← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37996

علم التفسير كيف نشأ وتطور حتى انتهى إلى عصرنا الحاضر

عبد المنعم النمر

Полный текст (164 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

جمل اعتراضية استطرادية، وفواصل طويلة، تعرقل القارئ عن متابعة القراءة، أو تحول بينه وبين الفهم الصحيح .. والواقع أن للطبرى أسلوبا خاصا يحتاج إلى مزيد من الصبر والأناة، والتتبع الدقيق لمعانيه، حتى إذا ألفه الانسان، سهل عليه بعد ذلك أمره .. مثله مثل بعض كتابنا المعاصرين الذين لهم أسلوبهم الخاص الذى يحتاج إلى قليل من الصبر على قراءته حتى يتعوده القارئ .. ولعل خير ما يعبر عن ذلك هو الاستاذ محمود شاكر العالم الدقيق حين يقول فى مقدمته: كان يستوقفنى فى القراءة كثرة الفصول فى عبارته، وتباعد أطراف الجمل، فلا يسلم لى المعنى، حتى أعيد قراءة الفقرة منه، مرتين أو ثلاثا .. وكان سبب ذلك أننا ألفنا منهجا من العبارة، غير الذى انتجه أبو جعفر، ولكن تبين لى أن قليلا من الترقيم فى الكتاب، خليق أن يجعل عبارته أبين، فلما فعلت ذلك فى أنحاء متفرقة من نسختى، وعدت بعد إلى قراءتها، وجدتها قد ذهب عنها ما كنت أجد من المشقة. على أن الذى كان يجده الاستاذ شاكر .. وجده من قبله المفسرون الذين نقلوا عن الطبرى فى غير زماننا، مثل السيوطى وابن كثير وأبو حيان والقرطبى. ولذلك وقعوا فى بعض أخطاء فى فهم المراد. كما يقول الاستاذ شاكر نفسه: «ولما راجعت كتب التفسير وجدت بعضهم ينقل عنه فينسب إليه ما لا أجده فى كتابه، فتبين لى أن سبب ذلك .. هو .. هذه الجمل التى شقت على قراءتها، يقرؤها القارئ، فربما أخطأ فهم أبى جعفر .. وربما أصاب» وإذن ففي أسلوب أبى جعفر فى تفسيره شىء من الصعوبة، ليست قاصرة على الذين تعودوا منا الأسلوب المعاصر، بل أيضا على القدماء من العلماء المفسرين أنفسهم، مما كان سببا فى أنهم أخطئوا فهم المراد من أبى جعفر. وقد وقع لى كثيرا ما وقع للأستاذ محمود شاكر حين قراءة هذا التفسير، فكنت أعانى الكثير فى فهمه، وتتبع أفكاره، ووصل كلامه بعضه

стр. 107

ببعض. وكنت أضيق ذرعا بكثرة استطراداته وانتقاله حين الكلام على فكرة أو موضوع، إلى كلام آخر بين كلامه، وإن كان له صلة به إلا أنه يمزق المعنى، ويشتت الفكر بين الفكرة الأصلية، وبين ما استطرد إليه وأضافه، حتى وجدت الجزء الأول من هذا التفسير المحقق، فسهل على كثيرا مما كنت أجده من صعوبة، كما وفر أيضا من الوقت. ولأجل أن اشركك معى فى هذا .. أضع أمامك هذا النموذج من كلام الطبرى فى تفسير قوله تعالى «اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ» ومثله «يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ» و «نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ» بعد أن استعرض بعض الأقوال قال (١): «والصواب فى ذلك من القول والتأويل عندنا: أن معنى الاستهزاء فى كلام العرب إظهار المستهزئ للمستهزئ به من القول والفعل ما يرضيه ظاهرا، وهو بذلك من قوله وفعله به مورثه مساءة باطنا. وكذلك معنى الخداع والمكر. فاذا كان ذلك كذلك (٢) - وكان الله جل ثناؤه قد جعل لأهل النفاق فى الدنيا الاحكام. بما أظهروا بألسنتهم، من الاقرار بالله وبرسوله، وبما جاء به من عند الله المدخلهم فى عداد من يشمله اسم الاسلام، وان كانوا لغير ذلك مستبطنين- احكام المسلمين المصدقين اقرارهم بألسنة أنهم مصدقون، حتى ظنوا فى الآخرة أنهم إذا حشروا فى عداد من كانوا فى عدادهم فى الدنيا أنهم واردون موردهم وداخلون مدخلهم. «والله ﷻ مع اظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكام الملحقة بهم فى عاجل الدنيا. وآجل الآخرة إلى حال تمييزه بينهم وبين أوليائه، وتفريقه بينهم- معدّ لهم من أليم عقابه ونكال عذابه ما أعد منه لأعدى أعدائه، وشر عباده، حتى ميز بينهم وبين أوليائه، فألحقهم من طبقات صحيحة بالدرك الأسفل- كان معلوما أنه جل ثناؤه بذلك من فعله بهم- وإن كان جزاء على أفعالهم، وعدلا ما فعل من ذلك بهم،

стр. 108

لاستحقاقهم اياه بعصيانهم له- كان بهم- بما أظهر لهم من الأمور التى أظهرها لهم أمن الحاقه احكامهم فى الدنيا باحكام أوليائه وهم أعداء، وحشره إياهم فى الآخرة مع المؤمنين، وهم به من المكذبين- إلى أن ميز بينهم دينهم- مستهزئا وبهم ساخرا .. الخ» فانت ترى فى هذا النموذج كثرة الاستطرادات وبعد أجزاء الجملة بعضها عن بعض بسطور بلغت نحو عشرة- فى احداها .. وقد وضحت لنا الفواصل التى وضعها الاستاذ محمود شاكر إمكان الربط بين الجملة الواحدة ولذلك علق فى الهامش بقوله «أكثر الطبرى الفصل بين الكلام فى هذه الفقرة وسياق العبارة هو كما يلى «فإذا كان ذلك كذلك كان معلوما أنه جل ثناؤه بذلك من فعلهم بهم. . كان بهم مستهزئا وبهم ساخرا» وما بين الكلام فى هذين الموضوعين فصل للبيان. وترك الفصلة الطويلة جدا وهى من أول قوله «فاذا كان ذلك كذلك .. كان معلوما. وبين جزءي الجملة ما يزيد عن عشرة أسطر جاء بها لزيادة التوضيح- ولكن من الصعب جدا على القارئ العميق أن يصل إلى فهم هذه الفقرة .. ولا سيما فى الطبعات التى لا توجد فيها هذه الفواصل .. لكن لا تظن أن هذه الظاهرة تعم الكتاب كله بل هى قليلة، وبجوار هذا القليل تجد الأسلوب المشرق الذى يمكن ادراكه بسهولة حين يدلى برأيه بعد نقله للروايات الكثيرة فى موضوع الآية .. موقف الطبرى وموقفنا من الروايات: ولقد كان الطبرى يورد هذه الروايات، وهو عالم بما فيها من تناقض أو كذب أو ضعف، ثم ينقدها أحيانا، ويأتى أيضا بالكثير منها ويتركها بلا نقد. وبعض النقاد يذهبون إلى تبرئة ساحة أبى جعفر من النقد، لسياقه هذه الروايات دون نقدها، قائلين إنه ذكر لك السند، وعليك أنت أن تبحث عن صحته أو كذبه أو ضعفه .. الخ، راوين العبارة المشهورة بين علماء الحديث

стр. 109

(من أسند لك فقد حملك) يعنون أن من ذكر لك سند الرواية فقد برئت ذمته، وحملك أنت مسئولية البحث عن صحته .. ومع أن هذا الكلام صحيح فى حد ذاته، وربما كان محتملا للخاصة أو خاصتهم فى زمنه إلا أنه يحمّل القراء عامة أمانة فوق طاقتهم، فليس كل قارئ عارفا بالرجال، أو بأساليب النقد، حتى يستطيع التمييز بين المقبول وغير المقبول، وليس كل قارئ عنده الرغبة أو الأمانة التى تحمله على التوقف حتى يتبين. على أن هذا إن كان ممكنا فى زمن كثرت فيه الكتب المطبوعة المتداولة التى عنيت بالرواة ونقدهم وبيان غثهم من سمينهم، فإنه لم يكن متيسرا من قبل شيوع هذه الكتب. ومن أجل هذا كان تدوين هذه الروايات التى كانت متداولة على ألسنة الناس فى أيامه- ومعروف بين العلماء أنها كانت بضاعة القصاص للتكسب والرواج عند العامة- أقول كان رفعها إلى مقام التدوين، ووضعها بجانب كلام الله على أنها تفسير له، مما ساعد كثيرا على إشاعة الخرافات والأضاليل فى نفوس المسلمين ملصقة بتفسير كلام الله. بل إنى أقول أكثر من هذا فيما يتصل بالروايات التى نقدها، وهى أمنية تمنيت أن لو كانت قد تحققت فى ذلك الزمن المبكر من وضع التفسير، كنت أتمنى أن لو اقتصر الطبرى وأمثاله على الروايات الصحيحة فى تفاسيرهم، وجردوها من الروايات الباطلة التى كروا عليها بالنقد .. لأنها كانت ستموت فى زمنها، أما بعد أن دونت ووضعت بجانب التفسير. فقد فتحوا الباب للقصاص وأصحاب الهوى أن يطلعوا عليها، ويستندوا إليها، فى حكاياتهم للعوام لجذب انتباههم، وكسب إعجابهم .. وابتزاز أموالهم .. كما نرى الكثير فى أيامنا ممن يدورون فى الأرياف، وبين العوام، أو متخلفى الثقافة، يتحدثون فى التفسير أو الدين ويستولون على ألبابهم بهذه الروايات الخيالية الخرافية، دون خوف من الله، ولا حرج من أصحاب العقول والفهم. ولا مراعاة لما يجب أن يكون عليه

стр. 110

تكوين الأمة العقلى والفكرى حتى انجرف فى هذا التيار بعض العلماء من الوعاظ والخطباء ... ولقد روى لنا كيف أن الخرافيين ممن كانوا يعتمدون على هذه الروايات الكاذبة، كانوا يستولون على قلوب العامة، ويهيجونهم ضد العلماء الذين ينكرون هذه الروايات، حتى يوجعوهم ضربا وإهانة، ومع ذلك عنى الطبرى بتدوينها!! إننا نجنى من هذا وذاك الآن الكثير من المر، والكثير من التهجم على الاسلام وكتابه .. ولقد كونت هذه الروايات جانبا خرافيا فى عقول المسلمين، تحتاج إلى كثير من الجهد والوقت فى القضاء عليه، وبعض المتمردين على الدين- من المسلمين أنفسهم- مع الأسف ممن تأثروا بمؤثرات غربية، يتخذون من هذا تكأة لرفض الدين كلية، ومع أنهم مبطلون، إلا أنهم أصحاب هوى، يستغلون نقطة الضعف عند عدوهم لينقضوا عليه، ونحتاج نحن إلى دفاع وجهد كبيرين، لتطهير عقول الناس من هذه الخرافات، والروايات الإسرائيلية المضللة. ولقد كان من الأولى لهؤلاء السلف الطيبين أن يكونوا بعيدى النظر، فيريحوا أنفسهم والأجيال التى بعدهم من هذه الخرافات والأضاليل، ويذكروا لنا ما صح سنده وما رأوه بعقولهم الناضجة؟ ويتركوا غير ذلك يموت مع الزمن. نعم كان من الأولى .. ولكن ماذا نفعل الآن وهذا هو الذى كان .. ولعل لهم عذرا وأنت تلوم .. واجبنا الآن هو التجريد: إن هذا يحملنا الآن مسئولية ضخمة وإن لم تكن مستحيلة أو صعبة .. ولكنها تحتاج إلى همة وغيرة وجهد يتكاتف فيه العلماء مع الحكومات التى تعنى بهذه الناحية ... هذه المسئولية هى تجريد هذا التفسير وأمثاله من كل رواية غير صحيحة .. سواء أكانت إسرائيلية أم موضوعة .. وإخراج الكتاب بعد ذلك للناس

