أو أنهم مع تأثرهم العام ببلاغة القرآن لا يلزم أن يكونوا ملمين بمعانى القرآن كله وكلماته، بل كانت تفوتهم معانى بعض الكلمات أو العبارات، والغرض المراد منها؟ تبعا لاختلاف مستوياتهم فى الفهم والذكاء، أو لقربهم من الرسول- مصدر الإشعاع- وبعدهم عنه، أو لظروف أخرى غير ذلك؟
إن الإجابة عن هذا تحتاج إلى أن نعرف الجوانب التى كانت تستحوذ على الرسول وصحابته فى بناء حياتهم الجديدة، لأن هذه الجوانب هى التى يمكن أن تبين لنا ما إذا كان عندهم وقت فراغ يتيح لهم التوسع والاستيعاب، وتبين لنا المنهج الذى كان يتناسب مع هذه الحياة الجديدة، أو يفرض نفسه فرضا عليها.
كما أن الإجابة تحتاج إلى معرفة المحصول العلمى، الذى كان لدى الصحابة قبل إسلامهم، واستقبلوا به القرآن وما جاء به من معارف وعلوم، لأن الرجل المحدود المعرفة، قد يكفيه من الفهم السطحى العابر، أو الإجمالى العام ما لا يكفى الرجل الواسع المعرفة والثقافة. فكلاهما له نظرته الخاصة فيما يقرؤه أو يسمعه، وله تساؤلاته ومناقشاته، وموضوعاته، التى يمكنه أن يخوض فيها، ويسأل عنها، كما هو مشاهد محسوس الآن من الفرق بين الجو العلمى للوسط المثقف، وبين الجو العلمى للوسط الذى لم ينل حظا من الثقافة، من حيث الفهم والدقة فيه، ومن حيث نوع الأسئلة التى تطرح للإجابة عنها ..
وعلى أساس تحديد الجوانب المهمة فى الحياة الجديدة، والوقوف على ما كان لدى الصحابة من محصول علمى سابق، يمكن تحديد الاتجاه الذى اتجهوا إليه فى فهمهم للقرآن وتفسيره، لأن الطابع العام للحياة فى أى عصر من العصور، له تأثيره القوى على الاتجاه العام للناس، فى فهم القرآن. فطابع الحياة فى عهود الاختلاف ونشوء الفرق مثلا .. أضفى على تفسير القرآن اتجاها يتناسب معه، كما نلمس ذلك فى بعض التفاسير، وفى توجيه المفسر للآية، وفهمه لها على حسب اتجاهه السياسى أو المذهبى، والطابع العلمى الذى يمتاز به عصرنا دفع كثيرا من الناس إلى إضفاء الثوب العلمى على كثير جدا من آيات القرآن وفسروها تفسيرا علميا، حتى خرجوا أحيانا عن الحد المناسب .. وهكذا ...
стр. 37
بناء العقيدة أولا:
لقد كان أهم شىء فى الحياة الجديدة هو- أولا- بناء العقيدة السليمة- عقيدة التوحيد، والقضاء على كل المظاهر التى تتنافى معها، ولم يكن ذلك بالأمر السهل فى بيئة مردت على الشرك، وعبادة الأصنام، والتعلق بالخرافات، والاستهانة بالعقول، إلى حد أنها كانت تحكّم الطيور والأحجار فيما تقدم عليه من أفعال،. وكانت تعد الخروج على شىء من ذلك، خروجا على مقدسات الآباء الموروثة وتقاليدهم، وثورة على ما تواضع عليه المجتمع، تجب المبادرة بقمعها والقضاء عليها.
ومن هنا كانت العناية المركزة فى القرآن الكريم، وفى دعوة الرسول، على عقيدة التوحيد والبعث.
كان الإشراك قد تحصن فى عقول العرب، حتى أصبحوا يعدّون ما عداه أمرا غريبا يلفت النظر، ويدعو إلى العجب، والدعوة إلى التوحيد مؤامرة تستدعى الحذر
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ ٥ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ ٦ (١)
فهذا الحصن هو الذى يقف أمام دعوة الإسلام. ولا يمكن أن يلجأ الداعون للتوحيد إلى التسلسل من ورائه وتركه .. لا بد من مجابهته، وهدمه حجرا حجرا، بل لا بدّ من إزالة أنقاضه، وترابه وغباره، وكل أثر من آثاره.
... وهذا كله ليس بالأمر السهل فإن هدم الحصون الحجرية- أو الخرسانية بلغة العصر- قد يكون أسهل كثيرا من التغلب على الحصون العقلية والتقليدية.
ومن هنا يمكن أن نتصور أى شىء كان يشغل الرسول ومن آمن معه، ويأخذ منهم كل أوقاتهم وجهودهم.
стр. 38
والقارئ يعلم بلا شك تلك الظروف التى عاش فيها رسول الله ﷺ والمؤمنون القليلون معه فى مكة مدة ثلاث عشرة سنة .. كما يعلم الظروف التى عاش
فيها الرسول مع صحابته بعد ذلك فى المدينة.
وكلها ظروف تحتم توجيه أكبر قسط من الجهد والعناية للأمور الأكثر أهمية بالنسبة للدين الجديد: من الدعوة إليه والتمسك بمبادئه وتشريعاته من ناحية، والدفاع المستميت عنه ضد أعدائه من ناحية أخرى، أو بلغة العصر الحديث:
إقامة بناء جديد قوى للدعوة فى الداخل، ودفاع وحماية لها من أعدائها فى الخارج.
وهذا هو الذى كان، فلقد انصرف الرسول وصحابته بكل ما يسعهم من جهد وطاقة، إلى تدعيم العقيدة فى النفوس، والعناية بالتطبيق لكل ما جاء به الدين من تشريعات، والاستعداد التام لمجابهة كل عدو والوقوف أمامه. [وهذا يعنى أن الناحية العلمية كانت هى الجانب الأهم فى حياة الرسول والمؤمنين، وكان المسلمون ينصرفون إليها بكل جهودهم ووقتهم، بعد أن يعلمهم الرسول القائد، ما عليهم من واجبات ..
ثم لا ننسى أنه كان عليهم واجبات معيشية أخرى غير واجبات دينهم ..
[ولا ننسى أيضا أنهم مع حرصهم الشديد على التجاوب التام مع دينهم، وعلى حفظ القرآن، لم يستطع أكثرهم متابعة ما ينزل على الرسول ﷺ من القرآن بالحفظ والاستظهار .. ولم يكن هناك أمر فى القرآن، ولا فى كلام الرسول، يوجب عليهم استظهاره كله .. لأن ذلك شىء قد يشق عليهم، ولا يستطيعون احتماله، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها .. وليس المهم الحفظ والاستظهار، وإنما المهم فى الدرجة الأولى: التنفيذ والعمل .. وهو ما حرصوا عليه، وقاموا به.
صحيح أن الرسول ﷺ كان يحرص على أن يحفظوا، وكانوا هم الآخرين يتسابقون إلى الحفظ، ويعتبرونه مفخرة، لكن ذلك كله لم يصل إلى حد أن كل واحد منهم قد وجد الفرص الكافية لحفظ القرآن كله ... وإن كان كل واحد لم يفته أن يحفظ شيئا من القرآن قليلا أو كثيرا ..
стр. 39
وكانوا يتفاوتون فى هذا الحفظ ويتفاضلون به، فحفظ كل منهم قدر ما يستطيع، على حسب ما يتيسر له، وإن كان هناك من الصحابة جمّ غفير عرف عنهم أنهم حفظوا القرآن كله فى عهد رسول الله.
ولا شك فى أن الواحد منهم إنما كان يعنى بتفسير ما يحفظ وفهمه، على قدر استطاعته، أو بالاستعانة بالرسول، أو بغيره من الصحابة، ممن يتوسم فيهم المعرفة. أما ما لا يحفظه فإننا لا نستطيع القول بأنه عنى بفهمه أو بتفهمه، اللهم إلا إذا سمع أحدا يقرؤه.
ومؤدى هذا كله أن الصحابة رضوان الله عليهم مع عنايتهم الشديدة بالقرآن، لم يتيسر لجمهرتهم حفظه كله، كما لم يتوفر لهم بالتالى تفسيره وفهمه تفصيلا، وإن كان هناك من خواصهم من تيسر لهم حفظه، وتوفر على فهمه قدر استطاعته.
وفى ذلك نروى ما قاله مسروق ((جالست أصحاب محمد ﵊ فوجدتهم كالإخاذ- يعنى الغدير- فالإخاذ يروى الرجل، والإخاذ يروى الرجلين، والإخاذ يروى العشرة، والإخاذ يروى المائة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم)) يعنى يرويهم. يعبر بذلك عن اختلاف مستوياتهم العلمية، ومحصولهم من فهم القرآن، كما تختلف الآبار فى كمية مياهها ..
ويقول ابن قتيبة: إن العرب لا تستوى فى المعرفة بجميع ما فى القرآن من الغريب والمتشابه، بل أن بعضها يفضل بعضا فى ذلك ..
وهذا أمر طبيعى كما سبق أن قررناه .. وقلنا إنه يرجع إلى استعداداتهم الفطرية، كما يرجع إلى قربهم من الرسول .. - مصدر الإشعاع- وبعدهم عنه .. وإن كان من الممكن أن نقول: أنه كان هناك قدر مشترك بينهم فى فهمهم العام لما يقرءون، أو يسمعون من القرآن، باعتبار أنهم عرب .. كما قررنا من قبل ..
وإذا كانت الدعوة الجديدة قد أخذت من الرسول ﷺ والمؤمنين معه، جهدا ووقتا فى دعوة الناس إليها، وفى الدفاع عنها بالحجة أو
стр. 40
بالسيف، مما أضفى على حياتهم الطالع العملى الجاد، فلقد كان من مستلزمات ذلك أن لا تكون هناك عناية إلا بما يمس هذه الناحية العملية .. وأن يحد من الاسترسال وراء شهوة الكلام والجدل، وإثارة الإشكالات والشبه، فإن ظروف المسلمين فيما بينهم لا تسمح بذلك، كما أن ظروفهم أمام أعدائهم المحيطين بهم من كل جانب لا تستسيغه، والبناء الجديد يقتضى احتياطا وعناية لا بد منهما.
ومن هنا تحدد المنهج الذى يجب أن يسير عليه الصحابة فى حياتهم العلمية، وكان لذلك أثره فى فهمهم للقرآن وتفسيرهم له.
