وذلك كحديث جابر رضى الله عنه: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار» (١).
قال الإمام فخر الدين الرازى ﵀ (٢):
وأما التاريخ فقد يعلم باللفظ أو بغيره. أما اللفظ فكما إذا قال:
أحد الخبرين قبل الآخر. وأما غير اللفظ فعلى وجوه:
أحدها: أن يقول هذا الخبر ورد سنة كذا وهذا فى سنة كذا.
ثانيها: أن يعلق أحدهما على زمان معلوم التقدم والآخر بالعكس. كما لو قال كان هذا فى غزاة بدر والآخر فى غزاة أحد، وهذه الآية نزلت قبل الهجرة والأخرى بعدها.
ثالثها: أن يروى أحدهما رجل متقدم الصحبة لرسول الله ﷺ ، ويروى الآخر رجل متأخر الصحبة وانقطعت صحبة الأول للرسول ﷺ عند ابتداء الآخر بصحبته. فهذا يقتضى أن يكون خبر الأول متقدما. أما لو دامت صحبة المتقدم مع الرسول ﷺ لم يصح هذا الاستدلال.
٢ - أن ينعقد إجماع الأمة فى أى عصر من العصور على تعيين المتقدم من النصين والمتأخر منهما.
قال الإمام التلمسانى ﵀ (٣):
.... ومن ذلك: أن ينعقد الإجماع على خلاف الحكم، وإن لم يعلم الناسخ فالإجماع عندنا ليس بناسخ، ولكنه متضمن للناسخ، ومثاله ما روى أن النبى ﷺ أمر بقتل شارب الخمر (٤) فى
стр. 422
المرة الرابعة ثم انعقد الإجماع (١) بعد ذلك على أنه يحد ولا يقتل، فعلمنا أن الخبر الأول منسوخ. اه.
٣ - معرفة أن أحد الأمرين المتعارضين بعينه متأخر عن الأمر الآخر وعليه فيكون المتأخر هو الناسخ للمتقدم.
هذا ومن الطرق المختلف فيها بين العلماء فى معرفة النسخ ما يلى:
١ - أن يقول الراوى- كان الحكم كذا ثم نسخ- فإنه لا يثبت به النسخ عند السادة الشافعية لاحتمال أن يكون قوله عن اجتهاد منه وليس عن توقيف من الرسول ﷺ . ومعلوم أن المجتهد لا يكلف بالعمل بقول مجتهد آخر.
قال الإمام الرازى ﵀ (٢):
إذا قال الصحابى: كان هذا الحكم ثم نسخ كقولهم: إن خبر «الماء من الماء» (٣) نسخ بخبر: «التقاء الختانين» (٣) لم يكن ذلك حجة لأنه يجوز أن يكون قاله اجتهادا فلا يلزمنا. اه.
أما السادة الحنفية (٥) فيثبتون النسخ بذلك حيث إن إطلاق الراوى العدل للنسخ من غير أن يعين الناسخ مشعر بأنه عن توقيف من الرسول ﷺ فقبل قول الراوى فيه.
٢ - أن يكون أحد النصين المتعارضين مثبتا فى المصحف بعد النص الآخر. فإن البعض يرى أن المتأخر فى الإثبات ناسخ للمتقدم، وهذا خلاف ما عليه الجمهور حيث إن ترتيب الآيات فى المصحف على هذا
стр. 423
النحو ليس على ترتيب النزول، فقد يكون المتقدم فى الترتيب متأخرا فى النزول.
٣ - أن يكون راوى أحد الحديثين المتعارضين أصغر سنا من الراوى الآخر أو متأخرا فى الإسلام عنه. فبعض العلماء يرى أن الحديث الذى رواه الأصغر سنّا أو المتأخر فى الإسلام يكون ناسخا للحديث الآخر، لأن الظاهر أنه متأخر فى الزمن عن الحديث الآخر.
والجمهور لا يرى ذلك لجواز أن يكون الأصغر سنّا روى عمن هو أكبر منه وأن يكون المتأخر إسلاما روى عمن تقدم فى الإسلام.
٤ - أن يكون أحد النصين موافقا للبراءة الأصلية دون الآخر: فربما يتوهم أن الموافق لها هو السابق والمتأخر عنها هو اللاحق، مع أن ذلك غير لازم لأنه لا مانع من تقدم ما خالف البراءة الأصلية على ما وافقها.
كقوله ﷺ : «توضئوا مما مست النار» (١) فإنه مخالف للبراءة الأصلية، ومتقدم على الحديث الموافق لها وهو: «لا وضوء مما مست النار» (٢) والدليل على ذلك حديث جابر رضى الله عنه المتقدم. ولا يخلو هذا من حكمة عظيمة وهى تخفيف الله عن عباده بعد أن ابتلاهم بالتشديد (٣). هذا وقد ذكر الآمدى (٤) بأنه إن علم اقتران النصين المتعارضين مع تعذر الجمع بينهما بأن ذلك فى نظره غير متصور الوقوع وإن جوزه قوم.
ولو فرضنا وقوعه فالواجب: إما الوقف عن العمل بأحدهما أو التخيير بينهما إن أمكن، وكذلك الحكم فيما إذا لم يعلم شىء من ذلك. وأما إن
стр. 424
كان أحدهما معلوما والآخر مظنونا فالعمل بالمعلوم واجب تقدم أو تأخر، أو جهل الحال فى ذلك، لكنه إن كان متأخرا عن المظنون كان ناسخا وإلا كان مع وجوب العمل به غير ناسخ.
وهذا التفصيل كله فيما إذا تنافى النصان من كل وجه، وأما إذا تنافيا من وجه دون وجه، بأن يكون أحدهما أعم من الآخر من وجه دون وجه كما فى قوله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» (١) فإنه خاص بالمبدل وعام فى الرجال والنساء لأن كلمة «من» إذا وقعت شرطا عمت الذكور والإناث وذلك لإشعارها بالعموم عند الإبهام فى باب الشرط واتفاق الشرع والوضع على القضاء بذلك، فإن من قال: من دخل دارى من أرقائى فهو حر، اندرج فى حكم التعليق العبيد والإماء (٢). وقوله ﷺ : «نهيت عن قتل النسوان» (٣) خاص فى النساء وعام بالنسبة إلى المبدل فالحكم فيها كما لو تنافيا (٤) من كل وجه والله تعالى أعلم.
