← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37996

علم التفسير كيف نشأ وتطور حتى انتهى إلى عصرنا الحاضر

عبد المنعم النمر

Полный текст (164 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[بين يدى الكتاب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والحمد لله الذى نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله الذى أنزل عليه القرآن هدى وشفاء لما فى الصدور وعلى آله وأصحابه والتابعين الذين أدوا رسالتهم فى حفظ كتابهم والحفاظ على تعاليمه وبعد. فالعلوم كأى كائن حى يبدأ صغيرا ثم ينمو ويتزايد، ومنذ نزل القرآن قامت على شواطئه علوم تخدمه وتوضحه، وتبين تعاليمه ومبادئه. وكان من الطبيعى أن تشرئب النفوس لمعرفة معانى القرآن الكريم، منذ نزل على رسول الله .. يعرف العرب بسليقتهم ما يعرفون ويسألون الرسول عما أغلق عليهم فهمه ويحتاجون لتوضيحه. وحين اتسعت رقعة الدولة الإسلامية من أول عهد الخلفاء الراشدين ودخل غير العرب في الإسلام، كانوا أشد احتياجا إلى معرفة معانى القرآن .. وإذا كانت الحاجة أم الاختراع كما يقال. فقد كانت حاجة المسلمين ولا سيما الداخلين الجدد فى الإسلام إلى معرفة معانى القرآن سببا فى الكلام عن تفسيره كما كانت الثقافات التى اختلطت بثقافة المسلمين الأصيلة سببا فى احتكاكات العقول، وتعدد مشاربها من القرآن .. وكان العلماء المسلمون فى كل زمن يلبون حاجة المسلمين إلى فهم كتابهم سواء بالتدريس أو بالتأليف والتدوين حين بدأ عهد التدوين .. كيف نشأ علم التفسير، وكيف تطور، وماذا كان يحكم المفسرين حين يعمدون إلى التفسير أو ما هى مذاهبهم ومناحيهم فى التفسير .. وإلى أى مدى يمكن أن يخدم العلم والمكتشفات العلمية الحديثة علم التفسير .. وهل قام المسلمون بتوصيل معانى القرآن إلى غير العرب وإلى أى مدى كان جهدهم فى هذه الناحية؟

стр. 2

ذلك ما أحببت أن أقدمه لك فى هذه الصفحات دون تطويل يصرفك عن الكتاب والله المستعان ٤٠ صالح حقى. مصر الجديدة. الدكتور عبد المنعم النمر

стр. 3

تمهيد: الإسلام والعلوم ما دمنا سنتكلم عن بعض علوم الدين عند المسلمين، فإن هذا يقتضينا أن نقدم بكلمة موجزة عن نظرة الإسلام إلى العلم بكل أنواعه وموضوعاته، لا سيما بعد أن ألقى على موقف الإسلام من العلم شىء من الظلال، ولا سيما فى العصور المتأخرة، وعند بعض الغربيين. متأثرين بفكرتهم عن المسيحية وموقفها العدائى- فى بعض العصور- من العلوم. فالعلم فى نظر الإسلام: هو كل ما يمكن ويطلب أن يعرف ويعلم، مهما يكن موضوع هذه المعرفة، ومهما تكن وسائلها، وإن كان فى مقدمة هذه الموضوعات ما يعرفه بربه- عقيدة ونظاما- ويقربه إليه .. باعتبار أن ذلك هو مفتاح الحياة الحقيقية الهادفة للإنسان، ومفتاح الانطلاق فى كل جانب من جوانبها على هدى وبصيرة. فحين مدح الله العلماء ورفع درجاتهم لم يخصص العلماء بعلوم الدين، بل أطلق وعمم فقال: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ (١). وحين قارن بين العلماء والجهال أطلق وعمم كذلك .. فقال: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٢) وحين حدد الذين يخشونه ويعرفونه قال: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (٣) وقد جاء هذا عقب آيات تلفت الأنظار إلى التأمل والتدبر فيما خلقه الله من ماء وثمرات ودواب وجبال وإنسان الخ .. ليصل المتأمل إلى الإيمان بالله وعظمته مما يميل بمفهوم العلماء هنا إلى العلماء الباحثين المتدبرين فى هذه المخلوقات مما يطلق عليه الآن علوم الفضاء والجو، وعلم النبات، والحيوان، والجيولوجيا .. الخ .. لأن هؤلاء أكثر اطلاعا على أسرار الكون وعظمة صنع الخالق ..

стр. 4

وقد كثرت فى القرآن الآيات التى تعرض مظاهر الكون ويأتى فى آخرها حث أصحاب العقول على التدبر فيها ليصلوا إلى ما وراءها ويبدأ التدبر من نظرة سطحية ينظرها الإنسان العادى فيجد عظمة الله فى كل شىء، إلى النظرة المتعمقة القائمة على العلم ولو ببعض التفاصيل والسنن فى هذه المخلوقات. وهذا يفتح الباب للمؤمن لكى يتعلم وينظر ويتدبر ويتعمق لتأتى نظرته فيها عمق، وفيها اعتبار أكثر .. مما جعل علماء الإسلام يقولون، إن هذا يفرض على المسلمين تعلم العلوم التى تتيح لهم الوصول إلى دقائق صنع الله فيما خلقه .. من أجل غاية عليا هى تعميق الإيمان فى القلوب، وهذا بالتالى يبعد هذه العلوم عن أن تكون وسيلة للشر والإيذاء، مما يحصل مثله الآن ولا سيما أثناء الحروب .. وإذا انتقلنا بعد ذلك إلى أحاديث رسول الله وهى الموضحة والمفسرة للقرآن وأغراضه، نجد الأحاديث تحض المسلمين على التعليم وتبين فضل العلماء، ولا تقيد العلم بفرع دون آخر. «فالحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها» رواه الترمذى .. والحكمة تعنى هنا كل علم نافع. «اطلبوا العلم ولو فى الصين» وقد روى من طرق يقوى بعضها بعضا .. «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع» رواه أبو داود والترمذى «من سلك طريقا يبتغى به علما سهل الله به طريقا إلى الجنة» رواه أبو داود والترمذى «من خرج فى طلب العلم فهو فى سبيل الله حتى يرجع» رواه مسلم والترمذى «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما ومتعلما» رواه الترمذى «فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب» وفى رواية كفضلى على أدناكم .. رواه الترمذى «طلب العلم فريضة على كل مسلم» «البيهقى وغيره»

стр. 5

ففي هذه الأحاديث وغيرها كثير لم يحدد العلم بعلم خاص، فهو مطلق العلم فى أى فرع من الفروع، مراعيا فى تعلمه تقوى الله، ونفع النفس والعباد. وقد جعل الرسول ﷺ من وسائل فداء أسرى بدر، أن يعلموا المسلمين القراءة والكتابة. وأمر ﷺ زيد بن ثابت رضى الله عنه، أن يتعلم لغة اليهود- بعد ما حدث منهم، ولم يعد يأمن جانبهم، وهذا الفهم العام الواسع لمعنى العلم هو الذى كان سائدا فى تلك الأيام، ولم يكن محددا كما هو الحال عندنا عند ما قسمنا المواد إلى علوم، ورياضة، وآداب، وفن. و. و .. الخ .. والقرآن يقول: «وفوق كل ذى علم عليم» ويقول على لسان قارون: «إنما أوتيته على علم عندى» ويقول: «ولقد آتينا داود وسليمان علما» .. وكل هذا علم عام. وفى علوم الدين خاصة، وردت الآية الكريمة فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ١٢٢ (١) ليسد هؤلاء المتعلمون المتفقهون حاجة المسلمين إلى معرفة أمور دينهم. ومن هذه الآية أيضا يمكن الانطلاق إلى العلم وإلى التخصص فى كل فرع تحتاج إليه الأمة فى أمور حياتها. وهكذا يدفع الإسلام المسلمين دفعا إلى طلب العلم والتبحّر فيه، دون أن يحدد نوع أو فرع هذا العلم، فالحكمة والمعرفة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها ..

стр. 6

نهضة المسلمين العلمية وعلى هذا الأساس من الفهم المستقيم لمعنى العلم، انطلق المسلمون إلى العبّ من المعرفة، بشتى ألوانها وموضوعاتها دون أى تحرج من تعلم أى علم، حتى ولو كان شرا أو فيه شر .. ومنطقهم فى هذا كما يقول أحدهم: وأعرف الشر لا للشر ... ولكن لتوقيه فمن لا يعرف الشر ... من الخير يقع فيه وكان من الطبيعى أن يبدءوا بمعرفة ما يتصل بدينهم من فهم القرآن، وأحكام العبادات، والمعاملات التى جاء بها الإسلام، من واقع إخلاصهم لدينهم. وحرصهم على تطبيقه فى حياتهم .. ثم انطلقوا بعد ذلك ومعه إلى كل علم، وكل فن لم يقفوا عند حد فيه ولم يتحرجوا من العبّ منه .. على اعتبار أن ذلك مما يأمرهم به دينهم أو على الأقل مما يرضى عنه .. حتى كنا نجد العالم منهم بجوار إحاطته بعلوم التفسير والحديث والفقه، وعلم الكلام متبحرا فى الطب، وفى الفلسفة، وفى الموسيقى .. وفى اللغة، والأدب، ونذكر نموذجا لهذا النوع من العلماء. الإمام فخر الدين محمد عمر بن الخطيب الرازى المولود فى سنة ٤٥٣ هـ والمتوفى سنة ٦٠٦ هـ، فقد صدرت عنه كتب فى: التفسير، وعلم الكلام، والأصول والفقه، والنحو والأدب، والفلسفة، والطب والهندسة، والفلك، بجوار معارفه التى لم يصدر فيها كتب، ويعتبر تفسيره موسوعة عامة فى مختلف العلوم مع التفسير. فكان العالم بالطب أو الهندسة، أو الفلك أو بها جميعها عالما أيضا فى شئون الدين، واللغة والأدب، مما يشبه أن يكون عالما موسوعيا يجمع بين أطراف العلوم المختلفة فى موضوعاتها .. لم يروا بحكم دينهم وتدينهم أن هناك شيئا يحد من تعلمهم ومن تبحرهم فى علوم أخرى بجوار العلوم المتصلة بالتفسير والحديث واللغة .. كلها علوم يدعوهم دينهم إلى معرفتها. ولذلك وجدنا فطاحل من علماء المسلمين، فى كل فرع من فروع العلم ..