стр. 41
المنهج الفكرى فى الحياة الجديدة وصلته بفهم القرآن
هذا المنهج الفكرى كان من الضرورى أن يكون ملائما ومتناسقا مع الحياة الجديدة وضروراتها وفى إطارها، وإذا أمكن أن نستعمل مصطلحات العصر الحديث، قلنا: إنه كان من الضرورى أن يكون فى خدمة الحياة الجديدة ومتطلباتها، كما يقال الآن: يجب أن يكون العلم فى خدمة الإنتاج مثلا، وأن يغذى الإنتاج الفكرى الأهداف العامة للدولة، وذلك من أجل تماسك البناء، وهو لا يزال جديدا، وعدم إصابته بهزات عكسية، تترك عليه آثارها من التخلخل والتشقق ..
فكل ما يتصل بالعقيدة وتمتين بنائها مقبول بل مطلوب. أما أن تثار حولها شبهات ومجادلات نظرية تشتت العقول، تدخلنا فى التيه، فذلك أمر غير مقبول .. وذلك مثل الكلام فى القضاء والقدر الذى لم ولن ينتهى إلى نتيجة حاسمة ولذلك نهوا عنه ..
وكل ما يتصل بتصحيح العمل- عبادة كان أم معاملة- فالكلام والسؤال والجواب فيه مقبول. بل مطلوب كذلك، ولكن بقدر ما يصحح العمل، دون الاسترسال وراء شهوة الكلام والجدل والافتراضات.
ولقد كان القرآن ينزل فى شأن هذا وذاك، والرسول يتابعه بالبيان القولى أو التطبيقى بحيث لا يترك شيئا يحتاج إلى بيان إلا وضحه .. ومع ذلك فمن الجائز أن يبقى هناك شىء غامض لدى بعض الناس. وهذا يحمد منهم أن يستوضحوا أمره .. ومن الجائز أن تنزل آية، ويفهم منها الصحابة شيئا من التكليف الغير المستطاع أو شيئا يخالف ما فهموه من قبل فيلجئوا إلى الرسول ويسألوه، فيوضح لهم الأمر، مسرورا بإقبالهم على فهم دينهم ..
стр. 42
فمثلا .. حين نزل قوله تعالى من سورة الأنعام وهى مكية الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ٨٢ (١) شق ذلك على أصحاب رسول الله وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال الرسول ﷺ : ليس بالذى تعنون. ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح:
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ١٣ (٢) يعنى لقمان كما جاء فى سورته.
فهذا الذى فهموه أولا من الآية السابقة أزعجهم، لأنه يتصل بحياتهم فى الآخرة، وهم يحرصون على أن تكون حياة طيبة، فسألوا رسول الله، فبين لهم أن معنى الظلم فى الآية هو الإشراك، وأحالهم على آية أخرى حكت عن لقمان قوله لابنه: (يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) وبهذا انتهى الإشكال.
والسيدة عائشة رضى الله عنها لما سمعت الرسول ﷺ يقول:
«من حوسب عذب»، رأت أن هذا القول فى ظاهره، يخالف قوله تعالى:
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ٧ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً ٨ وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً ٩ (٣)
فهناك إذن من يحاسب، ثم يلقى أهله مسرورا فى الآخرة، ولا يلحقه عذاب. والحديث يقول بصيغة التعميم (من حوسب عذب) فتلجأ إلى الرسول، وتحتج بالآية، وكأنها تعارضه. فتقول له: «أو ليس يقول الله فسوف يحاسب حسابا يسيرا، فقال لها الرسول ﷺ (إنما ذلك العرض) وفى رواية ليس ذاك بالحساب ولكن ذلك العرض، أى عرض
стр. 43
الأعمال على الله تعالى وتجاوزه عن السيئات منها ثم قال الرسول: (ولكن من نوقش الحساب يهلك، أو من نوقش الحساب يوم القيامة عذب) روايات مختلفة والمعنى واحد.
وسؤال عائشة رضى الله عنها كان فى أمر مهم، يتصل بمصير الناس فى الآخرة، وما فهمته عنه من الآية الكريمة .. ورواية أخرى عن عائشة أيضا فى هذا تقول: (سمعت رسول الله يقول فى بعض صلاته (اللهم حاسبنى حسابا يسيرا) فلما انصرف، قلت يا رسول الله: ما الحساب اليسير؟ فقال: (أن ينظر فى كتابه، فيتجاوز له عنه. إنه من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك) (١) وهو سؤال لتوضيح معنى يتصل بالآية السابقة.
ويروى البخارى فى صحيحه- فى باب الصوم- عن عدى بن حاتم رضى الله عنه قال: لما نزلت (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (٢) عمدت إلى عقال أسود، وعقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتى، فجعلت أنظر إلى الليل، فلا يستبين لى، فغدوت على رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: «إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار».
وفى رواية أخرى عن عدى أيضا بلفظ آخر «لما نزلت: وكلوا واشربوا ..
الآية» عمدت إلى عقالين: أحدهما أسود، والآخر أبيض، فجعلتهما تحت وسادتى. قال: فجعلت أنظر إليهما، فلما تبين لى الأبيض من الأسود أمسكت.
أى امتنعت عن الطعام وبدأت الصيام. فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بالذى صنعت فقال: (إن وسادك- إذن- لعريض. إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل).
وتعليق الرسول ﷺ : (إن وسادك لعريض) مبنى على أنه وضع تحته الخيطين اللذين جعلهما الله كناية عن بياض النهار وظلمة الليل فاتخذ
стр. 44
وسادته كأنها أفق يضم هذين الخيطين. وفى رواية أخرى أنه قال له أيضا (إنك لعريض القفا) وبعض الناس يفهم من هذا أنه يرميه بالبلادة فى فهم المراد من الآية .. ولكنه من مستلزمات (إن وسادك لعريض) فما دام الوساد عريضا إلى هذا الحد فلا بد أن القفا الذى يستلقى عليه عريض كذلك بما يتناسب معه. وربما يكون ذلك إشارة إلى أنه كان مستريحا فى نومه على وسادة مريحة فتكاسل عن القيام وأجرى تجربته وهو نائم.
وهى كلها تعليقات طريفة على هذا الفهم البدائى، الذى أخذ ما فى الآية على حقيقته، ولم يفطن إلى أن ذلك كناية عن خيط النور الذى يشق سواد الليل مؤذنا بطلوع الفجر ..
والشاهد فى هذه الرواية هو أن الرجل فهم فهما فى القرآن، ثم لم يطمئن إليه بعد التجربة التى أجراها، فذهب إلى الرسول ﷺ يعرض عليه هذا الفهم، ويستوضحه الحقيقة فيه، فبين له الرسول حقيقة المراد فى الآية ..
وأمثال هذه الاستفسارات لا بدّ أنها كانت كثيرة، وقد روى البخارى ما صح منها فى صحيحه وكانت أمرا لا بدّ منه فى فهم الصحابة للآيات التى تشرع لهم فى أمر عباداتهم أو معاملاتهم .. ومن الطبيعى أن الرسول كان يتقبل هذه- الاستسفسارات بصدر رحب، ويجيب عنها بما يوضح لهم الفهم الصحيح.
لأنها كانت تدخل فى صميم الحياة العملية لهم .. ويتوقف عليها تسديد الخطى فى هذه الحياة ...
لكن العقل البشرى له جولاته فى نطاق الحياة العملية، وله تساؤلاته فيما يغيب عنه، وكثيرا ما يدفعه الفضول أو الرغبة فى الاطلاع على المجهول إلى أسئلة يرجو الإجابة عنها.
وقد نزل القرآن موجزا مجملا وحمال أوجه، وفيه متسع لمن يريد السير وراء الأسئلة التى من هذا النوع .. حيث ركز على موضع العبرة عنها، تاركا فيها بعض الجوانب التى يلح العقل فى معرفتها عادة ..
كما أن فى القرآن بعض الآيات التى تبدو فى ظاهرها متناقضة .. فالله «ليس كمثله شىء» كما تقرر آية، ثم تأتى آيات أخرى، فتتحدث عن أن الله
стр. 45
يدا (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) ووجها (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) وعينا (وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي)، وسمعا وبصرا (إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً). إلى غير ذلك من الآيات التى تبدو على غير اتفاق مع قوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) مما أطلق عليه أنه من المتشابهات فى القرآن .. بمعنى عدم جلاء معناه عند قراءته أو سماعه، كما يفهم سريعا من قوله تعالى مثلا: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها) .. (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ).
وهناك ألفاظ فى القرآن جاءت على غير ما اعتاد العرب فى كلامهم ((الم.
ألر. المص. طسم. حم. ص. ق. ن). مما بدأ الله به بعض سور القرآن ..
وهناك آيات فى القرآن الكريم تنص على أن الله «يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ و (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً).
(وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) وآيات أخرى صريحة فى مجازاة الإنسان على ضلاله وعلى عمله، وينتج عن هذه وتلك .. هذا الإشكال المزمن: هل العبد مسير أو مخير؟ وكيف يحاسب الله العبد على شىء، نفذت به مشيئة الله وليس فيه حينئذ خيار؟
آيات كثيرة فيها هذا وذاك وذلك .. ومرت القرون عليها، والناس مختلفون متجادلون فى فهم المراد منها .. وستمر قرون كذلك، دون أن يصل فيها العقل إلى رأى قاطع حاسم، فماذا كان موقف صحابة رسول الله منها؟.
هل فهموها ووصلوا فيها إلى حل مريح، أو سألوا الرسول عنها فبينها لهم؟
لو أنهم فهموها أو بينها لهم الرسول، لروى لنا هذا الفهم، وهذا الحل، واسترحنا، إذ ليس من المعقول أن يندرس مثل هذا البيان عن هذه الآيات المشكلة، فلا يرث علمهم أحد ممن أخذ عنهم، ولا نتوارثه، مع أن الروايات، نقلت لنا الكثير من أقوال الرسول وأقوالهم، مما هو أقل شأنا من موضوع فهم هذه الآيات، ومع أن عهد التابعين قد كثرت فيه الأسئلة عن غوامض القرآن.
ولكن هل تمر عليهم دون أن يفهموها، ودون أن يسألوا عنها؟ ..
стр. 46
أظن ذلك هو الأقرب إلى العقل .. إذ لو سألوا وأجابهم عنها لوصل إلينا ذلك فيما وصل.
وما دمنا لم نعثر على حديث صحيح عن الرسول، أو على رأى للصحابة موثوق بنسبته إليهم، فالأقرب للعقول أنهم لم يفهموها تفصيلا ولم يسألوا عنها.