стр. 425
الباب الخامس فى الصلة بين القرآن والسنة
وفيه فصلان الفصل الأول: فى المقدار الذى بينه الرسول ﷺ من القرآن.
الفصل الثانى: فى أنواع بيان القرآن بالسنة.
стр. 426
الفصل الأول فى المقدار الذى بينه الرسول ﷺ من القرآن
أنزل الله القرآن الكريم على رسوله ﷺ هدى للناس لإخراجهم من الظلمات إلى النور، وكتب السعادة والفوز لمن تمسك به، والخزى والخسران لمن أعرض عنه قال تعالى:
فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى * قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً* قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١).
وقد تلقاه المسلمون عن الرسول ﷺ مشافهة فى عصر الصحابة، وبينه الرسول ﷺ بقوله وفعله امتثالا لقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢) وقد اختلف العلماء فى المقدار الذى بينه رسول الله ﷺ من القرآن لأصحابه على مذهبين اثنين:
المذهب الأول: يرى أصحاب هذا المذهب أن رسول الله ﷺ بين لأصحابه كل معانى القرآن، كما بين لهم ألفاظه واستدلوا على هذا بأدلة أهمها ما يلى:
أولا: قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
стр. 427
وجه الدلالة: أن البيان المذكور فى الآية يتناول بيان معانى القرآن كما يتناول بيان ألفاظه، ومما لا شك فيه أنه ﷺ بيّن لأصحابه ألفاظه كلها، ولا بدّ وأن يكون قد بين لهم أيضا كل معانيه وإلا كان مقصرا فى البيان الذى كلف به من الله، وحاشاه ﷺ أن يقصر فى شىء.
ثانيا: روى عن أبى عبد الرحمن بن حبيب السلمى التابعى (١) أنه قال: «حدثنا الذين كانوا يقرءوننا القرآن كعثمان بن عفان، وعبد الله ابن مسعود وغيرهما رضى الله عنهم: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبى ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا». ولهذا كانوا يبقون مدة طويلة فى حفظ السورة.
وقد ذكر العلماء أن ابن عمر رضى الله عنهما أقام على حفظ البقرة ثمانى سنوات. وهذا يدل على أن الصحابة رضوان الله عليهم تعلموا من رسول الله ﷺ
معانى القرآن كلها كما تعلموا ألفاظه.
المذهب الثانى: أن رسول الله ﷺ لم يبين لأصحابه كل معانى القرآن وإنما بين القليل فقط. وقد استند أصحاب هذا المذهب إلى عدة أدلة منها:
١ - ذكر القرطبى ﵀ (٢) أن عائشة رضى الله عنها قالت:
ما كان رسول الله ﷺ يفسر من كتاب الله إلا آيا بعدد علّمه إياهن جبريل ﵇.
٢ - إن رسول الله ﷺ دعا لابن عمه عبد الله بن عباس رضى الله عنهما فقال: «اللهمّ فقّهه فى الدين وعلّمه
стр. 428
التأويل» (١) فلو كان التأويل مسموعا كالتنزيل فما فائدة تخصيصه بذلك (٢)؟
والحق أن المتأمل والناظر بعين الإنصاف يجد أن النبى ﷺ لم يفسر كل معانى القرآن لأصحابه، وإلا لما اختلفوا فى معنى بعض الآيات، ولو كان عندهم من الرسول ﷺ فيه نص ما وقع هذا الاختلاف، أو لارتفع بعد الوقوف على النص.
ويجد أيضا أنه ﷺ لم يفسر لهم ما يرجع فهمه إلى معرفة كلام العرب، لأن القرآن نزل بلغتهم، كما لم يفسر لهم ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة وحقيقة الروح، وإنما فسر لهم ﷺ الكثير من معانيه- غير ما تقدم- كما تشهد بذلك كتب الصحاح وما ذكره أصحاب المذهبين لا ينهض لإثبات مدعى كل منهما.
فأصحاب المذهب الأول يستندون إلى الآية وهى لا تثبت المدعى لأنه ﷺ كان يبين لهم ما أشكل عليهم فهمه من القرآن لا كل القرآن، وما روى عن الصحابة فى أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها لا ينتج المدعى أيضا، لأن غاية ما يفيده أنهم كانوا لا يجاوزون ما تعلموه حتى يفهموا المراد منه، وهو أعم من أن يفهموه من النبى ﷺ أو من غيره من الصحابة، أو من تلقاء أنفسهم حسبما يفتح الله به عليهم من النظر والبحث والاجتهاد.
وكذلك ما استدل به أصحاب المذهب الثانى مقصور على إثبات المدعى، لأن حديث عائشة رضى الله عنها منكر غريب لأنه من رواية محمد بن جعفر الزبيرى وهو مطعون فيه.
стр. 429
قال البخارى: لا يتابع فى حديثه.
وقال الحافظ أبو الفتح الأزدى: منكر الحديث.
وقال فيه ابن جرير الطبرى: إنه ممن لا يعرف فى أهل الآثار.
وعلى فرض صحة الحديث فهو محمول على مغيبات القرآن، وتفسيره لمجمله ونحوه مما لا سبيل إليه إلا بتوقيف من الله (١).
وما روى من دعائه ﷺ لابن عمه لا يدل على أنه ﷺ لم يفسر إلا القليل من معانى القرآن الكريم.
стр. 430
الفصل الثانى فى أنواع بيان القرآن بالسنة
أوجه بيان السنة للقرآن:
ترد السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه هى:
الأول: أن تكون مؤيدة لأحكام القرآن موافقة له من حيث الإجمال والتفصيل، وذلك مثل الأحاديث التى تدل على وجوب الصلاة والصيام والزكاة والحج.
قال رسول الله ﷺ : «بنى الإسلام على خمس:
شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» (١). فهذا الحديث الشريف موافق لقوله تعالى: فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ (٢) وقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (٣) وقوله جل شأنه: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (٤) وقال ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه» (٥) فهذا القول الكريم موافق لقوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ (٦).
стр. 431
الثانى: أن تكون مبينة لأحكام القرآن من تخصيص عام أو تقييد مطلق أو تفصيل مجمل، ونحو ذلك.
الأمثلة:
أولا: تخصيص العام. قال تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ (١) وقال ﷺ : «لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها» (٢).
