← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37987

المعجزة القرآنية حقائق علمية قاطعة

أحمد عمر أبو شوفة

Полный текст (326 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة المؤلف بسم الله الرّحمن الرّحيم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال: ٢٤]. اللهم يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على طاعتك. الحمد لله الّذي علم بالقلم، علم الانسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على النبي الأمي الأكرم معلم العلماء وقدوة الأتقياء والبلغاء. الحمد لله الذي فتح عليّ بادئ ذي بدء تعلّم القرآن الكريم، وأنار بصيرتي للتدبر والتبحر في حروفه وكلماته، في آياته وسوره، ترتيبا وتركيبا، وخصّني به شرفا في تدريسه وتدارسه، سائحا بمعانيه دون سواه من سائر العلوم المستحدثة التي اثقلت كاهل الأجيال بعدا عن القرآن الكريم وبعد! فشاء القدر أن سهل الله عليّ بعد مضي أربعة عشر قرنا وأربعة عشر سنة على الهجرة النبوية الشريفة تحديدا من خلال القواعد الثابتة والأسس البنّاءة الموجودة في كتابه العزيز على إضاءة ما استفدته من أنوار فكانت الحروف النورانية المقطعة بفواتح السور القرآنية هي الهدف على ظهور هذه المعجزة الكبرى وفاء وإخلاصا لله العلي القدير. وكما شاءت الصدف أن أجزلت بخيراتها عليّ منذ الولادة على أن يكون مجموع حروف تسميتي ولقبي قد آخت هذه الحروف النورانية عددا. راجيا من الله أن يكون عملي خالصا لوجهه الكريم وأن يثبتنا بالقول الثابت في الدارين.

стр. 2

١ - روى مسلم عن أبي موسى قال: قال رسول الله محمد ﷺ : «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجّة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة لا ريح لها وطعمها مر». ٢ - وروى البخاري عن عثمان بن عفان ﵁ عن النبي محمد ﷺ قال: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه». ٣ - وعن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ستكون فتن كقطع الليل المظلم»، قلت: يا رسول الله وما المخرج منها؟ قال: «كتاب الله ﵎ فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعد كم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله هو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا تتشعب معه الآراء ولا يشبع منه العلماء ولا يمله الأتقياء ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه». رواه الترمذي. ٤ - القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى الخالدة: الشأن في هذا الإعجاز هو الشأن في خلق الله جميعا وهو مثل صنع الله في كل شيء وصنع الناس ... إن هذه التربة الأرضية مؤلفة من ذرات معلومة الصفات. فإذا أخذ الناس هذه الذّرّات فقصارى ما يصوغونه منها لبنة، أو آجرة، أو آنية، أو أسطوانة، أو هيكلا، أو جهازا كائنا في دقته ما يكون، ولكن الله المبدع يجعل من تلك الذّرّات حياة، حياة نابضة خافقة تنطوي على ذلك السر الإلهي المعجز ... وهكذا القرآن ... حروف وكلمات يصوغ منها

стр. 3

البشر كلاما وأوزانا ويجعل منها الله قرآنا وفرقانا، والفرق بين صنع البشر وصنع الله من هذه الحروف والكلمات، هو: الفرق ما بين الجسد الخامد والروح النابض ... ، هو: الفرق ما بين صورة الحياة وحقيقة الحياة! (١) [اه] ٥ - القرآن الكريم لا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء ولهذا سأبيّن بعض وجوه إعجاز القرآن الكريم وأدعو الله أن يوفقني للصواب ويبعدني عن الزلل والخطأ إنه نعم المولى ونعم البصير. وإني أشكر السيد الدكتور أحمد دللو صاحب كتاب معجزة الله الكبرى في التفسير الحسابي للقرآن الكريم على مقدمته ودراسته وتعليقه على هذا الكتاب مما زاده دقة وعلما حيث وضعه على معاييره الحسابية. كما وأني أشكر شيخنا الجليل محمود دللو على ما قام به من جهد كبير حتى ظهر هذا الكتاب في مكانه الصحيح. الشيخ أحمد أبو شوفة

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) مقدمة الدكتور أحمد دللو الحمد لله حق حمده والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده سيدنا محمد ﷺ رسول رب العالمين وخاتم النبيين وسيد الخلق أجمعين وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا دائما إلى أبد الآبدين. أما بعد! فإن الحديث عن القرآن يطيب سماعه، ويحلو مجلسه، ويأنس مريده، وتسمو بروح المؤمن قداسته، وترشد القلوب هدايته، وتقوم السلوك مواعظه، وترهف المشاعر معانيه وكلماته. فهو كتاب الله الحق، هو كتاب هداية، كتاب مواعظ، كتاب تعبدي، قراءة كل حرف منه تورث صاحبها حسنة من الله والحسنة بعشر أمثالها. وهو كتاب قصصي وعبر يضرب الأمثال للناس فهو بحق كتاب الله الكريم الذي لم يترك أمرا من أمور الدنيا والآخرة إلّا أتى عليه تصديقا لقوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨]، وهذا الكتاب لا تنتهي عجائبه مهما طال الزمن وتعاقبت الدهور ومرّت العصور. وبعد! فقد طلب مني الشيخ الجليل الأستاذ أحمد عمر أبو شوفة أن أصوغ مقدمة لكتابه المعجزة الكبرى فلبيت طلبه مع اعترافي بقلة زادي، وعجزي أمام بلاغة هذا المؤلّف ودقة معانيه وغزارة علمه، راجيا من الله تعالى أن يجعله كتابا نافعا للأجيال الحالية والقادمة من المسلمين؛ ولقد قرأت هذا الكتاب بتأمل وتمعّن وتعليقي عليه بما يلي:

стр. 5

١ - الكتاب في غاية الدقة والإيجاز والعلم والفائدة حيث أفاض فيه عن معاني القرآن الكريم ومعجزاته، وقدم الشواهد الكثيرة من القرآن الكريم والسنة المطهرة. ٢ - أتى تعريفه للمعجزة القرآنية كافيا شافيا، وضرب الأمثلة عن المعجزات وأنواعها وشروطها، وبيّن وجوه إعجاز القرآن الكريم بشكل علمي جليّ واضح، وضرب الأمثلة الكثيرة على ذلك من القرآن الكريم ومن الحقائق العلمية الكونية اليقينية. ٣ - تكلّم عن عبارات القرآن الكريم ومتانة تراكيبه، وفصاحته، ونظمه البديع، واتساق نظرياته، وأحكامه، والوفاء بكل ما وعد به فجاء حقا وصدقا كفلق الصبح، وتكلّم عن تأثير القرآن وفاعليته في النفوس والأفئدة، وتكلّم عن سموّ تشريعه وشموله ومرونة معاييره، وتكلّم عن الواقعية والمثالية في التشريع الإسلامي، وعن مبدأ العدل والإحسان، والوسطية والاعتدال، وتكلّم عن التصوير والتشخيص الحيّ في القرآن، وعن الإعجاز في رسم القرآن وأشكاله وأنواعه وموافقته للقرآن، وأنّ رسم القرآن هو توقيفي. وتكلّم عن الإعجاز العددي في القرآن وتكلّم عن الأعداد بشكل مفصل: - الأعداد المفردة من: ١ - ١٠. - الأعداد المركبة من: ١١ - ١٩. - ألفاظ العقود من: ٢٠ - ٩٠، وتكلّم عن المئات والألوف. وتكلّم عن الكسور، وتكلّم عن بعض الأحكام المستنتجة من الأعداد وقدم الأمثلة الكثيرة على ذلك منها:

стр. 6

أ- مثال: عمر النّبي محمد ﷺ ثلاث وستون سنة مستنبط من قوله تعالى: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [المنافقون: ١١] فهذه السورة المنافقون هي رأس ثلاث وستين سورة، وآخر آية منها هي الآية ١١. وفي كتابي معجزة الله الكبرى في التفسير الحسابي للقرآن الكريم، أثبتّ صحة هذه الآية بالحساب والتي تعني نبيّنا محمدا ﷺ بالذات، ومن النص القرآني التالي المأخوذ من الآية المشار إليها أعلاه. وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها ..... ٨+ ١+ ١+ ١١+ ٦+ ٥+ ٤ ٣٦ ٠ أي: محمد ﷺ وعبارة: جاءَ أَجَلُها ٥+ ٤ ٩ الموت. وذلك بعد إسقاط الرقم ١٢ ومضاعفته. اللهم الطريقة الحسابية التي حسبنا بموجبها: كلنا يعلم أن حروف الهجاء بلغتنا العربية هي ثمانية وعشرون حرفا، ومرتبة بحسب الترتيب الأبجدي على الشكل التالي: أ/ ب/ ج/ د/ هـ/ و/ ز/ ح/ ط/ ي ١/ ٢/ ٣/ ٤/ ٥/ ٦/ ٧/ ٨/ ٩/ ١٠ ك/ ل/ م/ ن/ س/ ع/ ف/ ص/ ق ٢٠/ ٣٠/ ٤٠/ ٥٠/ ٦٠/ ٧٠/ ٨٠/ ٩٠/ ١٠٠ ٨/ ٦/ ٤/ ٢/ ٠/ ١٠/ ٨/ ٦/ ٤

стр. 7

ر/ ش/ ت/ ث/ خ/ ذ/ ض/ ظ/ غ ٢٠٠/ ٣٠٠/ ٤٠٠/ ٥٠٠/ ٦٠٠/ ٧٠٠/ ٨٠٠/ ٩٠٠/ ١٠٠٠ ٨/ ٠/ ٤/ ٨/ ٠/ ٤/ ٨/ ٠/ ٤ نلاحظ أن كل حرف من حروف الهجاء له رقم حسابي، وهو ما كان يسير عليه أسلافنا من عهد سيدنا محمد ﷺ إلى يومنا هذا، وكل حرف تزيد قيمته الحسابية عن الرقم ١٢ له قيمتان حسابيتان: كبرى وصغرى حيث استوحينا القيمة الصغرى من القيمة الكبرى للحرف، كما هو مشار إليه خارج الجدول فمثلا: - الحرف: ك ٢٠ إذا أسقطنا منه الرقم ١٢ يبقى ٨. - والحرف: ل ٣٠ إذا أسقطنا منه الرقم ٢٤ يبقى ٦ - والحرف: م ٤٠ نسقط منه الرقم ٣٦ وهو من مضاعفات الرقم ١٢ يبقى لدينا ٤ وهكذا الحال مع كافة الحروف وأرقامها، مثلا لفظ الجلالة: الله أ ١، ل ٦، اللام المشدد لّ ل ل، والمد أ ١، والحرف هـ ٥ فيكون المجموع: ١+ ٦+ ٦+ ٦+ ١+ ٥ ٢٥ إذا أسقطنا منها الرقم ٢٤ وهو من مضاعفات الرقم ١٢ يبقى لدينا ١. فهذا الواحد: هو الله ﷻ . ب- مثال: استنبط بعض العلماء أن عدد أبواب الجنّة ثمانية من قوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ [الزمر: ٧٣].

стр. 8

بينما قال ﷻ في الآية التي قبلها: فُتِحَتْ أَبْوابُها بدون الواو، وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ [الزمر: ٧١]. لأنّ قريشا التي نزل القرآن بلغتها العربيّة الفصحة كانوا إذا عدّوا قالوا: واحد- اثنان- ثلاث- أربعة- خمسة- ستة- سبعة- وثمانية، فإذا وصلوا إلى رقم ثمانية أضافوا حرف الواو. نعود لحساب الآية الكريمة ٧٣ من سورة الزمر ونتأكد بشكل علمي حسابي رياضي أنّ ما ذهب إليه العلماء هو الصحيح كما هو مقرر شرعا. نجزّئ الآية الكريمة إلى جزءين فنقول: ١ - وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً ٨/ ٥/ ٨/ ٩/ ٨/ ٧/ ٨ ٥٣ ٥ المسلمون وذلك بعد إسقاط الرقم ١٢ ومضاعفاته من المجموع الحسابي ٥٣، وأن الرقم المسقط هو ٤٨ أي: ٥٣ - ٤٨ ٥. ٢ - وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا ٢/ ٥/ ٨/ ٩/ ٨/ ٧/ ٨/ ٥/ ٦ جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ ٥/ ٦/ ٠/ ٦/ ٥/ ٣/ ٧/ ١١/ ٢ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ

стр. 9

٧/ ٧/ ١١ المجموع ١٢٨ ٨ وذلك بعد إسقاط الرقم ١٢ ومضاعفاته من المجموع أي: ١٢٨ - ١٢٠ ٨ وهو: عدد أبواب الجنّة الثمانية. يوجد حديث عن النبي ﷺ وصحته ثبتت لدينا بالحساب من حساب الآية الكريمة ٧٣ من سورة الزمر. ثم تكلّم المؤلف عن السبع المثاني فقال: القرآن هو مثاني الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «أي: فاتحة الكتاب» هي مثاني، السور من البقرة إلى براءة هي مثاني، كل سور القرآن ما عدا الطّول وما دون الماءين وفوق المفصّل هي مثاني أيضا، وكذلك سورة الحج والنّمل والقصص والعنكبوت ... الخ هي مثاني، والحروف المقطعة في أوائل السور المفتتحة بأحرف مثل: الم- ص- حم ... هي مثاني. وقوله عن فاتحة الكتاب أنها مثاني لأنها تثنى في كل ركعة، وقال: ويسمّى جميع القرآن مثاني لاقتران آية الرحمة بآية العذاب، ومعنى ثنى الشيء: رد بعضه على بعض، إلى هنا انتهى كلام المؤلف. وهذه فكرة عن المثاني وموافقتها للمنهج الحسابي الذي أسير عليه فأقول: أ- سورة الحمد هي من المثاني كما قال عنها رسول الله محمد ﷺ بأحاديثه الشريفة أهمها: ١ - «الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرءان العظيم الذي أوتيته». بالحساب: الحمد لله ربّ العالمين ١١/ ٠/ ٠/ ٤ ١٥ ٣