ولكن كيف مرت دون أن يفهموها، ودون أن يسألوا عنها، وهى التى تشغلنا الآن كما أنها شغلت من كان قبلنا، وستشغل من هو بعدنا، ويكثر فى فهمها الاختلاف كما كثر من قبل دون الوصول إلى رأى قاطع ..
ما المراد بقوله تعالى فى أوائل السور: الم. المص. الر. حم .. الخ؟
ما المراد بيد الله وسمعه وبصره وعينه؟
ألم يفسرها الرسول تفسير قاطعا؟ ألم يتطلع الصحابة لمعرفتها فيتركوا لنا فيها تفسيرا مقنعا؟
تروى بعض كتب التفسير عن أبى بكر وعمر أنهما مما استأثر الله بعلمه ..
ولو صحت هذه الرواية لكان معنى ذلك أنهم يعلمون ذلك من الرسول ..
ولقطعت هذه الرواية حبل الاجتهاد على كل متحدث يريد شرحها وفهمها ..
ولكن حبل الحديث والتفسير والاجتهاد فى فهمها لم ينقطع، حتى بلغت الأقوال مثلا فى معنى الحروف المقطعة .. عشرات. ومغزى هذا أن هذه الرواية عن أبى بكر وعمر لم تصح، ولم تعتمد لدى المفسرين جميعا. فبقى باب الفهم والاجتهاد فيه مفتوحا.
فرأينا فريقا من المفسرين يقف عن تفسيرها ويقول (الله أعلم بمراده) وآخرين منهم يفسرونها بما يمكنك الاطلاع عليه فى كتب التفسير .. وكلها تفسيرات اجتهادية ترجع إلى عقل المفسر وترجيحه ..
والسبب فى ذلك كله أننا لم نرث عن الصحابة رواية صحيحة معتمدة، تقطع الطريق على أى قول آخر.
فكيف تترك هذه الأمور غامضة دون توضيح؟ .. وهل يعقل أن تكون
стр. 47
معانيها غامضة عليهم، ثم سكتوا فلم يسألوا الرسول، وهو المرجع الأعلى فى تفسير القرآن وفهمه؟ ..
أسئلة أجدها كلها نابتة من جونا العلمى والفكرى الذى نعيش فيه، والذى دأب الناس فيه على أن يسألوا عن كل شىء، حتى ما لا يحتمل السؤال .. وفى هذه الأسئلة التى نتساءلها شىء .. من الاستغراب، عن موقف الصحابة وإحجامهم عن السؤال .. وشىء من الأمانى الغالية أن لو كان الصحابة سألوا عنها الرسول فبينها وأراحنا ..
فهل يلام الصحابة لعدم سؤالهم أو بيانهم؟.
إنه لا بد لنا لكى نفهم موقفهم ونقدره .. نحاول بتفكيرنا العيش معهم فى الجو الذى كانوا يعيشون فيه، ونقدر مع ذلك البساطة العربية التى كانت تنفر من التعقيد، والتى كانت طابعهم العام، ونعرف فى الوقت نفسه أن وقتهم كان وقت تعبئة عامة وتركيز حول المسائل المهمة، التى تأخذ من حياتهم الاهتمام الأول، وهى العقيدة وبناؤها، والأحكام والالتزام بها، والأعداء الكثيرون المحيطون بهم وضرورة مجابهتهم .. وأولا وأخيرا أمة جديدة فى كل شىء، تزرع وسط حقول ألغام، ولا بد لها من الحذر والحيطة التامة فى سيرها ..
فهل يحتمل هذا الجو- مع ما نعلمه من البساطة العربية- أن ينصرف الصحابة- والحالة حالة طوارئ- إلى مناقشات حول موضوعات لا تدخل فى صميم عقيدتهم، أو عباداتهم ومعاملاتهم. وهى موضوعات أثيرت فيما بعد، بدافع من الأمن والفراغ، واتساع الحركة الذهنية والعلمية، وكثرة الداخلين فى الإسلام من غير العرب ..
لقد عاش الرسول ﷺ بعد بعثته نحو عشرين سنة كانت هى مدة الدعوة إلى الدين الجديد بعد فتور الوحى، ومنذ أمره بإنذار عشيرته الأقربين، وأمره بتبليغ الدعوة جهرا إلى الناس أجمعين. وقد قضى من هذه المدة نحو نصفها فى مكة فى حالة ضغط مستمر عليه وعلى أصحابه، واضطهاد عنيف تحملوه صابرين .. ومطاردة ومصادرة لهم فى أفكارهم وتحركاتهم ..
стр. 48
بل وحياتهم. فلم يكن من المعقول فى هذا الظرف أن تثور مناقشات نظرية حول هذه المتشابهات التى نزل أكثرها بمكة ..
وقضى رسول الله فى المدينة نحو عشر سنوات كذلك، قضاها كلها فى دفاع وحروب مستمرة فرضها عليه أعداؤه .. فكانت كلها سنوات طوارئ بلغتنا الحديثة .. وفى حالات الطوارئ لا يقبل فيها من الكلام والمناقشات ما يقبل عادة فى حالات الأمن والرخاء .. بل تفرض التعبئة العامة جوها على الحياة وعلى الأفكار ..
هل يكون من المقبول والمستساغ لدينا- إذا كنا فى حالة حرب أو طوارئ وتعبئة- أن نثير فى الصحف بحوثا ومجالات نظرية تشغل الأفكار وتمزقها، ولو حول بعض المسائل الدينية البعيدة عن جونا الذى نعيش فيه؟
هل يستساغ أن نثير فى مثل هذه الحالة بحثا حول جواز ترجمة القرآن مثلا، أو عدم جوازها؟ أو حول من كان أحق بالخلافة. أبو بكر أم على؟. أو حول المراد من الحروف المقطعة التى بدئت بها بعض السور؟ أو حول القضاء والقدر؟
وهل الإنسان مسير أو مخير؟ - أو حول القرآن، وهل هو مخلوق، أو غير مخلوق؟. أو نثير بحثا حول الشعر القديم والشعر الحديث؟. أو نعيد سيرة البيزنطيين فنتناقش: أيهما الأصل: البيضة أم الدجاجة؟!!
وإذا كنا لا نستسيغ ذلك حاليا مع شهوتنا الملحة دائما فى الكلام والجدل، فكيف يمكن أن نطلب من الرسول .. وصحابته وقد كانوا فى حالة طوارئ مستمرة، وحالة حرب، وخطر الحرب، أن يسألوا ويبحثوا فى أشياء نظرية، وبعضها قد يثير الاضطراب الفكرى، ويبعثر الجهود، ويشتت الأفكار، ويؤدى إلى الدخول فى التيه؟ ..
ولكن أليس فى فهم معنى يد الله وسمعه وبصره اتصال بالعقيدة؟
نعم .. كان له اتصال .. ولكنهم فهموه فهما إجماليا وتركوه، واكتفوا بهذا ولم ينساقوا الى ما وراءه مما أثير بعد ذلك .. اكتفوا واكتفى منهم الرسول بأنهم مؤمنون بالله وبصفاته كما جاء فى كتابه، وليس لهم أن يشغلوا أنفسهم وأفكارهم بالبحث
стр. 49
عن: كيف، ولماذا؟ بدليل أننا لو آمنا الآن بصفات الله كما وردت فى القرآن، وفوضنا معناها إلى الله، ما كان فى ذلك بأس، بل إن بعضنا يقول: هذا هو المطلوب منا. وهكذا سار المسلمون بعد الرسول. وتحرجوا عن السؤال فى هذه المتشابهات وقال الإمام مالك: إن السؤال عنها بدعة.
ومع أن طابع الحياة العملية وظروفها التى عاشوا فيها قد أملى عليهم هذا الاتجاه، كان هناك بجوار هذا أو قبل هذا توجيهات من القرآن الكريم، ومن رسول الله ﷺ تحبذ مثل هذا أو تدعو إليه، وترسم منهجا لتفكيرهم وأسلوب فهمهم للقرآن، والدين الجديد الذى اعتنقوه ..
стр. 50
لا تسألوا عن أشياء ...
إن المعروف فى تاريخ الأديان والمذاهب حتى الوضعية منها أن الدور الأول فيها يكون الجهد فيه منصرفا الى القواعد العامة، والى إشعال الروح، والى التطبيق العملى
لتعاليمها .. أما التفريعات والتعليلات، أو التماس فلسفة لهذه القواعد وهذه التعاليم، فذلك يكون بعد إرساء القواعد، وتكميل البناء، وغالبا ما يصاحب ذلك شىء من خمود الروح ولو نسيبا عما كانت عليه فى الدور الأول .. دور الحماس وفوران العاطفة ..
لقد وجدنا القرآن الكريم يتعرض لأناس يكثرون من سؤال الرسول ووجدوها فرصة يشبعون فيها نهمهم فى الأسئلة عما فى نفوسهم حتى أدى شغفهم بكثرة الأسئلة إلى أن يسأل واحد منهم رسول الله: اين أبى؟ فيضطر الرسول إلى أن يخبره أنه فى النار، وكان قد مات على الكفر .. ويسأل آخر: من أبى؟ وآخر أين ناقتى؟ وآخر يسأله عن الحج أواجب مرة فى العمر أم فى كل سنة .. إلى غير ذلك، فأنزل الله آية تحسم هذه الحالة، وتحد منها، لأنها لا جدوى منها ولا تتناسب مع الرسول ووقته ومهمته، ولا مع الصحابة وما ينبغى أن ينصرفوا إليه فى حياتهم، فقال
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ١٠١ قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ١٠٢ (١)
وفى ألفاظ الآيتين وترتيبها المنطقى من قوة الردع والزجر ما تنخلع منها القلوب وتخرس الألسنة «إن تبد لكم تسؤكم. وإن تسألوا عنها حين ينزل
стр. 51
القرآن تبد لكم. ثم «قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين».
ردع قوى عن الاسترسال فى توجيه أسئلة للرسول لا داعى لها فوق أنها تشغله، وما كان هذا الردع القوى إلا لأن «الناس» كانوا كما جاء فى حديث أنس رضى الله عنه «سألوا نبى الله ﷺ حتى أضنوه بالمسألة. وفى حديث آخر يوضح المعنى «فلما أكثروا عليه المسألة غضب». وكان من أثر غضبه ﵊ أن قال لهم: ذرونى ما تركتكم.
وأجدنى فى حاجة لأن أقف قليلا لأوضح: لم غضب الرسول؟ حتى لا أترك فى ذهن القارئ علامة استفهام كبيرة لا جواب عنها ..