стр. 7

ويذكر «روم لاندو» فى كتابه «الإسلام والغرب» (١) تحليلا لذلك بعد أن يدركه ويعجب به، ويرى أن الدافع إليه عند المسلمين: رغبة متقدة فى اكتساب فهم أعمق للعالم كما خلقه الله. قبول للعالم المادى لا بوصفه دون العالم الروحى شأنا ومقاما، ولكن بوصفه صنوا له فى الصحة والسوخ. واقعية قوية تعكس فى صدق وإخلاص طبيعة العقل العربى اللاعاطفى. فضولهم الفهم الذى لا يعرف الشبع فى المعرفة. وأخيرا وأولا أن الدين والعلم فى نظر الإسلام لم يول كل منهما ظهره للآخر، ويتخذ طريقا معاكسا، بل كان الأول عندهم باعثا من البواعث الرئيسية للثانى. اعتقادهم بأن كل ما فى الوجود صادر عن الله، وكاشف عن قدرته، ولذا فهو جدير بالمعرفة والتأمل: من وجد الصوفى إلى قرصة البعوضة، إلى انطلاق السهم، إلى مرض الطاعون. إلى غير ذلك من المظاهر، كله من الله، فيجب أن يدرس ويعرف حق المعرفة. وقد روى أن عمر بن الحسام كان يقرأ يوما كتاب «المجسطى» فى الرياضيات السماوية «الفلك» لبطليموس على أستاذه الأبهرى، فدخل عليهما بعض الفقهاء، فقال لهما: ما الذى تقرءانه؟ فقال الأبهرى: «أفسر آية من القرآن الكريم وهى قوله تعالى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٢) فأنا أفسر كيفية بنائها. فهكذا كان الربط عندهم بين العلوم المختلفة والقرآن الكريم .. فكلها نابع منه، وخادم له.

стр. 8

ولذلك يعلق الإمام فخر الدين الرازى على هذه الرواية، فيقول بعد أن أوردها: «ولقد صدق الأبهرى فيما قال، فإن كل من كان أكثر توغلا فى بحار مخلوقات الله كان أكثر علما بجلال الله وعظمته» والله الذى يحب المؤمنين الأقوياء كما يعلمنا رسول الله، كيف يكونون كذلك إذا لم يتعلموا كل ما يوفر لهم هذه القوة؟ والله الذى أمرهم أن يعدوا لأعدائهم ما يستطيعون من القوة لكى يسكتوهم ويرهبوهم عن التعرض لهم .. والله الذى جعل العزة له ولرسوله وللمؤمنين. كيف يمكن أن يكون ذلك كله واقعا كما يحب الله ويرضى دون أن يكون المسلمون على أكبر قدر من العلوم المختلفة التى يحتاجونها فى صلاتهم بربهم، وفى صلاتهم مع الناس، وفى سيطرتهم على الطبيعة، وتسخيرهم لها؟ كيف يكونون ملبين أمر ربهم «وأعدوا لهم» إذا لم يكونوا أسبق الناس جميعا فى معرفة أسرار الكون، وفى صنع القنابل والصواريخ .. وغير ذلك من أحدث وسائل القوة، وإذا لم يكونوا المبرزين فى علوم الفضاء والبحار، والزراعة وفى الصناعة والصحة، وفى كل ما يوفر للإنسان القوة والصحة فى كل جانب؟ والمؤمن القوى خير وأحب الى الله من المؤمن الضعيف. ومن هنا سار الدين مع العلم فى طريق واحد .. وكان الدين هو القاطرة التى تجر مقطورات العلم، وخزائنه المتنوعة. وكلها تكون قطارا واحدا، أو قافلة واحدة فى الحياة تسير باسم الله. وقد أنتج هذا نهضة علمية وحضارية أضاءت الدنيا، ومهدت الطريق للنهضة الأوروبية الحديثة .. وحمل هذه النهضة، أو أضاء شمعتها، رجال مؤمنون بربهم، على مختلف مستوياتهم، واتجاهاتهم .. لا يزال الكثير منهم درة فى تاج الإنسانية. نذكر منهم على سبيل المثال: عالمنا «أبا الريحان البيرونى» ٣٦٢ هـ- ٩٧٣ م وتوفى سنة ٤٤٠ هـ- ١٠٤٨ م .. ونبوغه فى عدة علوم كان من أهمها الفلك

стр. 9

والرياضة، يقول عنه المستشرق الألمانى الذى نشر كتبه: إن البيرونى هو أعظم عقلية ظهرت فى التاريخ، لا فى الشرق وحده، ولا فى الغرب وحده، ولا فى القديم وحده، ولا فى العصور المتوسطة ولا العصور الحديثة، إنه أكبر عقلية ظهرت فى التاريخ. هذا العالم الفذ الذى سبق الأفكار كلها فى عالم الرياضة والفلك، كان من كبار العلماء المشتغلين بعلوم الدين أيضا، حتى ليروى أحد أصدقائه أنه ذهب ليزوره، وهو على فراش الموت وفى النزع الأخير، فحين رآه قال له: لقد كنا نتحدث فى يوم من الأيام عن الجدات الفاسدات (اصطلاح فقهى للجدود من ناحية الأم)، فإلام انتهينا من أمرها؟ فقال له صاحبه: أفى هذه الحالة، وهذه الظروف تسأل عن الجدات الفاسدات؟ فقال له البيرونى لأن ألقى الله وأنا من العالمين بها، خير من أن ألقاه وأنابها من الجاهلين» وتحدثا سويا فى الموضوع ثم خرج الزائر الصديق، ولم يبعد إلا قليلا عن البيت، حتى سمع الصراخ لموت البيرونى. هذه الواقعة التى كانت آخر تحرك علمى فى حياته، ترينا لماذا كان أعظم عقلية، وأعظم عالم فى التاريخ .. ثم ترينا الحافز الدينى الذى كان يدفعه ويدفع أمثاله إلى العبّ من العلم بكل أنواعه .. فكان مع نبوغه فى الفلك والرياضيات وغيرها، متبحرا كذلك فى العلوم المتصلة بدينه وأحكامه، لأنه لم يكن هناك أى حاجز بينها، بل كان بعضها يغذى بعضا ويقويه .. وكان «الكندى» أبو يوسف يعقوب بن إسحاق ١٨٥ هـ ٨٠١ م المتوفى سنة ٢٥١ هـ- ٨٦٥ م، الفيلسوف العربى المولود بالكوفة، كان ملما بعلوم الدين، بجوار اشتهاره بالفلسفة والرياضيات والطبيعيات والفلك، والطب والجغرافيا، والموسيقى وكان لحبه لدينه وغرامه بالفلسفة معنيا بالتوفيق بينهما. يقول عنه الغربيون الذين درسوا كتبه: «إنه أحد ثمانية هم على وجه الإطلاق النابغون فى العالم».

стр. 10

كان مع دراسته وإحاطته بعلوم الدين، أحد ثمانية من النابغين فى العالم فى الرياضة، وكان طبيبا ناجحا وموسيقيا يعلم الموسيقى ويعزف، ويتخذها إحدى وسائل العلاج، مما وصل إليه العلم أخيرا. وابن الهيثم (أبو على الحسن، ولد بالبصرة سنة ٣٥٥ هـ ٩٦٥ م ورحل إلى مصر وأقام بها وتوفى سنة ٤٣١ هـ- ١٠٣٩ م فى عهد الدولة الفاطمية) كان نموذجا بل من أعلى النماذج فى النبوغ فى العلم بشتى فروعه، وإن كان قد اشتهر عنه نبوغه فى «علم البصريات» وله نظريات وطرق فى البحث التجريبى سبق به كل علماء أوربا، وكان أستاذهم الذى عنه أخذوا، وبفضله عليهم اعترفوا .. وابن سينا (أبو على الحسين بن عبد الله بن سينا، المولود قرب بخارى سنة ٣٧٠ هـ ٩٨٠ م- والمتوفى سنة ٤٢٨ هـ ١٠٣٦) درس العلوم الشرعية والعقلية، حتى أصبح حجة فى الطب والرياضة والفلسفة والموسيقى بجانب تبحره فى العلوم الدينية، ومحاولاته التوفيق بينها وبين الفلسفة. تلك بعض النماذج للعلماء الذين جمعوا بين علوم الدين، والعلوم الأخرى التى نبغوا فيها، وهناك مئات وآلاف من أمثالهم، نبغوا فى ظل الإسلام .. وجمعوا بين علوم الدين واللغة، وبين العلوم الأخرى التى نسميها الآن علوما حديثة، وكل ذلك فى ظل الإسلام وبتوجيه منه، حتى ليقول العالم الفرنسى «سيديو»: لقد كان المسلمون منفردين بالعلم فى تلك القرون المظلمة، فانتشر فى كل مكان وطئته أقدامهم، وكانوا هم السبب فى خروج أوربا من الظلمات إلى النور. ويقول «بريفو» فى كتابه «تكوين الانسانية»: العلم هو أجل خدمة أسدتها الحضارة العربية إلى العالم الحديث، فالعلم الأوربى مدين بوجوده للعرب. ويتحدث السيد جمال الدين الأفغانى فى كتاب «خاطرات جمال الدين» للمخزومى، عما سبق إليه العرب ونبغوا فيه، فيذكر الكثير من اكتشافات العلماء الإسلاميين. كالجاذبية والمركز، ولم يكن المكتشف لهما «إسحاق نيوتن» وكذلك التحليل والتركيب، والفوسفور، واستحضاره، واستحضار

