← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37987

المعجزة القرآنية حقائق علمية قاطعة

أحمد عمر أبو شوفة

Полный текст (326 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الكريم قبل ذلك بقرون خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) [الزمر: ٦]. فالظلمات الثلاث هي الأغشية الثلاثة. اختلاف بصمات الإنسان: أثبت العلم الحديث اختلاف البصمات في أصابع البشر فلا تشبه بصمة الإنسان بصمة إنسان آخر. وتمكن العلماء بواسطة ذلك على التعرف على الأشخاص من بصماتهم لأن بشرة الأصابع مغطاة بخطوط دقيقة تدل عليهم، قال تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٦) [القيامة: ٣ - ٦]. المطر والبرد: قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) [الروم: ٤٨ - ٥٠]. فالمياه تتبخر على شكل سحاب طبقي فتمتد بشكل أفقي في السماء لكنها لا تتكاثف إلا بوجود الرياح. ١ - لأن الرياح تظهر السحاب فأصبح يرى بشكل غيوم. ٢ - وكذلك تهيج هذا السحاب. ومعنى كلمة تثير: تظهر وتهيج وتحرك.

стр. 37

وهناك شرط آخر: هو أن تكون بشكل قطع كبيرة من الغيوم منفصلة عن بعضها وقد تمتد القطعة مئات الكيلومترات. هذه القطع الممطرة، مطرها هادئ يحمل البشرى للناس لا يصاحبه هواء ولا رعد ولا برق فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الروم: ٤٨]. وهو من أنفع وأحسن وأهدأ أنواع المطر. فمن أين جاء محمد ﷺ بهذا العلم؟ إنه تنزيل الحكيم العليم. السحاب الركامي وتكون البرق: قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) [النور: ٤٣]. يساق بخار الماء بعضه إلى بعض في خط التجمع ثم يتآلف ثم يرتفع إلى الأعلى بسبب قوة الدفع من الأسفل لأن طبقات أخرى من الغيوم تحل تحت الطبقة العليا، فإذا أصبحت قوة الدفع ضعيفة بسبب الثقل العلوي تساقطت قطرات المطر إلى الأسفل. وهذا هو السحاب الركامي، ونظرا للبرودة يتكون الثلج المتجمع مع بعضه ضمن هذه الغيوم المتراكمة مكونا البرد، وهذا البرد يتساقط بعضه على الأرض ويرجع الآخر مرتفعا للأعلى ضمن الغيوم ويدور فيها بسرعة فيشكل أقطابا مختلفة بعضها موجب وبعضها سالب فتحدث الشرارات الكهربائية وهي اللمع التي يعقبها الرعد. والهاء في كلمة (سنا برقه) عائدة للبرد: أي برق البرد، فالبرق من البرد. وقوله تعالى: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ [النور: ٤٣] إذا سقط على منطقة فيسبب الضرر لأهلها، وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ [النور: ٤٣] بإعادته ضمن الغيوم المتراكمة ليدور مشكلا البرق.

стр. 38

وقد أكد القرآن هذه الحقيقة منذ أكثر من أربعة عشر قرنا ولم يكتشفها العلم الحديث إلا قريبا. فمن أين جاء محمد ﷺ بذلك؟ إنه الوحي الإلهي وكلام العليم الحكيم. نقصان الأرض من أطرافها: قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١) [الرعد: ٤١]. قررت هذه الآية بأن المسلمين ينتصرون على الكفار فيأخذون أراضيهم المتاخمة لأطراف بلاد الإسلام ويضمونها إليهم وبذلك تزداد دار الإسلام وتنقص أراضي دار الكفر. لكن بعض العلماء اليوم يقولون: أ- أطراف الأرض هي قمم الجبال وهي أطراف راسية. ب- وسواحل البحار وهي أطراف سفلية. فالخلجان التي تتشكل نتيجة لدخول البحر في البر وأطراف القارات واضحة وينتج نقص أطراف الأرض بسبب عوامل التعرية والحت والائتكال والرياح، وكلها عوامل هدم لقمم الجبال وأطراف السواحل. مادة داخل الأرض: قال تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ [تبارك: ١٦]. يشير القرآن الكريم أن ظاهر الأرض مؤلف من قشرة يقول العلماء سمكها من ٣٣ - ٧٤ كيلومترا ولم يستطع النّاس أن يحفروا داخل الأرض

стр. 39

أكثر من ١٢ كيلومترا. أما داخل الأرض فهو مواد مائعة مصهورة. فالغازات بالنسبة إلى ما في جوف الأرض من موايع كالسفن التي تجري على ظهر البحر، هذه السفن تحتاج إلى مراسي، والأرض لها مراس كذلك وهي الجبال، وتحت كل جبل من الجبال جذر يمتد في باطن الأرض. والشكل الوتدي للجبل موجود في باطنها: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) [النبأ: ٦ - ٧]. وقال تعالى: وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢) [الأنبياء: ٣١ - ٣٢]. قيادة الإنسان: قال تعالى: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) [العلق: ١٥ - ١٦]. فلما الناصية؟ ولماذا كاذبة خاطئة؟ الناصية: مقدم الرأس من الإنسان فوق الجبهة، والجزء الجبهوي من المخ مسئول عن قيادة الإنسان ولذلك يقطعون هذا الجزء من المخ في أوروبا وأمريكا لدى عتاة المجرمين بحيث يتمكن الناس من قيادتهم حتى الأطفال يستطيعون توجيههم. والآية تقول عن الناصية: كاذبة خاطئة، فكيف تكون الناصية كذلك وهي لا تنطق. فالمقصود هو القسم من المخ المسمى بالعض الجبهوي، وكذلك كل الحيوانات التي لها مخ قيادتها في هذه الناحية وعلى هذا نفهم قوله تعالى: ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود: ٥٦].

стр. 40

وقول الرسول ﷺ : «اللهم أنت ربي وأنا عبدك ناصيتي بيدك ماض فيّ حكمك عدل في قضاؤك ... ». ج- ملاحظات حول موقف القرآن الكريم من العلوم الكونية: ١ - القرآن الكريم لم يجعل العلوم الكونية موضوعه لأنها خاضعة لقوانين جادة في هذا الكون، ولأن العامة لا يفهمونها وأمرها هيّن بسيط بالنسبة إلى ما يقصده القرآن من إنقاذ الإنسان وهداية الثقلين إلى سعادة الدنيا والآخرة. فالقرآن كتاب هداية وليس كتاب رياضيات أو طب أو فلك، وعند ما يذكر شيئا من الكونيات فذلك في سياق قدرة الله تعالى لهداية الإنسان إلى الحمد ودلالة الخلق على الخالق. قال تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) [المائدة: ١٥ - ١٦]. ٢ - دعا القرآن للانتفاع بما في الكون من نعم وعبر، قال تعالى: قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [يونس: ١٠١]. وقال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤) [إبراهيم: ٣٣ - ٣٤]. ٣ - هذه الكونيات لها رب وهو الله تعالى ونفى الصفات التي خلعها الضالون عليها وذلك عند ما عبدوا بعض مظاهر الطبيعة. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤١) [فاطر: ٤١].