стр. 10

وذلك بعد إسقاط الرقم ١٢ منها. كلمة: هي ٣ عبارة: السبع المثاني ٧+ ٨ ١٥ ٣ عبارة: «هي السبع المثاني والقرءان العظيم الّذي أوتيته». ٣+ ٧+ ٨+ ٦+ ١١+ ٧+ ٣+ ٦ المجموع ٥١ ٣ وذلك بعد إسقاط الرقم ١٢ ومضاعفاته من المجموع. يلاحظ مما تقدم أنّ: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني هي السبع المثاني والقرءان العظيم الذي أوتيته ٣. أيّ إن كل فقرة من فقرات هذا الحديث الرقم الحسابي ٣ السبع المثاني؛ فمعنى ذلك أن الحمد لله رب العالمين، أيّ إنّ الفاتحة، هي إحدى معاني السبع المثاني التي سترد في هذا الكتاب. ج- الحروف المقطعة في أوائل السور المفتتحة بأحرف نورانية عددها أربعة عشر حرفا، قال أيضا: إنها من السبع المثاني. حيث إن عبارة: سبعا من المثاني ١/ ١٠/ ٨ ١٩ ٧. وطالما المثنّى ٢ أي إن مثنى الواحد ٢، ومثنى العدد ٥ ١٠ أي ٢* ٥ ١٠، ومثنى العدد ٧ ١٤، أي: ٢* ٧ ١٤، أي: عدد ١٤ هي الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض سور القرآن الكريم. - ثمّ تكلّم عن نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف وقال: إن الأحرف السبعة هي غير القراءات السبعة، وأشار إلى أنها هي الحروف

стр. 11

الأربعة عشر التي هي في أوائل السور والتي قال عنها: هي من السبع المثاني. - كما أنه تكلّم عن فواتح السور القرآنية وحروف التهجي النورانية وفي ابتداءاتها وفي عددها وأنواعها ومعانيها. - وتكلّم عن علم المبهمات في القرآن الكريم وما هي الحكمة من الإبهام وأنواعه وفائدته وتعميمه وتعظيمه بالوصف الكامل دون الاسم كقوله تعالى في سورة النور الآية ٢٢: - وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي ٦/ ٧/ ٩/ ٨/ ٥/ ٦/ ٤/ ٣/ ٤/ ١١ - الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا ١٠/ ٢/ ١٠/ ٦/ ٦/ ١/ ١١ - وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. ٣/ ٨/ ٠/ ٣/ ٦/ ١/ ٦/ ٧/ ٢/ ٢ المجموع ٣ أبو بكر ٩+ ٦ ٣ وذلك بعد إسقاط الرقم ١٢ فقد نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق ﵁ حين حلف ألّا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة أبدا بعد ما قال في عائشة في حديث الإفك. - وتكلّم المؤلف عن معجزات متفرقة من القرآن الكريم منها سبب تصريحه باسم مريم من النساء وعدم ذكر غيرها من النساء، ولماذا ذكر اسم زيد بن حارثة من المسلمين ولم يذكر غيره. - وتحدث عن الكلمات غير العربية في القرآن هل هي عربية أم لا واختلاف الأئمة في ذلك وتوسع فيها وأجاد.

стр. 12

- وتحدث عن القرآن والشعر ومن هم الشعراء في القرآن، وتحدث عن حكم الشعر وإباحته ومكروهيته وتحريمه ورأي رسول الله محمد ﷺ بالشعر حيث قال: «حسن الشعر كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام» ثم تكلّم عن آراء علماء المسلمين بالنسبة للشعر. ثم قال المؤلف إنّ أوّل ما نزل من القرآن الكريم هو الألف لقوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وآخر ما نزل من القرآن هو الألف أيضا حيث قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣]. وقد قمت بحساب من أول ما نزل من القرآن الكريم وآخر ما نزل من القرآن الكريم فوجدت: أ- اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) ٢/ ٧/ ٨/ ٣/ ١٠// ١٠/ ١/ ٦/ ٨/ ٢/ ٦/ ٨/ ٤ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥). ٣/ ٢/ ١١/ ٢/ ١/ ٥/ ١٠/ ٦ ٧ الاسلام. ب- الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ٣/ ١١/ ٦/ ٤/ ٦/ ٥/ ٢/ ٦/ ٦/ ٦/ ٦/ ٧/ ٥ ٧ الإسلام بعد إسقاط الرقم ١٢

стр. 13

من النص: ١ - اليوم ٣ يوم عرفة ٨+ ٧ ٣ بعد إسقاط الرقم ١٢ ويوم عرفة هذا يقولون بأنه يشبه يوم القيامة فهو يساويه بالحساب حيث يوم عرفة ٣ يوم القيامة. وعلى هذا الأساس فإن أول ما نزل من القرآن يساوي بالحساب لكلمة: الإسلام، وآخر ما نزل من القرآن يساوي بالحساب لكلمة: الإسلام أيضا، وكلمة الإسلام ٧، وكلمة الجنة ٧، فمعنى ذلك أن المسلمين هم أهل الجنة والحمد لله رب العالمين. ٢ - عبارة: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ٣/ ١١/ ٦/ ٤/ ٦/ ٥/ ٢/ ٦ ٧ الإسلام. ٣ - عبارة: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ٣/ ١١/ ٦/ ٤/ ٦/ ٥/ ٢/ ٦/ ٦/ ٦/ ٦/ ٧/ ٥ ١، هذا الواحد: هو الله ﷻ . وكذلك قال المؤلف إن سورة الشورى افتتحت بالأحرف: حم (١) عسق (٢) فإذا كتبناها بالأحرف الملفوظة وهي حا ميم ١، عين سين قاف، ٢ نجد أنها تساوي حسابيا للرقم ٣ وهو بدوره يساوي السبع المثاني؛ في حين فاتحة سورة مريم هي خمسة أحرف أيضا ولكنها لا تساوي بالحساب السبع المثاني لأن: «كاف، ها، ياء، عين، صاد» ٥/ ٧/ ٠/ ١٠/ ١١ ٩ أي: لا تساوي السبع المثاني.

