← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37996

علم التفسير كيف نشأ وتطور حتى انتهى إلى عصرنا الحاضر

عبد المنعم النمر

Полный текст (164 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الآيات الكونية: بقى معنا الآيات التى تتحدث عن مظاهر قدرة الله فى خلقه: فى الإنسان، وفى السماء والأرض، وتلفت النظر إلى التدبر فيها حتى يصل العقل من خلال ذلك إلى الإيمان بقدرة الله الواحد. هذه الآيات تتحدث عن سنن الله فى كونه: وعن بعض الظواهر التى يراها الانسان، ويستطيع العربى العادى، أن يأخذ منها عبرة عامة. وهذا كاف فى الهداية والاتعاظ، ولكنها تحوى اشارات إلى حقائق علمية، تظهر لدارس القرآن، كلما تقدم العلم، وكشف شيئا من أسرار هذا الكون ... ومما لا شك فيه أن العرب حين نزول القرآن لم تكن عندهم قدرة لتفسير هذه الآيات على الأساس العلمى الذى أمكن أو يمكن أن نفسر به بعضها الآن إذ لم يكن عندهم معلومات علمية يستقبلون بها هذه الآية كما يستقبلها اليوم بعض علماء الطب والفلك والزراعة والجيولوجيا .. أو كما استقبلها بعض المسلمين العالمين بهذه العلوم فى العصر العباسى وما بعده لم تكن عندهم طاقة لفهم الدقائق التى يفهمها هؤلاء العلماء اليوم، ولذلك لم يفهموها إلا فهما إجماليا أو لم يتناولوها بالشرح إلا على قدر جهدهم. وكذلك علماء التفسير الذين فسروا القرآن حتى الآن تقريبا. إلا قليلا جدا. اكتفوا بالتفسير اللفظى البلاغى النحوى، مع النظرة العامة للمظاهر التى تتحدث عنها الآية، ويفهمها المفسر ويبرز العبرة منها .. وربما أضافوا للتفسير شيئا مما سمعوه من الاسرائيليات التى لبست عليهم، كما فسروا مظاهر الرعد والبرق وغير ذلك مما نراه وننكره فى كتب التفسير التى بين أيدينا .. ومن المعروف أنه على قدر تفتح الذهن، وعلى قدر المحصول العلمى للانسان، يكون اتجاهه فى المعرفة والسؤال عما يتطلع إلى معرفته .. فالريفى الجاهل فى القرية الذى لم يقرأ ولم يكتب لا يستطيع وهو يسمع الإذاعة ويشاهد التليفزيون أن يتجه ذهنه إلى السؤال عن دقائق صنع المذياع والتلفاز، كما كان يؤثر المرحوم الدكتور أحمد زكى أن يسميه، أو المرناء كما كان

стр. 72

يسميه المرحوم الأستاذ محمود تيمور. ولكنه ينظر نظرة هامة فى الجهازين وهما يؤديان عملهما. ويستدل من ذلك على قدرة العقل البشرى الذى صنعهما. وحتى لو ظهر منه سؤال- فلتة أو اعتباطا-: كيف يتم نقل الصوت والصورة؟ فإن من غير المناسب أن يجلس العالم بذلك، فيشرح له دقائق هذه العملية، لأن عقله لا يستوعبها، وليس لديه أساس علمى يمكن أن يقوم عليه هذا الشرح .. . فالاشتغال بذلك- اذن- مضيع للوقت، ومجاف للحكمة. ولذلك يكون من الحكمة توجيه الجواب وجهة يحتملها عقله، وهذا هو ما سلكه القرآن الكريم. سؤال عن الأهلة: فقد روت لنا كتب التفسير فى أسباب نزول قوله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) ما يشبه هذا. قال معاذ بن جبل رضى الله عنه لرسول الله ﷺ : (ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوى، ثم لا يزال ينقص، حتى يعود كما بدا، لا يكون على حالة واحدة كالشمس) وجواب هذا السؤال عرفناه ونحن صغار ندرس حركة القمر الشهرية، وموقعه بالنسبة للشمس والأرض، ورسمنا له الخريطة التى توضح أشكال القمر مع إظهار الجزء المنير منه، المواجه للشمس من ناحية، وما يظهر لنا نحن سكان الأرض من هذا الجزء المنير الذى يؤدى إلى أشكال القمر التى يراها الناس جميعا، أعنى أن الجواب أصبح فى متناول الطلاب الصغار الآن ... ولكنه وقت نزول القرآن، لم يكن من المناسب توضيحه للعرب، وليست عندهم أوليات علمية عن الشمس والأرض والقمر من هذه الناحية .. ولم يكن لدى الرسول ﷺ كذلك علم بأسباب هذا التغير، لأن علمه ليس من مهمته. وكان من الممكن أن ينزل القرآن به، كما نزل بكثير من الأجوبة، التى كان لا يعرفها الرسول، ولكنا نرى القرآن حين ينزل بالرد عليهم، يتجه وجهة أخرى، غير ما سأل عنها معاذ، وهى بيان فوائد حركة القمر لنا .. (قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ)؛ لأن هذا هو الذى كان يمكنهم فى ذلك الوقت فهمه ..

стр. 73

ولهذا قال علماء البلاغة فى هذا الجواب إنه من الأسلوب الحكيم .. أى الجواب بغير ما سأل عنه السائل، لصرفه عن موضع سؤاله، ايحاء له بأن كلا من سؤاله والجواب الحقيقى عنه غير مناسب، بل المناسب أن يسأل عما كان الجواب فعلا عنه .. وهو فائدة تغير القمر بهذه الأشكال التى نراها .. حتى قال بعض المفسرين فهما لقوله تعالى عقب ذلك مباشرة وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها (١) قالوا: إن ذلك يشبه أن يكون تقريعا لاتجاههم إلى ذلك السؤال، الذى لا يحتملون الاجابة الحقيقة عنه، وكان الأولى أن يقتصدوا فى الأسئلة، ولا يتعرضوا لما هو فوق طاقتهم العلمية .. فمثل هذا السؤال كمن أتى البيوت من ظهورها وقفز من نوافذها وسار إلى الشيء من غير طريقه المناسب له. وليس هذا برا، ولكن البر أو الصواب هو اتقاء مثل هذه الأساليب، فى الأسئلة لعدم مناسبتها لكم .. هكذا علل بعض المفسرين سر اتصال أجزاء الآية بعضها ببعض، وهو فهم فى الآية على كل حال، يقوم على حالة واقعة، هى عدم معرفتهم بمسائل العلم التى تؤهلهم لادراك الجواب الحقيقى على سؤالهم .. وهذا مثال من القرآن نفسه يوضح لنا ما نقول عن واقع الصحابة العلمى حين نزول القرآن .. والنتيجة: والذى نريد أن نصل إليه من هذا كله: أن الصحابة لم يكونوا مؤهلين بمعرفة عن تاريخ الرسل وأممهم فوق ما جاء فى القرآن. فكل زيادة فى هذه الناحية، إن ثبت ورودها عن الرسول قبلناها، وإلا أبعدناها عن تفسير القرآن، اللهم إلا إذا وجدنا حفريات ونقوشا تضيف لنا جديدا عمن تحدث عنهم القرآن .. كما أن الصحابة لم يكونوا مؤهلين بمعرفة علمية عميقة أو شبه عميقة عن

стр. 74

الإنسان، ومظاهر الكون أمامهم، ولهذا لم يخوضوا فيها بتفصيل، ولم يتحدثوا عنها، وإنما كانوا يكتفون بالعبرة، يأخذونها من منطوق الآية ومن النظرة البسيطة إلى المظاهر الكونية أمامهم دون تعمق، فإذا جاء عنهم شىء فى ذلك فقد نقلوه من خارج البيئة الاسلامية، اسرائيلية أو غيرها .. وقد جاء القرآن الكريم يخاطب العرب فى حالتهم تلك، بالأسلوب المناسب لهذه الحالة، فيأخذون منه قدرا يحرك فى نفوسهم الاتعاظ بما يحدثهم عنه، ويخاطب من هم أعلى منهم علما، وأدق نظرا، على درجاتهم المتفاوتة فى العلم ودقة النظر، فيكتسبون العبرة الظاهرة التى استفادها العرب الأميون، ولكنهم يزيدون عليها تأملات جديدة فى الآية على ضوء ما وصلوا إليه من علوم يقينية يجدون فى الآية إشارة لها وتحتملها ألفاظها .. ومن هنا أرى أن أولى الناس بتفسير الآيات الكونية إنما هم أهل العلم فى الطب والفلك والجيولوجيا وما يشبه ذلك من علوم، على ألا يتحدثوا عن آية إلا باليقينيات من العلم، لا بالفروض والنظريات. أما أرباب النحو والبلاغة فقد فسروها كما تدل عليه ألفاظها مع ما عندهم من علم عن الكون، استفادوه بالنظرة السطحية التى تشبه نظرة الصحابة، مع تفتح جاءهم على مرور الزمن حسب الجو العلمى الذى كانوا يعيشون فيه .. وأعتقد أننا بهذا الذى أوردناه قد ألقينا ضوءا كاشفا عن حالة تفسير القرآن الكريم فى عصر الرسول، وعن المحصول الذى يمكن أن نخرج به من هذا، وعن العوامل المتعددة، التى جعلته محصولا يسيرا. ومن يدرى .. لعل فى ذلك جوانب من الخير كثيرة، أهمها: ترك الباب مفتوحا للعقول وعلى مر الزمن لتجتهد فى فهم القرآن على ضوء خبرتها وعلمها، وتبرز لنا من أسرار الكون المكتشفة حديثا، ما أشارت الآيات إليه، ولم يدركه السابقون .. وهو خير يزيد المؤمنين إيمانا ويقينا .. ومن أراد أن يرجع إلى ما تركه الرسول صلى الله عليه من تفسير قليل. فليرجع إلى أمهات كتب الحديث. باب التفسير ليقف على هذه الحصيلة القليلة، بجانب ما غصت به كتب التفسير بأجزائها ومجلداتها.

стр. 75

التفسير بعد عصر الرسول عصر الصحابة وإذا كنا قد عرفنا هذا كله، فإن سؤالا يطرح نفسه علينا وهو: كيف كان الموقف بعد وفاة الرسول ﷺ من تفسير القرآن؟ ونستطيع أن نقول اجابة عن هذا السؤال: إن موقف الصحابة من فهم القرآن أيام الرسول كما عرفناه، وقد استمر بقوة الدفع بعد وفاته زمنا توفرت الظروف فيه للاستمرار. وأقول توفرت الظروف فيه للاستمرار لأن الظروف التى كانت فى أيام الرسول لم تستمر كثيرا بعد وفاته، كما سنتحدث عن ذلك فيما بعد. لقد كانت خلافة أبى بكر رضى الله عنه بعد الرسول من أكبر العوامل وأقواها للمحافظة على استمرار الوضع الذى كان أيام الرسول .. لأنه كان رضى الله عنه أكثر الصحابة شدة فى التزام الوضع السابق: فقال يجابه مانعى الزكاة «لو منعونى عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه» ثم رفض بكل شدة أن يغير قيادة «أسامة بن زيد» للجيش الذى كان قد جهزه الرسول، وولى اسامة القيادة قبيل وفاته .. ومن هذا المنطلق نستطيع أن نقول: إن أبا بكر رضى الله عنه حافظ بشدة على الوضع الذى كان أيام الرسول بالنظر إلى الموقف من تفسير القرآن .. ولا سيما فيما يتصل بالمتشابه، وما طوى من أحداث القصص التى ذكرها القرآن. وهما أهم ما شغل العقول بالكلام والسؤال، لأن مجال القول فيهما كان متسعا .. وذلك بخلاف ما يتصل بالعقائد المبدئية أو الكلية والأحكام، فقد كانت الآيات فيهما واضحة، وكانت السنة النبوية العملية والقولية توضح المراد منه، فوق أن عملهم فى أيام الرسول جعل المراد من الآيات فى هذا المجال، غير بعيد عن أفهامهم فكانوا يجيبون عن الاسئلة المتصلة بهذا الجانب، وهم متأكدون من صحة ما يقولون، معتقدين أن هذا جزء من تبليغ الدين ..