стр. 41

وهذه الكونيات الهالكة: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨) [القصص: ٨٨]. ويقول تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم: ٤٨]. ويقول أيضا: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) [الزمر: ٦٧]. ٤ - لا توجد حادثة علمية كونية تحدّث عنها القرآن الكريم، إلا أتت صحيحة قطعا وقد أظهر العلم الحديث ذلك كما في الأمثلة السابقة. ٥ - أسلوب القرآن أسلوب بياني معجز عند التحدث عن العلوم الكونية بعكس الأسلوب العلمي البشري، وكل جيل يفهم منه ما يوافق علوم عصره. وتبقى الحقيقة القرآنية في أعلى درجات الصدق والإعجاز. يقول تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) [الذاريات: ٤٩]. ويقول سبحانه: سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦) [يس: ٣٦]. فقد روي عن الحسن البصري: أنه فسر الزوجين بالليل والنهار والسماء والأرض والشمس والقمر والبر والبحر والحياة والموت ... وهكذا عدّد أشياء وقال كل اثنين منها زوج. أما المتأخرون ففهموا من ذلك أن الزوجين هما المتقابلان بالذكورة والأنوثة فما من شيء في هذا الوجود إلا منه ذكر وأنثى كالإنسان والحيوان والنبات والجماد. والذكورة والأنوثة بالجماد ضمن الذرات في البروتونات والإلكترونات، فالبروتون ذو شحنة موجبة والإلكترون ذو شحنة سالبة

стр. 42

معاكسة، وهكذا أو بكل دقة يقرر القرآن الكريم أن كل ما في الوجود ذكر وأنثى. ٦ - وليست مهمة القرآن الكريم كسائر الكتب السماوية البحث في العلوم الكونية والمسائل الفنية على النحو المألوف في الكتب الخاصة الموضوعة فيها. ٧ - كانت جزيرة العرب عند نزول القرآن الكريم مليئة بالعقائد الفاسدة والعلوم الكونية الخاطئة فجاء القرآن الكريم، فصحح كل ذلك فأبدل الشرك بالتوحيد، وصحح نظرة العرب إلى الملائكة إذ كانوا يعتقدون أنها بنات الله. قال تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩) وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) [الزخرف: ١٩ - ٢٠]. وجاء القرآن الكريم يدعو إلى مكارم الأخلاق، قال ﷺ : «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». ٨ - وضع القرآن الكريم قواعد التفكير السليم: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠) [البقرة: ١٧٠]. وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤) [المائدة: ١٠٤]. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) [فاطر: ٢٧ - ٢٨].

стр. 43

وقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧) [الحج: ٥ - ٦ - ٧]. ٤ - فصاحة عباراته ومتانة تراكيبه: في كل آياته وكلماته كما في قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) [الكوثر: ١ - ٣]. وأيضا بقوله تعالى: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤) [المؤمنون: ١٠١ - ١٠٤]. وإلى آخر ما هنا لك في كل آيات القرآن العظيم وكلماته. ٥ - نظمه البديع: القرآن الكريم ليس نثرا ولا شعرا ولا يشبه أي كلام من كلام الخلق بل هو نسيج وحده لأنه من عند الله تعالى. بقوله متعجبين منه فنزلت الآيات الكريمة (١).

стр. 44

وفي صحيح مسلم أن (أنيسا الغفاري) أخا أبي ذرّ: قال لأبي ذرّ: لقيت رجلا بمكة على دينك، يزعم أن الله أرسله، قلت: فما يقول الناس، قال يقولون: شاعر، ساحر، كاهن، وكان (أنيس) أحد الشعراء قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر (يريد أنواعه وبحوره) فلم يلتئم على لسان أحد منهم أنه شعر، والله إنهم لكاذبون وإنه لصادق (١). وأخرج ابن إسحاق في السيرة: أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: لقد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم لنا رجلا عالما بالشعر، والكهانة، والسحر، فكلّمه ثمّ أتانا ببيان عن أمره؟ فقال (عتبة بن ربيعة) - وكان من أشراف القوم وسادتهم-: أنا أقوم إليه وأكلّمه! فأتاه فقال: يا محمد أنت خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فبم تشتم آلهتنا وتضلّلنا؟ فإن كنت تريد الرئاسة، عقد لك اللواء فكنت رئيسنا، وإن كنت تريد النساء زوّجناك ما تشاء منهن، تختار من أي بنات قريش ما شئت، وإن كنت تريد المال جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أغنانا وأكثرنا مالا، والنبي ﷺ ساكت لا يجيبه، فلمّا فرغ من عرضه، قال له النبي ﷺ : «أفرغت»؟، قال: نعم، قال: «فاسمع إذا»، فتلا عليه سورة فصّلت حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤) [فصلت: ١ - ٤] الخ. حتى بلغ قوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً [فصلت: ١٣] فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم أن يكفّ. ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش، فلما احتبس عنهم قالوا: ما نرى عتبة إلا قد صبأ! فانطلقوا إليه وقالوا: يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك قد صبأت، فغضب ثم قال لهم: والله لقد كلمته فأجابني بشيء والله ما هو بشعر، ولا بسحر، ولا بكهانة، وقد ناشدته بالرحم

стр. 45

أن يكفّ خشية أن ينزل بكم العذاب، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب (١). قال العلامة القرطبي ﵀: وإذا اعترف عتبة على موضعه من اللّسان، وموضعه من الفصاحة والبلاغة، بأنه ما سمع مثل القرآن قطّ، كان في هذا القول، مقرا بإعجاز القرآن له ولضربائه من المتحققين بالفصاحة والقدرة على التكلم بجميع أجناس القول وأنواعه. ٦ - اتساق نظريات القرآن وأحكامه: في القرآن الكريم ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية، وقد مضى على نزول هذا الكتاب الكريم أكثر من أربعة عشر قرنا ولم يوجد فيه حكم يخالف حكما أو أمر يخالف أمرا، وكذا يدل على أن منزله واحد بواسطة ملك واحد وهو جبريل ﵇ على نبي واحد وهو محمد ﷺ ، قال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢) [النساء: ٨٢]. وكقوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) [محمد: ٢٤]. لقد كانت أمم الأرض ترى أن الكون عدو للإنسان وأن آلهة متعددة تتحكم في هذا الوجود وتتصارع فهذا إله الموت، وذاك إله الحب وآخر إله الحرب .... فعلى سبيل المثال كانت آلهة الديانة المجوسية بفارس تؤمن بوجود إلهين: إله النور وإله الظلام، وقد تغلّب إله الظلام على إله النور فعمّت الشرور وانتشر الفساد ولذلك دعا كهنتهم إلى مساعدة إله النور