سبب الغضب يمكن أن يبينه هذا الحديث «خطب رسول الله ﷺ فقال- إن الله قد فرض عليكم الحج. فقال رجل- أفى كل عام؟ فسكت عنه. حتى أعاده ثلاثا. فقال: لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت، ما قمتم بها أو لما استطعتم .. ذرونى ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شىء فاجتنبوه.» (١)
فمثل هذا السؤال من الرجل «أفى كل عام؟» لا محل له .. إذ لو كان فى كل عام لبينه الرسول دون حاجة إلى سؤال أحد. ثم كان على الرجل أن يكون فطنا حين لم يرد عليه الرسول، فيسكت هو الآخر، ولا يتمادى فى السؤال، كأنه هو الحريص وحده على البيان .. ومثل هذا الموقف كثيرا ما يدخل صاحبه فى باب التنطع الذى قال عنه الرسول «هلك المتنطعون»، والاسلام ذوق، وجمال، وإحساس، وجو، لا بد أن يشيع فيه هذا كله.
والذين ما رسوا مهنة الدعوة أو التدريس، هم أكثر الناس إدراكا وفهما لمثل هذا الموقف، فكثيرا ما يجابه المدرس بأسئلة، تنطلق من بعض الطلاب
стр. 52
كالرشاش فى (الفاضى والمليان) وقبل الشرح أحيانا، وخارج موضوع المدرس أحيانا، ولو استرسل المدرس مع السائل لتشتت الموضوع، وضاع الوقت، وتبرم الباقون، ولو سكت الطالب (المتسائل) لجاءه الشرح الذى ينبغى له أن يفهمه، ولا يزيد عليه، وخرج هو وزملاؤه بالفائدة المرجوة ..
ثم ماذا ربح السائل: أين أبى؟ «حين قال له: فى النار .. ومعروف أن الذين ماتوا على الكفر مآلهم النار كما قال عمر ملطفا حدة الموقف، ثم هذا الذى سأل: من أبى؟ أكان يضمن- كما قالت له أمه توبخه- أن أمه علقت فيه من غير أبيه فكان يفضحها أمام الجميع ويفضح نفسه؟ جو اندفع إليه الصحابة، ولم يكن لائقا أبدا بهم ولا بالرسول ومهماته ..
فكان لا بد للرسول أن يغضب من هذه الحالة التى تضيع الوقت وتبعد المسلمين عن الطابع الجدى الوقور، الذى يجب أن يكون طابع مجالس الرسول، ومجالس العلم بعامة، وطابع الجد الذى يعيشون فيه،
ومن هذا يتضح جليا سبب الغضب، ويبعد عن الأذهان ما قد يناوشها- من أن الرسول لم يكن يجب أن يسأل عن بيان أمر شرعى، يتصل بتصحيح عقيدة المؤمن وعمله، لأن ذلك يتنافى مع طبيعة الرسالة ومهمة الرسول ..
ولعل الأمر يزداد وضوحا إذا ذكرت هنا آية أخرى فى هذا المقام- ولو أن الاستطراد سيطول- لكن هذه النقطة لا بدّ أن أوضحها تماما .. ولا أترك لها مخلفات فى الأذهان .. هذه الآية من سورة المجادلة تقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ١٢ (١)
كيف هذا؟
هل مناجاة الرسول ومحادثته تقتضى أن يتصدق المتحدث قبل أن يقدم على مناجاته؟
стр. 53
أليس الرسول مبينا، ومن مهمته أن يتحدث للناس ويستمع إليهم؟
بلى. من مهمته ذلك. ولكن حسن خلقه وسيره على طبيعته السهلة أطمع كل من حوله فى أن يتحدث معه، ويناجيه، وقد ينفرد به، وقد يشغله، وقد يقتحم عليه أوقات راحته، وقد يتحدث معه فى توافه الأمور، فكان تواضعه وحسن خلقه سببا فى إيجاد شىء من عدم الدقة فى فهم مقام الرسول، وما ينبغى أن يكون عليه الحديث معه .. ولما يجب من توفير وقته للمهم من الأمور، أو كما نقول سببا فى «رفع الكلفة» فى الحديث معه، فكان لا بد من وقفة، أو من هزة تنبه الجميع إلى ما يجب أن يكون عليه الحديث مع الرسول، فليس هو مثلهم. إنه رسول .. وإذا كان قد رباه ربه على التواضع، فليس معنى ذلك أن تزيلوا كل حجاب، أو ترفعوا الكلفة بينكم وبينه وتشغلوا كل وقته بأسئلتكم ومحادثاتكم.
إن مقامه عظيم، ومقام المحادثة معه عظيم، يقتضى أن يقدم من يريد الحديث معه صدقة. نعم. لا حجاب، ولا حراس، ولا استئذان ولكن صدقة من مال، أفهمتم مقام الرسول؟ أفهمتم خطورة التحدث معه؟ لا بد أن تتأدبوا. لا بد أن تحتاطوا.
وعرفوا قدر المحادثة مع الرسول ومناجاته وقيمة وقته، وأحجموا .. حتى أقرب الناس إليه وهو على رضى الله عنه، لما أراد أن يحدثه، قدم صدقة قبل أن يتحدث معه، ثم تحدث .. وكان المهم أن يعوا هذا الدرس، ويعلموا أنهم يتحدثون مع رسول الله، ولا بد أن يكون الحديث جديا مناسبا لمقامه.
وقد فهموا هذا ووعوه، ثم أدركتهم رحمة الله سريعا وأعفتهم من هذه الصدقة، لكن بعد أن فهموا وتعلموا، فقال الله لهم أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ١٣ (١)
ومنه حفظكم لمقام الرسالة والرسول وتأدبكم فى الحديث معه.
стр. 54
وفى معنى هذا أيضا يقول الله «لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا «من أواخر سورة النور، وقوله فى أوائل سورة الحجرات «يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون، إن الذين يغضّون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم، إن الذين ينادونك من وراء الحجرات (كما ينادون أمثالهم) أكثرهم لا يعقلون، ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم».
أدب مع النبوة يجب أن تتأدبوا به. فلما غفلوا عنه غضب الرسول وغضب الله له. حتى لا يكون هؤلاء (المتنطعون) سببا فى الإثقال على غيرهم .. كما قال الله «إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ، وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ». وكما قال الرسول:- «لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم».
ولقد كان هذا الدرس نافعا ومفيدا، بل ذهب إلى نفوس الصحابة إلى أكثر من مداه .. وهذا هو شاهدنا وموضع هدفنا من الآية وأثرها ..
فلقد تخوف الصحابة من السؤال، أى سؤال، وتحرجوا منه، مما يمكن أن نعده رد فعل لما كانوا عليه أولا، قبل أن يغضب الرسول وتنزل الآية .. فقد أداهم الخوف والخشية إلى أن يحجموا عن الأسئلة، خوفا من أن يبدو منهم ما قد يكون محل مؤاخذة فآثروا العافية .. والرواية الآتية تبين لنا إلى حد آثروا العافية وتخوفوا الأسئلة ..
روى مسلم فى صحيحه عن أنس رضى الله عنه قال «كنا نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شىء، وكان يعجبنا أن يجئ الرجل الغافل من أهل البادية (أى الذى لم يبلغه أمر النهى كما بلغنا) فيسأله ونحن نسمع (١)، وأخرج الإمام أحمد فى مسنده عن أبى أمامة قال:- «لما نزلت، يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء» الآية، كنا قد اتقينا أن نسأله ﷺ فأتينا أعرابيا،
стр. 55
فرشوناه برداء وقلنا سل النبى ﷺ والأعرابى ليس بملتزم بما يلتزمه المقيمون مع الرسول .. والرشوة هنا ليست هى الرشوة المحرّمة طبعا، بل هى تحريض على خير يريدونه ولا يستطيعونه.
وروى مسلم أيضا عن النواسى بن سمعان قال: «أقمت مع رسول الله ﷺ سنة بالمدينة ما يمنعنى من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبى ﷺ ».
فلم يتخذ النواسى صفة المقيم بالمدينة حتى لا ينطبق عليه ما ينطبق على المقيمين مع الرسول من تحشم واحتياط فى الأسئلة، وظل سنة ضيفا، دون أن يأخذ حكم الإقامة،
لتكون له الحرية فى سؤال الرسول عما يريد. لأن الحرج كان خاصا بالمقيمين لا بالوافدين؟؟؟ .. لأنهم يتزودون بالعلم ويرحلون، وتسامح معهم أكثر مما يتسامح مع المقيمين.
وروى أبو يعلى عن البراء «إن كان ليأتى على السنة، أريد أن أسأل رسول الله ﷺ عن الشيء فأتهيب، وإن كنا لنتمنى الأعراب، أى قدومهم، ليسألوا فيسمعوا هم الأجوبة عن أسئلة الأعراب فيستفيدوا منها ..
إلى هذا الحد بلغ رد فعل هذا الدرس الذى فهموه من الآية: إحجام عن السؤال مع رغبتهم الشديدة فيه، حتى يحرضوا الأعرابى، ليسأل بدلهم، ويغروه بشيء فى مقابل السؤال، واستماعهم معه للجواب .. مبالغة فى الأدب، مع حرص شديد على الاستفادة ..
ومع أن الآية- كما يفهم من مدلولها- لم تنههم عن السؤال أيا كان موضوعه، بل نهتهم عن أسئلة من نوع خاص، بينته لهم «إن تبد لكم تسؤكم» كما أن الحالة التى نزلت الآية تعالجها كانت مفهومة عندهم، أقول ومع ذلك أحدثت الآية فى نفوسهم رد فعل زائد عن الحد المطلوب فيها.
ولو أنهم- مع هذا المعروف عنهم- لم يغفلوا أول الأمر عما كان يجب عليهم من مراعاة مقام الرسول، والحفاظ على وقته الثمين، الذى يجب صرفه كله للأمور المهمة، لما حصل هذا كله .. ولكنه درس لهم، ولكل من أتى أو يأتى من بعدهم، حتى لا تشغلهم التوافه عن العظائم، ولا يتشددوا فيشدد الله
стр. 56
عليهم، وحتى يوفروا للعلماء ولمن يدبرون لهم الأمور أوقاتهم، وينزلوا الناس منازلهم.
ونعود بعد هذا لنتساءل- هل معنى هذا أنه لم يعد بعد نزول الآية استفسار من الصحابة للرسول عن أمور تهمهم فى دينهم؟
. لا .. إذ لا يمكن أن تزول ظاهرة السؤال والجواب .. ما دام الرسول حيا .. ينزل عليه الوحى بتشريعات جديدة، تحتاج أحيانا- ولدى بعض الناس على الأقل- إلى استفسار وتوضيح ..
