← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 37973

دراسات أصولية في القرآن الكريم

محمد إبراهيم الحفناوى

Полный текст (462 стр.). Показаны 456–462 · переход к 461.

стр. 456

مثال ذلك: قول الله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) فقد نزل هذا القول الكريم فى غزوة أحد إرشادا للمسلمين إلى موقع الخطأ الذى وقعوا فيه. رابعها: كشف حال أعداء الله المنافقين، وهتك أستارهم للنبى ﷺ والمسلمين، ويظهر هذا واضحا فى قول الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ إلى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) فالثلاث عشرة آية المذكورة فضحت المنافقين وكشفت أستارهم. الحكمة الرابعة: التدرج فى تشريع الأحكام، فالله لم يكلف عباده ما لا يطيقونه، بل سلك بهم طريقا وسطا. فاهتم القرآن أولا بزرع وتثبيت العقيدة فى النفوس، ولم يكلفهم من العبادات فى مكة إلا القليل، فالصلاة لم تفرض عليهم إلا قبل الهجرة بقليل، ثم فرض الصيام والزكاة فى السنة الثانية من الهجرة، ثم فرض الحج فى السنة السادسة من الهجرة أيضا. ولم يحرم القرآن عليهم ما كان يجرى فى نفوسهم جرى الدم فى العروق، فالخمر لم تحرم عليهم مطلقا إلا فى المدينة المنورة حينما نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣). وكذا الربا لم يحرمه القرآن إلا بعد الهجرة أيضا.

стр. 457

الحكمة الخامسة: الإرشاد إلى مصدر القرآن، وأنه كلام الله وحده. فالقرآن الكريم حين يقرؤه الإنسان يجد أن أوله تمهيد لآخره، وآخره تصديق لأوله، فهو جيد السبك، متين الأسلوب (١). لا يوجد أى تفكك أو انفصام بين أجزائه، مع أنه نزل فى ثلاثة وعشرين عاما، الأمر الذى يجعل كل منصف ينطق بأن القرآن كلام الله، وصدق الله العظيم إذ يقول: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٢).

стр. 458

الفصل السابع فى أول ما نزل وآخر ما نزل جاء فى صحيح البخارى (١) فى حديث بدء الوحى ما يفيد أن أول ما نزل من القرآن: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (٢). ثم المدثر. وجاء فى صحيح مسلم- أول ما نزل من القرآن: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ إلى قوله: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٣) الا أنه جاء فى صحيح مسلم أيضا عن جابر: أول ما نزل من القرآن سورة المدثر. ولعل جابرا رضى الله عنه سمع النبى ﷺ يذكر قصة بدء الوحى، فسمع آخرها ولم يسمع أولها فتوهم أنها أول ما نزلت وليس كذلك. نعم هى أول ما نزل بعد سورة «العلق» لما ثبت فى الصحيحين (٤) عن جابر رضى الله عنه أن رسول ﷺ كان يحدث عن فترة الوحى فقال: بينما أنا أمشى سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسى فإذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض فجثثت (٥) منه فرقا فرجعت فقلت زمّلونى زمّلونى، فأنزل الله ﵎: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ (٦). وجاء فى البرهان (٧): «وقيل: أول ما نزل سورة الفاتحة ... وطريق الجمع بين الأقاويل

стр. 459

أن أول ما نزل من الآيات: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وأول ما نزل من أوامر التبليغ- يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ- وأول ما نزل من السور سورة الفاتحة». وقيل: أول ما نزل للرسالة: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ وللنبوة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ فإن العلماء قالوا: قوله تعالى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ دالّ على نبوة سيدنا محمد ﷺ ، لأن النبوة عبارة عن الوحى إلى الشخص على لسان الملك بتكليف خاص، وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ دليل على رسالته ﷺ ، لأنها عبارة عن الوحى إلى الشخص على لسان الملك بتكليف عام. وأما ما آخر ما نزل فقد اختلف فيه العلماء كثيرا: فعن ابن عباس رضى الله عنهما أن آخر ما نزل قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١). وعن عائشة رضى الله عنها أن آخر ما نزل سورة المائدة. وقيل: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ (٢). وقيل: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٣). وقيل آخر ما نزل آية الربا. قال القاضى أبو بكر فى الانتصار (٤): وهذه الأقوال ليس فى شىء منها ما رفع إلى النبى ﷺ ، ويجوز أن يكون قاله قائله بضرب من الاجتهاد، وليس العلم بذلك من فرائض الدين ... ويحتمل أن كلا منهم أخبر عن آخر ما سمعه