стр. 46

ضد إله الظلام: عن طريق إشعال النيران فبنوا لذلك المعابد الضخمة التي خصصت لإشعال النيران وعبادتها ليل ونهار. كما اقترحوا أساليب كثيرة لهذه الغاية منها: قال بعضهم: سبب الشر في الكون هم الناس ولهذا دعا إلى القضاء على البشرية بعدم مساعدة الفقراء كي يموتوا جوعا، كما أنه دعا إلى العمل يوما واحدا في الأسبوع وتعطيل ستة أيام فيقل الغذاء ويموت الناس. وآخر منهم قال: سبب الشر الأموال والنساء فدعا إلى الإباحة بهما والمشاع فأباح زواج الأخوات والبنات والأمهات ... إلى آخر ما هنالك من فلسفات ضالة عن الحق ومعادية للأخلاق والضمير. لذا لا بد من استعراض سريع لنظرية الإسلام عن الكون والإنسان والحياة وبإيجاز شديد: أولا: هذا الكون من خلق الله وليس وليد الصدفة وكذلك الإنسان من مخلوقات الله تعالى. فهما مشتركان في هذه الظاهرة. ولهذا فالكون صديق للإنسان وليس عدو له. ثانيا: هذا الكون مسخر للإنسان يعمل به ويتصرف ليعيش. قال تعالى: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠) [لقمان: ٢٠]. والإنسان مستخلف في هذا الوجود ليعمره بالعمل الصالح في الدنيا ليفوز بالآخرة. قال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً (٣٩) [فاطر: ٣٩]

стр. 47

وقال تعالى: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) [الحديد: ٧]. الإنسان أكرم المخلوقات في هذا الوجود قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا [الإسراء: ٧٠]. وقال: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) [التين: ٤]. وقال: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠) [البقرة: ٣٠]. وقال تعالى: الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) [الرحمن: ١ - ٤]. هذا الكون خاضع لنظام محكم وكذلك الإنسان: قال تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤) [الأعراف: ٥٤]. وقال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) [يس: ٣٧ - ٤٠]. والناس كلهم من أصل واحد: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١) [النساء: ١].

стр. 48

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣) [الحجرات: ١٣]. والناس جميعا لهم عقول عليهم أن يفكروا بها: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩) [الأعراف: ١٧٩]. تركيب هذا الكون عجيب غريب يدعو إلى الدهشة وينفي فكرة المصادفة ويؤكد فكرة النظام والتدبير. قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) [البقرة: ١٦٤]. وكذلك حياة الإنسان تدعو للدهشة. قال تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦) [الطور: ٣٥ - ٣٦]. وقال تعالى: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣) [الذاريات: ٢٠ - ٢٣]. والتجمع في الإسلام يقوم على أساس العقيدة وهي رابطة تتجاوز الحدود والأشكال والألوان والقرابات والنسب، وبها تبدو الإنسانية وحدة متماسكة بعكس غيرها من الروابط الزائفة الزائلة. أما نظرة الإسلام إلى الحياة فتتلخص فيما يلي: أ- استثمار ما أودعه الله في الكائنات من طاقة.

стр. 49

ب- عمارة الأرض كما أمر الله. ج- يجب أن تقوم الحياة على التصور الصحيح المستمد من الوحي، لا على مجرد مبادئ العقول التي تضل كثيرا. قال تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) [الشورى: ٥٢ - ٥٣]. د- كل شأن من شئون الحياة يجب أن يكون وفق شرع الله في الأسرة والمجتمع والحرب والسلم والصحة والمرض .... وبذلك يتحقق التوازن في حياة البشر فلا يطغى جانب على جانب كما نجد في هذه الأيام من انتشار موجة المادّية وخاصة في المجتمعات الغربية التي تدمر باسم العدل وتستعمر الأمم والشعوب باسم حماية حقوق الإنسان. ولهذا يقول تعالى: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) [المؤمنون: ٧١]. ٧ - تأثيره وفاعليته بأفئدة: ف قصة إسلام عمر وسعد بن معاذ ﵄ خير دليل على ذلك. كما أن المشركين الذين تعاهدوا على عدم سماع القرآن فجر الرسالة المحمدية كانوا يتسللون ليلا ليسمعوا تلاوة النبي ﷺ و. أصحابه، فقد قال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) [فصلت: ٢٦ - ٢٧]. قصة إسلام عمر: خرج عمر غاضبا متوشحا سيفه يريد قتل النبي ﷺ لما كان يكنه من

стр. 50

العداوة للرسول ﷺ وللمسلمين، فالتقى به أحد الناس وقال: إلى أين يا عمر؟، قال: إلى محمد الذي عاب آلهتنا وسفّه أحلامنا وفرّق جماعتنا لأقتله. فقال له: عليك بأهل بيتك أولا، فقد أسلمت أختك فاطمة وزوجها، فرجع مغضبا إلى أخته وزوجها فسمعوا همهمته فاختبأ الزوج وكانا يقرءان في صحيفة من القرآن الكريم، فقال: ماذا كنت أسمع؟ فقالت: لم تسمع شيئا. فضربها، فقالت له: إني قد آمنت بالله وبرسوله. فقال: أعطني الصحيفة، قالت: إنك نجس على شركك، فاذهب فاغتسل أعطيكها، ففعل فأعطته الصحيفة وكان بها أول سورة طه فقرأ: طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤) الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨) وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦) وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥)

стр. 51

وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (٣٥) قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦) [طه: ١ - ٢٦]. فقال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله، فخرج زوج أخته وقال له: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك عمرو بن هشام وعمر بن الخطاب». فقال: دلوني على محمد لأسلم، قالوا: هو في دار الأرقم. فذهب إليه فلما رآه المسلمون قالوا: هذا عمر جاء يريد شرا. فقال رسول الله ﷺ : «ائذنوا له فإن كان يريد خيرا بذلناه له وإن كان يريد شرا قتلناه بسيفه»، ولما دخل أمسك النبي ﷺ بعباءته وجذبه إليه جذبا شديدا وقال له: «ما جاء بك يا ابن الخطاب، لئن لم تنته لينزلن الله بك قارعة» فقال عمر: جئت لأسلم وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فكبر المسلمون حتى ضج المكان بالتكبير. فهذا أثر من آثار القرآن في هداية الناس وتحويل قلوبهم. إسلام سعد بن معاذ: وقريب من ذلك قصة إسلام سعد بن معاذ فلقد أرسل رسول الله ﷺ مصعبا بن عمير إلى المدينة يعلّم الناس الدين ويقرئهم القرآن. فأخذ الإسلام ينتشر في بيوت المدينة وذات يوم وبينما كان سعد بن معاذ ومعه جماعة من قوم من بني عبد الأشهل جالسين وعلى مقربة منهم مصعب بن عمير ومعه جماعة من المسلمين من عشيرة سعد بن معاذ. فقال سعد لأسيد بن خضير: اذهب إلى هؤلاء فأبعد مصعبا وقل له: لقد بلغت بكم