стр. 111

بريئا من هذه العيوب .. ثم جمع كل النسخ الأصلية من الأسواق ووضع ما أمكن منها فى المكتبات العامة ليطلع عليها الخواص من الباحثين كما يحظر النقل منها لما لم ينقل فى التجريد .. بذلك نقضى على هذه الخرافات والاسرائيليات من العقول، ولا بد بجوار ذلك من جهد آخر .. هو عدم السماح بطبع أى كتاب آخر فيه شىء من هذه الأضاليل .. فقد تسربت من كتب التفسير وكتب التاريخ كذلك إلى كتب أخرى بعناوين أخرى وتحتاج إلى المتابعة المستمرة .. وإذا كانت هناك رقابة على المطابع فى الأمور السياسية، فمن الواجب أيضا أن تفرض هذه الرقابة فى مثل هذه الأمور، التى تتدخل تدخلا قويا فى تكوين عقلية المسلمين وإلى أجيال .. وتفسد تصوراتهم عن القرآن وعن الحياة .. وهذا شىء ليس بالقليل، بل هو من الخطورة بمكان، وسبق أن أشرنا اليه .. ولا أظن أن فينا من يعارض مثل هذا المشروع بحجة صيانة التراث أو حجج أخرى. فالتراث سيظل لمن يريد الاطلاع عليه. على أننا سوف نقدم التراث الفعلى حقيقة، ولا نحرم المطلعين من شىء له فائدة، بل نحول بينهم وبين سموم هذه الخرافات ونقيهم شر أضا ليلها .. ونشجع المطلعين على الاطلاع. ونقدم الكتاب فى حجم أقل كثيرا من حجمه الحالى .. وبثمن أقل من ثمنه مما يغرى بالشراء والاطلاع .. رأى أضيفه إلى ما سبق من قبل .. دفاع أو اعتذار: ولقد أحسن الأستاذ محمود شاكر الدفاع عن الطبرى أو الاعتذار عنه، لما رواه من الأحاديث والروايات الغريبة والمنكرة التى لم يكن من المستحسن روايتها .. فذكر فى هامش صفحتى ٤٥٣، ٤٥٤ من الجزء الأول، دفاعا لا أعتقد إلا أنه مجرد التماس عذر له، فهو يقول: «تبين لى مما راجعته من كلام الطبرى أن استدلال الطبرى بهذه الآثار التى يرويها بأسانيدها لا يراد به إلا تحقيق معنى لفظ أو بيان سياق عبارة، إلى أن يقول: «وهذا مذهب لا بأس به فى الاستدلال».

стр. 112

ويقول: «فاستدلال الطبرى بما ينكره المنكرون، لم يكن إلا استظهارا للمعانى التى تدل عليها ألفاظ هذا الكتاب الكريم، كما يستظهر بالشعر على معانيها، فهو إذن استدلال يكاد يكون لغويا .. الخ». وهذا الذى يقوله العلامة محمود شاكر لا بأس به فى الدفاع، لكنه مع ذلك ليس قاطعا .. فما كان أغنانا عن هذه الروايات، وعندنا ما يكفى فى الدلالة على معناها من كلام العرب من شعر ونثر، على أن الاسرائيليات- وما شابهها- لا تقطع بمعنى لفظ فى القرآن الكريم .. وفيها ما فيها من الخطر على فهمه، ثم إننا نجد الروايات الإسرائيلية على ما فيها من تناقض تتدخل لفهم شىء مغيب عنا، لم يعن القرآن ببيانه فجاءت هذه الروايات تفسر المراد منه، وهو ليس من باب الاستدلال على معنى الكلمة عند العرب، كما يستدل بالشعر .. واكتفى هنا بمثال. ما المراد بالشجرة: ففي ص ٥١٨ من الجزء الأول يروى الطبرى عن ابن عباس قولا فى المراد بالشجرة فى قوله تعالى (وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ)، بأنها: البر، او السنبلة. ويعدد الروايات عن ذلك القول، ويروى فى احداها صراحة أن أهل التوراة يقولون: هى البر، ثم روى روايات أخرى عن المراد بالشجرة، ومنها رواية ثانية عن ابن عباس نفسه بأنها: الكرمة (ص ٥١٩ فقرة ٧٣٠ وما بعدها)، ثم يروى رواية ثالثة وأخيرة بأنها: التينة ص ٥٢٠ فقرة ٧٤٠. وقد أتى بهذه الروايات التى شغلت حيزا كبيرا بعد ما ذكر قبلها: «الشجرة فى كلام العرب: كل ما قام على ساق ومنه قوله جل ثناؤه «وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ» يعنى بالنجم ما نجم من الأرض من نبت، وبالشجر ما استقل على ساق» فذكر بذلك المراد بالشجرة فى كلام العرب. ثم بدأ فى بيان المراد منها عند أهل التأويل، وذكر هذه الروايات الغريبة التى تعتبر كلها خبطا بدون دليل ولا بينة.

стр. 113

فما الفائدة- اذن- من كل هذا السرد، وهو لا يكشف عن معنى الكلمة عند العرب؟! إنه حقيقة- أعنى هذا السرد- يكشف لنا عن نموذج من تفكير الناس فى فهم القرآن فى ذلك الزمن .. لكننا كنا نود أن لو طوى عنا هذا النموذج، الذى لا أساس له من كلام العرب، ولا من بينة يوثق بها، ما دام يحمل معه هذه الخرافات. ونلاحظ أن الطبرى روى فى هذه الروايات روايتين عن ابن عباس. رواية تقول المراد بالشجرة: البر، ورواية أخر تقول: إنها الكرمة!! فهل كان لابن عباس رأى، أو رأيان، أو لم يكن له رأى البتة؟. ولكن الرواة قالوا عن لسانه! ومن أين لابن عباس بهذا الرأى أو ذاك؟ ذلك ما كنا نحب أن يضعه أبو جعفر فى حسابه ويريحنا ويريح نفسه .. ومع هذا التعب كله فى سرد الروايات لمعرفة المراد بالشجرة، نجد الطبرى فى النهاية يضرب صفحا عن هذه الروايات كلها، ولا يثق بشيء منها، وكأنها معرض تحف قديمة بالية، ويشق الطريق إلى الرأى الذى يرتضيه- معه- أهل العلم والعقل المتزنون، وهو نموذج لخطته فى التفسير حين يكشف عن رأيه. والحق أنها خطة ممتازة تكشف عن عقليته الفذة، العقلية العلمية المؤمنة التى لا ترضى بالكلام الجزاف، والتى تحافظ على العقول أن يملأها الحشو والخرافة وما لا جدوى منه .. وحبذا لو التزم هذه الطريقة فيما سرده من روايات. اقرأ معى رأيه فى المراد من الشجرة بعد سرد الروايات: قال أبو جعفر (يعنى نفسه وهذه طريقته): والقول فى ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه أخبر عباده أن آدم وزوجته أكلا من الشجرة التى نهاهما ربهما عن الأكل منها فأتيا الخطيئة التى نهاهما عن إتيانها بأكلهما ما أكلا منها بعد أن بين الله جل ثناؤه لهما عين الشجرة التى نهاهما عن الأكل منها، وأشار إليها بقوله: «ولا تقربا هذه الشجرة» ولم يضع الله جل ثناؤه لعباده المخاطبين بالقرآن دلالة على أى أشجار الجنة كان نهيه آدم أن يقربها، فلم ينص عليها باسمها، ولا بدلالة

стр. 114

عليها. ولو كان لله فى العلم بأى ذلك، من أى رضا، لم يخل عباده من نصب دلالة لهم عليها، يصلون بها إلى معرفة عينها، ليطيعوه بعلمهم بها، كما فعل ذلك فى كل ما العلم به له رضا. فالصواب فى ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها، فخالفا إلى ما نهاهما الله عنه، فأكلا منها، كما وصفهما الله جل ثناؤه به، ولا علم عندنا بأى شجرة كانت على اليقين، لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك فى القرآن، ولا فى السنة الصحيحة، فأنى يأتى ذلك؟ وقد قيل: كانت شجرة البر، وقيل: كانت شجرة العنب، وقيل، كانت شجرة التين، وجائز أن تكون واحدة منها. وذلك علم، إذا علم، لم ينفع العالم به علمه، وإذا جهله جاهل لم يضره جهله به (١) هـ .. هذا هو الذى يستريح إليه العقل والقلب. وهو يكفينا جدا فى فهم كلام الله، ولو اقتصر أبو جعفر عليه لكان خيرا له وللمسلمين .. وهذا النموذج من التفسير هو الذى أدعو الى الاقتصار عليه فيما دعوت إليه من تجريد تفسير الطبرى مع ضميمة ما يوجد من حديث صحيح. خطته فى المبهمات: والخطة التى سار عليها الطبرى فى تفسيره من عدم الجرى وراء معرفة أشياء مبهمة لم يبينها القرآن ولا السنة، ولا ضرر من عدم معرفتها، هذه الخطة هى المثلى فى تفسير القرآن، وقد سار عليها، وهاجم الذين يتعبون أنفسهم فى الجرى وراء معرفة نوع الشجرة، كما قرأت سابقا، كما هاجم الذين يحاولون معرفة الذى كان على مائدة عيسى: أسمك أم غيره؟ فى أواخر سورة المائدة، ومعرفة عدد الدراهم التى بيع بها يوسف: أهي عشرة أم عشرون أم أكثر؟ .. وأمثال ذلك فى القرآن، ملتزما قاعدة: [العلم بها غير نافع، والجهل بها غير ضار]. ولو كان العلم بها نافعا لبينه الله .. وبذلك سد الباب على الفضوليين الذين

стр. 115

يخبطون فى مثل هذه الأمور خبط عشواء، ويضيعون أوقاتهم فيما لا يفيد. وهذا من أجود التفاسير وأنقاها .. ومع ذلك تجده يذكر الروايات المتعددة حول هذه الأشياء التى ينكر الجرى وراءها!! وإننى أعتقد أن هذه الروايات كانت رائجة فى أيامه، فذكرها ليكر عليها بخطته، ويبين أنه لا فائدة من الاشتغال بها .. لكنها بذلك اكتسبت البقاء عبر القرون، تطغى على التفكير، وتحتل مكانا لها فيه. بل تأخذ صفة الصدارة وتطرد الفكر السليم. فما تسأل إنسانا الآن عن نوع هذه الشجرة، إلا قال لك قولا مما نقله الطبرى واستهجنه، وقليل من العلماء من يقف عند خطة الطبرى ويقتدى به فيها، لأن الفضول كثيرا ما يؤدي بأصحاب العقول .. وجاء الخطر الأكبر من أن بعض من جاء بعد الطبرى من المفسرين، ربما اقتصر على ذكر نوع الشجرة، كأن ذلك أمر ثابت، يقرؤه الطالب المبتدئ فى الأزهر أو غيره، ويقرؤه أنصاف العوام، فيأخذونه قضية مسلمة. ترتسم فى عقولهم من الصغر، لتستمر غالبة على تفكيرهم فى الكبر!! واسأل من شئت من العلماء الآن عن نوع الشجرة، تجد منه الجواب سريعا بتحديدها .. فإذا قلت له: من أين لك هذا؟ قال: كتب التفسير التى درسناها، دون التأكد من صحة ما ذكرته هذه الكتب عن طريق حديث صحيح .. وهكذا جاء الخطر على العقول. شىء لا بدّ من التنبيه عليه: لقد لاحظت فى تفسير الطبرى وفيما اشتهر عنه بين العلماء أشياء لا بد من الوقوف عندها لتمحيصها .. وقد يدعو تتبعها إلى الإطالة فلذلك اكتفى بواحدة منها .. فالعلماء والدارسون يضعون هذا التفسير على قمة التفسير بالمأثور، وكثير منهم يرد سبب هذه التسمية إلى عناية الطبرى بالروايات الكثيرة التى تشغل الحيز الأكبر منه.

