصح بنقل الكافة الذى لا مجال للشك فيه أن هذا القرآن هو المكتوب فى المصاحف، المشهور فى الآفاق كلها، وجب الانقياد لما فيه، فكان هو الأصل المرجوع إليه لأننا وجدنا فيه قوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ (٥) فما فى القرآن من أمر أو نهى فواجب الوقوف عنده ... ولا خلاف بين أحد من الفرق المنتمية إلى المسلمين من أهل السنة والمعتزلة والخوارج والمرجئة والزيدية (٦) فى وجوب الأخذ بما فى القرآن. اه.

стр. 86

فالقرآن الكريم حجة على الناس، وأحكامه قانون واجب عليهم اتباعه، لأنه أساس الدين، وحبل الله المتين الذى أمر بالاستمساك به قال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا (١) وإنما كان القرآن الكريم المصدر الأول للتشريع لأمور منها: ١ - أنه مقطوع (٢) به من جهة الثبوت والنقل فى الجملة والتفصيل، بخلاف السنة فالقطع بها إنما يصح فى الجملة لا فى التفصيل والمقطوع به مقدم على المظنون. ٢ - أن الله قال: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (٣) فالله فى هذه الآية أشار بأن السنة جاءت مبينة للقرآن، ومن ثم فهى تالية لما جاءت بيانا له وهو القرآن. ٣ - قال تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ* لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤)

стр. 87

٤ - لما بعث الرسول ﷺ معاذ بن جبل رضى الله عنه إلى اليمن قال له: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله ﷺ . قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيى ولا آلو (١).

стр. 88

٥ - عن الحارث عن على قال: قيل لرسول الله ﷺ : إن أمتك ستفتن بعدك. فسأل رسول الله ﷺ أو سئل ما المخرج منها؟ قال: «بكتاب الله العزيز الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد من ابتغى العلم فى غيره أضله الله ومن ولى هذا الأمر من جبار فحكم بغيره قصمه (١) الله. هو الذكر الحكيم والنور المبين والصراط المستقيم. فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو الفصل ليس بالهزل (٢) وهو الذى سمعته الجن فلم تنته أن قالوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ (٣) لا يخلق (٤) على طول الرد ولا تنقضى عبره ولا تفنى عجائبه» اه. وقد رتب الله على اتباع قرآنه كل خير وسعادة فقال سبحانه: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (٥) كما رتب على الإعراض عنه كل شقاء ونصب فقال سبحانه:

стр. 89

وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى * قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً* قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١) وما أعظم ما قاله أحد الصالحين ﵀ (٢): ما تساءل أصحاب رسول الله ﷺ عن شىء إلا وعلمه فى القرآن ولكن قصر علمنا عنه.

стр. 90

الفصل السادس فى الغاية من البحث فى القرآن لا يختلف اثنان فى أن الله أنزل القرآن لهداية الناس وإرشادهم، قال تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (١) وقال سبحانه: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢) وإنما يتحقق هذا الغرض بإصلاح قلوب الناس وعقولهم بالعقيدة الصحيحة، والأخلاق الفاضلة، ومن ثم فكل بحث فى القرآن يقصد من ورائه الوصول إلى هذه الغاية، فهو بحث سديد. أما البحث لغير ذلك فلا يقوم على استحسانه دليل شرعى ومن الأدلة على هذا ما يلى: ١ - سئل رسول الله ﷺ عن الهلال: لم يبدو فى أول الشهر دقيقا كالخيط ثم يمتلئ حتى يصير بدرا ثم يعود إلى حالته الأولى؟ والقرآن حين نزل بالإجابة نأى (٣) عما قصدوه إلى ما يتعلق به صلاح العمل وصحة العبادة، وجعل الاهتمام بغير هذا فقال سبحانه: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ (٤)