فما معنى تهيب هؤلاء، حتى كانوا يستعينون بالوافدين عليهم، أو ينتظرون قدومهم، ليسمعوا أسئلتهم وجواب الرسول عنها؟
الذى أفهمه من جملة النصوص ومن طبيعة الرسالة معا أنه حدث تهيب عام من الأسئلة بعد نزول الآية، لم يمتد إلى الضرورى مما تمس الحاجة إلى السؤال عنه .. ولكنه وضع حدا للسؤال فيما لا تمس الحاجة إليه، ولا تتوقف صحة العقيدة والعمل عليه .. بالإضافة إلى أن بعض الناس رأى من باب الأحوط أن يأخذ نفسه بعدم السؤال عن شىء، خوفا من الوقوع فى الحرج، مكتفيا بما يسمعه من سؤال الوافدين على الرسول، وإجابته لهم، أو ببيان صحابى له، يكون أكثر إدراكا وفهما منه ..
ومما لا شك فيه أن هذا الجو الذى أحدثه نزول هذه الآية كان له تأثيره فيما يتصل الاستفسار عن بعض ما فى القرآن من ألفاظ وموضوعات ذكرنا شيئا منها وتساءلنا- كيف تمر فى عهد الرسول، دون أن يسأل أحد من الصحابة عنها ودون أن يصلنا شىء موثوق به عن معناها وتفسيرها، وكان من الممكن- لو وجد- أن يقطع كل خلاف بين العلماء حول تفسيرها ..
стр. 57
فى قلوبهم مرض
ومع ذلك لم تكن هذه الآية هى كل ما فى الموضوع، بل كان هناك غيرها، يشاركها فى تأثيرها.
وأعنى بها قوله تعالى
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ٧ (١)
وقد كان سبب نزول الآية نقاشا دار بين النبى ﵊، وبين وقد نصارى نجران، فى شأن عيسى ﵇، كانت نتيجته إفحامهم، فلجئوا إلى الجدال والمراء فقالوا: ألست تقول إنه من روح الله وكلمته؟ قال:
بلى، قالوا: هذا حسبنا .. فنزلت الآية تندد بهم لوقوفهم- خدمة لهواهم- عند ما ورد فى القرآن من أنه روح الله وكلمته، غير ناظرين إلى الآيات الأخرى المحكمة التى تبين حقيقة عيسى ﵇، مثل قوله: «إن هو إلا عبد أنعمنا عليه» فى سورة الزخرف المكية، وغير ذلك من الآيات التى تبين حقيقة ولادته وبشريته مثل «إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ .. » (٢).
ونلاحظ أن الآية توجه حملتها على الذين يعمدون إلى الألفاظ المتشابهة ..
مثل هؤلاء .. فيؤولونها حسب هواهم، بقصد إثارة الفتنة .. وابعاد الناس
стр. 58
عن الحق .. «فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله» على حسب هواهم، مع أن هناك آيات أخرى تحول بينهم وبين اتباع الهوى ..
ولكنهم يتعامون عنها، ويهملونها، انتصارا لرأيهم، وتلبيسا على العوام، وجذبا لهم ...
وفى مقابل ذم هؤلاء الذين يتعامون عن الحقائق، ويثيرون الفتن، ذكر الله طائفة أخرى لا تذهب مذهب الأولين فى إثارة الفتن بالمتشابه بل تؤمن به إيمانها بالمحكم، باعتبار أنهما صادران عن الله سبحانه، وسماهم الراسخين فى العلم، أى الراسخين فى علمهم بالله ﷻ ، وبالتالى فى إيمانهم به. فقال تعقيبا على الأولين وبيانا لموقف الآخرين (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ). ربنا (أى يدعو الراسخون المؤمنون ربهم قائلين) لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، لفرط إيمانهم واعتصامهم بربهم.
وبذلك وضح موقف فريقين من الناس: فريق يعمد للمتشابه ليؤوله تأويلات فاسدة يقصد منها إثارة الفتن، وفريق يؤمن به كما يؤمن بالمحكم من الآيات.، والفريق الأول مذموم.، والفريق الثانى ممدوح.
ويؤكد هذا حديث روته السيدة عائشة رضى الله عنها تقول فيه: (تلا رسول الله ﷺ هذه الآية وقال: (فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم.
ومع أن الآية والحديث- كما رأيت- يذمان الذين يتبعون المتشابه، ويؤولونه تأويلا يثير الشبه والفتن، ولا يتناولان الذين يسألون عن المتشابه سؤالا بريئا بقصد الفهم، أو الذين يذكرونه، ويردونه إلى المحكم، ويفهمونه على ضوئه، أقول مع هذا أصبح السؤال عن المتشابه أو الحديث عنه مثيرا لعلامة استفهام حول صاحبه، أو واضعا له موضع الريبة فى إيمانه، حتى تتبين حقيقته ...
ولذا كان من الطبيعى أن يتحاشى المخلصون الصادقون هذه الريبة، ويبتعدوا ما أمكن عن الكلام حول المتشابه ويكتفوا بالفهم الإجمالى، رادين كل
стр. 59
ما يسمعونه أو يقرءونه منه، إلى إيمانهم العميق بالله ﷻ . وتسليمهم المطلق بكل ما ورد فى القرآن، ولو لم يفهموا حقيقة المراد منه، حتى يكونوا ممن مدحهم الله.
فمثلا الآيات التى تتحدث عن مشيئة الله ومشيئة العباد. وعن قضاء الله وأفعال العباد. فيها آيات ترد كل شىء إلى الله «وما تشاءون إلا أن يشاء الله» ..
وآيات تضيف العمل إلى الإنسان «كل امرئ بما كسب رهين» فكيف نوفق بين مشيئة الله، وقضائه وقدره بالنسبة لعباده، وبين محاسبة العبد على ما يفعل؟
هذه القضية التى شغلت الناس قبل الإسلام وبعده، وإلى الآن، وإلى ما شاء الله من أزمان وأجيال ..
وفى غمرة الاختلاف حول هذه القضية نتمنى- حسب تفكيرنا- أن لو أثار الصحابة هذه القضية ليجدوا لهم ولنا حلها من الرسول ﷺ .
ولكنا لم نرث هذا البيان، ولو كان .. لورثناه ..
وبالإضافة إلى هذا نجد توجيها من الرسول فى هذا: «إذا ذكر القدر أو القضاء فأمسكوا» (١) أى ولا تخوضوا فى البحث عنه .. ولذلك كان الخلفاء بعد الرسول يطاردون كل من يثير كلاما حول القدر، بعد اتساع رقعة الإسلام.
وعن صفات الله، وما ورد عنها فى القرآن من الوجه، واليد والعين والسمع والبصر .. الخ- مما يدل على المشابهة، ويفيد فى ظاهره التجسيم، وهو محال، بنص الآية الأخرى «ليس كمثله شىء» فماذا تفيد- إذن- وما المراد بها؟.
كان الكلام فى هذه الناحية والاسترسال فيه مما حظره الرسول، فوق أنه يثير شبها حول صاحبه .. ولذا لم نجد من يسأل عن حقيقة الوجه واليد .. الخ ..
بل آمنوا بها كما وردت مع إيمانهم بأنه ليس كمثله شىء ...
يقول العالم المحقق شاه ولى الله الدهلوى فى كتابه (حجة الله البالغة) ص ١٣٤ ج ١ بعد أن تكلم عن هذه الصفات: (والحق فى هذا المقام أن النبى صلى
стр. 60
الله عليه وسلم لم يتكلم فيه بشيء، بل حجر (أى منع) أمته عن التكلم فيه، والبحث عنه، فليس لأحد أن يقدم على ما حجره).
وقد روى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ضرب رجلا يقال له (صبيغ)، لأنه كان يسأل عن متشابه القرآن، وما زال به حتى تاب ..
يقول الإمام الشاطبى فى كتابه (الموافقات) الجزء الثانى ص ٨٧ فى فصل عقده لبيان أن الاعتناء بالمعانى المبثوثة فى الخطاب هو المقصود الأعظم:
(ومن المشهور تأديبه لصبيغ حين كان يكثر السؤال عن (المرسلات) و (العاصفات) ونحوهما).
وجاء فى مسند الدارمى ما يوضح ذلك حيث قال: «أخبرنا عبد الله بن صالح حدثنى الليث أخبرنى ابن عجلان عن نافع مولى عبد الله، أن صبيغا (بالصاد المهملة) العراقى، جعل يسأل عن أشياء فى القرآن، فى أجناد المسلمين، حتى قدم مصر، فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، فلما أتاه الرسول بالكتاب فقرأه فقال: أين الرجل؟ فقال: فى الرحل: فقال عمر: أبصر أن يكون ذهب، فتصيبك منى به العقوبة الموجعة. فأتاه، فقال عمر: تسأل محدثة؟ فأرسل إلى رطائب من جريد (أى لإحضارها)، فضربه بها، حتى ترك ظهره دبرة (١). ثم تركه حتى برأ، ثم عاد إليه، ثم تركه، حتى برأ، فدعا به ليعود إليه، قال: فقال صبيغ: إن كنت تريد قتلى فاقتلنى قتلا جميلا، وإن كنت تريد أن تداوينى فقد- والله- برأت. فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبى موسى الأشعرى أن لا يجالسه أحد من المسلمين، فاشتد ذلك على الرجل. فكتب أبو موسى الأشعرى إلى عمر أنه قد حسنت توبته.
فكتب عمر أن يأذن للناس بمجالسته. وهذا كله لأنه أثار فى الناس أسئلة لم يعهدوها، وليس من المناسب إثارتها ..
وفى رواية: فأتى بعراجين النخل فقال من أنت؟ قال عبد الله صبيغ، فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه وقال: أنا عبد الله عمر .. فجعل
стр. 61
له ضربا حتى دمى رأسه. فقال: يا أمير المؤمنين حسبك. قد ذهب الذى أجد فى رأسى ...
وهذه الرواية وتلك لهما دلالتهما فى موضوعنا .. ولا سيما فى قول عمر للرجل يؤنبه: تسأل محدثة؟ أى أتثير بين الناس أمرا جديدا لم يتعودوه قبل ذلك؟ وهو السؤال عن معنى قوله تعالى «وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً» .. ونحوهما.