стр. 52

الجرأة أن تغشونا في ديارنا فذهب غاضبا فقال له مصعب: إن شئت فاجلس حتى نحدثك، فإن أعجبك حديثنا فهذا ما نريد، وإن لم يعجبك تركناكم وانصرفنا. فجلس فحدثه مصعب عن الإسلام وقرأ عليه القرآن الكريم فأسلم وعاد إلى سعد ضاحكا. فقال له سعد لمن حوله: أقسم لكم إن أسيدا عاد بغير الوجه الذي ذهب به، ثم قال له: ما شأنك؟، فقال: وجدت أناسا يتهجمون على ابن خالتك أسعد بن زرارة فأردت ألا أزيد عليهم فرجعت. فقام سعد مغضبا وذهب إلى مصعب ففعل معه كما فعل مع أسيد ثم عاد إلى قومه يقول لهم: كلام رجالكم ونسائكم حرام عليّ حتى تؤمنوا بمحمد ﷺ ، فآمنوا عن بكرة أبيهم. هذا هو تأثير القرآن الكريم في نفوس الناس لأنه كلام رب العالمين. توبة الفضيل بن عياض: فسبب توبته أنه عشق جارية فواعدته ليلا فبينما هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع قارئا يقرأ:* أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ [الحديد: ١٦]. فرجع القهقرى وهو يقول: بلى والله قد آن. فآواه الليل إلى خربة وفيها جماعة وبعضهم يقول لبعض إن فضيلا يقطع الطريق. فقال الفضيل: أوّاه أراني بالليل أسعى في معاصي الله وقوم من المسلمين يخافونني- اللهم إني قد ثبت إليك وجعلت توبتي إليك جوار بيتك الحرام. ٨ - سمو تشريعه وشموله: تناولت أحكام القرآن جوانب الحياة جميعا في كل زمان ومكان وشملت كل الألوان والأجناس.

стр. 53

قال تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام: ٣٨]. وعلى الرغم من ظهور هذا التشريع في عصر الجاهلية والضلالة والظلمة وعبادة الأصنام إلا أنه كان وسيبقى أبدا أسمى التشريعات حتى في القرن الحادي والعشرين وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. قال تعالى:* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) [النحل: ٩٠]. مزايا التشريع الإسلامي: أ- مرونة المعايير الشرعية: المعايير الشرعية هي مصادر التشريع الأصلية من: قرآن، وسنة، وإجماع، وقياس؛ ومصادر التشريع الفرعية من: استحسان، واستصلاح، واستصحاب، وسد الذرائع، والعرف. وكل هذه المصادر المرنة التي توافق جميع متطلبات التطور الحضاري قد ساقها الله في كتابه الكريم بكلمة لقوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [الشورى: ٣٨]. فهي شاملة لكل أنظمة الحكم واختيار الحكام معا في كل زمان ومكان. وإذا كانت النصوص من القرآن والسنة محدّدة والحوادث غير محدودة فالقياس يحلّ كل هذه المشكلات، لأنه قياس فرع لم ينص على حكمه لأصل، نص على حكمه لاشتراكهما في نفس العلة كقياس حوادث السيارات اليوم على حوادث الدّواب في السابق، وكقياس الأسماء الكثيرة من المشروبات المسكرة على الخمر لاتّحادها في علة الإسكار.

стр. 54

ب- الواقعية والمثالية في التشريع الإسلامي: الواقعية تتجلى في الاستجابة لما تتطلبه غرائز الإنسان والمثالية تتجلى في نوعية الاستجابة وطريقة ممارسة هذه القوى المودعة وربطها بالمثل العليا. ومثال ذلك: اعتراف التشريع الإسلامي بكل من حق الفرد وحق المجتمع، وعدم إهدار أيّ منها كتقديم حق الجماعة على حق الفرد عند التعارض، وهذه مثالية، ولكن يعوض الأفراد عن الضرر الذي ألحقه بهم المجتمع، وهذه واقعية، كما في حالة استملاك دار لفتح شارع للناس. ج- مبدأ العدل والإحسان: - العدل أن يتقاضى كل ذي حق حقّه كاملا. - أما الإحسان فهو أن يتنازل صاحب الحق عن حقه كلّا أو بعضا كما في الدين، قال تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) [البقرة: ٢٨٠]. د- الوسطية والاعتدال: الإسلام ليس روحيا محضا، ولا ماديا صرفا، بل هو وسط بينهما. قال تعالى: وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) [القصص: ٧٧]. فالحسنة بين السيئتين، ففي مجال الإنفاق مثلا البخل مذموم والإسراف مذموم، والتوسط في الإنفاق محمود بينهما. قال تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (٢٩) [الإسراء: ٢٩].

стр. 55

وقال تعالى: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) [الأعراف: ٣١]. ٩ - التصوير والتشخيص الحي: الصور التي يعرضها القرآن يمنحها الحركة والحياة فتبدو لك وكأنها متحركة ناطقة معبرة، اقرأ قوله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤) [التكوير: ١ - ١٤]. فالشمس تلفّ وتكور كالعمامة ويرمى بها جانبا، والنجوم تغور ويذهب ضوؤها، والجبال تسيّر وتصبح كثيبا مهيلا وهباء منبثا، والنوق الحوامل في شهرها العاشر تهمل وتترك بلا راع يرعاها والوحوش تجمع كلها في مكان واحد على اختلاف أصنافها وأشكالها ... إلى آخره. فتأمل هذه المشاهد العظيمة والصور المتحركة المتغيرة، واقرأ أيضا قوله تعالى: وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) [يس: ٢٠ - ٢١]. أما مشهد القيامة في القرآن الكريم في سورة إبراهيم فالظالمون عيونهم شاخصة مسرعين في مشيتهم رءوسهم مرفوعة ينظرون إلى الأعلى بذلة، قلوبهم طائرة من الفزع وهذا ما نجده في قوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣) [إبراهيم: ٤٢ - ٤٣].