стр. 76

وذلك بخلاف ما عداه مما لم يرد فيه بيان نبوى، ولا تدعو الحاجة للخوض فيه فإنهم تورعوا عن الكلام فيه محافظة على النهج الذى ساروا عليه أيام الرسول .. وقد روى أن أبا بكر سئل عن معنى آية من القرآن فقال: أى سماء تظلنى وأرض تقلنى، إذا قلت فى القرآن برأيى، أو بما لا أعلم. وقد سبق أن ذكرنا أن عمر رضى الله عنه ضرب واحدا من المسلمين ضربا موجعا حتى كاد يؤدي بحياته وهو عبد الله بن صبيغ- لأنه كان يكثر من السؤال عن معنى- المرسلات والعاصفات والصافات، ولم يتركه حتى تاب ورجع عن هذا المسلك. ومع هذا روى أن أبا بكر أجاب لما سئل عن معنى (الكلالة) الواردة فى موضعين من سورة النساء، وأن عمر أيضا سأل عن معانى بعض الكلمات التى كانت خافية عليه كما سبق مثل (تخوف) فى قوله تعالى: «أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ» فى سورة النحل. وهذا يدلنا على أن الكلام السابق لأبى بكر (أى سماء تظلنى) الخ .. كان خاصا بناحية فى القرآن، وهى التى تتصل بالمتشابه أو بالمطوى من حوادث القصص، لأنه تحرج- جريا على النهج الرسولى- من الكلام فى هذه الناحية. ولم يتحرج من تفسير معنى الكلالة الواردة فى آيتين من آيات المواريث، لأن ذلك يتصل ببيان ألفاظ أحكام عرفوها، ولا بد لهم أن يبينوها .. أما تحرجه فيما تحرج عن الكلام فيه، فلأنه يحتاج إلى نقل صحيح، ولم يكن هذا النقل متوفرا لديه، فعدّ الكلام فيه حينئذ من أبواب الكلام بالرأى .. وهو لا يريد أن بخوض هذا المجال، تورعا منه، وتشبثا بالمنقول. وكان سلوك أبى بكر هو السمت الغالب على الصحابة فى عهده وعهد عمر تقريبا .. وامتد بعدهما ولكن عند الورعين الذين ألزموا أنفسهم حسن الاتباع ثم بدأت الظروف تتغير: فلو كان الاسلام ظل قاصرا على البيئة التى تركه الرسول فيها، لكان من الممكن أن يظل النهج الرسولى سائدا مسيطرا على الناس مدة طويلة ولكن ذلك لم يكن، فقد اتسعت رقعة الاسلام، ودخله أناس يحملون

стр. 77

ثقافات وأفكارا، ونفسيات مختلفة، واختلطوا بالصحابة فى المدينة، أو ذهب الصحابة إلى بلادهم، ولم يكونوا جميعا عربا، يفهمون العربية والقرآن بسليقتهم كالعرب، فاحتاجوا إلى بيان معنى ما يسمعون أو يقرءون، ولم يكونوا ملتزمين بالنهج الذى سار عليه الصحابة مع رسول الله ازاء القرآن وكان من الضرورى الاجابة عما يسألون أو يثيرون من شبهات، أو يطلبون من بيانات .. وكان من هؤلاء الداخلين فى الاسلام جماعة لا زال ماضيهم يشدهم إليه، فلم يكونوا مخلصين للدين الجديد، فأخذوا يثيرون الشكوك، ويزرعون الألغام فى طريق المسلمين المخلصين، حول القرآن والتعاليم الاسلامية بعامة .. وكان بجوار هؤلاء نبت جديد فى البلاد العربية، أو بتعبير العصر، جيل جديد، لا شك أنهم كانوا أكثر تطلعا من الجيل السابق عليهم، وأكثر جرأة وتطلبا لفهم ما يغلق عليهم فهمه من القرآن الكريم. كما أن الأحداث العنيفة التى أثارها النزاع حول الحكم فى وقت مبكر بعد وفاة الرسول، قد شغلت المسلمين بها، وأضعفت فيهم المثالية التى كانت سائدة من قبل، وأوجدت عند كل فريق رغبة فى التماس الحجة له من القرآن وكان الموقف يقتضى الاقتصار على فهم الآيات بمقتضى أسلوبها العربى المفهوم لدى الصحابة أو تابعيهم من العرب، مع الاستعانة فى بعض الأحيان بما يكون قد روى عن الرسول .. ثم التوقف عن الخوض فيما لا يمكن الخوض فيه .. كآية متشابهة. أو حادثة مطوية فى قصة. أو ظاهرة كونية. كالرعد والبرق مثلا .. وهذا بالفعل ما تمسك به الورعون من الصحابة وتابعيهم الذين التزموا النهج الأول. فكانوا يقلون من تفسير القرآن، ويتحرجون من الجرأة على الكلام فيه كأبى بكر، ويفوضون ما لم يعلموا رواية فيه عن الرسول، أو لم يكن ظاهرا واضحا عندهم، إلى علم الله .. معتبرين السؤال عنه بدعة، يجب على الانسان المؤمن البعد عنها. وهذا ما يبدو واضحا مما نعرفه من قول الامام مالك رضى الله عنه، لمن سأله عن معنى الاستواء، فى قوله: «الرحمن على العرش استوى» فقال الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة.

стр. 78

كان هذا الجواب يمثل مسلك المتحفظين الذين يتهيبون ابداء رأيهم الخاص فى تفسير القرآن، ولا سيما الأمور المشتبهة فيه .. ولكن لم يكن من الممكن فرض هذا المسلك على المجتمع الاسلامى كله، مع الظروف التى طرأت عليه، وسبق أن أشرنا إليها، والتى ولدت تيارا جديدا فى هذا المجتمع، يفرض على العلماء فيه، أن يتحدثوا عما يثار من أسئلة، وعما تتطلع إليه النفوس من توضيح ما يشكل فهمه عليهم من القرآن، والرد على بعض الشبه التى يثيرها المسلمون وغيرهم ممن اختلطوا بهم. حتى لا تظل هذه الشبه وهذه التساؤلات قائمة، تفعل فعل عوامل التعرية فى النفوس. وهنا نجد الكثيرين ينشطون لسد هذه الثغرات، وازالة هذه الشبهات، وارضاء هذه التطلعات ولكنهم يسلكون الطريق الذى يكون أكثر تأثيرا على المجتمع أو الجمهور فيه، وهو طريق الرواية .. عن الرسول أو عن الصحابة .. فإذا لم يجدوا .. نسبوا إلى الرسول أو الصحابة أقوالا .. وجد أن أكثرها غير صحيح النسبة بعد غربلته. وكثيرا ما كانت هذه الأقوال مستمدة من الإسرائيليين الذين أسلموا، ولجأ إليهم بعض الصحابة أو التابعين ولا سيما فى قصص الأنبياء والأمم السابقة- باعتبار هؤلاء الإسرائيليين أصحاب ثقافة قديمة، وعندهم كتب تحدثت عن هؤلاء الأنبياء .. ويمكنهم ايضاح بعض ما طواه القرآن من أحداث السابقين. وكان بعض هؤلاء الإسرائيليين المسلمين يتمتعون بثقة الصحابة والتابعين دينيا كما ذكرنا. وكانوا حين يسألون لا يمسكون عن الإجابة، بل يتحدثون بما يعرفون من قبل عن هذه القصص .. والسائلون يأخذون منهم الجواب ويتحدثون عن قصص القرآن .. والآخرون ينقلون عنهم، وهكذا حتى يصبح كلام هؤلاء الإسرائيليين رواية رواها فلان عن فلان .. وتلتصق بتفسير القرآن، وتصبح جزءا مهما من هذا التفسير .. وهكذا .. أصبح من المتيسر لدى المتحدثين فى تفسير القرآن أن يجدوا لدى كل آية روايات تفسرها .. مع أن الرسول لم يترك إلا القليل جدا من تفسير القرآن ..

стр. 79

وكان المتبع فى ذلك الوقت الحرص على الرواية، وذكر الأشخاص الذين اضطلعوا بها، تحرجا من التفسير بالرأى الذى لم يكن ينظر إليه نظرة سليمة فى ذلك الوقت، مما اتاح فيما بعد للنقاد البصيرين بالرجال أن يتتبعوا الرواة وينقدوهم، ويرفضوا ما يجدون فيه سببا للرفض .. كما نجد فى تفسير الطبرى وأمثاله من سرد الروايات ولكن لم يكر عليها بالنقد، فترك القراء فى دوامة، ولا سيما من لم تكن عندهم خبرة بالرجال الذين رووا هذه الروايات، وهم الكثرة الغالبة جدا من القراء .. وهذه التفسيرات- فى رأيى- هى التى وضعت حجر الأساس فى نشر الروايات الإسرائيلية والمدسوسة الموضوعة وترويجها فى الأجيال المتعاقبة .. ولا يشفع لهم أنهم ذكروا سند الروايات. فليس كل قارئ لها عليما بأحوال رواتها .. أو غيورا على القرآن والاسلام، يحرص على تنقيتها من الدخيل فيها .. وقد فتح هؤلاء بابا واسعا لمن أتى بعدهم فى الاعتماد على ما تقول هذه الروايات، دون ذكر السند وكأنه قضية مسلمة ولا سيما فى التفاسير الصغيرة، فرأينا الكثيرين ممن اشتغلوا بالتفسير يتوسعون فى سرد هذه الأقوال الإسرائيلية منها وغير الإسرائيلية. وزاد الطين بلّة أن الأحاديث الموضوعة راجت وكثرت، حتى كادت تطغى على الأصيلة، «فالعملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق» وشارك بعض المسلمين المخلصين مشاركة فعالة فى هذا الوضع- وبحسن النية مع الأسف- ليشدوا الناس إلى القرآن، كالأحاديث التى تذكر مع كل سورة لبيان فضلها وثواب قارئها، ترغيبا فى قراءة القرآن لأن الناس فى ذلك الوقت كانوا قد عنوا بالجدل والعلوم الأخرى- كما يقول وضاعو هذه الروايات- وانصرفوا عن العناية بالقرآن. ولست أريد أن أشغل القارئ هنا بنقل النصوص الدالة على ذلك كله من الكتب التى عنيت بهذه المسائل لأن هذه القضايا أصبحت معروفة مسلما بها لدى المشتغلين بالتفسير (١)

стр. 80

قاعدة تحتاج إلى مناقشة: ومع أن المشتغلين بالتفسير الذين عنوا بتنقية الروايات، وبيان الصحيح منها وغير الصحيح، قد أبلوا فى ذلك بلاء حسنا .. وقدموا لنا ذخيرة يمكن الاعتماد عليها. فإن هناك قاعدة من القواعد التى أقروها بصدد هذه الروايات، أعتقد أنه دخل منها الكثير من غير الصحيح، على الروايات المفسّرة للقرآن، وهى لهذا تحتاج إلى مناقشة .. هذه القاعدة المعروفة المسلّم بها لدى النقاد جميعا هى المتصلة بالرواية الموقوفة على الصحابى التى لم يسندها إلى رسول الله ﷺ حيث قالوا: إذا كانت هذه الرواية أعنى موضوعها من الأمور الغيبية، وتكلم بها الصحابى، فمعنى ذلك أنه سمعها من الرسول .. ولو لم يصرح بذلك، لأنه لا مجال للرأى والعقل فيها .. فهى فى حكم المرفوع للرسول .. وهذا الكلام الذى قالوه يمكن أن يصدق، ولكن إلى حد ما، لأنى أعتقد أننا لو أخذناه قضية مسلمة وعلى اطلاقها، فإنه من الممكن حينئذ أن يدخل منها المدسوس على رسول الله. ولا سيما فيما يتصل بالتفسير .. ذلك أن بعض الصحابة كانوا يطمئنون- ولو أحيانا لنكون أكثر دقة واحتياطا- إلى بعض المسلمين من أهل الكتاب، وإخبارهم ببعض الأمور من تفصيلات القصص وغيرها، فينقلون ذلك عنهم. ويروى تلامذتهم، أعنى التابعين عنهم .. وتصبح الرواية بذلك موقوفة على الصحابى .. فإذا أخذنا القاعدة السابقة قضية مسلمة فى مثل هذه الروايات نسبنا الى الرسول بذلك ما لم يقله، أو يكون هذا احتمالا على الأقل .. ومن الواجب أن نحتاط الاحتياط الشديد فى نسبة كلام الى الرسول عن مثل