فالآية الكريمة بعمومها تفيد حل النكاح من غير المحرمات المذكورات فى الآيات السابقة، وظاهر أنها تشمل بهذا العموم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها، ولكن الحديث الشريف نهى عن ذلك، وعليه فيكون الحديث مخصصا لعموم الآية.
وقال تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ (٣). الآية وقال ﷺ : «إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» (٤). فالآية تقضى بعمومها توريث جميع الأولاد، وبه تمسكت السيدة فاطمة رضى الله عنها حيث طلبت من أبى بكر رضى الله عنه بعد وفاة أبيها ﷺ توريثها مما أفاء الله عليه. وخصوص الحديث نصّ فى عدم التوريث، وبه تمسك الصدّيق رضى الله عنه، فردّها ولم يعطها شيئا، وذلك عمل منه بتخصيص عام الآية بخصوص الحديث، وبأن المراد من الأولاد فى الآية ما عدا أولاد الأنبياء، وأما أموال الأنبياء فتكون صدقة.
ولعل الحكمة فى ذلك: أن الورثة لو طمعوا فى أموالهم ربما يحبون موتهم، أو يحاولون إهلاكهم، فناسب ونزاهة الشريعة الحكيمة أن تمنع هذا سدّا للذريعة، وتكريما للأنبياء.
стр. 432
هذا وجدير بالذكر التنبيه على أن العلماء جميعا متفقون على تخصيص عام القرآن بالسنة المتواترة، وأما إذا كانت السنة من أخبار الآحاد فذهب الائمة الأربعة إلى جوازه ومن العلماء من منع ذلك بحجة أن الكتاب قطعى الثبوت، والخبر الذى فيه الكلام ناقلوه متعرضون للزلل، فلا يجوز أن يحكم على الثابت قطعا بما أصله مشكوك فيه (١).
والمختار مذهب الأئمة الأربعة، لأن الصحابة رضوان الله عليهم خصصوا قوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ بحديث: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها» كما تقدم. على أن الإمام مالكا ﵀ مع اعتباره دلالة العام فى القرآن ظنية لأنها من قبيل الظاهر والظاهر عنده ظنى لا يخصص عام القرآن بأخبار الآحاد مطلقا. بل هو أحيانا يخصص عام القرآن بخبر الواحد إذا عاضد الخبر عمل أهل المدينة أو قياس، فإن لم يعاضده واحد منهما فلا يخصص عام القرآن به.
ومن أمثلة ذلك: ما تقدم حول قوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ مع الحديث الشريف حيث قال بتخصيص عموم الآية بالحديث المذكور، لأنه عاضده القياس على الجمع بين الأختين وهو منهى عنه.
ويلاحظ أن القرآن قد يرد مخصصا لعموم الحديث، ومنه قوله تعالى:
وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٢) وقوله ﷺ : «ما قطع من البهيمة وهى حية فهو ميت» (٣). فالآية تدل على جواز الانتفاع بالصوف والوبر والشعر، والحديث بعمومه يدل على أن كل جزء انفصل عن الحيوان يكون ميتة ويحرم بالتالى الانتفاع به، ولا شك أن هذا العموم شامل أيضا ما نصت
стр. 433
عليه الآية، ومن ثم قال العلماء بتخصيص عموم الحديث بخاص الآية، وعليه فيكون معنى الحديث كل عضو انفصل عن الحى عدا الأصواف والأوبار والأشعار فى حكم الميتة فى حرمة الانتفاع به، أما هذه الأشياء المذكورة فى الآية فيباح الانتفاع بها.
ثانيا: تقييد المطلق. قال تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ (١).
وقال ﷺ لسعد رضى الله عنه: «الثلث والثلث كثير.
أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» (٢).
فالوصية فى الآية الكريمة وردت مطلقة وقيدها الحديث الشريف الذى نص على عدم الزيادة على الثلث.
وقال تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (٣).
فإن قطع اليد فى الآية مطلق لم يقيد بموضع خاص من اليد، غير أن السنة قيدت هذا الإطلاق حيث حددت موضع القطع بأن يكون من الرسغ (٤).
ثالثا: تفصيل المجمل. قال تعالى:
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (٥) فالحج واجب على المستطيع بمقتضى هذه الآية، غير أن السنة قد بينت مناسكه كاملة، ولم يتعرض القرآن لبيانها على التفصيل حيث تكلفت السنة بذلك. وكذلك الأمر بالنسبة للصلاة والزكاة.
стр. 434
الثالث: أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو محرمة لما سكت عن تحريمه.
فمن الأول: تغريب الزانى البكر، وإرث الجدة.
ومن الثانى: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، ومنع الحائض من الصوم والصلاة.
والحق أنه لا خلاف بين العلماء فى الوجهين الأولين، وإنما الخلاف بينهم فى الوجه الثالث فقط.
فذهب بعض العلماء إلى القول بأن السنة لا تستقل بالأحكام، وإنما تأتى بما له أصل فى الكتاب، وعليه فهى توضح المراد منه إذا كانت مقيدة لمطلقة أو مخصصة لعامه أو مفصلة لمجمله، أما إن جاءت بغير ذلك فالغرض منها حينئذ إما إلحاق فرع بأصله الذى خفى إلحاقه به، وإما إلحاقه بأحد أصلين واضحين يتجاذبانه.
ومن أمثلة ما ورد فى السنة والغرض منه إلحاق الفرع بالأصل، حديث النهى عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها (١)، فإنه فى الحقيقة قياس على ما نص عليه من تحريم الجمع بين الأختين، ومن ثم تعرض الحديث لبيان العلة من وراء هذا النهى حيث قال ﷺ : «فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم».
ومن أمثلة المتردد بين أصلين تحريم الحمر الأهلية، وذى الناب والمخلب. فالله أحل الطيبات وحرم الخبائث ومن الأشياء ما اتضح إلحاقه بأحد الأصلين، ومنها ما اشتبه كالحمر الأهلية ونحوها، فجاءت السنة ونصت على ما يرفع الشبهة حيث قالت بالتحريم، وذهب جمهور العلماء إلى القول باستقلال السنة بالتشريع لذلك أمر الله تعالى بطاعة رسوله ﷺ ، وحذرنا من مخالفته قال تعالى:
стр. 435
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ (١).
وقال جل شأنه: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢).
على أن رسول الله ﷺ لا يقول ولا يفعل ولا يقرّ ما يخالف القرآن، فهو المبلغ عن ربه والخبير بمقاصد الشريعة والمعصوم من الخطأ (٣).