стр. 460

من رسول الله ﷺ فى اليوم الذى مات فيه أو قبل مرضه بقليل وغيره سمع منه بعد ذلك. هذا ما قاله القاضى ﵀، ولعل النفس تستريح- كما ذكر الشيخ الزرقانى ﵀ (١) - إلى القول القائل: إن آخر آية نزلت هى قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ الأول: ما تحمله هذه الآية فى طياتها من الإشارة إلى ختام الوحى والدين بسبب ما تحث عليه من الاستعداد ليوم القيامة، وما تنوّه به من الرجوع إلى الله واستيفاء الجزاء العادل. الثانى: روى أنه ﷺ عاش بعد نزول هذه الآية تسع ليال فقط والله تعالى أعلم. فائدة: افتتح الله سور القرآن بعشرة أنواع من الكلام لا يخرج شىء من السور عنها. الأول: الثناء عليه ، والثناء قسمان: ١ - إثبات لصفات المدح وهو التحميد فى خمس سور، وتبارك فى سورتين. ٢ - نفى وتنزيه من صفات النقص وهو التسبيح فى سبع سور. الثانى: حروف التهجّي فى تسع وعشرين سورة. الثالث: النداء فى عشر سور: خمس بنداء الرسول ﷺ : الأحزاب، والطلاق، والتحريم، والمزمل، والمدثر، وخمس بنداء الأمة: النساء، والمائدة، والحج، والحجرات، والممتحنة. الرابع: الجمل الخبرية نحو: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ (٢)،

стр. 461

بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (١)، أَتى أَمْرُ اللَّهِ (٢) وجملة السور المبتدأة بالجمل الخبرية ثلاث وعشرون سورة. الخامس: القسم فى خمس عشرة سورة منها الصافات، والبروج، والطارق. السادس: الشرط فى سبع سور هى: الواقعة، والمنافقون، والتكوير، والانفطار، والانشقاق، والزلزلة، والنصر. السابع: الأمر فى ست سور: الجن، والعلق، والكافرون، والصمد، وقل أعوذ «المعوذتين». الثامن: الاستفهام فى ست سور: الإنسان، والنبأ، والغاشية، والشّرح، والفيل، والماعون. التاسع: الدعاء فى ثلاث: ويل للمطففين، ويل لكل همزة، المسد. العاشر: التعليل فى: لإيلاف قريش. وقد نظمت هذه العشرة فى بيتين لأبى شامة عبد الرحمن بن إسماعيل ﵀ حيث قال: أثنى على نفسه سبحانه بثبو ... ت الحمد والسلب لما استفتح السّورا والأمر شرط النداء والتعليل والقسم الد ... عا حروف التهجّى استفهم الخبرا

стр. 462

خاتمة نسأل الله تعالى حسنها الحق أن ما جاء فى هذا الكتاب هو خلاصة ما ذكره علماء الأصول والمشتغلون بعلوم القرآن، ولا يمكن لى أبدا أن أزعم بأنه من جهدى الشخصى فحسب، وإنما مثلى كإنسان رأى العديد من اللآلئ والجواهر التى تبهر العين، وتنير الصدر مبعثرة فى أماكن متفرقة فجمعها ونظمها فى عقد واحد. وإن تجد عيبا فسدّ الخللا ... فجلّ من لا فيه عيب وعلا وما أحسن قول القائل: فإن وقفت قدرتى دون همّتى ... فمبلغ علمى والمعاذير تقبل وكل ما أطلبه وأتمناه وأنا أختم هذا الكتاب أن يرجع المسلمون إلى قرآنهم يتأدبون بأدبه، ويتخلقون بخلقه قال تعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى * قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً* قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى سورة طه آيات: ١٢٣، ١٢٦. هذا وأسأله جل شأنه أن يحفظنا بالقرآن ويجعله جليسا لنا فى وحدتنا وأنيسا لنا فى غربتنا وشفيعا لنا يوم يقوم الناس لرب العالمين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الفقير إلى عفو الله ورضاه أبو أحمد محمد إبراهيم الحفناوى