стр. 14

وأخيرا تكلّم المؤلف عن متفرقات وإعجازات ومعجزات في القرآن الكريم ومواضع أخرى كثيرة يضيق المقام عن حصرها ويراها القارئ ضمن صفحات مؤلّفه الذي نحن بصدده. وخلاصة القول فإن المؤلف من السّبّاقين في مجال هذا العلم الذي يحتاجه المسلمون خاصة في هذا العصر، عصر الأعداد والحساب، أمدّ الله بعمر مؤلفه كي يتحفنا بكتب ومؤلفات غيره. وفقه الله ووفق أمثاله من العلماء المخلصين العاملين، إنه سميع الدعاء، وإنه على ما يشاء قدير، والحمد لله رب العالمين. كتبه وبكل تواضع صاحب كتاب معجزة الله الكبرى في التفسير الحسابي للقرآن الكريم الدكتور أحمد دللو

стр. 15

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الشيخ محمود دللو الحمد لله رب السماوات والأرض رب العالمين، وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم. سبحان الله وبحمده عدد خلقه وزنة عرشه ومداد كلماته. أحمده فقد أنزل الكتاب تبيانا لكل شيء وما فرط فيه من شيء أرسل محمدا ﷺ خاتم الرسل. وجعل كتابه وهو القرآن الكريم آخر الكتب عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه، فنحن قوم أعزّنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. وقد خلقنا الله لعبادته وجعل الدنيا كماء أنزله من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح لعلنا نتعظ ونعمل للحياة الحقيقية بعد الموت. إن لله عبادا فطنا ... طلقوا الدنيا وعافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحي وطنا جعلوها لجة واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا فالوجود أكبر كثيرا من الظاهر المشهود، ولا مكان فيه للمصادفة العمياء، ولا صلاح ولا فلاح ولا نجاح ولا طمأنينة ولا رفعة للإنسان إلا بالرجوع إلى الله ولا يكون ذلك إلا بالرجوع إلى القرآن الكريم ولذا فعلينا أن نعرف أسراره ونغوص في معانيه ونفهم كل حرف فيه فهو الكتاب الخالد والمعجزة الباقية. فمن أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة

стр. 16

فعليه بالعلم، ومن أراد الدنيا والآخرة فعليه بالعلم. ورحم الله امرئ ترك بعد موته صدقة جارية أو علما ينتفع به أو ولدا صالحا يدعو له. وإني لأرجو من الله تعالى أن يجعل هذا الكتاب خالصا لوجهه الكريم فيزيل به فقرنا ويقوي به ضعفنا ويقضي به حاجتنا. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل الفقير إلى الله الشيخ محمود محمد عيد دللو مجاز شريعة ١٩٦٤

стр. 17

المعجزة القرآنية تعريفها- شروطها- انواعها أ- تعريف المعجزة: الأمر الذي يفوق طاقات البشر ويخرق قوانين الطبيعة وخواص المادة سلاحا للنبي ﷺ رغم أمّيته ليتحدى به قومه. ب- شروط المعجزة: من أهم هذه الشروط: ١ - أن تكون مما لا يقدر عليها إلا الله سبحانه، مثل: انشقاق القمر، وفلق البحر. ٢ - أن تخرق العادة مثل: نبع الماء من بين الأصابع، وانشقاق الحجر لتخرج منه ناقة. ٣ - أن يستشهد بها مدعي الرسالة على الله . ٤ - أن تقع على وفق دعوى المتحدي بها، كأن يقول إذا تفلت بهذا الماء فار النبع وزاد، وقد قال ذلك مسيلمة الكذاب وتفل بالماء وهذا دليل كذبه. ٥ - ألا يأتي أحد بمثل ما أتى به المتحدي على وجه المعارضة. ولهذا جاء التحدي من الله في القرآن الكريم بقوله تعالى: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤) [الطور: ٣٤]. ج- أنواع المعجزات: تكون المعجزات من جنس ما برع به أهل العصر، ففي عهد موسى ﵇ برع الناس بالسحر فكانت معجزته العصا: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) [الأعراف: ١١٧ - ١١٨]. وفي عهد عيسى ﵇ برع الناس بالطب فكانت معجزته إحياء الموتى بإذن الله.

стр. 18

إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) [المائدة: ١١٠]. وقال أيضا في آية أخرى: وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) [آل عمران: ٤٩]. والمعجزات نوعان: ١ - معجزات حسية: مؤقتة تزول بوفاة النبي ﵇ الذي جاء بها مثل عصا موسى، وناقة صالح، وحنين الجذع للرسول محمد ﷺ ، وانشقاق القمر له، ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة. ٢ - معجزات عقلية: باقية وهي القرآن الكريم دائمة إلى قيام الساعة، وقد تحدى الله به الثقلين فقال عز من قائل: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) [الإسراء: ٨٨].

стр. 19

توضيح المعجزات الحسية ما من رسول إلا جاء بمعجزة تدل على صدقه، وإن الأقوام الذين يريد الله أن يتحداهم يمكنهم من كل الأسباب ثم يعطل الله تعالى هذه الأسباب. ومن الأمثلة على ذلك: أ- النار لم تحرق إبراهيم ﵇: لقد حطم إبراهيم أصنام المشركين فأرادوا أن ينتقموا ويجعلوا إبراهيم عبرة لكل إنسان تسوّل له نفسه الاعتداء على الآلهة فجمعوا الحطب وأوقدوا نارا هائلة أمام الآلهة ليحرقوا بها إبراهيم. إنه منظر رهيب ... وجاءوا به ليلقوه في النار فلماذا لم يأمر الله إبراهيم بالاختفاء أو الفرار؟ لو فعل ذلك إبراهيم لظلت هيبة الأصنام ولقالوا لو قبضنا عليه لأحرقناه. ولكن التحدي في سلب قوة الإحراق من النار وتعطيل سنن ونواميس الكون والقوة في النار. قال تعالى: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩) وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) [الأنبياء: ٦٩ - ٧٠]. وفي هذا تحد لهم لأن نارهم لا تفعل شيئا إلا بأمر الله تعالى واستعملوا كلمة حرّقوه مشددة مبالغة في الحرق ولو لم يقل رب العالمين للنار وَسَلاماً لتجمد من شدة بردها عند ما قال لها كوني بردا ولهذا قال: بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ، وكان من الممكن أن تنطفئ النار بفعل المطر ولو حصل ذلك لقال الكفار آلهتنا أطفأت النار وعفت عنه وهي قادرة على حرقه. فمعجزة إبراهيم ليس أن ينجو من النار بالهرب أو غيره ولكن معجزته

стр. 20

أن يجلس في وسط النار المتأججة متحديا من أرادوا إحراقه بالنار لتكون بردا وسلاما عليه. أما موسى ﵇: فيقول الله تعالى مخاطبا أمه بعد ولادته: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨) [القصص: ٧ - ٨]. ونفذت أوامر ربها فوضعته في صندوق وأغلقت الصندوق وألقته في اليمّ لأن الله قال: فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ هذا هو التحدي العظيم. وأخرجته امرأة فرعون، وعاش موسى في بيت فرعون ينفق عليه ويعطي أمه أجر الرضاع فهل بعد هذا التحدي من تحد. ولما بلغ أشده واستوى آتاه الله حكما وعلما وجعله رسولا وأيّده بتسع آيات معجزات منها العصا. قال تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) [الأعراف: ١١٧ - ١٢٢]. فلماذا كان السحرة أول من آمن ؟ لأنهم عرفوا الفرق بين قدرة الله وقدرة البشر فآمنوا بالله رب العالمين، فنسوا فرعون ووعوده وذهبه وما له ومناصبه وأذعنوا للحق وانقادوا إليه ولم يلتفتوا إلى التهديد والوعيد والتنكيل وتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف

стр. 21

وقالوا: إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) [طه: ٧٣ - ٧٥] فالله قادر قاهر ليس لقدرته قيود ولا حدود. وقدرة الله تعالى تظهر في خلق البشر: ١ - فقد خلق الله آدم من غير أب ولا أم. ٢ - وخلق حواء من أب بلا أم. ٣ - وخلق الله البشر من أب وأم وهذه سنة الله في الكون لبقاء النوع الإنساني. ٤ - وخلق عيسى من غير أب فهذه قضية الخلق من زواياها الأربع. وهذا الخلق بأشكاله الأربعة معجزة، لأنه لا يشترط من وجود الذكر والأنثى أن يوجد الخلق، لأن الله سبحانه يجعل من يشاء عقيما لا يولد له. لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) [الشورى: ٤٩]. فالمسألة ليست وجود مسببات بل إن الله حينما يريد للأسباب أن تعمل فإنها تعمل وحين لا يريد لها ذلك فإنها لا تعمل وتتعطل. وهناك معجزات ليست للتحدي: ومنها خلق مريم ويحيى وعيسى ﵈: فقد نذرت امرأة عمران إذا ولد لها ولد ذكر أن يكون خادما للمعبد. قال تعالى: إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي

стр. 22

سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧) هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١) [آل عمران: ٣٥ - ٤١]. فلما وضعت امرأة عمران وليدها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى [آل عمران: ٣٦] فقد فكرت بمنطق الدنيا. ولكن الله يفعل ما يشاء أما قوله تعالى في الآيات: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى [آل عمران: ٣٦]، فهذه الأنثى أفضل من غيرها من الذكور وسيكون لها شأن في المستقبل، ولذا فقد كفلها زكريا وهو نبي رسول نشأ على الإيمان. وعبارة كفلها زكريا تشير إلى أن أباها كان قد مات. وكان زكريا إذا دخل معبدها وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء فيسألها أنى لك هذا فتقول هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. فلكل شيء في الوجود سبب، ولكن هناك أشياء تحدث بلا أسباب إذا أراد الله ذلك ولهذا دعا زكريا ربه أن يهبه ذرية طيبة مع أن امرأته عجوز فرزقه الله يحيى كما رزق مريم الفاكهة في غير أوانها. يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩) [مريم: ٧ - ٩]. وهنا تتعطل الأسباب والقوانين المألوفة، فكما خلق الله زكريا من قبل ولم يك شيئا فهو قادر على أن يخلق يحيى من امرأة عاقر.

стр. 23

وأعود إلى قوله تعالى: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى. فهذه الأنثى وهي مريم ستلد من غير أب عيسى ﵊. المعجزة الباقية والتي افتتن بعض الناس بخلقه من غير أب. فجعلوا الله أباه وعبدوه. وقالوا: إذا لم يكن الله أباه فمن أبوه فرد عليهم القرآن الكريم بقوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩]. فخلق آدم أعظم من خلق عيسى فقد خلق من غير أب ولا أم وهذه قصة ولادة عيسى كما ساقها القرآن الكريم: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (١٩) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١) * فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (٢٢) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢٣) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذلِكَ

стр. 24

عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) [مريم: ١٦ - ٣٦]. ب- فلق البحر لموسى عند ما ضربه بعصاه: فعند ما وصل موسى وقومه إلى مقربة من البحر وفرعون وجيشه يطاردونهم قال أصحاب موسى: إنا لمدركون وهذه مسألة طبيعية في قوانين البشر، وعندها قال موسى: كلا إن معي ربي سيهدين ولم يقل سنستقلّ سفينة أو سنهرب سباحة وقال له ربه: فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) [الشعراء: ٦٣]. وسار موسى ومن معه في البحر وتبعهم فرعون وجنوده. فنجا موسى وقومه، وغرق فرعون وجنوده بنفس الماء. هذه هي قدرة الله تعالى في تعطيل القوانين. وقال تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤) [البقرة: ٢٣ - ٢٤]. د- وجوه إعجاز القرآن الكريم: القرآن الكريم منهج حياة ومعجزة باقية إلى يوم القيامة، ولكل معجزة قرآنية وقت لظهورها، فكما أن معجزات الله متجددة في هذا الكون المخلوق تظهر باستمرار ولا تنقطع، فكذلك آيات الله ومعجزاته تظهر في كلامه القديم المنزل على رسوله ﷺ ولذلك لا يمكن حصر وجوه الإعجاز في هذا الكتاب الخالد. قال الشيخ المرحوم محمد متولي الشعراوي:

стр. 25

«ولو أن القرآن كان من الممكن أن يفسر لكان ﷺ أولى الناس بتفسير هذا القرآن لأنه عليه نزل وبه انفعل ولكن رسول الله محمد ﷺ بيّن للناس على قدر حاجتهم في البيان فبين لهم: الأحكام التكليفية التي يثاب المرء إن فعلها ويعاقب إن تركها. أما كل ما يتعلق بكونيات الوجود وأسرار القرآن حول ذلك الوجود فقد اكتفى رسول الله محمد ﷺ بما علم هو نفسه، واكتفى بأن علّم منها من وجد عنده استشراقا للفهم، ولكنه لم يشع ذلك ولم يعممه لأن العقول لا تقبله، والقرآن لم يأت ليعلمنا كيف نوجد أسرار الوجود وإنما جاء القرآن ليكنز أسرار الوجود حتى تجيء العقول ذوات الاستعداد لأن تفهم السر- لأنها حامت حوله بحركة الحياة- حينئذ يكون عطاء القرآن عطاء مجذوبا إليه، لأن الذي يبحث فيه له نشاط فكري حوله، ولذلك لا نجد أن صحابيا من صحابة رسول الله ﷺ سأله عن شيء كما لم يسأله عن الم (١) [لقمان: ١] ولا عن حم (١) عسق (٢) [الشورى: ١ - ٢] مع أن الرسول استقبل أناسا كثيرين يؤمنون بكتاب الله، واستقبل أناسا كثيرين يكفرون بما أنزل الله وكانوا يريدون أن يقيموا الحجة على رسول الله ﷺ في أنه أتى بشيء غراب «كلام مجانين». فهل سمعنا أن كافرا من الكفار العتاة قال للقوم وهم بلغاء فصحاء يجيدون العربية ملكة لا صناعة؟ هل سمعنا أن واحدا من الكفار قال: ماذا يعني حم وماذا تعني حم عسق؟ كيف يمر على المكابر المنكر مثل هذه الفواتح للسور ولا يجد فيها ما ينقض على رسول الله محمد ﷺ شيئا من أمره؟.