قال الإمام الشوكانى ﵀ (٤):
اعلم أنه قد اتفق من يعتد به من أهل العلم على أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن فى تحليل الحلال، وتحريم الحرام، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه» (٥) أى أوتيت القرآن وأوتيت مثله من السنة التى لم ينطق بها القرآن، وذلك كتحريم لحوم الحمر الأهلية، وتحريم كل ذى ناب من السباع ومخلب من الطير وغير ذلك مما لم يأت عليه الحصر.
وأما ما يروى من طريق ثوبان فى الأمر بعرض الأحاديث على القرآن، فقال يحيى بن معين: إنه موضوع وضعته الزنادقة.
وقال الشافعى ﵀: ما رواه أحد عمن يثبت حديثه فى شىء صغير ولا كبير.
стр. 436
وقال ابن عبد البر (١) فى كتاب جامع العلم: قال عبد الرحمن بن مهدى: الزنادقة والخوارج وضعوا حديث: «ما أتاكم عنى فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف فلم أقله».
وقد عارض حديث العرض قوم فقالوا: وعرضنا هذا الحديث الموضوع على كتاب الله فخالفه، لأنا وجدنا فى كتاب الله:
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (٢).
ووجدنا فيه: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (٣).
ووجدنا فيه: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ (٤). اه والظاهر- والله أعلم- أن الخلاف بين العلماء حول استقلال السنة بالتشريع خلاف لفظى فقط، لأن الكل متفق على أن هناك أحكاما جديدة وردت فى السنة ولم ترد فى القرآن الكريم.
غير أن الجمهور يسمى ما ورد فى السنة فقط أحكاما استقلت السنة بتشريعها لأنها أحكام جديدة لم ينص عليها فى القرآن. فى حين يرى بعض العلماء بأنها داخلة تحت نصوص القرآن بوجه من الوجوه والله تعالى أعلم.
стр. 437
الباب السادس فى القرآن المكى والمدنى
وفيه فصول الفصل الأول: فى تعريف المكى والمدنى.
الفصل الثانى: فى الطرق الموصلة إلى معرفة المكى والمدنى الفصل الثالث: فى خصائص كل من المكى والمدنى.
الفصل الرابع: فى السور المكية والمدنية.
الفصل الخامس: فى تنزلات القرآن.
الفصل السادس: فى تنجيم القرآن والحكمة منه.
الفصل السابع: فى أول ما نزل وآخر ما نزل.
стр. 438
الفصل الأول فى تعريف المكى والمدنى وفائدة العلم بذلك
ينقسم القرآن الكريم فى مجموعه إلى مكى ومدنى، وقد اهتم العلماء جزاهم الله خير الجزاء بتمييز هذين القسمين، واستخراج خصائص كل منهما لما يترتب عليه من الفوائد التشريعية، والحق أن للعلماء فى تعريف المكى والمدنى ثلاثة اصطلاحات هى:
الأول: المكى ما نزل قبل الهجرة، وإن كان نزوله بغير مكة، والمدنى ما نزل بعد الهجرة وإن كان نزوله بمكة، وقد عبر الشيخ جلال الدين السيوطى عن هذا الاصطلاح بأنه أشهر الاصطلاحات الثلاثة (١).
وقال الشيخ محمد الزرقانى بعد أن ذكر هذا الاصطلاح (٢):
«وهذا التقسيم كما ترى لوحظ فيه زمن النزول، وهو تقسيم صحيح سليم ... ثم قال: ولذلك اعتمده العلماء واشتهر بينهم».
الثانى: المكى ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدنى ما نزل بالمدينة، ويدخل فى مكة ضواحيها كالمنزل على النبى ﷺ بمنى وعرفات والحديبية، ويدخل فى المدينة ضواحيها كذلك كالمنزل على النبى ﷺ فى بدر وأحد.
والناظر إلى هذا التقسيم يجد أنه لوحظ فيه مكان النزول، لكنه غير ضابط لأنه لا يشمل ما نزل بغير مكة والمدينة وضواحيها، كقوله تعالى:
стр. 439
لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ (١). الآية فإنها نزلت بتبوك.
وقوله تعالى: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٢).
فإن هذه الآية نزلت ببيت المقدس ليلة الإسراء. ومما لا شك فيه أن عدم الضبط فى تعريف المكى والمدنى يعتبر عيبا يخل بالمقصود الذى هو الضبط والحصر.
الثالث: المكى ما وقع خطابا لأهل مكة، والمدنى ما وقع خطابا لأهل المدينة. ومعنى هذا أن ما جاء فى القرآن بلفظ: يا أَيُّهَا النَّاسُ فهو مكى وما جاء بلفظ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فهو مدنى. وذلك لأن الكفر كان غالبا على أهل مكة، فخوطبوا بيا أيّها النّاس ولأن الإيمان كان غالبا على أهل المدينة فخوطبوا بيا أيّها الّذين آمنوا.
وألحق بعض العلماء صيغة يا بنى آدم بيا أيّها النّاس وقد روى عن ميمون بن مهران ﵀ أنه قال: «ما كان فى القرآن يأيّها النّاس أو يا بنى آدم فإنه مكى، وما كان يأيّها الذين آمنوا فإنه مدنى».
والمتأمل فى هذا التقسيم يجد أنه لوحظ فيه المخاطبون لكن يرد عليه أمران هما:
الأول: أنه غير ضابط ولا حاصر كسابقه، فإن فى القرآن ما نزل غير مصدر بأحدهما نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣)
стр. 440
وقوله جل شأنه: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١).
الثانى: أن هذا التقسيم غير مطرد، لأنه قد نزل بالمدينة ما جاء بصيغة (يأيّها النّاس) قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (٢) وقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣).
فائدة العلم بالمكى:
العلم بالمكى والمدنى مهم للغاية، لأنه يترتب عليه الكثير من الفوائد الغفيرة التى يحتاج إليها الإنسان والتى منها ما يلى:
١ - يترتب على معرفة المكى والمدنى تمييز الناسخ من المنسوخ، فيصار إلى الأخذ بالناسخ، وترك المنسوخ، ولا سيما فى مجال الأحكام والتشريع.