стр. 56

١٠ - الأسلوب العجيب: المخالف لجميع الأساليب العربية في شتّى العصور منذ نزوله إلى يومنا هذا وسيبقى ذلك إلى قيام الساعة بفضل خصائصه ومنها: أ- المسحة اللفظية في نظام الصوت وجمال اللغة. ب- إرضاؤه العامة والخاصة. ج- إرضاؤه العقل والعاطفة معا. د- جودة سبكه وإحكام سرده. هـ- البراعة في تصريف القول والتفنن في ضروب الكلام. وجمعه بين الإجمال والبيان. ز- الوفاء بالمعنى مع الاقتصاد باللفظ. ولنأخذ على ذلك بعض الأمثلة: القرآن الكريم يخاطب العقل بالإقناع والحجة والمنطق فيقول مثلا: وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) [فصلت: ٣٩]. ولقوله تعالى: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١) [ق: ٩ - ١١]. القرآن الكريم يسوق العظات للناس في ثنايا القصص، كقصة يوسف ليكون الإنسان عفيفا شريفا أمينا. قال تعالى: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ

стр. 57

هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) [يوسف: ٢٣]. ١١ - الإيجاز الرائع: فهو يعبر بأقل التراكيب عن أوسع المعاني: يروى أن الأصمعي سمع أبياتا من الشعر من جارية فقال لها: ما أفصحك! فقالت له: هل يعد هذا فصاحة مع قوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) [القصص: ٧]. فقد جمعت الآية بين أمرين مهمين وبشارتين. ويروى أن ابن المقفع الأديب المشهور حاول أن يعارض القرآن الكريم فسمع صبيا يقرأ: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) [هود: ٤٤]. فكسر الأقلام ومزّق الصحف وقال: هذا والله مما لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله. اقرأ معي قوله تعالى تجد الجزالة والبيان في أوجز الكلمات: قال تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧]. وقال: وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ [الزخرف: ٧١]. وقال: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) [الحجر: ٩٢ - ٩٣].

стр. 58

١٢ - الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم: القرآن كلام الله تعالى وهو يخاطب جميع الأجناس والأقوام في شتى حالاتهم النفسية التي يمرون بها فهو يخاطب الحزين والمغضب، والحاكم والمحكوم، والعربي والعجمي، والذكر والأنثى، والمتعصب والمعتدل .... وإذا دخلت إلى حلقة يتلى فيها القرآن بمسجد من المساجد وجدت فيها أكثر من مرّ ذكرهم وكلهم معجب بهذا القرآن وراض به، بينما لا يستطيع أي شخص أن يخاطب بكلامه فئات مختلفة من الناس وهم في ظروف نفسية متباينة بكلام واحد يعجبهم جميعا ويرضون عنه كلهم. فلا يستطيع أن يرضي المتعلمين والأميين والسعداء والمحزونين بكلام واحد في آن واحد. فالله سبحانه أعلم بمخلوقاته من علمهم بأنفسهم وقد كان أبو بكر الصديق إذا مدحه أحدهم قال: اللهم أنت أعلم بي من نفسي وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرا مما يظنون ولا تؤاخذني بما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون. ولهذا فإن السعيد يجد في القرآن ما يكمل سعادته، والحزين يجد فيه ما يخفف حزنه. والمصاب يجد فيه ما يهوّن عليه مصابه، والمتعلم يجد فيه ما يزداد به علما. وإذا سألت شخصا ما الذي أعجبك في القرآن؟ فإنه يجيب جوابا عاما مختلفا عن غيره لبيان تأثير القرآن في كل النفوس، فكل النفوس تتأثر بهذا القرآن الكريم. وقد عرف المشركون ذلك وخشوا الاستماع إليه لتأثيره في نفوس الأصدقاء والأعداء. وقد بين لهم القرآن الكريم أنه يتألف من حروف هي حروفهم فبضاعته نفس بضاعتهم، وكلماته نفس كلماتهم. فلماذا لم تأتوا بكتاب مثله؟

стр. 59

فقالوا: إن الله صرفنا عن ذلك، فاعترفوا بهزيمتهم أمامه، لكنهم نسبوا ذلك إلى الصرفة عنه. ثم قالوا: إن هذا القرآن من عند محمد ﷺ لا من عند الله تعالى. ولو أنه أنزل على أحد رجلين عظيمين هما عمرو بن هشام (أبو جهل) وعروة بن مسعود الثقفي لآمنا به، لأن محمدا شخص فقير وليس من عظمائهم وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) [الزخرف: ٣١ - ٣٢]. ثم أخذوا يطعنون بمحمد ﷺ فيقولون عنه شاعر كاهن، ساحر، فقير، وهم يعلمون الفرق بين القرآن والشعر ولهذا رد عليهم بقوله: وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (٤١) [الحاقة: ٤١]. وهذا هو الكفر وستر الحقائق وإخفاؤها، ولأنه للشعر قواعد معروفة فلا تخفى على من يهتم بالشعر. وقالوا عن الرسول ﷺ كاهن وهم يعلمون الفرق بين القرآن وكلام الكهان، ولذا رد عليهم بقوله: وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) [الحاقة: ٤٢]. ولأن الكاهن ينسى ما يقوله فاستعمل كلمة تذكرون. وقالوا عن الرسول ﷺ أنه ساحر أتى به فلماذا لم يستعملوا السحر ويأتوا بمثله. وكذلك قالوا عنه مفتر أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) [هود: ١٣]، فافتروا كما افترى بزعمكم.

стр. 60

والانتقال من النثر إلى الشعر بأقوال البشر يعرف مباشرة، ولكن في القرآن آيات موزونة وفقا لموازين العروض ضمن سياق النصوص ولكن لا يشعر أي قارئ لكتاب الله أنه ينتقل من النثر إلى الشعر أو العكس كقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) [الأنفال: ٣٨]. فعبارة: (إن ينتهوا يغفر لكم ما قد سلف) وزنها: مستفعلن مستفعلن مستفعلن من بحر الرجز ولكن لا تحس بهذا الانتقال من الشعر إلى النثر لأن القرآن الكريم ليس شعرا ولا نثرا ولا خطابة ولا سحرا ولا كهانة، بل هو نسيج وحده لأنه كلام الله الواحد الأحد لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) [الشورى: ١١]. وهذا مثال آخر عن الكلام الموزون في القرآن الكريم، ولكن عند ما يقرأ لا يحس القارئ بالانتقال من النثر إلى الشعر ومن الشعر إلى النثر. قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧) لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠) وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) [الحجر: ٤٥ - ٥٢]. فعبارة: (نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم) موزونة كوزن الشعر ولا نحس بالانتقال من النثر إلى الشعر ثم من الشعر إلى النثر. أما افتتاح السور بالحروف المقطّعة، فرجل أمي كمحمد ﷺ يذكر لهم اسم الحرف (ألف- لام- ميم- كاف- ها- يا- عين- صاد) والإنسان الأمي قد ينطق الكلام، وقد ينطق الشعر والنثر ولكنه لا يستطيع أن يأتي بالحروف التي تتكون منها الكلمات. فإذا سألت أميا عن شيء فقلت له: ما