стр. 11

الأوكسجين، والإيدروجين، والآزوت، وحامض الكبريت والكبريت وغيرهما وقال: كل ذلك من مكتشفات العرب، وكان الأساتذة فى علم الكيمياء للجيل الثالث الهجرى هم: أحمد بن سلمة المجريطى، وتلميذه ابن بشرون، وأبو السمح، وقد تقدمهم مثل جابر بن حيان الحرانى، ومن بعدهم زكريا أبو بكر الرازى وغيرهم. وقالوا إن «بيكون» هو أول من جعل التجربة والمشاهدة قاعدة العلم العصرية، وأقامها مقام الرواية ... وذلك حق فى أوربا، وأما عند العرب فقد وضعوا هذه القاعدة لبناء العلم عليها فى أواخر القرن الثانى الهجرى .. ومنها أخذ «بيكون» ويذكر «جوستاف لوبون» أن القاعدة عند العرب كانت «جرب وشاهد ولاحظ تكن عارفا» وعند الأوربى إلى ما بعد القرن العاشر المسيحى: «اقرأ فى الكتب وكرر ما يقول الأساتذة تكن عالما» «وأما فى الكيمياء فلا يمكنك أن تعد مجربا واحدا عند اليونانيين، ولكنك تعد من المجربين مئين عند العرب، ولهذا عدت الكيمياء الحقيقية من اكتشاف العرب دون سواهم». ويقول الفيلسوف «درابر» الأمريكى: تأخذنا الدهشة احيانا عند ما ننظر فى كتب العرب فنجد آراء كنا نعتقد أنها لم تولد إلا فى زماننا. ويقول الرئيس السابق للولايات المتحدة «أيزنهاور» فى خطاب له: «إننى عند ما أتطلع إلى المستقبل أرى ظهور دول عربية حديثة سوف تقدم إلى القرن الحاضر مساهمات تفوق تلك التى لا نستطيع أن ننساها، إننا نذكر أن علوم الحساب والجبر فى الغرب مدينة كثيرا للرياضيين العرب، كما أن الكثير من أسس علم الطب فى العالم، وكذلك علم الفلك قد وضعه العرب». (١) ذكرت هذا مختصرا قدر الإمكان، لنزيل من الأذهان ما علق بها أخيرا فى عصور الضعف من أن الإسلام يفرق بين العلوم، فيحتضن بعضها، ويحث على تعلمه، ويكره بعضها، ويكره أن يتعلمه المسلمون، وهو ما عرف فى عصور

стр. 12

الضعف بالعلوم الحديثة، وليعلم المسلم وغيره من نصوص القرآن والسنة، ومن واقع المسلمين إبان العصور الأولى، أن الإسلام يحتضن العلم على مختلف موضوعاته، وأن الواجب على المجتمع المسلم، أن يوفر لنفسه العلماء والصناع والزراع وغيرهم فى كل ناحية من نواحى الحياة .. فإذا خلا المجتمع من علماء أو متخصصين فى ناحية من النواحى، وجب وجوبا شرعيا عينيا مؤكدا على ولى الأمر، العمل على توفير هذا التخصص للأمة، حتى لا تحتاج لغيرها، وتكون عالة عليه فى حياتها. يستوى فى ذلك كل علم، وكل حرفة ومهنة، وإن كان من الضرورى- عقلا وشرعا- أن تكون هناك أولوية بين هذه العلوم حسب حاجة الأمة إليها، سواء فيما يتصل بعلاقتها مع ربها أو بعلاقتها مع الناس وتشكيل حياتها. ولما كان الإسلام يضع قاعدة أولى للانطلاق إلى العمل فى الحياة وهى قاعدة الإيمان، ويبنى على هذه القاعدة تنظيم حياة الإنسان التنظيم الدقيق الإيجابى، كان من المهم أولا العناية بكيفية بناء هذه القاعدة وما يتفرع عنها من نظم لضبط حياة الإنسان واستقامتها. ومن هنا كانت علوم الدين فى مقدمة العلوم التى يجب على الإنسان تحصيلها، وكان من الضرورى أن يوجد العلماء أو المعلمون، والمتخصصون الذين يتولون الإشراف والتوجيه لبناء هذه القاعدة وصيانتها. ومن أجل هذا كانت عناية القرآن الخاصة بهذه المهمة، وكان النص عليها بذاتها، مع ما جاء من حث عام على العلم، ومدح للعلماء، ورفع لدرجاتهم. . الخ .. كان هذا التخصيص دليل عناية خاصة ببناء القاعدة الأساسية، فى حياة الفرد المسلم، وفى حياة الجماعة. وذلك فى قوله تعالى «فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (١).

стр. 13

ذلك لأن لكل أمة قاعدة تنطلق منها إلى نهضتها، وإلى إثبات وجودها وقيمتها فى الحياة والمسلمون لم يبدءوا حياتهم، ولم يخطوا الخطوة الأولى فى وجودهم، استجابة لفلسفة يضعها بشر، وإنما بدءوا حياتهم على أساس الإيمان بدين منزل من عند الله، وتوجيه رسول أرسله الله، وعلى هدى قرآن أنزله الله على رسوله .. واستمدوا من ذلك وجودهم وكيانهم وشخصيتهم، وبنوا عليه كل تحركاتهم وسكناتهم، وشكلوا على هديه كل مظاهر حياتهم .. فمن الضرورى والحالة هذه أن تكون عنايتهم الأولى مركزة على فهم دينهم، وفهم القرآن الذى يمثل العمود الفقرى فى حياتهم، وفهم ما يتصل بالعقيدة وسلامتها، وما يتصل بالأحكام فى العبادة والمعاملات، حتى تأتى أعمالهم طبقا لما يطلبه منهم دينهم .. وقد برزت هذه الناحية فى حياة المسلمين بصورة طبيعية، سواء من جانب رسول الله ﷺ ، أو من جانبهم، فكانت عناية الرسول بتبليغهم ما أنزل عليه من القرآن أولا بأول، وتطبيقه على نفسه، وعلى من حوله من أصحابه، وشرح ما يحتاجون إليه من شرح وبيان .. وكانت عنايتهم كذلك بتلقى ما نزل من القرآن، وحفظه ما أمكن، والحرص على ملازمة الرسول، وفهم توجيهاته، حتى كانوا يتناوبون حضور دروسه، ومصاحبته، والحاضر منهم فى نوبته يبلغ الغائب ما سمعه وعرفه .. حتى لا يفوت الواحد منهم شىء نزل من القرآن، أو قاله الرسول .. مدفوعين إلى ذلك بقوة إيمانهم بالله ورسوله، وحرصهم على أن تكون حياتهم صورة حية لما جاء به نبيهم ورسولهم، وطبقا لتعاليم دينهم .. كان دينهم هو كل شىء هو زادهم فى حياتهم، وهو رفيقهم حين يلقون ربهم .. وكان القرآن- كما قلنا- يمثل العمود الفقرى لحياة المسلمين، فمن الطبيعى- والحالة هذه- ألا يغيب عنهم منه شىء، وكانوا يفهمون القرآن وتوجيهاته بسليقتهم العربية، فإذا أشكل عليهم منه أمر استوضحوه من رسول الله، أو سأل بعضهم من يظن أنه عارف به ..

стр. 14

وقد جاء القرآن مغطيا لكل جوانب الحياة تفصيلا أو إجمالا، وزاده الرسول توضيحا وبيانا وتفصيلا، استجابة لأمر الله وتوجيهه وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ٤٤ (١) فلم يكن عجيبا، أن يركزوا كل حياتهم، ويوجهوا كل اهتمامهم إلى القرآن يلتمسون منه الرشد والهدى. وكان أسلوب القرآن مع ذلك أسلوبا عربيا جديدا جاذبا أخاذا لم يسمع العرب الفصحاء مثله من قبل، ولم يتمالك أعتى المشركين من أن يصفه برغم معارضته له بقوله «إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة» كما لم يتمالك عمر بن الخطاب وهو فى ثورته ضد الرسول، وضد من اتبعه، من أن يلقى سلاحه، ويسلم حين سمع آيات منه من سورة «طه». وكان العرب فى ذلك الوقت على أعلى درجة من الفصاحة، فلم يكن من الصعب عليهم، أن يفهموا القرآن، ويتذوقوا حلاوته .. وإن كانوا متفاوتين بالطبع فى مدى الفهم والإدراك .. وواقفين ضرورة عند بعض ألفاظ ومعلومات جديدة عليهم يحتاجون إلى تفسيرها وتجلية المراد منها. وفى هذه الأرض الطيبة، وفى هذا المناخ، وضعت البذور الأولى لما كان يمكن أن نسميه: بعلوم الدين. من تفسير وحديث وأحكام وعقيدة .. كانت كلها شيئا واحدا يرسم طريق المسلم على هدى القرآن وتعليمه .. يتصل بعضه ببعض، ويغذى بعضه بعضا .. وكانت حياة الرسول ﷺ وأقواله، أوضح بيان وتفسير للقرآن الكريم .. وصورة عملية لما يطلبه الله من المؤمنين .. فحين سئلت السيدة عائشة رضى الله عنها عن خلق رسول الله، قالت: كان خلقه القرآن .. ومن أجل هذا يكون كلامنا عن تفسير القرآن أولا هو الوضع الطبيعى الواقعى.

стр. 15

علم التفسير نشأة العلم كنشأة كل كائن حى نام .. يبدأ بذرة صغيرة تتطور لتصبح جنينا أو نبتا، ثم تنمو شيئا فشيئا لتكون فى نهاية أمرها إنسانا، أو شجرة، أو نبتا مثمرا يعطى ثمره، أو يمنح ظله والفائدة منه .. فحين نتكلم عن علم التفسير أو غيره من العلوم التى سنتحدث عنها، فإننا نتكلم عنه من خلال هذا التدرج الطبيعى .. ونلقى الضوء عليه منذ تبدأ بذوره الأولى .. فما أى شىء ولد كاملا، ولا وجد عملاقا .. ولكنها سنة الله فى الحياة، كل حياة «ولن تجد لسنة الله تبديلا». استطراد لا بدّ منه: وقبل أن نكشف عن البذور الأولى فى علم تفسير القرآن أحب أن ألقى ضوءا سريعا أمام القارئ حول القرآن ونزوله وكتابته وجمعه. ١ - بدأ نزول القرآن على الرسول ﷺ وهو فى سن الأربعين، وذلك بقوله تعالى «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ .. الآيات» من سورة العلق. ٢ - ثم توالى نزول القرآن بعد ذلك عليه فى مناسبات متفرقة، ولدواع متنوعة، حتى توفى ﷺ وهو فى سن الثالثة والستين فكان منه ما نزل عليه فى مكة وهو أكثره، ومنه ما نزل عليه بالمدينة .. وكانت آخر آية نزلت بعد رجوع الرسول من حجة الوداع هى آيات الربا المذكورة فى أواخر سورة البقرة (١)، بينما كانت آية «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» - المشهور عند الكثيرين- خطأ- أنها- آخر ما نزل- قد نزلت قبل ذلك فى عرفات والرسول يحج حجته الأخيرة- حجة الوداع- باتفاق. ٣ - كان جبريل ﵇ ينزل على الرسول بالسورة أو الآيات أو الآية، فيسارع الرسول فى حفظها كما يتلقاها .. ثم يمليها على كتاب وجيه فيكتبونها ..