فلو تعارضت آيتان لورودهما فى موضوع واحد، وكل آية منهما تثبت حكما مخالفا لما تثبته الآية الأخرى، وعرفنا أن إحدى الآيتين مكية والأخرى مدنية، ففي هذه الحالة نحكم بأن الآية المدنية ناسخة للآية المكية، نظرا إلى تأخر المدنى عن المكى.
٢ - معرفة المكى والمدنى تبصرنا بمعنى الآية القرآنية، وتحجزنا عن
стр. 441
الخطأ فى تفسيرها. ذلك أن من قرأ سورة:
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ* لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ* وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ* وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ* وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ* لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (١) ولم يعلم زمن نزولها أهي مكية أم مدنية، فإنه يحار فى معناها، وقد يستخرج منها أن المسلمين لا يكلفون بالجهاد، وإنما عليهم أن يقولوا للآخرين: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ لكنه إذا علم أن هذه السورة نزلت فى مكة حين قال أهل الشرك والضلال لرسول الله ﷺ : تعال يا محمد نعبد ربك يوما وتعبد آلهتنا يوما، أدرك أن هذه السورة كانت علاجا للمرحلة التى قضاها رسول الله ﷺ فى مكة، وليست دليلا على عدم مشروعية الجهاد كما نزلت بذلك الآيات الأخرى فى المدينة المنورة (٢).
٣ - معرفة المكى والمدنى تدعو إلى الثقة بالقرآن وبوصوله إلينا سالما من التغيير والتحريف والتبديل. ويدل على ذلك اهتمام المسلمين به كل هذا الاهتمام حتى ليعرفون ويتناقلون ما نزل منه قبل الهجرة، وما نزل بعدها، وما نزل بالحضر، وما نزل بالسفر، وما نزل بالنهار، وما نزل بالليل، وما نزل بالشتاء، وما نزل بالصيف، وما نزل بالأرض، وما نزل بالسماء. فلا يعقل بعد هذا أن يسكتوا ويتركوا أحدا يمسه ويعبث به (٣).
стр. 442
الفصل الثانى فى الطرق الموصلة إلى معرفة المكى والمدنى
يلاحظ أنه لا طريق إلى معرفة المكى والمدنى إلا بما ورد عن صحابة رسول الله ﷺ والتابعين فى ذلك.
فالمعروف عند أهل العلم أنه لم يرد عن النبى ﷺ بيان لكل من المكى والمدنى، إذ لو بينه لظهر وانتشر، وإنما لم يفعله ﷺ لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب فى بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ، ليعرف الحكم الذى تضمنهما فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول ﷺ بعينه وقوله هذا هو الأول المكى وهذا هو الآخر المدنى.
وكذلك الصحابة والتابعون من بعدهم لما لم يعتبروا أن من فرائض الدين تفصيل جميع المكى والمدنى، مما لا يسوغ الجهل به لم تتوافر الدواعى على إخبارهم به، ومن ثم ساغ أن يختلف فى بعض القرآن هل هو مكى أو مدنى؟ وأن يعملوا فى القول بذلك ضربا من الرأى والاجتهاد (١).
فالنبى ﷺ لم يؤمر ببيان المكى والمدنى والصحابة رضوان الله عليهم كانوا فى زمانه فى غنى عن هذا البيان، لأنهم كانوا يشاهدون الوحى والتنزيل، ويعرفون مكانه وزمانه وأسباب نزوله فهل بعد العيان بيان؟
стр. 443
قال ابن مسعود رضى الله عنه: والله الذى لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت؟ ولا نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيما نزلت؟ ولو أعلم أن أحدا أعلم منى بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه. اه.
стр. 444
الفصل الثالث فى خصائص كل من المكى والمدنى
ذكرت أن مرد معرفة المكى والمدنى هو السماع عن طريق الصحابة والتابعين، غير أن هناك علامات وضوابط يعرف بها المكى والمدنى، لذلك قال العلماء لمعرفة المكى والمدنى طريقان:
(أ) سماعى.
(ب) قياسي.
فمن علامات وخصائص القرآن المكى ما يلى:
١ - آيات القرآن المكى على الجملة قصار ذات وقع معين فى الأذن والنفس، تبعث على الرهبة والخشية، وتشعر بمعنى الجلال والجبروت، كمعظم السور التى تقرؤها فى جزء تبارك وعم يتساءلون، فجزء تبارك كله مكى وعدد آياته ٤٣١ آية. وجزء عم كله مكى وعدد آياته ٥٧٠ آية.
٢ - الآيات المكية ليس فيها شىء من التشريع التفصيلى، بل معظم ما جاء فيها يرجع إلى المقصد الأول من الدين، وهو توحيد الله ، وإقامة البراهين على وجوده ووصف يوم الدين وأهواله ونعيمه، والحث على مكارم الأخلاق التى بعث الرسول ﷺ لتكملها. ثم ضرب الأمثال بما أصاب الأمم السابقة حينما خالفت بها أنبياؤها.
стр. 445
٣ - خطاب الجمهور فى الآيات المكية جاء- (يأيّها النّاس) ولم ير فى السور المكية (يأيّها الّذين آمنوا).
٤ - كل سورة جاء فيها لفظ (كلا) فهى مكية. وقد ذكر هذا اللفظ فى القرآن ثلاثا وثلاثين مرة فى خمس عشرة سورة كلها فى النصف الأخير من القرآن.
قال بعض العلماء:
وما نزلت كلا بيثرب فاعلمن ... ولم تأت فى القرآن فى نصفه الأعلى
ولعل الحكمة فى ذلك أن نصف القرآن الأخير نزل أكثره بمكة، وأكثرها جبابرة فتكررت فيه على وجه التهديد والإنكار، بخلاف النصف الأول وما نزل منه فى اليهود لم يحتج إلى إيرادها فيه لذلتهم وضعفهم.
٥ - كل سورة فيها سجدة فهى مكية.
٦ - كل سورة فى أولها حروف التهجى فهى مكية سوى سورة البقرة، وآل عمران فإنهما مدنيتان بالإجماع وفى الرعد خلاف.
٧ - كل سورة فيها قصة آدم ﵇، فهى مكية ما عدا سورة البقرة.
٨ - كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم السابقة فهى مكية سوى سورة البقرة (١).
ومن خصائص وعلامات القرآن المدنى ما يلى:
١ - الآيات المدنية فى الغالب طويلة فجزء (قد سمع) كله مدنى وعدد آياته ١٣٧ آية، وسورة الأنفال نصف جزء من القرآن وهى مدنية
стр. 446
وعدد آياتها ٧٥ آية فى حين أن سورة الشعراء وهى مكية ونصف جزء أيضا عدد آياتها ٢٢٧ آية.