стр. 81

هذا الطريق، لا سيما ونحن نعرف أن الصحابى كان يحرص الحرص كله، على أن يسند الرواية إلى الرسول، إذا كان حقا قد سمعها منه، ليزداد شرفا بالرواية عن رسوله من جهة، وليكسب كلامه مهابة وتوكيدا من جهة أخرى، ولا سيما فى مثل هذه الأمور الغيبية التى تحتاج لتدعيم وتقوية. فامتناعه أو عدم تصريحه حينئذ، بروايته عن الرسول، مع الحالة التى كانت قائمة بالأخذ عن بعض مسلمى أهل الكتاب فى مثل هذه الأمور، يوجب علينا أن نحتاط، فلا نقبل رواية بهذا الشكل، أعنى الرواية عند الصحابى التى لم ينسبها صراحة إلى الرسول .. وهذا- فى رأيى- يختلف عن قول الصحابى أو عمله فى حكم من الأحكام، لأنهم لم يكونوا يسمحون لأنفسهم بمعرفة شىء من ذلك، أو من العقائد، عن مسلمى أهل الكتاب .. والرسول ﷺ وضح كل ما يتصل بذلك قولا وعملا.، فإذا عمل أو تكلم الصحابة أو تابعوهم ممن كانوا فى المدينة أو خرجوا منها وكانوا على حال يوثق فيها بهم وبعلمهم، فإن من الجائز حينئذ أن نفهم أن قولهم فى الحكم أو عملهم، معتمد على عمل أو قول منسوب إلى رسول الله ﷺ وإن لم يصرحوا بنسبته إلى الرسول .. وهذا ما كان يأخذ به الامام مالك رضى الله عنه فى مذهبه، مما سمى بقاعدة عمل أهل المدينة .. وإن نازعه فى ذلك بعض الفقهاء، ممن لم يسلموا للامام مالك بحجة عمل أهل المدينة .. والاستناد إليه فى تقرير حكم من الأحكام .. وقد يقول بعض الناس: وما الضرر فى أخذ مثل هذه الروايات، أعنى الموقوفة على الصحابى فى أمور لا مجال للعقل فيها، ما دامت لا تتصل بتقرير عقيدة أو حكم شرعى، ولكنها زيادة تفاصيل لما ذكر مجملا من القصص أو الكون مثلا؟ ... وأقول لهم: إن الضرر من هذا يرجع إلى تقييد عقولنا بفهم أو تفصيل خاص باعتبار أن ذلك صادر عن الرسول .. وقد تكون تلك الرواية متصلة بأحوال الآخرة فتدخل ضمنا فى تكوين عقيدتنا، أو فى تكميل الصورة عنها.

стр. 82

وقد تكون متصلة ببعض الظواهر فى الكون، وتأتى التجارب العملية بعد ذلك ببطلانها، فيمتد أثر ذلك على رسول الله!! وهذا كثير. ربما يكون هذا تشددا منى فى أمور قبلها السلف أو بعضهم وأقروها .. ولكنى أرى من الأولى لنا الآن بعد أن قاسينا ما قاسينا من الروايات الموضوعة والمدسوسة والإسرائيلية، أن نقابل كل هذا البلاء الذى بلينا به فى أمر يتصل اتصالا وثيقا بالقرآن، وهو تفسيره وتوضيح معانيه والوقائع التى جاءت فيه. أقول من الأولى لنا أن نقابل كل هذا بشيء من التشدد، حتى نجرّد التفاسير مما علق بها، وشوّه فهمنا للقرآن، ليبقى القرآن وحده أمام عقولنا مع الأحاديث الصحيحة المرفوعة للرسول الواردة فى كتب الأحاديث الصحيحة. يبقى شىء آخر يحتاج لمناقشة هو أقوال مشاهير المفسرين، مثل على وابن عباس وابن مسعود من الصحابة رضى الله عنهم، ومثل عطاء ومجاهد ومقاتل وغيرهم من التابعين ممن يستشهد بآرائهم فى التفسير. هل ما يقوله هؤلاء فى فهم الآية كرأى لهم .. حين يصح النقل عنهم، ونسبة القول إليهم، يجب أن يؤخذ قضية مسلّمة، لا يصح لنا العدول عنها، أو مناقشتها، باعتبار أن هؤلاء أقرب إلى نور النبوة، وأكثر منا فهما للقرآن؟ وأقول مع تقديرى وإجلالى لهم- إن من المجازفة أن نتقيد بفهمهم فى الآية فلا نخرج عنه، وأن لكل من جاء بعدهم إلى ما شاء الله من الأزمان، أن يعملوا عقولهم فى فهم القرآن، ويستخرجوا من ألفاظه المعانى التى تؤديها، ما داموا أهلا لهذا الفهم، دون تأويل بعيد، أو شطط فى الفهم يصادم نصا، أو قاعدة إسلامية، أو يتنافى مع روح الاسلام العامة .. والكل يؤخذ منه ويرد عليه ما عدا رسول الله ﷺ .. وأعتقد أن هذا لا يلقى جدلا كثيرا لأن المفسرين الذين جاءوا بعد هؤلاء، لم يتقيدوا بآرائهم، وإن كانوا قد عنوا بنقلها فى صدر تفاسيرهم للآية ..

стр. 83

تفرق الصحابة فى البلاد ومدارس التفسير لقد تفرق أصحاب رسول الله ﷺ فى البلاد. مكة، والعراق، ومصر، والشام وغيرها .. وكان منهم من عرف عنه العلم بتفسير القرآن أو القول فيه .. كابن عباس وابن مسعود وغيرهما .. والمسلمون جميعا مشدودون للقرآن، مهتمون بمعرفته وتفسيره، كل على قدر تطلعاته. وكان من الضرورى أن يسألوا عما يريدون منه، لاجئين إلى من يرونه ثقة فى ذلك .. ولا يمكن أن نتصور فى هذا العصر أن أحدا من هؤلاء الموثوق بهم، قد خصص وقتا لتفسير القرآن، كما هو الشأن فى أيامنا، ولكن التفسير كان يحدث تبعا لأسئلة تلقى، فكان تفسيرا متناثرا حسب الوقت، والحاجة .. كما لا يمكن أن نتصور أن التفسير فى ذلك الوقت، كان كالتفسير الذى نقرؤه فى كتبه، أو نسمعه من المتخصصين أو شبههم فى أيامنا .. بل كان تفسيرا فى حدود ما سمع من الرسول، أو قيل إنه سمع منه، مع إضافة شىء إليه مما سمع من أهل الكتاب إن كان المفسر ممن يقبل ذلك، كما كان فى حدود الفهم العربى للألفاظ والتراكيب، وما عرف من سبب نزول الآية. وكانت تغلب عليه الرواية، ويسير فى حدودها .. ويتناقله الناس شفاها غير مكتوب .. «واشتهر من الصحابة عدد قليل فى تفسير القرآن، وأكثر من روى عنه على ابن أبى طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وأبى بن كعب. . وأقل من هؤلاء: زيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعرى، وعبد الله بن الزبير» (١). وكان أبعد هؤلاء وأكثرهم أثرا فى التفسير: ابن عباس ومدرسته فى مكة، وابن مسعود ومدرسته وتلاميذه فى الكوفة، وأبى بن كعب الذى آثر المكث فى المدينة

стр. 84

وكون فيها مدرسته التفسيرية .. وكان لكل من هؤلاء الصحابة تلامذة، أخذوا عنهم أقوالهم فى التفسير .. ولهؤلاء التلاميذ، تلامذة نقلوا عنهم .. وكل ذلك كان فى الصدور، لم يعن أحد منهم إلا قليلا بتدوين ما تلقاه فى كتاب، إذ كانت كتبهم هى صدورهم .. يحدثون الناس بما سمعوه من أساتذتهم من تفسير لآيات القرآن .. وبما يضيفونه إلى ذلك، من رواية سمعوها من غيرهم بطبيعة الأمر .. وكانت الأقوال فى تفسير الآيات كالهواء فى تنقلاتها بين الناس، ليس هناك ضبط لها، ولا بيان لصحيحها من غيره .. فاختلط فيها الصحيح القليل عن الرسول، بما وضع على لسانه، بما نقل عن معلومات أهل الكتاب .. مع تفسير للألفاظ وبيان لمعانيها حسب المفهوم العربى لها .. ولم يكن ذلك كله بشكل منتظم مرتب، ولكن على حسب الظروف وسؤال السائلين، أو رغبة الاستاذ لبيان آية من الآيات يقتضيها الحال .. وقد كان الأمر كذلك بالنسبة لأحاديث الرسول ﷺ ، إذ كان التفسير جزءا منها غير منفصل .. وظل الأمر كذلك حتى نهض فى أواخر القرن الهجرى من المسلمين، رجال هالهم هذا الخلط الكثير فى الأقوال والروايات، واتجهوا إلى غربلتها، وتمييز الصحيح من غير الصحيح، بتتبع حال الرواة الذين رووها، والوقوف على مدى الثقة فيهم .. وكان ذلك منهم حرصا على تنقية ما نسب إلى الرسول ﷺ من أقوال غير صحيحة الانتساب، باعتبار أن الأحاديث الصحيحة هى المرجع الأول والأخير، سواء فى بيان معانى القرآن، أو فى بيان الأحكام، فوصلوا فى هذا المضمار إلى ما أرادوا، مما تميزت به صفحة الإسلام عن غيره من الأديان.