مما يدل على أن مثل هذه الأسئلة لم يكن من المعتاد أن يسألها الصحابة فى زمن الرسول، وحتى عهد عمر .. بل كانوا يعتبرونها تكلفا يثير الشبهة ... وفى الاهتمام بإرسال الرجل من مصر الى المدينة، وضرب عمر له، ثم فى أمره لأبى موسى بعزله عن المسلمين، ما يعطينا دلالة قوية على سوء النظرة فى ذلك الوقت، إلى كل من يثير مثل هذه الأسئلة .. ودلالة على مقدار حرص عمر وولاته، على تجنيب المسلمين الاشتغال بمعانى المرسلات والعاصفات ونحوهما، مما يعدونه متشابها، محافظة على النهج الذى كان فى عهد الرسول وخليفته أبى بكر، ولذلك أنكر عليه مسلكه وقال له: أتسأل محدثة؟ لأنه يحدث فى الوسط الإسلامى ما لم يتعوده .. ولهذا أيضا نجد الإمام مالك يقول فى الرد على من يسأله عن معنى (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى)، الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة.
وحينئذ لا بد أن يرد على ذهن القارئ سؤال: كيف إذن كانوا يفهمون مثل هذا؟
وجواب هذا .. أنهم كانوا يكتفون بالمعنى الإجمالى، وما يفيده السياق فى مثل هذه الأمور وغيرها، مما لا يتعلق بها حكم تكليفى محدد. فمثلا .. القسم بالمرسلات وما بعدها من العاصفات والناشرات والفارقات .. يفهمون أنها أشياء عظيمة، يقسم الله بها على أمر مهم، وهو: البعث .. لا يهمهم المراد بالعاصفات. كما عنى بها من بعدهم وقالوا: الرياح، أو الملائكة، ولم يتفقوا على رأى، لأنهم يجتهدون فى بيان المراد، ولكل اجتهاده. فكان الصحابة لا يخوضون فى بيان المراد تحديدا، بل يرون أن ذلك تكلف لا يصح الاشتغال به، ما دام المعنى الكلى مفهوما، وليس هناك ما يوجب فهم المراد بالمفردات ..
стр. 62
[مثل آخر]
ومثل آخر يوضح هذا ويؤكده، وهو لا يتعلق بالمتشابه، بل يتعلق بكلمة عادية، ولهذا دلالته فى موضوعنا، روى أن عمر رضى الله عنه قرأ (وَفاكِهَةً وَأَبًّا) من سورة (عبس) فقال وما الأب؟ ثم قال: ما كلفنا هذا، مع أن الأب ليس من المتشابه، ولكن عمر رأى السؤال تكلفا منهيا عنه، إذ لا بد أن الأب نبات خلقه الله، وهذا يكفى. والشاهد أن عمر كان من حفاظ القرآن .. وقرأ هذه الآية مرات .. حتى سأل نفسه أخيرا هذا السؤال، ثم استدرك وأعلن أن البحث عن مثل هذا تكلف لا داعى له، بل نهوا عنه ...
وعمر بلا شك كان يدرك المعنى الإجمالى. وهو العبرة المستمدة من خلق الله هذه الأشياء: «فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا. وَحَدائِقَ غُلْباً وَفاكِهَةً وَأَبًّا مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ» (١) فالأب لا يخرج عن كونه نباتا جعله الله مع ما ذكره من أنواع ما تنبته الأرض «متاعا لكم ولأنعامكم» أما ما هو بالذات .. فلم يكن يعرفه عمر كما روى، والاشتغال بمعرفته تكلف كما قال .... والمعنى العام لا يتوقف على معرفته ..
وقد رويت حادثة السؤال عن (الأب) بتشديد الباء، بروايات مختلفة فى بعضها زيادات عن البعض الآخر وكلها توضح المعنى الذى نريده .. ففي رواية أن عمر رضى الله عنه سأل نفسه عن الأب. ثم قال: ما كلفنا هذا، كما سبق، ورواية تقول: أن رجلا سأل عمر، فقال له عمر: نهينا عن التكلف والتعمق .. وفى رواية أن عمر قرأ (وَفاكِهَةً وَأَبًّا) فقال هذه الفاكهة عرفناها، فما الأب؟ .. ثم استدرك وقال: هو التكلف. فما عليك ألا تدريه ..
وقد أورد الإمام الشاطبى روايتين من هذه الروايات، وضم إليهما رواية تأديب عمر لصبيغ، لسؤاله عن المرسلات الخ .. ثم قال: (وظاهر من هذا كله أنه إنما نهى عنه لأن المعنى التركيبى معلوم على الجملة، ولا ينبنى على فهم هذه الأشياء حكم تكليفى فرأى الاشتغال به عن غيره مما هو أهم منه تكلف).
стр. 63
ثم قال «فلو كان فهم اللفظ الافرادى يتوقف عليه فهم التركيبى لم يكن تكلفا (أى لم يكن السؤال تكلفا) بل هو مضطر إليه، كما روى عن عمر نفسه فى قوله تعالى «أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ» فإنه سأل عنه على المنبر، فقال له رجل من هذيل: التخوف عندنا هو التنقص. ثم أنشد:
تخوف الرحل منها تامكا قردا ... كما تخوف عود النبعة السفن (١)
(أى أن رحل الناقة أخذ من سنامها المتلبد- تنقص منه- كما يأخذ المبرد وينقص من العود، بمعنى أزال بعضه فقال عمر: أيها الناس تمسكوا بديوان شعركم فى الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم .. )
ومع الدلالة التى أوردنا هذه الرواية لها .. نأخذ دلالة أخرى تؤكد ما سبق أن أوردناه .. وهو أن بعض الألفاظ من غير المتشابه ظلت غير مفهومة لحفاظ القرآن حتى توفى الرسول لعدم ورودها فى لهجتهم دون أن يسألوه عنها مع ملازمتهم له أو قربهم منه ﵊ خوفا من رميهم بالتكلف، والاشتباه فى إيمانهم، مكتفين بفهم المعنى العام التركيبى.
وهذا بالتالى يدلنا على أنه ليس بلازم للصحابى- وإن كان فى المقدمة- أن يحيط علما بكل المعانى الدقيقة لألفاظ القرآن .. كما نظن نحن الآن .. وليس هذا ماسا بهم، لأنهم كانت لهم شواغلهم وأعمالهم، وكانوا يفهمون منه ما يتصل بالعقائد من الألفاظ الظاهرة المحكمة، وما يتصل بالتكاليف. فهذا أمر ضرورى .. ويفهمون مما عدا ذلك كثيرا أو قليلا، كل على قدر استعداده .. ووقته فهما إجماليا. علما بأن القرآن عربى وهم عرب، وأقدر الناس على فهمه .. لكن هذا لم يمنع أن تكون هناك ألفاظ لها معان خفيت على بعضهم، أو لها مراد لم تصل إليه عقولهم لأنها تتحدث عن أمور لم يألفوها، ولم يسألوا عنها، تحاشيا من الوقوع فى التكلف الذى نهوا عنه، أو من الاشتباه فيهم ...
стр. 64
فى حدود ثقافة الصحابة فهموا القرآن
«نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب» (حديث)
المستوى الثقافى
ومن الضرورى أيضا أن نلاحظ المستوى الثقافى الذى كان عليه الصحابة وتلقوا به القرآن الكريم أو فهموه على ضوئه.
وهو عامل مهم .. لأنه على قدر وعى الانسان وثقافته، يكون فهمه لما يقرأ، أو يسمع، أو يكون حسن استقباله له،. ووضوحه عنده، كأجهزة الاستقبال. فعلى قدر سلامتها وقوّتها، يكون وضوح ما تتلقاه، أو تستقبله ..
ونحن ندرك من واقعنا أن الخطبة تلقى على المستمعين، فيأخذ كل منها على قدر ثقافته ووعيه، وأن الكتاب يقرأ، فلا يكون الجميع متساوين فى فهمه واستيعابه. بل على قدر ثقافة السامع أو القارئ يكون الفهم، ويكون الاستيعاب.
هذه حقيقة أولى لا جدال فيها ..
الحقيقة الثانية: أن القرآن عربى وفى أعلى درجات البلاغة. وهو بلغة القوم الذين نزل فيهم أولا .. وخاطبهم وتحداهم .. فمن الطبيعى أن يفهموه (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (١)
ولقد فهموه، وأدركوا بلاغته، وعرفوا منها مصدره (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ)، آمن به من استجاب لفطرته، وصد عنه من قامت الحوائل عنده دون الاستجابة لهذه الفطرة، ولكنه كان فهما قائما على ما أتقنوه من فنون المعرفة وكان أولها وأهمها: الناحية البلاغية اللفظية.
стр. 65
الحقيقة الثالثة: أن أهم ما جاء القرآن من أجله هو العقائد والأحكام، وما يتصل بها من مكارم الأخلاق، ومن أجل توضيح العقائد وتدعيمها، والتدليل عليها، وتثبيت الداعين إليها، جاءت الآيات التى تتحدث عن دلائل قدرة الله فى خلقه، والآيات التى تسرد قصص السابقين ...
أما الآيات التى تتحدث عن العقائد، كالإيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر فهى آيات واضحة، يفهم مضمونها كل عربى، دون كبير عناء وبمجرد أن يسمعها أو يقرأها، حتى بعد أن ضعفت السليقة العربية فيهم، وذلك فى حدود قدرته وتصوره، وأما آيات الأحكام والأخلاق، فهى فى جملتها كذلك واضحة محددة، وتكفل الرسول أيضا بزيادة بيانها وتوضيحها قولا وعملا ...
ومثل ذلك فى العقائد:
(إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ) (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) (إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) .. (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) .. إلى غير ذلك من الآيات التى يدرك العقل ما ترمى إليه.
ومثل ذلك فى الأحكام:
«وأحل الله البيع وحرم الربا» و «إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه»، «يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين. إلى آخر الآيتين .. إلى غير ذلك من الآيات ..
ومثل ذلك فى الأخلاق:
«وبالوالدين احسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى» الآية. «ادفع التى هى أحسن».
فكانت هذه الآيات على قدر من الوضوح يكفى لالزام المخاطبين بمضمونها،
стр. 66
وبما دعت إليه من عقائد وأحكام، فإن كانت فى حاجة إلى زيادة تفاصيل تكفّل الرسول ﷺ بها ..
وبقى بعد ذلك الآيات التى تتحدث عن المظاهر الكونية، والآيات التى تتحدث عن قصص السابقين ..
وينضم إليها كذلك الآيات التى تتحدث عن بعض صفات الله تفصيلا، كالاستواء والوجه واليدين، والمشيئة والارادة .. الخ .. ويلحق بها الآيات التى جاءت غير واضحة وغير محددة .. مثل روح الله وكلمته. ومثل الم ...