стр. 91

فالقرآن الكريم يهتم بتوجيه الناس وجهة عملية، ويدعوهم إلى صرف همهم عما لا يفيدهم فى الدين والدنيا. ٢ - قرأ عمر رضى الله عنه قوله تعالى: وَفاكِهَةً وَأَبًّا (١) ثم سئل أو سأل نفسه عن الأبّ فلم يعرفه. فقال هذا لعمر الله، التكلّف وما عليك يا ابن أم عمر ألا تدرى ما لأت؟ ابتغوا ما بيّن لكم فى كتاب الله فاعملوا به وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه. ٣ - لا يسأل المرء يوم القيامة إلا عن الأوامر والنواهى، وعلى هذا فالبحث عما وراء التكليف لا يترتب عليه أى فائدة فى الآخرة. قال المرحوم الشيخ على حسب الله (٢): .... عامة المشتغلين بالعلوم التى لا يتعلق بها التكليف، ولا ترتبط بها مصلحة دنيوية معتد بها كثيرا ما يفتنون فى دينهم، ويحرفون عن سواء السبيل بسبب توغّلهم (٣) فى هذه البحوث توغلا تضطرب به عقولهم، وتفسد فطرهم، وقد ينتهى أمرهم إلى الإلحاد ومحاولة صرف الناس عن التدين، وما لهذا أنزل القرآن ولا بمثله يصلح بنو الإنسان. اه.

стр. 92

الفصل السابع فى خواص القرآن ينبغى لمن يريد أن يفهم القرآن، ويستفيد منه أن يقرأه بتدبر وهو يعى خصائصه ومميزاته التى خصّ وميز بها ويدركها بعقله وفؤاده، ولو نظرنا إلى هذه المميزات والخصائص لوجدناها كثيرة ومن أهمها ما يلى: ١ - أن القرآن الكريم كلام الله خالصا غير مشوب (١) بأوهام البشر ولا بأهوائهم (٢)، فهو كله من الله من ألفه إلى يائه، ليس لجبريل منه إلا النقل، ولا لمحمد ﷺ منه إلا التلقى والحفظ، ثم التبليغ والبيان قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (٣) ومعنى هذا أن القرآن الكريم يحمل فى ثناياه علم الألوهية وحكمتها ورحمتها وقدرتها. الألوهية المتصفة بكل كمال، والمنزهة عن كل نقص: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٤)

стр. 93

وكل ما فى القرآن من أخبار ومواعظ، وأوامر ونواه، وتوجيهات وتشريعات، يتجلى فيه الحق كله، والخير كله، والرحمة كلها وكيف لا؟ وقد قال منزله جل شأنه: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) ٢ - القرآن الكريم هو مجموع اللفظ والمعنى، وإن لفظه نزل باللسان العربى، قال تعالى: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) وعلى هذا لا تعتبر الأحاديث النبوية من القرآن، لأن معانيها وإن كانت من عند الله إلا أن ألفاظها من عند رسول الله ﷺ ، وليست من عند الله، وكذا لا يعتبر من القرآن تفسيره، ولو كان باللغة العربية وكذا ترجمته إلى غير العربية لا تعتبر من القرآن (٣). ٣ - التيسير: من أعظم خصائص القرآن أنه كتاب يسّره منزله . يسر تلاوته وفهمه والعمل به لمن رغب وأراد قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (٤) وقال سبحانه: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (٥) وقال: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٦) ٤ - أنه نقل إلينا بطريق التواتر. فالقرآن الكريم نقله قوم لا يتوهم