стр. 16

ويسمعها لمن يلقاه أو يحضر إليه من اصحابه، فيحفظونها، وهؤلاء بدورهم يتلقى عنهم من لم يسمعها من الرسول فيحفظها، وكان مما يسهّل عليهم الحفظ، أن القرآن لم ينزل دفعة واحدة .. كما يقول الله: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ، عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١) ٤ - وكان جبريل ﵇ ينزل على الرسول فى رمضان من كل سنة فيراجع معه ما سبق نزوله، حتى كان آخر رمضان من حياة الرسول فقرأ على الرسول وقرأ عليه الرسول كل ما أنزل خلال السنين التى نزل فيها القرآن، يقرءانه مرتبا حسب الموجود فى المصحف الآن .. ٥ - لم يتيسر لكل الصحابة أن يحفظوا القرآن كله، بل تيسر لعدد قليل منهم، والباقون حفظ كل منهم ما تيسر له، ولكنهم جميعا كانوا حريصين على العمل بالقرآن أولا بأول. ٦ - نزل القرآن أولا فى مكة ومدة فى المدينة بلهجة قريش وحدها وكانت للقبائل لهجات عربية تختلف فى بعض النطق والكلمات عنها فى قبيلة أو قبائل أخرى .. فلما دخلت القبائل العربية بكثرة فى الاسلام بالمدينة، احتاج الأمر إلى التسهيل عليها فى القراءة بلهجتهم فى بعض الكلمات، بناء على رجاء توجه به الرسول لمولاه، تخفيفا عن أمّته. كما جاء فى الحديث الصحيح المشهور فى هذا الموضوع .. «انزل القرآن على سبعة أحرف» ٧ - توفى الرسول ﷺ والقرآن محفوظ فى الصدور كله لدى بعض الصحابة، ومتناثر عند الكثيرين. كما أنه كان مكتوبا محتفظا به .. ٨ - فى عهد أبى بكر رضى الله عنه وبمشورة عمر رضى الله عنه، كانت مراجعة المكتوب على المحفوظ مع ترتيبه حسبما نزل واحتفظ به عند أبى بكر الخليفة، ثم عند حفصة زوج الرسول وبنت عمر رضى الله عنهم جميعا بعد وفاة أبى بكر.

стр. 17

٩ - وفى عهد عثمان رضى الله عنه، ظهرت الحاجة الماسة إلى كتابة مصحف يكون مرجعا وإماما لجميع المصاحف وللقراء، وكان أساس الجمع لهجة قريش، وإهمال ما عداها من اللهجات العربية الغربية التى لم تنتشر، حتى لا يستفحل الخلاف بين قارئى القرآن، مما يتسبب عنه تفريق وحدة المسلمين، فعمل رضى الله عنه على كتابة مصحف يجمع عليه المسلمين. ١٠ - أرسل لكل قطر من الأقطار نسخة من هذا المصحف الإمام الذى سمى بمصحف عثمان ليكون هو المرجع الوحيد فى قراءة القرآن وحفظه، وليحرق ما عداه مما يخالفه، مما كان يضم بعض اللهجات التى أهملها المصحف الإمام وأجمع الصحابة على استحسان هذه الخطوة توحيدا لكلمة المسلمين حول كتاب الله». ١١ - ومنذ هذا اليوم وعلى مر الأيام والسنين، والمسلمون شديد والعناية والحرص على التمسك برسم المصحف الإمام وكلماته، برغم ما فى رسمه من مخالفات أحيانا لما عرف فيما بعد بالإملاء وطريقة كتابة الكلمات والحروف .. حتى لا يتسرب إليه أدنى خلاف ولو فى رسم حرف من حروفه .. ١٢ - وبذلك امتاز القرآن على كل ما عرفه البشر من كتب مقدسة، وغير مقدسة، أنه الكتاب الوحيد الذى ظل كما هو، وكما أنزله الله، محفوظا فى الصدور، مكتوبا فى المصاحف. وهذه ميزة تفرّد بها القرآن، كما تميز بها المسلمون على غيرهم فى الحفاظ على قرآنهم، وكان ذلك كله تحقيقا لوعد الله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ٩ (١) ١٣ - كان لأكثر ما نزل من القرآن أسباب. من أسئلة أو حوادث نزلت من أجلها الآيات، مما سمى أخيرا بأسباب النزول، وأفردها العلماء بمؤلفات خاصة بها .. وهى تهيئ للقارئ والمفسر فهم الآيات. ولكن لا تبقى الآيات خاصة

стр. 18

بهذا الذى نزلت من أجله، وينتهى مفعولها بانتهائه، بل تبقى لتعالج كل موضوع يجد، ويمكن انطباقها عليه، مما عبر عنه العلماء بعد ذلك بقولهم: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» فلم تبق حاجة لمعرفة السبب إلا للمعاونة على فهم الآية، وإن كان من الضرورى أحيانا معرفته عند فهم بعض الآيات.

стр. 19

هل ترك الرسول تفسيرا كاملا للقرآن ؟ لعل البعض يفهم من قوله تعالى «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» أن الرسول ﷺ تولى تفسير كل آية من القرآن لصحابته رضوان الله عليهم .. ولكن هذا فهم مبالغ فيه وغير دقيق، إذ أن قوله تعالى: «لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» يعنى تبين ما يحتاج منه إلى بيان .. وقد أنزل الله القرآن على رسوله بلغة قومه «إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» وكان العرب فى ذروة البلاغة وهم أرباب الفصاحة، وقد نزل القرآن يخاطبهم جميعا. ويحثهم لما يدعوهم إليه، ومن الطبيعى ألا يكون غامضا عليهم فكانوا أقرب الناس إلى فهمه وإدراك معانيه وتقدير بلاغته، حتى وجدنا أعتى الناس عداوة للرسول، ينقلب- بمجرد سماعه- إلى مسلم تابع له، وأيضا أشد الناس إخلاصا ودفاعا عنه، ووجدنا آخرين يتزعمون معارضته، وإيقاع الأذى به وبدعوته، ومع ذلك تأسرهم بلاغة القرآن ومعانيه، ويتسارقون ويتسربون ليلا، للاستماع إلى الرسول صلى عليه وسلم وهو يقرؤه بصوت مسموع، إشباعا للذة الاستماع إليه، مع كراهتهم له. ولو لم يفهموه ويحسوا بلاغته، ما سحرهم بيانه، وما جذبهم لهذه المخاطرة التى خاطروا فيها بأنفسهم وبمراكزهم وزعامتهم وسط معسكر الكافرين بالرسول، لو انكشف أمرهم .. وقلنا كانوا أقرب الناس إلى فهمه، لأنهم لم يكونوا جميعا على مستوى واحد من الفهم له وإدراك معانيه إذ من الطبيعى أن تكون أفهامهم متفاوتة، حتى لما يسمعون من كلامهم .. وذكرت لنا الروايات الصحيحة، أن بعضهم، ومنهم مقربون إلى رسول الله كان يتوقف فى فهم بعض ألفاظ وردت فيه، وإن كان يفهم المعنى الإجمالى للآية والسورة. والغرض من سياقها .. فوجدنا الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله عنه، مع مكانته يسأله رجل عن معنى «الأب»

стр. 20

بتشديد الباء فى قوله تعالى «وَفاكِهَةً وَأَبًّا» فيقول: نهينا عن التكلف والتعمق (١)» وفى رواية أخرى .. أنه كان يقرأ الآية فتساءل عن معنى «الأب» كما روى (٢) أيضا أنه كان يقرأ «أو يأخذهم على تخوف» وهو على المنبر، فتساءل عن معنى «تخوف» فقال له رجل من هذيل: التخوف عندنا هو التنقص، ونحن الآن مع تباعد القرون بيننا وبينهم، لا نجد القرآن غامضا علينا إلا النادر منه الذى يحتاج إلى وقفة معه حتى العامى منا يدرك الكثير من معانى الآيات، ويخشع قلبه لما يسمعه .. وفى ذلك يروى ابن جرير الطبرى عن ابن عباس رضى الله عنهما قوله: «التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله» كوقت قيام الساعة. فالوجهان الأولان ظاهران لا يحتاجان إلى عناء فى فهمهما، والثالث هو مدار البحث والأسئلة، والرابع يسكت عنه لأنه مما استأثر الله بعلمه .. ومما لا شك فيه أن الصحابة كانوا أحيانا يتوجهون إلى الرسول لفهم بعض الآيات، أو يتولى الرسول شرحها دون سؤال ويتلقى الصحابة الشرح والجواب .. مما عنيت كتب الحديث بذكره. ولكن إلى أى مدى نثق فى صحة ما نسب إلى الرسول ﷺ من تفسير لبعض هذه المواضع من القرآن الكريم؟ ذلك أمر تكفلت به كتب السنة الموثوق بها، ولست أعنى بذلك كل كتب السنة المتداولة، لأن بعضها روى فى هذا الباب روايات لا يمكن أن تقبل عقلا .. فمثلا: أخرج الحاكم عن أنس رضى الله عنه أنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن القنطار فى قوله تعالى: «وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ» (٣) فقال: القنطار ألف أوقية «بينما روى الإمام احمد

стр. 21

فى مسنده وابن ماجة عن أبى هريرة رضى الله عنه: قال رسول الله ﷺ : القنطار اثنا عشر ألف أوقية» ولو اعتبرنا ما فى الروايتين صحيحا، لكانت النتيجة أن الرسول قال مرة: القنطار ألف أوقية، ومرة اثنا عشر ألف أوقية، والزمن واحد أو متقارب جدا، لا يحتمل تغيير وزن القنطار، فلا يعقل أن يصدر عن الرسول مثل هذا التناقض الواضح، ومع ذلك فهما روايتان، رواهما الحاكم، والإمام أحمد .. فلو قبلنا مثل هذه الروايات معصوبى الأعين، مغلقى العقول باعتبار أنها وردت فى بعض كتب السنة لأسأنا إساءة واضحة إلى رسول الله. ولذلك فإن مما نحمد الله عليه أن نجد من المفسرين مثل الحافظ ابن كثير وتفسيره لهذه الآية يقف وقفة متأنية ناقدة ويقول: «لم يصح عن رسول الله ﷺ حديث فى تحديد القنطار وما ورد من ذلك فموقوف على الصحابة». وليقل لنا الصحابة ما يشاءون حسب علمهم عن أمورهم، فقد تكون صحيحة، وقد تكون غير صحيحة، ولسنا ملزمين بأن نأخذ ما يروى عنهم كما هو- فكل يؤخذ منه ويردّ عليه، ما عدا رسول الله ﷺ ، فلا بد إذن من التحوط فى قبول بعض الأحاديث الخاصة بتفسير القرآن، المروية فى بعض كتب الحديث عن الرسول بحيث لا نقبل منها إلا المقطوع بصحته فى كتب السنة، ذات الدرجة الأولى فى التوثيق، وإذا كان هذا بالنسبة لما يروى عن رسول الله فى تفسير القرآن فإن ما يروى عن الصحابة والتابعين يجب أن نقف موقف التحرز والتحوط منه، وما علينا من شىء إذا لم نقبل ما روى عن أحد منهم، وقلنا بغيره.