стр. 85

عصر التدوين وقد ظل التفسير كغيره من العلوم. شائعا فى الهواء، متنقلا بين الصدور حتى اتجهت الأذهان إلى تدوين هذه العلوم فى كتب، ومنها التفسير، وذلك فى مستهل القرن الثانى الهجرى، فانفصل التفسير عن الحديث بعلم خاص، وإن ظل علماء الحديث يذكرون ما روى فيه من أحاديث الرسول: ويذكر المرحوم الاستاذ محمد الفاضل بن عاشور مفتى تونس السابق ومن كبار علمائها (١) «أن أول من ألف فى التفسير هو عبد الملك بن جريج المتوفى ١٤٩ هـ» كما يذكر ذلك المرحوم الأستاذ أحمد أمين (٢) وإن كان لم يقل إنه أول من ألف، ويقول عن تفسيره وعنه «كان شأنه شأن المحدثين الأولين يجمعون ما وصل إليه من صحيح وغير صحيح، وقد ذكروا «أن ابن (٣) جريج لم يقصد الصحة، وإنما روى ما ذكر فى كل آية من الصحيح والسقيم» ولم يكن ابن جريج هو الذى ابتكر هذه المحاولة بل سبقه وزامله واتى بعده آخرون على نفس الخطة مثل تفسير السدى، ومقاتل، وغيرهم ممن تحدث عنهم السيوطى فى كتابه «الإتقان» الباب الثمانون- طبقات المفسرين. ولم تصل لنا هذه التفاسير فى كتب، وإن كانت آراء مؤلفيها قد نقلها غيرهم فى الكتب التى وصلتنا، وفى مقدمتها تفسير ابن جرير الطبرى .. بينما يقول الفاضل بن عاشور: إن هناك تفسيرا مهما وجامعا لم يعرف فى المشرق كما عرف فى المغرب، وإن لم يكثر تداوله، وهو تفسير «يحيى بن سلام»

стр. 86

الذى كان أول التفاسير ظهورا فى النصف الثانى من القرن الثانى الهجرى، والذى سار فيه أيضا على طريقة جمع الروايات المتداولة فى تفسير الآية، مما اقتضى جمع روايات متخالفة فى تفسير الآية الواحدة غير أنه كان يتعقبها بالنقد والاختيار .. فبعد أن يورد الأخبار المروية، مفتتحا إسنادها بقوله «حدثنا» يأتى بحكمه أو برأيه مفتتحا بقوله «قال يحيى» إلخ .. وهذه هى الطريقة التى سار عليها الطبرى فى تفسيره .. وهى طريقة التفسير الأثرى النظرى، وفيها شىء من التجديد والترقى عما سبقها، حيث يعتبر إيراد رأى المفسر، اختيارا لرأى أو رواية من الروايات، ورفضا لما عداها، أو نهجا فى التفسير يرتضيه .. ويحيى بن سلام ألف تفسيره وروى عنه بالقيروان من بلاد المغرب، وتوفى سنة ٢٠٠ هـ، والطبرى ولد سنة ٢٢٤ هـ فى المشرق فى طبرستان، ولكنه رحل إلى مصر، والشام، والعراق، التى توفى بها سنة ٣١٠ هـ، فهل يمكن القول بأنه اطّلع على تفسير يحيى بن سلام واستفاد منه؟. ويقول الفاضل بن عاشور إنه «توجد نسخة من تفسير ابن سلام عظيمة القدر نسخت منذ ألف عام، موزعة الأجزاء بين المكتبة العبدلية بجامع الزيتونة، وبين مكتبة جامع القيروان، ومن مجموعها يتكون نحو الثلثين منها، ويوجد جزء آخر منها عند بعض العلماء لعله يتممها» فهذا التفسير- إذن- لم يطبع حتى الآن، ولا عجب فى ذلك على أمة هذه حالها من ميراثها .. فقد ظل تفسير الطبرى بعد رواجه فى أوائل ظهوره وترجمته للفارسية- مخطوطا مهملا، وإلى عهد قريب لم يكن متداولا، حتى عثر على نسخة كاملة منه فى حيازة «أمير حائل» «حمود بن الأمير عبد الرشيد» من أمراء نجد، من نحو سبعين سنة فطبع عليها الكتاب (١) وصار متداولا معروفا لدى الخاصة والعامة، وأيضا من أهم المراجع فى التفسير .. جمع إلى الرواية النقد والاختيار للرأى الذى يراه. وكان يخطئ المفسرين الذى يعتمدون على مجرد الرأى واللغة .. ويعتبر تفسيره موسوعة ضمت إلى الروايات المتعددة، الثمينة

стр. 87

والغثة، دراسات فى اللغة، ونقد للروايات أحيانا، وأقوال السابقين واختيار الرأى الذى يراه أخيرا .. وقد جاء هذا التفسير الزاخر الضخم الموسوعة شبيها بنهر كبير، ضم مع الماء العذب كثيرا من القش والنفايات، وعلى القارئ وهو يسبح فى خضم هذا النهر أن يختار طريقه .. أو إذا أراد أن يشرب منه أن يعنى بتصفية الماء الذى يشربه. . ولا شك أن هذا الكتاب وهو مخطوط قد عرف فى زمنه، وبعد زمنه، واطلع عليه طلاب العلم والعلماء، وأخذوا عنه، كما كتب الكثيرون من كبارهم يشيدون به بما لم يظفر به كتاب آخر، وكانت هذه الإشادة به من علماء المشرق والمغرب، وفى عصور متتالية، دليلا على تداوله. وقد حذا كثير من العلماء منهج الطبرى فى التفسير، وإن زاد بعضهم عليه نقدا للروايات التى يذكرها حسبما عرف فى علم الجرح والتعديل لرواة الأحاديث، كابن كثير وعمدتهم جميعا الاعتماد على الرواية المأثورة فى تفسيرهم، ولا يمكن لنا تتبع ما كتب فى هذه الناحية بالحصر، وإن أمكن ذكر بعض التفاسير المشهورة، وإن تفاوتت شهرتها مثل: «بحر العلوم للسمرقندى، والكشف والبيان للثعلبى، ومعالم التنزيل للبغوى، والمحرر الوجيز لابن عطية، وتفسير ابن كثير، والجواهر للثعالبى، والدر المنثور للسيوطى» (١) وتفسير ابن كثير تفسير متداول بيننا، حائز للقبول، ويمتاز فى اعتماده على الرواية بنقدها، وبيان قيمتها من الصحة أو الضعف، أو الغرابة أو الوضع .. وقد قام بعض الفضلاء بتجريده واختصاره .. وكان بجوار هذه التفاسير التى عرفت بأنها كتب التفاسير بالمأثور. كتب أخرى لم ينح أصحابها منحى الطبرى وإخوانه بل سلكوا طريقا آخر- وكانوا ممن يميلون للاعتماد على العقل والرأى- وعرفت هذه الكتب باسم «التفاسير بالرأى»، وهذا يعنى عندهم عدم الاعتماد الكلى أو غالبا على الروايات وسردها، بل الاعتماد على التصرف العقلى واللغوى والبلاغى والعلمى فى

стр. 88

استخراج معانى الآيات .. مع ما صح عند المفسر واختاره من روايات للاستشهاد بها، وكان من هؤلاء الذين نحوا هذا المنحى المعتزلة .. لكنهم تغالوا فى الاعتماد على الرأى، حتى أنزلوا القرآن على مذهبهم الاعتزالى، واشتطوا فى التأويل .. فمنهم من عنى بإعراب القرآن واستخراج معانيه عن هذا الطريق كالزجاج «القرن الثالث الهجرى» صاحب كتاب «معانى القرآن وإعرابه» (١). ومنهم من عنى بالوجه البلاغى للقرآن، فبنى تفسيره على هذا الاتجاه مثل «تفسير الكشاف» لجار الله محمود بن عمر الزمخشرى (٤٦٧ - ٥٣٨) .. منتصرا لمذهبه المعتزلى حين تجىء مناسبة .. وكان هؤلاء يعيبون على أهل التفسير بالمأثور اعتمادهم على روايات غير صحيحة، وساعدهم على هذا القول ما اعتمده البخارى من أحاديث قليلة فى تفسير القرآن، حيث قال هؤلاء: إن ما عدا هذا مما ذكره المفسرون، واعتدوا به فى التفسير، غير صحيح، وشوشوا عليهم وجرحوهم .. حتى لنجد المعتزلى الكبير إبراهيم النظام يقول: «لا تستر سلوا إلى كثير من المفسرين، وإن نصبوا أنفسهم للعامة، وأجابوا فى كل مسألة، فإن كثيرا منهم يقول بغير رواية على غير أساس، وكلما كان المفسر أغرب عندهم. كان أحب إليهم، وليكن عندكم عكرمة، والكلبى، والسدى، والضحاك، ومقاتل بن سليمان، وأبو بكر الأصم فى سبيل واحدة، فكيف أثق بتفسيرهم، وأسكن إلى صوابهم؟» ولا شك أنه كان لمذهب الاعتزال أثر فى هذه النظرة .. ومن هنا انصرف المعتزلة إلى كتابة تفسير لا يعتمد على هذه الروايات، وإن شايعهم فى ذلك العقلانيون من غير المعتزلة دون طعن على السابقين، فوجدنا كتبا فى التفسير لا تعتمد على الرواية اعتمادها على العلوم العقلية كالنحو والبلاغة والعلوم التى اكتسبها المسلمون من آثار ترجمة الكتب اليونانية الفلسفية وغيرها ..

стр. 89

فما دام منهج الاعتماد على الروايات قد جرحه المعتزلة هذا التجريح، وأصبحت الثقة به ضعيفة، فليعتمد هؤلاء على منهج جديد، يلبى حاجة العقول فى عصرهم ولا يعتمد على الرواية، بل يعتمد على اللغة العربية والمعانى المستخرجة من حقيقتها ومجازها، بالاضافة إلى ما استفادوه من علم المنطق وغيره .. وأقبلوا على القرآن يفسرونه بهذا المنهج، وينصرون مذهبهم الاعتزالى بتأويل القرآن وإنزاله عليه كلما جاءت مناسبة تمس مذهب السنة، أو الاعتزال، واستعملوا مهارتهم الكلامية فى ذلك، حتى أو غلوا فى التعسف فى تأويل بعض الآيات وفى الوقت الذى ساد فيه مذهب الاعتزال، وسانده الحلفاء العباسيون، كان هؤلاء يعتقدون أنهم فرسان الحلبة فى تفسير القرآن، وعلم الكلام. بينما أهل السنة ممن يؤثرون التفسير بالماثور وقفوا منهم موقف المعارض الذى يعتقد أن المعتزلة بمنهجهم هذا يعتدون على كلام الله، وبعدت بينهم الشقة من هذه الناحية أيضا .. ولكن بدأ جو المعتزلة فى الانكماش بعد تخلى الخلفاء عنهم، وبعد ظهور أبى موسى الأشعرى الذى وقف بعلم وعناد ضد مذهبهم. وبدأ أهل السنة فى العمل فى مجال التفسير وغيره بقوة، فكان من ذلك مؤلفات فى التفسير وغيره لعلماء فى المغرب والمشرق .. لا سيما بعد أن أقبلوا على بضاعة المعتزلة من علم المنطق والفلسفة وغيرهما، ليتخذوا منها أسلحة لبيان معانى القرآن، ولتأييد آرائهم .. وللرد على مخالفيهم. وفى هذا الجو ظهر الامام فخر الدين محمد بن عمر بن الخطيب الرازى الشافعى. وقدم فيما قدم من مؤلفات تفسيره الذى سماه «مفاتيح الغيب» فكان أساسا وعمدة لأهل التفسير بالرأى من غير المعتزلة، كما كان الطبرى أساسا وعمدة لأهل التفسير بالمأثور. ويصبح من حقهما وحق القراء علىّ أن أذكر نبذة عنهما وعن تفسيرهما فيما بعد ..