стр. 116

ولكن بقليل من التتبع لآراء الطبرى وتفسيره الخاص به، نجد أنه لم يلتزم بهذه الروايات عند ما أخذ يبدى رأيه فى تفسير الآية، يذكر أولا معنى الكلمات عند العرب، ثم اعرابها مع ذكر الشواهد على ذلك من شعر أو نثر، ثم يذكر الروايات الواردة فى تفسير الآية، صحيحة وغير صحيحة، ثم يكر على هذه الروايات أحيانا بالنقد أو النقض، ثم يأخذ فى بيان رأيه فى تفسير الآية، غير ملتزم بما ذكره، إلا إذا كان صحيحا ثابتا، ويبدى رأيه فيما يؤخذ منها من أحكام، غير متقيد غالبا برأى امام فقيه معين، مع أنه كان شافعيا، حتى قيل عنه إنه كان صاحب مذهب فقهى خاص به، اندرس لعدم شيوع تلاميذ له ينتصرون لآرائه، ويجادل مع ذلك المتكلمين من أصحاب المذاهب الكلامية، ملتزما خطة السلف مدافعا عنها. ومعنى ذلك كله .. أن الرجل كان له رأى واتجاه بارزان، وتفسيره الخاص به الذى يبدؤه بقوله: «قال أبو جعفر .. أو يقول: والرأى عندنا، أو التأويل عندنا أو مثل ذلك. ويبين هذا الاتجاه الاستقلالى بوضوح .. فهو لم يكن- اذن- أسير الروايات الكثيرة التى ذكرها، ولا أسير أقوال العلماء الذين سبقوه، لأنه أحيانا يرد عليهم وينقض قولهم .. فهو مفكر مستقل، له رأيه فى معنى الآية، وفيما يستنبط منها من أحكام، وآراؤه فى غاية الاتزان العقلى، ولا سيما عند ما يتناول بعض الأشياء التى كثر الجدل فيها، كالأشياء التى ذكرناها وكالمتشابهات مثل اليد والعين الخ .. والطبرى بهذا يوضع فى مقدمة أهل الرأى فى التفسير، إذا فهمنا الرأى على أنه الذى ينتهى إليه الانسان بعد دراسة عميقة متجردة من الأهواء، التى تعصف بعقول العلماء، وتحملهم على لي عنق الكلمات القرآنية لتوافق أهواءهم أو مذاهبهم .. فالذين يفهمون إذن أن تفسير الطبرى من التفسير بالمأثور، بسبب كثرة الروايات الواردة فيه، غير دقيقين فى الفهم، لأنه لم يتقيد بهذه الروايات ولم يكن أسيرا لها ...

стр. 117

أما إذا فهمنا (الرأى) على أنه اخضاع الآيات للمذاهب الخاصة، والشطط فى تأويلها، وعدم التقيد بالحديث أو تأويله كذلك، فإن الطبرى ليس من هذا النوع، ولا يعد تفسيره على هذا من التفسير بالرأى، لأن الرجل التزم خطة التحفظ فى التأويل، والحفاظ على منهج السلف، والدفاع عنه، فيما يتصل بالله وصفاته، والمتشابهات عموما فى القرآن ... وكل ما تتوقف معرفته على أخبار موثوق بها عن الله سبحانه، أو عن الرسول ﷺ . ولو قلنا بناء على هذا إن تفسيره تفسير بالمأثور لكنا محقين .. لأنه لم يتأثر بالمذاهب الكلامية التى سادت المجتمع الاسلامى فى عصره، ولكنه التزم الخطة السلفية المأثورة عن الصحابة .. الرأى المذموم: ولو تأملنا قليلا فيما ورد من كراهة الصحابة للرأى فى التفسير، وما ورد فى ذلك من ذم، لفهمنا أن الرأى المذموم فى التفسير هو الذى يخضع للأهواء ولعصبية المذاهب، ولم يقم على دراسة محايدة متأنية. أما الرأى الذى يبديه الإنسان فى التفسير مستندا إلى معانى كلام العرب، وإلى ما ورد من حديث صحيح، غير متأثر بمذهب مستحدث أو عصبية طارئة، حتى يصل إلى المفهوم الذى يستريح إليه عقله وقلبه، فذلك لا يمكن أن يذم بحال من الأحوال- كما قلنا من قبل-، وإلا ما كان هناك معنى لدعوة القرآن المسلمين لتدبر آياته والاتعاظ به، وأخذ أحكامهم منه .. وقد تحدث عن ذلك الامام الطبرى فى مقدمة تفسيره، كما تحدث فى هذه المقدمة، عن أمور لا بد من الاحاطة بها لكل من يفسر القرآن مثل اتفاق معانى القرآن، وما اتفقت فيه ألفاظ العرب والعجم، واللغة التى نزل بها القرآن، ونزوله على سبعة أحرف، وما قيل فى النهى عن تأويل القرآن بالرأى، وفى الحض على العلم بتفسير القرآن، وآراؤه فى المفسرين الخ .. بقيت كلمة لا بد من بيانها فى ختام هذا، وهى كلمة (تأويل) التى جعلها الطبرى فى عنوان كتابه: ((جامع البيان عن تأويل آى القرآن)) والتزمها عند ما يأخذ فى ابداء رأيه فى الآية ..

стр. 118

هل تأخذ هنا معنى غير معنى كلمة تفسير التى استعملها غيره من المفسرين. والجواب. لا .. فإن المراد بها هو المراد بكلمة تفسير. ويكفى هذا دون الدخول فى تفاصيل ما قيل عن معنى كلمة تأويل الواردة فى القرآن من معان أخرى لم يقصدها الطبرى فى استعماله لها ..

стр. 119

الإمام فخر الدين الرازى وتفسيره هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين البكرى الطبرستانى الرازى. وشهرته فخر الدين أو ابن الخطيب الشافعى. ولد سنة ٥٤٤ هـ وتوفى سنة ٦٠٦ هـ. وكان ميلاده فى مدينة «الرى» ونسب إليها على غير قياس النسب فقيل الرازى .. وقد نسب إلى هذه المدينة بهذه النسبة كثير من علمائها، مثل أبى بكر بن زكريا الرازى الطبيب العربى المعروف، ومثل أبى بكر الرازى الفقيه الحنفى المعروف بالجصاص، وأبو الحسين بن فارس بن زكريا الرازى صاحب كتاب المجمل فى اللغة، ومحمد بن أبى بكر الرازى مؤلف «مختار الصحاح»، وقطب الدين الرازى وهو مؤلف شرح الشمسية وسماها «الرسالة القطبية» المعروفة فى الأزهر .. وتوفى سنة ٧٦٦ هـ ولكن أشهر هؤلاء جميعا لدى عامة المسلمين وخاصتهم هو الامام فخر الدين الرازى صاحب التفسير .. وما ذلك إلا لأن مؤلّفه وتفسيره مرتبط بكلام الله وخدمته، وبيان معانيه للمسلمين، وهكذا كل كتاب وكل مؤلف يرتبط بكتاب الله ويخدمه .. العصر الذى عاش فيه وألف كتابه كان عصرا مليئا بالفتن الداخلية. والهجوم الخارجى على المسلمين، وكان مثار هذه الفتن إما طمعا فى الملك، وإما طمعا فى وجاهة وسيادة مذهب، كما حصل بين الفرق الاسلامية .. المعتزلة، وأهل السنة، والشيعة، والرافضة من جهة، وفيما بين هذه الفرق نفسها من مذاهب «حتى عدا ابن السبكى تسعا وعشرين فرقة نازلها الرازى وانتصر عليها (١)»

стр. 120

وهذا يصور لك مدى ما كان يموج به عصر الرازى من خلافات وفتن .. ثم تميز هذا العصر من ناحية أخرى بالإقبال على الدراسات العلمية من المنطق والعلم الطبيعى والفلسفة، وعلم ماوراء الطبيعة، والهندسة والفلك والموسيقى، بجانب الإقبال على الدراسات الدينية والعربية .. كما تميز باعتزاز المعتزلة بمعرفة الفلسفة والمنطق، وتعاليهم بها على غيرهم .. وادعائهم بأن العالم المتمكن لا يكون كذلك، إلا إذا جمع بين علوم الدين وهذه العلوم. وقد ظل المعتزلة مسيطرين بأفكارهم وإنتاجهم زمنا، حتى شعر أهل السنة بما يشبه عقدة النقص، فأقبلوا على هذه العلوم التى احتكرها المعتزلة وأضرابهم زمنا، فاغترفوا منها، لينازلوا المعتزلة ويكونوا أندادا لهم .. وكان ممن اتجه هذا الاتجاه الإمام فخر الدين الرازى منذ شبابه. فتعلم على والده، وكان من كبار علماء عصره وهو «ضياء الدين أبو القاسم الرازى» وكان فقيها أصوليا متكلما صوفيا خطيبا محدثا أديبا. وأضاف إمامنا فخر الدين إلى ما أخذه عن والده علوم عصره، من الفلسفة والمنطق وعلم الفلك والطبيعة على علمائها، واستعان بذلك كله على خدمة دينه. وتجلية معانى القرآن وأسراره بالطريقة التى رآها مناسبة لعصره .. حتى يبز المعتزلة وغيرهم فيما يدعونه- من أنهم خدمة الدين والقرآن .. والكاشفون عن معانيه وأسراره- ويلجمهم .. ؟؟؟ وضع ثقافته الاسلامية الواسعة المتنوعة فى خدمة القرآن، هادفا؟؟؟ إلى أن يبرز ما فيه من الحكمة والمعرفة حسبما تفيده دراسة الفلسفة والكلام والعلوم الأخرى، ولذلك كان يوغل فى بيان معانى القرآن وما تدل عليه العبارات، ولو سار شوطا بعيدا فى العلوم التى يبرز بها هذه الناحية .. وإنك لتجد صورة من هذا حين فسر قوله تعالى «رَبِّ الْعالَمِينَ»، واندفاعه ليبين العوالم المتعددة التى خلقها الله .. فى السموات وفى الأرض .. مما يخيل للقارئ أنه ابتعد كثيرا عن القرآن، وهو لم يبتعد، وإنما يفسر «العالمين» بما وقف عليه من علم، يجلى به حكمة الله فى مخلوقاته ..