стр. 94

البتة اجتماعهم وتواطؤهم على الكذب لكثرة عددهم عن قوم مثلهم، وهكذا إلى أن يتصل النقل برسول الله ﷺ فيكون أول النقل كآخره، وأوسطه كطرفيه وكما قيل: أوله تمهيد لآخره، وآخره تصديق لأوله. ٥ - الخلود: من خصائص القرآن أنه كتاب الخلود، فليس كتاب جيل من الأجيال، ولا كتاب عصر من العصور، بل هو الكتاب الخاتم للرسالة الخاتمة، ولهذا تكفل الله بحفظه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١) وقال سبحانه: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ* لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٢) ومن دلائل ذلك أن أربعة عشر قرنا من الزمن مرت على نزوله، ولم يزل كما أنزله الله، وكما بلغه سيدنا رسول الله ﷺ ، وكما تلقاه أصحابه ومن بعدهم جيلا إثر جيل محفوظا فى الصدور متلوا بالألسنة، مكتوبا فى المصاحف، يستظهره عشرات الألوف من أبناء المسلمين حتى الصبيان منهم، بل حتى الأعاجم الذين لا يعرفون لغته (٣). ٦ - الشمول: إذا كان القرآن الكريم كتاب الزمن، فهو كتاب الدين كله، حيث جمع أصول الهداية الإلهية والتوجيه الربانى، سواء فى العقائد والشعائر والآداب والأخلاق، كما جمع أصول التشريع الإلهى فى العبادات والمعاملات، وشئون الحياة عند الأفراد والجماعات، ثم هو ليس

стр. 95

كتابا لقبيلة دون قبيلة، ولا لجنس دون جنس، ولا لبلد دون بلد، وهو يخاطب صنفا من الناس له اتجاه عقلى معين، مغفلا من عداه من الأصناف أصحاب الاتجاهات الأخرى لا لا إنه لكل الأجناس، ولكل البشر، ولكل البلاد، وهو يخاطب الجميع قال تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ (١) وقال سبحانه: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢) ٧ - الإعجاز: وهو عبارة عن نسبة العجز إلى الغير وإثباته له. والحقّ أنه ليتحقق الإعجاز لا بدّ من وجود التحدى، ووجود المقتضى وانعدام المانع، ومعلوم أن التحدى قد حصل وتكرر زمن نزول القرآن الكريم، وقد تدرج القرآن معهم فى التحدى حتى يأتوا بمثل أقصر سورة منه قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٣) وقال سبحانه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤) وقال جل شأنه: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٥) وأما المقتضى فقد وجد أيضا لأن القرآن الكريم حين نزل سفّه (٦)

стр. 96

أحلامهم، وأبطل كل معتقداتهم، وأقام الأدلة والبراهين على صدقه وصدق ما جاء به، ولم يكن هناك ما يمنع من قبولهم التحدى، فهم أهل الفصاحة والبلاغة والقرآن الكريم حين تحداهم، تحداهم بلغتهم لا بلغة أخرى. الأقوال المختلفة فى وجوه الإعجاز: اتفقت الأمة جميعا على أن القرآن الكريم معجزة نبينا محمد ﷺ ، وهو أعظم معجزة ظهرت على وجه الأرض، ومن ثم يجب الاهتمام بمعرفة وجه الإعجاز، وقد خاض العلماء فى ذلك كثيرا وتناولوه بالبحث والدراسة، ويتضح ذلك جليّا فيما يلى: القول الأول: إن إعجاز القرآن إنما هو من جهة إيجازه واحتواء لفظه القليل على المعانى الكثيرة، مثل قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ (١) وقوله: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ (٢) وقوله: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ (٣) وقد اعترض على هذا القول بأنه وقع فى السنة وكلام العرب ما لفظه قليل، ومعناه كثير، وذلك مثل قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» (٤) وقول العرب: القتل أنفى للقتل. القول الثانى: إخباره بوقائع لا يعلمها إلا الله. فقد تحدث القرآن عن وقوع حوادث المستقبل لا علم لأحد من الناس بها، قال تعالى:

стр. 97

غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (١) وقال سبحانه: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ (٢) وقال سبحانه فى أهل بدر: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٣) كما تحدث عن قصص أمم بائدة (٤) ليست لها آثار ولا معالم تدل على أخبارها، وهذا دليل على أنه من عند الله الذى لا تخفى عليه خافية فى الحاضر والماضى والمستقبل، وإلى هذا يقول القرآن مخاطبا النبى ﷺ : تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا (٥) قال ابن الربيع عبد الرحمن الشيبانى ﵀ (٦): ومن وجوه إعجازه ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة، والأمم الخالية، مما كان لا يعلم القصة الواحدة إلا الفذّ (٧) من أحبار (٨) أهل الكتاب، وقد علموا أنه أمىّ (٩) لا يقرأ ولا يكتب حتى كان علماء أهل