стр. 90

[أصل هذا التقسيم] وأصل هذا التقسيم أو هذا الاصطلاح- الذى يقتضى إلقاء ضوء عليه، أصله قديم منذ عهد الصحابة الذين كانوا يتحرجون أن يتكلموا فى تفسير آية إلا إذا كانوا قد سمعوا عن الرسول شيئا فيها .. حتى لما سئل أبو بكر رضى الله عنه فى معنى آية لم يكن يروى عنها شيئا امتنع وقال عبارته المشهورة «أى أرض تقلنى وأى سماء تظلنى لو قلت فى القرآن برأيى». فاتخذ الناس من هذا الكلام دليلا على وجوب الاعتماد على التفسير المأثور، بحيث لا يتكلم أحد فى التفسير إلا برواية رويت .. وكان هذا سببا فى بدء حياة التفسير، اعتمادا على الرواية، وجمعوا فيها الغث والثمين. كما عرفنا، وكانت مزرعة، نما فيها الكثير من الاسرائيليات، والخرافات حول تفسير القرآن، وذلك لأن الأحاديث لم تغط تفسير القرآن، فلجئوا لأقوال الصحابة وغيرهم، ولروايات أخرى يفسرون بها. بينما نظر آخرون إلى قول أبى بكر، نظرة غير هذه النظرة، وقالوا لا يعنى كلامه هذا أن نهمل عقولنا ومعارفنا فى تفسير الآيات، من حيث اللغة، والمعنى الظاهر السافر ونخرج برأى حسب ما تؤديه الكلمات العربية، والأسلوب العربى، والله يقول «إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون» فالموضوعات التى تحتاج إلى رواية، وهى التى لا يمكن للعقل أن يحكم فيها .. نرجعها للرواية .. ونقف عندها .. لكن الآيات السافرة الظاهرة، التى تحكى قصة، أو تقول حكما، أو تحث على نظر فى الكون .. الخ. مما لا يحتاج فهمها إلى رواية؛ نتولى فهمها بعقولنا، ومعارفنا فى اللغة أو الأحكام، أو الكون .. بحيث لا نخرج عن قرآن صريح، أو حديث صحيح، هذا إذا لم يدفعنا فضولنا لمعرفة ما تركه القرآن من تفاصيل، بل قال بعضهم: إن النص إذا تعارض مع العقل، أوّلنا النص لما يوافق العقل، والله يقول «أفلا يتدبرون القرآن .. » وتفاسير هؤلاء سموها «التفاسير بالرأى»

стр. 91

ومثل هذا حدث فى الفقه أيضا حيث ظهرت مدرستان فقهيتان: مدرسة الحديث. ومدرسة الرأى، واشتهر عن مالك رضى الله عنه أنه من مؤسسى المدرسة الأولى فى المدينة، وعن أبى حنيفة أنه مؤسس المدرسة الثانية فى العراق. وحدث أيضا فى علم الكلام حيث انقسم المتكلمون فى علم التوحيد أو فى صفات الله .. إلى سلف: يحجمون عن التأويل فى مثل يد الله، وعينه، ووجهه، واستوائه مما ورد فى القرآن، ويقولون: له يد .. لا كأيدينا .. ولا نقول أكثر من ذلك، وإلى خلف: رأوا أن مثل هذا الموقف لا يشبع نهم عالم، ولا يردّ شبهة متمرد، فلجئوا إلى التأويل بأن اليد معناها القدرة، ليسكتوا هؤلاء المتمردين .. معتمدين على الاستعمالات المجازية فى كلمة اليد فى الأسلوب العربى .. ولا نعتقد أن أحدا منهم جاوز الهدف فى أيامه فى خدمة الاسلام، ولكن كان لكل منهم طريقة فى أداء هذه الخدمة حسبما رأى، على أن الذين اتجهوا إلى الاعتماد فى التفسير على الرأى لم يهملوا الأحاديث الصحيحة، بل ذكروها أيضا، وجالوا فى دائرتها، علما بأن الرسول ﷺ لم يفسر القرآن كله، ولم ترو أحاديث صحيحة يمكن بها تفسيره كله .. فالحاجة تدعونا- إذن- إلى الاعتماد على العقل والرأى فى التفسير. على أن الذين عابوا التفسير بالرأى لم يعيبوه إلا لبعض سقطات من بعض الذين تركوا الحديث، واعتمدوا على عقولهم وعلى وجه من وجوه اللغة، غير ناظرين لما روى من حديث صحيح، ولا إلى الوجه الآخر فى اللغة، ولا إلى جو الآية .. بل نجدهم- أعنى أصحاب التفسير المأثور- أعملوا عقولهم فى التفسير، فإن أبا بكر رضى الله عنه، لم يكن يعنى إلغاء عقله نهائيا أمام القرآن والتوقف النهائى عن فهمه، إذا لم يرد فيه حديث، بل كان وقوفه أمام أمر يحتاج إلى رواية .. بدليل أنه وعمر وابن عباس وباقى الصحابة، كانوا يرجعون فى الفهم إلى لغة العرب واستعمالاتهم، وقد سأل عمر عن معنى «الأب»، وعن معنى «تخوف»، وكان ابن عباس يفسر القرآن بما عرفه من كلام العرب

стр. 92

وشعرهم، وأبو بكر كان متورعا وقافا عند ما يؤثر عن الرسول حتى أنه عارض فى كتابة القرآن أولا، ثم اقتنع بكتابته .. فالخلاف الذى نشأ قديما بين المدرستين، كان خلافا بين زمنين، أو فى الحقيقة- إن شئنا الدقة- لم يكن خلافا جوهريا، بقدر ما هو خلاف شكلى، بدليل أننا يمكننا- بل رأينا مفسرين- أمكنهم الجمع بين الطريقتين أو بين الحسنيين .. وأما الأحاديث التى رويت فى النهى عن التفسير بالرأى فمطعون فيها وإن كان السابقون قد أخذوا بها، لكن الظاهر والمفهوم بداهة، أن المراد بالرأى الوارد ذمه فى الحديث لو اعتمدناه، إنما هو الهوى الذى لا يعتمد على أساس، والذى يخرج القرآن عن معناه الأصيل وعن هدفه .. كما يحصل من تأويلات فاسدة، أو بعيدة كل البعد، يلجأ إليها أصحاب الهوى لخدمة أغراضهم، أو أغراض الذين يتزلفون إليهم .. أما القول بالرأى: فى حدود اللغة والقواعد العامة، والنصوص الأخرى، فلا يمكن أن يكون محل تهديد من الرسول ﷺ ، وإلا لو كان محل هذا التهديد من الرسول، لعنى ﷺ بتفسير كل آية وكل كلمة، حتى لا يترك مجالا لرأى من الآراء، والرسول لم يؤثر عنه ذلك .. وكيف وقد أمرنا الله بتدبره فى قوله تعالى «كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ» (١) وقوله تعالى أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ٢٤ (٢) وقوله إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ٣ (٣) وقوله فى ختام آيات كثيرة تعرض مظاهر خلق الله: «إن فى ذلك لآيات للمؤمنين، أو لقوم يتفكرون، أو يتذكرون ..

стр. 93

وهذه كلها تأمر بالتدبر والفهم لما يعرضه القرآن، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بالبحث العقلى دون انتظار لحديث يروى، وأين هذه الأحاديث؟ إن هذا الاتجاه وهذا التوقف فى تفسير الآية على حديث من الرسول، فى أمور غير غيبية، لا يمكن أن يكون الباعث عليه إلا مجرد الورع والخوف من الوقوع فى قول خطأ، يتحمل مسئوليته ومسئولية من يقتدى به طول الزمن .. وإلا فلا يجوز أبدا أن يكون منهجا لفهم القرآن، وإلا كنا قد حسبناه فى قمقم، وحجزنا هديه عن الناس ومنعنا تدبره، ومعرفة ما يشير إليه من أسرار. . فيها الهدى للناس، ولا يمكن أن نقول فى تفسير كتفسير الإمام الطبرى ورأيه فى الآية، إن الطبرى لم يستعمل رأيه فى فهم الآية ونحمد الله على أن هذا الرأى لم يسيطر على علماء المسلمين جميعهم، بل قام أفذاذ العلماء برده والتخلص منه، وأقبلوا على تفسير القرآن بما منحهم الله من عقل وفهم ورأى، ولم يغفلوا مع ذلك ما ورد من روايات صحيحة، وكانوا حائزين لكل الشروط، أو متسلحين بكل الأسلحة التى يجب أن يتسلح بها كل من يريد التفسير: من علوم اللغة والبلاغة، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وأصول الفقه وما ورد من أحاديث صحيحة، ولا سيما فى آيات الأحكام، وآيات الغيب، ومن أسباب النزول، مع ذوق يعينه على استشفاف المعانى. ومع تجنب شد الآيات وليّها نحو رأيه ومذهبه وهواه .. فترك هؤلاء العلماء لنا كثيرا من التفاسير التى عرضوا فيها آراءهم وفهومهم للقرآن، وما يتصل به من علوم ومعارف، مع اسهاب، أو توسط، أو اختصار، فكان لنا من ذلك كله ذخيرة ضخمة، ووردا يقصده كل طالب علم .. وما يزال القرآن مقصد العقول والهمم، يتناولونه بالتفسير من خلال ما وهبهم الله من فهم له وتدبر لآياته .. ليس هناك ما يصد عن هذا المورد العذب، إلا سوء الفهم أو سوء القصد، أو تحميل للألفاظ ما لا تحتمله، وخروج بها عن الظاهر إلى معان باطنية بعيدة، وجعلها رموزا لأشياء يعرفونها هم .. كما حصل من كثير من الباطنية والمغرقين من الصوفية، وكما

стр. 94

يحصل الآن من بعض الذين تعرضوا للتفسير، وقد كان هذا المورد أو النهر الخضم العظيم، مجالا واسعا لكل من أنس القدرة على العوم فيه، بما تيسر له من علم وأدوات، فبعضهم خاضه بما أتقنه من علوم العربية، وبعضهم أضاف إلى ما عرفه من علوم الدين، ما علمه من علوم الكون كالرازى، وبعضهم ركز فيه على الجانب الذى يتقنه، فجعله معرضا لعلم الفقه والأحكام .. وهكذا. يقول السيوطى (١): «ثم صنف بعد ذلك قوم برعوا فى علوم، فكان كل منهم يقتصر فى تفسيره على الفن الذى يغلب عليه، فالنحوى تراه ليس له هم إلا الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة فيه، ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته كالزجاج والواحدى فى البسيط، وأبى حيان فى البحر والنهر.» «والأخباري ليس له شغل إلا القصص واستيعابها، والأخبار عمن سلف سواء كانت صحيحة، أم باطلة كالثعلبى» «والفقيه يكاد يسرد فيه الفقه من باب الطهارة إلى أمهات الأولاد، وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية التى لا تعلق لها بالآية والجواب عن أدلة المخالفين كالقرطبى» «وصاحب العلوم العقلية كالفخر الرازى قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وشبهها. وخرج من شىء إلى شىء، حتى يقضى على الناظر العجب من عدم مطابقة المورد للآية» «والمستبدع ليس له قصد إلا تحريف الآيات وتسويتها على مذهبه الفاسد» «والملحد لا تسأل عن كفره وإلحاده فى آيات الله» ويعتبر هذا ملخصا لنظرة السيوطى إلى التفاسير التى ظهرت واطلع عليها فى أيامه (١٨٤٩ - ٩١١ هـ)

стр. 95

كتب التفسير وأرى من المستحسن أن أمر بك سريعا على كتب التفسير التى ألفت حتى عهد السيوطى لمجرد التعريف بها وبمؤلفيها فى سطور .. سواء من ذلك كتب التفاسير بالمأثور أو كتب التفاسير بالرأى- المعتزلى منها وغير المعتزلى: [التفسير بالمأثور] ١ - جامع البيان فى تفسير القرآن للطبرى (٢٢٤ - ٣١٠) وهو عمدة التفاسير ٢ - بحر العلوم «للسمرقندى المتوفى سنة ٣٧٣ هـ لا يزال مخطوطا ٣ - «الكشف والبيان» للثعلبى أو الثعالبى المتوفى سنة ٤٢٧ هـ لا يزال مخطوطا ٤ - معالم التنزيل: للبغوى المتوفى سنة ٥١٦ هـ مطبوع .. ٥ - المحرر الوجيز لابن عطية الأندلسى الغرناطى المتوفى سنة ٥٤٦ وهو ند تفسير الكشاف. وأكثره قبولا لدى العلماء ٦ - تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير البصرى ثم الدمشقى ولد سنة ٧٠٠ هـ وتوفى سنة ٧٧٤ وكان محبا لابن تيمية وآرائه ٧ - الجواهر الحسان فى تفسير القرآن للثعالبى المغربى المتوفى سنة ٨٧٦ ودفن بالجزائر .. ٨ - الدر المنثور فى التفسير بالمأثور للسيوطى المولود سنة ٨٤٩ - والمتوفى سنة ٩١١ فى منزله بروضة المقياسى وهو مختصر من كتابه «ترجمان القرآن» الذى ذكر فيه أحاديث التفسير بأسانيدها وفى الدر المنثور حذف الأسانيد، واختصر على المتن .. وهذه هى الكتب التى اختارها المرحوم الشهيد الدكتور الذهبى فى كتابه (١) عن التفسير بالمأثور وهى تقريبا عالة على الطبرى ..