стр. 121

فذلك أولى عنده وأجدى من حصر التفسير فى مباحث لفظية وبلاغية .. تبرز اعجاز القرآن البلاغى، بينما يوجد فى القرآن آيات كثيرة تتحدث عن الكون، وتبرز الإعجاز العلمى للقرآن، ولا بد من بيانها والكشف عنها، بواسطة ما نعرفه من علوم .. ولذلك استغل الرازى ما عرفه من علوم ليجلى بها أسرار القرآن، ومعجزاته العلمية فى الكون. بالاضافة إلى معجزته البلاغية مما أشار القرآن إليه أو تكلم بصراحة عن آيات الله فى كونه، ولا يجلى هذه الآيات، ويبرزها، ويصل إلى أغوارها إلا العلم. فإذا قال الله «رب العالمين» فما هى هذه العوالم التى خلقها الله وهو ربها؟ لا تستطيع البلاغة أن تبرز لنا هذا وتبينه، بل العلم هو الذى يقدم لنا هذه العوالم أجلى بيان على قدر اتساعه .. وهو كل يوم يزداد اتساعا». وسار الإمام فى دروسه على هذا المذهب أو هذه الطريقة التى اختطها، برغم ما لقي من استغراب ومعارضة من الذى ألفوا القديم من التفسير .. أو كما يقول: الذين ألفوا من أنفسهم التعلقات الفارغة عن المعانى، والكلمات الخالية عن تحقيق المعاقد والمبانى». وكان مصمما ومقتنعا بهذه الطريقة لخدمة القرآن، فبدأ يفسر على أساسها سورة «الفاتحة» واتسع فى تفسيرها والاستنباط منها بما آتاه الله من علوم، تبرز قدرة الله وحكمته فى خلقه، أو فى كونه العلوى والأرضى. فعند ما يتعرض مثلا لتفسير «رب العالمين» يبين أن الوجود ليس محصورا فى عالمنا الذى ضبطت أحواله، لأن الخلاء الذى لا نهاية له خارج هذا العالم .. يمكن أن يشتمل على الآلاف من العوالم الأخرى .. بل إن الانسان لو اقتصر علمه على أن يحيط من هذا العالم فقط بعجائب المعادن، ويعرف عجائب أحوال النبات، وعجائب أقسام الحيوان، لنفد عمره فى أقل القليل من هذه المطالب، فلا ينتهى إلى غورها، مع أن ذلك كله يندرج تحت قوله تعالى «رَبِّ الْعالَمِينَ» (١)

стр. 122

وفى مقدمة تفسيره يقول: «اعلم أنه مر على لسانى فى بعض الأوقات أن هذه السورة الكريمة (الفاتحة) يمكن أن يستنبط من فوائدها ونفائسها عشرة آلاف مسألة فاستبعد هذا بعض الحساد، وقوم من أهل الجهل والغى والعناد، وحملوا ذلك على ما ألفوه من أنفسهم من التعلقات الفارغة عن المعانى والكلمات الخالية عن تحقيق المعاقد والمبانى، فلما شرعت فى تصنيف هذا الكتاب، قدمت هذه المقدمة، لتصير كالتنبيه على أن ما ذكرناه أمر ممكن الحصول قريب المنال» (١). رأى علماء عصره وغيرهم فيه ورأيه فيهم: ونظرا لأن هذا النسق فى التفسير لم يكن مألوفا فيما كتب من تفاسير، وكان تفسير الرازى هذا أول تفسير دعمه صاحبه بالعلوم التى أتقنها من فلسفة وطب وفلك. الخ .. انتقده كثير من العلماء حتى نجد أبا حيان صاحب تفسير «البحر المحيط» الذى ولد بعد وفاة الرازى بخمسين سنة تقريبا يقول فيه بعد أن اطلع عليه: «جمع الإمام الرازى فى تفسيره أشياء كثيرة لا حاجة لها فى علم التفسير، ولذلك قال بعض العلماء: فيه كل شىء إلا التفسير. وهذه النغمة كانت موجودة فى زمن الرازى نفسه سمعها ورد عليها بشدة بقوله: «ربما جاء الجهال والحمقى وقال: إنك أكثرت فى كتاب الله تعالى من علم التهيئة والنجوم، وذلك على خلاف المعتاد .. فيقال لهذا المسكين: إنك لو تأملت فى كتاب الله حق التأمل لعرفت فساد ما ذكرته. وكان ذلك بلا شك ناشئا من شدة عنايته بالرد على الفلاسفة فيما قالوه- واعتقد أنه يمس القضايا الدينية، واجتهاده فى أن يبرز حكمة الله وهديه القرآنى عن طريق كشف ما أشار الله إليه فى القرآن من مظاهر النفس والكون .. مقدما بذلك أدلة أخرى على إعجاز القرآن غير الإعجاز البلاغى الذى تكلم فيه الكثيرون واقتصروا عليه ..

стр. 123

وكان شديد العناية بالربط بين الآيات بعضها مع بعض وبين السور كذلك. كما كان معنيا بالرد على المعتزلة، وبتجلية مذهبه الشافعى ومناصرته على غيره من المذاهب، حتى ألف كتابا خاصا بسيرة الإمام الشافعى ومناقبه، ولم يهمل الرازى مع ذلك المسائل النحوية والبلاغية والأصولية بل أدلى فيها بدلوه، وقد كان إماما فى الفقه وله آراؤه فيه، حتى قيل إنه من المجتهدين، ولكن ضيعه تلامذته، وإن كان شافعيا وأبلى بلاء حسنا فى نصرة مذهبه والدفاع عن الشافعى وتجلية مذهبه .. وقد ألف فى علوم عدة وترك فيها كتبا منها المطالب العالية، والبرهان فى الرد على أهل الزيغ، والمحصول، وفى الحكمة أى الفلسفة: الملخص وشرح الاشارات، وعيون الحكمة، وقام بشرح الوجيز فى الفقه للإمام الغزالى .. وله كتاب فى مناقب الإمام الشافعى .. هل أتم تفسيره ؟ وقد شاع بين العلماء وقرروا أنه لم يتم كتابة تفسيره كله، وتولى إتمامه بعض تلامذته وذكروا أسماءهم .. حتى أن ذلك دون فى طبعته التى أخرجتها المطبعة البهية المصرية فى اثنين وثلاثين جزءا. بتحقيق بعض العلماء مستدلين ببعض عبارات وردت فى التفسير تدل على أن المفسر غير الرازى .. وأن مجموع ما فسر ضم بعضه إلى بعض فكان تفسيرا للقرآن كله سمى «مفاتيح الغيب» ونسب للرازى. بينما هو توقف عند سورة الانبياء. والمجال هنا لا يتسع لمناقشة هذا تفصيلا، لذلك اكتفى بتصدى أخينا وزميلنا العالم الباحث الدكتور على محمد حسن العمارى لهذه النقطة فى كتابه «الامام فخر الدين الرازى» الذى أجازته أيضا لجنة القرآن والحديث بالمجلس الأعلى للشئون الاسلامية الذى تولى طبع الكتاب فقد ذكر وجهة نظر القائلين بأن الرازى لم يتم تفسيره، بأسانيدهم التى اعتمدوا عليها مما جاء فى التفسير نفسه ثم تولى الرد مفصلا على هذه الأسانيد، مسلما بأن تفسير سورة الواقعة ليس للرازى. كما ورد فى كلام العلماء الناقدين .. وان كان نسق التفسير لم يختلف فيها عما كتبه الرازى ..

стр. 124

وقد انتهى الدكتور العمارى بعد سرد أدلته والرد على مخالفيه إلى ترجيح أن الكتاب كله للرازى ما عدا سورة الواقعة وقال ص ١٨٣: «لقد ترجح عندى بعد هذا التردد الطويل بين أخبار أصحاب التراجم، والتفسير الكبير للرازى أن هذا الإمام الجليل قد أتم تفسير القرآن كله، ثم لأمر لعله من صنع التتر الذين اغاروا على خوارزم سنة ٦١٧ هـ بعد وفاة الرازى بإحدى عشرة سنة، ضاع جزء من هذا الكتاب يغلب على الظن أن يكون تفسير سور متفرقة كتفسير سورة الواقعة، فجاء شمس الدين الخويى (المتوفى سنة ٦٣٩ هـ)، ووضع لهذه السور تفسيرا، وربما كان قد وضع تفسيرا كاملا للقرآن، وأدخل بعض أجزائه فى تفسير الرازى» وقد قيل أيضا من الناقدين أن نجم الدين القمولى المتوفى سنة ٦٢٧ هـ كان له أيضا جهد فى تتمة هذا الكتاب .. ويلاحظ الدكتور على العمارى أن نسق تفسير سورة الواقعة التى سلم الجميع أنه ليس للرازى لا يختلف عن نسق الرازى فى تفسيره، مما يجعل من الصعب على الفاحص أن يميز بين هذا وذاك عن طريق الأسلوب والمنهج .. وليس هذا بغريب، فهما من تلامذته المتأثرين به، وحين كتبا، كان ما كتباه على نسق أستاذهما. لم يكن بينهما فرق .. مما يصعب على القارئ الفاحص التمييز بين الأسلوبين .. هل نقول إنه تفسير علمى: يمكن أن يقال ذلك بجوار كونه تفسيرا موضوعيا لغويا فقهيا عقديا، فقد استعان على تجلية معانى ألفاظ القرآن بما عرفه من علوم فى زمنه .. وهذا وإن عابه القدماء الذين ألفوا أن يكون التفسير على غير هذا الوجه وقالوا فيه ما قالوا، إلا أننا لا نجاريهم على طول الخط، فليس ما قالوه- من أنه فيه كل شىء إلا التفسير- صحيحا، ففيه ما درج عليه المفسرون قبله وبعده من تفسير يقوم على الناحية البلاغية والنحوية والفقهية مع عنايته بالربط بين الآيات، والرد على المعتزلة.

стр. 125

ثم فيه زيادات نافعة لكل من يريد التوسع فى معرفة أسرار القرآن والكون، ليخرج من هذا بالعبر النافعة المؤيدة لإيمانه .. وإذا كان الفقهاء قد أخذوا ما جاء من آيات فى الأحكام الفقهية وهى لا تتعدى نحو مائتى آية، فأقاموا عليها علم الفقه والأحكام .. فإنه قد جاء فى القرآن آيات تتحدث عن الكون والانسان والحث على النظر فيها أكثر بكثير جدا مما ورد فى الأحكام .. وهى فى حاجة إلى تجلية بالنظر فى علوم الكون والانسان والاستعانة بها فى إيصال أسرار القرآن للناس .. والمهم فى هذه الحالة ألا يوغل المفسر فى سرد تفصيلات كثيرة، تجره إلى تفصيلات لا حاجة إليها كثيرا .. فلنأخذ من تفسير الامام الرازى ما نأخذ من كتب التفسير الأخرى، ولنأخذ منه ما يزيد عن ذلك إن أردنا، مما يزيدنا علما ويقينا وإدراكا لأسرار الكون، وعظمة الخالق. فهو أشبه بموسوعة أو مائدة يختار الجالس عليها ما يشاء من ألوان الطعام والغذاء .. ويمكن أن نعد هذا التفسير أساسا لا تجاه المرحوم المفسر «الشيخ طنطاوى جوهرى» الذى ألف تفسيره على هذا النسق أيضا، مستغلا ما وصل إليه العلم والفلك من فتوحات جديدة .. ومما لا شك فيه أن هذين التفسيرين وأمثالهما ليسا لعامة القراء، ولكنها لخاصة الخاصة، فيكفى المسلم العادى ما يعلمه من المعنى العام للآية، وما فيها من هداية دون الدخول فى تفاصيل .. مما تكفلت به أخيرا تفاسير مختصرة طبعت على هامش المصحف، أو وضعت مستقلة ولقد كان مما يلفت النظر أن تقوم ضجة من العلماء حول ما ذكره الرازى واستطرد إليه من علوم، فى الوقت الذى لم تحظ فيه الاسرائيليات والخرافات بمثل هذه العناية والنقد، فظلوا يتناقلونها فى تفسيراتهم، مما نراه فى كتب التفسير التى بين أيدينا .. والتى ألف بعضها بعد عصر الرازى .. ويشكو الجميع منه الآن مر الشكوى ..