стр. 22

ابن عباس وما روى عنه وأذكر هنا على الأخص ما يروى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما فى باب التفسير، فقد أكثر الرواة الرواية عنه، حتى لا تجد آية فى القرآن غالبا إلا ويذكرون فيها قولا أو رواية لابن عباس، بل إن هناك تفسيرا خاصا به، منسوبا إليه .. قد يزعم الكثيرون أنه رواه عن رسول الله. وهو مطبوع. وابن عباس كان فى نحو الثانية عشرة من عمره حين توفى رسول الله ﷺ ، وهو عمر لا يسمح بمثل هذه الاستزادة من الرسول، إلا أنه كان له من الفطنة والذكاء المبكرين، وطهارة المنبت، ومن دعاء الرسول له «اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل» يعنى التفسير لما رآه فيه من فطنة وذكاء مبكرين، كما كان له من الحرص الشديد على تعويض ما فاته مباشرة عن رسول الله بالتلقى عن أصحابه، أينما كانوا، وتفريغ وقته لذلك، وقد توفى فى نحو السبعين من عمره بجانب تبحره فى علوم اللغة، وحفظ أقوال العرب وشعرهم، أقول كان له من ذلك كله، ما جعله يحتل منزلته العلمية منذ عمره المبكر، ويأخذ- لذلك- من اجلال الصحابة وفى مقدمتهم الخلفاء الراشدون- ما لم يقاربه فيه أمثاله وقرناؤه .. حتى رويت روايات كثيرة فى فضله العلمى، وتبحره فى علوم الدين واللغة، ولكنا مع اعتقادنا بمكانة ابن عباس العلمية، نكاد نشك، أو نشك فعلا كما شك الأقدمون فى الكثير مما روى عنه فى التفسير، حتى يقول الإمام الشافعى رضى الله عنه: «لم يثبت عن ابن عباس فى التفسير إلا شبيه بمائة حديث (١)» ونعتقد أن الكثير مما نسب لابن عباس من روايات قد أضيف إليه فى زمن الدولة العباسية، المنسوبة إليه وإلى أبيه العباس، ويرضيهم ويسرهم كل من يتقدم بزيادة علم وفخر لابن عباس

стр. 23

تقربا وتزلفا. والساعون لذلك كثيرون، ومن هذا وذاك تكونت الهالة الكبرى حول اسمه. وهناك أمر آخر نعتقد أنه كان من أسباب الزيادات على ابن عباس. فابن عباس مشهور بالعلم وله نسبه ومكانته والوضاعون لم يتورعوا عن الوضع على رسول الله ليؤيدوا وجهة نظرهم، برغم إنذار الرسول ﷺ للكذابين الذين ينسبون إليه ما لم يقله: (من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) .. أقول إذا كان هناك من تجرأ ونسب إلى الرسول ما لم يقله، برغم هذا الإنذار، فإن الأمر يكون سهلا فى ذلك بالنسبة للوضع على ابن عباس، ونسبة كلام اليه لم يقله .. وهى- أعنى النسبة لابن عباس- تكسب الكلام على أية حال قوة لا يكتسبها من مجرد نسبة الكلام أو الرأى لقائله. ومن هذا وذاك كثرت نسبة الروايات لابن عباس حتى وجدنا العلماء الناقدين يقفون أمام هذه الكثرة ويزنونها بالموازين التى وزنوا بها أحاديث الرسول أعنى من وجهة الرجال الذين رووا كلامه، ومبلغهم من الثقة، فيزيفون الكثير، ويضعفون الكثير، ويخرجون لنا بالطريقة أو ببعض الطرق التى يمكن أن نثق بها على تفاوت فى هذه الثقة. ولا شك أن اهتمام الناقدين من العلماء بنقد الرجال الذين يروون عن ابن عباس هو دليل على اهتمامهم، أو إن شئت فقل اهتمام جمهرة طلاب العلم والعلماء، بما يروى عنه، واحتجاجهم به، فكان لا بدّ من غربلته، حتى يتبين الصحيح السليم من غيره. ولعل مظهر هذا الاهتمام يبدو لنا واضحا جليا فى كتب التفسير .. فإننا لا نكاد نجد آية إلا وقد روى المفسرون فى معناها رأيا لابن عباس، وقد يذكرون له رأيين متعارضين فى الآية، مما يقطع بعدم صحة الروايتين أو إحداهما على الأقل، ومع ذلك تروى الروايتان!! كما رووا عنه فى اسم الشجرة التى أكل منها آدم فى تفسير الطبرى ..

стр. 24

[ابن عباس والاسرائيليات] ولقد أخذ على ابن عباس أو على ما روى عنه، كثير من الروايات الغريبة، التى تدل على أن مصدرها ليس هو القرآن، ولا الحديث، ولكن من الكتب والمعلومات الإسرائيلية، مما يقطع- إن صحت نسبة هذه الروايات إليه- بأنه كان يستفيد ممن أسلم من أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار فى موضوعات من القرآن لا تتعلق بعقيدة أو تكليف من التكاليف، فإن هذين لا يصح أن يلجأ فيهما إلى غير ما ورد فى القرآن، ولا يعقل أن ابن عباس كان يروى عنهم فى هذا، لكنه كان يروى- فيما يقول الرواة عنه- فيما يشبع فضول الناس فى القصص التى جاءت فى القرآن الكريم، مما طواه وسكت عنه، وكان مسلمو أهل الكتاب يتحدثون بما يشبع هذا الفضول، الذى لا نزال نرى كثيرا من المسلمين يتعلقون به حتى الآن- وإلا فمن أين جاء لابن عباس أو لغيره، كعلى رضى الله عنهم، بمثل هذه التفصيلات؟ .. وقد قلت من قبل: إن صحت هذه الروايات .. لأنى أشك فى أن رجلا كابن عباس أو على رضى الله عنهما يسلم عقله ودينه لأمثال هؤلاء ويأخذ عنهم. وأمامهم حديث رسول الله ﷺ يدلّهم إلى الطريقة التى يجب أن تتبع فى مثل هذه الحالة: إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم. ومعلوم أن هذا فى غير ما ورد فيه نص من القرآن، وما هو من أصول وتعاليم الإسلام .. فإنه لو وافق كلامهم ما عندنا صدقناهم. وإن خالفه كذبناهم، فالحديث إذن فيما سكت القرآن عن بيانه فى القصص مثلا. فلا يعقل إذن أن يأخذ ابن عباس عن الإسرائيليين مثلا: لون كلب أهل الكهف، ولا نوع خشب سفينة نوح، وأمثال هذا مما لم يتعرض له القرآن، لعدم الحاجة إليه، ولاكتمال العبرة فى القصة بدونه، ولنهى الرسول عن تصديقهم أو تكذيبهم فيه، لأن نقله عنهم وتعليمه للناس معناه تصديقهم فيه والاقتناع به. [يعيب على الأخذ عنهم] وإذا أضفنا الى هذا ما رواه الإمام البخارى عن ابن عباس أنه وقف يخطب الناس، وقد هاله اتجاههم لأهل الكتاب، ليشبعوا فضولهم العلمى بسؤالهم عن

стр. 25

أشياء لم يذكرها القرآن فقال لهم: يا معشر المسلمين: تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذى أنزل على نبيه ﷺ أحدث الاخبار بالله، تقرءونه لم يشب؟ وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله، وغيروا بأيديهم الكتاب فقالوا: (هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا) أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم. ولا والله ما رأينا رجلا منهم قط يسألكم عن الذى أنزل عليكم. أى ليأخذه عنكم، ومفهوم أنهم لم يكونوا يسألونهم عن الصلاة أو تحريم الخمر أو كيفية الحج مثلا، بل كانوا يسألونهم عن أشياء فى القصص وأمثالها، مما سكت القرآن عنه لعدم الحاجة فى العبرة إليه. جريا وراء الفضول العلمى، وغريزة حب الاستطلاع. فلا يعقل إذن أمام هذا الحديث الصحيح أن ينهى ابن عباس المسلمين عن الأخذ من أهل الكتاب، وتصديق ما فى كتبهم بهذه الصورة، ثم يسأل هو أهل الكتاب عن أشياء يرجعون فى الإجابة عنها إلى كتبهم ومعلوماتهم، التى عرفوها من هذه الكتب، بل وخيالاتهم. ولا يغير من الموضوع شيئا أن الذين كان يسألهم ابن عباس قد أسلموا، إن قلنا إنه كان ينهى المسلمين عن الأخذ من أهل الكتاب الذين لم يسلموا، لأن المصدر فى الحالتين واحد وهو كتبهم .. ولا يعقل أن ينهاهم عن شىء وهو يفعله. اللهم إلا إذا كانت ثقته الكاملة فيهم جعلته يستبعد أن يخبروه بشيء غير واثقين به. وإزاء هذا لا نملك إلا أن نهوى على رأس كل الروايات التى ذكرت فى التفسير إلى ابن عباس فى هذه الناحية فنطيح بها، ونبرئ ابن عباس من مسئوليتها، ونتحمل وزر بقائها فى كتب التفسير المتداولة حتى الآن، تحشو أذهان المتعلمين والقراء بمعلومات واهية، لا سند لها، وتخرج لنا جيلا مخرفا من طلاب العلم، فإن العملة الزائفة تطرد العملة الصحيحة من السوق وتقضى عليها كما يقال. ولا بد لنا مع ذلك من وقفة قصيرة مع صرخة ابن عباس هذه فى المسلمين، ينهاهم عن مساءلة أهل الكتاب والتعلم عليهم بهذه الشدة.