стр. 96

[التفسير بالرأى] وهناك كتب تفسير غير هذه تعتبر من التفسير بالرأى المحمود وهى تفاسير أهل السنة وهى: ١ - مفاتيح الغيب للإمام فخر الدين الرازى (٥٤٤ - ٦٠٦ هـ) وسنفرده بحديث خاص .. ٢ - البحر المحيط لابن حيان الأندلسى الغرناطى (أثير الدنيا أبو عبد الله محمد بن يوسف) ولد سنة ٦٥٤ هـ وقد عنى فيه بوجوه الإعراب والقراءات، وينقل عن السابقين ما يراه ٣ - تفسير البيضاوى (ناصر الدين أبو الخير عبد الله) المتوفى سنة ١٦٨٥ و ٦٩١ هـ وهو تقريبا مختصر من تفسيرى الكشاف والرازى .. ٤ - تفسير الخازن (علاء الدين أبو الحسن على بن محمد) البغدادى الشافعى، ولد بدمشق ٦٧٨ هـ وتوفى سنة ٧٤١ هـ وقد نقله عن البغوى والسابقين وحشاه بالاسرائيليات والخرافات والأكاذيب. وكان هذا عيبه مع أنه جيد الرأى والعبارة .. ٥ - تفسير النسفى: (أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفى الحنفى توفى سنة ٧٠١، وقد اختصره من الكشاف تقريبا مهملا كلام الزمخشرى فى الاعتزال .. وهو معروف حتى لطلاب العلم لأنه مقرر عليهم بالأزهر .. ٦ - غرائب القرآن: للنيسابورى. (نظام الدين الحسن بن محمد الحسين الخراسانى النيسابورى) توفى حول سنة ٨٥٠ هـ وقد اختصره من تفسير الرازى مع الكشاف وغيره بتصرف .. ٧ - تفسير الجلالين: جلال الدين المحلى الشافعى وجلال الدين السيوطى الشافعى أيضا بدأه المحلى من أول الكهف إلى سورة الناس وهو مولود بمصر سنة ٧٩١ هـ وتوفى ٨٦٤ هـ ثم جاء السيوطى المتوفى سنة ٩١١ هـ مفسرا من أول البقرة لآخر الاسراء على منهج المحلى .. وعليه حاشية الصاوى والجمل ومعروفة لدى طلاب العلم وغيرهم ..

стр. 97

٨ - السراج المنير: للخطيب الشربينى القاهرى الشافعى المتوفى سنة ٩٧٧ هـ وقد ذكر فيه أنه اقتصر على أرجح الأقوال. مع إعراب، وقراءات وإسرائيليات .. ٩ - إرشاد العقل السليم: لأبي السعود التركى. ولد بقرية قريبة من القسطنطينية سنة ٨٩٣ هـ وبرز فى العلم حتى تولى الافتاء ومكث بها نحو ٣٠ سنة ويلقبه المفسرون «بشيخ الإسلام» وتوفى بالقسطنطينيه سنة ٩٨٢ هـ ودفن بجوار قبر أبى أيوب الانصارى المعروف هناك .. وهذا التفسير يمتاز بحسن الصياغة والكشف عن أسرار البلاغة القرآنية، وأسلوبه يحتاج إلى تأن فى فهمه ودقة فى قراءته .. ولا أظن أن السيوطى قد اطلع على هذا التفسير فقد ألف بعد وفاته وهو بمصر، وأبو السعود فى تركيا ويعتبر تفسير الرازى غالبا أساسا لهذه الكتب .. أما تفاسير المعتزلة: ويسميها أهل السنة: بالتفاسير البدعية، نظرا لأن أصحابها تعسفوا فى تأويل بعض آيات القرآن على مذهبهم تعسفا شائنا غير مقبول فى أحيان كثيرة. بتنزيلهم القرآن على مذهبهم، وقواعده الخمسة. ومن أشهر كتبهم المتداولة ما ذكرناه من قبل وهو: ١ - معانى القرآن وإعرابه للزجاج ٢ - الكشاف لجار الله محمود الزمخشرى ولد فى سنة ٤٦٧ وتوفى سنة ٥٣٨ هـ وهو معروف متداول .. ٣ - تنزيه القرآن عن المطاعن للقاضى عبد الجبار (أبو الحسن بن أحمد الهمذانى الأسدآبادى الشافعى شيخ المعتزلة المتوفى ٤١٥ هـ .. وهو مطبوع فى مجلد واحد كبير ولا يرى فى هذا الكتاب من عيب إلا المغالاة فى الانتصار لمذهبه الاعتزالى. وما عدا ذلك فهو عظيم .. ٤ - أمالى الشريف المرتضى أو غرر الفوائد ودرر القلائد: وهو أبو القاسم على ابن الطاهر أبى أحمد الحسين، ينتهى نسبه إلى جعفر الصادق إلى الحسين بن على رضى الله عنهم .. كان شيخ الشيعة فى العراق ومع ذلك يعتنق مذهب

стр. 98

المعتزلة، والكتاب يضم إملاءات الشريف المرتضى فى ثمانين مجلسا فى التفسير والحديث والأدب، فهو لم يتعهد بتفسير القرآن كله كغيره من المفسرين، بل من خلال نظرته وتفسيره لهذه الآيات التى تعرض لها وهى غالبا آيات فى العقيدة التى ينزلها على مذهبه كان تفسيره وقد ولد سنة ٣٥٥ هـ وفى سنة ٤٣٦ ببغداد. النظرة إلى تفاسير المعتزلة: نظرا للخصومة الشديدة التى كانت قائمة بين المعتزلة وأهل السنة، رأينا الأخيرين يطلقون على تفاسير المعتزلة، أنها تفاسير بدعية، وراج هذا الإطلاق برواج مذهب أهل السنة، وسيطرته على العقول، وتراجع مذهب المعتزلة، وانكماش القائلين به، حتى لم يعد لهم كيان خاص بهم. حتى رأينا المرحوم الشهيد الدكتور الذهبى .. يدرج هذه التفاسير ضمن التفاسير البدعية، تأثرا برأى أهل السنة فيهم .. والمعتزلة- بالرغم من آرائهم التى ذهبوا إليها وتخالف مذهب أهل السنة- كانوا مخلصين فى اتجاههم لهذه الآراء لخدمة الاسلام على الصورة التى رأوها .. وقد استنفدوا كل وسائلهم للدفاع عن مذهبهم .. وإن كانوا قد استعملوا سلطة الخلافة فى تدعيمه والتنكيل بمخالفيه، كما حصل فى فتنة القول بخلق القرآن، وما جرى فيها من تصرفات شاذة لا يقبلها العقل ولا الدين .. لكن خصومة أهل السنة لهم كانت شديدة شدة خصومة المعتزلة لهم- وحين مال الميزان لصالح أهل السنة انقضوا على المعتزلة وآرائهم وسفهوهم وسفهوها، ومن ذلك تسمية تفاسيرهم بالبدعية، أما نحن فى أيامنا، فلا يجوز أن نتأثر بهذه الخصومة، بعد أن ركدت ريحها، وذهب زمنها، وبالتالى ننأى بجانبنا عن كتب المعتزلة وآرائهم جملة .. بل ننظر إليها من حيث الموضوع غير متأثرين ولا وارثين لخصومة أهل السنة لهم .. ففي هذه الكتب والتفاسير ما لا يحصى من الفوائد العلمية. وآراؤهم الخاصة تحت نظرنا، يأخذ بها من يأخذ ويتركها من يترك .. ومن هذه التفاسير، تفسير الكشاف وهو موضع القبول جدا لدى المشتغلين

стр. 99

بالتفسير .. وكذلك غيره .. وإذا كان تفسير الطبرسى الشيعى قد أخذ مكانه لدينا، فلا يليق بنا إغفال كتب المعتزلة .. تفاسير الألف الثانى من الهجرة هذه التفاسير التى ذكرناها كانت من نتاج العقول فى الألف الأول الهجرى. . وهو كما ترى حافل بالمؤلفات ومنها التفاسير .. وكان آخرها تفسير أبى السعود التركى «ارشاد العقل السليم» فقد ألفه صاحبه فى النصف الثانى من القرن العاشر. فإذا استعرضنا تآليف أو تفاسير الآلف الثانى فإننا سنجد فى مقدمتها: تفسير روح المعانى: لشهاب الدين محمود الألوسي الحنفى البغدادى. الذى ولد سنة ١٢١٧ هـ فى بغداد وتوفى سنة ١٢٧٠ هـ، واستفاد فيه بكل ما سبقه من تفاسير، واختار منها ما أراد، مع عناية بنقل عبارة أبى السعود غالبا معبرا عنه بشيخ الاسلام، كما يعبر عن الرازى بالإمام. وله شخصيته حين يذكر الآراء، ويقارن بينها، ويختار منها، مع تفنيده لآراء المعتزلة والشيعة، ومع ذكره لآراء أهل الفلك والفلسفة، وإقرار ما يرتضيه، ومع عنايته بالمسائل النحوية والفقهية والكلامية، ونقده الشديد ورفضه للاسرائيليات، والأخبار المكذوبة، فجمع فيه الألوسي ما اعتبره زبدة آراء السابقين .. وإنه لكذلك، فقد وجد مائدة السابقين مبسوطة أمامه، فانتقى منها ما قبلته نفسه، وهضمه عقله، وقدمه بشيء قليل أو كثير من التوسع حسب المقاسات .. لكنه عنى بما لم يعن به غيره من التفسير الصوفى والإرشادى الرمزى، بصورة تصوره بأنه من أهل العلم بهذا التفسير والرضا به .. مع أنه تفسير مرفوض من الأغلبية الساحقة من المسلمين. . وعسير الهضم على عقولهم .. وكان هذا آخر التفاسير الجامعة المعروفة على النسق القديم، والسائرة على منهجها، الدائرة فى فلكها .. ويعتبر لذلك من أوسع المراجع المهمة فى التفاسير، وأوفرها قصدا واعتدالا ..

стр. 100

ملاحظة عامة: والظاهرة العامة فى هذه التفاسير منذ نشأتها .. عنايتها بالإعراب والوجوه البلاغية والقراءات والأحكام الفقهية وخلافاتها وأدلتها أحيانا، كما لوحظ عليها ذكر الروايات والاسرائيليات والقصص الخرافية البعيدة عن العقل .. مما يعتبر عيبا كبيرا فى هذه التفاسير .. وإن كان قليل جدا من المفسرين من ذكر هذا وعقّب عليه بالنقد .. سواء فى الأحاديث أو غيرها من الروايات التى لا أصل لها إلا الاسرائيليات .. ولذلك فإننى أرى أن الفكر الاسرائيلى قد غزا الثقافة الاسلامية من منبعها، وشوش عليها وأساء إليها، حتى لنرى الكثير من العقول- حتى عقول العلماء- فيها أثر كبير لهذا الغزو الغريب الذى كان يجب على مفكرينا وعلمائنا أن يتنبهوا له ويتحاشوه .. ولكن هذا ما كان. وظهر أثره جليا فى عصرنا، عصر العلم والحساسية الدينية، وهجوم الكثيرين على الاسلام وكتبه، مما يلقى علينا الآن عبئا كبيرا فى تطهير كتبنا من أثر هذا الغزو الذى بات يشكو منه الكثيرون ويستهجنونه .. [كتب تفسير للفرق الاسلامية] وإذا كنا قد عنينا بذكر كتب تفسير لأهل السنة، فليس معنى هذا أنها الوحيدة فى الميدان. فهناك فرق دينية متعددة. الشيعة الامامية، والزيدية، والخوارج .. وكل هذه الفرق تعتمد على القرآن وتعتز به، وتتخذ منه أساسا لمذهبها، ومن الطبيعى أن ينشط علماء هذه الفرق، ويكتبوا تفسيرا لأتباعهم، لكن كل علماء فرقة، ينتهزون فرصة وجود آية يمكن أن تخدم مذهبهم فيؤولوها لما يريدون، وبعضهم كالشيعة اشتطوا فى تفسير بعض الآيات بما لا يقبله العقل. . ولكنه بالنسبة للأتباع مقبول، وهم معصوبو العقول. يقبلون كل كلام يذكى فيهم روح المذهب ولو كان غير معقول .. ولكن مما لا شك فيه أنهم فيما عدا هذه الآيات يفسرون تفسيرا موضوعيا