والر .. الخ
هذا النوع من الآيات هو فى الحقيقة موضوع الحديث الذى عنينا بتوضيحه فى هذه البحوث ...
وهو الذى تساءلنا عن مدى فهم الصحابة له، أو استيعابهم فهمه، وتحدثنا عن عوامل أثرت فى فهم الصحابة له وبقى آخر هذه العوامل .. وهو القدر الثقافى الذى استقبلوا هذه الآيات به ..
بعثت إلى أمّة أمّيّة:
وهذا يستدعى منا أن نعرف ما كان عليه العرب من ثقافة علمية وتاريخية، استقبلوا بها الآيات الكونية والقصصية وبعض الآيات الأخرى المتشابهة ..
لقد جاء القرآن الكريم يصف العرب بأنهم أميون، ووصف الرسول بأنه أمى.
فيقول الله تعالى فى أول سورة الجمعة (١)
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ٢
стр. 67
ويقول فى سورة الأعراف
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ (١)
ويقول تعالى فى سورة العنكبوت: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ٤٨ (٢)
ويقول ﵊: (نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب. الشهر هكذا وهكذا) (٣) وأشار بأصابعه، يعنى مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين.
ويقول ﵊ مخاطبا جبريل: (إنى بعثت إلى أمة أميين) (٤) أو (إنى بعث إلى أمة أمية)
ولعل أصح تفسير لمعنى كلمة أمية وأميين هو ما فسرها به الرسول ﷺ وعناها حين قال لا نحسب ولا نكتب .. وهو ما وضحه الإمام الشاطى (٥) حين قال: والأمى منسوب إلى الأم، وهو الباقى على أصل ولادة الأم لم يتعلم كتابا ولا غيره، فهو على أصل خلقته التى ولد عليها.
وليس معنى هذا جهلهم التام بأمور الحياة، وبما يكتسب منها بالتجارب والعقل، بل معناه أنه لم يتعلم بطريق الكتابة والقراءة شيئا، وهو الذى فسرته الآية الأخرى عن وصف الرسول بالأمى «وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون» ومن أجل هذا جاء وصف الرسول فى القرآن من حاله، ودفعا لأى شك فى صحة رسالته ونزول القرآن من ربه.
стр. 68
فالعرب الذين نزل عليهم لم تكن الكتابة والقراءة منتشرة عندهم انتشارها عند الأمم المتحضرة حولهم، وبالتالى لم يتمكنوا من دراسة العلوم التى كانت معروفة عند غيرهم من الفرس أو الروم فى ذلك الوقت، فكان كل ما يتناقلونه بينهم من الطب والفلك وغيرهما، لا يمكن تسميته علوما إلا تجاوزا، لأنه كان مكتسبا عن طريق تجاربهم وملاحظاتهم الخاصة. المنبعثة من البيئة وحاجاتها وظروفها. مما يعينهم على حياتهم البدوية، من الاستدلال بالنجوم على معرفة الجهات، وعلى تعيين الوقت، كما قال الله «وعلامات وبالنجم هم يهتدون» وما كانوا يداوون به مرضاهم بطريق التجربة، والتناقل فيما بينهم، مما يمكن أن تجد له شبيها الآن فى البيئات البعيدة، المنعزلة عن المدينة، المحرومة مما وصل إليه العلم من تقدم ..
على أن هذه المعرفة المحدودة لم تكن عامة شائعة لدى العرب جميعا، بل كانت قاصرة على بعضهم أو خاصتهم، ممن كانت الحاجة تدعوهم إلى معرفتها، ولعل هذا الوصف (الأمية) قد غلب على العرب، حتى لم ير الرسول بدا من الاحتجاج به عند ربه، وهو يخاطب جبريل كما فى الحديث السابق، كما صرح به أيضا، وهو بصدد معرفة أيام الشهر .. ولهذا جرى على لسان اليهود حين قالوا: (لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) يقصدون فى كلامهم هذا .. العرب، وإن كان هذا مبدأ عاما عندهم فى معاملة غير اليهود، لا يرون بأسا فى نهب أموالهم .. لكن الآية تحكى حال اليهود الذين يعاملون العرب، ويطلقون عليهم هذا الوصف (الأميين) ..
وكذلك كان لهم بالنسبة لتاريخ الأمم قبلهم مما قصه القرآن، فلم يكن لهم به معرفة سابقة، وذلك هو ما تخبر به هذه الآية الكريمة بعد أن سبقها ذكر قصة نوح (تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) (١)، وفى قصة مريم وزكريا: (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ
стр. 69
الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ، أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) (١).
حتى ليمكننا أن نقول إنه لما كان عدم معرفة الرسول بالكتابة والقراءة ارتكازا لحجة من حجج رسالته، ونزول القرآن عليه من عند الله، كان عدم معرفة قومه بالعلوم وبالتاريخ ارتكازا آخر لحجة من حجج رسالته، وكون القرآن منزلا عليه من الله، إذ لم يكن من قومه من يعرف ذلك حتى يقال إنه تعلمه منهم.
فحين أراد أعداؤه المشركون الطعن فيه، وفى صحة نزول القرآن عليه، قالوا: إن ما يقصّه من أخبار الماضين إنما هو من تعليم هذا الرومى المثقف المهاجر إلى مكة، المقيم فيها، فنزل القرآن يرد عليهم: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) (٢).
ولو كان لدى العرب عامة علم بهذه الوقائع، أو لو كان لدى خاصتهم علم بها، لما لجأوا إلى اتهام الرسول بالتعلم من هذا الرومى، أو لكروا بعد رد الله عليهم هذا الرد، بأنه يتعلم من فلان العربى صاحب اللسان العربى. ولكنهم لم يجدوا عربيا عالما أمامهم بهذه القصص، حتى يسندوا إليه تهمة تعلم الرسول منه ...
وهكذا كانت أمية الرسول وأمية قومه وعدم المامهم بالعلوم من ممهدات الرسالة، أو من ركائز صدقها، ودلائل صحتها ..
ولعل فى هذا الكفاية فى الدلالة على خلو البيئة العربية التى نزل فيها القرآن، من العلم بتاريخ الأمم والرسل السابقين، وكانت أرقى بيئة عربية فى الجزيرة فى ذلك الوقت.
فكل ما ساقه الله سبحانه- اذن- من قصص الأمم السابقة، عن رسلها والصالحين من عباده، إنما كانت قصصا بكرا لم يعرفها العرب من قبل. بل استمدوا معرفتها من القرآن وحده ..
стр. 70
هذه نتيجة أحب أن يتذكرها القارئ لأن لها أهميتها عند ما يقرأ ما جاء فى تفسير قصص القرآن، من أخبار زائدة من منطوق القرآن .. من أين جاءت وعمن رويت، لأنهم ما داموا قد علموا هذه القصص من القرآن. وفى ثناياها أخبار طويت، لعدم الحاجة إليها فى ابراز العبرة من القصة، فمن أين جاء العلم بها؟ هل سأل الصحابة عنها رسول الله وأجابهم؟ أو سكتوا، واكتفوا، بالعبرة الظاهرة من القصة، دون أن يتابعوا تفاصيلها الخفية التى تركها القرآن؟ تلك التفاصيل التى رأيناها تثار فيما بعد، ويسأل عنها، لأن النفس البشرية فيها غريزة حب الاستطلاع، وهى تجرى وراء هذه الغريزة، متى كان الجو صالحا ومساعدا. كما رأينا ذلك بعد عصر الفتوح والاتجاه إلى الاستقرار والبحث، ولا سيما بعد دخول غير العرب فى الاسلام وخاصة من اليهود والنصارى.
لم نجد الصحابة يتابعون هذه الأخبار التى طويت، أو هذه الفجوات التى تركت فى القصة بسؤال الرسول عنها، ولم نجد فيما روى صحيحا عن الرسول، ما يشبع حب الاستطلاع الطبيعى لدى النفوس ...
فراغ سدوه بالاسرائيليات:
ومن هنا وجد الفراغ الذى حاول المسلمون سده، بعد زمن الرسول، عن طريق علماء اليهود والنصارى، أو عمن ظنوهم علماء بالتوراة، وربما لم يكونوا من العلماء، بل من النقلة المحرفين، الذين يحرفون ويزيدون، أو من عوامهم الذين يسمعون وينقلون، ويستمع منهم المسلمون، حتى لتجد كتب التفسير محشوة بتفاصيل لهذه القصص، لم يذكرها القرآن ولكنها مأخوذة عن هؤلاء مما اشتهرت تسميته: بالاسرائيليات. وبعض هذه الاسرائيليات تجدها معزوة إلى ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين- كما قلنا من قبل- مما يوهم روايتها عن الرسول ﷺ . وما هى كذلك .. وإنما هذا هو مصدرها الذى أتت منه: أولا: اليهود الذين أسلموا ونصبوا من أنفسهم أو نصب منهم المسلمون معلمين، مخبرين بما لم يذكره القرآن من تفاصيل القصص، وثانيا: الذين لم يسلموا واطمأن المسلمون إلى أقوالهم ..
стр. 71
الآيات الكونية:
بقى معنا الآيات التى تتحدث عن مظاهر قدرة الله فى خلقه: فى الإنسان، وفى السماء والأرض، وتلفت النظر إلى التدبر فيها حتى يصل العقل من خلال ذلك إلى الإيمان بقدرة الله الواحد. هذه الآيات تتحدث عن سنن الله فى كونه: وعن بعض الظواهر التى يراها الانسان، ويستطيع العربى العادى، أن يأخذ منها عبرة عامة. وهذا كاف فى الهداية والاتعاظ، ولكنها تحوى اشارات إلى حقائق علمية، تظهر لدارس القرآن، كلما تقدم العلم، وكشف شيئا من أسرار هذا الكون ...
ومما لا شك فيه أن العرب حين نزول القرآن لم تكن عندهم قدرة لتفسير هذه الآيات على الأساس العلمى الذى أمكن أو يمكن أن نفسر به بعضها الآن إذ لم يكن عندهم معلومات علمية يستقبلون بها هذه الآية كما يستقبلها اليوم بعض علماء الطب والفلك والزراعة والجيولوجيا .. أو كما استقبلها بعض المسلمين العالمين بهذه العلوم فى العصر العباسى وما بعده
لم تكن عندهم طاقة لفهم الدقائق التى يفهمها هؤلاء العلماء اليوم، ولذلك لم يفهموها إلا فهما إجماليا أو لم يتناولوها بالشرح إلا على قدر جهدهم.
وكذلك علماء التفسير الذين فسروا القرآن حتى الآن تقريبا. إلا قليلا جدا.