стр. 26

فابن عباس لا يقف هذا الموقف، أو يحمل هذه الحملة، إلا لأنه رأى أن إقبال المسلمين على التعلم من أهل الكتاب، والتأثر بهم، قد أصبح ظاهرة تنذر بالخطر .. وهى ظاهرة تشبه الظاهرة التى تقلق الكثيرين منا الآن، والتى تتمثل فى الإقبال على كل ما يرد لنا من الغرب من أفكار وأنظمة، والإعجاب بها، مع عدم الالتفات الواجب إلى كتابنا وعلمنا وأفكارنا .. وذلك يشبه التهيؤ النفسى لفقد الثقة بالنفس فى أمر مهم يتصل بصميم كيان المسلمين، وكتابهم .. ألا ترى لقول ابن عباس لهم: (ولا والله ما رأينا رجلا منهم قط يسألكم عن الذى أنزل عليكم) فلم إذن تعتمدون على علمهم وتثقون بكلامهم؟. فلم يحمل ابن عباس على هذا الهجوم- إذن- إلا الخطر الذى أحسه من الاندلاق على معلومات أهل الكتاب فى أمور لا تلزم المسلمين. ولا ينقص من شأنهم عدم العلم بها، بل ربما شوّشت عليهم ونخرت عقولهم. فهل يعقل مع هذه الصرخة والشدة أن ينقل ابن عباس عن أهل الكتاب ويصدقهم؟!! ومع ذلك فان هذه الظاهرة تبين لنا إلى أى حد اختلطت معلومات المسلمين- فى القصص وأمثالها- بمعلومات أهل الكتاب، مما يدعونا إلى الشك فى كل رواية فى هذا الموضوع، حتى ولو رويت عن رجل ثقة لا نشك فى عدالته.، إذ من الذى أنبأه وخبره؟ ومن أين استقى العلم الذى يقوله؟ .. وكثير من المزيفين زيفوا على العدول روايات، ونسبوها إليهم .. وإننا لا نستطيع القول بأن الناس- كل الناس- قد امتنعوا عن مساءلة أهل الكتاب، أو أن هذه الظاهرة التى أقلقت ابن عباس قد اختفت، وقضى عليها فى كل مجتمعات العالم الإسلامى حينذاك، بمجرد أن ابن عباس أو غيره ممن يكون قد هالته هذه الظاهرة قد نبه وقرع الأجراس. حديث آخر وهناك حديث لا بد من إيراده هنا، فإنى أعرف أن كثيرا من القراء المتخصصين سيذكرونه، وهم يقرءون هذا الإنكار على من يأخذ من أهل الكتاب فى تفسير القرآن، أو ربما ذكروه فيما كتبوا.

стр. 27

هذا الحديث فيما رواه البخارى عن عبد الله بن عمر هو: «بلغوا عنى ولو آية، وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج. ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) (١) فبعض المشتغلين بالتفسير من العلماء يرون أن هذا يفيد إباحة النقل، والتحدث عن أهل الكتاب فيما يروونه وينقلونه من كتبهم!! ولا بد لنا حينئذ من وضع الحديث الأول هنا بجانب هذا الحديث- وكلاهما رواه البخارى (٢) - يقول ﵊ «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم وقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ .. » الآية (٣). فأصبح أمامنا حديثان: الأول .. يدعونا إلى ألّا نصدق أهل الكتاب، ولا نكذبهم فيما يروونه من كتبهم، ومعنى هذا أننا لا ننقل عنهم، لأن النقل يؤدى إلى ترويج كلامهم، وحمل الناس على تصديقه، لا سيما إذا كان الناقل موثوقا به عند الناس .. والنتيجة أننا لا يصح أن نحدث عن بنى اسرائيل. والثانى يقول: (بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج) ويأتى هذا الأمر بعد الأمر بالتبليغ عن الرسول ولو آية .. كأنهما بميزان واحد أو متقاربان على الأقل فى إفادة العلم وفى ضرورة الثقة!! والحديثان فى ظاهرهما لا يمكن أن يصدرا عن الرسول .. فلا بد اذن من شىء خفى يحتاج إلى التأويل فى معنى الحديثين حتى يلتقيا .. وقد سبق أن بينا معنى حديث (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم) وقلنا إن مجال تحقيق هذا الحديث وتنفيذ ما جاء فيه، هو ما لم يرد فيه نص من القرآن أو السنة .. مثل ما سكت عنه القرآن من تفاصيل القصص .. فلا يصح أن ننقلها عنهم، ونحكى للناس لون كلب أهل الكهف، ونوع خشب سفينة نوح الخ ..

стр. 28

فأين مجال الحديث الآخر: (حدثوا عن أهل الكتاب ولا حرج)؟ إن كان الأخذ عنهم فيما جاء به القرآن أو تحدث به الرسول فلا مانع ولا حرج. لأنه يكون مؤيدا لهما، وإن كانا فى غير حاجة لتأييد، لكنه استئناس على كل حال تقرّ به العيون .. إلا أنه ليس موضوع كلامنا. إن كلامنا فيما سكت القرآن عن بيانه كما سبق، فجاء أهل الكتاب فبينوه، فقالوا لنا مثلا: لون الكلب أبيض أو أسود أو الخشب كان من الزان أو الساج مثلا؛ فهل الحديث الذى يقول «حدثوا عن أهل الكتاب ولا حرج» يبيح لنا أن نمشى وراء أهل الكتاب، عند ما نفسر القرآن، ونقول ما قالوه، فى هذا وذاك- ولو أنه لا يقدم ولا يؤخر لكنه ينسب الى تفسير القرآن، ويتناقله العلماء كأنه شىء ثابت. وهو لا أصل له يعتد به؟ هل الحديث يبيح لنا أن نحكى عنهم أن الموت يأتى فى صورة كبش، والحياة فى صورة فرس، كما نسب إلى ابن عباس فى بعض كتب التفسير؟! هل الحديث يبيح لنا أن نفسر القرآن بما يحكونه- عن كتبهم- من أحوالهم وأعاجيبهم، ويكون معنى ذلك تصديقهم دون سند عندنا نستند إليه إلا كلامهم؟ .. أعتقد .. لا. ولا .. لأن الرسول قال فى هذا: (لا تصدقوهم ولا تكذبوهم) ولكن يمكن أن تسمعوا، ولا تعلقوا، وكونوا على حذر. لا تصدقوهم، لأن تصديقهم خطر، ولا تكذبوهم، لأن ذلك ربما يؤدى إلى شقاق وخلاف، أنتم فى غنى عنه. وربما كان صحيحا فتكونون قد أنكرتم الصحيح وأنتم لا تعلمون وهذه هى منتهى العدالة فى العلم وفى الدين ومنتهى الحياد. ولا يبقى عندنا- لقبول الحديثين- إلا أن نقول: معناه حدثوا عنهم فيما يتفق حديثهم فيه مع ما تعرفونه من كتابكم وسنة نبيكم. وهذا أقصى ما يمكن أن نهضمه حتى لا نرد الحديث.

стр. 29

وحينئذ لا يمكن الاستدلال بهذا الحديث على إباحة أخذ معلومات عن الإسرائيليين، لتفسير أو توضيح ما سكت القرآن عن بيانه [احتلال اسرائيلى] لقد احتل الإسرائيليون فى وقت مبكر أدمغة كثير من المفسرين، وأفسدوا علينا صفاء القرآن، وصفاء الأفكار، وشغلوا علماءنا بأقاويلهم وأضاعوا عليهم وعلينا أوقاتنا، وكانوا هم السبب فى كثير من الخرافات التى تحتل أدمغة المسلمين فى كل مكان وزمان. إنه احتلال سطا على الفكر الإسلامى أيام ازدهاره، ودام قرونا، وسيدوم، إن لم نتدارك الأمر وننقى كتبنا ونخلصها من هذا الاحتلال .. وما أخطره من احتلال .. وما أشد فتكه بالعقول!! ولعل مجمع البحوث يكمل ما بدأه فى هذه الناحية .. ترانى قد وقفت كثيرا مع ابن عباس. ولا بأس فى ذلك .. بل الأمر معه قد يستحق وقفة أطول، وتشريحا أكثر فى كتاب ضخم ودراسة أعمق، لأنه عند كل المفسرين العمود الفقرى فى التفسير، حتى الذين عرف عنهم أو عن كتبهم (التفسير بالرأى لا بالمأثور) تجدهم يعنون بذكر بعض الروايات فى تفسير الآية، وفى مقدمتها ما يروى عن ابن عباس، لما ذكرنا من الهالة العلمية التى أحيط بها. فهو حبر هذه الأمة وترجمان القرآن، دعا له الرسول: فقال «اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل» فلماذا لا نأخذ عنه؟ وليس لنا من قصد فى ذلك .. إلا أن يتحرر القارئ من بريق الرواية عن ابن عباس، وألا يحشو بها فكره. قبل أن ينظر إليها نظرة الناقد البصير .. فإن ابن عباس مظلوم فى الكثير مما أسند إليه .. [ليس تفسيره] حتى تفسيره الذى عرف باسمه والمسمى (تنوير المقياس من تفسير ابن عباس) المطبوع المتداول والذى عنى بجمعه العلامة مجد الدين الفيروزآبادي