стр. 26

لا شك أنه انفعل لها وإن لم يؤمن بها، ولا يجد فيها أي شيء يمكن أن ينقض به على رسول الله ﷺ ليهدم قرآنه، إذا فلا المؤمنون به سألوه عنها ولا الكافرون به سألوه عنها إلى آخر الكلام الباقي عن العلامة. ﵀. معنى إعجاز القرآن الكريم: الإعجاز لغة: نسبة العجز للغير قال تعالى في قصة ابني آدم: قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) [المائدة: ٣١]. وسميت معجزة لعجز البشر عن الإتيان بمثلها. والمقصود بإعجاز القرآن عجز البشر عن الإتيان بمثله وبذلك يتبين أنه حق وأن الرسول ﷺ صادق. وليس القصد من الإعجاز التعجيز لذاته. وبهذا القرآن الكريم أحيا الله تعالى الأمة وجعلها خير أمة أخرجت للناس وهذا خطاب لرسولنا ﷺ . أخوك عيسى دعا ميتا فقام له ... وأنت أحييت أجيالا من العدم فالقرآن الكريم معجزة محمد ﷺ ، الرجل الأمّي الذي لم يدرس في جامعة ولم يتعلم العلم عن عالم، ولم يتصل بأهل الكتاب يتحدى العرب خاصة والناس كافة على أن يأتوا بآية يعارضون بها هذا القرآن الكريم، ولما عجزوا فما عليهم إلا أن يذعنوا أنه من عند الله فيؤمنوا به ويستسلموا لله تعالى وينقادوا له. قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]. وقال: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) [النحل: ١٠٢].

стр. 27

والتحدي نوعان عام وخاص: فالعام: تحدّى به القرآن جميع الخلائق من إنس وجن وفلاسفة وعباقرة وعلماء وأدباء وعرب وعجم وبيض وسود على أن يأتوا بمثله أو بشيء من مثله. والتحدي الخاص: تحدّى القرآن الكريم العرب خاصة وعلى الأخص قريشا وهذا نوعان أيضا كلي وجزئي: فالكلي: تحداهم بأن يأتوا بقرآن مثله. والجزئي: تحداهم على أن يأتوا بسورة من مثله كسورة العصر مثلا. ودليل الكلي في قوله تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩) [القصص: ٤٩]. والجزئي كقوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) [هود: ١٣ - ١٤]. والقرآن الكريم معجز بذاته فإعجازه بفصاحة عباراته وروعة بيانه وأسلوبه الفريد الذي لا يشابه أي أسلوب فلا هو نثر ولا شعر ولا خطابة ولا كهانة ومسحته اللفظية تتجلى في نظامه الصوتي وجماله اللغوى وبراعته الفنية. فهو الشهادة على صدق رسول الله ﷺ وأن هذا القرآن منزل من عند الله تعالى، قال تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩) [الأنعام: ١٩].

стр. 28

وقال تعالى: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (١٦٦) [النساء: ١٦٦]. فالعلم الإلهي يدل على أن القرآن من عند الله، وهو ظاهر في كل آية من آياته. هذا وإن التقدم العلمي في العصر الحديث يدل على مصداق ما جاء في القرآن الكريم. فكل آية منه تتحدى البشر بأن يأتوا بمثلها وكل إشارة علمية فيه سبقت العلم الحديث، ونحن الآن في عصر انفجار المعرفة نكتشف ذلك وهذا ما سنراه في بحث الإعجاز العلمي في القرآن الكريم. هـ- بعض وجوه إعجاز القرآن الكريم : الإخبار عن المغيبات الماضية والمستقبلة وأهميتها للرسول ﷺ . ١ - الإخبار عن المغيبات الماضية : كقصص الأنبياء والأمم السابقة، مثل: قصة ثمود، وصالح، وإبراهيم، وموسى وغير هم. أ- قال تعالى: وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٤٦) [الذاريات: ٣٨ - ٤٦]. ب- قال تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) [التوبة: ٣٠].

стр. 29

فمن هو عزيز؟ اليهود لم يعرفوا هذا الاسم إلا بعد دخولهم إلى مصر واختلاطهم بأهلها وأخذهم من وثنيتها. فعزيز هو (أوزيرس) كما يلفظه الفرنج أو (عوزر) كما يلفظه قدماء المصريين وهو ابن إله الشمس في الديانة المصرية القديمة، وقد أخذ اليهود عنهم ذلك وقالوا عزيز ابن الله وصاروا يعلمون أولادهم بذلك ولا يستطيع اليهود أن يدّعوا أو يثبتوا أنّ اسم عزيز كان معروفا عندهم قبل دخولهم مصر. ٢ - الإخبار عن المغيبات المستقبلة: أ- إخباره أن الروم سينتصر على الفرس في بضع سنين، قال تعالى: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) [الروم: ١ - ٥] وقد حدث هذا النصر فعلا في بضع سنين للروم على الفرس، وفي نفس اليوم انتصر المسلمون على المشركين يوم بدر، فتحقق وعد الله بنصر الروم، وفرح المؤمنون يومئذ بنصرهم. ب- إخبار القرآن الكريم أن الله عاصم رسوله وحافظه من الناس فلا يصلون إليه وهذا وعد أيضا بالإضافة إلى كونه إخبارا عن غيب في المستقبل، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧) [المائدة: ٦٧]. فصرف النبي ﷺ الحرس والصّحاب ثقة بوعد الله تعالى وإيمانا قاطعا بحماية الله تعالى له.

стр. 30

وقد ورد في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵃ أجمعين قال: كنا إذا أتينا في سفرنا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله ﷺ ، فلما كنا بذات الرقاع نزل نبي الله تحت شجرة وعلّق سيفه فيها، فجاء رجل من المشركين فأخذ السيف فاخترطه وقال للنبي ﷺ : أتخافني؟ قال: «لا» قال: من يمنعك مني؟ قال: «الله يمنعني منك» فرفع السيف ووضعه. وكان ذلك في الغزوة التي شرعت بها صلاة الخوف. وعن علي ﵁ قال: كنا إذا حمي البأس وحمي الوطيس اتقينا برسول الله ﷺ فما يكون أحد منا أقرب إلى العدو منه. وفي غزوة حنين لما انهزم المسلمون بعد أن أعجبتهم كثرتهم ثبت النبي ﷺ وأمر عمه العباس أن ينادي بأعلى صوته يا معشر المهاجرين والأنصار يا أصحاب بيعة الرضوان إلى رسولكم. وكان النبي ﷺ راكبا على بغلته ولجامها بيد العباس ﵁ والرسول يسرع بها نحو المشركين والعباس يمنعها من السرعة حتى غشاه المشركون وأحاطوا به فنزل عن بغلته كأنه يمكّنهم من نفسه ولم يفرّ ولم ينكص وهو يقول: «أنا النّبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب». ج- إخبار القرآن الكريم بهزيمة قريش قبل معركة بدر عند ما كان المسلمون بمكة بقوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) [القمر: ٤٤ - ٤٦]. وقد تم ذلك فعلا، والآية مكية وغزوة بدر حدثت في السنة الثانية للهجرة كما هو معلوم. د- إخبار القرآن الكريم بمكة بما سيأتي على المشركين وماذا سيحل بهم: ١ - القحط والجوع حتى إذا نظر أحدهم إلى السماء رأى بينه وبينها كهيئة الدخان.