стр. 126

النهضة الحديثة للتفسير فى بداية القرن الرابع عشر الهجرى، ونهايات القرن التاسع عشر الميلادى بدأ تحول كبير فى طريقة التفسير. بدأ من مصر وعلى يد الإمام الشيخ محمد عبده. وقد كانت التفاسير كما عرفنا- من أول أمرها تدور حول أبحاث لفظية نحوية أو بلاغية أو قراءات، وحول روايات، أغلبيتها الكبرى خرافات، وإسرائيليات. وأحاديث لا أصل لها- وجاء تفسير الفخر الرازى فغلبت عليه العلوم العقلية الفلسفية والفلكية، فدون منها الكثير عند ما يرى مناسبة لذلك فوق المباحث الأخرى .. وقد كان آخر هذه التفاسير المتداولة بيننا هو تفسير الألوسي المتوفى سنة ١٢٧٠ هـ جامعا لما رأى جمعه وإثباته من التفاسير السابقة عليه .. وحين ظهر الشيخ محمد عبده بنضجه العقلى، كانت كل هذه التفاسير أمامه، فلم يتقبل طريقتها كما هى، وإنما نحا منحى جديدا فى التفسير، فى دروسه التى ألقاها ببيروت حين نفى إليها، ثم عاودها حين عاد لمصر، وبدأ دروسه فيها من أول القرآن على الطريقة التى رآها تبرز هدايته وأثره فى النفوس، حتى يستعيد المسلمون بهدايته سيرتهم الأولى، فى القوة العلمية والسياسية .. ويتحقق بذلك منهجه فى الإصلاح، الذى تأثر فيه بمنهج أستاذه جمال الدين الأفغانى .. فالقرآن هو الذى نهض بالمسلمين الأول، وهو الذى ينهض بالمسلمين الآن، متى تشربوا هدايته، كما تشربها السابقون .. على هذا الأساس بدأ تفسيره للقرآن، هادفا إلى إبراز هدايته للنفوس، بعيدا عما جرى عليه المفسرون السابقون، مما كان يذهب ببهاء المعانى، وروح الهداية. ويضيع الهدف المقصود منه «هدى للمتقين». يقول السيد محمد رشيد رضا فى مقدمته لتفسير المنار وهو الذى تشرب روح الأستاذ الإمام:

стр. 127

«كان من سوء حظ المسلمين أن أكثر ما كتب فى التفسير، يشغل قارئه عن هذه المقاصد العالية، والهداية السامية، فمنها ما يشغله عن القرآن، بمباحث الأعراب، وقواعد النحو، ونكت المعانى. ومصطلحات البيان، وفيها ما يصرفه عنه بجدل المتكلمين، وتخريجات الأصوليين، واستنباطات الفقهاء المقلدين، وتأويلات المتصوفين، وتعصب الفرق والمذاهب، بعضها على بعض، وبعضها يلفتها عنه بكثرة الروايات، وما مزجت به من خرافات الاسرائيليات، وقد زاد الفخر الرازى صارفا آخر عن القرآن، وهو ما يورده فى تفسيره من العلوم الرياضية والطبيعية وغيرها، من العلوم الحادثة فى الملة على ما كانت عليه فى عهده- مما قلده فيه بعض المعاصرين، وهى تصد قارئها عما أنزل الله القرآن لأجله» «وصحيح أنه لا بد من وسائل فهم القرآن من فنون العربية واصطلاحات الأصول، ومعرفة سنن الله فى كونه، وما صح من أحاديث رسول الله، ولكن الاغراق فى ذلك، واللجوء إلى الروايات الباطلة الخرافية، أمر يذهب بهداية القرآن» ١ هـ مختصرا ثم يقول فى نهاية ما أورده حول هذا «فكانت الحاجة شديدة إلى تفسير تتوجه فيه العناية الأولى إلى هداية القرآن على الوجه الذى يتفق مع الآيات الكريمة المنزلة فى وصفه»

стр. 128

دور السيد رشيد رضا فى هذا التفسير السيد محمد رشيد رضا من قرية القلمون جنوب طرابلس لبنان .. وقد زرت بيته فيها، وأنا أزور ابن أخيه العالم الفاضل السيد عاصم رضا- عليه رحمة الله- فى الستينات .. وقد درس على علماء بلده «طرابلس» حتى أكمل دراسته هناك، واطلع على أحد أعداد مجلة «العروة الوثقى» التى كان يصدرها محمد عبده مع جمال الدين من باريس، فتأثر بما كتبه الشيخ عبده فيها واشتاق إلى لقائه، ثم حانت له الفرصة، فشد رحاله إلى مصر سنة ١٣١٥ هـ ١٨٩٧ م. ليلتقى فيها بالإمام .. وعقب وصوله إلى مصر فى رجب سنة ١٣١٥ هـ اتصل فورا بالإمام .. وكان أول اقتراح له عليه أن يكتب تفسيرا للقرآن ينفخ فيه من روحه التى وجدنا روحها فى مقالات (العروة الوثقى) ... فاعتذر بأن العمر لا يتسع لتفسير كامل، فاقترح عليه أن يقرأ درسا فى التفسير. فكان يعتذر باستمرار عن الكتابة وعن الدروس .. وكان يصده عن الكتابة- كما ذكر- أن القارئ لا يستفيد كثيرا من الكتاب كما يستفيد السامع. وإذا وصل الكتاب لأيدى هؤلاء العلماء، وفيه غير ما يعلمون، لا يعقلون المراد منه، وإذا عقلوا منه شيئا، يردونه ولا يقبلونه، وإذا قبلوه حرفوه إلى ما يوافق علمهم ومشربهم. وكان يعتذر عن الدروس بأنه- على عكس بعض الناس- تؤثر فيه حال المخاطب «ولذلك لا أتكلم بشيء عن حالة الاسلام، عند ما أجتمع بهؤلاء العلماء، لأن أفكارهم منصرفة عن ذلك بالكلية، وإذا كان هناك من يلقى بالا لما أقول يفتح الله على بكلام كثير. ويقول السيد رشيد: ولم أزل به حتى أقنعته بقراءة التفسير فى الأزهر، فاقتنع، وبدأ الدرس بعد ثلاثة أشهر ونصف- أى فى غرة المحرم سنة ١٣١٧ هـ مايو ١٨٩٩ م، وانتهى منه فى منتصف المحرم سنة ١٣٢٣ هـ مارس- ١٩٠٥ م عند تفسير قوله تعالى «وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً» من الآية ١٢٥ من سورة

стр. 129

النساء، فقرأ زهاء خمسة أجزاء فى ست سنوات، إذ توفى لثمان خلون من جمادى الأولى من السنة نفسها. وكان يتوكأ على تفسير الجلالين الذى هو أوجز التفاسير، فيذكر عبارته، ويقرها أو ينتقدها، ثم يتكلم بما فتح الله به عليه، مما فيه هداية وعبرة. وكان يختار هذا التفسير لإيجازه، ولأنه لا يدخل فى مباحث لفظية أو غيرها، مما لا يجب أن يدخل الإمام فيه، أثناء تفسيره. ويقول السيد رشيد: «وكنت أكتب أثناء الدرس مذكرات، أودعها ما أراه أهم ما قاله، وأحفظ ما أكتب لأبيضه، وأمده بكل ما أتذكره وقت الفراغ، ثم تلقى اقتراحا من قراء «النار» التى أصدرها فور وصوله، أن ينشر فيها هذا التفسير، فشرعت فى ذلك فى أول المحرم سنة ١٣١٨ هـ ١٩٠٠ م وذلك فى المجلد الثالث من المنار، وكنت أولا أطلع الاستاذ على ما أعده للطبع كلما تيسر لى ذلك، بعد جمع حروفه فى المطبعة .. فكان ربما ينقح فيه بزيادة قليلة، أو حذف كلمة أو كلمات. على أنه لم يكن كله نقلا عن الاستاذ، ومعزوا إليه، بل كان تفسيرا للكاتب من انشائه، اقتبس فيه من تلك الدروس جل ما استفاده منها .. وبعد أن توفاه الله صرت أرى أن من الأمانة ألا أعزو إليه إلا ما كتبته عنه أو حفظته .. وأقول: قال ما معناه .. ولما استقللت بالعمل بعد وفاته، خالفت منهجه، بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة، وفى تحقيق بعض المفردات والمسائل الخلافية، والإكثار من شواهد الآيات فى السور المختلفة، وفى بعض الاستطرادات لتحقيق مسألة خاصة تشتد حاجة المسمين لتحقيقها، أو بعض المشكلات التى أعيا حلها، بما يطمئن به القلب» (١). ولعلك ترى بعد هذا السرد الموجز، كيف كانت أهمية دور السيد رشيد فى بروز هذا التفسير، سواء فى الدروس أو بعد ذلك حين طبع .. أو فى السير فيه بعد وفاة الإمام إلى آخر سورة يوسف على نسق الإمام ..

стр. 130

[مقدمة الإمام لتفسيره] هذه المقدمة الموجودة فى أول التفسير، وإن كان السيد رشيد قد اقتبسها من دروس الإمام بفحواها، إلا أنها تعبر- بلا شك- عن روح الامام واتجاهه، ونظرته لتفسيره، والتفاسير القديمة .. ولذلك أحببت أن أضع أمامك منها- بقدر الإمكان- بعض الفقرات المهمة- ولو باختصار، باعتبارها معبرة عن رأيه .. فمما يراه الإمام «أن التفسير الذى نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين، يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم فى حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة» والتفسير له وجوه شتى: أحدها: النظر فى أساليب الكتاب ومعانيه، وما اشتمل عليه من بلاغة، كما فعل الزمخشرى فى الكشاف. ثانيها: الإعراب .. وقد توسع فيه أقوام. ثالثها: تتبع القصص. وقد سلك هذا المسلك أقوام زادوا فى قصص القرآن ما شاءوا من كتب التاريخ والاسرائيليات من غير تمييز بين غث وسمين. رابعها: غريب القرآن. خامسها: الأحكام الشرعية من عبادات ومعاملات والاستنباط منها. سادسها: الكلام فى أصول العقائد ومقارعة الزائغين. سابعها: المواعظ والرقائق. ثامنها: ما يسمونه بالإشارة وقد اشتبه على الناس فيه كلام الباطنية بكلام الصوفية. ومن ذلك التفسير الذى ينسبونه للشيخ الأكبر محى الدين بن عربى، وهو للقاشانى الباطنى الشهير، وفيه من النزعات ما يتبرأ دين الله وكتابه منه .. وبعد أن يورد الإمام هذه الأنواع والوجوه، يقول: وقد عرفت أن الإكثار فى مقصد خاص من هذه المقاصد، يخرج بالكثيرين عن المقصود من الكتاب الالهى.