стр. 98

الكتاب يسألونه عن كثير مما يختلفون فيه فيؤديه لهم على وجهه، ويأتى به على نصه، فيعترف العالم منهم بذلك له بصدقه قال الله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١) وقد ردّ هذا القول بأنه يستلزم أن الآيات التى ليس فيها شىء من المغيبات لا إعجاز فيها وهو باطل، فقد جعل الله سبحانه كل سورة معجزة بنفسها. القول الثالث: صنيعه فى القلوب وتأثيره فى النفوس عند سماعه أو تلاوته، فالقلب عند سماعه أو تلاوته تعتريه المهابة التى تلحقها الخشية، وقد صح أن جبير بن مطعم رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ فى المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ* أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ* أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٢) كاد قلبى أن يطير. وروى أن عتبة بن ربيعة كلمه رسول الله ﷺ فيما جاء به من خلاف قومه، فتلا عليهم حم فصلت إلى قوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (٣) فأمسك عتبة على فى رسول الله ﷺ وناشده الرحم أن يكف. وقد اعترض على هذا القول بأن جماعة من أرباب القوب وذوى الاستغراق فى بديع أوصاف المحبوب، حصل له من سماع بعض

стр. 99

الأشعار ما أخرجه عن طوره (١)، وربما مات فى الحال (٢). القول الرابع: إخباره عن الضمائر من غير أن يظهر ذلك منهم بقول أو فعل وذلك مثل قوله تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ (٣) وكقوله: وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ (٤) القول الخامس: انطباق آياته (٥) على ما يكشفه العلم من نظريات علمية. فالقرآن الكريم أنزله الله سبحانه على رسوله ﷺ ، ليكون حجة له ودستورا للناس، ليس من مقاصده الأصلية أن يقرر نظريات علمية فى خلق السموات والأرض وخلق الإنسان وغيرها، ولكنه فى مقام الاستدلال على وجود الله وواحدا نيته، وتذكير الناس بآلائه ونعمه ونحو هذا من الأغراض، جاء بآيات تفهم منها سنن كونية، كشف العلم الحديث فى كل عصر براهينها، ودل على أن الآيات التى لفت إليها من عند الله، لأن الناس ما كان لهم بها من علم، وما وصلوا إلى حقائقها، وإنما كان استدلالهم بظواهرها. فلما كشف البحث العلمى سنة كونية وظهر أن آية فى القرآن أشارت إلى هذه السنة قام برهان جديد على أن القرآن من عند الله، وإلى هذا الوجه من وجوه الإعجاز أرشد الله سبحانه بقوله:

стр. 100

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ* سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (١) ومن هذه الآيات قوله تعالى فى مقام الاستدلال على قدرته، ولفت النظر إلى آثاره: وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ (٢) القول السادس: وهو لأبى إسحاق إبراهيم النظام أحد رءوس المعتزلة، أن الله تعالى صرف العرب عن معارضته، وسلب عقولهم، وكان مقدورا لهم لكن عاقهم أمر خارجى، فالمنع عن معارضته وصرفهم عنه هو المعجزة دون ذات القرآن (٣). قال الأستاذ أحمد عز الدين خلف الله (٤): ولا يبعد أن يكون هذا القول منقولا عن الفلسفة الهندية، فقد ذكر أبو الريحان البيرونى المتوفى سنة ٤٤٠ هـ- أن جمهور علماء البراهمة فى الهند يعتقدون أن البشر يعجزون عن محاكاة (الفيدا) - وهو كتاب يشتمل على مجموعة من الأشعار، ليس فى كلام الناس ما يماثلها فى زعمهم، لأن براهما صرفهم عن الإتيان بمثلها، سواء كان هذا المنع تكليفا يسبقه الإيمان بهذا العجز، أو هو منع تكوينى فيكون الصرف بمقتضى التكوين، ولما بدأ العرب فى ترجمة الكتب فى العصر العباسى