стр. 31

٢ - أنهم سيتضرعون الله تعالى. ٣ - أن الله سيكشف عنهم العذاب قليلا. ٤ - أنهم سيعودون إلى كفرهم وعنادهم. ٥ - أن الله سينتقم منهم يوم البطشة الكبرى في بدر. وقد تم ذلك فعلا وتحققت نبوءة القرآن الكريم. قال تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) [الدخان: ١٠ - ١٦]. وسبب نزول هذه الآيات: أنّ المشركين لما عتوا وطغوا وتمردوا على رسول الله ﷺ دعا عليهم فقال: «اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف» لعلهم يتوبون إلى الله ورسوله، فحل بهم القحط والعذاب. هـ- حتى إن القرآن الكريم تعرض لبعض الحوادث الجزئية تقع لشخص معين. فهذا الوليد بن المغيرة المخزومي الذي قال الله تعالى فيه: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) [المدثر: ١١ - ٢٦]. والذي قال تعالى فيه أيضا: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ

стр. 32

بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) [القلم: ١٠ - ١٦]. وقد تحقق وعد القرآن الكريم به ففي غزوة بدر ضرب على أنفه بالسيف فبقيت سمة أو علامة على أنفه كما أخبر القرآن الكريم بذلك: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [القلم: ١٦] والخرطوم هو الأنف وسماه بذلك لبلادته كبلادة الفيل ذي الخرطوم الطويل. ووثّقه من الرسول ﷺ بنصر الله الذي وعده له في آيات كثيرة من القرآن وهو في أحلك الظروف والمدينة محاصرة من قبل المشركين في غزوة الأحزاب، واليهود خانوا الله ورسوله من داخل المدينة وهذا هو القرآن الكريم يصف حالة المؤمنين فيقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٩) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً (١١) [الأحزاب: ٩ - ١١]. في غمرة هذه الأحداث ليشارك النبي ﷺ في حفر الخندق حول المدينة فتعترضهم صخرة ولننظر إلى موقف الرسول ﷺ . روى النسائي بحديثه قال: لما أمر رسول الله ﷺ بحفر الخندق عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر فقال رسول الله ﷺ وأخذ المعول ووضع رداءه ناحية الخندق وقال: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً [الأنعام: ١١٥] فنذر ثلث الحجر وسلمان الفارسي قائم ينظر، فبرق مع ضربة رسول الله ﷺ برقة، ثم ضرب الثانية وقال: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً فنذر الثلث الأخير فبرقت برقة فرآها سلمان ثم ضرب الثالثة وقال: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً

стр. 33

فنذر الثلث الباقي وخرج رسول الله ﷺ فأخذ رداءه وجلس. قال سلمان: يا رسول الله رأيتك حين ضربت، ما تضرب ضربة إلا كانت معها برقة؟ قال له رسول الله ﷺ : «رأيت ذلك يا سلمان؟» فقال: أي والذي بعثك بالحق يا رسول الله، قال: «فإني حين ضربت الضربة الأولى رفعت لي مدائن كبرى وما حولها، ومدائن كثيرة حتى رأيتها بعيني»، قال له من حضره من أصحابه: يا رسول الله، ادع الله أن يفتحها علينا ويغنّمنا ذراريهم ويخرّب بأيدينا بلادهم، فدعا رسول الله ﷺ ، «ثم ضربت الضربة الثانية فرفعت لي مدائن قيصر وما حولها حتى رأيتها بعينيّ»، قالوا: يا رسول الله، ادع الله أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم ويخرب بأيدينا بلادهم، فدعا رسول الله ﷺ ، «ثم ضربت الضربة الثالثة فرفعت لي مدائن الحبشة وما حولها من القرى حتى رأيتها بعينيّ»، قال رسول الله ﷺ عند ذلك: «دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم». وعن البراء قال: لما أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق عرض لنا صخرة لا تأخذ فيها المعاول فاشتكينا ذلك لرسول الله ﷺ فجاء رسول الله ﷺ فألقى ثوبه وأخذ المعول وقال: «بسم الله»، فضرب ضربة فكسر ثلث الصخرة ثم قال: «الله اكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر إلى قصور الحمراء الآن من مكاني هذا» قال ثم ضرب أخرى وقال: «بسم الله» فكسر ثلثا آخر ثم قال: «الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض»، ثم ضرب الثالثة وقال: «بسم الله» فقطع الحجر وقال: «الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر باب صنعاء». صححه أبو محمد عبد الحق. فهذا رجل مهاجر وكل الدنيا ضده ولا ملجأ له إلا الله يخبر الناس بهذه الفتوحات لأقوى الدول وقد تحقق ذلك فعلا بعد مدة

стр. 34

وجيزة وأصبحت هذه البلاد بلادا إسلامية تؤمن بالله وحده وبمحمد عبده ورسوله ﷺ . ٣ - بيان بعض الحقائق العلمية القاطعة : العلم: إما فرضيات أو علوم يقينية . أ- الفرضية قد تكون صحيحة أو خاطئة كقولهم: انفصلت الأرض عن الشمس فهذه تحتمل الخطأ والصواب ولا يمكن إثباتها بالتجربة، ولذلك فهي ليست حقيقة علمية فإن وافقت القرآن فهي صحيحة وإن خالفت القرآن فهي خاطئة، والقرآن هو الصواب لأنه تنزيل من خالق الكون وما فيه من أجرام سماوية، فنظرية بطليموس التي تقول: «إن الشمس تدور حول الأرض» هي خاطئة بعد أن أثبت العلم الحديث عكس ذلك حيث أن الأرض هي التي تدور حول الشمس. ب- أما العلم اليقيني فهو ما يمكن إثباته بالتجربة كقولنا : الشجر يوقد بالنار قال تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) [يس: ٨٠]. وكقوله تعالى: وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) [التكوير: ٦]. أي: اشتعلت نارا، وقد أثبت العلم الحديث أن الماء يتألف من غازي الهيدروجين والأوكسجين يمكن فصلهما من الماء بالتحليل الكهربائي وهما غازان مشتعلان وهذا يدل على أنه يمكن أن يشتعل الماء وهي حقيقة علمية مثبتة في القرآن الكريم. ومن الحقائق العلمية قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) [فصلت: ٥٣].

стр. 35

وكقوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) [الأنعام: ١٢٥]. والآية تشير إلى تناقص كمية الأوكسيجين كلما ارتفعنا في الغلاف الجوي للأعلى، حتى تنعدم فيضيق الصدر كلما ارتفعنا في السماء. نشأة الكون: قال تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) [فصلت: ١١ - ١٢]. ويقول العلماء: إن مادة الكون بدأت غازا منتشرا في الفضاء بانتظام ثم تكونت منها المجموعات الفلكية من تكاثف هذا الغاز وهذه النظرية موافقة للآية الكريمة ولم يكن الكون غبارا كما ظن بعض العلماء قبل أن يعرفوا نظرية انقسام الذرة، قال تعالى: وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦١) [يونس: ٦١]. فكلمة أصغر في الآية تشير إلى تحطيم وتقسيم الذرة، وقد تمكن العلماء اليوم من تقسيم الذرة فاخترعوا القنبلة الذرية والهيدروجينية بعد أن كان الرأي السائد قبل هذا التاريخ أنه لا يمكن تقسيم الذرة. الجنين مغطى بثلاثة أغشية: لا ترى بالعين المجردة وقد اكتشفها الطب الحديث اليوم وذكرها القرآن

стр. 36

الكريم قبل ذلك بقرون خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) [الزمر: ٦]. فالظلمات الثلاث هي الأغشية الثلاثة. اختلاف بصمات الإنسان: أثبت العلم الحديث اختلاف البصمات في أصابع البشر فلا تشبه بصمة الإنسان بصمة إنسان آخر. وتمكن العلماء بواسطة ذلك على التعرف على الأشخاص من بصماتهم لأن بشرة الأصابع مغطاة بخطوط دقيقة تدل عليهم، قال تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٦) [القيامة: ٣ - ٦]. المطر والبرد: قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) [الروم: ٤٨ - ٥٠]. فالمياه تتبخر على شكل سحاب طبقي فتمتد بشكل أفقي في السماء لكنها لا تتكاثف إلا بوجود الرياح. ١ - لأن الرياح تظهر السحاب فأصبح يرى بشكل غيوم. ٢ - وكذلك تهيج هذا السحاب. ومعنى كلمة تثير: تظهر وتهيج وتحرك.