٢ - خطاب الجمهور فى الآيات المدنية يغلب أن يكون بقوله تعالى:
(يأيّها الّذين آمنوا) وقلما يرد بقوله: (يأيّها النّاس) وقد قال العلماء إنه قد جاء الخطاب فى الآيات المدنية بقوله: (يأيّها النّاس) فى سبع مواضع هى:
(١) قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١)(٢) قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١)(٣) قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً (٣) الآية.
(٤) قال تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (٣)(٥) قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ (٣) الآية.
(٦) قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ (٣) الآية.
(٧) قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا (٧)
стр. 447
٣ - كل سورة فيها الحدود والفرائض فهى مدنية.
٤ - كل سورة تتحدث عن الجهاد وأحكامه فهى مدنية.
٥ - الآيات التى تتحدث عن الشورى مدنية.
٦ - الآيات المدنية تتحدث عن الأحكام والتشريعات المتعلقة بالعبادات والمعاملات وغيرهما.
٧ - سور القرآن التى يوجد فيها للمنافقين مدنية ما عدا سورة العنكبوت. والتحقيق أنها مكية عدا الآيات الإحدى عشرة الأولى منها، فهى مدنية وهى التى ذكر فيها المنافقون.
على العموم المدنى من السور ينبغى أن يكون منزلا فى الفهم على المكى، وكذلك المكى بعضه مع بعض، والمدنى بعضه مع بعض على حسب ترتيبه فى التنزيل.
والدليل (١) على ذلك أن معنى الخطاب المدنى فى الغالب مبنى على المكى كما أن المتأخر من كل واحد منها مبنى على متقدمه. دل على ذلك الاستقراء، وذلك إنما يكون ببيان مجمل أو تخصيص عموم أو تقييد مطلق أو تفصيل ما لم يفصل.
стр. 448
الفصل الرابع فى السور المكية والمدنية
القارئ فى الإتقان (١) يجد فيه آراء كثيرة ذكرها الشيخ جلال الدين السيوطى ﵀ فى تعيين السور المكية والمدنية.
ولعل ما تستريح إليه النفس من هذه الآراء ما ذكره الجلال عن الشيخ أبى الحسن بن الحصار ﵀، الذى ذهب إلى القول بأن المدنى باتفاق عشرون سورة، والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة وما عدا ذلك فهو مكى، وقد نظم ﵀ فى ذلك أبياتا فقال:
يا سائلى عن كتاب الله مجتهدا ... وعن ترتّب ما يتلى من السّور
وكيف جاء بها المختار من مضر ... صلّى الإله على المختار من مضر
وما تقدّم منها قبل هجرته ... وما تأخر فى بدو وفى حضر
ليعلم النسخ والتخصيص مجتهد ... يؤيد الحكم بالتاريخ والنظر
تعارض النّقل فى أمّ الكتاب وقد ... تؤوّلت الحجر تنبيها لمعتبر
أمّ القرآن وفى أمّ القرى نزلت ... ما كان للخمس قبل الحمد من أثر
وبعد هجرة خير الناس قد نزلت ... عشرون من سور القرآن فى عشر
فأربع من طوال السبع أولها ... وخامس الخمس فى الأنفال ذى العبر
وتوبة الله إن عدّت فسادسة ... وسورة النور والأحزاب ذى الذكر
وسورة لنبىّ الله محكمة ... والفتح والحجرات الغر فى غرر
ثم الحديد ويتلوها مجادلة ... والحشر ثم امتحان الله للبشر
стр. 449
وسورة فضح الله النفاق بها ... وسورة الجمع تذكار لمذكر
وللطلاق وللتحريم حكمهما ... والنصر والفتح تنبيها على العمر
هذا الذى اتفقت فيه الرواة له ... وقد تعارضت الأخبار فى أخر
فالرعد مختلف فيها متى نزلت؟ ... وأكثر الناس قالوا الرعد كالقمر
ومثلها سورة الرحمن شاهدها ... مما تضمّن قول الجن فى الخبر
وسورة للحواريين قد علمت ... ثم التغابن والتطفيف ذو النّذر
وليلة القدر قد خصّت بملتنا ... ولم يكن بعدها الزلزال فاعتبر
وقل هو الله من أوصاف خالقنا ... وعوذتان تردّ البأس بالقدر
وذا الذى اختلف فيه الرواة له ... وربما استثنيت آي من السور
وما سوى ذاك مكىّ تنزله ... فلا تكن من خلاف الناس فى خصر
فليس كلّ خلاف جاء معتبرا ... إلا خلاف له حظّ من النظر
فابن الحصار ﵀ يذكر فى هذه الأبيات السور المدنية المتفق عليها وهى: سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والنور، والأحزاب، ومحمد ﷺ ، والفتح، والحجرات، والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والجمعة، والمنافقون، والطلاق، والتحريم، والنصر.
كما يذكر السور المختلف فيها وهى: سورة الفاتحة، والرعد، والرحمن، والصف، والتغابن، والتطفيف، والقدر، ولم يكن، وإذا زلزلت، والإخلاص، والمعوذتين.
ويرى ﵀ أن السور المكية باتفاق ما عدا ذلك وهى اثنتان وثمانون سورة.
أنواع السور المكية والمدنية:
الحق أن السور المكية والمدنية أربعة أنواع هى
стр. 450
الأول: السورة كلها مكية كسورة المدثر.
الثانى: السورة كلها مدنية كسورة آل عمران.