стр. 61

هذا؟، فقال: هذا كتاب. فقلت له: ما أحرف كلمة كتاب؟ لا يستطيع أن يجيبك. هذا هو التحدي بهذه الأحرف. وقد عجزوا سابقا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، والآن يتحداهم القرآن بهذه الأحرف فيقول: هذه الأحرف أمامكم فألّفوا منها قرآنا، فإن عجزتم فاعلموا أنه من عند الله تعالى. ولما كان لكل مقام مقال، فكلام القرآن الكريم موافق لكل المقامات ولكل الأجناس ولكل الحالات في كل زمان ومكان. وهذه بعض الأمثلة عن أعجاز القرآن الكريم في كلماته: قال تعالى في سياق غزوة بدر: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١) [الأنفال: ١١]. وقال تعالى في سورة آل عمران: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) [آل عمران: ١٥٤]. فقد قال في الأنفال: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وقال في آل عمران: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً حيث قدم القرآن الكريم النعاس في الأنفال وفي سياق غزوة بدر لأن المسلمين كانوا خائفين ويتوقعون هجوم المشركين عليهم في كل لحظة وهم في حال تعب شديد، فغشاهم النعاس ليأمنوا من الخوف ويناموا لأن الخائف لا ينام.

стр. 62

أما في آية آل عمران فقد كانت المعركة محتدمة في أحد والمسلمون يقاتلون فأمنهم أولا، وغشاهم النعاس ثانيا حتى كان سيف أحدهم يسقط من يده ولا يشعر. فهنا الخوف موجود فعلا وهنا لك ببدر توقع الهجوم، فالخوف متوقع فهو يداعب أفكارهم. ومنه قوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) [الإسراء: ٨٨]. وقال: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ (٣٣) [الرحمن: ٣٣]. ففي الأولى والتحدي بالقرآن قدم الإنس على الجن لأن الرسول ﷺ من الإنس وجاء يتحداهم أولا والجن تبع لهم. أما في سورة الرحمن فقوة الجن أقوى من قوة الإنس وقدرة الجن على الحركة في الكون أقوى وأسرع ولذلك جاء ذكرهم أولا. ومنه قوله تعالى: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٣٩]. وقال: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥) [محمد: ٣٥]. ففي الآية الأولى أمران غير جائزين منهي عنهما باستمرار ولذلك سبق الأمران بلا الناهية لكل منهما. وأما في الآية الثانية: استعمل لا الناهية بقوله (فلا تهنوا) ولم يستعملها مع (وتدعوا) فلم يقل (ولا تدعوا) لأنه لو قال ذلك لفهم منه أن الدعوة إلى السلم لا تجوز بكل حال مع أن القرآن الكريم أجاز السلم أحيانا ومنعه

стр. 63

أحيانا حسب وضع المسلمين. وقد قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) [البقرة: ٢٠٨]. ومنه قوله تعالى في اليهود: وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ [المائدة: ٦٤]. فالعداوة تقع بين اليهود وتتأجج بشدة لأدنى الأسباب أما العداوة بين النصارى فهي ملصقة. فالغراء مادة لاصقة ولذلك العداوة لا تنفك عن النصارى. كما نجد ذلك بالواقع فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ [المائدة: ١٤]. ومنه قوله تعالى: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [الأنفال: ١٢]. وهذا في سياق غزوة بدر لأن المشركين كانوا في العراء بأرض مكشوفة. وقال تعالى في يهود بني النضير وقد كانوا متحصنين في حصون منيعة ولذلك كانوا لا يتوقعون مهما حاصرها المسلمون، ولهذا لم يكونوا خائفين، فقال: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢) [الحشر: ٢]. لذا قال: وقذف في قلوبهم الرعب، فكأنها طلقات وقنابل تقذف من بعيد ولكنها قنابل خوف تدخل إلى قلوبهم، ولذا استعمل كلمة (قذف) بينما استعمل في بدر (سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب). ومنه قوله تعالى في أموال السفهاء: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٥) [النساء: ٥].

стр. 64

وفي أموال القسمة: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٨) [النساء: ٨]. لأن (فارزقوهم فيها) أي تاجروا لهم فيها ونموها حتى لا يذهب أصلها. بينما في الآية الأخرى أعطوهم شيئا من الميراث صدقة ولذلك قال: (منه)، وقال في الأولى (وارزقوهم فيها) وهذا هو الفرق. ومن ذلك قوله تعالى: فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ [هود: ٣٦]. ويقول: فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [يوسف: ٦٩]. فالفعل يكون مقصودا وغير مقصود بدليل قوله تعالى بعدها: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) [هود: ٣٨]. أما كلمة (يعلمون): فالعمل لا يكون إلا مقصودا. فقد ألقوا يوسف في الجب وقالوا عن أخيه: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ [يوسف: ٧٧]. ومن ذلك قول الله تعالى: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥) [النبإ: ٤ - ٥] فاستعمل حرف السين (سيعلمون) لأنهم في الدنيا فالعلم بذلك قريب. وأما قوله تعالى: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) [التكاثر: ١ - ٤] وسوف للزمن البعيد لذا استعملها لأن العلم بذلك سيكون بعد الموت لا قبله. الأمثلة السابقة نماذج للعلاقة بين الكلمة والكلمة، وهذا مثال مبسط للعلاقة بين السور.

стр. 65

فلنأخذ على سبيل المثال سورتي الضحى والشرح وهما سورتان متتابعتان بالقرآن الكريم. رقم الأولى (٩٣) ورقم الثانية (٩٤). قال تعالى: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) [الضحى: ١ - ١١]. فقد امتن الله على رسوله محمد ﷺ بثلاث. وثلاث منهن: ١ - الاستقرار النفسي: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) ٢ - الاستقرار الفكري: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧). ٣ - الاستقرار الاقتصادي: وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨). وقال تعالى في سورة الشرح: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) [الشرح: ١ - ٨]. فقد امتن عليه بثلاث منهن أيضا: ١ - شرح صدره أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١). ٢ - وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢). ٣ - وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤). وهي تقابل النعم الثلاث المذكورة في سورة الضحى. وهذه النعم الست ليس فوقها أي نعمة أخرى.