стр. 131

ثم يبين منهجه فيقول: لهذا كان الذى نعنى به من التفسير، هو ما سبق ذكره، أى فهم الكتاب من حيث هو دين وهداية جامعة لبيان ما يصلح به أمر الناس فى دنياهم، وفى آخرتهم. ويتبع ذلك بلا ريب بيان وجوه البلاغة بقدر ما يحتمله المعنى، وتحقيق الإعراب عند الحاجة إلى ذلك، وتبيين بعض قواعد الأصول مما لا يشغل القارئ عن المعانى .. ويقول: إن الأحكام العملية التى نسميها فقها، هى أقل ما جاء فى القرآن. وفيه من التهذيب ودعوة الأرواح إلى ما فيه سعادتها، ما لا يستغنى عنه من يؤمن بالله واليوم الآخر .. وما هو أجدر بالدخول فى الفقه والفهم الحقيقى. ولا يوجد إلا فى القرآن. ثم يبين أن للتفسير مراتب: أدناها: أن يبين إجمالا ما يشرب القلب عظمة الله ويصرف المؤمن عن الشر. وهذا متيسر لكل أحد. وأعلاها: يتم بوسائل .. أولها: فهم حقائق الألفاظ واستعمالاتها وقت نزول القرآن، دون التقيد والاكتفاء بقول فلان وفلان، فإن دلالات بعض الألفاظ قد تغيرت عما كانت عليه وقت التنزيل، مثل كلمة «تأويل» التى كان أصل دلالتها: العاقبة والمآل أى ما يؤول إليه الأمر. وكثيرا ما يفسر المفسرون كلمات القرآن على ضوء الاصطلاحات التى حصلت بعد القرون الثلاثة الأولى!! ثانيها: الأساليب. ثالثها: علم أحوال البشر. رابعها: العلم بوجه هداية البشر كلهم بالقرآن .. فمن نشأ فى الاسلام ولم يعرف حال الناس قبله، يجهل تأثير هدايته .. خامسها: العلم بسيرة النبى وأصحابه .. ثم يقول: فعلم من هذا أن التفسير قسمان:

стр. 132

١ - قسم جاف مبعد عن الله وكتابه، وهو ما يقصد به حل الألفاظ والإعراب الخ .. فهذا لا يسمى تفسيرا، وإنما هو ضرب من التمرين فى الفنون، كالنحو والمعانى وغيرهما .. ٢ - التفسير الذى قلنا: إنه يجب على الناس على أنه فرض كفاية، وهو ذهاب المفسر إلى فهم المراد من القول، وحكمة التشريع فى العقائد والأحكام، على الوجه الذى يجذب الأرواح ويسوقها للعمل، ويتحقق به كون القرآن «هدى ورحمة»، ثم يقول الإمام: وهذا هو الفرض الأول الذى أرمى إليه فى قراءة التفسير .. ثم تكلم عن التفاسير الموجودة، ونقدها نقدا مرا، وتكلم عن نظرتنا للقرآن، واتخاذه أحجبة، وحماية من الجان لمن حمله، وإحداثنا الضوضاء حول قارئيه بصوت حسن لحسن الصوت، لا لفهم المعنى والألفاظ كما هو معروف، وبهذا صرنا كما يقول- فى جاهلية أشد من الجاهليين والضالين فى زمن النبى ﷺ . وإننا نعتقد أن المسلمين ما ضعفوا وزال ملكهم إلا بإعراضهم عن هداية القرآن، ولن يعودوا إلى عزهم إلا بالرجوع إلى هدايته، والاعتصام بحبله. وبهذا انتهت المقدمة التى اقتبسها السيد رشيد رضا من كلام الإمام. وعلى هذا الأساس، وتحقيقا للهدف الذى يرمى إليه الإمام من إصلاح، أقبل على إلقاء دروسه فى التفسير، فصار أول معلم من معالم التغيير والتحول، لا فى منهج التفسير فحسب، ولكن فى حياة الأمة نفسها .. حينما تأثر بهدايته وطريقته ودعوته الكثيرون سنة بعد سنة، وصار صاحب مدرسة تجديدية فى الفكر الدينى عموما لا فى التفسير وحده .. وقد قيض الله له تلميذه السيد رشيد رضا، وأتى به من لبنان أو من الشام كما كانت تسمى، ليقوم بهذا الدور العظيم، ويقيم صرح مدرسة الإمام التجديدية .. ويواصل رسالته ويمكنها بعد وفاته، بواسطة مجلة المنار، ومدرسة الدعوة والإرشاد، والخطب والدروس، وكانت مدرسة الإمام كشجرة

стр. 133

عظيمة، ذات ثمر حلو شهى، لا تثمر ثمرتها، وتؤتى أكلها، إلا بعد سنوات من غرسها .. ولقد تعهدها السيد رشيد، حتى اتسع ظلها، وكثرت ثمارها .. فغيرت مجرى التفكير الدينى فى العالم الاسلامى، لا فى مصر وحدها .. وهى تضرب بجذورها الأصيلة لأفكار السيد جمال الدين الأفغانى موقظ الشرق والغرب الاسلامى .. حيث امتدت فروعها فظهر زعماء الاصلاح والتحرر فى المغرب العربى، والمشرق الاسلامى .. على المنهج الاصلاحى الذى اختطه جمال الدين وتلميذه محمد عبده .. [فى الجزائر] فكان الشيخ عبد الحميد بن باديس فى الجزائر الأب الروحى لحركة التحرير الجزائرية، معتمدا فى بث نهضته ودعوته على القرآن الكريم، وتفسيره على المنهج الذى ارتضاه محمد عبده فى مصر، فظل يلقى دروسه فى التفسير على مدى نحو خمس وعشرين سنة، حتى اختتم تفسير القرآن، وقام احتفال فى مدينة «قسنطينة» فى الثالث عشر من شهر ربيع الثانى ١٣٥٧ هـ- ١٩٣٨ م .. كما يقول المرحوم زميله الشيخ محمد البشير الابراهيمى. وللأسف لم يلتقط أحد هذا التفسير ويدونه، ولكن الذى بقى من تفسير ابن باديس هو ما كان ينشره أحيانا هناك فى «مجلة الشهاب» ويسميها «مجالس التذكير»، وقد جمعت ونشرت فى كتاب بعنوان «تفسير ابن باديس» أو «مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير» جمع وترتيب وإعداد ومراجعة وتعليق الاستاذين محمد الصالح رمضان الجزائرى، والدكتور توفيق محمد شاهين المصرى الأزهرى، نشر دار الكتاب الجزائرى. فى مجلد يضم نحو ٥٠٠ صفحة .. [فى الهند] وقد تعجب إذا عرفت أن أثر هذه المدرسة امتد حتى وصل للهند وكان له أثره فى تحريك المسلمين، أو فى إشعالهم لطلب التحرر لبلادهم من الاستعمار الانجليزى ..

стр. 134

ولم يكن الأمر إلا شرارة مست قلب شاب تخرج فى المعاهد الهندية، ثم جاء إلى مصر يزورها، ويتعرف على الحركات الدينية والوطنية بها- سنة ١٣٢٦ هـ- ١٩٠٨ م بعد وفاة الإمام محمد عبده- وهو فى سن العشرين، والتقى بالسيد رشيد، وأعجب بمنهجه، وطريق دعوته، وبمدرسة الدعوة والارشاد التى افتتحها، ولم يمكث بمصر طويلا، ولكن العلاقة توطدت بينه وبين السيد رشيد. وكانت المراسلات العلمية والاسلامية الوطنية بينهما متواصلة. [أبو الكلام أزاد] هذا الشاب هو مولانا أبو الكلام أزاد، الذى صار فيما بعد صاحب الإمامتين- كما كان يدعى فى الهند- إمامة فى الدين، وإمامة فى السياسة، حين قاد حركة التحرير فى أشد أوقاتها أثناء الحرب العالمية الثانية، وتولى المفاوضات مع الانجليز، باسم الهند والحزب الوطنى، الذى كان يرأسه طوال مدة الحرب .. ومع أن «أزاد» زار تركيا، وبلادا عربية أخرى، إلا أن الشرارة التى مست عقلة وقلبه كانت من مصر، من مدرسة الإمام الدينية. فعاد للهند متأثرا بهذه المدرسة، حتى ألف جماعة هناك، على نسق جماعة أو مدرسة الدعوة والإرشاد التى انشأها السيد رشيد، وقر عزمه على أن يتخذ من الاسلام وروحه، الوسيلة لإلهاب روح التحرر فى نفوس المسلمين، فأصدر مجلتين: الهلال ثم البلاغ، لتقوما بهذه المهمة، وكان ينشر فيها تفسيرا للقرآن على النسق الذى تشيع به، بجوار مقالاته الأخرى .. وبدأ بالهلال فى ١٢ يونيو ١٩١٢ م- ١٣٣٠ هـ ثم لما صودرت، أصدر «البلاغ» فصادرها الانجليز .. يقول علامة الهند السيد سليمان النّدوي: «لا شك أن مجلتى الهلال والبلاغ لأبى الكلام أزاد، قد كونتا الذوق القرآنى لدى الشبان المسلمين، وفتحتا نوافذ جديدة أمام الجيل الجديد، وعرضتا الآيات القرآنية بأسلوب بلاغى، يتسم بالحكمة، وجودة الصناعة، مما أنار القلوب بنور الإيمان واليقين، وكشفتا معانى القرآن وسمو قول الرحمن»

стр. 135

«اتجاهه لكتابة تفسير» وحين لمس «أزاد» إقبال المسلمين على التفسير فى المجلة اتجه إلى كتابته ونشره فى كتاب، وكان عبارة عن ترجمة محكمة سهلة العبارة الأوردية، ثم تفسير بعض ما يحتاج لتفسير على الهامش .. بحيث تكون الترجمة حاوية على المعنى الذى يريد إيصاله للقراء دون توقف .. أما التفسير فعلى الهامش لمن أراد زيادة وتوسعا .. وقد تعطل هذا المشروع بسبب اعتقال السلطة الانجليزية لمولانا أزاد مرات وتبديدها لمسودات ترجمته وتفسيره، وبين تأرجح العمل بين القلة والكثرة سار العمل شوطا كبيرا .. وقد نشر من ترجمته وتفسيره إلى سورة النور .. وجاءت الفاتحة فى الطبعة الأخيرة فى مجلد خاص يضم أكثر من خمسمائة صفحة باللغة الأوربية. [كيف كان منهجه] كان منهجه ومشربه فى التفسير هو منهج الإمام محمد عبده، وتلميذه رشيد رضا، فى القصد رأسا إلى العبرة والهداية المحركة للقلوب. حتى إنه اعتمد على القرآن كما قلنا فى إثارة المسلمين أكثر وأكثر لمحاربة المستعمر، ومقاطعته فى كل شىء، مما اعتنقه غاندى بعد ذلك، وسماه بما ترجمناه «حركة العصيان المدنى» حين انضم الهندوس للمسلمين فى حركة المقاطعة متأخرا .. وقد كتب مقدمة لترجمته وتفسيره سماها «التفسير والمفسرون» اشتملت على نظرته للتفاسير السابقة، وكيف حجبت عن المسلمين هداية القرآن، بمباحثها اللفظية، وأخبارها الإسرائيلية، ومناقشاتها الفقهية والكلامية وبالعلوم اليونانية .. وهى تماما مثل نظرة الإمام محمد عبده .. وتكلم عن التفسير بالمأثور، والتفسير بالرأى، ووضح المراد من «الرأى»، كما وضح هدفه من عمله. وكتب هذه المقدمة وهو فى سجن «ميرت» شمال دهلى فى ١٦ نوفمبر سنة ١٩٣٠ م