الثالث: السورة مكية ما عدا آيات منها كسورة الأعراف، فإنها مكية عدا آية: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ (١) قال قتادة (٢) واستثنى غيره هذه الآية المذكورة وما بعدها من الآيات إلى قوله جل شأنه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (٣) الرابع: السورة مدنية ما عدا أربع آيات منها هى قوله جل شأنه:
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ* لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ* وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٤)
стр. 451
الفصل الخامس فى تنزلات القرآن
مما لا خلاف فيه أن العلم بنزول القرآن مهم للغاية لأنه أساس للإيمان به، وأنه كلام الله ، وسأتناول بعون الله وحده، الكلام عن نزول القرآن فى هذا الفصل فأقول وبالله التوفيق:
إن الله شرف قرآنه بأن جعل له ثلاث تنزلات (١):
التنزل الأول:
من الله إلى اللوح المحفوظ. قال جل شأنه:
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ* فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢) وظاهر أن تنزل القرآن إلى اللوح المحفوظ كان بطريقة، وفى وقت لا يعلمها إلا الله، وكان جملة لا مفرقا، لأنه الظاهر من اللفظ عند الإطلاق ولا صارف عنه. أضف إلى ذلك أن أسرار التنجيم على النبى ﷺ والتى سأذكرها بعون الله قريبا- لا يعقل فى هذا التنزل. وربما يسأل سائل ويقول: ما الحكمة فى تنزل القرآن إلى اللوح المحفوظ؟
والجواب: أن حكمة هذا التنزل ترجع إلى الحكمة العامة من وجود اللوح المحفوظ نفسه، حيث جعله الله سجلا جامعا لكل ما قضى الله وقدّر، وكل ما كان وما يكون. فهو شاهد ناطق ومظهر من أروع المظاهر الدالة على عظمة الله .
стр. 452
التنزل الثانى:
وكان إلى بيت العزة فى السماء الدنيا. قال جل شأنه:
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (١) وقال سبحانه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (٢) وقد جاء فى بعض الروايات ما يفيد أن هذا التنزل كان جملة إلى بيت العزة. فعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: فصل القرآن (٣) من الذكر فوضع فى بيت العزة من السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل به على النبى ﷺ . وروى عنه أيضا: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وكان بمواقع (٤) النجوم وكان الله ينزله على رسوله ﷺ بعضه فى إثر بعض (٥) فهاتان الروايتان صحيحتان وموقوفتان على ابن عباس رضى الله عنهما إلا أن لهما حكم المرفوع لما هو مقرر من أن قول الصحابى (٦) الذى لا مجال فيه للرأى حكمه حكم المرفوع. وكان هذا التنزل فى ليلة القدر جملة واحدة. وقد قال العلماء: إن الحكمة من وراء هذا التنزل تفخيم أمر القرآن، وأمر من نزل عليه وذلك بإعلام سكان السموات السبع أن هذا القرآن آخر الكتب المنزلة على آخر رسول وأشرف نبى ﷺ وذكر بعضهم أن النزول إلى السماء الدنيا كان إلهابا لشوق النبى ﷺ إلى على حد قول القائل:
стр. 453
وأعظم ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الخيام من الخيام
على العموم فى تعدد النزول وأماكنه مبالغة فى نفى الشك عن القرآن الكريم، و؟؟؟ للإيمان به، وباعث على الثقة فيه، لأن الكلام إذا سجل فى سجلات متعددة كان ذلك أنفى للريب عنه، وأدعى إلى تسليم ثبوته مما لو سجل ودون فى سجل واحد.
٣ - التنزل الثالث:
وكان ذلك على قلب النبى ﷺ عن طريق جبريل ﵇ قال تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١) وهذا التنزل ليس لجبريل فيه سوى حكايته للرسول ﷺ ، وإيحائه إليه وليس للرسول ﷺ فى هذا القرآن سوى وعيه وحفظه، ثم حكايته
وتبليغه وبيانه وتفسيره ثم تطبيقه وتنفيذه.
ولقد دس أعداء الإسلام فى بعض كتبهم من أن جبريل ﵇ كان ينزل على النبى ﷺ بمعانى القرآن والرسول ﷺ يعبر عنها بلغة العرب، وقيل: إن اللفظ لجبريل وهذا كلام ساقط لا قيمة له ولا وزن ولا اعتبار، وإلا فكيف يكون القرآن حينئذ معجزا؟ ثم كيف تصح نسبته إلى الله واللفظ ليس له؟
مع أن الله يقول: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ (٢) هذا وقد استمر هذا التنزل- بعد أن ابتدأ من حين البعثة- حتى قرب انتهاء حياته ﷺ .
стр. 454
الفصل السادس فى تنجيم القرآن والحكمة منه
يلاحظ أن لنزول القرآن منجما- أى مفرقا- حكما جليلة يعرفها أهل العلم والفضل، ويمكن أن نجمل هذه الحكم فيما يلى:
الحكمة الأولى: تثبيت فؤاد النبى ﷺ قال تعالى:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (١).
فهذه الآية الكريمة تذكر فى معرض الرد على المشركين حين اقترحوا أن ينزل القرآن جملة واحدة، كما نزلت الكتب السماوية السابقة، فرد الله عليهم- كما ذكرت الآية- بقوله تعالى كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ولا شك أن تثبيت قلبه ﷺ إنما هو رعاية من الله ، وتأييد لرسوله ﷺ أمام اضطهاد وتكذيب الكفار له. فكانت الآيات القرآنية تنزل عليه ﷺ تقوى قلبه وتزيل عنه ما أصابه من ألم وشدة.
الحكمة الثانية: تسهيل حفظ القرآن وفهمه على المسلمين. فالعرب كانوا أميين لا يقرءون ولا يكتبون، قال جل شأنه:
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ (٢).
وكانوا مشغولين بمصالحهم المعيشية، ولا شك أن القرآن لو نزل جملة واحدة
стр. 455
على هذه الأمة لعجزت تماما عن حفظه وفهمه، فاقتضت حكمته. جل شأنه أن ينزله على رسوله ﷺ مفرقا ليسهل عليهم حفظه ووعيه وفهمه.
الحكمة الثالثة: مسايرة الحوادث والطوارئ فى تجددها وتفرقها. فكلما جدّ منهم جديد نزل من القرآن ما يناسبه، وفصّل لهم الله من أحكامه ما يوافقه، وتنظيم هذه الحكمة أمورا أربعة:
أولها: إجابة السائلين على أسئلتهم عند ما يوجهونها إلى الرسول ﷺ ، سواء أكانت تلك الأسئلة لغرض التثبت من رسالته كما قال تعالى فى جواب سؤال أعدائه: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (١). أم كانت لغرض التنور ومعرفة حكم الله كقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ (٢).
ثانيها: مجاراة الأقضية والحوادث فى حينها ببيان حكم الله فيها عند حدوثها، ومعلوم أن تلك الأقضية والحوادث لم تقع جملة واحدة، وإنما وقعت متفرقة. ومن ثم كان لا مفرّ من نزول القرآن مفرقا على حسب هذه الأقضية والوقائع ومن الأمثلة على ذلك:
قول الله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ (٣) الآيات.