стр. 37

وهناك شرط آخر: هو أن تكون بشكل قطع كبيرة من الغيوم منفصلة عن بعضها وقد تمتد القطعة مئات الكيلومترات. هذه القطع الممطرة، مطرها هادئ يحمل البشرى للناس لا يصاحبه هواء ولا رعد ولا برق فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الروم: ٤٨]. وهو من أنفع وأحسن وأهدأ أنواع المطر. فمن أين جاء محمد ﷺ بهذا العلم؟ إنه تنزيل الحكيم العليم. السحاب الركامي وتكون البرق: قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) [النور: ٤٣]. يساق بخار الماء بعضه إلى بعض في خط التجمع ثم يتآلف ثم يرتفع إلى الأعلى بسبب قوة الدفع من الأسفل لأن طبقات أخرى من الغيوم تحل تحت الطبقة العليا، فإذا أصبحت قوة الدفع ضعيفة بسبب الثقل العلوي تساقطت قطرات المطر إلى الأسفل. وهذا هو السحاب الركامي، ونظرا للبرودة يتكون الثلج المتجمع مع بعضه ضمن هذه الغيوم المتراكمة مكونا البرد، وهذا البرد يتساقط بعضه على الأرض ويرجع الآخر مرتفعا للأعلى ضمن الغيوم ويدور فيها بسرعة فيشكل أقطابا مختلفة بعضها موجب وبعضها سالب فتحدث الشرارات الكهربائية وهي اللمع التي يعقبها الرعد. والهاء في كلمة (سنا برقه) عائدة للبرد: أي برق البرد، فالبرق من البرد. وقوله تعالى: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ [النور: ٤٣] إذا سقط على منطقة فيسبب الضرر لأهلها، وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ [النور: ٤٣] بإعادته ضمن الغيوم المتراكمة ليدور مشكلا البرق.

стр. 38

وقد أكد القرآن هذه الحقيقة منذ أكثر من أربعة عشر قرنا ولم يكتشفها العلم الحديث إلا قريبا. فمن أين جاء محمد ﷺ بذلك؟ إنه الوحي الإلهي وكلام العليم الحكيم. نقصان الأرض من أطرافها: قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١) [الرعد: ٤١]. قررت هذه الآية بأن المسلمين ينتصرون على الكفار فيأخذون أراضيهم المتاخمة لأطراف بلاد الإسلام ويضمونها إليهم وبذلك تزداد دار الإسلام وتنقص أراضي دار الكفر. لكن بعض العلماء اليوم يقولون: أ- أطراف الأرض هي قمم الجبال وهي أطراف راسية. ب- وسواحل البحار وهي أطراف سفلية. فالخلجان التي تتشكل نتيجة لدخول البحر في البر وأطراف القارات واضحة وينتج نقص أطراف الأرض بسبب عوامل التعرية والحت والائتكال والرياح، وكلها عوامل هدم لقمم الجبال وأطراف السواحل. مادة داخل الأرض: قال تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ [تبارك: ١٦]. يشير القرآن الكريم أن ظاهر الأرض مؤلف من قشرة يقول العلماء سمكها من ٣٣ - ٧٤ كيلومترا ولم يستطع النّاس أن يحفروا داخل الأرض

стр. 39

أكثر من ١٢ كيلومترا. أما داخل الأرض فهو مواد مائعة مصهورة. فالغازات بالنسبة إلى ما في جوف الأرض من موايع كالسفن التي تجري على ظهر البحر، هذه السفن تحتاج إلى مراسي، والأرض لها مراس كذلك وهي الجبال، وتحت كل جبل من الجبال جذر يمتد في باطن الأرض. والشكل الوتدي للجبل موجود في باطنها: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) [النبأ: ٦ - ٧]. وقال تعالى: وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢) [الأنبياء: ٣١ - ٣٢]. قيادة الإنسان: قال تعالى: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) [العلق: ١٥ - ١٦]. فلما الناصية؟ ولماذا كاذبة خاطئة؟ الناصية: مقدم الرأس من الإنسان فوق الجبهة، والجزء الجبهوي من المخ مسئول عن قيادة الإنسان ولذلك يقطعون هذا الجزء من المخ في أوروبا وأمريكا لدى عتاة المجرمين بحيث يتمكن الناس من قيادتهم حتى الأطفال يستطيعون توجيههم. والآية تقول عن الناصية: كاذبة خاطئة، فكيف تكون الناصية كذلك وهي لا تنطق. فالمقصود هو القسم من المخ المسمى بالعض الجبهوي، وكذلك كل الحيوانات التي لها مخ قيادتها في هذه الناحية وعلى هذا نفهم قوله تعالى: ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود: ٥٦].

стр. 40

وقول الرسول ﷺ : «اللهم أنت ربي وأنا عبدك ناصيتي بيدك ماض فيّ حكمك عدل في قضاؤك ... ». ج- ملاحظات حول موقف القرآن الكريم من العلوم الكونية: ١ - القرآن الكريم لم يجعل العلوم الكونية موضوعه لأنها خاضعة لقوانين جادة في هذا الكون، ولأن العامة لا يفهمونها وأمرها هيّن بسيط بالنسبة إلى ما يقصده القرآن من إنقاذ الإنسان وهداية الثقلين إلى سعادة الدنيا والآخرة. فالقرآن كتاب هداية وليس كتاب رياضيات أو طب أو فلك، وعند ما يذكر شيئا من الكونيات فذلك في سياق قدرة الله تعالى لهداية الإنسان إلى الحمد ودلالة الخلق على الخالق. قال تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) [المائدة: ١٥ - ١٦]. ٢ - دعا القرآن للانتفاع بما في الكون من نعم وعبر، قال تعالى: قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [يونس: ١٠١]. وقال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤) [إبراهيم: ٣٣ - ٣٤]. ٣ - هذه الكونيات لها رب وهو الله تعالى ونفى الصفات التي خلعها الضالون عليها وذلك عند ما عبدوا بعض مظاهر الطبيعة. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤١) [فاطر: ٤١].
следующие страницы →