стр. 30

صاحب القاموس المحيط .. هذا التفسير ضعيف الصلة بابن عباس إن لم نقل إنه مما نسب إليه زورا .. يقول المرحوم الشيخ محمد على النجار فى مقدمته لكتاب البصائر (١) للفيروزآبادي وهو يتحدث عن مؤلفاته وآثاره: «ومن هذا أنه جمع ما يروى فى التفسير عن ابن عباس، واعتمد على رواية محمد بن مروان عن الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس. ويقول السيوطى فى الاتقان (٢) فى النوع الثمانين الذى عقده لطبقات المفسرين: إن أوهى الطرق عن ابن عباس طريق الكلبى عن أبى صالح عنه. فإن انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدى الصغير فهى سلسلة الكذب» ومع أن هذه هى حقيقة كتاب التفسير المنسوب لابن عباس، فإن جمهرة العلماء والمتعلمين لا يعرفون هذا ويأخذون كل رأى فيه على أنه لابن عباس!! أرأيت إلى هذه المظاهرة الكبيرة التى أقامها المفسرون والرواة لابن عباس وما نسب إليه، والتى اندس فيها كثير من ذوى الأغراض المشبوهة، ودسّوا عليه نسب كثير من الكتب والروايات؟ ومع أنه من المعروف عند رجال الجرح والتعديل- أو بلفظ آخر عند نقاد الرواة- أن طرق الرواية عن ابن عباس كثيرة، وأنهم لم يعتمدوا إلا القليل منها، وزيفوا الكثير. فإن بعض المفسرين لم يتحر الدقة فى الرواية عن الموثوق بهم، وترك من عداهم، بل روى عن هؤلاء وهؤلاء دون أى تعليق، ثم جاءت طبقة أخرى من المفسرين أغفلوا أسماء الرواة .. وأوردوا ما رووه من أقوال منسوبة إلى ابن عباس وكأنها قضية مسلمة. وقرأ القراء ذلك، دون أن يخالطهم شك فى نزاهة المفسر، وفى صحة هذه الأقوال التى أوردها، فقبلوها، وتحدثوا بها، واعتمدوا عليها فى تفسيرهم. فدخل من هذه الناحية على التفسير وعلى العقول خلط كثير.

стр. 31

أذكر هنا على سبيل المثال ما جاء فى بعض كتب التفسير معزوا إلى ابن عباس عند قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ) من سورة تبارك، فتقول: «واعلم أنه اختلف فى الموت والحياة» ولا أدرى فيم الاختلاف، ولكن انتظر وأقرأ التفاصيل «فحكى عن ابن عباس والكلبى ومقاتل (هكذا بالجملة): أن الموت والحياة جسمان. فالموت فى هيئة كبش أملح، لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاء، وهى التى كان جبريل ﵇ والأنبياء ﵈ يركبونها!! خطوتها مد البصر!! فوق الحمار ودون البغل!! لا تمر بشيء ولا يجد ريحها إلا حيى!! ولا تطأ على شىء إلا حيى!! وهى التى أخذ السامرى من أثرها ترابا فألقاه على العجل فحيى الخ .. فهل يعقل أن تقبل عقلية نيرة كعقلية ابن عباس مثل هذا الكلام. ثم من الذى رواه عن ابن عباس؟ لقد ذكر بجانبه الكلبى ومقاتل. والكلبى هذا قال عنه النقاد أنه من الوضاعين الكذابين، ولا يوثق بروايته .. ومع ذلك كله .. نجد هذا فى بعض كتب التفسير (١) التى يتناولها المبتدءون وغيرهم، وتغذى عقولهم بهذه الروايات، التى تفوق كل خيال، والتى ينفر منها كل ذى عقل يحترم نفسه. فهل كان العالم العلامة العارف بالله الشيخ أحمد الصاوى. الذى نقل هذا الكلام لا يعرف قيمة الرواية عن الكلبى؟ لكنه روى .. والسلام .. وأمثال هذا كثير لا يحصى، ويكاد يغطى معظم تفسير الآيات الكريمة، ولا سيما عند ما تتعرض الآيات لقصة من القصص أو لأمر من الأمور الغيبية. ابن عباس .. مظلوم، فكم اعتدى باسمه على تفسير القرآن وعلى العقول!! حتى فى الأشياء التى لا يتصور عليها خلاف يعنى بعض المفسرين بذكر خلاف على ماهية الموت والحياة ويجر المظلوم ابن عباس جرا إلى معركة الخلاف، وينسب إليه هذا الكلام!!

стр. 32

ابن عباس .. كان عملاقا فى علمه المصفى .. فاستغل اسمه وسمعته العلمية كل من أراد ترويج بضاعته الإسرائيلية الزائفة .. تماما كما يستغل بعض المزورين الاستغلاليين الآن أسماء الشركات الموثوق بها فى ترويج بضاعتهم التافهة الهزيلة. وعفوا إذا وقفنا مع ابن عباس رضى الله عنهما، هذه الوقفة فهو وما روى عنه يستحقها بل وأكثر منها .. محاولة منا لوضع الأمور فى نصابها .. ولننتقل إلى الموقف العام للصحابة من التفسير ..

стр. 33

الصحابة وفهمهم للقرآن اعتبارات لا بدّ من مراعاتها .. ونعود للكلام عن الصحابة رضوان الله عليهم ومدى فهمهم للقرآن وتفسيرهم له بشيء أكثر من التفصيل .. فحين نقول إن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يفهمون القرآن، قد ينطبع فى أذهان الكثيرين أنهم كانوا يفهمونه على النحو التفصيلى الذى نراه الآن فى كتب التفسير، بحيث لم تكن هناك كلمة أو عبارة غامضة عليهم، لا سيما وهم عرب فصحاء والرسول ﷺ معهم، يعلمهم ويرشدهم، ويستطيعون سؤاله عن كل شىء يدق فهمه عليهم ... فهل كان الأمر كذلك؟. وإذا شئنا أن نضع هذا السؤال فى صيغة أخرى، فإنه يمكن أن نقول: إلى أى حد كان الصحابة يفهمون القرآن ويفسرونه؟ وللإجابة عن هذا السؤال لا بد أن نضع أمام اعتبارنا الأمور الآتية: ١ - أن القرآن عربى والصحابة عرب فصحاء. ٢ - أنهم لم يكونوا سواء فى الفهم أو الذكاء، كما لم يكونوا سواء فى قربهم من الرسول وبعدهم عنه. ٣ - أن الوقت كان وقت دعوة وبناء للعقيدة ودفاع عنها بالحجة أو السيف. ٤ - أن الصحابة كان همهم الأول الإيمان مع التطبيق والسلوك. ٥ - أن آيات نزلت وأحاديث صدرت من الرسول تحد من تتبع المتشابهات ومن كثرة السؤال ... ٦ - أن البيئة العربية فى ذلك الوقت لم تكن بيئة علمية بالمعنى المعروف .. هذه الاعتبارات يجب أن نضعها أمامنا، ونحن نتحدث عن فهم الصحابة للقرآن أو تفسيرهم له.

стр. 34

ويمكن أن نتناول كل اعتبار من هذه الاعتبارات بشيء من البسط والتوضيح. نزل القرآن باللغة العربية فى عهد ازدهرت فيه هذه اللغة، فلم يكن قد داخل الألسنة شىء مما داخلها بعد ذلك حين اختلط العرب بغيرهم، من أبناء البلاد التى اعتنقت الإسلام، ولقد امتن الله سبحانه على العرب بنزول القرآن بلغتهم، وفى متناول فهمهم إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ (٣) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ١٩٣ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ١٩٤ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ١٩٥ (٤) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) ومؤدى هذا كله أن القرآن نزل بلغة العرب واضحا وبينا، لكى يعقلوه ويتدبروه، ويصلوا عن هذا الطريق إلى الإيمان به، وبالذى أنزله، ومن أنزل عليه .. وقد جعل الله معجزة رسوله فى هذا القرآن، وتحدى العرب أن يأتوا بسورة من مثله فى بلاغته وبيانه .. وهذا يقتضى بالطبع أن يكونوا مدركين له، وللمعانى التى احتوت عليها الآيات وعبرت عنها الكلمات .. إذ بغير إدراك المعانى لا يمكن تذوق البلاغة، ولا الإحساس بالعجز عن مجاراة القرآن فى التعبير عنها بمثل هذا الأسلوب.

стр. 35

وهذا الذى كان .. فقد اتخذ الرسول من بلاغة القرآن أقوى سلاح لدعوته .. فكان يحرص فى مجالات الدعوة للإيمان على أن يقرأ على المشركين العرب آيات منه، وهو مدرك تماما أنهم يتفاعلون مع تعبيراته، ويحسون ما فيها من روعة تفوق كل روعة يحسونها من كلام الخطباء وشعر الشعراء .. حتى كانوا يضطرون وهم فى ذروة معارضته، والحملة عليه إلى اعتراف بعضهم لبعض سرا، بأن هذا ليس من كلام البشر، ولكنهم اتهموه أمام العامة بأنه سحر مبين، وأصدر زعماؤهم تحذيرا عاما من الاستماع إليه خوفا من تأثيره عليهم وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ٢٦ (١) وقد وجدنا فى قصة إسلام عمر أن استماعه لآيات من سورة (طه) أطفأت ما فى نفسه من حمية جاهلية، وقلبته من رجل يتوعد الرسول، ويستعد لقتله، إلى رجل هادئ، وادع، يستسلم للرسول، ويؤمن به، ويعز الله الإسلام بجرأته. هذا- وأمثاله كثير- يدلنا بلا شك على أن القرآن كان مفهوما للعرب بمجرد أن يسمعوه، إذ لو لم يفهموه لما تأثروا به، ولما سحرهم بقوة بيانه وبلاغته .. ولكن أى فهم كان ؟ لقد نزل القرآن يتحدث عن العقائد، كما يتحدث عن التشريع، وعن قصص السابقين، وعن خلق الكون، وبعض مظاهره وذلك بأسلوب جديد عليهم فى قوته وبيانه، مستعملا الحقيقة والمجاز والكناية، وكثير من الموضوعات التى تحدث عنها جديدة عليهم، فإلى أى مدى كان فهمهم للآيات التى تتحدث عن هذا كله؟ هل كان فهمهم مستوعبا لكل آية، وكل كلمة وعبارة، وفى أى موضوع من الموضوعات التى تحدث عنها القرآن؟