стр. 101

كغيرهم من المفسرين السنيين. وأمامنا تفسير كمجمع البيان للطبرسى الشيعى، نجد فيه مرجعا طيبا للبحوث التفسيرية، من حيث الإعراب والقراءات واللغة، والمعنى، يمكن الاعتماد عليه كما يمكن كشف الآراء الشيعية وتجنبها .. وبجوار هذه توجد تفاسير أخرى، إشارية رمزية صوفية، تناول أصحابها فيه القرآن بالروح الصوفية واعتبروا كلماته الصريحة رموزا وإشارات لأشياء قائمة فى أذهانهم .. واستعملوا عبارات خاصة بهم، ربما تثير الالتباس والشكوك عند غيرهم من غير الصوفية .. ولذلك لا أستحسن للعاديين اقتناء هذه التفاسير، ولا قراءتها، إلا لمن هم فى وجد كوجد الصوفيين الذين ألفوها، ويكونون على دراية برموزها .. ويكون لديهم القدرة على تمييز الغث من السمين .. ولا أود أن أثقل عليك هنا بذكر هذه التفسيرات، ومؤلفيها، فهى لا تعنينا كثيرا، ومن أراد أن يستزيد .. فيمكنه أن يراجع كتاب «التفسير والمفسرون» ج ٢، ٣ للمرحوم الشهيد الدكتور الذهبى، فقد ذكر هذه الكتب على صورة مرتبة منسقة تسهل مراجعتها .. جزاه الله خيرا .. وكنت قد وعدت سابقا بأن أقدم لك دراسة مختصرة عن عمدة التفاسير بالمأثور ومؤلفه «جامع البيان» وهو الامام الطبرى، وها أنا ذا أبر بوعدى وأقدمه لك، على أن أقدم لك بعده عمدة التفاسير بالرأى الإمام فخر الدين الرازى وتفسيره «مفاتيح الغيب» الذى أعتبره أول وأقدم تفسير علمى ..

стр. 102

ابن جرير الطبرى وتفسيره هو أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى الذى ترك لنا تفسيره المسمى ((جامع البيان عن تأويل آى القرآن)) المشهور باسم تفسير الطبرى. بجوار ما تركه من مؤلفات قيمة فى التاريخ وغيره. وكانت ولادته سنة ٢٢٤ هـ فى بلدة آمل عاصمة اقليم طبرستان بإيران وهى كلمة مؤلفة من مقطعين «طبر» آلة من آلات الحرب التى اشتهرت بصنعها المنطقة و «ستان» معناها أرض أو منطقة، أو بلاد مثل «كردستان» - افغانستان. (أى بلاد الكرد وبلاد الأفغان). فنسب إلى المقطع الأول «الطبرى» واشتهر به .. وقد عاش نحوا من خمس وثمانين سنة حيث توفى سنة ٣١٠ هـ فى بغداد ودفن (١) بها .. أعنى أنه عاش فى أزهى عصور الاسلام تقدما وانتاجا على كل المستويات الفكرية. وكان من الطبيعى لإنسان موهوب من صغره، محب للعلم، متفان فيه، كالطبرى .. أن يجد ضالته وغذاءه العقلى فى هذا العصر الذى يعيش فيه، لكن ذلك لم يتم له بسهولة .. فالعواصم الفكرية العلمية التى تزخر بالعلماء كانت بعيدة عن موطنه الأصلى، فكان لا بد له من الارتحال إليها بعد أن درس على علماء منطقته، وكان أبوه «جرير» من ورائه يمهد له الطريق وييسر له السبل، منذ أن لمس فى ابنه الصغير نبوغا غير معهود فسافر إلى بغداد والكوفة، ثم ارتحل إلى مصر والشام، ثم استخفه الحنين إلى رؤية موطنه، فذهب إليه ولم يطل المقام فيه، فرجع إلى بغداد، وعكف على التدريس والتأليف، حتى آخر يوم من أيامه، برغم ضعفه وكبر سنه .. ولقد كان فى كل بلد يحل فيه، يلتقى بفطاحل علمائه، يأخذ عنهم،

стр. 103

ويعطيهم، ولم يكن علم هؤلاء الاكابر قاصرا على فرع دون فرع، بل كانوا كالموسوعة، التى تجد فيها الوانا شتى من المعارف .... من تفسير وقراءات وحديث، وعلم برجاله، ورواياته، ونحو وبلاغة، وفقه، وأدب، وتاريخ. فأخذ عنهم الطبرى هذه الموسوعة، واستوعب هذه العلوم، وبرع فيها، وإن اختلفت درجة هذه البراعة .. ولم يكن ذلك غريبا على رجل كالطبرى، فقد وهب حياته للعلم، وتخفف من كل اثقال الحياة وتبعاتها، حيث قضى حياته دون زواج. مع استعداد كبير للرضا بالحياة وشظفها، فكان انتاجه متساوقا مع نبوغه وفهمه وتفرغه، فترك كثيرا من المؤلفات التى أوصلها بعضهم الى نحو الثلاثين، واشتهر منها مؤلفان: «تاريخ الأمم والملوك»، «وجامع البيان فى تأويل آى القرآن» الذى يقع فى ثلاثين جزءا وهو الذى يهمنا الحديث عنه الآن. مقدمات سبقته: ولكن قبل أن نتحدث عن هذا التفسير، لا بد أن نتحدث حديثا موجزا عما سبقه من مقدمات أدت إليه، فإن مثل هذا التفسير الجامع الكبير، لا يمكن أن ينشأ دفعة واحدة، دون محاولات ومقدمات، ساعدت على ولادته عملاقا .. فقد وضع هذا التفسير فى النصف الثانى (١) من القرن الثالث الهجرى تقريبا، ولم يكن معنى ذلك أن السنين التى زادت على المائتين والخمسين قبله لم يكن فيها تفسير، بل كان فيها تفسير ومفسرون، اشتهروا بقولهم فيه، فى كل عاصمة من عواصم العالم الاسلامى: فى مكة، والمدينة، وبغداد، والكوفة، والبصرة، ودمشق، ومصر. وغيرها من بلاد الأندلس والشمال الافريقى، وكان الراغبون فى التفسير يرحلون إلى هؤلاء المشهورين ويأخذون عنهم .. لكن التفسير كان شأنه كشأن كل علم اسلامى فى نشأته، نشأ صغيرا مبعثرا، ثم تجمع وكبر بمرور الزمن، وبذل الجهود. ونحن نعرف أن عصر التدوين للعلوم الاسلامية بمعناه الواسع، لم يظهر إلا فى أيام الدولة العباسية، وكانت هناك تدوينات سبقت هذا العصر، فى عهد

стр. 104

الأمويين وما قبله، لكنها لم تأخذ المظهر القوى، الذى أخذته فى عهد العباسيين، الذى نضجت فيه العلوم الاسلامية المتنوعة ودونت، وكان منها علم التفسير .. وكانت الصفة البارزة للذين تعرضوا لتفسير القرآن، تهيبهم من القول فيه بآرائهم واعتمادهم على ما وصل إليهم من روايات يتناقلونها، منها الصحيح ومنها الضعيف أو الموضوع أو المستمد من الاسرائيليات .. ولم يصل إلينا من هذه التفاسير شيء منسق، وإن كنا عرفنا بعض أصحابها. مما تناقله الرواة عنها فى الكتب التى بين أيدينا .. وقد أثر هذا الجو على الطبرى، فكانت عنايته البالغة بالرواية، وإن لم يمنعه هذا من أن يدلي برأيه موافقا لها أو مخالفا، فكان تفسيره يمثل دائرة معارف ضخمة فى كل العلوم التى كانت سائدة فى هذا العصر وتتصل بتفسير القرآن، وذلك بسبب نبوغ الطبرى واتساع دائرة معارفه واستفادته من الجو العلمي الذى عاش فيه .. على أن هذا التفسير العظيم الذى أخذ شهرة واسعة، وتقديرا عظيما من كبار العلماء عند ظهوره حتى ليقول أبو حامد الأسفرائني المتوفى سنة ٤٠٦ هـ- ١٠١٥ م عنه «لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل كتاب تفسير محمد ابن جرير لم يكن ذلك كثيرا» أقول إن هذا التفسير على عظمته اندثر ونامت نسخه فى بعض المكتبات الخاصة .. فمرت قرون وهو مندثر، دون أن يعرفه أحد، اللهم إلا بعض نماذج، وورقات مبعثرة، كانت تشير إليه، وتثير تلهف العلماء عليه .. حتى نجد المستشرق «نولدكه» يكتب فى سنة ١٨٦٠ م بعد أن اطلع على نماذج من هذا التفسير، «لو حصلنا على هذا الكتاب لاستطعنا أن نستغنى عن كل كتب التفسير المتأخرة عليه، ولكنه يبدو للأسف. مفقودا بالكلية، ولقد كان مثل كتاب التاريخ الكبير لنفس المؤلف نبعا لا ينضب استمد منه المتأخرون حكمتهم (١).

стр. 105

وقد اراد الله لهذا الكتاب العظيم أن يبعث من جديد فى عهد النهضة المطبعية إذ وجدت منه نسخة خطية كاملة- كما يقول «جولد تسهير» فى مكتبة أمير حائل. وأمكن الاعتماد عليها فى طبعه بالقاهرة فى أوائل هذا القرن. ويقول العلامة الاستاذ محمود شاكر فى مقدمته التى كتبها لهذا التفسير الذى حققه وعلق عليه هو وأخوه العلامة المحدث المرحوم الشيخ أحمد شاكر (والنسخ المخطوطة الكاملة من تفسير الطبرى لا تكاد توجد، والذى منها فى دار الكتب (المصرية) اجزاء مفردة من الجزء الأول، والجزء السادس عشر، ومنها مخطوطة واحدة كانت فى خمسة وعشرين مجلدا، ضاع منها الجزء الثانى والثالث .. وهى على ما فيها تكاد تكون أصح النسخ وهى محفوظة بالدار تحت رقم ١٠٠ تفسير ويقول جولد تسهير: كما طبعت منه بعد ذلك طبعة منقحة سنة ١٩١١، ويقول الدكتور الحوفى الذى كتب عن الطبرى فى سلسلة أعلام العرب ((طبع سنة ١٩٢١ م بالمطبعة اليمنية بالقاهرة، وبمطبعة بولاق سنة ١٩٢٣ م، ويطبع بدار المعارف الآن بمصر تحقيق الأستاذ محمود شاكر) وكم فى بطون المكتبات الخاصة والعامة من ذخائر لنا ثمينة، مثل هذا التفسير لما يقيض لها من يكتشفها أو يطبعها بعد .. ولا بد لى من كلمة تقدير أقدمها للجهد العظيم الذى بذله الأخوان «شاكر» فى تحقيق هذا التفسير والتعليق عليه .. فى طبعة ممتازة تقوم بها دار المعارف بمصر وأصدرت منها ١٦ مجلدا انتهت إلى قوله تعالى «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا) من سورة إبراهيم الجزء الثالث عشر من القرآن. وتوقف حتى الآن (١٩٨٢ م) كما أخبرنى الاستاذ محمود لقد قام المحققان مشكورين بتخريج الروايات التى وردت فيه، وهذا أمر مهم جدا للقارئ .. وبتحقيق الألفاظ، ونسبة الأشعار، والأقوال إلى أصحابها، والمراجعة على النسخ الخطية والمطبوعة، وأهم من ذلك فتح مغاليق الجمل، بما عنا به من ترقيم وفواصل، وذلك لكثرة ما جاء فى كلام الطبرى من