стр. 101

الأول عن الفارسية والهندية واليونانية عرف المفكرون المسلمون هذه الأفكار، فتلقّف هذا القول المغرمون بكل وافد من الأفكار مستغرب من الأقوال مهما كان شذوذه، ووجدت هذه الفكرة أنصارا بين علماء الفلسفة الكلامية، فكان أول من جاهر بها أبو إسحاق النظام ودافع عنها وكأنها من مسائل علم الكلام. وهذا القول فاسد لما يلى: أولا: يلزم من القول بالصرفة زوال الإعجاز بزوال زمان التحدى، وخلوّ القرآن من الإعجاز وفى ذلك خرق لإجماع الأمة، فإنهم أجمعوا على بقاء معجزة الرسول ﷺ العظمى، ولا معجزة له باقية سوى القرآن وخلوه من الإعجاز يبطل كونه معجزة. قال القرطبى ﵀ (١): « .... وإذا كان كذلك علم أن نفس القرآن هو المعجز، لأن فصاحته وبلاغته أمر خارق للعادة، إذ لم يوجد قط كلام على هذا الوجه، فلما لم يكن ذلك الكلام مألوفا معتادا منهم دل على أن المنع والصرفة لم يكن معجزا». ثانيا: إن الله وصف القرآن الكريم بأوصاف ذاتية تجعله فى مكانة لا تصل إليها أى معجزة أخرى، وهذه الأوصاف توجب أن يكون إعجازه ذاتيا لا لشىء آخر خارجى. قال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢) ثالثا: إن العرب عند ما تلقوا القرآن وسمعوه أذهلهم أسلوبه، وراعهم

стр. 102

بيانه واعترفوا ببلاغته وفصاحته، وقالوا: ما رأينا مثله شعرا ولا نثرا، ومن ثم فالعجز يكون لذاته وليس لأمر خارج عنه. القول السابع: أن إعجاز القرآن يظهر فى حفظ آياته من التبديل والتغيير، وصون كلماته من النقل والتحويل، فلا يستطيع مخلوق على وجه الأرض أن يزيد فيه أو ينقص منه أو يبدل حرفا بحرف وذلك من آياته الكبرى. قال ابن قيم الجوزية ﵀ بعد ذكره موقف العلماء من وجوه الإعجاز (١): والأقرب من هذه الأقاويل إلى الصواب قول من قال: إن إعجازه بحراسته من التبديل والتغيير والتصحيف (٢)، والتحريف والزيادة، والنقصان، فإنه ليس عليه إيراد ولا مطعن اه. القول الثامن: مناسبة آياته وسوره وارتباط بعضها ببعض، حتى إنها تظهر كالكلمة الواحدة منتظمة المبانى منسقة المعانى. القول التاسع: وهو المختار أن الإعجاز وقع بجميع ما سبق من الأقوال، لا بكل واحد منها عن انفراد فإنه جمعها كلها، فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع، بل وغير ذلك مما لم يذكر. فمنها أنه لم يزل غضّا طريا فى أسماع السامعين، وعلى ألسنة القارئين، ومنها ما ينتشر فيه عند تلاوته من إنزال الله إيّاه فى صورة كلام هو مخاطبة من الله لرسوله ﷺ تارة ومخاطبة أخرى لخلقه لا فى صورة كلام يستمليه (٣)