فقد نزل صدر سورة المجادلة فى حق خولة بنت ثعلبة، حين رفعت شكواها إلى الرسول ﷺ ، ثم إلى الله فى حق زوجها أوس بن الصامت حين ظاهر منها (٤).
ثالثها: لفت أنظار المسلمين إلى تصحيح الأخطاء التى كانوا يخطئون فيها.
стр. 456
مثال ذلك: قول الله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) فقد نزل هذا القول الكريم فى غزوة أحد إرشادا للمسلمين إلى موقع الخطأ الذى وقعوا فيه.
رابعها: كشف حال أعداء الله المنافقين، وهتك أستارهم للنبى ﷺ والمسلمين، ويظهر هذا واضحا فى قول الله تعالى:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ إلى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) فالثلاث عشرة آية المذكورة فضحت المنافقين وكشفت أستارهم.
الحكمة الرابعة: التدرج فى تشريع الأحكام، فالله لم يكلف عباده ما لا يطيقونه، بل سلك بهم طريقا وسطا. فاهتم القرآن أولا بزرع وتثبيت العقيدة فى النفوس، ولم يكلفهم من العبادات فى مكة إلا القليل، فالصلاة لم تفرض عليهم إلا قبل الهجرة بقليل، ثم فرض الصيام والزكاة فى السنة الثانية من الهجرة، ثم فرض الحج فى السنة السادسة من الهجرة أيضا.
ولم يحرم القرآن عليهم ما كان يجرى فى نفوسهم جرى الدم فى العروق، فالخمر لم تحرم عليهم مطلقا إلا فى المدينة المنورة حينما نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣).
وكذا الربا لم يحرمه القرآن إلا بعد الهجرة أيضا.
стр. 457
الحكمة الخامسة: الإرشاد إلى مصدر القرآن، وأنه كلام الله وحده.
فالقرآن الكريم حين يقرؤه الإنسان يجد أن أوله تمهيد لآخره، وآخره تصديق لأوله، فهو جيد السبك، متين الأسلوب (١). لا يوجد أى تفكك أو انفصام بين أجزائه، مع أنه نزل فى ثلاثة وعشرين عاما، الأمر الذى يجعل كل منصف ينطق بأن القرآن كلام الله، وصدق الله العظيم إذ يقول: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٢).
стр. 458
الفصل السابع فى أول ما نزل وآخر ما نزل
جاء فى صحيح البخارى (١) فى حديث بدء الوحى ما يفيد أن أول ما نزل من القرآن: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (٢). ثم المدثر.
وجاء فى صحيح مسلم- أول ما نزل من القرآن: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ إلى قوله: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٣) الا أنه جاء فى صحيح مسلم أيضا عن جابر: أول ما نزل من القرآن سورة المدثر. ولعل جابرا رضى الله عنه سمع النبى ﷺ يذكر قصة بدء الوحى، فسمع آخرها ولم يسمع أولها فتوهم أنها أول ما نزلت وليس كذلك. نعم هى أول ما نزل بعد سورة «العلق» لما ثبت فى الصحيحين (٤) عن جابر رضى الله عنه أن رسول ﷺ كان يحدث عن فترة الوحى فقال: بينما أنا أمشى سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسى فإذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض فجثثت (٥) منه فرقا فرجعت فقلت زمّلونى زمّلونى، فأنزل الله ﵎: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ (٦).
وجاء فى البرهان (٧):
«وقيل: أول ما نزل سورة الفاتحة ... وطريق الجمع بين الأقاويل
стр. 459
أن أول ما نزل من الآيات: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وأول ما نزل من أوامر التبليغ- يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ- وأول ما نزل من السور سورة الفاتحة».
وقيل: أول ما نزل للرسالة: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ وللنبوة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ فإن العلماء قالوا: قوله تعالى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ دالّ على نبوة سيدنا محمد ﷺ ، لأن النبوة عبارة عن الوحى إلى الشخص على لسان الملك بتكليف خاص، وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ دليل على رسالته ﷺ ، لأنها عبارة عن الوحى إلى الشخص على لسان الملك بتكليف عام.
وأما ما آخر ما نزل فقد اختلف فيه العلماء كثيرا:
فعن ابن عباس رضى الله عنهما أن آخر ما نزل قوله تعالى:
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١).
وعن عائشة رضى الله عنها أن آخر ما نزل سورة المائدة. وقيل:
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ (٢).
وقيل: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٣). وقيل آخر ما نزل آية الربا.
قال القاضى أبو بكر فى الانتصار (٤):
وهذه الأقوال ليس فى شىء منها ما رفع إلى النبى ﷺ ، ويجوز أن يكون قاله قائله بضرب من الاجتهاد، وليس العلم بذلك من فرائض الدين ... ويحتمل أن كلا منهم أخبر عن آخر ما سمعه
стр. 460
من رسول الله ﷺ فى اليوم الذى مات فيه أو قبل مرضه بقليل وغيره سمع منه بعد ذلك.
هذا ما قاله القاضى ﵀، ولعل النفس تستريح- كما ذكر الشيخ الزرقانى ﵀ (١) - إلى القول القائل: إن آخر آية نزلت هى قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ الأول: ما تحمله هذه الآية فى طياتها من الإشارة إلى ختام الوحى والدين بسبب ما تحث عليه من الاستعداد ليوم القيامة، وما تنوّه به من الرجوع إلى الله واستيفاء الجزاء العادل.
الثانى: روى أنه ﷺ عاش بعد نزول هذه الآية تسع ليال فقط والله تعالى أعلم.
فائدة:
افتتح الله سور القرآن بعشرة أنواع من الكلام لا يخرج شىء من السور عنها.
الأول: الثناء عليه ، والثناء قسمان:
١ - إثبات لصفات المدح وهو التحميد فى خمس سور، وتبارك فى سورتين.
٢ - نفى وتنزيه من صفات النقص وهو التسبيح فى سبع سور.
الثانى: حروف التهجّي فى تسع وعشرين سورة.
الثالث: النداء فى عشر سور: خمس بنداء الرسول ﷺ : الأحزاب، والطلاق، والتحريم، والمزمل، والمدثر، وخمس بنداء الأمة: النساء، والمائدة، والحج، والحجرات، والممتحنة.
الرابع: الجمل الخبرية نحو: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ (٢)،