стр. 136

وقد دعا لتأليف جماعة تسمى «جماعة القرآن» - على نسق «جماعة الانجيل» - لخدمة القرآن، طباعة، وتفسيرا، وترجمة إلى اللغات المختلفة، لتنتشر دعوة الاسلام فى العالم، ولكن ذلك لم يتحقق .. حتى توفى فى فبراير سنة ١٩٥٨ دون أن يتم التفسير الذى أراده ... وكان فى شوق شديد لإتمامه، لكنه لم يجد الفراغ الكافى .. وله بحث قيم دقيق ومحقق بالشواهد والأدلة التاريخية والأثرية حول ذى القرنين ذكره بمناسبة تفسيره لقصة ذى القرنين فى سورة الكهف .. يعتبر من أدق وأصح ما كتب حتى الآن عن شخصية ذى القرنين، وهو الامبراطور «غورش» أو «قورش» الايرانى مؤسس أول امبراطورية ايرانية، احتفل شاه إيران السابق بمرور ٢٥ قرنا على تأسيسها منذ عدة سنين .. ومن أراد المزيد حول أزاد وتفسيره وآرائه فى التفاسير القديمة، ومنهجه وإصلاحه الدينى بالقرآن، فليرجع إلى ما كتبته مفصلا فى كتابى «مولانا أبو الكلام أزاد» المصلح الدينى والزعيم السياسى (١) .. والمهم من ذكر هذا كله أن نسجل هنا .. أن مدرسة الإمام فى التماس الهداية من القرآن، والاصلاح الدينى والدنيوى على أساسه قد امتد أثرها حتى وصل إلى الهند بفضل مولانا أبى الكلام أزاد، ولم يقتصر على البلاد العربية .. وعلى أساس هذا قامت الحركات التحررية فى البلاد العربية والاسلامية .. [فيما بعد الإمام] وقد سرى أثره فى تلامذته الذين أعجبوا بآرائه، وكان أولهم تلميذه الوفى المخلص السيد محمد رشيد رضا، الذى سجل كل ما يختص به من تاريخ، ومن أقوال وآراء .. فأبقى الشيخ عبده حيا فى النفوس، مؤثرا على مدى السنين. وإذا كانت آراؤه الاصلاحية الدينية ومنهجه قد وجد لهما معارضة فى حياته، وقام علماء زمنه فى وجهه شأن ما يجرى لكل مصلح، فقد مات هؤلاء

стр. 137

جميعا، وبقيت القاعدة: «البقاء للأصح» تعمل عملها حتى جاء الوقت الذى يفخر فيه العلماء بالانتساب لمدرسته .. ويشرفون بترديد آرائه .. والسير على منهجه المفيد فى التفسير .. الشيخ محمد مصطفى المراغى شيخ الأزهر ولقد كان الشيخ الإمام المراغى شيخ الأزهر سابقا، أوفى العلماء فى اتباع منهجه فى هداية الناس بالقرآن وتفسيره وإن لم يكن قد ترك تفسيرا منتظما للقرآن، فقد ظهر طابعه هذا، فيما تناوله من دروسه للملك السابق من تفسير بعض آيات القرآن وسوره .. كتفسير سورة لقمان، والحجرات، وبعض آيات أخرى، جمعت وطبعت فيما بعد. وعاصر الإمام المراغى وجاء بعده علماء ساروا على المنهج نفسه فى تفسير القرآن تفسيرا يهدف إلى تربية الروح، وإيقاظ القلب، وبعث الهمة فى النفوس عن طريق تعريفها بمعانى القرآن وأهدافه ومراميه، دون الدخول فى تفاصيل .. وكانوا فى الوقت نفسه يلبون حاجة ماسة فى نفوس المثقفين، لفهم القرآن، دون الدخول فى اصطلاحات ومباحث تصرفهم عن المعنى- فظهر تفسير الشيخ أحمد مصطفى المراغى الاستاذ بكلية دار العلوم، كما قام بعض العلماء الأجلاء بإلقاء محاضرات بالتناوب فى قاعة الشبان المسلمين، أو فى قاعة دار الحكمة فى تفسير القرآن، وكان الحضور إليها مفتوحا، كما اتجه بعض العلماء والدارسين لكتابة تفسير مختصر على هامش المصحف، يقدم المعنى العام لقارئه .. وكان أفضل ما كتب فى ذلك «تيسير التفسير» للشيخ عبد الجليل عيسى عضو مجمع البحوث عليه رحمة الله .. وأتبعه بكتابة تفسير ميسر مختصر، على هامش المصحف أيضا سمى «بالمصحف الميسر» وقدم فيهما خدمة جليلة أخرى تيسر لقارئى القرآن- دون استعانة بقارئ آخر- قراءته فى الكلمات المرسومة بالرسم العثمانى، المخالف لما عليه الرسم حسب الإملاء الحديثة الآن .. ووضع ذلك فى أسفل الصفحة، فمثلا «يا صالح» تكتب هكذا «يصلح»، فكتبها الشيخ

стр. 138

عبد الجليل أسفل الصفحة برقم خاص «يا صالح» و «الصلاة» بالرسم العثمانى كتبها «الصلاة» و «الصلحت» كتبها «الصالحات» وبذلك قدم خدمة كبرى لقارئى القرآن .. وجمع بين المحافظة على الرسم العثمانى، وتسهيل القراءة على قارئى القرآن .. ومع هذا تفسير الاستاذ محمد فريد وجدى على هامش المصحف أيضا، وإن كان عليه بعض المؤاخذات، وتفسير «القوصى» للاستاذ أحمد نصار القوصى .. «والتفسير الواضح» للدكتور الشيخ محمود حجازى عليه رحمة الله، وفيه يذكر الآيات، ثم يتبعها بشرح مبسط سهل. وتلا ذلك كله تفسير كتبه المرحوم الاستاذ «سيد قطب» وهو أوسع من هذه التفاسير، لكن لم يتعرض فيه لمباحث لفظية أو مجادلات تصرف عن سياق المعنى، وانصبابها فى نفس القارئ، وقد صاغه صياغة أدبية فنية، وحرص على إبراز المعانى بصورة مؤثرة، وأعانه على ذلك اسلوبه الفنى الشيق، مستعينا ببعض الأحاديث وأسباب النزول الصحيحة .. وقد أخرجته «دار الشروق» فى ستة مجلدات كبيرة بالقطع الكبير، والطباعة الجيدة، ولقى هذا التفسير قبولا عند الجميع وسماه «فى ظلال القرآن» وبجوار هذا «منتخب التفسير» الذى توفر على كتابته بعض العلماء، وعلى مراجعته وصياغته لجنة منهم مختصرة، كنت واحدا من أعضائها، تحت رعاية «وزارة الأوقاف» وكان الفضل فى البدء به «للاستاذ أحمد طعيمة» وزير الأوقاف سابقا واستمر المشروع بعده، حتى خرج فى مجلد واحد سمى «المنتخب فى تفسير القرآن، وقد روعى فى التفسير الاختصار المركز فى إيراد معنى الآية فى ضعف حجمها غالبا وبأسلوب سهل وآراء معتمدة، لا تثير جدلا ولا شكوكا، لأن الهدف منه، كان ترجمته للغات الأجنبية، ولكن مع الأسف لم يتحقق هذا الهدف برغم المحاولات التى بذلت حتى الآن .. ويخرج مجمع البحوث. «التفسير الوسيط» لعامة القراء، يقوم به صفوة من العلماء تحضيرا وصياغة، وهو ليس بالطويل كالتفاسير القديمة، وليس بالمختصر كتفاسير الهامش، ولكنه بين بين ..

стр. 139

ويقدم غذاء طيبا للقارئ الذى يحرص على فهم القرآن فى سهولة واختصار وقت .. وقد نسيت أن أذكر أن فضيلة المرحوم الشيخ محمود شلتوت بذل جهدا فى التفسير مشكورا، سواء كان فى المحاضرات التى أشرت إليها، أو فى ندوات أخرى، وقد خرج له كتاب فى تفسير ثلث القرآن تفسيرا موضوعيا سهلا، لم يتبع فيه طريقة الأقدمين، ولكنه ساق تفسيره فى خطة جديدة، وبأسلوبه الشيق، وهو مطبوع متداول أيضا .. وهكذا نرى أن اتجاه العلماء الآن فى التفسير، قد استفاد وتأثر بمنحى الشيخ عبده فيه، وأصبح هو الاتجاه الغالب. [طريقة تدريس التفسير] ومع ذلك فإن الطريقة التى لا تزال متبعة فى تدريس التفسير بالأزهر وغيره هى الطريقة التقليدية القديمة، والكتاب المقرر على الطلاب كتاب من هذه التفاسير القديمة، كالنسفى والجلالين أو غيرهما .. والمدرس ملزم بملازمة الكتاب وتفهيمه للطلاب، ويتخرج الطالب عالما وهو متشبع بهذه الطريقة التقليدية، وبالأقوال والروايات الواردة فى هذه التفاسير، مع ضعفها أو بطلانها .. دون أن يأخذوا وجبة روحية من القرآن وتفسيره .. وكنت وأنا أدرّس التفسير بالأزهر وفى الخارج طوال المدة التى اشتغلت فيها بالتدريس، أعانى ضيقا فى الجمع بين دراسة الكتاب، وتفهيم الطلاب ما جاء فيه، من نحو، وقراءات، وآراء، وروايات، وهذا يأخذ جل الوقت أو كله، وبين الطريقة التى أنا مقتنع بها، وهى طريقة الشيخ عبده فى استخلاص العبرة وربط الآيات بالحياة ومشكلاتها .. مما يتشوق إليه الطلاب .. ويخرجون منه بفائدة ووجبة معنوية من القرآن .. لكنى استطعت أن أخصص وقتا قصيرا للمباحث اللفظية، ثم أصرف كل الوقت للدراسة التى أراها مفيدة .. وكنت أشبه الدراسة التقليدية بدراسة عالم الطبيعة لجسم الإنسان فى المعمل، مما يضطره لفك أجزائه، والتحدث عنها، جزءا هنا وجزءا هناك،

стр. 140

دون العناية بالنظر إلى الجسم كله، وما فيه من تنسيق، جعله يؤدى مهمته فى الحياة .. ويظهر صنع الله المتقن .. وبرغم حاجة المفسر إلى بعض الأبحاث اللغوية والتركيبية، فإنه من الخطأ وضياع الهدف أن يصرف الجهد كله فى هذا. . كما يحصل فى دراستنا للتفسير من كتبه المقررة وغير المقررة .. [كتابى للتفسير] ولكى أربّى طلابى على الطريقة التى أحبها، وكان ذلك فى أواخر الأربعينات- عملت على أن أكتب التفسير على ما أحب، وأنشره فى جريدة «منبر الشرق» لصاحبها ورئيس تحريرها المرحوم المجاهد الشيخ على الغاياتى، لكى يضم الطلاب لما يسمعونه فى الدرس، قراءة له فى كلام مكتوب، يمكنهم الاحتفاظ به .. وبدأت ذلك فى سنة ١٩٥٠، أسبوعيا وحكمنى المقرر على الطلاب، فبدأت من أول سورة الجاثية، وسرت فى هذا لمدة سنة، حتى منتصف سورة الأحقاف ثم سافرت للعمل فى الخارج .. وتوقفت عن كتابة التفسير. ولكنه كان دائما يشغل بالى ويؤرقنى، فعدت إليه بعد قرابة ثلاثين سنة، أنشره فى جريدة «السياسى» الأسبوعية، التى تصدر عن «دار التعاون» سنة ١٩٧٩ وما زال حتى الآن .. حيث توفر لدى الآن تفسير سور الجاثية، والأحقاف، ومحمد والفتح، والحجرات، ثم المجادلة، والحشر، والممتحنة، والصف، والجمعة، والمنافقون، والتغابن .. والكتابة والنشر مستمران .. وقد نشرت دار التعاون «تفسير سورة الجاثية» فى كتاب، والبقية تأتى إن شاء الله وبفضله .. وقد سبقت فى كتابتى للتفسير على هذا النسق، كل الذين كتبوا التفاسير المختصرة والمتوسطة فيما بعد. [تفسير الشيخ طنطاوى جوهرى والتفسيرات العلمية] وبرغم الموجة الحديثة فى التفسير التى بعثها الشيخ محمد عبده، وبرغم التأثر الشديد بها، فى أوساط العلماء والقراء بوجه عام، رأينا عالما فاضلا أستاذا فى «دار العلوم» يضع تفسيرا مطولا، جعل همه فيه بيان عجائب الكون مما أشار إليه الله فى كتابه الكريم، على أساس ما وصلت إليه العلوم الزراعية، والطبية،