стр. 66

أولا يكفي النبي ﷺ رفعة أن يقرن اسمه مع اسم الله تعالى في الشهادتين: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله). وأن يذكر اسمه مع اسمه في الأذان، وفي الصلاة الإبراهيمية بعد التشهد وهل هنا لك منزلة أعلى من منزلة رجل أمر الله بنص قرآنه بالصلاة عليه فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٥٦) [الأحزاب: ٥٦]. اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ١٣ - الإعجاز البلاغي: البلاغة هي مطابقة الكلام المقتضى الحال، والكلام البليغ ما كان حسنا في مبناه وحسنا في معناه ومطابقا لمقتضى الحال. ولا يكون الكلام بليغا إلا إذا كان فصيحا ولا يكون الكلام فصيحا إلا إذا خلا: أ- من تنافر الحروف مثل كلمة مستشزرات (مرتفعن). ب- غرابة الكلمة مثل بعاق (سحابة). ج- مخالفة القياس النحوي والصرفي كقولهم: موددة بدلا من مودة. وإذا تتبعنا كلمات وآيات القرآن الكريم نجدها كلها فصيحة بليغة: فهو دقيق اللفظ دقيق المعنى والتعبير ... فلا نجد حرفا زائدا بلا معنى وهذه أمثلة توضح ذلك: ١ - المثال الأول: قوله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ [الأنعام: ١١] ولم يقل على الأرض لأن الغلاف الجوي المحيط بالأرض تابع لها فهو منها فعند ما نسير على الأرض فنحن ضمن الأرض لأننا داخل الغلاف الجوي بين سطح الأرض والغلاف الجوي.

стр. 67

٢ - المثال الثاني: في وصية لقمان لابنه، قوله تعالى: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) ... وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) [لقمان: ١٧]. لماذا وردت عبارة وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ لأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يقف في وجهه المتسلطون والمتنفذون وهم أصحاب القوة فيؤذوه ويحاربوه. ٣ - المثال الثالث: قال تعالى: وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان: ١٧]. وقال: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) [الشورى: ٤٣]. فالآية الأولى ليس فيها (لام) من كلمة (من) لأنه لا يوجد غريم لهذا الصابر فالأمر قضاء وقدر. بينما الآية الثانية فيها (لام) بقوله (لمن عزم) لوجود الغريم لهذا المصاب فأضيفت اللام لكلمة (من) ويدل على كلمة (وغفر) أي غفر للغريم الذي اعتدى عليه. ٤ - المثال الرابع: قال تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [الانعام: ١٥١]. فالإملاق أو الفقر والعوز موجود هنا حقيقة، ولذلك قال: نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ فكما رزقناكم نرزقهم. وقال تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ [الإسراء: ٣١]. فقد حرم الله وأد البنات خشية الفقر المتوقع وليس الموجود،

стр. 68

لذلك قال: نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ أي: بسبب هؤلاء الضعفاء نحن نرزقكم. ففي الآية الأولى: الفقر واقع موجود فعلا. وفي الآية الثانية: الفقر متوقع وغير موجود فعلا ولذلك اختلف التعبير نَرْزُقُكُمْ ونَرْزُقُهُمْ. ٥ - المثال الخامس: قال تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦) [الإسراء: ٣٦]. وقال تعالى: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل: ٧٨]. وقال: ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٨) [السجدة: ٨]. وإذا تتبعنا آيات القرآن الكريم نجد أن السمع يقدم على البصر، فلماذا؟ لأن السمع يعمل في الليل والنهار في الظلمة والضياء. أما البصر فلا يعمل إلا في النهار أو الضوء. ولذا فالإنسان يسمع ليلا ونهارا ولكنه لا يبصر إلا نهارا، وهذا هو سبب التقديم. ١٤ - الإعجاز في رسم القرآن الكريم: سيأتي مفصلا في بحث مستقبل إن شاء الله تعالى. ١٥ - الإعجاز العددي في القرآن الكريم: سيأتي أيضا مفصلا إن شاء الله تعالى ص ٩١.

стр. 69

معجزة القرآن الكريم مستمرة ففي القرآن الكريم إعجاز لا ينته إليه العقل البشري إلا بعد أن ينشط ويكتشف المستور من حقائق الكون وقد يكون الإعجاز في كلمة منه أو حتى في حرف من حروفه. وللقرآن الكريم عطاء لكل جيل يختلف عن الأجيال المقبلة. فالقرآن متجدد ولا يجمد أبدا. فالعبادات كالصلاة مثلا محددة لا تتغير، فهي خمس مرات باليوم والليلة منذ أن فرضها الله على نبينا محمد ﷺ وحتى قيام الساعة فهذه الأحكام التكليفة لا تغيير فيها ولا تبديل. أما الحقائق المتعلقة بحقائق الوجود وقوانينه فهي متجددة حسب ما وصل إليه كل جيل من العلم، وما فهم من قوانين الكون، مثل كروية الأرض والغلاف الجوي وعلم الأجنة وغير ذلك. فالقرآن الكريم هنا يعطي لكل عقل قدر حجمه ويعطي لكل عقل ما يعجبه ويرضيه. فإذا ما كشف الله لنا عن سر جديد في الكون رجعنا إلى الآية الكريمة فنجدها تؤدي هذا المعنى الجديد. أمثلة توضح هذا التجديد في علوم الكون: أ- قال تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩) [المزمل: ٩]. ب- وقال: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨) [الرحمن: ١٧ - ١٨].

стр. 70

ج- وقال: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠) [المعارج: ٤٠]. وقد فسرها القدماء: ١ - رب المشرق والمغرب: أي حجة الشرق والغرب فهي تشرق من الشرق وتغرب من الغرب. ٢ - رب المشرقين: مشرق الصيف والشتاء وكذلك المغربين مغرب الصيف والشتاء. ٣ - رب المشارق والمغارب: أي كل يوم تشرق من مكان وكذلك كل يوم تغرب في مكان. وبعد تقدم العلم واكتشاف بعض الأسرار الكونية فقد فسرها العلماء على الشكل التالي مع بقاء تفسير العلماء القدماء معمولا به: ١ - رب المشرق والمغرب: في الوقت الذي تشرق فيه الشمس على مكان تغرب عن مكان آخر وبنفس اللحظة. فالجهتان ليستا متقابلتين إحداهما بالشرق والأخرى بالغرب. ٢ - رب المشرقين ورب المغربين: الكرة الأرضية مقسّمة إلى نصفين، نصف كرة شمالي ونصف كرة جنوبي. أي نصف كرة مضيء ونصف كرة معتم. فالنصف المضيء له مشرق ومغرب في آن واحد وكذلك نصف الكرة المعتم له مشرق ومغرب في نفس الوقت فهما مشرقان ومغربان في آن واحد. ٣ - رب المشارق والمغارب: فإذا نظرنا إلى الكرة الأرضية نجد في كل جزء من الثانية مشرقا تشرق فيه الشمس على مكان ومغربا تغرب فيه الشمس عن مكان آخر فهناك ملايين المشارق والمغارب. وهذه المشارق والمغارب تحدث من دوران الأرض حول نفسها أما من دوران الأرض حول الشمس فتحدث الفصول الأربعة. وهذا يؤكد كروية