стр. 36

أو أنهم مع تأثرهم العام ببلاغة القرآن لا يلزم أن يكونوا ملمين بمعانى القرآن كله وكلماته، بل كانت تفوتهم معانى بعض الكلمات أو العبارات، والغرض المراد منها؟ تبعا لاختلاف مستوياتهم فى الفهم والذكاء، أو لقربهم من الرسول- مصدر الإشعاع- وبعدهم عنه، أو لظروف أخرى غير ذلك؟ إن الإجابة عن هذا تحتاج إلى أن نعرف الجوانب التى كانت تستحوذ على الرسول وصحابته فى بناء حياتهم الجديدة، لأن هذه الجوانب هى التى يمكن أن تبين لنا ما إذا كان عندهم وقت فراغ يتيح لهم التوسع والاستيعاب، وتبين لنا المنهج الذى كان يتناسب مع هذه الحياة الجديدة، أو يفرض نفسه فرضا عليها. كما أن الإجابة تحتاج إلى معرفة المحصول العلمى، الذى كان لدى الصحابة قبل إسلامهم، واستقبلوا به القرآن وما جاء به من معارف وعلوم، لأن الرجل المحدود المعرفة، قد يكفيه من الفهم السطحى العابر، أو الإجمالى العام ما لا يكفى الرجل الواسع المعرفة والثقافة. فكلاهما له نظرته الخاصة فيما يقرؤه أو يسمعه، وله تساؤلاته ومناقشاته، وموضوعاته، التى يمكنه أن يخوض فيها، ويسأل عنها، كما هو مشاهد محسوس الآن من الفرق بين الجو العلمى للوسط المثقف، وبين الجو العلمى للوسط الذى لم ينل حظا من الثقافة، من حيث الفهم والدقة فيه، ومن حيث نوع الأسئلة التى تطرح للإجابة عنها .. وعلى أساس تحديد الجوانب المهمة فى الحياة الجديدة، والوقوف على ما كان لدى الصحابة من محصول علمى سابق، يمكن تحديد الاتجاه الذى اتجهوا إليه فى فهمهم للقرآن وتفسيره، لأن الطابع العام للحياة فى أى عصر من العصور، له تأثيره القوى على الاتجاه العام للناس، فى فهم القرآن. فطابع الحياة فى عهود الاختلاف ونشوء الفرق مثلا .. أضفى على تفسير القرآن اتجاها يتناسب معه، كما نلمس ذلك فى بعض التفاسير، وفى توجيه المفسر للآية، وفهمه لها على حسب اتجاهه السياسى أو المذهبى، والطابع العلمى الذى يمتاز به عصرنا دفع كثيرا من الناس إلى إضفاء الثوب العلمى على كثير جدا من آيات القرآن وفسروها تفسيرا علميا، حتى خرجوا أحيانا عن الحد المناسب .. وهكذا ...

стр. 37

بناء العقيدة أولا: لقد كان أهم شىء فى الحياة الجديدة هو- أولا- بناء العقيدة السليمة- عقيدة التوحيد، والقضاء على كل المظاهر التى تتنافى معها، ولم يكن ذلك بالأمر السهل فى بيئة مردت على الشرك، وعبادة الأصنام، والتعلق بالخرافات، والاستهانة بالعقول، إلى حد أنها كانت تحكّم الطيور والأحجار فيما تقدم عليه من أفعال،. وكانت تعد الخروج على شىء من ذلك، خروجا على مقدسات الآباء الموروثة وتقاليدهم، وثورة على ما تواضع عليه المجتمع، تجب المبادرة بقمعها والقضاء عليها. ومن هنا كانت العناية المركزة فى القرآن الكريم، وفى دعوة الرسول، على عقيدة التوحيد والبعث. كان الإشراك قد تحصن فى عقول العرب، حتى أصبحوا يعدّون ما عداه أمرا غريبا يلفت النظر، ويدعو إلى العجب، والدعوة إلى التوحيد مؤامرة تستدعى الحذر أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ ٥ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ ٦ (١) فهذا الحصن هو الذى يقف أمام دعوة الإسلام. ولا يمكن أن يلجأ الداعون للتوحيد إلى التسلسل من ورائه وتركه .. لا بد من مجابهته، وهدمه حجرا حجرا، بل لا بدّ من إزالة أنقاضه، وترابه وغباره، وكل أثر من آثاره. ... وهذا كله ليس بالأمر السهل فإن هدم الحصون الحجرية- أو الخرسانية بلغة العصر- قد يكون أسهل كثيرا من التغلب على الحصون العقلية والتقليدية. ومن هنا يمكن أن نتصور أى شىء كان يشغل الرسول ومن آمن معه، ويأخذ منهم كل أوقاتهم وجهودهم.

стр. 38

والقارئ يعلم بلا شك تلك الظروف التى عاش فيها رسول الله ﷺ والمؤمنون القليلون معه فى مكة مدة ثلاث عشرة سنة .. كما يعلم الظروف التى عاش فيها الرسول مع صحابته بعد ذلك فى المدينة. وكلها ظروف تحتم توجيه أكبر قسط من الجهد والعناية للأمور الأكثر أهمية بالنسبة للدين الجديد: من الدعوة إليه والتمسك بمبادئه وتشريعاته من ناحية، والدفاع المستميت عنه ضد أعدائه من ناحية أخرى، أو بلغة العصر الحديث: إقامة بناء جديد قوى للدعوة فى الداخل، ودفاع وحماية لها من أعدائها فى الخارج. وهذا هو الذى كان، فلقد انصرف الرسول وصحابته بكل ما يسعهم من جهد وطاقة، إلى تدعيم العقيدة فى النفوس، والعناية بالتطبيق لكل ما جاء به الدين من تشريعات، والاستعداد التام لمجابهة كل عدو والوقوف أمامه. [وهذا يعنى أن الناحية العلمية كانت هى الجانب الأهم فى حياة الرسول والمؤمنين، وكان المسلمون ينصرفون إليها بكل جهودهم ووقتهم، بعد أن يعلمهم الرسول القائد، ما عليهم من واجبات .. ثم لا ننسى أنه كان عليهم واجبات معيشية أخرى غير واجبات دينهم .. [ولا ننسى أيضا أنهم مع حرصهم الشديد على التجاوب التام مع دينهم، وعلى حفظ القرآن، لم يستطع أكثرهم متابعة ما ينزل على الرسول ﷺ من القرآن بالحفظ والاستظهار .. ولم يكن هناك أمر فى القرآن، ولا فى كلام الرسول، يوجب عليهم استظهاره كله .. لأن ذلك شىء قد يشق عليهم، ولا يستطيعون احتماله، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها .. وليس المهم الحفظ والاستظهار، وإنما المهم فى الدرجة الأولى: التنفيذ والعمل .. وهو ما حرصوا عليه، وقاموا به. صحيح أن الرسول ﷺ كان يحرص على أن يحفظوا، وكانوا هم الآخرين يتسابقون إلى الحفظ، ويعتبرونه مفخرة، لكن ذلك كله لم يصل إلى حد أن كل واحد منهم قد وجد الفرص الكافية لحفظ القرآن كله ... وإن كان كل واحد لم يفته أن يحفظ شيئا من القرآن قليلا أو كثيرا ..

стр. 39

وكانوا يتفاوتون فى هذا الحفظ ويتفاضلون به، فحفظ كل منهم قدر ما يستطيع، على حسب ما يتيسر له، وإن كان هناك من الصحابة جمّ غفير عرف عنهم أنهم حفظوا القرآن كله فى عهد رسول الله. ولا شك فى أن الواحد منهم إنما كان يعنى بتفسير ما يحفظ وفهمه، على قدر استطاعته، أو بالاستعانة بالرسول، أو بغيره من الصحابة، ممن يتوسم فيهم المعرفة. أما ما لا يحفظه فإننا لا نستطيع القول بأنه عنى بفهمه أو بتفهمه، اللهم إلا إذا سمع أحدا يقرؤه. ومؤدى هذا كله أن الصحابة رضوان الله عليهم مع عنايتهم الشديدة بالقرآن، لم يتيسر لجمهرتهم حفظه كله، كما لم يتوفر لهم بالتالى تفسيره وفهمه تفصيلا، وإن كان هناك من خواصهم من تيسر لهم حفظه، وتوفر على فهمه قدر استطاعته. وفى ذلك نروى ما قاله مسروق ((جالست أصحاب محمد ﵊ فوجدتهم كالإخاذ- يعنى الغدير- فالإخاذ يروى الرجل، والإخاذ يروى الرجلين، والإخاذ يروى العشرة، والإخاذ يروى المائة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم)) يعنى يرويهم. يعبر بذلك عن اختلاف مستوياتهم العلمية، ومحصولهم من فهم القرآن، كما تختلف الآبار فى كمية مياهها .. ويقول ابن قتيبة: إن العرب لا تستوى فى المعرفة بجميع ما فى القرآن من الغريب والمتشابه، بل أن بعضها يفضل بعضا فى ذلك .. وهذا أمر طبيعى كما سبق أن قررناه .. وقلنا إنه يرجع إلى استعداداتهم الفطرية، كما يرجع إلى قربهم من الرسول .. - مصدر الإشعاع- وبعدهم عنه .. وإن كان من الممكن أن نقول: أنه كان هناك قدر مشترك بينهم فى فهمهم العام لما يقرءون، أو يسمعون من القرآن، باعتبار أنهم عرب .. كما قررنا من قبل .. وإذا كانت الدعوة الجديدة قد أخذت من الرسول ﷺ والمؤمنين معه، جهدا ووقتا فى دعوة الناس إليها، وفى الدفاع عنها بالحجة أو

стр. 40

بالسيف، مما أضفى على حياتهم الطالع العملى الجاد، فلقد كان من مستلزمات ذلك أن لا تكون هناك عناية إلا بما يمس هذه الناحية العملية .. وأن يحد من الاسترسال وراء شهوة الكلام والجدل، وإثارة الإشكالات والشبه، فإن ظروف المسلمين فيما بينهم لا تسمح بذلك، كما أن ظروفهم أمام أعدائهم المحيطين بهم من كل جانب لا تستسيغه، والبناء الجديد يقتضى احتياطا وعناية لا بد منهما. ومن هنا تحدد المنهج الذى يجب أن يسير عليه الصحابة فى حياتهم العلمية، وكان لذلك أثره فى فهمهم للقرآن وتفسيرهم له.
следующие страницы →