стр. 141

والحساب، والهندسة، والفلك وعلوم البحار وغيرها من العلوم .. فما تأتى مناسبة تتصل بالزراعة مثلا إلا تحدث فيها بما وصل إليه علم الزراعة والنبات الخ. وما تأتى مناسبة لذكر البحار، وما فيها من أسماك وأحجار ولآلىء، إلا وتدرج إلى بحث البحار، وملوحتها، ومساحاتها، وخواصها والأسماك وأنواعها وخواصها .. الخ. حتى لنراه يستعين بالصور فى بيان أنواع الأسماك .. وهكذا فى بيان اللؤلؤ والمرجان وكيفية تكوينه. وكان يعتقد أن من الواجب عليه أن يبين فى هذا التفسير ما يحتاجه المسلم من الأحكام والأخلاق وعجائب الكون، فأثبت فيه من نظريات العلوم وحقائقها ما يشوق المسلمين إلى الوقوف على الحقائق البينات فى الحيوانات والنبات والانسان الخ. وكان يتعجب من أن آيات الأحكام لا تعدو فى القرآن (مائة وخمسين آية) كما يقول، ومع ذلك تقوم على هذه الآيات، البحوث الفقهية، التى شغلت العلماء، وألفوا فيها هذه الكتب الكثيرة، بينما فى القرآن من آيات العلوم ما يربو على سبعمائة آية وخمسين، ومع ذلك لا يعتنى علماء المسلمين بالوصول إلى فقهها ودقائقها. حتى ليقول فى أسلوب حماسى يستنهض همم المسلمين لطريقته»: فما بالكم أيها الناس بسبعمائة آية فيها عجائب الدنيا كلها؟ هذا زمان العلوم، وهذا زمان ظهور نور الاسلام، وهذا زمان رقيه يا ليت شعرى لماذا لا نعمل فى آيات العلوم الكونية، ما فعله آباؤنا فى آيات الميراث»؟. ثم يقول: «ولكنى أقول: الحمد لله الحمد لله. إنك تقرأ فى هذا التفسير خلاصات من العلوم ودراستها، أفضل من دراسة علم الفرائض، لأنه فرض كفاية، فأما هذه فإنها للازدياد فى معرفة الله وهى فرض عين على كل قادر، إن العلوم التى أدخلناها فى تفسير القرآن، هى التى أغفلها الجهلاء المغرورون من صغار الفقهاء فى الاسلام، فهذا زمان الانقلاب، وظهور الحقائق»

стр. 142

وبهذه الصورة تجده متحمسا غاية التحمس لمنهجه، لأنه يؤدى للمسلمين فرض عين عليه وعليهم، لترقى الأمة فى عقيدتها ومعرفتها بربها، وفى حياتها. ولم يعتمد فيما ذكره وأفاض فيه من أنواع العلوم إلا على الحقائق والنظريات العلمية السائدة يذكرها، ثم فى النهاية يستخرج منها العبرة التى من أجلها ساق الله الآية وهى الايمان بقدرة الله وعظمته فى تدبيره لخلقه .. وقد شرع فى هذا التفسير على طلبته بدار العلوم أولا، ثم سار فيه حتى أتمه فى خمسة وعشرين جزءا كبارا، وطبع حال حياته بمصر من ١٣٤١ هـ إلى سنة ١٣٥١ هـ ١٩٢٢ - ١٩٣٢ م، ولم يلق الإقبال الذى يستحقه، ربما لتغلغل منهج الشيخ عبده فى النفوس، وقد ولد عليه رحمة الله ١٢٨٧ هـ- ١٨٧٠ م وتوفى ١٣٥٨ هـ- ١٩٤٠ م .. مخلفا وراءه هذا العمل العظيم الذى قام به، مهما تختلف فيه الآراء من جهة فائدته فى التفسير وبيان معانى القرآن .. الفخر الرازى والشيخ طنطاوى وإننى أعتقد أن الهدف الذى دفع الفخر الرازى لكى يستعمل علوم عصره فى إظهار هداية القرآن وبيان عظمة الله، هو الهدف الذى دفع الشيخ طنطاوى لتفسيره .. والفرق بينهما، هو الفرق بين العلوم فى عصر الرازى، والعلوم فى عصر الشيخ طنطاوى .. فما ذكره الشيخ طنطاوى من علوم، متقدم كثيرا عما ذكره الفخر الرازى منها، كتقدم العلوم الآن عن عصر الرازى .. ولا شك أن الفائدة والعبرة من معلومات العلوم الآن، أكثر وأغزر مما كانت فى عهد الرازى .. والذى أخذ على الرازى فى توسعه فى ذكر العلوم، يؤخذ على الشيخ طنطاوى .. والذى يعجب بالرازى، يعجب أكثر بالشيخ طنطاوى .. وقد أخذ على الرازى من قبل أنه يشتت الذهن والقلب، ويبعدهما عن هدى القرآن، والعيش فى جوه، إلى مباحث علمية لا بدّ للانسان من التركيز عليها عند قراءتها .. وهو ما يؤخذ على الشيخ طنطاوى أيضا، كما يؤخذ على غيرهما من المفسرين الذين اشتغلوا بالمباحث اللفظية والفقهية والمجادلات

стр. 143

الكلامية .. هؤلاء شتتوا الذهن بشيء، والآخرون شتتوه بشيء آخر .. وكلاهما قرر المحدثون أنه إبعاد لقلب الانسان وشغل له عن الهداية بالقرآن .. لكن مما لا شك فيه أن التشتيت بالعلوم التى تظهر دقيق صنع الله، يأتى فى النهاية بفائدة كبيرة فى تعميق الإيمان، لو صبر الانسان وجمع بين أول الموضوع وآخره .. وكل مفسر قد أدى خدمة لفهم القرآن على طريقته فى تقديم خدماته جزاهم الله خيرا ..

стр. 144

القرآن والعلم ولعل هذا يجرنا إلى بحث موضوع «القرآن والعلم»، والقرآن من الدعوات الأساسية التى دعا إليها واعتمد عليها دعوته للعلم بشتى أنواعه. ولذلك فنحن نتقبل فى أى تفسير بعض الحقائق العلمية، التى تبرز ما أشار إليه القرآن، وما رمى إليه من ذكر الدلائل الكونية، ولكن الكثير منه فى التفسير يشتت الذهن فعلا، وينقله إلى جو آخر. فالقليل منه نافع، والكثير يشوش الذهن ويبعده عن جو القرآن وسياقه .. هذا إذا لم نشد الآيات، ونلو عناقها، لتقبل تفسيرا علميا فيه كثير من التفتت ان لم يكن التفتت نفسه .. فيصبح غير مقبول نهائيا ... وكلا التفسيرين، يمكن أن نقول عنهما: تفسيرا علميا، لكثرة ذكر العلوم والاستدلال بها فيه .. وأحب أن أذكر هنا وأؤكد أن هناك فرقا كبيرا، بين أن نستعين بالعلم، لتوضيح معنى آية أو جملة أو إظهار إعجاز القرآن، وبين أن تؤول الآية أو الجملة أو الكلمة تأويلا تعسفيا، لتكون مطابقة لما يقال من أنه علم .. فمثلا قوله تعالى «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» حين يأتى المفسر ويقول إن العالمين جمع عالم، وتكون بمعنى العوالم المخلوقة من انسان وهو أشرفها وغيره، ويأخذ فى ذكر هذه العوالم الأخرى وما فيها من أسرار، وتنظيم دقيق، كعالم الأرض والسماء، ثم عالم النبات والحيوان والحشرات. والأسماك، والنجوم والأفلاك الخ .. ويبين أن الله خلق هذه العوالم، وأعطى كل شىء خلقه ثم هدى، لأنه ربها، ومتولى أمرها، وراعيها وحافظ حياتها. لتؤدى دورها، ثم يمتد بحثه عن هذه العوالم الأخرى المشابهة لعالمنا كما بحث العالم المؤمن الاستاذ الغمراوى (١) يكون قد خدم القرآن بهذا دون خروج على نصه»

стр. 145

أو قوله تعالى «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها» فيتحدث عن الثمرات وتنوعها وخاصيتها، ويبين على ضوء العلم سر قدرة الله فى خلق هذه الثمرات، وفى مختلف المناطق، ولكل منطقة ثمارها والوانها الخ .. مقتصدا فى بيان ذلك، بحيث لا يفسر الآيات عنوة على معنى، أو يفسر تفسيرا مخلا .. بل إنه يلقى ضوءا فحسب على ما يشير الله إليه، ليزيدنا إيمانا .. بهذا يكون العلم فعلا فى خدمة الإيمان والقرآن. وداعيا إليه. وحين نذكر آيات خلق الانسان وتكون الجنين من «نطفة أمشاج» ونستعين بما وصل إليه العلم من مناظير وتشريح وتحليل، لبيان ما أشار الله إليه من عظيم قدرته فى خلق الإنسان- حين نفعل ذلك- لا نكون متعسفين فى استخدام العلم فى تفسير القرآن .. بل إننا نثاب على ذلك. ولا يخشى على الحقيقة القرآنية من التغييرات فى النظريات العلمية، فإن النظرية العلمية مهما تتغير لا تخرج عن أنها تكشف جديدا فى التطور أو فى بيان قدرة الله، وإن كنا لا نشجع على بيان معانى القرآن وأسراره على ضوء نظريات لا تزال محل بحث. ومع ذلك .. فإنه لا يضر فى رأيى أن نبين معنى أو نذكر شيئا على أساس علمى ثم يظهر ضعفه، أو خلافه فيما بعد، لأن هذا الفهم لا يقدح فى القرآن، ولأن هذا الذى وصلنا إليه وقلناه، يمثل عقليتنا وعلمنا نحن حين قلناه، ولا يمثل حقيقة القرآن، وفى تفسيرات القرآن التى بين أيدينا الآن نجد أقوالا من علماء أفاضل فى تفسير الآية نراها متهافتة، ومع ذلك لا نعيب إلا على قائلها وفهمه ولا نعيب القرآن .. ومع أن هذه هى الطريقة التى يمكن أن نقف عندها ونستعملها دون انزعاج، فإن ما يثار أحيانا من تفسيرات علمية تافهة ومتعسفة، تسيء للتفسيرات للجادة، وقد تروج وتشتهر بين الناس، ويكون ضررها أكثر من نفعها .. فى فهم القرآن، ولكن إلى حين .. وذلك كالذى فسر آيات سورة الرحمن حين ظهور مراكب الفضاء ووصولها للقمر، وذهابها إلى ما بعد الغلاف الجوى المحيط بالأرض.
следующие страницы →