стр. 71

الأرض، إذ لو كانت الأرض منبسطة لما كان لها إلا مشرقا واحدا ومغربا واحدا، وحينئذ لا يكون لها مشارق متعددة ولا مغارب. فغطاء القرآن في الأولى: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لم يلغ عطاء القرآن في الثانية: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ، ولم يلغ عطاء القرآن في الثالثة: بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ. والتقدم العلمي الذي غيّر كثيرا من المفاهيم عن الكون لم يغير شيئا من كتاب الله تعالى فقد بقي كما هو. ويفيد المعنى الجديد الذي جاء به العلم بل إن العلم ليؤكد هذه الحقائق التي جاء بها هذا الكتاب الكريم. تكفل الله بحفظ القرآن الكريم: ولذلك سخر جميع الناس لحفظه مسلمهم وكافر هم. فهذا القرآن الكريم يطبعه أحيانا من لا يؤمن به كما نجد ذلك في أوروبا وأمريكا واليابان وغيرها. والسر في هذا أن هؤلاء مسخرون بأمر الله للقيام بهذا العمل، حتى المسلم الذي لا يصلى ولا يصوم وحتى الملحد نجد القرآن في بيته أو مكتبه ليتحقق وعد الله بحفظه إذ يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩]. وقد حفظ الله هذا الكتاب الكريم لكل بني البشر بعد أن أصبحت الكرة الأرضية بأسرها كمكان واحد، بعد الانفجار المعرفي والتقدم في وسائل الاتصالات. فما يحدث في مكان بعيد يصل في طرفة عين إلى كل أنحاء الدنيا. والسبب في ذلك واضح وبسيط وهو أن هذا الكتاب دستور الوجود ولا ينقذ الإنسانية التائهة الحائرة الضالة مما هي فيه إلا هذا الكتاب الكريم: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩) [ص: ٢٩]. وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) [الزخرف: ٤٤] أي: عن تبليغه للبشرية جمعاء وعن العمل به.

стр. 72

الاعجاز في رسم القرآن الكريم تعريفه- أنواعه- أسراره - تعريفه: الرسم القرآني توقيفي، فقد كتبه كتّاب الوحي بين يدي النبي ﷺ في صحف، وهو يختلف عن الرسم الإملائي في أمور كثيرة لحكمة أرادها الله يظهر أثرها في التفسير وفي التلاوة وفي الإعجاز العددي وغير ذلك من الأمور المتجدّدة على مرّ العصور. ولا زال هذا الرسم باقيا في المصاحف حتى يومنا هذا، وحتى قيام الساعة، لأن الله تكفل بحفظ كتابه الكريم بقوله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩]. وفي عهد أبي بكر جمع زيد بن ثابت ﵁ هذه الصحف المتفرقة في مصحف واحد؛ وفي عهد عثمان بن عفان ﵁ كانت هذه الصحف عند حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄ فأخذها عثمان وكلّف زيد بن ثابت ومعه معاونيه لنسخ هذه الصحف، فكتبوا منها أربعة مصاحف أرسلت إلى: مكة، ودمشق، والعراق، وبقي مصحف عند الخليفة عثمان، وسمّي الرسم الذي كتبت به هذه المصاحف بالرسم العثماني، نسبة إلى الخليفة الراشديّ عثمان بن عفان ﵁. ثم أمر الخليفة بحرق ما عداها من الصحف بوجود الصحابة رضوان الله عليهم من غير نكير فكان ذلك إجماعا، وذلك بعد اعادة الصحف المجموعة في عهد أبي بكر ﵁ إلى أم المؤمنين حفصة ﵂.

стр. 73

وبعد ذلك وضعت النقط وعلامات الشكل من كسر وضم وفتح وسكون ثم وضعت الأعشار والأحزاب وعلامات الوقوف ... إلى آخره. لكن رسم الكلمة الأساسي الذي كتب بين يدي النبي ﷺ بقي على حاله كما كان في عهده ﷺ . - أنواع الرسم القرآني: أ- الرسم بالحذف . ب- الرسم بالزيادة. ج- الرسم بإبدال الألف واوا. د- رسم الكلمة بحرفين مختلفين كالتاء المبسوطة أو المربوطة. هـ- رسم نون التوكيد ألفا. أ- الرسم بالحذف: مثاله حرف الألف، حرف الواو، حرف الياء، وحرف النون. - حذف الألف: - أولا: كلمة (كتاب) بمعنى القرآن الكريم أو اللوح المحفوظ، تحذف ألفها لأن القرآن أقرب إلينا في الفهم وأظهر في التنزيل؛ وكل ما جاء في القرآن الكريم من كلمة كتاب أو الكتاب مكتوب بغير ألف إلّا في أربعة مواضع فيها ألف وهي: أ- لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [الرعد: ٣٨] بمعنى: الأجل والوقت. وفي الآية التي بعدها توجد كلمة كتاب أيضا بمعنى: اللوح المحفوظ، ولذلك كتبت الثانية بدون ألف، قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا

стр. 74

رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (٣٨) يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩) [الرعد: ٣٨ - ٣٩]. ب- وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ [الحجر: ٤] أي: أجل للإهلاك. ج- وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً [الكهف: ٢٧]. فإن هذا أخص من الكتاب فهو معلوم لأنه مضاف إلى كلمة ربك فلم تحذف ألفه حيث إنه واضح الدلالة بمعنى القرآن. د- طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ [النمل: ١]. فهنا الكتاب جاء تابعا للقرآن الكريم فهو واضح المعنى لأن معنى الكتاب هنا هو القرآن الكريم. - ثانيا: تحذف الألف من جمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم إلا إذا جاء بعدها حرف مشدد أو همزة مع استثناء بعض الكلمات لأسباب تعرف في مواضعها من كل آية، مثال كلمة: الضالين في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) [الفاتحة: ٦ - ٧]. وأيضا: السائلين في قوله تعالى: ... وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ ... [البقرة: ١٧٧]. وأمثلة حذف الألف في قوله تعالى:

стр. 75

إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الأحزاب: ٣٥]. كلمة الصائمين (١): جاءت على خلاف القاعدة لا تباع الكلمات التي قبلها والتي بعدها بالحذف. - ثالثا: كلمة (القرآن) مكتوبة في القرآن الكريم بالألف إلا في موضعين فقد حذفت منها الألف، والموضعان هما: أ- إنّا أنزلناه قرءنا عربيّا لّعلّكم تعقلون [يوسف: ٢]. ب- إنّا جعلناه قرءنا عربيّا لّعلّكم تعقلون [الزخرف: ٣]. والتعليل أنه مسبوق بالضمير وهو الهاء في: (أنزلناه) و (جعلناه) والضمير في الموضعين ضمير الكتاب وهو القرآن الكريم. - حذف الواو: مثالها الأفعال الأربعة التالية: أ- سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [العلق: ١٨]. لأن مجىء ملائكة العذاب وهم الزبانية بسرعة غير معهودة في الدنيا. ب- وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [الشورى: ٢٤]. لأن هذا المحو غير معهود وهو سريع جدا. ج- وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا [الإسراء: ١١].
следующие страницы →