стр. 103

من نفسه من قذف فى قلبه، وأوحى إليه ما شاء أن يلقيه إلى عباده على لسانه، فهو يأتى بالمعانى التى ألهمها بألفاظه التى يكسوها إياه كما يشاهد من الكتب المتقدمة، ومنها جمعه بين صفتى الجزالة والعذوبة، وهما كالمتضادين لا يجتمعان غالبا فى كلام البشر، لأن الجزالة من الألفاظ التى لا توجد إلا بما يشوبها (١) من القوة والعذوبة فيها ما يضادها من السلاسة والسهولة. فمن نحا نحو الصورة الأولى فإنما يقصد الفخامة والروعة فى الأسماع مثل الفصحاء من الأعراب وفحول الشعراء منهم. ومن نحا نحو الثانية قصد كون الكلام فى السماع أعزب وأشهى، وألذ مثل أشعار المخضرمين. وترى ألفاظ القرآن قد جمعت فى نظمه هاتين الصفتين وذلك من أعظم وجوه البلاغة والإعجاز. ومنها جعله آخر الكتب غنيّا عن غيره وجعل غيره من الكتب المتقدمة، قد يحتاج إلى بيان يرجع فيه (٢) إليه قال تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٣) خلاصة الأمر: أن وجوه الإعجاز لا يمكن البتة حصرها، وكون القرآن آية معجزة ليس هو من جهة فصاحته وبلاغته فقط أو نظمه وأسلوبه فقط، ولا من جهة صرف الدواعى عن معارضته فقط، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط، بل هو آية بينة معجز من وجوه متعددة لا يمكن حصرها، من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، ومن جهة البلاغة، فى دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانية التى أمر بها ومعانيه التى أخبر بها عن الله

стр. 104

تعالى وأسمائه وصفاته وملائكته وغير ذلك، ومن جهة معانية التى أخبر بها عن الغيب فى الماضى، وعن الغيب فى المستقبل، ومن جهة ما أخبر به عن المعاد، ومن جهة ما بين فيه من الدلائل اليقينية والأقيسة العقلية التى هى الأمثال المضروبة كما قال تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (١) وقال سبحانه: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢) قال الأستاذ أحمد خلف الله (٣): « .... فإن المتبصر فى آى الذكر الحكيم قد يدرك من وجوه الإعجاز ما لا يدركه غيره ولا يذوقه سواه». تنبيه: اختلف العلماء فى قدر المعجز من القرآن، فذهب أكثر العلماء منهم القاضى الباقلانى (٤)، والإمام أبو الحسن الأشعرى رحمهما الله إلى القول، بأن أقل ما يعجز عنه من القرآن السورة سواء كانت قصيرة أو طويلة، تمسكا بقوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (٥) أو ما كان بقدرها من الكلام بحيث يتبين فيه تفاضل قوى البلاغة، فإذا كانت الآية بقدر حروف سورة وإن كانت كسورة الكوثر فذلك معجز. قال القاضى ﵀ (٦): ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة فى أقل من هذا القدر،

стр. 105

وهذا القول هو الراجح الذى تؤيده النصوص القرآنية التى أعلنت التحدى. وذهبت المعتزلة إلى أن القدر المعجز متعلق بجميع القرآن، لكن الآية السابقة ترد عليهم. وقال قوم: لا يحصل الإعجاز بآية بل يشترط الآيات الكثيرة. وقال آخرون: يتعلق بقليل القرآن وكثيره لقوله تعالى: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (١) قال القاضى ﵀ (٢): ولا دلالة فى الآية، لأن الحديث التام لا تتحصل حكايته فى أقل من كلمات سورة قصيرة. وجوه المخاطبات فى القرآن الكريم: قال ابن الجوزى ﵀ (٣): الخطاب فى القرآن على خمسة عشر وجها. وقال غيره: يرد الخطاب على أكثر من ثلاثين وجها. الأول: خطاب العام المراد به العموم. ومن ذلك قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٤) وقوله: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٥) وقوله: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الثانى: خطاب الخاص والمراد به الخصوص. ومنه قوله تعالى:

стр. 106

أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ (١) وقوله: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ (٢) الثالث: خطاب العام والمراد به الخصوص. وقد اختلف العلماء فى وقوع ذلك فى القرآن، فأنكره بعضهم لأن الدلالة الموجبة للخصوص بمنزلة الاستثناء المتصل بالجملة، كقوله تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً (٣) والصحيح (٤) أنه واقع كقوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ (٥) وعمومه يقتضى دخول جميع الناس فى اللفظين جميعا، والمراد بعضهم لأن القائلين غير المقول لهم، والمراد بالأول نعيم بن مسعود الثقفى، والثانى أبو سفيان وأصحابه (٦). ومنه قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ (٧) فالخطاب عام أريد به الخصوص، لأن الأطفال والمجانين لم يدخلوا فيه. الرابع: خطاب الخاص والمراد به العموم ومنه قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ (٨) فالخطاب مفتتح بالنبى ﷺ ، والمراد سائر من يملك الطلاق، فالخطاب خاص أريد به العموم. ومنه قوله تعالى:

стр. 107

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ .... (١) الآية. قال الإمام الصيرفى (٢): كان ابتداء الخطاب له ﷺ ، فلما قال فى الموهوبة (خالصة لك) علم أن ما قبلها له ﷺ ولغيره. الخامس: خطاب الجنس كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٣) السادس: خطاب النوع نحو قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ (٤) السابع: خطاب العين. نحو قوله تعالى: يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (٥) وقوله: يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ (٦) وقوله: يا إِبْراهِيمُ* قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا (٧) الثامن: خطاب المدح. نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (٨)

стр. 108

وهذا وقع خطابا لأهل المدينة الذين آمنوا وهاجروا تمييزا لهم عن أهل مكة. التاسع: خطاب الذم. كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ (١) وقوله: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (٢) ولتضمنه الإهانة لم يقع فى القرآن غير هذين الموضعين وأكثر الخطاب ب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا على المواجهة وفى جانب الكفار جىء بلفظ الغيبة إعراضا عنهم كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا (٣) وقوله: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا (٣) العاشر: خطاب الكرامة كقوله تعالى: يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (٥) وقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ (٦) و: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ (٧) ويلاحظ أن الخطاب بالنبى نجده فى محل لا يليق به الخطاب بالرسول، وكذا عكسه كقوله تعالى فى الأمر بالتشريع العام: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وفى مقام الخاص: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ وقد يعبر بالنبى فى مقام التشريع العام لكن

стр. 109

مع قرينة إرادة العموم كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ (١) ولم يقل طلقت. الحادى عشر: خطاب الإهانة نحو قوله تعالى لإبليس: فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ* وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٢) وقوله: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (٣) الثانى عشر: خطاب التهكم نحو قوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤) والخطاب هنا لأبى جهل لأنه قال: ما بين جبليها- يعنى مكة- أعز ولا أكرم منى (٥). الثالث عشر: خطاب الجمع بلفظ الواحد كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) الرابع عشر: خطاب الواحد بلفظ الجمع كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إلى قوله: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٧) فهو خطاب له ﷺ وحده إذ لا نبى معه ولا بعده. ونحو قوله تعالى:

стр. 110

وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١) فالخطاب هنا للنبى ﷺ وحده بدليل قوله تعالى بعد ذلك: وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ (٢) الخامس عشر: خطاب الواحد بلفظ الاثنين، نحو قوله تعالى: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ (٣) والمراد مالك خازن النار. فالخطاب لمالك وحده، وجاء بلفظ الاثنين. وقيل: الخطاب لخزنة النار والزبانية، فيكون من خطاب الجمع بلفظ الاثنين. وقيل: للملكين الموكلين فى قوله تعالى: وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٤) فيكون على الأصل. السادس عشر: خطاب الاثنين بلفظ الواحد. ومنه قوله تعالى: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٥) أى ويا هارون. وفيه وجهان: الأول: أنه أفرده بالنداء لإدلاله عليه بالتربية. الثانى: لأنه صاحب الرسالة والآيات وهارون تبع له (٦). ومن قوله تعالى: فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (٧) قال الإمام البيضاوى ﵀ (٨): أفرده بإسناد الشقاء إليه بعد اشتراكهما فى الخروج اكتفاء باستلزام
следующие страницы →