اكتفوا بالتفسير اللفظى البلاغى النحوى، مع النظرة العامة للمظاهر التى تتحدث عنها الآية، ويفهمها المفسر ويبرز العبرة منها .. وربما أضافوا للتفسير شيئا مما سمعوه من الاسرائيليات التى لبست عليهم، كما فسروا مظاهر الرعد والبرق وغير ذلك مما نراه وننكره فى كتب التفسير التى بين أيدينا ..
ومن المعروف أنه على قدر تفتح الذهن، وعلى قدر المحصول العلمى للانسان، يكون اتجاهه فى المعرفة والسؤال عما يتطلع إلى معرفته ..
فالريفى الجاهل فى القرية الذى لم يقرأ ولم يكتب لا يستطيع وهو يسمع الإذاعة ويشاهد التليفزيون أن يتجه ذهنه إلى السؤال عن دقائق صنع المذياع والتلفاز، كما كان يؤثر المرحوم الدكتور أحمد زكى أن يسميه، أو المرناء كما كان
стр. 72
يسميه المرحوم الأستاذ محمود تيمور. ولكنه ينظر نظرة هامة فى الجهازين وهما يؤديان عملهما. ويستدل من ذلك على قدرة العقل البشرى الذى صنعهما. وحتى لو ظهر منه سؤال- فلتة أو اعتباطا-: كيف يتم نقل الصوت والصورة؟ فإن من غير المناسب أن يجلس العالم بذلك، فيشرح له دقائق هذه العملية، لأن عقله لا يستوعبها، وليس لديه أساس علمى يمكن أن يقوم عليه هذا الشرح ..
. فالاشتغال بذلك- اذن- مضيع للوقت، ومجاف للحكمة. ولذلك يكون من الحكمة توجيه الجواب وجهة يحتملها عقله، وهذا هو ما سلكه القرآن الكريم.
سؤال عن الأهلة:
فقد روت لنا كتب التفسير فى أسباب نزول قوله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) ما يشبه هذا. قال معاذ بن جبل رضى الله عنه لرسول الله ﷺ : (ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوى، ثم لا يزال ينقص، حتى يعود كما بدا، لا يكون على حالة واحدة كالشمس) وجواب هذا السؤال عرفناه ونحن صغار ندرس حركة القمر الشهرية، وموقعه بالنسبة للشمس والأرض، ورسمنا له الخريطة التى توضح أشكال القمر مع إظهار الجزء المنير منه، المواجه للشمس من ناحية، وما يظهر لنا نحن سكان الأرض من هذا الجزء المنير الذى يؤدى إلى أشكال القمر التى يراها الناس جميعا، أعنى أن الجواب أصبح فى متناول الطلاب الصغار الآن ...
ولكنه وقت نزول القرآن، لم يكن من المناسب توضيحه للعرب، وليست عندهم أوليات علمية عن الشمس والأرض والقمر من هذه الناحية .. ولم يكن لدى الرسول ﷺ كذلك علم بأسباب هذا التغير، لأن علمه ليس من مهمته. وكان من الممكن أن ينزل القرآن به، كما نزل بكثير من الأجوبة، التى كان لا يعرفها الرسول، ولكنا نرى القرآن حين ينزل بالرد عليهم، يتجه وجهة أخرى، غير ما سأل عنها معاذ، وهى بيان فوائد حركة القمر لنا .. (قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ)؛ لأن هذا هو الذى كان يمكنهم فى ذلك الوقت فهمه ..
стр. 73
ولهذا قال علماء البلاغة فى هذا الجواب إنه من الأسلوب الحكيم .. أى الجواب بغير ما سأل عنه السائل، لصرفه عن موضع سؤاله، ايحاء له بأن كلا من سؤاله والجواب الحقيقى عنه غير مناسب، بل المناسب أن يسأل عما كان الجواب فعلا عنه .. وهو فائدة تغير القمر بهذه الأشكال التى نراها .. حتى قال بعض المفسرين فهما لقوله تعالى عقب ذلك مباشرة
وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها (١) قالوا: إن ذلك يشبه أن يكون تقريعا لاتجاههم إلى ذلك السؤال، الذى لا يحتملون الاجابة الحقيقة عنه، وكان الأولى أن يقتصدوا فى الأسئلة، ولا يتعرضوا لما هو فوق طاقتهم العلمية .. فمثل هذا السؤال كمن أتى البيوت من ظهورها وقفز من نوافذها وسار إلى الشيء من غير طريقه المناسب له. وليس هذا برا، ولكن البر أو الصواب هو اتقاء مثل هذه الأساليب، فى الأسئلة لعدم مناسبتها لكم ..
هكذا علل بعض المفسرين سر اتصال أجزاء الآية بعضها ببعض، وهو فهم فى الآية على كل حال، يقوم على حالة واقعة، هى عدم معرفتهم بمسائل العلم التى تؤهلهم لادراك الجواب الحقيقى على سؤالهم ..
وهذا مثال من القرآن نفسه يوضح لنا ما نقول عن واقع الصحابة العلمى حين نزول القرآن ..
والنتيجة:
والذى نريد أن نصل إليه من هذا كله:
أن الصحابة لم يكونوا مؤهلين بمعرفة عن تاريخ الرسل وأممهم فوق ما جاء فى القرآن. فكل زيادة فى هذه الناحية، إن ثبت ورودها عن الرسول قبلناها، وإلا أبعدناها
عن تفسير القرآن، اللهم إلا إذا وجدنا حفريات ونقوشا تضيف لنا جديدا عمن تحدث عنهم القرآن ..
كما أن الصحابة لم يكونوا مؤهلين بمعرفة علمية عميقة أو شبه عميقة عن
стр. 74
الإنسان، ومظاهر الكون أمامهم، ولهذا لم يخوضوا فيها بتفصيل، ولم يتحدثوا عنها، وإنما كانوا يكتفون بالعبرة، يأخذونها من منطوق الآية ومن النظرة البسيطة إلى المظاهر الكونية أمامهم دون تعمق، فإذا جاء عنهم شىء فى ذلك فقد نقلوه من خارج البيئة الاسلامية، اسرائيلية أو غيرها ..
وقد جاء القرآن الكريم يخاطب العرب فى حالتهم تلك، بالأسلوب المناسب لهذه الحالة، فيأخذون منه قدرا يحرك فى نفوسهم الاتعاظ بما يحدثهم عنه، ويخاطب من هم أعلى منهم علما، وأدق نظرا، على درجاتهم المتفاوتة فى العلم ودقة النظر، فيكتسبون العبرة الظاهرة التى استفادها العرب الأميون، ولكنهم يزيدون عليها تأملات جديدة فى الآية على ضوء ما وصلوا إليه من علوم يقينية يجدون فى الآية إشارة لها وتحتملها ألفاظها ..
ومن هنا أرى أن أولى الناس بتفسير الآيات الكونية إنما هم أهل العلم فى الطب والفلك والجيولوجيا وما يشبه ذلك من علوم، على ألا يتحدثوا عن آية إلا باليقينيات من العلم، لا بالفروض والنظريات. أما أرباب النحو والبلاغة فقد فسروها كما تدل عليه ألفاظها مع ما عندهم من علم عن الكون، استفادوه بالنظرة السطحية التى تشبه نظرة الصحابة، مع تفتح جاءهم على مرور الزمن حسب الجو العلمى الذى كانوا يعيشون فيه ..
وأعتقد أننا بهذا الذى أوردناه قد ألقينا ضوءا كاشفا عن حالة تفسير القرآن الكريم فى عصر الرسول، وعن المحصول الذى يمكن أن نخرج به من هذا، وعن العوامل المتعددة، التى جعلته محصولا يسيرا.
ومن يدرى .. لعل فى ذلك جوانب من الخير كثيرة، أهمها: ترك الباب مفتوحا للعقول وعلى مر الزمن لتجتهد فى فهم القرآن على ضوء خبرتها وعلمها، وتبرز لنا من أسرار الكون المكتشفة حديثا، ما أشارت الآيات إليه، ولم يدركه السابقون .. وهو خير يزيد المؤمنين إيمانا ويقينا ..
ومن أراد أن يرجع إلى ما تركه الرسول صلى الله عليه من تفسير قليل.
فليرجع إلى أمهات كتب الحديث. باب التفسير ليقف على هذه الحصيلة القليلة، بجانب ما غصت به كتب التفسير بأجزائها ومجلداتها.
стр. 75
التفسير بعد عصر الرسول
عصر الصحابة
وإذا كنا قد عرفنا هذا كله، فإن سؤالا يطرح نفسه علينا وهو: كيف كان الموقف بعد وفاة الرسول ﷺ من تفسير القرآن؟
ونستطيع أن نقول اجابة عن هذا السؤال: إن موقف الصحابة من فهم القرآن أيام الرسول كما عرفناه، وقد استمر بقوة الدفع بعد وفاته زمنا توفرت الظروف فيه للاستمرار. وأقول توفرت الظروف فيه للاستمرار لأن الظروف التى كانت فى أيام الرسول لم تستمر كثيرا بعد وفاته، كما سنتحدث عن ذلك فيما بعد.
لقد كانت خلافة أبى بكر رضى الله عنه بعد الرسول من أكبر العوامل وأقواها للمحافظة على استمرار الوضع الذى كان أيام الرسول .. لأنه كان رضى الله عنه أكثر الصحابة شدة فى التزام الوضع السابق: فقال يجابه مانعى الزكاة «لو منعونى عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه» ثم رفض بكل شدة أن يغير قيادة «أسامة بن زيد» للجيش الذى كان قد جهزه الرسول، وولى اسامة القيادة قبيل وفاته ..
ومن هذا المنطلق نستطيع أن نقول: إن أبا بكر رضى الله عنه حافظ بشدة على الوضع الذى كان أيام الرسول بالنظر إلى الموقف من تفسير القرآن .. ولا سيما فيما يتصل بالمتشابه، وما طوى من أحداث القصص التى ذكرها القرآن.
وهما أهم ما شغل العقول بالكلام والسؤال، لأن مجال القول فيهما كان متسعا .. وذلك بخلاف ما يتصل بالعقائد المبدئية أو الكلية والأحكام، فقد كانت الآيات فيهما واضحة، وكانت السنة النبوية العملية والقولية توضح المراد منه، فوق أن عملهم فى أيام الرسول جعل المراد من الآيات فى هذا المجال، غير بعيد عن أفهامهم فكانوا يجيبون عن الاسئلة المتصلة بهذا الجانب، وهم متأكدون من صحة ما يقولون، معتقدين أن هذا جزء من تبليغ الدين ..