стр. 106

جمل اعتراضية استطرادية، وفواصل طويلة، تعرقل القارئ عن متابعة القراءة، أو تحول بينه وبين الفهم الصحيح .. والواقع أن للطبرى أسلوبا خاصا يحتاج إلى مزيد من الصبر والأناة، والتتبع الدقيق لمعانيه، حتى إذا ألفه الانسان، سهل عليه بعد ذلك أمره .. مثله مثل بعض كتابنا المعاصرين الذين لهم أسلوبهم الخاص الذى يحتاج إلى قليل من الصبر على قراءته حتى يتعوده القارئ .. ولعل خير ما يعبر عن ذلك هو الاستاذ محمود شاكر العالم الدقيق حين يقول فى مقدمته: كان يستوقفنى فى القراءة كثرة الفصول فى عبارته، وتباعد أطراف الجمل، فلا يسلم لى المعنى، حتى أعيد قراءة الفقرة منه، مرتين أو ثلاثا .. وكان سبب ذلك أننا ألفنا منهجا من العبارة، غير الذى انتجه أبو جعفر، ولكن تبين لى أن قليلا من الترقيم فى الكتاب، خليق أن يجعل عبارته أبين، فلما فعلت ذلك فى أنحاء متفرقة من نسختى، وعدت بعد إلى قراءتها، وجدتها قد ذهب عنها ما كنت أجد من المشقة. على أن الذى كان يجده الاستاذ شاكر .. وجده من قبله المفسرون الذين نقلوا عن الطبرى فى غير زماننا، مثل السيوطى وابن كثير وأبو حيان والقرطبى. ولذلك وقعوا فى بعض أخطاء فى فهم المراد. كما يقول الاستاذ شاكر نفسه: «ولما راجعت كتب التفسير وجدت بعضهم ينقل عنه فينسب إليه ما لا أجده فى كتابه، فتبين لى أن سبب ذلك .. هو .. هذه الجمل التى شقت على قراءتها، يقرؤها القارئ، فربما أخطأ فهم أبى جعفر .. وربما أصاب» وإذن ففي أسلوب أبى جعفر فى تفسيره شىء من الصعوبة، ليست قاصرة على الذين تعودوا منا الأسلوب المعاصر، بل أيضا على القدماء من العلماء المفسرين أنفسهم، مما كان سببا فى أنهم أخطئوا فهم المراد من أبى جعفر. وقد وقع لى كثيرا ما وقع للأستاذ محمود شاكر حين قراءة هذا التفسير، فكنت أعانى الكثير فى فهمه، وتتبع أفكاره، ووصل كلامه بعضه

стр. 107

ببعض. وكنت أضيق ذرعا بكثرة استطراداته وانتقاله حين الكلام على فكرة أو موضوع، إلى كلام آخر بين كلامه، وإن كان له صلة به إلا أنه يمزق المعنى، ويشتت الفكر بين الفكرة الأصلية، وبين ما استطرد إليه وأضافه، حتى وجدت الجزء الأول من هذا التفسير المحقق، فسهل على كثيرا مما كنت أجده من صعوبة، كما وفر أيضا من الوقت. ولأجل أن اشركك معى فى هذا .. أضع أمامك هذا النموذج من كلام الطبرى فى تفسير قوله تعالى «اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ» ومثله «يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ» و «نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ» بعد أن استعرض بعض الأقوال قال (١): «والصواب فى ذلك من القول والتأويل عندنا: أن معنى الاستهزاء فى كلام العرب إظهار المستهزئ للمستهزئ به من القول والفعل ما يرضيه ظاهرا، وهو بذلك من قوله وفعله به مورثه مساءة باطنا. وكذلك معنى الخداع والمكر. فاذا كان ذلك كذلك (٢) - وكان الله جل ثناؤه قد جعل لأهل النفاق فى الدنيا الاحكام. بما أظهروا بألسنتهم، من الاقرار بالله وبرسوله، وبما جاء به من عند الله المدخلهم فى عداد من يشمله اسم الاسلام، وان كانوا لغير ذلك مستبطنين- احكام المسلمين المصدقين اقرارهم بألسنة أنهم مصدقون، حتى ظنوا فى الآخرة أنهم إذا حشروا فى عداد من كانوا فى عدادهم فى الدنيا أنهم واردون موردهم وداخلون مدخلهم. «والله ﷻ مع اظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكام الملحقة بهم فى عاجل الدنيا. وآجل الآخرة إلى حال تمييزه بينهم وبين أوليائه، وتفريقه بينهم- معدّ لهم من أليم عقابه ونكال عذابه ما أعد منه لأعدى أعدائه، وشر عباده، حتى ميز بينهم وبين أوليائه، فألحقهم من طبقات صحيحة بالدرك الأسفل- كان معلوما أنه جل ثناؤه بذلك من فعله بهم- وإن كان جزاء على أفعالهم، وعدلا ما فعل من ذلك بهم،

стр. 108

لاستحقاقهم اياه بعصيانهم له- كان بهم- بما أظهر لهم من الأمور التى أظهرها لهم أمن الحاقه احكامهم فى الدنيا باحكام أوليائه وهم أعداء، وحشره إياهم فى الآخرة مع المؤمنين، وهم به من المكذبين- إلى أن ميز بينهم دينهم- مستهزئا وبهم ساخرا .. الخ» فانت ترى فى هذا النموذج كثرة الاستطرادات وبعد أجزاء الجملة بعضها عن بعض بسطور بلغت نحو عشرة- فى احداها .. وقد وضحت لنا الفواصل التى وضعها الاستاذ محمود شاكر إمكان الربط بين الجملة الواحدة ولذلك علق فى الهامش بقوله «أكثر الطبرى الفصل بين الكلام فى هذه الفقرة وسياق العبارة هو كما يلى «فإذا كان ذلك كذلك كان معلوما أنه جل ثناؤه بذلك من فعلهم بهم. . كان بهم مستهزئا وبهم ساخرا» وما بين الكلام فى هذين الموضوعين فصل للبيان. وترك الفصلة الطويلة جدا وهى من أول قوله «فاذا كان ذلك كذلك .. كان معلوما. وبين جزءي الجملة ما يزيد عن عشرة أسطر جاء بها لزيادة التوضيح- ولكن من الصعب جدا على القارئ العميق أن يصل إلى فهم هذه الفقرة .. ولا سيما فى الطبعات التى لا توجد فيها هذه الفواصل .. لكن لا تظن أن هذه الظاهرة تعم الكتاب كله بل هى قليلة، وبجوار هذا القليل تجد الأسلوب المشرق الذى يمكن ادراكه بسهولة حين يدلى برأيه بعد نقله للروايات الكثيرة فى موضوع الآية .. موقف الطبرى وموقفنا من الروايات: ولقد كان الطبرى يورد هذه الروايات، وهو عالم بما فيها من تناقض أو كذب أو ضعف، ثم ينقدها أحيانا، ويأتى أيضا بالكثير منها ويتركها بلا نقد. وبعض النقاد يذهبون إلى تبرئة ساحة أبى جعفر من النقد، لسياقه هذه الروايات دون نقدها، قائلين إنه ذكر لك السند، وعليك أنت أن تبحث عن صحته أو كذبه أو ضعفه .. الخ، راوين العبارة المشهورة بين علماء الحديث

стр. 109

(من أسند لك فقد حملك) يعنون أن من ذكر لك سند الرواية فقد برئت ذمته، وحملك أنت مسئولية البحث عن صحته .. ومع أن هذا الكلام صحيح فى حد ذاته، وربما كان محتملا للخاصة أو خاصتهم فى زمنه إلا أنه يحمّل القراء عامة أمانة فوق طاقتهم، فليس كل قارئ عارفا بالرجال، أو بأساليب النقد، حتى يستطيع التمييز بين المقبول وغير المقبول، وليس كل قارئ عنده الرغبة أو الأمانة التى تحمله على التوقف حتى يتبين. على أن هذا إن كان ممكنا فى زمن كثرت فيه الكتب المطبوعة المتداولة التى عنيت بالرواة ونقدهم وبيان غثهم من سمينهم، فإنه لم يكن متيسرا من قبل شيوع هذه الكتب. ومن أجل هذا كان تدوين هذه الروايات التى كانت متداولة على ألسنة الناس فى أيامه- ومعروف بين العلماء أنها كانت بضاعة القصاص للتكسب والرواج عند العامة- أقول كان رفعها إلى مقام التدوين، ووضعها بجانب كلام الله على أنها تفسير له، مما ساعد كثيرا على إشاعة الخرافات والأضاليل فى نفوس المسلمين ملصقة بتفسير كلام الله. بل إنى أقول أكثر من هذا فيما يتصل بالروايات التى نقدها، وهى أمنية تمنيت أن لو كانت قد تحققت فى ذلك الزمن المبكر من وضع التفسير، كنت أتمنى أن لو اقتصر الطبرى وأمثاله على الروايات الصحيحة فى تفاسيرهم، وجردوها من الروايات الباطلة التى كروا عليها بالنقد .. لأنها كانت ستموت فى زمنها، أما بعد أن دونت ووضعت بجانب التفسير. فقد فتحوا الباب للقصاص وأصحاب الهوى أن يطلعوا عليها، ويستندوا إليها، فى حكاياتهم للعوام لجذب انتباههم، وكسب إعجابهم .. وابتزاز أموالهم .. كما نرى الكثير فى أيامنا ممن يدورون فى الأرياف، وبين العوام، أو متخلفى الثقافة، يتحدثون فى التفسير أو الدين ويستولون على ألبابهم بهذه الروايات الخيالية الخرافية، دون خوف من الله، ولا حرج من أصحاب العقول والفهم. ولا مراعاة لما يجب أن يكون عليه

стр. 110

تكوين الأمة العقلى والفكرى حتى انجرف فى هذا التيار بعض العلماء من الوعاظ والخطباء ... ولقد روى لنا كيف أن الخرافيين ممن كانوا يعتمدون على هذه الروايات الكاذبة، كانوا يستولون على قلوب العامة، ويهيجونهم ضد العلماء الذين ينكرون هذه الروايات، حتى يوجعوهم ضربا وإهانة، ومع ذلك عنى الطبرى بتدوينها!! إننا نجنى من هذا وذاك الآن الكثير من المر، والكثير من التهجم على الاسلام وكتابه .. ولقد كونت هذه الروايات جانبا خرافيا فى عقول المسلمين، تحتاج إلى كثير من الجهد والوقت فى القضاء عليه، وبعض المتمردين على الدين- من المسلمين أنفسهم- مع الأسف ممن تأثروا بمؤثرات غربية، يتخذون من هذا تكأة لرفض الدين كلية، ومع أنهم مبطلون، إلا أنهم أصحاب هوى، يستغلون نقطة الضعف عند عدوهم لينقضوا عليه، ونحتاج نحن إلى دفاع وجهد كبيرين، لتطهير عقول الناس من هذه الخرافات، والروايات الإسرائيلية المضللة. ولقد كان من الأولى لهؤلاء السلف الطيبين أن يكونوا بعيدى النظر، فيريحوا أنفسهم والأجيال التى بعدهم من هذه الخرافات والأضاليل، ويذكروا لنا ما صح سنده وما رأوه بعقولهم الناضجة؟ ويتركوا غير ذلك يموت مع الزمن. نعم كان من الأولى .. ولكن ماذا نفعل الآن وهذا هو الذى كان .. ولعل لهم عذرا وأنت تلوم .. واجبنا الآن هو التجريد: إن هذا يحملنا الآن مسئولية ضخمة وإن لم تكن مستحيلة أو صعبة .. ولكنها تحتاج إلى همة وغيرة وجهد يتكاتف فيه العلماء مع الحكومات التى تعنى بهذه الناحية ... هذه المسئولية هى تجريد هذا التفسير وأمثاله من كل رواية غير صحيحة .. سواء أكانت إسرائيلية أم موضوعة .. وإخراج الكتاب بعد ذلك للناس
следующие страницы →